← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

كالسِّباحة ونحوها، وكان يضرب الطبول بين يديه، ويصارع بين الرجال، والكوسات (١) تدق حول سور (٢) المكان الذي هو فيه، وهذه رعونة شديدة، وسخافة عقل منه وممن يوافقه على ذلك، ثم احتاج معز الدولة إلى صرف أموال في أرزاق الأجناد، فأقطعهم البلاد عِوَضًا عن أرزاقهم، فأدَّى ذلك إلى تخريبها، وتَرْك عمارتها إِلَّا الأراضي التي بأيدي أصحاب الجاهات. وفي هذه السنة وقع غلاءٌ شديد ببغداد حتى أكلوا الميتة والكلاب والسَّنانير، وكان من النَّاس من يسرق الأولاد فيشويهم ويأكلهم، وكثر الموت في الناس حتى كان لا يدفن أحدٌ أحدًا، بل يتركون على الطُّرُقات فتأكل كثيرًا منهم الكلاب، وأبيعت الدُّور والعقار بالخبز، وانتجع الناس البصرة، فكان منهم منْ يموت في الطريق، ومن وصل منهم مات بعد مدَّة. وفيها كانت وفاة القائم بأمر اللّه أبي القاسم محمد بن عبيد اللّه المهدي (٣)، وولي الأمر من بعده ولده المنصور إسماعيل، وكان حازمَ الرأي شديدًا شجاعًا كما ذكرنا ذلك في السنة الماضية (٤)، وكانت وفاتُه في شوال من هذه السنة على الصَّحيح. وفيها توفي الإخشيذ محمد بن طُغْج: صاحب الدِّيار المِصْرية والبلاد الشَّامية، كانت وفاته بدمشق، وله من العمر بضع وستون سنة، وأُقيم ولده أنُوجُور (٥) - وكان صغيرًا - وأقيم كافور الإخشيدي أتابك (٦)، وكان يدبِّر الممالك بالبلاد كلِّها، واستحوذ على الأمور كلها، وسار إلى مِصْر، فقصدَ سيف الدولة بنُ حمدان دمشق، فأخذها من أصحاب الإخشيذ، ففرح بها فرحًا شديدًا، واجتمع بمحمد بن محمد [أبي] (٧) نصر الفارابي التُّرْكي الفيلسوف بها. وركب سيف الدولة يومًا مع الشَّريف العقيقي (٨) في بعض نواحي دمشق، فنظر سيف الدولة إلى الغوطة فأعجبته وقال: ينبغي أن تكون هذه كلها لديوان السُّلْطان - كأنَّه يعرِّض بأخذها من مُلَّاكها - فأوعز ذلك العقيقي (٨) إلى أهل دمشق، فكتبوا إلى كافور

стр. 5637

الإخشيذي يستنجدونه، فأقبل إليهم في جيوش كثيفة، فأجلى عنهم سيفَ الدولة، وطرده عن حلب أيضًا، واستناب عليها، ثم كرَّ راجعًا، فاستناب على دمشق بدرًا الإخشيذي - ويعرف ببُدَيْر - فلما صار كافور إلى الدِّيار المصرية رجع سيفُ الدولة إلى حلب، فأخذها كما كانت أولًا له، ولم يبقَ له في دمشق شيء. وكافور (١) هذا هو الذي هجاه المتنبي ومدحه أيضًا. وممن توفي فيها من الأعيان: الخِرَقي (٢): صاحب المختصر المشهور في الفقه. عمر بن الحسين بن عبد الله، أبو القاسم، الخِرَقي، صاحب المختصر في الفقه، على مذهب الإمام أحمد. وقد شَرَحه القاضي أبو يعلى بن الفَرَّاء، والشيخ موفق الدين بن قُدامة المَقْدِسِي (٣). وقد كان الخرقي هذا من سادات الفقهاء والعُبَّاد، كثيرَ الفضائل والعبادة، خرج من بغداد لما كثر السبُّ بها [للصحابة] (٤)، وأودع كتبه ببغداد، فاحترقت الدار التي هي فيها، وعَدِمت مصنفاته، وقصد دمشق، فأقام بها حتى مات في هذه السنة، وقبره بباب الصغير يزار، قريبًا من قبور الشُّهداء، وفي مصنفه هذا المختصر في كتاب الحج: ويأتي الحجرَ الأسودَ فيقبِّله إن كان هناك. وإنما قال ذلك لأن تصنيفه لهذا الكتاب كان حال [كون] (٥) الحجر الأسود بأيدي القرامطة حين أخذوه من مكانه في سنة سبع عشرة وثلاثمئة كما ذكرنا (٦)، ولم يردوه إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمئة كما سيأتي بيانه في موضعه (٧). قال الخطيب: قال لي القاضي أبو يعلى: كانت له مصنفاتٌ كثيرة، وتخريجات على المذهب لم تظهر، لأنه خرج عن مدينة السلام لما ظهر سبُّ الصحابة وأودع كتبه، فاحترقت الدار التي هي فيها، واحترقت الكتب فيها، ولم تكن قد انتشرت لبُعْده عن البلد (٨). ثم روى الخطيب من طريقه (٩) عن أبي الفضل عبد السميع الهاشمي عن الفتح بن شخرف، قال:

стр. 5638

رأيتُ أميرَ المؤمنين على بن أبي طالب في المنام، فقال لي: ما أحسنَ تواضعَ الأغنياء للفقراء، وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء. قال: ورفع لي كفَّه، فإذا فيها مكتوب: قد كنتَ مَيْتًا فَصِرْتَ حيًّا … وعن قليل تصيرُ مَيْتا فابنِ بدارِ البَقَاءَ بَيْتًا … وَدَعْ بدارِ الفَناءَ بيتا (١) قال ابن بطَّة: مات الخِرَقي بدمشق سنة أربعٍ وثلاثين وثلاثمئة، وزرتُ قبره (٢). محمد بن عيسى (٣): أبو عبد الله بن أبي موسى، الفقيه الحنفي، أحد أئمة العراقيين في زمانه. وولي القضاء ببغداد للمتقي ثم للمستكفي، وكان ثقة فاضلًا، كبست اللصوص داره يظنون أنه ذو مالي، فضربه بعضُهم ضربةً أثخنته، فهرب منهم إلى السطوح، فألقى نفسه من شِدَّة الفزع إلى الأرض، فمات ﵀، وذلك في ربيع الأول من هذه السنة. محمد بن محمد بن عبد اللّه (٤): أبو الفَضْل السلمي الوزير الفقيه المحدث الشاعر. سمع الكثير، وجمع وصنف، وكان يصوم الإثنين والخميس، ولا يدع صلاة الليل والتصنيف، وكان يسأل اللّه الشهادة كثيرًا. فولي الوزارة للسُّلْطان، فقصده الأجناد يطالبونه بأرزاقهم، واجتمع منهم ببابه خَلْق كثير، فاستدعى بحلاق، فحلق رأسه، وتنوَّر، وتطيب، ولبس كفنه، وقام يصلِّي، فدخلوا عليه فقتلوه ﵀ وهو ساجد، في ربيع الآخر من هذه السنة، واللّه تعالى أعلم. الإخشِيذ محمد بن طغْج (٥) بن جُفّ: أبو بكر، الملقب بالإخشيذ، ومعناه ملك الملوك؛ لقبه بذلك الرَّاضي، لأنه كان ملك فرْغانة (٦)، وكل من ملكها كان يسمى الإخشيذ، كما أن من ملك أُشْرُوسَنَة يسمى الأفشين، ومن ملك خُوارزم يسمى خُوارزم شاه، ومن ملك جُرْجان يسمى صُول، ومن ملك

стр. 5639

أَذْربيجان يسمى أصبهبذ، ومن ملك طَبَرِسْتان يسمى رسلان (١). قاله ابن الجوزي في "منتظمه" (٢). قال السُّهَيْلي: وكانت العرب تسمي من ملك الشَّام مع الجزيرة كافرًا قيصر، ومن ملك الفُرس يسمى كسرى، ومن ملك اليَمن يسمَّى تُبَّع، ومن ملك الحبشة يسمَّى النَّجاشي، ومن ملك الهند يسمى بطليموس، ومن ملك مصر كافرًا فِرْعون، ومن ملك الإسكندرية المقوقس (٣). وذكر غير ذلك. وكانت وفاته بدمشق، ونقل إلى بيت المقدس، فدفن هناك، ﵀. أبو بكر الشِّبْلي (٤): أحد مشايخ الصُّوفية، اختلفوا في اسمه على أقوالٍ، فقيل: دُلَف بن جَحْدر، وقيل: ابن جعفر بن يونس (٥). أصله من قريةٍ يقال لها شِبْلية من بلاد أُشْرُوسَنَة من خراسان، وولد بسامرَّا، وكان أبوه حاجب الحُجَّاب للموفَّق (٦)، وكان خاله نائب إسكندرية، وكانت توبة الشِّبْلي على يدي خير النَّسَّاج (٧)، سمعه يعظ، فوقع كلامه في قلبه، فتاب من فوره [وقد كان مالكي المذهب، وكتب الحديث الكثير، ثم أقبل على العبادة والمجاهدة، وترك ذلك كله، وغسل كتبه، وقد ترك له أبوه شيئًا كثيرًا من الذهب والضياع، فأنفقها كلها على الصوفية والمحتاجين. قال الشبلي: رأيت باليمن دار الإمارة، والناس عكوف على بابها، فأشرف لهم الملك من طاقة، وأومأ إليهم بيده للسلام، فسجدوا له، ثم رأيته بعد بالشام قد اشترى لحمًا بدرهم، وأمسكه بيده. فقلت: أنت ذلك الرجل؟ فقال: نعم. ومن رأى ذلك ورأى هذا فلا يحقرن الدنيا؟! ورأى الشبلي حجامًا يحجم بعض الصوفية، فلما فرغ ناوله الشبلي أربعين دينارًا في صرة، فردَّها عليه، وقال: إني إنما عملت ما عملت مع اللّه، لا أنقض عهدي مع اللّه من أجل هذه الدنانير، فصك الشبلي وجهه، وقال: كل إنسان خير من الشبلي حتى الحجام.

стр. 5640

ورأى الشبلي رجلًا راكبًا، فقال الناس: هذا مسخرة الأمير. فتقدم الشبلي إليه فقبل فخذه، فترجل الرجل من دابته وقال: يا سيدي، لعلك لم تعرفني! فقال: بلى، أنت الذي يأكل الدنيا بما يساويها، وأنت خير ممن يأكل الدنيا بالدين] (١). ثم صحب الفقراء والمشايخ، ثم كان بعد ذلك من أئمة القوم. قال الجُنَيْد: الشِّبْلي تاج هؤلاء. وقال الخطيب: أخبرنا عليُّ بن محمود الزَّوْزني قال: سمعت عليَّ بن المثنى التَّميمي يقول: دخلت على الشِّبْلي في داره وهو يهيج ويقول: على بُعْدِكَ لا يَصْبِـ … ــرُ منْ عادتُهُ القُرْبُ ولا يقوى على حَجْبـ … ـك منْ تيَّمَهُ الحُبُّ فإنْ لم تَرَكَ العينُ … فقد يُبْصرُكَ القَلْبُ وقد ذكر له أحوال وكرامات، [فذكر الحافظ ابن عساكر قال: قلت لراهب: لمن احتبست نفسك؟ قال: للمسيح. فقلت: لِمَ أفردته بالعبادة دون اللّه؛ فقال: لأنه مكث أربعين يومًا لا يأكل ولا يشرب. فقلت: عدَّها علي. فمكثت تحت صومعته أربعين يومًا لا آكل ولا أشرب، فنزل إليَّ فقال: ما دينك؟ فقلت: محمدي. فأسلم، فجئت به إلى دمشق، فجمعوا له مالًا، وتركته مع الصوفية. قال: وأُخذنا مرة، فجعل القطاع يعرضون على أميرهم تلك الأموال، ويأكلون بما فيها من السكر واللوز وهو لا يأكل، فقلت: لم لا تأكل مع أصحابك؟ فقال: إني صائم. فقلت: تقتل الرجال، وتأخذ الأموال وأنت صائم! فقال: يا شيخ، اجعل للصلح موضعًا. فلما كان بعد مدة رأيته متعلقًا بأستار الكعبة، وهو كالشن (٢) البالي من العبادة، فقلت: أنت ذاك الرجل؟! فقال: ذاك الصوم هو الذي بلغ بي إلى هنا] (٣). وقد ذكرنا (٤) أنه ممن اشتبه عليه أمر الحلاج، نُسب إليه من الأقوال من غير تأمل لما تحتها، مما كان الحلاج يحاوله من الإلحاد والاتحاد. ولما حضرته الوفاة قال لخادمه: قد كان عليَّ دِرْهم من مظلمةٍ، فتصدقت عن صاحبه بألوف، ومع هذا ما على قلبي شغل أعظم منه، ثم أمر بأن يوضئه فوضأه، وترك تخليل لحيته، [فرفع

стр. 5641

يده - وكان قد اعتقل لسانه -] (١) فجعل يخلل لحية نفسه، ثم مات، ﵀. وذكره القاضي ابن خلكان في "الوفيات"، وحكى عنه أنه دخل يومًا على الجنيد، فوقف بين يديه، وصفَّق بيديه وأنشد: عَوَّدوني الوصالَ والوصلُ عَذْبُ … وَرَموني بالصَّدِّ والصَّدُّ صَعْبُ زَعَمُوا حينَ أزمعوا أنَّ ذنبي … فَرْطُ حبِّي لهم وما ذاكَ ذنبُ لا وحَقّ الخضوعِ عندَ التَّلاقي … ما جزا منْ يُحِبُّ إِلَّا يُحَبُّ (٢) وذَكَرَ عنه أنه قال: رأيتُ مجنونًا على باب جامع الرّصافة يوم جمعة عُريانَ وهو يقول: أنا مجنون اللّه أنا مجنون اللّه، فقلت: ألا تستتر وتدخل، فتصلي مع الناس؟ فأنشأ يقول: يقولونَ زُرْنا واقْضِ واجِبَ حَقّنا … وقدْ أسْقَطتْ حالي حُقُوقَهُمُ عنِّي إذا أبصَرُوا حالي ولم يأنفُوا لها … ولم يأنفُوا منها أنِفْتُ لهم منِّي (٣) وذكر الخطيب في "تاريخه" عنه أنه أنشد لنفسه: مَضَتِ الشَّبيبةُ والحبيبةُ فانبرى … دَمْعانِ في الأجفانِ يَزْدحمانِ ما أنصفتني الحادثاتُ رَمَيْنني … بمُوَدَّعينِ وليسَ لي قَلْبانِ (٤) وكانت وفاته ﵀ ليلة الجمعة لليلتين بقيتا من هذه السنة، وله سبع وثمانون سنة، ودفن في مقبرة الخيزران، ﵀. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة في هذه السَّنة استقرَّ أمر الخليفة المطيع للّه في دار الخِلافة، واصطلح معز الدولة بن بُوَيْه وناصر الدولة بن حمدان على ذلك، ثم حاربَ ناصرُ الدولة تكِين التُّرْكي، فاقتتلا مَرَّاتٍ متعدِّدة، ثم ظَفِرَ ناصر الدولة بتكين، فسمله بين يديه، واستقر أمره بالمَوْصل والجزيرة. وفيها استحوذ ركن الدولة بن بويه على الرَّي، وانتزعها من الخُرَاسانية، فاتسعت مملكة بني بويه

стр. 5642

جدًّا، فإنه صار بأيديهم أعمال الرَّي والجبل وأصْبَهان وفارس والأهواز والعراق، ويُحمل إليهم ضمان المَوْصل وديار مُضَر وربيعة من الجزيرة. ثم اقتتل جش مُعزِّ الدولة وجيش أبي القاسم بن البريدي، فهزم أصحابَ البريدي، وأسر من أعيانهم جماعةً كثيرة. وفيها وقع الفداء بين الرُّوم والمسلمين على يد نَصْر الثَّملي أمير الثغور لسيفِ الدولة بن حَمْدان، فكان عِدَّة الأسارى نحوًا من ألفين وخمسمئة مسلم، وللّه الحمد والمنَّة. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن بن حَمُّويه بن الحسين (١): القاضي الإسْتِرَاباذي. روى الكثير وحدَّث، وكان له مجلسٌ للإملاء، وحكم ببلده مُدَّة طويلة، وكان من المتهجدين بالأسحار، ويُضرب به المثل في مروءته ووجاهته، وقد ماث فجاة على صَدْر جاريته عند إنزاله، ﵀. عبد الرحمن بن أحمد بن عبد اللّه (٢): أبو عبد اللّه الخُتُّلِي، سمع مع ابنَ أبي الدُّنيا وغيره. وحدث عنه: الدَّارَقُطْني وخَلْقٌ. وكان ثقة ثَبْتًا حافظًا، حدَّث من حفظه بخمسين ألف حديث (٣). عبد السَّلام بن رَغْبان بن عبد السلام (٤) بن حبيب بن عبد الله بن رَغبْان بن زيد بن تميم، أبو محمد الكَلْبي، الملقَّب ديك الجن، الماجن الشيعي. ويقال: إنه من موالي بني تميم، وكانت له أشعار قوية؛ خمارية وغير خمارية، وقد استجاد أبو نواسٍ شِعْرَه في الخماريات (٥). علي بن عيسى بن داود بن الجَرَّاح (٦): أبو الحسن، الوزير للمقتدر والقاهر.

стр. 5643

ولد سنة خمسٍ وأربعين ومئتين، وسمع الكثير، وعنه: الطبراني وغيره، وكان ثقة ثَبْتًا فاضلًا عفيفًا، كثير التِّلاوة والصلاة والصيام، يحب أهل العلم ويكثر مجالستهم، وكان أصله من الفُرْس، وكان من أكابر القائمين على الحلَّاج. وقد روي عنه أنه قال: ملكت سبعمئة ألف دينار أنفقت منها على وجوه الخير ستمئة ألف وثمانين ألفًا. ولما دخل مكة حين نُفِيَ من بغداد طاف بالبيت وبالصَّفَا والمَرْوة، وكان حرٌّ شديد، فجاء المنزل، فألقى نفسه كالميت وقال: أشتهي على الله شربة ثلج. فقال له بعض أصحابه: إن هذا مما لا يتهيأ هاهنا. فقال: أعرف، ولكني استروحت إلى المُنى، فلما كان في أثناء النهار جاءت سحابةٌ فأمطرت، ثم سقط بَرَدٌ شديد كثير، فجمع له صاحبه ذاك من البَرَد شيئًا كثيرًا، وخبأه له، وكان الوزير صائمًا، فلما أمسى جاء المسجد، فأقبل إليه صاحبه بأنواع من الأشربة كلها بثلج، فجعل يسقيه منْ حوله من الصُّوفية والمجاورين، ولم يشرب هو شيئًا من ذلك. فلما رجع إلى منزله جئته بشيءٍ من ذلك الشراب كنّا قد خبأناه له، وأقسمت عليه ليشربَنَّه، فشربه بعد جهدٍ، وقال: كنت أشتهي لو كنت تمنيت المغفرة (١). ﵀ وغفر له. ومن شعر الوزير أبي الحسن علي بن عيسى قوله: فَمَنْ كان عنِّي سائِلًا بشَمَاتةٍ … لما نَابني أو شَامِتًا غيرَ سائلِ فقدْ أبْرَزَتْ منِّي الخُطُوبُ ابنَ حُرَّةٍ … صَبُورًا على أهوال تلكَ الزَّلازِلِ (٢) وقد روى أبو القاسم علي بن المُحَسِّن التَّنوخي (٣) عن أبيه عن جماعةٍ أنَّ عطارًا من أهل الكَرْخ كان مشهورًا بالسُّنَّة، ركبه ستمئة دينار دينًا، فغلق دكَّانه، وانكسر عن كسبه، ولزم منزله، وأقبل على الدُّعاء والتضرع والصلاة ليالي كثيرة، فلما كان في بعض تلك الليالي رأى رسول اللّه ﷺ في المنام وهو يقول له: اقصد عليَّ بن عيسى الوزير، فقد أمرته لك بأربعمئة دينار. فلما أصبح الرجل قَصَدَ باب الوزير، فلم يَعْرِفْه أحدٌ، فجلس لعل أحدًا يستأذن له عليه حتى طال عليه المجلس وهمَّ بالانصراف، ثم إنه قال لبعض الحَجبة: قل للوزير إني رجلٌ رأيتُ رسول اللّه ﷺ في المنام، وأنا أريد أنْ أقُصَّه على الوزير. فقال له الحاجب: وأنت الرائي؟! إن الوزير قد أنفذ في طلبك رُسُلًا متعددة. ثم دخل، فما كان بأسرع

стр. 5644

من أن أدخلني عليه، فأقبل عليه الوزير يستعلمه عن اسمه وصنعته ومنزله. فذكر ذلك له، فقال له الوزير: إني رأيت رسولَ اللّه وهو يأمرني بإعطائك أربعمئة دينار، فأصبحتُ لا أدري لمن أسأل عنك وقد أرسلت في طلبك إلى الآن عِدَّة من الرُّسُل، فجزاك اللّه خيرًا في قصدك إياي. ثم أمر بإحضار ألف دينار فقال له: هذه أربعمئة لأمر رسول اللّه، وستمئة هِبَةٌ من عندي. فقال الرجل: لا واللّه لا أزيد على ما أمرني به رسول اللّه ﷺ ، فإني أرجو الخير والبركة فيه. ثم أخذ منها أربعمئة دينار. فقال الوزير: هذا هو الصدق واليقين. فخرج الرجل، فعرض على أرباب الديون أموالهم فقالوا: نحن نصبر عليك ثلاث سنين، وافتح بهذا الذهب دكانك ودُمْ على كسبك. فأبى إِلَّا أن يعطيهم من أموالهم الثلث، فدفع إليهم مئتي دينار، وفتح الدكان بالمئتين الأخرى، فما حال الحول حتى كسب ألف دينار (١). ولعلي بن عيسى الوزير أخبار كثيرة صالحة. وكانت وفاته في هذه السنة عن تسعين سنة. ويقال: في التي قبلها، واللّه أعلم. محمد بن إسماعيل (٢) بن إسحاق بن بحر: أبو عبد اللّه الفارسي، الفقيه الشَّافعي. كان ثقة ثَبْتًا فاضلًا، سمع أبا زُرْعة الدِّمَشْقي وغيره، وعنه: الدَّارَقُطْني وغيره، وآخر منْ حدث عنه أبو عمر بن مهدي، وكانت وفاته في شوَّال من هذه السنة. هارون بن محمد (٣) بن هارون بن علي بن موسى بن عمرو بن جابر بن يزيد بن جابر بن عامر بن أسيد بن تَيْم بن صُبْح بن ذُهْل بن مالك [بن بكر] (٤) بن سَعْد بن ضَبَّة أبو جعفر؛ والد القاضي أبي عبد اللّه الحسين بن هارون (٥). كان أسلافه ملوك عُمان في قديم الزمان، ويزيد بن جابر أدركه الإسلام، فأسلم وَحَسُنَ إسلامه، وكان هارون هذا أول من انتقل من أهله من عُمان، فنزل بغداد (٦) وحدَّث بها، وروى عنه ابنه. وكان فاضلًا متضلعًا من كل فن، وكانت داره مجمع العلماء في سائر الفنون، ونفقاته دارَّة عليهم، وكان له منزلة عالية، ومهابة وافرة ببغداد، وقد أثنى عليه الدَّارَقُطْني ثناء كثيرًا، وقال: كان مبرِّزًا في النَّحْو واللغة والشعر، ومعاني القرآن، والكلام.

стр. 5645

قال ابن الأثير: وممن توفي فيها: أبو بكر محمد بن [يحيى بن] بن عبد اللّه بن العبَّاس بن [محمد بن] صُول الصُّولي: وكان عالمًا بفنون الآداب والأخبار (١). وإنما ذكره ابنُ الجوزي في التي بعدها كما سيأتي (٢). أبو العبَّاس بن القاص (٣) أحمد بن أبي أحمد الطَّبري: الفقيه الشافعي، تلميذ ابن سُرَيج، له "كتاب التَّلْخيص" و"كتاب المِفْتاح"، وهو مُخْتَصَرٌ (٤)، شَرَحه أبو عبد الله الخَتَن (٥)، وأبو علي السِّنْجي (٦) أيضًا. وكان أبوه يقصُّ على الناس الأخبار والآثار، وأما هو فتولى قضاء طَرَسُوس، وكان يعظ الناس أيضًا، فحصل له خشوع، فسقط مغشيًا عليه، فمات في سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة. ثم دخلت سنة ستٍّ وثلاثين وثلاثمئة فيها خرج معز الدولة والمطيع لله من بغداد إلى البَصْرة، فاستنقذاها من يد أبي القاسم بن البَريدي، وهرب هو وأكثر أصحابه، واستولى معز الدولة على البصرة، وبعث يتهدَّد القرامطة ويتوعدهم بأخذ بلادهم. وزاد في إقطاع الخليفة ضياعًا تعمل في السنة مئتي ألف دينار، ثم سار معز الدولة لتلقي أخيه عماد الدولة بالأهواز، فقبَّل الأرض بين يدي أخيه، وقام ماثلًا أيضًا، ويأمره بالجلوس فلا يفعل. ثم عاد إلى بغداد، ورجع الخليفة إليها أيضًا، وقد تمهدت أمور جيدة.

стр. 5646

وفي هذه السنة استحوذ ركن الدولة على بلاد طَبَرِسْتان وجُرْجان، وانتزعها من يد وَشْمَكير أخي مَرْدَاويج ملك الدَّيْلم، فذهب وَشْمَكير إلى خُرَاسان يستنجد بصاحبها. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو الحسين بن المُنادي (١) أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد اللّه بن يزيد: أبو الحسين بن المُنَادي، سمع جدَّه، وعباسًا الدُّوري، ومحمد بن إسحاق الصَّاغاني. وكان ثقة أمينًا حُجَّة صادقًا، صنَّف كثيرًا وجمع علومًا جمة، ولم يسمع الناس منها إِلَّا اليسير؛ وذلك لشراسة أخلاقه. وآخر من روى عنه محمد بن فارس الغُوري (٢). ونقل ابنُ الجوزي عن أبي يوسف القَزويني أنه قال: صنَّف أبو الحسين بن المُنَادي في علوم القرآن أربعمئة كتاب، ونيفًا وأربعين كتابًا، ولا يوجد في كلامه حشو، بل هو نقيُّ الكلام، جمع بين الرِّواية والدِّراية (٣). وقال ابن الجَوْزي: ومن وَقَف على مصنَّفاته عَلِم فضيلته واطلاعه، ووقف على فوائد لا توجد في غير كتبه (٤). كانت وفاته في محرَّم هذه السنة عن ثمانين سنة. الصُّولي (٥) محمد بن يحيى بن عبد اللّه بن العَبَّاس بن محمد بن صُولٍ: أبو بكر الصُّولي. كان أحد العلماء بفنون الأدب، حَسَنَ المعرفة بأخبار الملوك وأيام الخلفاء، ومآثر الأشراف وطبقات الشعراء.

стр. 5647

روى عن أبي داودٍ السِّجِسْتاني، والمبرِّد، وثعلب، وأبي العَيْناء، وغيرهم، وكان واسع الرواية، جيد الحفظ، حاذقًا، بتصنيف الكتب. وله كتب كثيرة هائلة، ونادمَ جماعةً من الخلفاء، وحظي عندهم، وكان جدُّه صُول وأهله ملوكًا بجُرْجان، ثم كان أولاده من أكابر الكُتَّاب، وكان الصُّولي هذا جَيِّد الاعتقاد حسنَ الطريقة، وله شِعْرٌ حسن، وقد روى عنه الدَّارَقُطْني وغيره من الحُفَّاظ. ومن شعره قولُه: أحْبَبْتُ منْ أجلهِ منْ كان يشْبِهُهُ … وكلُّ شيءٍ منَ المعشوقِ مَعْشُوقُ حتَّى حكيتُ بجسمي ما بمُقْلتهِ … كأنَّ سُقْمي من عينيهِ مَسْرُوقُ خرج الصُّولي من بغداد إلى البَصْرة لحاجةٍ لحقته، فمات بها في هذه السنة. [ابنة أبي الحسن المكي] (١): وفيها كانت وفاة ابنة الشيخ أبي الحسن الزَّاهد المكي. وكانت من العابدات النَّاسكات المقيمات بمكة، وإنما كانت تقتات من كَسْب أبيها مما يكتسبه من عمل الخُوص في كلِّ سنة بثلاثين دِرْهمًا يرسلها إليها، فاتفق أن أرسلها مَرَّة مع بعض أصحابه، فزاد عليها ذلك الرجل عشرين درهمًا - يريد بذلك بِرَّها وزيادةً في نفقتها - فلما اختبرتها قالت: هل وضعت على هذه شيئًا؟ اصدقني بحقِّ الذي حججت له. فقال: نعم. فقالت: ارجع بها، فلا حاجة لي فيها، ولولا أنك قصدتَ الخير لدعوت عليك، فإنك أجعتني عامي هذا، ولم يبق لي رِزْق إِلَّا من المزابل إلى قابل. فقلت: ألا تأخذي منها الثلاثين درهمًا؟ فقالت: إنها قد اختلطت بمالك، ولا أدري ما هو. قال الرجل: فرجعت بها إلى أبيها، فأبى أن يقبلها وقال: شققت يا هذا علي، وضيَّقْتَ عليها، ولكن اذهب، فتصدَّق بها (٢). ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة فيها ركب معز الدولة من بغداد إلى المَوْصل، فانهزم منه ناصر الدولة إلى نَصيبين، فتملَّك معز الدولة بن بُوَيه المَوْصِل في رمضان من هذه السنة، فعسف أهلها، وأخذ أموالهم، وكَثُرَ الدُّعاء عليه. ثم عزم على أخذ البلاد كلِّها من يد ناصر الدولة بن حَمْدان، فجاءه خبر من أخيه ركن الدولة يستنجده على من قبله من الخراسانية، فاحتاج إلى مصالحة ناصر الدولة على أن يحمل عما تحت يده من بلاد الجزيرة

стр. 5648

والشَّام في كل سنة ثمانية آلاف [ألف] (١) دِرْهم، وأن يخطب له ولأخويه عماد الدولة وركن الدولة على منابر بلاده كلها، ففعل. وعاد معز الدولة إلى بغداد، وبعث إلى أخيه ركن الدولة بجيشٍ هائل، وأخذ له عهد الخليفة بولاية خُرَاسان. وفيها دخل سيف الدولة بن حمدان؛ صاحب حلب إلى بلاد الرُّوم، فلقيه جمع كثيف من الرُّوم، فاقتتلوا قثالًا شديدًا، فانهزم سيف الدولة، وأخذت الرُّوم مَرْعش، وأوقعوا بأهل طَرَسُوس بأسًا شديدًا، فإنا للّه وإنا إليه راجعون. قال ابن الجوزي: وفي رمضان [من هذه السنة] (٢) انتهت زيادة دِجْلة إلى أحد وعشرين ذراعًا وثلث، فغرقت الضياع والدُّور التي عليها، وأشرف الجانب الشرقي على الغرق، وهمَّ الناس بالهرب منه (٣). وممن توفي فيها من الأعيان: عبد اللّه بن محمد بن حَمْدُويه (٤): ابن نُعيم بن الحَكم، أبو محمد البَيِّع؛ وهو والد الحاكم أبي عبد اللّه النَّيْسابوري (٥). أذَّن ثلاثًا وثلاثين سنة، وغزا اثنتين وعشرين غزوة، وأنفق على العلماء مئة ألف، وكان يقوم الليل، كثيرَ الصَّدقة، أدرك عبد اللّه بن أحمد، ومسلم بن الحَجَّاج، وروى عن ابن خُزَيْمة وغيره، وتوفي عن ثلاثٍ وتسعين سنة. قُدَامة الكاتب المشهور (٦): هو قدامة بن جعفر بن قدامة، أبو الفرج الكاتب. له مصنَّف في "الخَراج وصناعة الكتابة" (٧)، وبه يقتدي علماء هذا الشأن، وقد سأل ثعلبًا عن أشياء. محمد بن علي بن عمر (٨): أبو علي المذكِّر الواعظ بِنَيْسابور.

стр. 5649

كان كثير التدليس عن المشايخ الذين لم يلقهم، وتوفي في هذه السنة عن مئة وسبع سنين، سامحه الله. محمد بن مظفر بن عبيد (١): أبو النَّجا الفرضي الضرير، الفقيه المالكي. له كتاب في الفِقْه على مذهب مالك، وله مصنَّفاتٌ في الفرائض قليلة النظير، وكان أديبًا فَهِمًا فاضلًا حاذقًا، ﵀. ثم دخلت سنة ثمانٍ وثلاثين وثلاثمئة في ربيع الأول منها وقعت [فتنة] (٢) بين الشِّيعة وأهل السُّنَّة، ونُهبت الكَرْخ. وفي جمادى الآخرة تقلَّد القاضي أبو السَّائب عُتْبة بن عبيد الله الهَمَذاني قضاء القضاة. وفيها خرج رجلٌ يقال له عِمْران بن شاهين كان قد استوجب بعض العقوبات، فهرب من السُّلْطان إلى ناحية البطائح، فكان يقتات ما يصيده من السمك والطُّيور، والتفَّ عليه خَلْقٌ من الصَّيادين وقُطَّاع الطريق، فقويت شوكته، واستعمله أبو القاسم بن البَرِيدي على جباية بعض تلك النواحي، وأرسل إليه معز الدولة بن بويه جيشًا مع وزيره أبي جعفر الصَّيْمري، فَهُزِمَ الوزيرُ، لكنه دهمه أمر اشتغل به عنه، وذلك وفاة: عماد الدولة بن بُوَيْه (٣) وهو أبو الحسن عليُّ بن بويه أكبر أولاد بويه، وأول من تملَّك منهم، وكان عاقلًا حازمًا، جيِّد السيرة، رئيسًا في نفسه. كان أول ظهوره في سنة ثنتين وعشرين وثلاثمئة كما ذكرنا (٤). فلما كان في هذا العام قويت عليه الأسقام، وتواترت لديه الآلام، فأحسَّ من نفسه بالهلاك، ولم يعادل ما هو فيه من الملك، وكثرة الأموال والرجال، من الدَّيالم والأتراك، ولم يحصلوا له الفكاك. ولم يكن له ولد ذكر (٥)، فأرسل إلى أخيه ركن الدولة يستدعي إليه ولدَه عَضُدَ الدولة، ليجعله

стр. 5650

وليَّ عهده من بعده، فلما قَدِم عليه فرح به فرحًا شديدًا، وخرج بنفسه في جميع جيشه لتلقيه، فلما دخل به دار المملكة، أجلسه على السَّرير، وقام بين يديه كأحد الأمراء، ليرفع من شأنه عند أمرائه ووزرائه وأعوانه. ثم عقد له البيعة على ما يملكه من البُلْدان والأموال، وتدبير الملك والرجال. وفَهِمَ من بعض رؤوس الأمراء كراهية لذلك، فشرع في القبض عليهم، وقَتَلَ من شاء منهم وسجنَ آخرين، حتى تمهَّدتِ الأمور لعَضُدِ الدولة. ثم كانت وفاة عماد الدولة بشِيراز في هذه السنة عن سبعٍ وخمسين سنة، وكانت مدة ملكه ست عشرة سنة، وكان هو من خيار الملوك في زمانه، وممن حاز قصب السبق دون أقرانه، وكان هو في الحقيقة أمير الأمراء، وبذلك كان يكاتبه الخلفاء، ولكن أخوه معز الدولة كان ينوب عنه ببغداد والعراق والسَّواد. ولما مات عماد الدولة اشتغل الوزير أبو جعفر الصَّيْمَري عن محاربة عمران بن شاهين، وكتب إليه معز الدولة أن يسير إلى شِيراز ويضبط أمورها، فقوي أمر عمران بعد ضعفه، وكان من أمره ما سيأتي بيانه في موضعه. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو جعفر النحاس النَّحْوي (١) أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس: أبو جعفر المُرَادي المِصْري النَّحْوي، المعروف بالنَّحَّاس، اللُّغوي المفسر الأديب، له مصنَّفات كثيرة في التفسير وغيره. وقد سمع الحديث، ولقي أصحاب المبرِّد، وكانت وفاته في ذي الحجَّة من هذه السنة. قال ابن خَلِّكان: لخمسٍ خلون منها يوم السبت (٢). وكان سبب وفاته أنه جلس عند المقياس (٣) يقطِّع شيئًا من العَروض، فظنَّه بعض العامة يَسْحرُ النيل لئلا يوفي، فرفسه برجله، فسقط فغرق، ولم يُدْرَ أين ذهب، ﵀. وكان قد أخذ النحو عن علي بن سليمان الأخفش، وأبي بكر [بن] الأنباري، وأبي إسحاق الزَّجَّاج، ونِفْطَوَيْه وغيرهم، وله مصنَّفات كثيرة مفيدة، منها: تفسير "القرآن" و"النَّاسخ

стр. 5651

والمنسوخ"، و "شرح أبيات سيبويه"، ولم يُصنَّف مثله، وشرح المعلقات والدواوين العشرة، وغير ذلك. وروى الحديث عن أبي عبد الرحمن النَّسائي، وكان بخيلًا جدًّا، وانتفع الناس به، ﵀. وفيها كانت وفاة الخليفة: المُسْتكفي بالله (١) عبد الله بن علي المكتفي بالله: وقد ولي الخلافة سنةً وأربعة أشهر ويومين، ثم خلع وسُمِلَتْ عيناه كما تقدَّم ذكر (٢). وكانت وفاته في هذه السنة وهو معتقلٌ في داره، وله من العمر ست وأربعون سنةً وشهران. علي بن حَمْشاد (٣) بن سَخْتويه (٤) بن نَصْر: أبو الحسن المعدَّل. محدِّث عصره بنيسابور، رحل إلى البُلْدان، وسمع الكثير، وحدَّث، وصنّف "مسندًا" في أربعمئة جُزْء، وله غير ذلك مع شدَّة الإتقان والحفظ، وكثرة العبادة والصِّيانة والخشية لله . قال بعضهم (٥): صحبته في السَّفَر والحضر فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئةً (٦). وله تفسير في مئتي جُزْء ونيِّف، دخل الحمَّام من غير مرض، فتوفي فيه فجأة، وذلك يوم الجمعة الرابع عشر من شوَّال من هذه السنة، ﵀. علي بن محمد بن أحمد (٧) بن الحسن: أبو الحسن، الواعظ البغدادي. ثم ارتحل إلى مصر، فأقام بها حتى عُرف بالمِصْري، ثم رجع إلى بغداد وقد سمع الكثير، وروى عنه الدَّارَقُطْني وغيره، وكان له مجلس وعظ يحضره فيه الرجال والنساء، وكان يتكلم وهو متبرقع لئلا يرى النِّساء حسنه وجماله، وقد حضر وعظه أبو بكر النَّقَّاش (٨) مستخفيًا، فلما سمع كلامه قام قائمًا وشهَرَ نفسه وقال له: القصص بعدك حرام.

стр. 5652

قال الخطيب: وكان ثِقَةً أمينًا عرافًا، جمع حديث اللَّيث، وابن لَهيعة، وله كُتبٌ كثيرة في الزُّهْد (١). وكانت وفاته في ذي القَعْدة من هذه السنة، وله سبع وثمانون سنة. ثم دخلت سنة تسعٍ وثلاثين وثلاثمئة في هذه السنة المباركة في ذي القعدة منها رُدَّ الحجر الأسود المكي إلى مكانه، وكانت القرامطة قد أخذوه في سنة سبع عشرة وثلاثمئة كما ذكرنا (٢)، وقتلوا من وجدوه من الحجيج ذلك العام حول الكعبة المطهرة، وكان ملكهم إذ ذاك أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن الجنَّابي لعنه اللّه، ولما وقع ذلك أعظم المسلمون ذلك جدًّا، وقد بذَلَ لهم الأمير بجكم التركي خمسين ألف دينار ليردُّوه إلى موضعه فلم يقبلوا، وقالوا: نحن أخذناه بأمرٍ ولا نرده إِلَّا بأمر من أخذناه بأمره. فلما كان في هذا العام حملوه إلى الكوفة، وعلَّقوه على الأسطوانة السابعة من جامعها ليراه النَّاس، وكتب أخو أبي طاهر كتابًا فيه: إنَّا أخذنا هذا الحجر بأمر، وقد رددناه بأمر من أمرنا بأخذه ليتمَّ حج الناس ومناسكهم. ثم أرسلوه إلى مكة بغير شيء على قَعُودٍ (٣)، فوصل في ذي القعدة من هذه السنة، وللّه الحمد والمنَّة، وكان مُدَّة مقامه عندهم ثنتين وعشرين سنة، ففَرِحَ المسلمون بذلك فرحًا شديدًا. وقد ذكر غير واحد أن القرامطة حين أخذوه وحملوه على عِدَّة جمالٍ فَعَطِبَتْ تحته، ويعتري أسنمتها العَقْر (٤)، ولما ردوه حمله قَعُود واحد ولم يصبه بأس، وللّه الحمد والمنَّة. وفي هذه السنة دخل سيفُ الدولة بن حَمْدان بجيشٍ كثيف نحو من ثلاثين ألفًا إلى بلاد الرُّوم، فَوَغَلَ فيها، وفتح حصونًا، وقتل خلقًا وأسر أممًا، وغَنمَ شيئًا كثيرًا، ثم رجع، فأخذت الروم عليه الدَّرب الذي يخرج منه، فقتلوا عامة من معه، وأسروا بقيتهم، واستردُّوا ما كان أخذه لهم، ونجا سيف الدولة في نفرٍ يسير من أصحابه، فإنا للّه وإنا إليه راجعون. وفيها مات الوزير أبو جعفر الصَّيْمري، فاستوزر معز الدولة مكانه أبا محمد الحسن بن محمد المُهَلَّبي (٥) في جمادى الأولى، فاستفحل أمر عمران بن شاهين أيضًا، وتفاقم الحال به، وبعث إليه

стр. 5653

معز الدولة جيشًا بعد جيش، فيهزمهم مرة بعد مرة، ثم عدل معز الدولة إلى مصالحته واستعماله على بعض تلك النواحي. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن بن داود بن بابشاد (١): أبو الحسن (٢) المِصْري. قدم بغداد، وكان من أفاضل الناس وعلمائهم بمذهب أبي حنيفة، مفرط الذكاء قوي الفهم، كتب الحديث، وكان ثِقَةً. مات ببغداد في هذه السنة، ودفن بمقبرة الشُّونِيزِيَّة (٣) ولم يبلغ من العمر أربعين سنة. محمد القاهر بالله أمير المؤمنين (٤)، بن المعتضد باللّه. ولي الخِلافة سنةً وستةَ أشْهُر وسبعةَ أيام، وكان بطَّاشًا سريعَ الانتقام، فخاف منه وزيره أبو علي بن مُقْلة، فاستتر وشَرَعَ في العمل عليه عند الأتراك، فخلعوه وسملوه وأودع دارَ الخلافة بُرْهةً من الدَّهر، ثم أُخرج في سنةِ ثلاثٍ وثلاثين إلى دار ابنِ طاهر، وقد نالَتْهُ فاقةٌ وحاجةٌ شديدة، وسألَ في بعض الأيام. ثم كانت وفاته في هذا العام، وله ثنتان وخمسون سنة، ودُفِنَ إلى جانب أبيه المعتضد. محمد بن عبد الله بن أحمد (٥): أبو عبد اللّه الصَّفَّار الأصْبَهاني. محدِّثُ عَصْرِه بخُرَاسان، سَمِعَ الكثير، وحدَّث عن [ابن] (٦) أبي الدُّنيا ببعضِ كُتُبه، وكان مجابَ الدَّعْوة، ومكَثَ لا يرفعُ رأسَه إلى السَّماء نيفًا وأربعين سنة، وكان يقول: اسمي محمد بن عبد الله، واسم أمي آمنة. يفرح بهذه الموافقة في الاسم واسم الأب والأم.

стр. 5654

أبو نَصْر الفارابي (١) محمد بن محمد: أبو نصر الفارابي، التركي الفيلسوف. وكان من أعلمِ الناس بالموسيقى، بحيث كان يتوسل بصناعته إلى النَّاس في الحاضرين من مستمعيه، إن شاء حَرَّك ما يُبكي أو ما يُضْحك أو ما ينوِّم. وكان حاذقًا في الفلسفة، ومن كتبه تفقه ابنُ سينا فيها، وكان يقول بالمعاد الروحاني لا الجثماني، ويخصص بالمعاد الأرواح العالمة لا الجاهلة، وله مذاهب في ذلك يخالف المسلمين والفلاسفة من سلفه الأقدمين، فعليه إن كان مات على ذلك لعنة رب العالمين. وقد كانت وفاته بدمشق فيما قاله ابن الأثير في "كامله" (٢)، ولم أر الحافظ ابن عساكر ترجمه في "تاريخه"، فاللّه أعلم. ثم دخلت سنة أربعين وثلاثمئة فيها قَصَدَ صاحب عُمان البصرةَ ليأخذها في مراكب كثيرة، وجاء لنصره أبو يعقوب الهَجَري، فمانعه عنها الوزير أبو محمد المُهَلبي فصدَّه عنها، وأسر جماعةً من أصحابه وسبى كثيرًا من مراكبه، فساقها معه في دِجْلة، ودخل بها إلى بغداد في أُبَّهة عظيمةٍ، وللّه الحمد. وفيها رُفع إلى الوزير أبي محمد المُهلَّبي أمر رجل من أتباع أبي جعفر محمد بن علي بن أبي العَزَاقر الذي كان قُتِل على الزندقة كما قتل الحلاج (٣)، وأن هذا يدَّعي ما كان يدعي ابن أبي العَزَاقر، وقد اتبعه جماعةٌ من الجهلة من بغداد، وصدَّقوه في دعواه الربُّوبية، وأن أرواح الأنبياء والصدِّيقين انتقلت إليهم، وَوُجدَ في منزله كُتُبٌ تدلُّ على ذلك. فلما تحقَّق أنه هالك ادعى أنه شيعي ليحظى عند معز الدولة بن بُوَيه. وقد كان يحبُّ الرَّافضة، قبَّحه اللّه. فلما اشتهر [عنه] (٤) ذلك لم يتمكَّن الوزير منه خوفًا على نفسه [من معز الدولة] وأن تقوم عليه الشِّيعة (٥)، فإنَّا للّه وإنا إليه راجعون، غير أنه احتاط على شيء من أموالهم، فكان يسميها أموال الزنادقة. قال ابن الجوزي. وفي رمضان وقعت فِتْنةٌ عظيمة بسب المذهب.

стр. 5655

وممن توفي فيها من الأعيان: أشهب بن عبد العزيز (١) بن داود بن إبراهيم: أبو عمرو العامري؛ نسبةً إلى عامر بن لؤي (٢). وكان أحد الفقهاء المشهورين من المالكية، وكانت وفاته في شعبان منها. أبو الحسن الكَرْخي (٣) عبيد اللّه بن الحسين بن دلال بن دَلهم: أبو الحسن الكرخي. أحد أئمة الحنفية المشهورين، ولد سنة ستين ومئتين، وسكن بغداد، ودَرَسَ بها فِقْه أبي حنيفة، وانتهت إليه رياسة أصحابه، وانتشر أصحابه في البلاد (٤)، وكان متعبِّدًا، كثيرَ الصَّوم والصَّلاة، صبورًا على الفقر، عَزُوفًا عمَّا في أيدي النَّاس، وكان مع ذلك رأسًا في الاعتزال. وقد سَمِعَ الحديثَ من إسماعيل بن إسحاق القاضي، وروى عنه ابن حَيُّويه، وابن شاهين. وأصابه الفالج في آخر عمره، فاجتمعَ عنده بعضُ أصحابه، واشتوروا فيما بينهم أن يكتبوا إلى سيف الدولة بن حَمْدان ليساعِده بشيء يستعين به في مرضه، فلما عَلِمَ بذلك رَفَعَ رأسه إلى السَّماء وقال: اللهم لا تجعلْ رِزْقي إِلَّا من حيثُ عَوَّدتني. فمات عقب ذلك قبل أن يصلَ إليه ما أرسلَ به سيفُ الدولة، وهو عشرة آلاف دِرْهم. فتُصِدَّق بها بعد وفاته. وكانت وفاته في شعبان من هذه السنة عن ثمانين سنة، وصلَّى عليه أبو تمام الحسن بن محمد الزينبي؛ وكان صاحبه، ودُفِنَ في دَرْب أبي زيد على نهر الواسطيين. محمد بن صالح بن زيد (٥): أبو جعفر الوَرَّاق. سَمِعَ الكثيرَ، وكان يَفْهمُ ويحفظ، وكان ثِقَةً زاهدًا لا يأكل إِلَّا من كَسْب يده، ولا يقطع صلاةَ الليل. قال بعضُهم: صحبته سنين كثيرة، فما رأيته فعل ما لا يرضي اللّه ، ولا قال ما يسأل عنه، وكان يقوم أكثر الليل (٦).

стр. 5656

وفيها كانت وفاة منصور بن قراتِكِين صاحب الجيوش الخُرَاسانية من جهة الأمير نوح السَّاماني ولمرضٍ حصل له، وقيل: لأنه أدمن شرب الخمر أيامًا متتابعة، فهلك بسبب ذلك، فأقيم بعده في الجيوش أبو علي بن المحتاج. الزجَّاجي مصنِّف "الجُمَل" (١): هو أبو القاسم، عبد الرحمن بن إسحاق، النَّحْوي، البغدادي الأصل، ثم الدِّمَشقي، مصنِّف "الجُمَل" (٢) في النحو، وهو كتابٌ نافع، كثير الفائدة، صنَّفه بمكة، وكان يطوف بعد كل بابٍ منه، ويدعو اللّه أن ينفع به. وأخذ النحو أولًا عن محمد بن العَبَّاس اليزيدي، وأبي بكر بن دُرَيد، وابن الأنباري. وكانت وفاته في رجب سنةَ سبعٍ، وقيل: تسع وثلاثين، وقيل سنة أربعين وثلاثمئة هذه بدمشق، وقيل: بطبرية (٣). وقد شُرحت "الجمل" بشروح كثيرةٍ من أحسنها وأجمعها ما وضعه ابنُ عصفور. ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وثلاثمئة فيها ملكت الرُّوم سَرُوج (٤)، وقتلوا أهلها، وخرَّبوا مساجدها. قال ابن الأثير: فيها قصد يوسف بن وجيه صاحب عُمان البصرة، فمنعه منها المُهَلَّبي كما تقدَّم (٥). قال: وفيها نقم معز الدولة على وزيره، فضربه مئةً وخمسين مقرعة، ولم يعزله بل رسم عليه (٦). وفيها اختصم المصريون والعراقيون بمكة فَخُطبَ لصاحب مِصْر، ثم غلبهم العراقيون فخطبوا لركن الدولة بن بُوَيه (٧). وفيها كانت وفاة: المنصور الفاطمي (٨): وهو أبو طاهر، إسماعيل بن القائم بأمر اللّه [أبي] القاسم [محمد] بن

стр. 5657

المهدي عبيد الله (١)؛ صاحب المغرب، وله من العمر تسع وثلاثون سنة، وكانت خلافته سبعَ سنينٍ وستةَ عَشَرَ يومًا. وكان عاقلًا شجاعًا فاتكًا، قهر أبا يزيد الخارجي الذي كان لا يطاق شجاعةً وإقدامًا وصبرًا، وكان فصيحًا بليغًا، يرتجل الخطبة على البديهة في السَّاعة الراهنة. وكان سبب موته ضعف الحرارة الغريزية بسببٍ أوْرَده ابنُ الأثير في "كامله" (٢)، فاختلف عليه الأطباء. وقد عَهِدَ بالأمر من بعده لولده المعز الفاطمي؛ وهو باني القاهرة المُعِرية كما سيأتي بيان ذلك (٣) واسمه مَعَدّ، وعمره إذ ذاك أربعٌ وعشرون سنة (٤)، وكان شُجَاعًا، عاقلًا أيضًا، حازم الرأي، أطاعه من البَرْبَر وأهل تلك الناحية خَلْق كثير، وبَعَثَ مولاه جَوْهر القائد، فبنى له القاهرة المتاخمة لمِصْر، واتخذ له فيها دار الملك، وهما القَصْران اللذان هناك (٥)، وذلك في سنة أربع وستين وثلاثمئة (٦). قال أبو جعفر المَرْورُّذي: خرجت معه (٧) لما كَسَرَ أبا يزيد الخارجي، فبينما أنا وهو نسير إذ سقط رمحه، فنزلت، فأخذته، وناولته إياه وذهبتُ أفاكهه (٨) بقول الشاعر: فألْقَتْ عصاها واستقرَّ بها النَّوى … كما قَرَّ عينًا بالإياب المسافِرُ فقال: هلا قلت كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ

стр. 5658

يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١٧ - ١١٩] قال: فقلت له: أنت ابن رسول اللّه ﷺ ، قلت كما علمت، وأنا قلت بما بلغ إليه علمي. قال ابن خلِّكان: وهذه كما جرى لعبد الملك بن مروان حين أمر الحجَّاج أن يبنيَ بابًا ببيت المقدس، ويكتب عليه اسمه، فبنى له بابًا آخر، فوقعت صاعقة على باب عبد الملك، فأحرقته، فكتب إليه الحجَّاجُ من العراق يسليه عما أهمَّه من ذلك يقول: يا أمير المؤمنين، أنا وأنت كما قال اللّه تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ [المائدة: ٢٧] الآية. وكانت وفاة المنصور هذا في هذه السنة، أصابه بَرْدٌ شديد، فمات به. وممن توفي فيها أيضًا من الأعيان: أحمد بن محمد بن زياد (١) بن بشر بن دِرْهم: أبو سعيد [بن] (٢) الأعرابي، البصري. سكن مكة، وصار شيخ الحرم، وصحب الجُنَيد بن محمد، والنُّوري وغيرهما، وأسند الحديث، وصنف كتبًا للصُّوفية. إسماعيل بن محمد بن إسماعيل (٣) بن صالح: أبو علي، الصَّفَّار، النَّحْوي. لقي المبرِّد، واشتهر بصحبته، وكان مولده في سنة سبع وأربعين ومئتين. سمع الحسن بن عَرَفَة، وعباسًا الدُّوري، وغيرهما. وروى عنه جماعة منهم الدَّارَقُطْني، وقال: صام أربعة وثمانين رمضان (٤). وقد كانت وفاته في هذه السنة عن أربع وتسعين سنة، ﵀.

стр. 5659

ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين وثلاثمئة فيها دخل سيف الدولة بن حَمْدان؛ صاحبُ حلب إلى بلادِ الرُّوم، فقتل منهم خَلْقًا، وأسر آخرين، وغَنِمَ أموالًا جزيلة، ورجع سالمًا غانمًا. وفيها اختلف الحجيج بمكة، ووقعت حَرْبٌ بين أصحاب ابن طُغْج وأصحاب معز الدولة، فغلبهم العراقيون، ثم بعد انقضاء الحج اختلفوا (١)، فغلبهم العراقيون أيضًا. وجرت حروبٌ كثيرة وخطوبٌ كبيرة بين ركن الدولة والخراسانية والسَّامانية، تقصَّى ذكرها ابنُ الأثير في "كامله" (٢). وممن توفي فيها من الأعيان: علي بن محمد بن أبي الفَهْم (٣): أبو القاسم، التنوخي، جدُّ القاضي أبي القاسم التَّنُوخي، شيخ الخطيب. ولد بأنطاكية، وقَدِمَ بغداد، فتفقَّه بها على مذهب أبي حنيفة، وكان يعرف (٤) الكلام على طريقة المعتزلة، ويعرف النجوم، ويقول الشِّعْر، وولي القضاء بالأهوازِ وغيرها، وقد سَمِعَ الحديثَ من البَغَوي وغيره. وكان فَهِمًا ذكيًا، حفظ وهو ابن خمس عشرة سنة قصيدة لدِعْبلِ الشَّاعر في ليلة واحدة؛ وهي ستمئة بيت، وعَرَضَها على أبيه صبيحتها، فقام إليه وضمَّه، وقبَّل بين عينيه وقال: يا بني لا تخبر بهذا أحدًا لئلا تصيبك العين (٥).

стр. 5660

وذكر ابنُ خَلِّكان أنه كان نديمًا للوزير المُهلَّبي، ووفدَ على سيف الدولة بن حَمْدان، فأكرمه وأحسن إليه. وأورد له من شِعْره أشياءَ حسنةً، فمن ذلك قوله في الخمر: وراحٍ من الشَّمْسِ مخلوقةٌ … بَدَتْ لك في قَدَحٍ منْ نهارِ هواءٌ ولكنَّهُ جامِدٌ … وماءٌ ولكنَّهُ غيرُ جارِ كأنَّ المُدِيْرَ لها باليمين … إذا مالَ للسَّقْي أو باليسار تدرَّعَ ثوبًا منَ الياسمينِ … لهُ فردُ كُمٍّ منَ الجُلَّنارِ (١) محمد بن إبراهيم (٢) بن الحسين بن الحسن بن عبد الخلاق: أبو الفَرَج، البغدادي، الفقيه الشَّافعي يعرف بابن سُكَّرة. سكن مِصْر، وحدَّث بها، وسَمِعَ منه أبو الفتح بن مسرور (٣)، وذكر أن فيه لِينًا (٤). محمد بن موسى بن يعقوب (٥) بن المأمون بن الرَّشيد هارون: أبو بكر، ولي إمرة مكة في سنة ثمانٍ وستين ومئتين، وقَدِمَ مصر، فحدَّث بها عن علي بن عبد العزيز البَغَوي بموطأ مالك، وكان ثقة مأمونًا، توفي بمصر في ذي الحجة من هذه السنة. ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وثلاثمئة فيها كانت وقعة بين سيف الدولة بن حمدان وبين الدُّمَسْتَق (٦)، فَقُتل خَلْقٌ من أصحاب الدُّمَسْتق وأُسر جماعةٌ من رؤساء بطارقته وللّه الحمد، وكان في جملة من قتل فسطنطين بن الدُّمَسْتق، وسبى خلقًا وأسر آخرين، وذلك في ربيع الأول من هذه السنة، ثم جمع الدُّمَسْتَق خلقًا كثيرًا، فالتقوا مع سيف الدولة في شعبان، فَجَرَتْ بينهم حروب عظيمة وقتال شديد، فكانت الدائرة للمسلمين، وخذل اللّه

стр. 5661

الكافرين، فقُتِلَ منهم خَلْقٌ كثير، وأُسر جماعة من الرُّوس، فكان منهم صهر الدُّمَسْتق وابن ابنته أيضًا. وفيها حصل للنَّاس أمراض كثيرة وحميات وأوجاع في الحلق. وفيها ماتَ الأمير الحميد نوح بن نَصْر السَّاماني؛ صاحب خراسان وما وراء النهر، وقام بالأمر من بعده ولده عبد الملك. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن بن أحمد (١): أبو علي، الكاتب، المِصْري. صَحِبَ أبا علي الرُّوذباري وغيره، وكان أبو عثمان المَغْربي يعطم أمره ويقول: أبو علي الكاتب من السَّالكين. ومن كلامه الذي حكاه عنه أبو عبد الرحمن السُّلَمي قوله: روائح نسيم المحبة تفوحُ من المُحبِّين وإن كتموها، وتظهر عليهم دلائلها وإن أخفوها، وتبدو عليهم وإن ستروها. وأنشد: إذا ما استسرَّتْ أنفسُ الناسِ ذِكْرَهُ … تَبَيَّنْتُهُ فيهمْ ولم يتكلَّمُوا تُطَيِّبُهُمْ أنفاسُهُمْ فتذيعها … وهل سِرُّ مسكٍ أُودعَ الرِّيحَ يُكْتَم (٢) علي بن محمد [بن محمد] (٣) بن عُقْبة بن هَمَّام (٤): أبو الحسن، الشَّيْباني الكُوفي. قدم بغداد، فحدَّث بها عن جماعة، وروى عنه الدَّارَقُطْني. وكان ثِقَةً عَدْلًا، كثيرَ التلاوة، فقيهًا، مكَثَ يشهد على الحُكَّام ثلاثًا وسبعين سنة، [مقبولًا عندهم، وأذَّن في مسجد حمزة الزَّيَّات نيفًا وسبعين سنة] (٥)، وكذلك أبوه من قبله. محمد بن علي بن أحمد بن العباس (٦): الكَرْخي، الأديب. كان عالمًا زاهدًا ورعًا، يختمُ القرآن كل يوم، ويديم الصَّوم، وسمع الحديث من عَبْدان وأقرانِهِ.

стр. 5662

أبو الخير التِّيْنَاتي (١): العابد الزَّاهد (٢). أصله من المَغْرب، وكان مقيمًا بقرية يقال لها تِينات من عمل أنطاكية، ويعرف بالأقْطع؛ لأنَّه كان مقطوعَ اليد، كان قد عاهد اللّه عهدًا ثم نكثه، فاتفق أن مُسِك في جماعةٍ من اللصوص من الصَّحراء وهو هناك [سائح يتعبد] (٣)، فأُخذ معهم، فقطعت يده معهم، وكانت له أحوال وكرامات، وكان يَنْسُجُ الخُوصَ بيده الواحدة. ودخل عليه بعضهم فشاهد منه ذلك، فأخذ عليه العهد أن لا يخبر به أحدًا ما دام حيًّا، فوفى له بذلك (٤). ثم دخلت سنة أربع وأربعين وثلاثمئة قال ابن الجَوْزي: فيها شَمِلَ الناسَ ببغداد وواسط وأصْبَهان والأهواز داء مركَّب من دمٍ وصفراء ووباء، مات بذلك خَلْقٌ كثير، بحيث كان يموت في كلِّ يوم قريبٌ من ألف نفس (٥). وجاء فيها جَرَادٌ عظيم أكل الخضروات والأشجار والثمار (٦). وفي المُحرَّم عقد مُعزُّ الدولة لابنه أبي منصور بختيار الأمر من بعده بأمرة الأمراء (٧). وفيها خرج رجل بأذْرَبيجان ادَّعى أنه يعلم الغيب، وكان يحرّم اللحم وما يخرج من الحيوانات، فأضافَه مرَّة رجلٌ، فجاءه بطعام كشكية بشحم فأكله، فقال له الرجل بحضرة منْ معه: إنك تدَّعي أنك تعلم الغيب، وهذا الطعام فيه شَحْمٌ وأنت تحرِّمُه، فلم لا علمته؟ قال: فتفرَّق النَّاس عنه (٨). وفيها جَرَتْ حروب كثيرة بين المُعِزِّ الفاطمي وبين صاحب الأندلس عبد الرحمن الناصر الأموي، استقصاها ابنُ الأثير (٩).

стр. 5663

وممن توفي فيها من الأعيان: عثمان بن أحمد (١) بن عبد اللّه بن يزيد: أبو عمرو الدَّقَّاق، ويُعرف بابن السَّمَّاك. روى عن حنبل بن إسحاق وغيره، وعنه الدَّارَقُطْني وغيره، وكان ثِقَةً ثَبْتًا، كَتبَ المصنَّفات الكثيرة بخطِّه. توفي في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب التِّبْن، وحَضَرَ جنَازَتَه خمسون ألفًا. محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد (٢): أبو جعفر القاضي، السِّمْناني. ولد سنة إحدى وستين ومئتين (٣)، وسكن بغداد، وحدث بها، وكان ثِقَة عالمًا سخيًا، حسن الكلام، عراقي المذهب، وكانت داره مجمعًا للعلماء، ثم ولي قضاء المَوْصل، وكانت وفاته بها في هذه السنة في ربيع الأول منها. محمد بن أحمد بن بُطَّة بن إسحاق الأصْفهاني (٤): أبو عبد الله. سكن نَيْسابور، ثم عاد إلى أصبهان. وليس هذا بأبي عبد الله بن بَطَّة العُكْبَرِي (٥)، هذا متقدِّمٌ على الآخر، هذا شيخ الطَّبراني، وابن بَطَّة يروي عن الطَّبراني، وهذا بضم الباء من بُطَّة، والفقيه الحَنْبلي بفتحها. وقد كان جدُّ هذا، وهو بُطَّة بن إسحاق، أبو سعيد من المحدّثين أيضًا. ذكره ابنُ الجَوْزي في "منتظمه" (٦). محمد بن محمد بن يوسف بن الحَجَّاج (٧): أبو النَّضْر، الفقيه، الطُّوسي. كان فقيهًا عالمًا ثِقَةً عابدًا، يصومُ النهار ويقوم الليل، ويتصدَّق بالفاضل من قوته، ويأمر بالمعروف

стр. 5664

وينهى عن المنكر، وقد رحل في طلب الحديث إلى الأقاليم النائية والبلدان المتباينة، وكان قد جَزَّأ الليل ثلاثة أجزاء: فثلث للنَّوْم، وثلث للتَّصْنيف، وثلث للقراءة. وقد رآه بعضُهم [في النوم] (١) بعد وفاته فقال له: وصلت إلى ما طلبتَ؟ فقال: إي والله، نحن عند رسول الله ﷺ ، وقد عَرضْتُ مصنَّفاتي في الحديث عليه، فقبلها. أبو بكر بن الحدَّاد (٢): الفقيه الشَّافعي، هو محمد بن أحمد بن محمد، أبو بكر بن الحدَّاد، أحد أئمة الشَّافعية. روى عنه النَّسائي، وقال: رضيتُ به حُجَّة بيني وبين الله . وقد كان ابنُ الحدَّاد فقيهًا فروعيًا، ومحدِّثًا ونحويًّا وفصيحًا في العبارة، دقيقَ النظر في الفروع، له كتاب في ذلك غريب الشكل، وقد ولي القضاء بمصر نيابة عن أبي عبيد بن حَرْبَويه (٣)، وذكرناه في "طبقات الشَّافعية". أبو يعقوب الأذْرَعي (٤) إسحاق بن إبراهيم بن هاشم بن يعقوب بن إبراهيم النَّهْدي. قال ابنُ عساكر: من أهل أذْرِعات؛ مدينة بالبلقاء، أحد الثقات من عُبَّاد الله الصالحين، رحل وحدَّث عن جماعةٍ، وعنه آخرون. وقال غيره: كان من أجلَّة أهل دمشق وعُبَّادها وعلمائها (٥). وقد روى عنه ابن عساكر أشياء تدل على صلاحه وخرق العادة له، فمن ذلك أنه قال: سألتُ الله أن يقبض بصري فعميت، فلما استضررت بالطهارة سألت الله عوده فردَّه علي (٦). توفي بدمشق في هذه السنة؛ سنة أربع وأربعين وثلاثمئة، وصحَّحهُ ابنُ عساكر، وقد نَيَّفَ على التسعين.

стр. 5665

ثم دخلت سنة خمس وأربعين وثلاثمئة فيها عصى الروزبهان على مُعِزِّ الدَّولة، وانحاز إلى الأهواز، ولحق به عامَّةُ منْ كان مع المُهلَّبي الذي كان يحاربه، فلما بلغ ذلك معز الدولة لم يصدِّق؛ لأنه كان قد أحسن إليه ورفع من قدره بعد الضَّعَة والخمول، [ثم تبيَّن له أن ذلك حق] (١)، ثم ركب إليه لقتاله فاتَّبعه الخليفة المطيع للّه خوفًا من ناصر الدَّولة بن حَمْدان، فإنه قد بلغه أنه قد جهَّز جيشًا مع ولده أبي المرجَّى إلى بغداد ليأخذها حين بلغه أن معز الدولة قد خرج منها. فأرسل معز الدولة حاجبه سُبُكْتكين إلى بغداد ليحفظها، وصمد معز الدولة إلى روزبهان، فاقتتلوا قتالًا عظيمًا، فهزمه معز الدولة وفرَّق أصحابه، وأخذه أسيرًا، ودخل به أسيرًا معه إلى بغداد في أبهةٍ عظيمةٍ فسجنه، ثم أخرجه ليلًا وغَرَّقه؛ لأن الدَّيلم أرادوا إخراجه من السِّجْن قهرًا. وانطوى ذكر روزبهان وإخوته، وكان قد اشتعل اشتعال النَّار، وحظيت الأتراك عند معز الدولة، وانحطت رتبة الديلم عنده، لأنه ظهر له خيانتهم في أمر الروزبهان وإخوته. وفيها دخل سيف الدولة إلى بلاد الرُّوم، فقتل وسبى ورجع إلى أذنة، ثم عاد إلى حلب، فحميت الرُّوم، فجمعوا وأقبلوا إلى مَيَّافارقين، فقتلوا [وسبَوْا وحرقوا ورجعوا لعنهم اللّه، وركبوا في البحر إلى طَرَسُوس، فقتلوا من أهلها ألفًا وثمانمئة] (٢)، وسبوا وحرقوا قرى كثيرة. وفيها زلزلت هَمَذَان زلزالًا عظيمًا؛ انهدمت البيوت، وانشقَّ قصر شيرين بصاعقة، ومات تحت الهدم خَلْقٌ كثير لا يحصون كثرة، فإنا للّه وإنا إليه راجعون. ووقعت فِتْنةٌ عظيمة بين أهل أصبهان وأهل قُمّ بسبب سَبِّ الصَّحابة من أهل قُمّ، فثار عليهم أهلُ أصبهان، فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، ونهبوا أموال التجار، فغضب ركنُ الدولة لأهل قُمّ؛ لأنه كان شيعيًا، فصادر أهلَ أصْبهان بأموالٍ كثيرة. وممن توفي فيها من الأعيان: غلامُ ثَعْلَب (٣) محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر، الزَّاهد، كُلام ثعلب.

стр. 5666

روى عن الكُدَيْمي، وموسى بن سَهْل الوَشَّاء، وغيرهما، وروى عنه جماعة، وآخر من حدَّث عنه أبو علي بن شَاذَان. وكان كثيرَ العِلْم والزُّهد، حافظًا مطيقًا، يملي من حِفْظه شيئًا كثيرًا، ضابطًا لما يحفظه، ولكثرة إغرابه اتهمه بعضهم ورماه بالكذب، وقد اتفق له مع القاضي أبي عمر (١) - وكان يؤدِّب ولدَه - أنه أملى من حفظه ثلاثين مسألة بشواهدها وأدلتها من لغة العرب، واستشهد على بعضها ببيتين غريبين جدًّا، فعرضها القاضي أبو عمر على ابن دُرَيد وابن الأنباري وابن مِقْسم، فلم يعرفوا منها شيئًا. حتى قال ابن دُرَيد: هذا ما وضعه أبو عمر من عنده. فلما جاء أبو عمر ذكر له القاضي ما قال ابن دريد عنه، فطلب أبو عمر من القاضي أن يحضر له من كتبه دواوين العرب. فلم يزل [أبو عمر يعمد إلى كل مسألة و] (٢) يأتيه بشاهد لما ذكره بعد شاهدٍ حتى خرج من الثلاثين مسألة ثم قال: وأما البيتان، فإنَّ ثعلبًا أنشدناهما وأنت حاضر، فكتبتهما في دفترك. فطلب القاضي دفتره. فإذا هما فيه، فلما بلغ ذلك ابنَ دُرَيد كفَّ لسانه عن أبي عمر الزَّاهد، فلم يذكره حتى مات. وتوفي أبو عمر هذا يوم الأحد، ودفن يوم الإثنين الثالث عشر من ذي القَعْدة، ودفن في الصُّفَّة المقابلة لقبر معروف الكَرْخي ببغداد. محمد بن علي بن [أحمد] (٣) بن رُسْتُم (٤): أبو بكر المادَرَائي، الكاتب. كان مولده في سنة سبع وخمسين ومئتين (٥) بالعراق، ثم صار إلى مصر هو وأخوه أحمد مع أبيهما، وكان على الخَرَاج لِخُمارَوَيْه بن أحمد بن طولون، ثم صار هذا الرجل من رؤساء النَّاس وأكابرهم. وقد سمع الحديث من أحمد بن عبد الجبَّار وطبقته. وقد روى الخطيب عنه أنه قال: كان ببابي شيخٌ كبير من الكُتَّاب قد بَطَلَ عن وظيفته، فرأيتُ والدي في المنام وهو يقول: يا بني، أما تتقي الله؟! أنت مشغولٌ بلذَّاتك، والنَّاسُ ببابك يهلكون من العُري والجوع، هذا فلان قد تقطَّع سراويله ولا يقدر على إبداله، فلا تهمل أمره. فاستيقظتُ مذعورًا وأنا ناوٍ له الإحسان، فنمت ثم استيقظت وقد أُنسيت المنام،

стр. 5667

فبينا أنا أسير إلى دار الملك، إذا بذلك الشيخ على دابة ضعيفة، فلما رآني أراد أن يترجَّل، فبدا لي فخذه، وليس عليه سراويل وقد لبس الخُفَّ بلا سراويل، فلما رأيته ذكرتُ المنام، فاستدعى به عند ذلك وأطلق له ألف دينار وثيابًا، ورتَّب له على وظيفته مئتي دينار كل شهر، ووعده بخيرٍ في الآجل أيضًا (١). أحمد بن محمد بن إسماعيل (٢) بن إبراهيم طَبَاطَبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن حسن بن [علي] (٣) بن أبي طالب، الشَّريف الحَسَني الرَّسِّي؛ قبيلة من الأشراف، أبو القاسم، المِصْري، الشَّاعر، كان نقيب الطالبيين بمصر، ومن شعره قوله: قالتْ لطَيْفِ خيالٍ زارني ومضى … باللّه صِفْهُ ولا تَنْقُصْ ولا تَزِدِ فقال أبصرتُهُ لو ماتَ من ظمأٍ … وقلتِ قفْ لا تردْ للماءِ لم يردِ قالتْ صدقتَ وفاءُ الحبِّ عادَتُهُ … يا بردَ ذاكَ الذي قالتْ على كَبِدِي قال ابن خَلِّكان: توفي ليلة الثلاثاء لخمسٍ بقين من شعبان من هذه السنة (٤). ثم دخلت سنة ست وأربعين وثلاثمئة فيها كانت فتنة بين أهل الكَرْخ وأهل السُّنَّة في المذهب بسبب السبِّ، فقتل من الفريقين خَلْقٌ كثير. وفيها نقص البحر ثمانين ذراعًا، ويقال باعًا، فبدت به جبال وجزائر لم تكن تُرَى قبل ذلك. وفيها كان بالعراق وبلاد الرَّي والجبل وقُمّ ونحوها زلازل كثيرة مستمرة نحوًا من أربعين يومًا، تسكن ثم تعود، فتهدَّمت بسبب ذلك أبنية كثيرة وغارت مياه كثيرة، ومات خلق كثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها تجهَّز مُعزُّ الدولة بن بُوَيه لقتال ناصر الدولة بن حمدان الذي بالمَوْصل، فراسله ناصر الدولة، والتزم له بأموالٍ يحملها إليه في كلِّ سنة، [فسكت عنه] (٥) ثم إنه منع حمل ما اشترط على نفسه، فقصده معز الدولة في السَّنة الآتية كما سيأتي.

стр. 5668

وفيها وفي تشرين منها كَثُرَتْ في النَّاس أوجاع في الحلق والماشرى، وكثر موت الفُجَاءة، حتى إن لصًا نقَّب دارًا ليدخلها فمات وهو في النقب، ولبس القاضي خِلْعة القضاء ليخرج للحكم بين الناس فلبس أحد خُفَّيه، فمات قبل أن يلبس الأخرى. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن عبد اللّه بن الحسن (١): أبو هريرة، العَدَوي (٢). المُسْتملي على المشايخ، كتب عن أبي مسلم الكَجِّي وغيره، وكان ثقة، توفي في ربيع الأول (٣) منها. الحسن بن خَلَف بن شَاذَان (٤): أبو علي الواسِطِي. روى عن إسحاق الأزرق، ويزيد بن هارون، وغيرهما، وروى عنه البخاري في "صحيحه"، وتوفي في هذه السنة. هكذا رأيت هذه الترجمة في هذه السَّنة من "المنتظم" لأبي الفرج بن الجَوْزي (٥). أبو العَبَّاس الأَصَمّ (٦) محمد بن يعقوب بن يوسف بن مَعْقِل بن سِنان بن عبد اللّه، الأُموي مولاهم، أبو العباس الأصم. مولده في سنة سبع وأربعين ومئتين. رأى الذُّهلي ولم يسمع منه، ورحل به أبوه إلى أصهبان ومكة ومِصر والشَّام والجزيرة وبغداد وغيرها من البلاد، فسمع الكثير عن الجَمِّ الغفير، ثم رجع إلى خُرَاسان وهو ابن ثلاثين سنة، وقد صار محدِّثًا كبيرًا، ثم طرأ عليه الصَّمم واستحكم حتى كان لا يسمع نهيق الحمار، وكان مؤذنًا في مسجده سبعين سنة، وحدَّث ستًا وسبعين سنة، فالحق الأحفاد بالأجداد، وكان ثقةً صادقًا ضابطًا لما سمعه ويسمعه، كُفَّ بصرُه قبل موته بشهر، وكان يحدِّث من حفظه بأربعة عشر حديثًا، وسبع حكايات، ومات وقد بقي له سنة من المئة.

стр. 5669

ثم دخلت سنة سبع وأربعين ثلاثمئة فيها كانت زلزلة ببغداد في شهر نيسان وفي غيرها من البلاد الشَّرقية، فمات بسببها خَلْقٌ كثير، وخَرِبَتْ دور كثيرة، وظهر في آخر نيسان وشهر أيار جَرَاد عظيم أتلف الغَلَّات الصَّيفية والثمار. ودخلت الرُّومُ آمِد، ومَيَّافارِقِين، فقتلوا ألفًا وخمسمئة إنسان، وأخذوا مدينة سُمَيْساط وأخربوها فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفي المحرَّم منها ركب معزُّ الدولة إلى المَوْصل، فأخذها من يد ناصر الدولة، وهرب منها ناصر الدولة إلى نَصِيبين، ثم إلى مَيَّافارِقِين، ثم لحقه معز الدولة، فصار إلى أخيه سيف الدولة بحلب، ثم راسل سيفُ الدولة معزَّ الدولة في المصالحة بينه وبين أخيه ناصر الدولة، فوقع الصُّلح على حمل كل سنة ألفي ألف وتسعمئة ألف [درهم] (١)، ورجع معز الدولة إلى بغداد بعد انعقاد الصلح (٢). وفيها بعث المُعِزُّ الفاطمي مولاهم أبا الحسن جوهر القائد في جيوشٍ، ومعه زيري بن مناد الصِّنْهاجي، ففتحوا بلادًا كثيرة في أقصى المغرب، حتى انتهوا إلى البحر المحيط، فأمر جوهر بأن يُصْطاد له منه سمك، فأرسل به في قلال الماء إلى المعز الفاطمي، وحظي جوهر عنده، وعظم شأنه حتى صار بمنزلة الوزير. وممن توفي فيها من الأعيان: الزُّبَير بن عبد الواحد (٣) بن محمد بن زكريا بن صالح بن إبراهيم: أبو عبد الله، الأسَدَاباذي (٤). رحل وسَمِعَ وطوَّف الأقاليم، سمع الحسنَ بن سفيان وابن خُزَيمة، وأبا يعلى، وخَلْقًا، وكان حافظًا مُتْقنًا صدوقًا، وصنَّف الشيوخ (٥) والأبواب.

стр. 5670

أبو سعيد بن يونس (١): صاحب "تاريخ مِصْر"، هو عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى، الصَّدَفي (٢) المِصْري المؤرِّخ. كان حافظًا مكثرًا، خبيرًا بأيام النَّاس وتواريخهم، له تاريخ مفيد [جيد] (٣) لأهل مصر ومَنْ وَرَدَ إليها، وله ولد يقال له أبو الحسن علي (٤)، كان منجِّمًا له زِيْجٌ مفيد يرجع إليه أصحاب هذا الفن، كما يرجع المحدِّثون إلى أقوال أبيه وما يؤرِّخه وينقله ويحكيه، وُلِدَ [الصَّدَفي] (٥) سنة إحدى وثمانين ومئتين، وتوفي في هذه السَّنة يوم الإثنين السَّادس والعشرين من جُمَادى الآخرة في القاهرة، ﵀. ابنُ دَرَستَوَيه (٦) النَّحْوي (٧) عبد اللّه بن جعفر بن دَرَسْتَوَيه بن المَرْزُبان: أبو محمد، الفارسي، النَّحْوي. سكن بغداد، وسمع عَبَّاسًا الدُّوري، وابن قتيبة، والمُبَرِّد، وسمع منه الدَّارَقُطني وغيره من الحُفَّاظ، وأثنى عليه غيرُ واحد، منهم أبو عبد اللّه بن مَنْده، وكانت وفاته في صفر من هذه السنة. وذكر له القاضي ابن خَلِّكان مصنفاتٍ كثيرةً مفيدة فيما يتعلَّق باللغة والنحو وغير ذلك (٨). محمد بن الحسن (٩) بن عبد اللّه بن علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوارب، أبو الحسن، القُرَشي الأموي، قاضي بغداد. وكان حسن الأخلاق، طلَّابة للحديث، ومع هذا كان ينسب إلى أخذ الرِّشوة في الأحكام والولايات، فالله أعلم.

стр. 5671

محمد بن علي (١): أبو عبد الله، الهاشمي، الخاطب؛ [الدمشقي. وأظنه الذي تنسب إليه حارة الخاطب من نواحي باب الصغير، كان] (٢) خطيب دمشق في أيام الإخشيذية. وكان شابًا حسن الوجه، مليح الشكل، كامل الخلق، توفي فجأة في يوم الجمعة السابع والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة، وحضر جنازته نائب السلطنة، وخلق كثير لا يحصون كثرة، ﵀ [هكذا أرخه] (٢) ابنُ عساكر، ودفن بباب الصَّغير. ثم دخلت سنة ثمانٍ وأربعين وثلاثمئة فيها كانت فتنة بين الرَّافضة وأهل السنة قتل فيها خَلْقٌ كثير، ووقع حريق بباب الطَّاق، وغرق بدِجْلة خلق كثير من الحُجَّاج من أهل المَوْصل؛ نحو من ستِّمئة نفس، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها دخلت الرُّوم طَرسُوس والرُّها فقتلوا وسبوا وغنموا. ورجعوا سالمين، لعنهم الله. وفيها قلَّت الأمطار وغَلَت الأسعار، واستسقى النَّاس فلم يسقوا، وظهر جَرَاد عظيم في آذار، فأكل ما نبت من الخضراوات، فاشتدَّ الأمر جدًّا [على الخلق] (٢)، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وفيها عاد مُعِزُّ الدولة إلى بغداد من المَوْصل وزوَّج ابنته من ابن أخيه مُؤَيَّد الدولة بن ركن الدولة (٣)، وسيَّرها معه إلى الرَّي (٤). وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن شَيْبَان (٥)؛ أبو إسحاق، القِرْمِيْسِيني، شيخ الصُّوفية بالجَبَل. صَحِبَ أبا عبد الله المَغْربيَّ. ومن جيد كلامه قوله: إذا سكَنَ الخَوْفُ القَلبَ أحرقَ مواضِعَ الشَّهوات منه، وطرد عنه الرَّغْبةَ في الدُّنيا.

стр. 5672

أبو بكر النَّجَّاد الفقيه (١): أحمد بن سَلْمان (٢) بن الحسن بن إسرائيل بن يونس، أبو بكر، النَّجَّاد، الفقيه؛ أحد أئمة الحنابلة. ولد سنة ثلاث وخمسين ومئتين. سمع عبد الله بن أحمد، وأبا داود، والباغَنْدي، وابن أبي الدُّنيا، وخلقًا كثيرًا، وإنما كان يطلب الحديث ماشيًا حافيًا، وقد جمع المُسْند، وصنَّف في السُّنَن كتابًا كبيرًا، وكانت له بجامع المنصور حلقتان؛ واحدة للفقه، وأخرى لإملاء الحديث. وحدث عنه الدَّارَقُطْني وابن رزقويه، وابنُ شاهين، وأبو بكر بن مالك القَطِيعي وغيرهم. وكان يصوم الدهر ويُفْطر كل ليلة على رغيف، ويعزل منه لقمةً، فإذا كانت ليلة الجمعة أكل تلك اللُّقَم، وتصدَّق برغيف ليلة الجمعة، وكانت وفاته ليلة الجمعة لعشرٍ بقين من ذي الحجَّة عن خمس وتسعين سنة، ودفن قريبًا من قبر بشر بن الحارث الحافي. جعفر بن محمد بن نُصير بن القاسم (٣): أبو محمد الخواص المعروف بالخُلْدي. سمع الكثير، وحدث كثيرًا، وحج ستين حجة، وكان ثِقَةَ صدوقًا ديِّنًا. محمد بن إبراهيم بن يوسف بن محمد (٤): أبو عمرو، الزُّجَاجي، النَّيسَابوري. صحب أبا عثمان، والجُنَيد، والنُّوري، والخوَّاص، وغيرهم، وأقام بمكة، وكان شيخ الصُّوفية بها، وحجَّ ستين حجةً، ويقال: إنه مكث أربعين سنة لم يتغوَّط ولم يَبُل إِلَّا خارج الحرم بالكلية. محمد بن جعفر بن محمد بن فَضَالة (٥) بن يزيد بن عبد الملك: أبو بكر الأَدَمي؛ صاحب الألحان.

стр. 5673

وكان من أحسن الناس صوتًا بتلاوة القرآن، وربما سمع أهل كَلْوَاذي (١) صوته من بغداد في الليل، وحجَّ مرة مع أبي القاسم البَغَوي، فلما كانوا بالمدينة رأوا شيخًا أعمى يقُصُّ على الناس أخبارًا موضوعة فقال البغوي: ينبغي الإنكار عليه. فقال له بعض الجماعة: إنك لست ببغداد يعرفك الناس والجمع كثير هاهنا، ولكن أرى لك أن تأمر أبا بكر الأَدَمي فيقرأ لنا [هاهنا] (٢)، فاستفتح فقرأ، فانجفل الناس إليه، وتركوا الأعمى، فلم يبق عنده أحد، فأخذ الأعمى بيد قائده وقال: اذهب بي، فهكذا تزول النعم (٣). وكانت وفاته يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ربيع الأول من هذه السنة، عن ثمانٍ وثمانين سنة. وقد رآه بعضهم في المنام بعد موته بمدة فقال له: ما فعل بك ربك؟ فقال: أوقفني بين يديه، وقاسيتُ شدائد. فقلت له: فتلك الليالي والمواقف والقراءة؟ فقال: ما كان شيء أضرَّ علي منها؛ لأنها كانت للدُّنيا. فقلت: فإلى أي شيء انتهى أمرك؟ فقال: قال لي الله : آليتُ على نفسي أن لا أعذب أبناء الثَّمانين. أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن علي (٤) بن الحسن بن إبراهيم طَبَاطَبا (٥) بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الهاشمي، المِصْري، كان من ساداتها وكرمائها وأجوادها لا تزال الحلواء تُعقد بداره، ولا يزال رجل يكسَّر اللوز بسببها كل يوم ببابه، وللنَّاس عليه رواتب الحلواء، فمنهم من يهدي إليه كل يوم، ومنهم في الجمعة، [ومنهم] (٦) في الشهر. وكان لكافور الإخشيذي كل يوم عليه جامان ورغيف من الحواري (٧). ولما قدم المِعزُّ الفاطمي إلى القاهرة تلقاه وسأله: إلى من ينتسب من أهل البيت؟ فقال: الجواب إلى [أهل] (٨) البلد. فلما دخل القصر جمع الأشراف وسل نصف سيفه وقال: هذا نسبي، ثم نثر عليهم الذهب فقال: وهذا حسبي. فقالوا: سمعنا وأطعنا. والصحيح أن القائل للمعز هذا الكلام ابن هذا أو شريف آخر، والله أعلم؛ فإن وفاة هذا كانت في

стр. 5674

هذا العام عن ثنتين وستين سنة، وكان قدوم المعز إلى القاهرة سنة اثنتين وستين وثلاثمئة كما سيأتي. ثم دخلت سنة تسع وأربعين وثلاثمئة فيها ظهر رجل بأَذْرَبيجان من أولاد عيسى بن المكتفي باللّه، فتلقب بالمستجير باللّه، ودعا إلى الرِّضا من آل محمد، وذلك لفساد دولة المَرْزُبان في ذلك الزمان، فاقتتلوا قتالًا كثيرًا، ثم انهزم أصحابُ المستجير، وأُخذ أسيرًا فمات، واضمحلَّ أمره، وللّه الحمد. وفيه دخل سيف الدولة بن حمدان بلادَ الرُّوم، فقتل من أهلها خلقًا كثيرًا، وفتح حصونًا وأحرق بلادًا كثيرة، وسبى وغنم وكرَّ راجعًا، فأخذت الرُّوم عليه الدَّرب، فمنعوه من الرجوع، ووضعوا السيف في أصحابه، فما نجا في ثلاثمئة فارس إِلَّا بعد جهد جهيد. وفيها كانت فتنة عظيمة ببغداد بين الرَّافضة والسُّنَّة قُتل فيها خلق كثير. وفي آخرها توفي أنوجور (١) بن الإخشيذ صاحب مصر، وقام بالأمر بعده أخوه [علي] (٢). وفيها مات أبو القاسم عبد الله بن أبي عبد اللّه البريدي الذي كان صاحب الأهواز وواسط. وفيها رجع حجيج مصر من مكة، فنزلوا واديًا فجاءهم سَيْل فأخذهم كلّهم، فألقاهم في البحر عن آخرهم. وفيها أسلم من الترك مئتا ألف خَرْكاة (٣)، فسموا تُرْك إيمان، ثم خفِّف اللفظ بذلك فقيل تركمان. وممن توفي فيها من الأعيان: جعفر بن حَرْب الكاتب (٤): كانت له نعمة وثروة عظيمة تقارب أبهة الوزراء، فاجتاز يومًا وهو راكب في موكب له عظيم، فسمع رجلًا يقرأ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]. فصاح: اللهم بلى، فكرَّرها دفعات، ثم بكى، ثم نزل عن دابَّته ونزع ثيابه، ودخل إلى دِجْلة فاستتر بالماء، ولم يخرج منه حتى فَرَّق جميع ماله في المظالم التي كانت عليه، وردَّها إلى أهلها،

стр. 5675

وتصدَّق بالباقي ولم يبق له شيء بالكلية، فاجتاز به رجل، فتصدَّق عليه بثوبين، فلبسهما وخرج، فانقطع إلى العلم والعبادة حتى مات، ﵀. أبو علي الحافظ (١) الحسين بن علي بن يزيد بن داود: أبو علي، الحافظ، النَّيْسابوري. أحد الأئمة الحُفَّاظ المتقنين المكثرين المصنِّفين، قال الدَّارَقُطْني: وإن إمامًا مهذبًا، وكان ابنُ عقدة لا يتواضع لأحدٍ كتواضعه له، وكانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة عن ثنتين وسبعين (٢) سنة، ﵀. حَسَّان بن محمد بن أحمد (٣): ابن هارود (٤)، أبو الوليد، القُرَشي. الفقيه الشَّافعي، إمام أهل الحديث بخراسان في زمانه، وأزهدهم وأعبدهم، أخذ الفقه عن ابن سُرَيج، وسمع الحديث من الحسن بن سُفْيان وغيره، وله التَّصانيف المفيدة، وقد ذكرنا ترجمته في (طبقات الشافعيين)، وكانت وفاته ليلة الجمعة لخمس مضين من ربيع الأول من هذه السنة، عن ثنتين وسبعين سنة. حَمْدُ بن محمد بن إبراهيم بن الخَطَّاب (٥): أبو سليمان، الخَطَّابي. سمع الكثير، وصنَّف التصانيف، منها "المعالم" شرح فيها "سُنَن أبي داود"، و"الأعلام" شرح فيه البخاري، و"غريب الحديث"، وله فهم مليح، وعلم غزير، ومعرفة باللغة والمعاني والفقه، ومن أشعاره قوله: ما دُمْتَ حيًّا فَدَارِ النَّاسَ كلَّهُمُ … فإنَّما أنتَ في دأرِ المُدَاراةِ منْ يدرِ دارى ومن لم يدرِ سوف يُرى … عمَّا قليلٍ نديمًا للنَّداماتِ
следующие страницы →