← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

عينًا، فشرب منها واغتسل، ثم جاء إلى أبيه ليسقيه، فمات أبوه، وقَدِمَ هو على عليِّ بن أبي طالب، فأراد أن يقبِّلَ رُكبته، فصدمه الرِّكاب، فشجَّ رأسه، فكان يعرف بالأشَجِّ. وصدَّقه في هذا الزَّعم طائفةٌ من الناس، ورووا عنه نسخة فيها أحاديث من روايته عن علي، وممن صدَّقه في ذلك الحافظ محمد بن أحمد المفيد (١)، ورواها عنه، ولكن كان المفيد متهمًا بالتشيُّع، فسمح له في ذلك لانتسابه إلى عليَّ، وأما جمهور المحدِّثين قديمًا وحديثًا فكذبوه في ذلك، وردُّوا عليه كذبه، ونصُّوا على أن النسخة التي رواها موضوعة؛ منهم أبو طاهر أحمد بن محمد السِّلَفي، وأشياخُنا الذين أدركناهم، شيخ الإسلام [أبو العباس] (٢) ابن تيميَّة، والجِهْبذُ أبو الحَجَّاج المِزِّي، والحافظ مؤرِّخ الإسلام أبو عبد الله الذَّهبي (٣)، وقد حرَّرْتُ ذلك في كتابي "التكميل"، ولله الحمد والمنَّة. قال المفيد: بلغني أن الأشجَّ مات سنةَ سَبْع وعشرين وثلاثمئة، وهو راجعٌ إلى بلده. محمد بن جعفر بن محمد بن سَهْل (٤): أبو بكر، الخرائطي؛ صاحب المصنَّفات. أصله من أهل سُرَّ منْ رأى، وسكن الشَّام، وحدَّث بها عن الحسنِ بن عَرَفة، وغيره. وممن توفي فيها: الحافظ الكبير ابن الحافظ الكبير أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم (٥) محمد بن إدريس: الرَّازي. صاحب كتاب "الجَرْح والتَّعْديل" (٦)، وهو من أجل الكتب المصنَّفة في هذا الشَّأْن، وله "التفسير" الحافل الذي اشتمل على النقل الكامل، الذي يربو فيه على تفسير ابن جرير، وغيره من المفسرين [إلى

стр. 5602

زماننا] (١)، وله كتاب "العِلل" (٢) المصنَّفة المرتبة على أبواب الفِقْه، وغير ذلك من المصنَّفات النافعة. وكان من العبادة والزهادة والورع والحِفْظ والكرامات الكثيرة المشهورة على جانبٍ كبير، ﵀ وأكرم مثواه. صلَّى مرَّة، فلما سلَّم قال له بعض منْ صلَّى معه: لقد أطلت علينا، ولقد سبَّحتُ في سجودي سبعين مرَّة. فقال عبد الرحمن: لكني والله ما سبَّحْتُ إلا ثلاث مرَّات. وتهدَّم سور [بلدفي] (٣) بعضِ بلاد الثُّغور، فتكلَّم عبد الرحمن بن أبي حاتم على الناس، وحثَّهُمْ على عِمارته، وقال: من يعمره وأضمن له على الله الجنة؟ فقام رجل من التُّجَّار فقال: اكتب في خَطِّكَ هذا الضَّمان، وهذه ألف دينار لِعمارته. فكتب له رُقْعةً بذلك، وعمِّرَ ذلك السُّور، ثم اتفق موتُ الرجل عما قريب، فلما حضر الناسُ جِنازته طارت من كفنه رُقْعة، وهي التي كان كتبها له ابنُ أبي حاتم، ثم عادت وقد كتب في ظهرها: قد أمضينا لك هذا الضَّمان، ولا تعد إلى ذلك. ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وثلاثمئة قال ابنُ الجوزي في "منتظمه": في غُرَّة المُحرَّم منها ظهرت في الجو حُمْرةٌ شديدة من ناحية الشمال والمغرب، وفيه أعمدة بيضٌ عظيمة كثيرة العدد (٤). وفيها وصل الخبر بأن ركنَ الدولة أبا علي الحسن بن بُوَيْه الدَّيْلمي وصل إلى واسط، فركب الخليفة، وبُجْكُم لقتاله، فانصرفَ راجعًا [إلى الأهواز] (٥)، ورجعا إلى بغداد. وفي هذه السنة ملك ركنُ الدولة بنُ بُوَيْه مدينة أصبهان، أخذها من وشمكير أخي مَرْدَاويج؛ لقلَّةِ جيشه في ذلك الحين. وفي شعبان زادت دِجْلَة زيادةً عظيمة، وانتشرت في الجانب الغربي، وسقطت دورٌ كثيرة، وانبثق بثقٌ من نواحي الأنبار، فغرَّق قرى كثيرة، وهلك بسببه حيوانات وسباع كثيرة في البرية. وفيها تزوج بُجْكُم بسارة بنت أبي عبد الله البريدي؛ وهو محمد بن أحمد بن يعقوب الوَزير يومئذٍ

стр. 5603

ببغداد، ثم صرف عن الوزارة بسليمان بن الحسن، وضَمِنَ البريديُّ بلادَ واسط وأعمالها بستمئة ألف دينار. وفيها توفي قاضي القضاة أبو الحسين (١) عمر بن محمد بن يوسف، وتولَّى مكانه وَلَدُهُ أبو نَصْر يوسف بن عمر بن محمد بن يوسف، وخلع عليه الخليفة الرَّاضي يوم الخميس لخمس بقين من شعبان. ولما خرج أبو عبد الله البريدي إلى واسط كتب إلى بُجْكُم يحثُّه على الخروج إلى الجبل ليفتحها، ويساعده على أخذ الأهواز من يد معز الدولة (٢) بن بُوَيْه، وإنّما كان مقصوده أن يستغيبه عن بغداد ليأخذها منه. فلما انفصل بجُكم بالجنود بلغه ما يؤمله أبو عبد الله البَريدي من المكيدة، فرجع سريعًا إلى بغداد، وركب في جيشٍ كثيف إليه، وأخذ الطُّرُقَ من كلِّ جانب، لئلا يشعر به إلا وهو عنده. فاتفَقَ أنه كان راكبًا في زورق، وعنده كاتبٌ له، إذ سَقَطتْ حمامةٌ في ذَنَبها كتابٌ، فأخذه بُجْكم، فقرأه، فإذا فيه كتاب من هذا الكاتب إلى بعض أصحاب البريدي، يعلمه بخبر بُجْكُم، فقال له: ويحك، أهذا خَطُّك؟ قال: نعم! ولم يقدر على الإنكار، فأمر بقتله، فَقُتلَ وألقي في دِجْلة. وحين شعر البَرِيْديُّ بقدوم بُجْكُم هرب إلى البَصْرة، ولم يقم بها أيضًا، [بل هرب منها إلى غيرها] (٣) فاستولى بُجْكُم على واسط، وتسلَّط الدَّيْلم على جيشه الذين خلَّفهم بالجبل، ففروا سراعًا إلى بغداد. وفي هذه السنة استولى محمد بن رائق على بلاد الشَّام، فدخل حِمْصَ أولًا فأخذها، ثم جاء إلى دمشق وعليها بدر بن عبد الله الإخْشِيذي المعروف ببُدَيْر من جهة الإخشيذ محمد بن طُغْج، فأخرجه ابنُ رائق منها قهرًا، واستولى عليها. ثم ركب [ابن رائق] (٤) في جيشٍ إلى الرَّمْلة فأخذها، ثم قصد عريش مصر ليدخلها، فلقيه محمد بن طُغْج، فاقتتلا هناك فهزمه ابنُ رائق، واشتغل أصحابُه بالنَّهْبِ، ونزلوا في خيام المِصْريين، فكَرَّت عليهم المِصْريون، فقتلوهم قتلًا عظيمًا، وهرب محمد بن رائق في سبعين رجلًا من أصحابه، فدخل دمشق في أسوأ حالٍ وشَرِّها، وسير إليه محمد بنُ طُغْج أخاه نَصْرَ بنَ طُغْج في جيش، فاقتتلوا عند اللَّجُّون (٥) في رابع ذي الحجَّة، فهُزِمَ المصريون، وقُتِلَ أخو الإخشيذ فيمن قُتِلَ، فغسله محمد بن رائق، وكفَّنه، وبعث به إلى أخيه بمصر، وأرسل معه ولده، وكتب إليه يحلف له أنه ما أراد قتله، وهذا ولدي فاقْتَدْ منه. فأكرم الإخشيذ ولدَ محمدِ بنِ رائق، واصطلحا على أن تكون الرَّمْلَة

стр. 5604

وما بعدها [إلى ديار مصر] (١) للإخشيذ، ويحمل إليه الإخشيذ في كل سنة مئة ألفِ دينار وأربعين ألف دينار، وما بعد الرَّملة [إلى دمشق] (٢) يكون لمحمد بن رائق. وممن توفي في هذه السنة: جَعْفَر المُرْتَعش (٣): أبو محمد، أحد مشايخ الصُّوفية، كذا ذكره الخطيب (٤). وقال أبو عبد الرحمن السُّلمي: اسمه عبد الله بن محمد، أبو محمد النَّيْسابوري (٥). كان من ذوي الأموال فتخلَّى منها، وصَحِبَ الجُنَيْد، وأبا حفص، وأبا عثمان، وأقام ببغداد حتى صار شيخَ الصُّوفية، فكان يقال: عجائبُ بغداد ثلاث: إشارات الشِّبْلي، ونكتُ المُرْتعش، وحكايات جعفر الخَوَّاص. سَمِعْتُ أبا الفَرَج (٦) الصَّائغ يقول: قال المرتعش: منْ ظَن أن أفعاله تُنْجيه من النَّار أو تُبلغه الرِّضْوان فقد جعل لنفسه ولفِعْله خَطَرًا، ومنِ اعتمدَ على فَضْل الله بلَّغه الله أقصى منازلِ الرِّضْوَان (٧). وقيل للمُرْتعش: إن فلانًا يمشي على الماء! فقال: إن مخالفةَ الهوى أعظمُ من المشي على الماء (٨). ولما حَضَرَتْهُ الوفاةُ وهو بمسجد الشُّونِيْزية (٩) حسبوا ما عليه من الدَّيْن، فإذا عليه سبعة عشر دِرْهمًا، فقال: بيعوا خُرَيْقاتي هذه فيها، وأرجو أن يرزقني الله كفنًا. وقد سألتُ الله ثلاثًا أن يميتني وأنا فقير، وأن يجعلَ وفاتي في هذا المسجد، فإني صَحِبْتُ فيه أقوامًا، وأن يجعل عندي منْ آنس به وأحبُّه. ثم غَمَّضَ عينيه، ومات (١٠). أبو سعيد الإصْطَخْرِيُّ (١١) الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى بن الفَضْل بن يَسَار، أبو سعيد الإصْطَخْري، أحد أئمة الشَّافعية.

стр. 5605

وكان زاهدًا ورعًا ناسكًا عابدًا، ولي القضاء بقُمّ، ثم حِسْبَةَ بغداد، فكان يدور بها ويصلِّي على بغلته، وهو سائر بين الأزقَّة، وكان متقلِّلًا جدًّا. وقد ذكرنا ترجمته في "طبقات الشَّافعية" بما فيه كفاية وله "كتاب القَضَاء" لم يصنَّف مثله في بابه، توفي وقد قارب التِّسْعين، ﵀. عليُّ بنُ محمد أبو الحسن (١): المُزَيِّن الصَّغير، أحد مشايخ الصُّوفية. أصله من بغداد، صحِبَ الجنيد وسهلًا التُّسْتري، وجاور بمكة حتى توفي بها في هذه السنة. وكان يحكي عن نفسه قال: وردتُ بئرًا في أرضِ تبوك، فلما دنوت منها زَلِقْتُ، فَسَقْطتُ في البئر، وليس أحدٌ يراني، فلما كنتُ في أسْفَلِهِ إذا فيه مصطبة، فَعَلَوْتُها وقلت: إن متُّ لا أفسد على النَّاس الماء، وسكَنَت نفسي وطابت للموت، فبينا أنا كذلك إذا أفعى قد تدلَّتْ عليَّ، فلَفَّتْ عليَّ ذنبها، ثم رفعتني حتى أخرجتني إلى وجه الأرض، وانسابت فلم أدر أين ذهبت، ولا من أين جاءت. وفي مشايخ الصُّوفية آخر يقال له أبو جعفر المُزَيِّن الكبير (٢)؛ جاور بمكَّة، ومات بها أيضًا، وكان من العُبَّاد. روى الخطيب عن علي بنِ أبي علي، عن إبراهيم بن محمد الطَّبري، عن جعفر الخُلْدي قال: ودَّعْتُ في بعض حجاتي المُزيِّن الكبير فقلتُ له: زوِّدني. فقال لي: إذا فقدتَ شيئًا فقل: يا جامع الناس ليومٍ لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، اجمع بيني وبين كذا، فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء. قال: وجئت إلى الكتَّاني فودَّعْتُه وسألته أن يزوِّدَني، فأعطاني خاتمًا على فصِّه نقش فقال: إذا اغتممت فانظر إلى هذا الفَصِّ يَزُلْ همُّك. قال: فكنتُ لا أدعو بذلك الدُّعاء إلا استجيبَ لي، ولا أنظر إلى ذلك الفَصِّ إلا زال عني ما أجده من همًّ، فبينا أنا ذات يوم في السُّمَيْرية إذ هبَّتْ ريحٌ شديدة، فأخرجت الخاتم لأنظر إليه، فلم أدرِ كيف ذَهَبَ، فجعلت أدعو بذلك الدُّعاء يومي كله [أن يجمع عليَّ

стр. 5606

الخاتم] (١)، فلما رجعتُ إلى المنزل، فتشتُ المتاع الذي في المنزل، فإذا الخاتم في بعض ثيابي التي كانت بالمنزل. صاحب كتاب العِقْد (٢) أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب بن حُدَير بن سالم، أبو عمر، القُرْطُبي؛ مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحَكَم الأموي. كان من الفضلاء المكثرين، والعلماء بأخبار الأولين والمتأخِّرين، وكتابه "العِقْد" يدل على فضائلَ جمَّة، وعلومٍ كثيرة مهمة، ولكنه يدل كثير من كلامه على تشيُّعٍ وميل إلى الحطِّ على بني أُمية، وهذا عجيبٌ منه؛ لأنه أحد مواليهم، وكان الأوْلى به أن يكون ممن يواليهم لا ممن يعاديهم. قال القاضي ابن خلِّكان: وله "ديوان شعر" حسن. ثم أورد منه أشعارًا في التغزُّلِ في المردان والنِّسوان (٣) أيضًا. وكان مولده في رمضان سنة ست وأربعين ومئتين، وتوفي بقُرْطبة يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأولى من هذه السنة. عمر بن أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب (٤) بن إسماعيل بن حمَّاد بن زيد بن دِرْهم، أبو الحسين، الأزْدي الفقيه المالكي القاضي ابن القاضي. ناب عن أبيه (٥) وعمره عشرون سنة، وكان حافظًا للقرآن والحديث والفِقْه على مذهب مالك، والفرائض، والحِسَاب واللُّغة والنحو والشِّعر. وصنَّف مسندًا، ورُزِقَ قوة الفهم وجودة القريحة، وشرف الأخلاق، وله الشِّعْر الرائق الحسن، وكان مشكورَ السيرة في القضاء، عَدْلًا ثقة إمامًا. قال الخطيب: أخبرنا أبو الطَّيِّب الطبري، سَمِعْتُ المعافى بن زكريا الجَريري يقول: كنا نجلس في

стр. 5607

حضرة القاضي أبي الحسين، فجئنا يومًا ننتظره على العادة، فجلسنا عند بابه، وإذا أعرابيٌّ جالس كأنَّ له حاجةً، إذ وقع غُرَابٌ على نخلة في الدَّار، فصرخ ثم طار. فقال الأعرابي: هذا الغراب يقول: إن صاحب هذه الدار يموت بعد سبعة أيام. قال: فزبرناه، فقام وانصرف، ثم خرج الإذْن من القاضي إلينا أن هَلُمَّ فادخلوا، فدخلنا، فإذا به متغير اللون مغتمًا، فقلنا: ما الخبر؟ فقال: إني رأيت البارحة في المنام شخصًا يقول: منازِلَ آلِ حَمَّادِ بنِ زيدٍ … على أهليكِ والنِّعَمِ السَّلامُ وقد ضاق لذلك صَدْري. قال: فدعونا له، وانصرفنا. فلما كان اليوم السَّابع من ذلك اليوم دُفِنَ (١). وقد كانت وفاته يوم الخميس لسبع عشرة مَضَتْ من شعبان من هذه السَّنة، وله من العمر تسع وثلاثون سنة، وصلَّى عليه ابنه أبو نَصْر، وولي بعده القضاء. قال الصُّولي: بلغ القاضي أبو الحسين من العِلْم مبلغًا عظيمًا مع حداثة سنه، وحين توفي كان الراضي يبكي عليه بحضرتنا ويقول: كنت أضيق بالشيء ذَرْعًا فيوسعه عليَّ، ثم يقول: والله لا بقيتُ بعدَه (٢). ابنُ شَنَبُوذ المُقْرئ (٣) محمد بن أحمد بن أيوب بن الصَّلْت: أبو الحسن، المقرئ، المعروف بابن شَنَبُوذ. روى عن أبي مسلم الكجِّي، وبِشْر بن موسى، وخَلْقٍ. وكان يختار حروفًا أنكرها أهل زمانه عليه، وصنَّف أبو بكر بن الأنباري كتابًا في الرَّدِّ عليه (٤). وقد ذكرنا - فيما تقدَّم (٥) - كيف عُقِدَ له مجلسٌ في دار الوزير أبي علي محمد بن علي بن مُقْلة، وأنه ضُرِبَ حتى رجع عن كثيرٍ من القراءات الشَّاذَّة التي أنكرها القراء من أهل عصره عليه. وكانت وفاته في صفر منها.

стр. 5608

وقد دعا ابن شنبوذ على ابن مقلة حين أمر بضربه، فلم يُفْلح ابن مقلة بعدها. ابنُ مُقْلَة الوزير (١): أحد الكُتَّاب المشاهير، محمد بن علي بن الحسن (٢) بن عبد الله: أبو علي، المعروف بابن مُقْلَة الوزير. وقد كان في أول عمره ضعيفَ الحال، [قليل المال] (٣) ثم آل به الحال إلى أنْ ولي الوِزارة لثلاثةٍ من الخلفاء، وهم: المقتدر، والقاهر، والرَّاضي. وعزل ثلاث مرات، وقُطِعتْ يده ولسانه في آخر أمره، وحُبِسَ، فكان يستقي الماء بيده اليُسْرى وأسنانه، وكان مع ذلك يكتُبُ بيده اليُمْنى مع قَطْعها كما كان يكتب بها وهي صحيحة. وقد كان خَطُّه من أقوى الخطوط، كما هو مشهور (٤) عنه. وقد بنى له دارًا في زمن وزارته، فجمع عند بنائها خَلْقًا من المنجمين، فاتفقوا على أن تبنى في الوقت الفلاني، فأسَّسَ جدارها بين العِشَاءين كما أشاروا، فما لبث بعد استتمامها إلا يسيرًا حتى خَرِبَتْ، وصارت كومًا. وقد كان له بُسْتان كبير جدًّا، عدة أجْرِبَة - أي فدادين - وعليه جميعه شبكةٌ من إبْرَيْسَم (٥)، وفيه من الطيور من القَمَارِي (٦) والهَزَار والببغ والبلابل والطَّواويس والقَبَج (٧) شيء كثير، وفيه من الغِزْلان وبقر الوحش وحميره والنعام والإبل شيء كثير أيضًا. ثم صار هذا كله عما قريب بعد النضرة والبهاء إلى الهلاك والفَنَاء. وقد أنشد فيه بعضُ الشعراء حين بنى داره وما حولها من الفِنَاء: قُلْ لابن مُقْلَة [مهلًا] (٨) لا تكُنْ عَجِلًا … واصْبِرْ، فإنّكَ في أضْغَاثِ أحْلامِ تبني بأنقاضِ دُورِ النَّاسِ مجتهدًا … دارًا ستُنْقَضُ أيضًا بعدَ أيامٍ

стр. 5609

ما زلت تختارُ سَعْدَ المُشْتريِّ لها … فلم توقَّ به من نَحْسِ بَهْرامِ (١) إنَّ القِرَان وبطليموس ما اجتمعا … في حالِ نَقْضٍ ولا في حالِ إبرامِ فَعُزِلَ ابنُ مُقْلَة عن وزارته، وخُرِّبَتْ داره، وأُتلفت أشجاره، وقُطِعَتْ يده، ثم قطع لسانه، وأغرم ألف ألف دينار، ثم سُجِنَ وحدَه [ليس معه من يخدمه] (٢) مع الكبر والضَّعْفِ والضرورة، [وانعدام بعض أعضائه] (٣) فكان يستقي الماء بنفسه من بئرٍ عميق؛ يمدُّ الحبل بيده اليُسْرى ويمسكه بفِيْه، وقاسى جهدًا جهيدًا، بعدما ذاق عيشًا رغيدًا. ومنْ شعره حين قطعت يده: ما سئِمْتُ الحياةَ لكنْ توثَّقْـ … ـــــــــــتُ بأيمانهم فبانَتْ يميني بعْتُ ديني لهم بدنيايَ حتى … حَرَمُوني دُنياهُمُ بعدَ دِيْني ولقدْ حُطْتُ ما استطعتُ بجهدي … حِفظَ أرْوَاحِهِمْ فما حَفَظُوني ليسَ بعدَ اليمينِ لذَّةُ عَيْشٍ … يا حياتي بانتْ يميني فَبِيْني وكان يبكي على يده كثيرًا ويقول: بعدما خدمت بها ثلاثة من الخلفاء، وكتبتُ بها القرآن مرتين، تقطع كما تقطع أيدي اللصوص. ثم ينشد: إذا ما ماتَ بَعْضُكَ فابكِ بعضًا … فإنَّ البَعْضَ من بَعْضٍ قَرِيْبُ وقد مات ﵀ في حَبْسِهِ هذا، ودُفِنَ في دار السُّلْطان، ثم سأل ولده أبو الحسين أن يحوَّلَ، فأجيب، فنبشوه، ودفنه ولدُه عنده في داره. ثم سألت زوجته المعروفة بالدِّينارية أن يدفنَ في دارها [فأجيبت إلى ذلك]، فنبش ودفن عندها. فهذه ثلاث مرات. مات ﵀ وله من العمر ستٌّ وخمسون سنة. أبو بكر بن الأنْباري (٤) محمد بن القاسم بن محمد بن بشَّار بن الحسن بن بَيَان بن سَماعة بن فَرْوة بن

стр. 5610

قَطَن بن دِعَامة، أبو بكر الأنْباري، صاحب "كتاب الوَقْف والابتداء" (١) وغير ذلك من المُصنَّفات. وكان من بحور العِلْم في اللغة والعربية، [والتفسير والحديث] (٢) وغير ذلك. سمع الكُدَيْميَّ، وإسماعيل القاضي، وثَعْلبًا وغيرهم، وكان ثِقَةً صدوقًا أديبًا، دَيِّنًا فاضلًا من أهل السُّنَّة، من أعلم النَّاس بالنَّحْو والأدب، وأكثرهم حِفْظًا له، كانت له من المحافيظ مجلدات عظيمة كثيرة؛ أحمال جمال، وكان لا يأكل إلا النقالى، ولا يشربُ ماءً إلى قريب العصر، مراعاةً لحفظه. ويقال: إنه كان يحفظ مئة وعشرين تفسيرًا، وحفظَ "تعبير الرؤيا" في ليلةٍ، وكان يحفظ في كلِّ جمعة عشرة آلاف ورقة، وكانت وفاته ليلة عيد النَّحْر من هذه السنة. أم عيسى بنت إبراهيم الحَرْبي (٣). كانت عالمةً فاضلة، تفتي في الفِقْه، توفيت في رجب منها، ودُفِنَتْ إلى جانب أبيها، رحمهما الله تعالى. ثم دخلت سنة تسع وعشرين وثلاثمئة في المنتصف من ربيع الأول منها كانت وفاة الخليفة الرَّاضي بالله (٤) أمير المؤمنين أبي العَبَّاس أحمد (٥) بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد بالله أحمد بن الموفق أبي أحمد بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرَّشيد بن المهدي بن المنصور، العَبَّاسي. استُخْلِفَ بعد عَمِّه القاهر لستٍّ خَلَوْنَ من جُمادى الأُولى سنة ثنتين وعشرين وثلاثمئة، وأمه أم ولد روميَّة تسمى ظَلُوم. كان مولده في رجب سنة سبع وتسعين ومئتين، فكانت خلافته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام،

стр. 5611

وعمره يوم مات إحدى وثلاثون سنة وعشرة أشهر. وكان أسْمَرَ رقيقَ السُّمْرة، دُرِّيَّ اللَّوْن، أسودَ الشعر سَبْطَه، قصيرَ القامة، نحيفَ الجسم، في وجهه طُول، وفي مقدَّم لحيته تمام، وفي شَعْرِها رِقَّة. هكذا وصفه من شاهده. قال الخطيب البغدادي: كان للرَّاضي فضائل كثيرة، وختم الخلفاء في أمور عِدَّة، منها: أنه آخر خليفة له شِعْر، وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش والأموال، وآخر خليفة خَطَبَ على منبرٍ يومَ الجمعة، وآخر خليفة جالس الجلساء ووصل إليه الندماء، وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وجراياته وخزائنه ومطابخه ومجالسه وخدمه وحجَّابه وأموره، كل ذلك يجري على ترتيب المتقدِّمين من الخلفاء (١). وقال غيره: كان فصيحًا بليغًا كريمًا جَوَادًا ممدَّحًا، ومن جيد كلامه الذي سمعه منه محمدُ بنُ يحيى الصُّولي: لله أقوامٌ هم مفاتيح الخير، وأقوام هم مفاتيح الشر، فمن أراد الله به خيرًا قصد به أهل الخير، وجعله الوسيلة إلينا فنقضي حاجته، فهو الشَّريك في الثَّواب والشكر. ومن أرادَ الله به شَرًّا عَدَلَ به إلى غيرنا، فهو الشَّريك في الوِزْر والإثم، والله المستعانُ على كلِّ حال (٢). ومن ألطف الاعتذارات ما كتب به الرَّاضي إلى أخيه المتقي وهما في المكتب - وكان المتقي قد اعتدى على الرَّاضي والراضي هو الكبير منهما - فكتب إليه الراضي: بسم الله الرحمن الرحيم، أنا معترف لك بالعبودية فرضًا، وأنت معترفٌ لي بالأخوة فَضْلًا، والعَبْدُ يذنب والمَوْلى يعفو، وقد قال الشَّاعر: يا ذا الذي يغضبُ من غير شيّ … اعتبْ فَعَتْبَاك حبيبٌ إليّ أنتَ - على أنَّكَ لي ظَالمٌ - … أعزُّ خَلْقِ الله طُرًّا عليّ قال: فجاء إليه أخوه المتقي، فأكبَّ عليه يقبِّل يديه، وتعانقا واصطلحا (٣). ومن لطيف شعره قوله فيما ذكره ابنُ الأثير في "الكامل": يَصْفرُّ وَجْهي إذا تأمَّلَهُ … طَرْفي ويحمَرُّ وجهُهُ خَجَلا حتى كأنَّ الذي بِوَجْنتهِ … منْ دَمِ جِسْمي إليه قد نُقِلا (٤) قال: ومما رثى به أباه المقتدرَ قوله: ولو أنَّ حَيًّا كان قَبْرًا لميِّتٍ … لَصَيَّرتُ أحشائي لأعْظُمهِ قبْرا

стр. 5612

ولو أنَّ عُمْري كان طَوْعَ مشيئتي … وساعَدَني المِقْدارُ قاسَمْتُهُ العُمْرا بنفسي ثرىً ضَاجَعْتَ في تُربِهِ البلى … لقد ضمَّ منكَ الغَيْثَ واللَّيْثَ والبَدْرا (١) ومن شعره الذي رواه الخطيب من طريق أبي بكر محمدِ بنِ يحيى الصُّولي النَّديم عنه قوله: كلُّ صفْوٍ إلى كَدَرْ … كل أمْنٍ إلى حَذَرْ ومصيرُ الشَّبابِ لِلْـ … ـــــــــــمَوْتِ فيه أو الكِبَرْ دَرَّ دَرُّ المشيبِ منْ … واعِظٍ يُنْذرُ البَشَرْ أيُّها الآمِلُ الذي … تاهَ في لُجَّةِ الغَرَرْ أينَ منْ كانَ قَبْلَنَا؟ … دَرَسَ العَيْنُ والأثَرْ سيَرُدُّ المُعارَ منْ … عُمْرُهُ كلُّهُ خَطَرْ رَبِّ إني ذَخَرْتُ عِنْـ … ــــــــــدَكَ أرجوكَ مُدَّخَرْ إنني مُؤْمنٌ بما (٢) … بَيَّنَ الوَحْيُ في السُّوَرْ واعترافي بتَرْكِ نَفْـ … ــــــــــــعي وإيثاريَ الضَّررْ ربِّ فاغْفِرْ ليَ الخَطِيْـ … ــــــــــــــئَةَ يا خَيْرَ منْ غَفَرْ (٣) ومما أنشده له ابنُ الجوزي في "منتظمه": لا تعذلي كرمي (٤) على الإسرافِ … ربحُ المحامدِ متجرُ الأشْرَافِ أجري كآبائي الخلائفِ (٥) سَابقًا … وأشيدُ ما قد أسَّسَتْ أَسْلافي إني من القوم الذينَ أكفُّهمْ … معتادةُ الإخلافِ والإتْلافِ (٦) وقد كانت وفاته بعِلَّة الاستسقاء في ليلة السادس عشر من ربيعٍ الأوَّل من هذه السنة. وكان قد أرسل إلى بجكم وهو بواسطَ ليعهد إلى ولده الأصغر أبي الفَضْل، فلم يتفق له ذلك، وبايع النَّاس أخاه المُتَّقي لله إبراهيم بن المقتدر، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.

стр. 5613

خلافة المتقي لله أبي إسحاق إبراهيم بن المقتدر بالله لما مات أخوه الرَّاضي اجتمع القضاة والأعيان بدار بُجْكُم، واشتوروا فيمن يولُّون عليهم، فاتَّفقَ رأيهم كلهم على المتقي لله إبراهيم هذا، فأحضروه إلى دار الخلافة، وأرادوا بيعته، فصلَّى ركعتين صلاة الاستخارة وهو على الأرض. لم يصعد إلى الكرسي بَعْدُ، ثم صَعِدَ إلى السَّرير وبايعه الناس، وكان ذلك يوم الأربعاء لعشرٍ بقين من ربيع الأول من هذه السنة - أعني سنة تسع وعشرين وثلاثمئة - فلم يغيِّرْ على أحدٍ شيئًا، ولا غدر بأحد حتى ولا على سَرِيَّتِهِ لم يغيرها، ولم يتسرَّ عليها. وكان كما سمِّيَ المتقي لله، كثيرَ الصَّلاة والصِّيام والتعبُّد. وقال: لا أريد أحدًا من الجلساء، حسبي المصحف نديمي، لا أريد نديمًا غيره. فقعد عنه الجلساءُ والندماء، والتفوا على بُجكم، فكان يجالسهم فيحادثونه ويتناشدون عنده الأشعار، فكان لا يفهم كثيرَ شيء مما يقولون لعجمته، وكان في جُمْلتهم سنان بن ثابت الصَّابئ المتطبب، فكان بُجْكُم يشكو إليه قوة النفس الغضبية فيه، فكان سِنَان يهذب من أخلاقه ويسكن جَأْشَه (١)، ويروضها حتى سكن عن بعض ما كان يتعاطاه من سَفْكِ الدِّماء. وكان المتقي بالله حسنَ الوجه، معتدل الخَلْق، قصيرَ الأنف، أبيضَ مُشْربًا حمرةً، في شعره شُقْرة وجُعودة، كثَّ اللحية، أشهل العينين (٢)، أبيَّ النفس، لم يَشْرَبِ النَّبيذ قط، فالتقى فيه الاسم والفعل، ولله الحمد. ولما استقر المتقي لله في الخلافة أنفذ الرُّسل والخِلَع إلى بُجْكُم وهو بواسط، ونفذت المكاتبات إلى الآفاق بولاية المتقي لله. وفي هذه السنة تحارب أبو عبد الله البَريدي وبُجْكم بناحية الأهواز، فَقُتلَ بُجْكم في الحرب (٣)، واستظهر البريديُّ عليه وقوي أمره، فاحتاط الخليفةُ على حواصل بُجْكم، فكان في جملة ما أخذ من أمواله ألف ألف دينار ومئتي ألفِ دينار. وكانت أيام بُجْكم على بغداد سنتين وثمانية أشهر وتسعة أيام. ثم إن البريدي حدَّثته نفسه ببغداد، فأنفق المتقي أموالًا جزيلة في الجند ليمنعوه من ذلك، فركب بنفسه، فخرج إلى أثناء الطَّريق ليمنعه من ذلك، فخالفه البريدي، ودخل بغداد في ثاني رمضان، ونزل بالشَّفيعي، فلما تحقق المتقي ذلك بعث إليه يهنئه، وأرسل إليه بالأطعمة، وخوطب بالوزير ولم يخاطبه بإمرة الأمراء. فأرسل البريدي يطلب من الخليفة خمسمئة ألف دينار، فامتنع الخليفة من ذلك، فبعث

стр. 5614

[إليه] (١) يتهدَّده ويتوعَّده ويذكره ما حَلَّ بالمعز والمستعين والمهتدي والقاهر. واختلفت الرُّسل بينهما، ثم كان آخر ذلك أن بعث الخليفة إليه بذلك قهرًا، ولم يتفق اجتماع الخليفة والبريدي ببغداد حتى خرج منها البريدي إلى واسط؛ وذلك أنه ثارت عليه الدَّيالمة، والتفوا على كبيرهم كورتكين، وراموا حريق دار البريدي حين قبضَ المال من الخليفة، ولم يعطهم شيئًا، وكانت البجكمية طائفة أخرى قد اختلفت معه أيضًا وهم والديالمة قد صاروا حزبين، فانهزم البريدي من بغداد (٢) يوم سَلْخ رمضان، فاستولى كورتكين على الأمور ببغداد، ودخل [إلى] (٣) المتقي، فقلَّده إمارة الأمراء، وخلع عليه، واستدعى المتقي عليَّ بنَ عيسى وأخاه عبد الرحمن، ففوَّض إلى عبد الرحمن تدبير الأمور من غير تسمية بوزارة، ثم قبض كورتكين على رئيس الأتراك تكينك غلام بُجْكُم وغَرَّقه. ثم تظلَّمتِ العامة من الدَّيْلم؛ أنهم يأخذون منهم دُورهم، فشكوا ذلك إلى كورتكين فلم يشكهم، فمنعتِ العامة الخطباء أن يصلُّوا في الجوامع، واقتتل الدَّيْلَم والعامة، فَقُتلَ من الفريقين خَلْقٌ كثير، وجمٌّ غفير. وكان الخليفة قد كتب إلى أبي بكر محمد بن رائق؛ صاحب الشام يستدعيه إليه ليخلصه من الديلم والبريدي، فركب إلى بغداد في العشرين من رمضان ومعه جيشٌ عظيم، وقد صار إليه من الأتراك البجكمية خَلْقٌ كثير، وحين وصل إلى المَوْصل حاد عن طريقه ناصرُ الدَّوْلة بن حَمْدان، فتراسلا ثم اصطلحا، وحمل ابنُ حَمْدان مئة ألف دينار، فلما اقترب ابنُ رائق من بغداد خرج كورتكين في جيشه ليقاتله، فدخل ابن رائق بغداد من غربها، ورجع كورتكين بجيشه فدخل من شَرْقها، ثم تصافَّوا ببغداد للقتال، فساعدت العامةُ ابنَ رائق على كورتكين، فانهزم الدَّيْلم، وقُتل منهم خلْقٌ كثير، وهرب كورتكين فاختفى، واستقرَّ أمر ابن رائق على بغداد، وخلع عليه الخليفة، وركب هو وإياه في دِجْلة، وظفر ابنُ رائق بكورتكين، فأودعه السِّجْن الذي في دار الخِلافة. قال ابن الجَوْزي: وفي يوم الجمعة الثَّاني عشر من جمادى الأولى حضر النَّاس لصلاة الجمعة بجامع براثى، وقد كان المقتدر أحرق هذا المسجد (٤) لأنه كبس، فوجد فيه جماعةٌ من الشيعة يجتمعون فيه للسبِّ والشتم، فلم يزل خرابًا حتى عمَّره بُجْكم في أيام الرَّاضي، ثم أمر المتقي بوضع منبر فيه كان عليه اسم الرَّشيد، وصلَّى الناس فيه هذه الجمعة. قال: فلم تزل تقام فيه إلى بعد سنة خمسين وأربعمئة (٥).

стр. 5615

قال ابن الجوزي: وفي جمادى الآخرة في ليلةِ سابعه كانت ليلةَ بردٍ ورعد وبرق، فسقطت القُبَّة الخضراء من قصر المنصور، وقد كانت هذه القبة تاجَ بغداد وعلم البلد، ومأثرةً من مآثر بني العَبَّاس عظيمةً، بُنيت أوَّلَ مُلْكهم، فكان بين بنائها وسُقُوطها مئة وسبع وثمانون سنة (١). قال: وخرج التشرينان والكانونان من هذه السنة ولم تمطر بغداد فيها شيئًا سوى مطرة واحدة لم ينبلَّ منها التراب، فَغَلَتِ الأسعار ببغداد حتى بيع الكر بمئة وثلاثين دينارًا، ووقع الفَناء في الناس حتى كان الجماعة يُدْفنون في الفبر الواحد من غير غُسْل ولا صلاة، وأبيع العقار والأثاث بأرخص الأسعار؛ اشْتُري بالدِّرْهم ما يساوي الدينار (٢). ورأتِ امرأةٌ رسولَ الله ﷺ في منامها وهو يأمرها بخروج النَّاس إلى الصحراء لصلاة الاستسقاء، فأمر الخليفةُ بامتثال ذلك، فصلَّى الناس واستسقوا، فجاءتِ الأمطارُ فزادتِ الفُرَات شيئًا لم يُرَ مثله، وغرقت العباسية، ودخل الماءُ شوارع بغداد، فسقطتِ القنطرة العتيقة والجديدة (٣). وقطعتِ الأكراد على قافلةٍ من خراسان الطريق، فأخذوا منهم ما قيمته ثلاثة آلاف ألف دينار (٤)، وكان أكثر ذلك من أموال بُجْكم التركي. وخرج الناس للحجِّ في هذه السنة، ثم رجعوا من أثناء الطريق بسبب رجل من العلويين قد ظهر بالمدينة النبوية، ودعا إلى نفسه، وخرج عن الطاعة (٥). وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن إبراهيم (٦) بن نَوْمَرْد (٧): الفَقيه، أحد أصحاب ابن سُرَيج. خرج من الحَمَّام، [إلى خارجه] (٨) فسقط عليه [الحِمام] (٨)، فمات من فوره، ﵀.

стр. 5616

بُجْكُم التُّرْكي (١) الذي تولى إمرة الأمراء ببغداد قبل بني بُوَيْه، وكان عاقلًا يفهم بالعربية ولا يتكلَّم بها، يقول: إني أخاف أن أخطئ والخطأ من الرئيس قبيح. وكان مع ذلك يحبُّ العِلْم وأهله، وكان كثير الأموال والصَّدَقات، ابتدأ بعمل البيمارَسْتان ببغداد فلم يتمَّ، فجدَّده عضد الدولة بن بُوَيْه، وكان [بُجْكُم] (٢) يقول: العدل أربح للسُّلْطان في الدُّنيا والآخرة. وكان يَدْفِنُ أموالًا كثيرة بالصحارى، فلما مات لم يُدْرَ أين هي، وكان ندماء الراضي قد انحدروا إلى بُجْكُم وهو بواسط، قد ضمنها بثمانمئة ألف دينار، فكانوا يسامرونه كالخليفة، وكان لا يفهم أكثر ما يقولون، وراض له مزاجه الطبيب سنان بن ثابت الصَّابئ حتى لان خلقُهُ وحَسُنَتْ سيرته، وقلَّتْ سطوته، ولكن لم يعمّر إِلَّا قليلًا بعد ذلك. وقد دخل عليه رجلٌ فوعظه فأبكاه، فأمر له بألف دِرْهم، فلحقه بها الغلام، فقال بُجْكُم لجلسائه: ما أظنه يقبلها، هذا رجل متخرق بالعبادة، ماذا يصنع بالدَّراهم؟ فرجع الغلام وليس معه شيء، فقال: قبلها؟ قال: نعم! قال بجكم: كلُّنا صيادون ولكن الشباك تختلف. وكانت وفاته لتسع بقين من رجب هذه السنة. وسببها أنه خرج يتصيد، فلقي طائفةً من الأكراد، فاستهان بهم، فقاتلوه، فضربه رجلٌ منهم فقتله. وكانت إمرته على بغداد سنتين وثمانية أشهر وتسعة أيام، وخلَّف من الأموال والحواصل ما ينيف على ألفي ألف دينار، أخذها كلها المتقي للّه. أبو محمد البَرْبَهاري الواعظ (٣): الحسن بن علي بن خَلَف، أبو محمد، البَرْبَهاري العالم الزَّاهد، الفقيه الحنبلي الواعظ. صَحِبَ المَرُّوذي، وسهلًا التُّسْتَري، وتنزَّه عن ميراث أبيه - وكان سبعين ألفًا - لأمرٍ كرهه. وكان شديدًا على أهل البِدَع والمعاصي، وكان كبيرَ القَدْرِ عند الخاصَّة والعامة، وقد عَطَسَ يومًا وهو يعظ النَّاس فشمَّته (٤) الحاضرون، ثم شمَّته منْ سمعهم حتى شمته أهلُ بغداد، فانتهت الضَّجة إلى دار الخلافة، فغار الخليفة من ذلك، وتكلم فيه جماعةٌ من أرباب الدولة، فَطُلِبَ، فاستتر عند أُخت

стр. 5617

توزون (١) شهرًا، ثم أخذه القيام (٢)، فمات عندها، فأمرت خادمها أن يصلِّي عليه، فصلَّى، فامتلأتِ الدار رجالًا عليهم ثياب بيض، فدفنته عندها، ثم أوْصَتْ أن تُدْفنَ عنده. وكان عمره يوم مات ستًا وتسعين سنة، ﵀ (٣). يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البُهْلول (٤): أبو بكر الأزْرَق - لأنه كان أزرق العينين - التَّنوخي، الكاتب. سمع جدَّه، والزبير بن بَكَّار، والحسن (٥) بن عَرَفة، وغيرهم، وكان خَشِنَ العيش كثير الصَّدقة؛ يقال: إنه تصدَّقَ بمئة ألف دينار، وكان أمَّارًا بالمعروف، نهاءً عن المنكر، روى عنه الدَّارقطني وغيرُه من الحُفاظ، وكان ثِقَةً عَدْلًا. توفي في ذي الحجَّة من هذه السنة عن اثنتين وتسعين سنة. ثم دخلت (٦) سنة ثلاثين وثلاثمئة قال ابن الجَوْزي: في المحرَّم منها ظهر كوكب بذنبٍ، رأسُه إلى المغرب وذنبه إلى المشرق، وكان عظيمًا جدًّا، وذنبه منتشرٌ، وبقي ثلاثة عشر يومًا إلى أن اضمحل (٧). قال: وفي نصف ربيع الأول بلغ الكُرُّ من الحِنْطة مئتي دينار وعشرة دنانير، ومن الشعير مئة وعشرين دينارًا، ثم بلغ الكر الحنطة ثلاثمئة وستة عشر دينارًا، وأكل الضُّعفاء المَيْتة، ودام الغلاء وكَثُرَ الموت،

стр. 5618

وتقطعتِ السُّبُل، وشُغِلَ الناسُ بالمرض والفَقْر، وترك دفن الموتى، وشغل الناس عن الملاهي واللعب (١). قال: ثم جاء مطرٌ كأفواه القُرَب، وبلغتْ زيادة دِجْلة عشرين ذراعًا وثلثًا (٢). وذكر ابن الأثير في "كامله" أن محمد بنَ رائق - الذي هو أمير الأمراء ببغداد حيئنذٍ - وقعت بينه وبين أبي عبد اللّه البريدي الذي بواسط وحشة بسبب منع البريدي الخراج الذي عنده، فركب إليه ابنُ رائق ليتسلم ما عنده من المال، فوقعت مصالحة، ورجع ابن رائق [إلى بغداد] (٣)، فطالبه الجند بأرزاقهم، وضاق عليه حالُه، وتحيَّز جماعةٌ من الأتراك إلى البريدي، فَضَعُفَ جانب ابن رائق، فكاتب البريدي بالوزارة ببغداد، ثم قَطَعَ اسم الوزارة عنه، فاشتدَّ حَنَقُ البريدي (٤) [عليه] (٥)، وعزم على أخْذِ بغداد، فبعث أخاه أبا الحسين في جيشٍ [إلى بغداد] (٥)، فتحصَّن ابنُ رائق مع الخليفة بدار الخلافة، ونُصِبَتْ فيه المجانيق والعرَّادات (٦)، وعلى دجلة أيضًا، فاضطربت بغداد، ونهب النَّاسُ بعضَهم بعضًا ليلًا ونهارًا، وجاء أبو الحسين أخو أبي عبد اللّه البريدي بمن معه، فقاتلهم الناس في البر وفي دِجْلة، وتفاقم الحال، واشتدَّ الخطب جدًّا مع الغلاء والوباء والفَناء، فإنَّا للّه وإنا إليه راجعون. ثم إن الخليفة وابنَ رائق انهزما في جُمادى الآخرة، ومع الخليفة ابنه أبو منصور في عشرين فارسًا، فقصدوا نحو الموصل، واستحوذ أبو الحسين على دار الخلافة، فَقَتلَ أصحابُ البريدي منْ وجدوا بدار الخلافة من الحاشية، ونهبوها حتى وصل النَّهْبُ إلى الحريم، ولم يتعرَّضوا للقاهر وهو إذ ذاك أعمى مكفوفًا، وأخرجوا كورتكين من الحبس، فبعثه أبو الحسين إلى أخيه عبد الله البريدي، فكان آخر العهد به، ونهبوا بغدادَ جِهارًا علانية، ونزل أبو الحسين بدار مُؤْنس التي كان يسكنها ابن رائق، وكانوا يَكْبسون الدُّور، ويأخذون ما فيها من الأموال والجواري، وغلتِ الأسعار، وضرب أبو الحسين المَكْس على الحِنْطة والشَّعير، وذاق أهلُ بغداد لباسَ الجوع والخوف، وكان مع أبي الحسين في الجيش طائفة كبيرة من القرامطة، فأفسدوا في البلد فسادًا عظيمًا، فوقعت بينهم وبين الأتراك حروبٌ طويلة شديدة، فغلبهم الأتراك وأخرجوهم من بغداد، ووقعت الحرب بين العامَّة والدَّيْلم أيضًا (٧).

стр. 5619

وفي شعبان من هذه السنة اشتدَّ الحال أيضًا، ونُهبتِ المساكنُ، وكُبِسَ أهلُها ليلًا ونهارًا، وخرج الجُنْدُ من أصحاب البريدي، فنهبوا الغلات من القرى والحيوانات، وجرى ظُلْمٌ لم يسمعْ بمثله، فإنَّا للّه وإنا إليه راجعون (١). قال ابن الأثير: وإنّما ذكرنا هذا لِيَعْلمَ الظَّلَمَةُ أنَّ أخبارَهُمْ تنقل وتبقى على وجه الدَّهر (٢)، فربما تركوا الظُّلْمَ لهذا إن لم يتركوه للّه (٣). وقد كان الخليفة أرسل وهو ببغداد إلى ناصر الدولة بنِ حَمْدان؛ نائب الموصل والجزيرة يستمدُّه ويستجيش (٤) به على البريدي، فأرسل ناصر الدولة أخاه سيف الدولة عليًا في جيش كثيف، فلما كان بتكريت إذِ الخليفة وابنُ رائق قد هربا، فرجع معهما سيفُ الدَّوْلة إلى أخيه، وقدَّمَ (٥) سيف الدولة للخليفة المتقي للّه خدمةً عظيمة في مسيره هذا، ولما وصلوا إلى المَوْصل خرج عنها ناصرُ الدولة، فنزل شرقيها، وأرسل التُّحف والضِّيافات، ولم يجئ [إلى الخليفة] (٦) خوفًا من الغائلة من جهة ابن رائق؛ نائب العراق وصاحب الشام، فأرسل الخليفة ولدَه أبا منصور ومعه ابن رائق للسَّلام على ناصر الدولة، فصارا إليه، فأمر [ناصر الدولة] (٦) أن يُنْثَرَ الذَّهب والفِضَّة على رأس ولد الخليفة، وجلسا عنده ساعة، ثم قاما ليرجعا، فركب ابنُ الخليفة، وأراد ابنُ رائق أن يركب معه، فقال له ناصر الدولة: اجلس اليوم عندي حتى نفكر فيما نصنع في أمرنا هذا. فاعتذر إليه بابن الخليفة، واستراب بالأمر، فقبض ابنُ حمدان بكمه، فَجَبَذه ابنُ رائق منه جَبْذة شديدة، فانقطع كُفُه، وركب سريعًا، فسقط عن فرسه، فأمر ناصر الدولة بقتله فَقُتِلَ، وذلك يوم الإثنين لسبعٍ بقين من رجب من هذه السنة، فأرسل الخليفةُ إلى ابنِ حمدان فاستحضره، وخلع عليه، ولقبه ناصرَ الدولة يومئذٍ، وجعله أميرَ الأُمراء، وخلع على أخيه أبي الحسن علي ولقبه سيفَ الدولة يومئذٍ أيضًا. ولما قُتِلَ ابنُ رائق، وبلغ خبرُ قتله إلى صاحب مصر وهو الإخشيذ محمد بن طُغْج ركب إلى دمشق فتسلَّمها من محمد بن يزداد؛ نائب ابن رائق، ولم ينتطح فيها عنزان. ولما بلغ خبر مقتله إلى بغداد فارق أكثر الأتراك أبا الحسين البريدي لسوء سيرته وخبث سريرته، قبحه الله، وقصدوا الخليفة وابنَ حمدان في

стр. 5620

المَوْصل فتقوَّى بهم ناصر الدولة، وركب هو والخليفة المتقي للّه إلى بغداد، [فلما اقتربوا منها هرب عنها أبو الحسين البريدي، ودخل الخليفة المتقي للّه إلى بغداد] (١) ومعه بنو حمدان في جيوش كثيرة، وذلك في شوال من هذه السنة، ففرح به المسلمون فرحًا شديدًا، وبعث [الخليفة] (٢) إلى أهله - وقد كان أخرجهم إلى سامرَّاء - فردَّهم، وتراجع أعيان الناس إلى بغداد بعدما كانوا قد ترحَّلوا عنها. وردَّ الخليفة أبا إسحاق القراريطي (٣) إلى الوزارة، وولَّى توزون شرطة جانبيْ بغداد، وبعث ناصرُ الدولة أخاه سيف الدولة في جيشٍ وراء أبي الحسين البريدي، فلحقه عند المدائن، فاقتتلوا قتالًا شديدًا في أيام نحسات، ثم كان آخر الأمر أن انهزم أبو الحسين إلى أخيه بواسط، وقد ركب ناصر الدولة بنفسه، فنزل المدائن قوةً لأخيه، وقد انهزم سيفُ الدولة مَرَّة من أبي الحسين فردَّه أخوه، وزاده جيشًا آخر حتى كسر البريدي، وأسر جماعةً من أعيان أصحابه، وقُتِلَ منهم خلق كثير وجمٌّ غفير. ثم أرسل أخاه سيفَ الدولة إلى واسط لقتال أبي عبد الله البريدي، فانهزم منه البريدي وأخوه إلى البصرة، وتسلَّم سيف الدولة واسط، وسيأتي ما كان من خبره مع البريدي في السنة الآتية، إن شاء اللّه تعالى. وأما ناصر الدولة فإنه عاد إلى بغداد، فدخلها في ثالث عشر ذي الحِجَّة، وبين يديه الأسارى على الجمال، ففرح النَّاس واطمأنوا، ونظر في المصالح العامة، وأصلح معيار الدينار؛ وذلك أنه وجده قد غُيرَ عما كان عليه، فضرب دنانيرَ سماها الإبريزية، فكانت تباع كل دينار بثلاثة عشر دِرْهمًا، وإنما كان يباع التي قبلها بعشرة. وعزل الخليفة بدرًا الخَرْشني عن الحجابة، وولاها سلامة الطُّولوني، وجعل بدرًا على طريق الفُرَات، فسار إلى الإخشيذ، فأكرمه واستنابه على دمشق، فمات بها. وفيها وصلتِ الرومُ إلى قريب حلب، فقتلوا خلقًا، وأسروا نحوًا من خمسة عشر ألف إنسان، فإنا للّه وإنا إليه راجعون. وفيها دخل الثملي من طَرَسوس إلى بلاد الرُّوم، فقتل وسبى وغَنِم وسَلِم وأسَرَ من بطارقتهم المشهورين منهم خلقًا كثيرًا، وللّه الحمد والمنَّة. وممن توفي فيها من الأعيان: إسحاق بن محمد أبو يعقوب (٤) النَّهْرَجُوري (٥): أحد مشايخ الصُّوفية.

стр. 5621

صَحِبَ الجُنَيْد بن محمد، وغيره من أئمة الصُّوفية، وجاور بمكَّة حتى مات بها في هذه السنة. ومن كلامه الحسن قوله: مفاوزُ الدُّنيا تُقْطعُ بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب (١). الحسين بن [إسماعيل بن محمد بن] (٢) إسماعيل بن سعيد بن أبَان (٣): أبو عبد اللّه، الضَّبّي، القاضي، المَحاملي، الفقيه الشَّافعي، المحدّث. سمع الكثير، وأدرك خَلْقًا من أصحاب ابن عُيينة نحوًا من سبعين رجلًا. وروى عن جماعةٍ من الأئمة، وعنه الدَّارَقُطني وخلْق. وكان يحضُرُ مجلسه نحوٌ من عشرة آلاف، وكان صدوقًا ديِّنًا فقيهًا محدّثًا، ولي قضاء الكوفة ستين سنة، وأضيف إليه قضاء فارس وأعمالها، ثم استعفى من ذلك كلِّه، ولزم منزله، واقتصر على إسماع الحديث. وكانت وفاته في ربيع الآخر من هذه السنة عن خمسٍ وتسعين سنة، ﵀. وقد تناظر هو وبعض الشِّيعة بحضرة بعض الأكابر، فجعل الشِّيعي يذكر مواقف علي يوم بدر وأُحُد والخندق وخيبر وحُنَيْن وشجاعته. ثم قال للمَحَاملي: أتعرفها؟ قال: نعَمْ، ولكن أتعرف أين كان الصدِّيق يوم بدر؟ كان مع رسول اللّه ﷺ في العريش بمنزلة الرئيس الذي يُحامى عنه كما يُحامى عن رسول الله ﷺ ، وعلي في مقام المبارزة، ولو فرض أنه انهزم أو قتل لم يخذل الجيش بسببه. فأُفحم الشيعي. وقال له المحاملي: وقد قدَّمه الذين رووا لنا الصَّلاة والزكاة والوضوء بعد رسول الله ﷺ حيثُ لا مال له ولا عبيد ولا عشيرة تمنعه وتجاحف عنه، وإنما قدَّموه لعلمهم أنَّه خَيْرُهم. فأُفحم أيضًا (٤). عليُّ بن محمد بن سَهْل (٥): أبو الحسن الصَّائغ؛ أحد الزُّهاد العُبَّاد، أصحاب الكرامات.

стр. 5622

رويَ عن مُمْشاد (١) أنه شاهد أبا الحسن الصَّائغ يصلّي في الصحراء في شدَّة الحر، ونسرٌ قد نشر جناحه يظلُّه من الحرِّ. قال ابن الأثير: وفي هذه السنة توفي [أبو الحسن] (٢) عليُّ بن إسماعيل، الأشْعريُّ المتكلِّم، صاحب المذهب المشهور، وكان مولده سنة ستين ومئتين، وهو من ولدِ أبي موسى الأشعري. قلت: الصَّحيح أن الأشعريَّ توفي سنةَ أربع وعشرين كما تقدَّم (٣). قال: وفيها توفي محمد بن يوسف بن النَّضْر، الهَرَوي، الفقيه الشَّافعي (٤)، وكان مولده سنة تسعٍ وعشرين ومئتين، أخذَ عن الربيع بن سليمان؛ صاحب الشَّافعي. قلت: وقد توفي فيها أبو حامد بن بلال (٥). وزكريا بن أحمد البَلْخي (٦). وعبد الغافر بن سلامة الحافظ (٧). ومحمد بن رائق الأمير (٨). والشيخ أبو صالح مفلح الحنبلي واقف مسجد أبي صالح ظاهر باب شرقي من دمشق، وكانت له كرامات وأحوال ومقامات. ترجمة أبي صالح الدِّمَشْقي (٩) الذي ينسب إليه المسجد ظاهر باب شرقي بدمشق. مفلح بن عبد اللّه، أبو صالح المتعبد، صَحِبَ الشيخ أبا بكر محمد بن سيد حَمْدويه الدِّمَشْقي، وتأدَّب به، وروى عنه الموحِّد بن إسحاق بن البَرِّي، وأبو الحسن علي بن القُجَّة؛ قيم المسجد، وأبو بكر محمد بن داود الدِّينوري الدُّقِّي. روى الحافظ ابنُ عساكر من طريق الدُّقِّي عن الشيخ أبي صالح، قال: كنت أطوف بجبل اللُّكام أطلب الزُّهَّاد، فمررت برجل جالسٍ على صخرةٍ مطرقًا، فقلت له: ما تصنع هاهنا؟ فقال: أنظر

стр. 5623

وأرعى. فقلت: لا أرى بين يديك شيئًا إِلَّا الحجارة، فقال: أنظر خواطر قلبي، وأرعى أوامر ربي، وبحق الذي أظهرك عليَّ إِلَّا جزتَ عني (١). فقلت: كلِّمني بشيءٍ أنتفع به حتى أمضي. فقال لي: من لَزِمَ البابَ أُثبت في الخدم، ومن أكثر ذكر الذنوب (٢) أكثر الندم، ومن استغنى بالله أمِنَ العدم. ثم تركني ومضى (٣). وعن الشيخ أبي صالح: مكثتُ ستة أو سبعة أيام لم آكل ولم أشرب، ولحقني عطشٌ عظيم، فجئت النهرَ الذي وراء المسجد، فجلست أنظر إلى الماء، فتذكَّرْتُ قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] فذهب عني العطش، فمكثت تمام العشرة أيام (٤). وعنه قال: مكثت أربعين يومًا لم أشرب ماءً، فلقيني الشيخ أبو بكر محمد بن سيد حمدويه، فأخذ بيدي فأدخلني منزله وجاء بماء، وقال لي: اشرب. فشربت، فأخذ فضلتي، وذهب إلى امرأته فقال لها: اشربي فَضْلَ رجلٍ قد مكث أربعين يومًا لم يشرب الماء. قال أبو صالح: ولم يكن اطلع على ذلك مني أحدٌ إِلَّا اللّه (٥). ومن كلام أبي صالح: الدُّنيا حرامٌ على القلوب حلال على النفوس؛ لأن كل شيء يحل لك أن تنظر [إليه] بعين رأسك، فيحرم عليك أن تنظر [إليه] بعين قلب (٦). وكان يقول: البدن لباس القلب، والقلب لباسُ الفؤاد، والفؤاد لباس الضَّمير، والضَّمير لباس السِّرِّ، والسِّرُّ لباسُ المعرفة. ولأبي صالح مناقبُ كثيرةٌ ﵀ وأكرم مثواه، وقد كانت وفاته في جُمادى الأولى من هذه السنة. ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمئة في هذه السنة دخل سيف الدولة إلى واسط، وقد انهزم عنها أبو عبد الله البريدي وأخوه أبو الحسين، فاختلف التُّرْك على سيف الدولة، ومالوا إلى توزون، وهمَّ بالقيض على سيف الدولة، فهرب منهم

стр. 5624

قاصدًا إلى بغداد، وبلغ أخاه ناصر الدولة أبا محمد الحسن بن عبد اللّه بن حمدان (١) الملقب بأمير الأمراء ببغداد الخبر، فخرج من بغداد إلى المَوْصل، فنهبت داره ببغداد. فكانت إمارة ناصر الدولة على بغداد ثلاثة عشر شهرًا وخمسة أيام. وجاء أخوه سيف الدولة بعد خروجه منها، فنزل بباب حَرْب، وطلب من الخليفة أن يمدَّه بمالٍ يتقوَّى به على حرب توزون، فبعث إليه بأربعمئة ألف دِرْهم، ففرَّقها في أصحابه. وحين سمع بقدوم توزون خرج من بغداد، ودخلها توزون في الخامس والعشرين من رمضان، فخلع عليه المتقي، وجعله أمير الأمراء، واستقر أمره ببغداد. وعند ذلك رجع أبو عبد اللّه البريدي إلى واسط، وأخرج منْ كان بها من أصحاب توزون، وكان في أسر توزون غلامٌ لسيف الدولة يقال له ثمال، فأرسله إلى مولاه، فَحَسُنَ موقع ذلك عند آل حمدان. وفي هذه السنة كانت زَلْزلةٌ عظيمة ببلاد نسا، سقط منها عِماراتٌ كثيرة، وهَلَك بسببها خَلْقٌ كثير. قال ابن الجوزي: وكان ببغداد في أيلول وتشرين حرٌّ شديد يأخذ بالأنفاس. وفي صفر ورد الخبر بورود الرُّوم إلى أرْزَن ومَيَّافارِقِين، وأنهم سَبَوْا وحرقُوا (٢). وفي ربيع الآخر من هذه السنة عُقِدَ عقد أبي منصور إسحاق بن الخليفة المتقي للّه على علوية بنت ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان (٣)، على صَداق مئة ألف دينار وألف ألف دِرْهم، وولي العقد على الجارية أبو عبد الله محمد بن أبي موسى الهاشمي، ولم يحضر ناصر الدولة، وضرَبَ ناصر الدولة سكَّة زاد في الكتابة عليها: عبد آل محمد (٤). قال ابنُ الجوزي: وفي آذار من هذه السنة غَلَتِ الأسعار حتى أكلَ الناس الكلاب، ووقع الوباء في الناس، ووافى من الجراد شيءٌ كثير جدًّا، حتى أبيع منه كل خمسين رطلًا بدرهم، فارتفق النَّاسُ به في الغلا (٥). وفيها ورد كتابُ ملكِ الرُّوم إلى الخليفة يطلب فيه منديلًا بكنيسة الرُّها، كان المسيح قد مسحَ وجهه به فصارت صورة وجهه فيه، ويعد المسلمين أنه إذا أرسل إليه يبعث من أسارى المسلمين خلقًا كثيرًا، فأحضر الخليفة العلماء، فاستشارهم في ذلك، فمن قائلٍ نحن أحق بعيسى منهم، وفي بعثه إليهم غضاضةٌ (٦) على المسلمين وَوَهْنٌ، فقال عليُّ بنُ عيسى الوزير: يا أمير المؤمنين، إنقاذ أسارى

стр. 5625

المسلمين من أيدي الكُفَّار أنفعُ للنَّاس من بقاء ذلك المنديل بتلك الكنيسة. فأمر الخليفة بإرسال ذلك المنديل إليهم، وتخليص الأسارى من أيديهم (١). قال الصُّولي: ووصل الخبر بأن القِرْمِطي ولد له مولود، فأهدى إليه أبو عبد اللّه البريدي هدايا عظيمة، منها مهدٌ من ذهب مرصَّع بالجوهر (٢). وكثر الرَّفض ببغداد، فنودي بها: منْ ذكر أحدًا من الصحابة بسوء فقد بَرِئَتْ منه الذِّمَّة. وبعث الخليفة إلى عماد الدولة بن بُوَيْه خِلَعًا، فقبلها ولبسها بحضرة القضاة والأعيان. وفيها كانت وفاة السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل السَّاماني، صاحب خُرَاسان وما وراء النهر، وقد مَرِضَ قبل موته بالسل سنة وشهرًا، فاتخذ في داره بيتًا سماه بيت العِبَادة، فكان يَلْبَس ثيابًا نظافًا ويمشي [إليه] حافيًا ويصلِّي فيه، ويتضرع، وأكثر الصيام، وتجنب المنكرات والآثام إلى أن مات، ﵀، فقام بالأمر من بعده ولدُه نوح بن نصر السَّاماني في شعبان من هذه السنة، ولقب بالأمير الحميد، وقَتَلَ محمد بن أحمد النَّسفي البردهي - وكان قد طعن فيه عنده - وصلبه. وممن توفي فيها من الأعيان: سنان بن ثابت بن قُرَّة (٣) الصَّابئ (٤): أبو سعيد المتطبب. أسلم على يد القاهر باللّه ولم يُسْلم ولده ولا أحدٌ من أهل بيته، وكان مقدَّمًا في الطب، وفي علومٍ أخر كثيرة. وكانت وفاته في ذي القَعْدة من هذه السنة بعلة الذَّرَبِ (٥)، فلم تُغنِ عنه صناعته شيئًا حين جاءه الموت. وما أحسن ما قال بعض الشعراء في هذا المعنى: قُلْ للذي صَنَعَ الشَّرابَ بكفِّهِ … أتَرُدُّ مَقْدورًا [عليكَ إذا] جَرَى (٦) ماتَ المُدَاوي والمُدَاوى والذي … صنَعَ الشَّرابَ بكفِّهِ ومنِ اشْتَرى

стр. 5626

أبو الحسن الأشعري (١): وذكر ابنُ الجوزي في "المنتظم" وفاة الأشعري في هذه السنة وتكلَّم فيه، وحطَّ عليه كما جرت عادة الحنابلة؛ يتكلَّمون في الأشعرية قديمًا وحديثًا. وذكر أنه ولد سنة ستين ومئتين، وأنه توفي في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمئة، وأنه صَحِبَ الجُبَّائي أربعين سنة، ثم رجع عنه، وأنه توفي ببغداد، ودفن بمشرعة الرَّوايا (٢). محمد بن أحمد بن يعقوب بن شَيْببَة (٣) بن الصَّلت: السَّدُوسي مولاهم، أبو بكر. سمع جدَّه، وعباسًا الدُّوري، وغيرهما، وعنه أبو عمر (٤) بن مهدي. وكان ثقةً. روى الخطيب أن والد محمد هذا حين ولد أخذ طالعَ مولده المنجمون، فحسبوا عمره [وقالوا: إنه يعيش كذا وكذا] (٥)، فأرصد له أبوه حُبًّا (٦) [فكان يلقي] (٧) فيه عن كلِّ يومٍ دينارًا، ثم أرصد له حُبًّا آخر لذلك، ثم آخر لذلك، فكان يعدل كل يوم بثلاثة دنانير، ومع هذا ما أفاده شيئًا، بل افتقر حتى صار يستعطي من الناس، ويحضر مجلس السماع عليه بلا إزار، ويتصدَّق عليه أهل المجلس بشيء يقوم بأَوَدِهِ (٨). والسَّعيد من أسعدَه اللّه. محمد بن مَخْلَد بن حَفص (٩): أبو عمر (١٠)، الدُّوري (١١)، العَطَّار. كان يسكن الدُّور؛ وهي محلة بطرف بغداد.

стр. 5627

سمع الحسن بنَ عرفة، والزُّبير بن بكَّار، ومُسْلم بن الحَجَّاج، وغيرهم. وعنه الدَّارَقُطني، وجماعةٌ من الحفاظ. وكان ثِقَةً، فَهِمًا، واسعَ الرِّواية، مشكورَ الدِّيانة، مشهورًا بالعبادة. وكانت وفاته في جُمادى الآخرة من هذه السنة، وقد استكمل سبعًا وتسعين (١) سنة وثمانية أشهر وواحدًا وعشرين يومًا. المجنون البغدادي (٢): روى ابنُ الجَوْزي من طريق أبي بكر الشِّبْلي قال: رأيت مجنونًا عند جامع الرُّصَافة وهو عُرْيان وهو يقول: أنا مجنون اللّه، أنا مجنون اللّه. فقلت له: ما لك، ألا تستتر وتدخل الجامع وتصلّي؛ فأنشأ يقول: يقولونَ زُرْنا واقْضِ واجِبَ حَقِّنا … وقد أسْقَطَتْ حالي حُقُوقَهُمُ عنِّي إذا هُمْ رَأوْا حالي ولم يأنفوا لها … ولم يأنفوا منها أنفتُ لهم منِّي (٣) ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمئة فيها خرج المتقي من بغداد إلى المَوْصل مغاضبًا لتوزون أمير الأمراء، وكان إذ ذاك بواسط، وقد زوَّج ابنته من أبي عبد الله البريدي، وصارا يدًا واحدةً على الخليفة. وأرسل ابنَ شيرزاد في ثلاثمئة غلام إلى بغداد، فأفسد فيها، وقَطَعَ وَوَصَل، واستقل بالأمور من غير مراجعةِ المتقي للّه، فغضب المتقي، وخرج منها مغاضبًا [له] (٤) بأهله وأولاده ووزيره، ومن اتبعه من الأمراء وأعيان أهل بغداد، قاصدًا ابنَيْ حمدان، فتلقاه سيفُ الدولة إلى تكريت، ثم جاءه ناصرُ الدولة وهو بتكريت أيضًا، وحين خرج المتقي أكثر ابنُ شيرزاد الفساد ببغداد، وظلَمَ أهلها وصادَرَهم، وأرسل يعلم توزون، فأقبل مسرعًا نحو تكريت فتقاتل هو وسيف الدولة بن حمدان، فَهُزمَ سيفُ الدولة، وأُخذ معسكره ومعسكر أخيه ناصر الدولة، ثم كَرَّ إليه سيفُ الدولة، فهزَمه توزون أيضًا، وانهزم الخليفة المتقي وناصر الدولة وسيف الدولة من المَوْصل إلى نَصيبين، وجاء توزون فدخل إلى الموصل، وأرسل إلى الخليفة يطلب رضاه، فأرسل الخليفة يقول: لا سبيل إلى ذلك إِلَّا أن تصالح بني حمدان، فاصطلحوا، وضَمِنَ ناصرُ الدولة بلادَ الموصل بثلاثة آلاف ألف وستمئة ألف، ورجع توزون إلى بغداد، وأقام الخليفة عند بني حَمْدان.

стр. 5628

وفي غيبة توزون عن واسط أقبل إليها معزُّ الدولة بن بُوَيْه في خَلْقٍ من الدَّيْلم كثيرين، فانحدر توزون مسرعًا إلى واسط، فاقتتل مع معز الدولة بضعة عشر يومًا، وكان آخرَ الأمر أن انهزم معز الدولة، ونُهِبَتْ حواصله، وقُتِلَ من جيشه خَلْقٌ كثير، وأُسر جماعة من أشراف أصحابه. ثم عاود توزون ما كان يعتريه من مرض الصَّرْع، فشغل بنفسه، فرجع إلى بغداد. وفي هذه السنة قَتَلَ أبو عبد الله البريدي أخاه أبا يوسف، وكان سبب ذلك أن أبا عبد الله قَلَّ ما كان عنده من الأموال، فكان يستقرض من أخيه أبي يوسف، فيفرضه القليل، ثم يشنِّع عليه، ويذُمُّ تصرُّفه، فمال الجُنْدُ إلى أبي يوسف، وأعرضوا عن أبي عبد اللّه، فخشيَ أبو عبد اللّه أن يبايعوه ويتركوه، فأرسل إليه طائفةً من غِلْمانه، فقتلوه غِيْلَةً، ثم انتقل إلى داره، وأخذ جميعَ حَوَاصله وأمواله، فكان قيمة ما استحوذ عليه من الأموال يقارب ثلاث آلاف ألف (١) دينار. ولم يمتَّعْ بعده إِلَّا ثمانية أشهر، مرض فيها مرضًا شديدًا بالحمَّى الحادة، حتى كانت وفاته في شوَّال من هذه السنة، فقام بالأمر بعده أخوه أبو الحسين - قبحه الله - فأساء السيرة في أصحابه، فثاروا به، فلجأ إلى القرامطة، فاستجار بهم، وقام بالأمر من بعده أبو القاسم بن أبي عبد اللّه البريدي في بلاد واسط والبصرة وتلك النواحي من الأهواز وغيرها. وأما الخليفة المتقي لله فإنه لما أقام عند آل حَمْدان بالمَوْصل ظهر له منهم تضجُّر، وأنهم يرغبون في مفارقته، فكتب إلى توزون في الصُّلْح، فاجتمع توزون مع القضاة والأعيان ببغداد، وقرؤوا كتاب الخليفة، وقابله بالسمع والطاعة، وحلف له، ووضع خطَّة بالإقرار له، ولمن معه بالإكرام والاحترام والخضوع، فكان من الخليفة ودخوله إلى بغداد ما سيأتي في السنة الآتية. وفي هذه السنة أقبلت طائفةٌ من الزُوس في البحر إلى نواحي أذْرَبيجان، فقصدوا برذعة، فحاصروها، فلما ظفروا بأهلها قتلوهم عن آخرهم، وغنموا أموالهم، وسَبَوْا منِ استحسنوه من نسائهم، ثم مالوا إلى مَرَاغة، فوجدوا فيها ثمارًا كثيرة، فأكلوا منها؛ فأصابهم وباءٌ شديد، فمات أكثرهم، فكان إذا مات أحدهم دفنوا معه سلاحه وماله، فيأخذه المسلمون، وأقبل إليهم المَرْزُبان بن محمد، فقاتلهم فقتل منهم خلقًا كثيرًا أيضًا مع ما أصابهم من الوباء الشديد، وطهَّرَ اللّه تلك البلاد منهم. وفي ربيِع الأول من هذه السنة جاء الدمستق؛ ملك الرُّوم إلى رأس العين (٢) في ثمانين ألفًا، فدخلَها، ونهَبَ ما فيها، وقتلَ أهلها وسبى منهم نحوًا من خمسة عشر ألفًا، وأقام بها ثلاثة أيام، وقصدته الأعراب من كل وجه، فقاتلوه قتالًا عظيمًا حتى انجلى عنها. وفي جُمَادى الأولى غلتِ الأسعار ببغداد جدًّا، وكَثُرتِ الأمطار جدًّا حتى تهدَّم البناء، ومات كثير

стр. 5629

منَ الناس تحت الهَدْم، وتعطلت كثير من الحمَّامات والمساجد من قِلَّة الناس، ونقصت قيمة العقار حتى كان يباع بالدِّرْهم ما كان يساوي الدِّينار، وخَلَت أكثر الدور؛ فكان المُلاك يعطون من يسكنها أُجرة ليحفظها عليهم من الدَّاخلين إليها لتخريبها. وكَثُرَتْ الكبسات من اللصوص بالليل، حتى كان الناس يتحارسون بالبوقات والطُبول، وكثرت الفِتنُ من كل جهة، فإنا للّه وإنا إليه راجعون، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. وفي رمضان من هذه السنة كانت وفاة (١): أبي طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن الجَنَّابي (٢) الهَجَري (٣) القِرْمِطِي: رئيس القرامطة، لعنه اللّه، وهذا هو الذي قَتَلَ الحجيج حولَ الكعبة وفيها، وسلبها كُسْوتها (٤) وبابها وحليتها، واقتلع الحجر الأسود من ركنها، وحمله إلى بلده هَجَر، وهو في هذه المدة كلها عنده من سنة سبع عشرة كما ذكرنا (٥)، ولم يردَّه الأخابث إلى سنة تسع وثلاثين كما سيأتي (٦). ولما مات أبو طاهر هذا قام بالأمر بعده في القرامطة إخوته الثلاثة، وهم: أبو العباس الفَضْل، وأبو القاسم سعيد، وأبو يعقوب يوسف بنو أبي سعيد الجَنَّابي لعنهم الله، وكان أبو العَبَّاس ضعيفَ البدن، مقبلًا على قراءة الكتب، وكان أبو يعقوب مقبلًا على اللهو واللعب، ومع هذا [كانت] (٧) كلمة الثلاثة واحدة لا يختلفون في شيء، وكان لهم سبعة من الوزراء متفقون أيضًا، قبحهم الله أجمعين. وفي شوال منها توفي أبو عبد الله البَرِيْدي كما ذكرنا، فاستراح المسلمون من هذا وهذا. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو العبَّاس بن عُقْدة الحافظ (٨) أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن، أبو العَبَّاس، الكوفي،

стр. 5630

المعروف بابن عُقْدة؛ لقِّب أبوه بذلك من أجل تعقيده في التصريف والنحو، وكان عقدةُ ورعًا ناسكًا، وكان أبو العباس بن عقدة من الحفاظ الكبار. سمع الحديث الكثير، ورحل فسمع من خلائق من المشايخ. وسمع منه الطبراني، والدَّارَقُطْني، وابنُ الجِعابي، وابن عَدِي، وابن المظفَّر، وابن شاهين. قال الدَّارَقُطْني: أجمعَ أهلُ الكوفة أنه لم يُرَ من زمنِ ابنِ مسعود إلى زمان ابنِ عُقْدة أحفظُ منه. ويقال إنه كان يحفظُ نحوًا من ستمئة ألف حديث؛ منها ثلاثمئة ألف في فضائل أهل البيت، بما فيها من الصِّحاح والضِّعاف، وكانت كُتُبه ستمئة حِمْل جمل، وكان يُنسبُ مع هذا كلِّه إلى التشيع. فقال الدَّارَقُطني: كان رجلَ سوء، ونسبه ابنُ عدي إلى أنه كان يسوِّي النسخ لأشياخٍ ويأمرهم بروايتها. وقال الخطيب: حدَّثني عليُّ بنُ محمد بن نَصْر، قال: سمعت حمزة بن يوسف [يقول]: سمعت أبا عمر بن حيويه يقول: كان ابنُ عُقْدَةَ يجلس في جامع براثى (١) يملي مثالب الصَّحابة - أو قال: الشيخين - فتركتُ حديثه، لا أحدث عنه بشيء (٢). قلتُ: وقد حَرَّرْتُ الكلامَ فيه بما فيه كفاية في كتابي "التكميل"، ولله الحمد والمنة. وكانت وفاته في ذي القَعْدة منها. أحمد بن عامر (٣) بن بشِر بن حامد المَرَورُّوذِي (٤): نسبةً إلى مَرْو الرُّوذ، والرُّوذ: النهر. الفقيه الشافعي تلميذ الشيخ أبي إسحاق المروزي - نسبةً إلى مرو الشَّاهِجان؛ وهي أعظم من تلك - شرح مختصر المُزني، وله كتاب "الجامع في المذهب"، وصنَّف في أُصول الفِقْه، وكان إمامًا لا يُشقُّ غبارُه.

стр. 5631

توفي في هذه السنة (١) ﵀، واللّه تعالى أعلم بالصَّواب، وإليه المرجع والمآب. ثم دخلت سنة ثلاثٍ وثلاثين وثلاثمئة فيها رجع الخليفة المتقي إلى بغداد، وخُلع من الخِلافة وسُمِلَت عيناه. كان المتقي - وهو مقيم بالمَوْصل - قد أرسل إلى الإخشيذ محمد بن طُغْج؛ صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية [أن يأتيه] (٢)، فأقبل إليه وقدم عليه في المنتصف من المحرَّم من هذه السنة، وخضع للخليفة غايةَ الخضوع، وكان يقوم بين يديه كما يقوم الغِلْمان، ويمشي والخليفةُ راكب، ثم عَرَضَ عليه أن يصيرَ معه إلى الدّيار المصرية أو يقيم ببلاد الشام، فأبى عليه ذلك، فأشار عليه بالمقام بمكانه الذي هو فيه، ولا يذهب إلى توزون ببغداد، وحذَّره من توزون ومكره وخديعته، فلم يقبل، وكذلك أشار على وزيره (٣) أبي الحسين بن مُقْلة فلم يسمع. فأهدى إلى الخليفة هدايا كثيرة فاخرة، وكذلك إلى الأمراء والكبراء والوزير، ثم كرَّ راجعًا إلى بلاده، وقد اجتاز بحلب، فانحاز عنها صاحبها أبو عبد اللّه بن سعيد بن حمدان. وكان ابن مقاتل بها، فأرسله إلى الديار المصرية نائبًا عنه حتى يعود إليها. وأما الخليفة فإنه ركب من الرَّقة في دِجْلة إلى بغداد، وأرسل إلى توزون، فاستوثق منه ما كان حلف من الأيمان، فأكَّدها وقرَّرها، فلما اقترب منها خرج إليه توزون ومعه العساكر، فلما رأى الخليفة قبَّل الأرض بين يديه، وأظهر له أنه قد وَفَى له بما كان حلف عليه، وأنزله في مضربه، ثم جاء، فاحتاط على من معه من الكبراء، وأمر بسَمْلِ عيني الخليفة، فَسُملتْ عيناه، فصاح صيحةً عظيمة سمعها الحُرَم، فضجَّتِ الأصواتُ بالبكاء، فأمر توزون بضرب الدَّبادب حتى لا تسمع أصوات الحُرَم، ثم انحدر من فوره إلى بغداد، فبايع المستكفي باللّه، فكانت خلافة المتقي للّه ثلاث سنين وخمسة أشهر وعشرين يومًا، وقيل: وأحد عشر شهرًا. وستأتي ترجمته عند ذكر وفاته (٤).

стр. 5632

خلافةُ المستكفي باللّه أبي القاسم عبد اللّه بن المكتفي بن المعتضد لما رجع توزون إلى بغداد وقد خلع المتقي للّه وسمله، استدعى بعبد اللّه بن المكتفي، فبايعه على الخلافة، ولقب بالمسكتفي باللّه، وذلك في العَشْر الأواخر من صفر من هذه السنة، وجلس توزون بين يديه، وخلع عليه المستكفي خِلْعة سنية، وكان المستكفي مليحَ الشكل، رَبْعَةً، حسنَ الجِسْم والوجه، أبيضَ اللون مشربًا، أكحل، أقنى الأنف، خفيفَ العارضين، وعمره يوم بويع بالخلافة إحدى وأربعون سنة. وأُحضر المتقي بين يديه، وبايعه، وأخذ منه البُرْدة والقضيب، واستوزر أبا الفرج محمد بن علي السَّامري، ولم يكن إليه من الأمر شيء، وإنما الذي يتولى الأمور ابن شيرزاد، وحُبس المتقي بالسجن. وطلب المستكفي أبا القاسم الفَضْل بن المقتدر، وهو الذي ولي الخلافة بعد ذلك، ولقِّب المطيع للّه (١)؛ فاختفى منه ولم يظهر مدة خلافة المستكفي، فأمر المستكفي بهدم داره التي عند دِجْلة. موت القائم الفاطمي وولاية ولده المنصور وفي رمضان من هذه السنة - والصحيح في شوال من التي بعدها (٢) - توفي القائم بأمر اللّه أبو القاسم بن المهدي، وقد عهد بالأمر من بعده لولده المنصور إسماعيل، فكتم موت أبيه مُدَّة حتى أتقن (٣) أمره ثم أظهره. وقد كان أبو يزيد الخارجي قد حاربهم في هذه السنة، وأخذ منهم مُدُنًا كبارًا، وكسروه مرارًا متعددة، ثم يثور عليهم، ويجمع الرِّجال ويقاتلهم بمن قدر عليه، فانتدب المنصور لقتال أبي يزيد بنفسه، وركب في الجيوش، وجرت بينهما حروبٌ يطول ذكرُها، وقد بسطها ابن الأثير في "كامله" (٤). وقد انهزم في بعض الأحيان جيش المنصور عنه ولم يبق إِلَّا في عشرين نفسًا، فقاتل بنفسه قتالًا عظيمًا، فهزم أبا يزيد بعدما كاد يقتله، وثبت المنصور ثباتًا عظيمًا، فعظُم في أعين الناس، وزادت حرمته وهيبتُه، واستنقذ بلاد القيروان منه، وما زال يحاربه المنصور حتى ظفر به وقتله، ولما جيء برأسه سَجدَ شكر اللّه . وكان أبو يزيد هذا قبيحَ الشكل، أعرجَ، قصيرًا، خارجيًا شديدًا، يرى تكفير أهل المِلَّة، قبحه اللّه في الدنيا والآخرة.

стр. 5633

وفي ذي الحجَّة من هذه السنة قُتِلَ أبو الحسين البريدي، وصُلِبَ، ثم أحرف؛ وذلك لأنه قَدِمَ بغداد، يستنجد بتوزون وأبي حعفر بن شيرزاد على ابن أخيه، فوعده النَّصْر، ثم شرع يفسد ما بين توزون وابن شيرزاد، فعلم بذلك ابنُ شيرزاد، فأمر بسجنه وضربه، وأحضر له بعض الفقهاء فُتيا عليها خطوط الفقهاء بإباحة دمه، فاستظهر عليه بذلك، وأمر بقتله وصلبه، ثم أحرقه، وانقضت أيام البريديهين، وزالت دولتهم، لا جمع اللّه بهم شملًا. وفي هذه السنة أخرج المستكفي بالله القاهر من دار الخلافة - الذي كان خليفة ثم سملت عيناه - وأنزله بدار ابن طاهر، وقد افتقر، ولم يبق له من اللِّباس سوى بطن جُبَّة (١) يلتفُّ بها، وفي رِجْله قبقابٌ من خشب. وفي هذه السنة ركب معزُّ الدولة في رجب منها إلى واسط ليحاصرها فبلغ خبره إلى توزون، فركب هو والمستكفي بالله، فلما سمع بهم معز الدولة رجع عنها إلى بلاده، وتسلمها الخليفة، وضمنها أبو القاسم بن أبي عبد الله، فضمَّنه توزون، ثم رجع هو والخليفة إلى بغداد في شوال من هذه السنة. وفي هذه السنة ركب سيفُ الدولة عليُّ بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان إلى حلب، فتسلمها من يأنس المؤنسي، ثم سار إلى حمص ليأخذها، فجاءته جيوش الإخشيذ محمد بن طُغْج مع مولاه كافور، (فاقتتلوا، فانهزم كافور الإخشيذي، واستولى سيف الدولة على حمص، ثم ركب إلى دمشق فحاصرها فلم يفتحها أهلها له، فرجع عنها، وقصده الإخشيذ بجيوش كثيفة، فالتقيا) (٢) بقنَّسرين، فلم يظفر أحد منهما بالآخر، ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة، ثم عاد إلى حلب، فاستقر ملكُه بها، فقصدته الروم في جحافل عظيمة، فالتقى (٣) معهم، فظفر بهم، فقتل منهم خلقًا كثيرًا. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمئة في المحرم منها زاد الخليفة في لقبه إمام الحق، وكتب ذلك على سكَّة المعاملة، وقاله الخطباء على المنابر أيام الجُمَع. وفي المحرم من هذه السنة مات توزون التُّرْكي في داره ببغداد، وكانت إمارته سنتين وأربعة أشهر وعشرة أيام. وكان ابن شيرزاد كاتبه، وكان بهيت لتخليص المال، فلما بلغه الخبر أراد أن يعقد البيعة

стр. 5634

لناصر الدولة بن حمدان، فاضطربت الأجناد، وعقدت الرياسة لنفسه، ودخل بغداد في مستهل صفر، وخرج إليه الأجناد كلُّهم، وحلفوا له، وحلف له الخليفة والقضاة والأعيان، ودخل على الخليفة فخاطبه بأمير الأمراء. وزاد في أرزاق الأجناد، وبعث إلى ناصر الدولة يطالبه بالخَرَاج، فبعث إليه بخمسمئة ألف دِرْهم، وبطعام ففرَّقه في الناس، وأمَرَ ونهى، وولَّى وعزل، وقطع ووصل، وفرح بنفسه ثلاثة أشهر وعشرين يومًا. ثم جاءت الأخبار بأن معزَّ الدولة بن بُوَيه قد أقبل في الجيوش قاصدًا بغداد، فاختفى ابن شيرزاد والخليفة أيضًا، وخرج أكثر الأتراك قاصدين إلى الموصل ليكونوا مع ناصر الدولة بن حمدان. ذكر أول دولة بني بُوَيْه وحكمهم بمغداد أقبل معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه في جحافل [عظيمة من الجيوش قاصدًا بغداد] (١)، فلما اقترب من بغداد بعث إليه الخليفة المستكفي باللّه الهدايا والإنزالات، وقال للرسول: أخبره أنِّي مسرورٌ به، وأني إنما اختفيت من شرِّ الأتراك الذين انصرفوا إلى الموصل. وبعث إليه بالخِلَع والتحف. ودخل معز الدولة بن بويه بغداد في حادي عشر جمادى الأولى من هذه السنة، فنزل بباب الشمَّاسية، ودخل من الغد إلى الخليفة فبايعه، وخلع عليه المستكفي ولقبه بمعز الدولة، ولقب أخاه أبا الحسن عليًّا بعماد الدولة، وأخاه أبا علي الحسن بركن الدولة، وكتب ألقابهم على الدراهم والدنانير. ونزل معز الدولة بدار مُؤْنس الخادم، ونزل أصحابه من الدَّيْلم بدور الناس، فلقي الناس من ذلك كلفةً شديدة، وأمَّن معز الدولة ابنَ شيرزاد، فلما ظهر استكتبه على الخَرَاج، ورتب للخليفة بسبب نفقاته خمسة آلاف [درهم] (١) في كل يوم، واستقرت الأمورُ على هذا النظام. ذكر القَبْض على الخليفة المُستكفي وخَلْعِهِ لما كان اليوم الثاني والعشرين من جمادى الآخرة حضر معز الدولة إلى الحضرة، فجلس على سرير بين يدي الخليفة، وجاء رجلان من الدَّيْلَم، فمدا أيديهما إلى الخليفة، فأنزلاه عن كرسيه، وسحباه، فتحزَّبت (٢) عِمَامتهُ في حَلْقه، ونهض معز الدولة، واضطربت دار الخلافة حتى خلص إلى الحريم، وتفاقم الحال، وسيق الخليفة ماشيًا إلى دار معز الدولة، فاعتقل بها، وأحضر أبو القاسم بن المقتدر فبويع بالخلافة، وسُمِلَتْ عينا المستكفي، وأودع السِّجْنَ، فلم يزل به

стр. 5635

مسجونًا حتى كانت وفاته في سنة ثمانٍ وثلاثين كما سيأتي بيانه، وذكر ترجمته هناك (١). خِلافة المطيع للّه لما قدم معزُّ الدولة بغداد، وقبض على المستكفي، وسُمِلَتْ عيناه، استدعي بابي القاسم الفَضْل بن المقتدر باللّه، وقد كان مختفيًا من المستكفي وهو يحثُّ على طلبه ويجتهد، فلم يقدر عليه، ويقال: إنه اجتمع بمعز الدولة سرًا، فحرَّضه على المستكفي حتى كان من أمره ما كان، فأحضر أبو القاسم بن المقتدر فبويع بالخلافة، ولقب بالمطيع للّه، وبايعه الأمراء والأعيان ومعز الدولة والعامة، وضعف أمر الخلافة جدًّا حتى لم يبق للخليفة أمرٌ ولا نهي ولا وزير أيضًا، وإنما يكون له كاتب على إقطاعه فقط، وإنما مورد أمور المملكة ومصدرها راجعٌ إلى معز الدولة، وإنما كان ذلك لأن بني بويه ومن معهم من الدَّيْلم فيهم تشيُّعٌ (٢) شديد، وكانوا يَرَوْن أن بني العباس قد غصبوا الأمر من العلويين، حتى عزم معز الدولة على تحويل الخلافة عنهم إلى العلويين، واستشار أصحابه في ذلك، فكلُّهم أشار عليه بذلك، إِلَّا رجلًا من أصحابه، كان سديد الرأي فيهم، فإنه قال له: لا أرى لك هذا. قال: ولمَ ذاك؟ قال: لأنَّ هذا خليفة ترى أنت وأصحابك أنه غير صحيح الإمارة، فمتى أمرت بقتله قتلَه أصحابك، ولو ولّيت رجلًا من العلويين لكنت أنت وأصحابك تعتقدون صحة ولايته فلو أمر بقتلك لقتلك أصحابك. فلما فهم ذلك صرَفَه عن رأيه الأول، [وترك ما كان عزم عليه] (٣) للدّنيا لا للّه . ثم نشِبت الحربُ بين ناصر الدولة بن حمدان وبين معز الدولة بن بُوَيْه، فركب ناصر الدولة بعدما خرج معزُّ الدولة والخليفة المطيع إلى عُكْبرا، فدخل بغداد، فأخذ الجانب الشَّرْقي، ثم الغربي، وضَعُفَ أمر معز الدولة والديالمة الذين معه، ثم مكر به معز الدولة وخدعه حتى استظهر عليه وانتصر أصحابه، فنهبوا بغداد وما قدروا عليه من أموال التجار وغيرهم، فكان قيمة ما أخذ أصحابُ معز الدولة من الناس عشرة آلاف ألف دينار، ثم وقع الصُّلْح بين ناصر الدولة ومعز الدولة، ورجع ابن حمدان إلى بلده المَوْصل، واستقر معزُّ الدولة بمدينة السلام بغداد. ثم شرع في استعمال السُّعاة ليبلِّغوا أخاه ركنَ الدولة أخبارَه، فغوي العامة في ذلك، وعلَّموا أبناءهم ذلك، حتى كان من الناس من يقطع نيفًا وثلاثين فرسخًا في يوم. وأعجبه المصارعون والملاكمون، وغير ذلك من أرباب هذه الصِّناعات التي لا يُنْتفع بها إِلَّا قليلًا (٤)

стр. 5636

كالسِّباحة ونحوها، وكان يضرب الطبول بين يديه، ويصارع بين الرجال، والكوسات (١) تدق حول سور (٢) المكان الذي هو فيه، وهذه رعونة شديدة، وسخافة عقل منه وممن يوافقه على ذلك، ثم احتاج معز الدولة إلى صرف أموال في أرزاق الأجناد، فأقطعهم البلاد عِوَضًا عن أرزاقهم، فأدَّى ذلك إلى تخريبها، وتَرْك عمارتها إِلَّا الأراضي التي بأيدي أصحاب الجاهات. وفي هذه السنة وقع غلاءٌ شديد ببغداد حتى أكلوا الميتة والكلاب والسَّنانير، وكان من النَّاس من يسرق الأولاد فيشويهم ويأكلهم، وكثر الموت في الناس حتى كان لا يدفن أحدٌ أحدًا، بل يتركون على الطُّرُقات فتأكل كثيرًا منهم الكلاب، وأبيعت الدُّور والعقار بالخبز، وانتجع الناس البصرة، فكان منهم منْ يموت في الطريق، ومن وصل منهم مات بعد مدَّة. وفيها كانت وفاة القائم بأمر اللّه أبي القاسم محمد بن عبيد اللّه المهدي (٣)، وولي الأمر من بعده ولده المنصور إسماعيل، وكان حازمَ الرأي شديدًا شجاعًا كما ذكرنا ذلك في السنة الماضية (٤)، وكانت وفاتُه في شوال من هذه السنة على الصَّحيح. وفيها توفي الإخشيذ محمد بن طُغْج: صاحب الدِّيار المِصْرية والبلاد الشَّامية، كانت وفاته بدمشق، وله من العمر بضع وستون سنة، وأُقيم ولده أنُوجُور (٥) - وكان صغيرًا - وأقيم كافور الإخشيدي أتابك (٦)، وكان يدبِّر الممالك بالبلاد كلِّها، واستحوذ على الأمور كلها، وسار إلى مِصْر، فقصدَ سيف الدولة بنُ حمدان دمشق، فأخذها من أصحاب الإخشيذ، ففرح بها فرحًا شديدًا، واجتمع بمحمد بن محمد [أبي] (٧) نصر الفارابي التُّرْكي الفيلسوف بها. وركب سيف الدولة يومًا مع الشَّريف العقيقي (٨) في بعض نواحي دمشق، فنظر سيف الدولة إلى الغوطة فأعجبته وقال: ينبغي أن تكون هذه كلها لديوان السُّلْطان - كأنَّه يعرِّض بأخذها من مُلَّاكها - فأوعز ذلك العقيقي (٨) إلى أهل دمشق، فكتبوا إلى كافور

стр. 5637

الإخشيذي يستنجدونه، فأقبل إليهم في جيوش كثيفة، فأجلى عنهم سيفَ الدولة، وطرده عن حلب أيضًا، واستناب عليها، ثم كرَّ راجعًا، فاستناب على دمشق بدرًا الإخشيذي - ويعرف ببُدَيْر - فلما صار كافور إلى الدِّيار المصرية رجع سيفُ الدولة إلى حلب، فأخذها كما كانت أولًا له، ولم يبقَ له في دمشق شيء. وكافور (١) هذا هو الذي هجاه المتنبي ومدحه أيضًا. وممن توفي فيها من الأعيان: الخِرَقي (٢): صاحب المختصر المشهور في الفقه. عمر بن الحسين بن عبد الله، أبو القاسم، الخِرَقي، صاحب المختصر في الفقه، على مذهب الإمام أحمد. وقد شَرَحه القاضي أبو يعلى بن الفَرَّاء، والشيخ موفق الدين بن قُدامة المَقْدِسِي (٣). وقد كان الخرقي هذا من سادات الفقهاء والعُبَّاد، كثيرَ الفضائل والعبادة، خرج من بغداد لما كثر السبُّ بها [للصحابة] (٤)، وأودع كتبه ببغداد، فاحترقت الدار التي هي فيها، وعَدِمت مصنفاته، وقصد دمشق، فأقام بها حتى مات في هذه السنة، وقبره بباب الصغير يزار، قريبًا من قبور الشُّهداء، وفي مصنفه هذا المختصر في كتاب الحج: ويأتي الحجرَ الأسودَ فيقبِّله إن كان هناك. وإنما قال ذلك لأن تصنيفه لهذا الكتاب كان حال [كون] (٥) الحجر الأسود بأيدي القرامطة حين أخذوه من مكانه في سنة سبع عشرة وثلاثمئة كما ذكرنا (٦)، ولم يردوه إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمئة كما سيأتي بيانه في موضعه (٧). قال الخطيب: قال لي القاضي أبو يعلى: كانت له مصنفاتٌ كثيرة، وتخريجات على المذهب لم تظهر، لأنه خرج عن مدينة السلام لما ظهر سبُّ الصحابة وأودع كتبه، فاحترقت الدار التي هي فيها، واحترقت الكتب فيها، ولم تكن قد انتشرت لبُعْده عن البلد (٨). ثم روى الخطيب من طريقه (٩) عن أبي الفضل عبد السميع الهاشمي عن الفتح بن شخرف، قال:

стр. 5638

رأيتُ أميرَ المؤمنين على بن أبي طالب في المنام، فقال لي: ما أحسنَ تواضعَ الأغنياء للفقراء، وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء. قال: ورفع لي كفَّه، فإذا فيها مكتوب: قد كنتَ مَيْتًا فَصِرْتَ حيًّا … وعن قليل تصيرُ مَيْتا فابنِ بدارِ البَقَاءَ بَيْتًا … وَدَعْ بدارِ الفَناءَ بيتا (١) قال ابن بطَّة: مات الخِرَقي بدمشق سنة أربعٍ وثلاثين وثلاثمئة، وزرتُ قبره (٢). محمد بن عيسى (٣): أبو عبد الله بن أبي موسى، الفقيه الحنفي، أحد أئمة العراقيين في زمانه. وولي القضاء ببغداد للمتقي ثم للمستكفي، وكان ثقة فاضلًا، كبست اللصوص داره يظنون أنه ذو مالي، فضربه بعضُهم ضربةً أثخنته، فهرب منهم إلى السطوح، فألقى نفسه من شِدَّة الفزع إلى الأرض، فمات ﵀، وذلك في ربيع الأول من هذه السنة. محمد بن محمد بن عبد اللّه (٤): أبو الفَضْل السلمي الوزير الفقيه المحدث الشاعر. سمع الكثير، وجمع وصنف، وكان يصوم الإثنين والخميس، ولا يدع صلاة الليل والتصنيف، وكان يسأل اللّه الشهادة كثيرًا. فولي الوزارة للسُّلْطان، فقصده الأجناد يطالبونه بأرزاقهم، واجتمع منهم ببابه خَلْق كثير، فاستدعى بحلاق، فحلق رأسه، وتنوَّر، وتطيب، ولبس كفنه، وقام يصلِّي، فدخلوا عليه فقتلوه ﵀ وهو ساجد، في ربيع الآخر من هذه السنة، واللّه تعالى أعلم. الإخشِيذ محمد بن طغْج (٥) بن جُفّ: أبو بكر، الملقب بالإخشيذ، ومعناه ملك الملوك؛ لقبه بذلك الرَّاضي، لأنه كان ملك فرْغانة (٦)، وكل من ملكها كان يسمى الإخشيذ، كما أن من ملك أُشْرُوسَنَة يسمى الأفشين، ومن ملك خُوارزم يسمى خُوارزم شاه، ومن ملك جُرْجان يسمى صُول، ومن ملك

стр. 5639

أَذْربيجان يسمى أصبهبذ، ومن ملك طَبَرِسْتان يسمى رسلان (١). قاله ابن الجوزي في "منتظمه" (٢). قال السُّهَيْلي: وكانت العرب تسمي من ملك الشَّام مع الجزيرة كافرًا قيصر، ومن ملك الفُرس يسمى كسرى، ومن ملك اليَمن يسمَّى تُبَّع، ومن ملك الحبشة يسمَّى النَّجاشي، ومن ملك الهند يسمى بطليموس، ومن ملك مصر كافرًا فِرْعون، ومن ملك الإسكندرية المقوقس (٣). وذكر غير ذلك. وكانت وفاته بدمشق، ونقل إلى بيت المقدس، فدفن هناك، ﵀. أبو بكر الشِّبْلي (٤): أحد مشايخ الصُّوفية، اختلفوا في اسمه على أقوالٍ، فقيل: دُلَف بن جَحْدر، وقيل: ابن جعفر بن يونس (٥). أصله من قريةٍ يقال لها شِبْلية من بلاد أُشْرُوسَنَة من خراسان، وولد بسامرَّا، وكان أبوه حاجب الحُجَّاب للموفَّق (٦)، وكان خاله نائب إسكندرية، وكانت توبة الشِّبْلي على يدي خير النَّسَّاج (٧)، سمعه يعظ، فوقع كلامه في قلبه، فتاب من فوره [وقد كان مالكي المذهب، وكتب الحديث الكثير، ثم أقبل على العبادة والمجاهدة، وترك ذلك كله، وغسل كتبه، وقد ترك له أبوه شيئًا كثيرًا من الذهب والضياع، فأنفقها كلها على الصوفية والمحتاجين. قال الشبلي: رأيت باليمن دار الإمارة، والناس عكوف على بابها، فأشرف لهم الملك من طاقة، وأومأ إليهم بيده للسلام، فسجدوا له، ثم رأيته بعد بالشام قد اشترى لحمًا بدرهم، وأمسكه بيده. فقلت: أنت ذلك الرجل؟ فقال: نعم. ومن رأى ذلك ورأى هذا فلا يحقرن الدنيا؟! ورأى الشبلي حجامًا يحجم بعض الصوفية، فلما فرغ ناوله الشبلي أربعين دينارًا في صرة، فردَّها عليه، وقال: إني إنما عملت ما عملت مع اللّه، لا أنقض عهدي مع اللّه من أجل هذه الدنانير، فصك الشبلي وجهه، وقال: كل إنسان خير من الشبلي حتى الحجام.

стр. 5640

ورأى الشبلي رجلًا راكبًا، فقال الناس: هذا مسخرة الأمير. فتقدم الشبلي إليه فقبل فخذه، فترجل الرجل من دابته وقال: يا سيدي، لعلك لم تعرفني! فقال: بلى، أنت الذي يأكل الدنيا بما يساويها، وأنت خير ممن يأكل الدنيا بالدين] (١). ثم صحب الفقراء والمشايخ، ثم كان بعد ذلك من أئمة القوم. قال الجُنَيْد: الشِّبْلي تاج هؤلاء. وقال الخطيب: أخبرنا عليُّ بن محمود الزَّوْزني قال: سمعت عليَّ بن المثنى التَّميمي يقول: دخلت على الشِّبْلي في داره وهو يهيج ويقول: على بُعْدِكَ لا يَصْبِـ … ــرُ منْ عادتُهُ القُرْبُ ولا يقوى على حَجْبـ … ـك منْ تيَّمَهُ الحُبُّ فإنْ لم تَرَكَ العينُ … فقد يُبْصرُكَ القَلْبُ وقد ذكر له أحوال وكرامات، [فذكر الحافظ ابن عساكر قال: قلت لراهب: لمن احتبست نفسك؟ قال: للمسيح. فقلت: لِمَ أفردته بالعبادة دون اللّه؛ فقال: لأنه مكث أربعين يومًا لا يأكل ولا يشرب. فقلت: عدَّها علي. فمكثت تحت صومعته أربعين يومًا لا آكل ولا أشرب، فنزل إليَّ فقال: ما دينك؟ فقلت: محمدي. فأسلم، فجئت به إلى دمشق، فجمعوا له مالًا، وتركته مع الصوفية. قال: وأُخذنا مرة، فجعل القطاع يعرضون على أميرهم تلك الأموال، ويأكلون بما فيها من السكر واللوز وهو لا يأكل، فقلت: لم لا تأكل مع أصحابك؟ فقال: إني صائم. فقلت: تقتل الرجال، وتأخذ الأموال وأنت صائم! فقال: يا شيخ، اجعل للصلح موضعًا. فلما كان بعد مدة رأيته متعلقًا بأستار الكعبة، وهو كالشن (٢) البالي من العبادة، فقلت: أنت ذاك الرجل؟! فقال: ذاك الصوم هو الذي بلغ بي إلى هنا] (٣). وقد ذكرنا (٤) أنه ممن اشتبه عليه أمر الحلاج، نُسب إليه من الأقوال من غير تأمل لما تحتها، مما كان الحلاج يحاوله من الإلحاد والاتحاد. ولما حضرته الوفاة قال لخادمه: قد كان عليَّ دِرْهم من مظلمةٍ، فتصدقت عن صاحبه بألوف، ومع هذا ما على قلبي شغل أعظم منه، ثم أمر بأن يوضئه فوضأه، وترك تخليل لحيته، [فرفع
следующие страницы →