← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

محمد بن علي (١): أبو عبد الله، الهاشمي، الخاطب؛ [الدمشقي. وأظنه الذي تنسب إليه حارة الخاطب من نواحي باب الصغير، كان] (٢) خطيب دمشق في أيام الإخشيذية. وكان شابًا حسن الوجه، مليح الشكل، كامل الخلق، توفي فجأة في يوم الجمعة السابع والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة، وحضر جنازته نائب السلطنة، وخلق كثير لا يحصون كثرة، ﵀ [هكذا أرخه] (٢) ابنُ عساكر، ودفن بباب الصَّغير. ثم دخلت سنة ثمانٍ وأربعين وثلاثمئة فيها كانت فتنة بين الرَّافضة وأهل السنة قتل فيها خَلْقٌ كثير، ووقع حريق بباب الطَّاق، وغرق بدِجْلة خلق كثير من الحُجَّاج من أهل المَوْصل؛ نحو من ستِّمئة نفس، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها دخلت الرُّوم طَرسُوس والرُّها فقتلوا وسبوا وغنموا. ورجعوا سالمين، لعنهم الله. وفيها قلَّت الأمطار وغَلَت الأسعار، واستسقى النَّاس فلم يسقوا، وظهر جَرَاد عظيم في آذار، فأكل ما نبت من الخضراوات، فاشتدَّ الأمر جدًّا [على الخلق] (٢)، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وفيها عاد مُعِزُّ الدولة إلى بغداد من المَوْصل وزوَّج ابنته من ابن أخيه مُؤَيَّد الدولة بن ركن الدولة (٣)، وسيَّرها معه إلى الرَّي (٤). وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن شَيْبَان (٥)؛ أبو إسحاق، القِرْمِيْسِيني، شيخ الصُّوفية بالجَبَل. صَحِبَ أبا عبد الله المَغْربيَّ. ومن جيد كلامه قوله: إذا سكَنَ الخَوْفُ القَلبَ أحرقَ مواضِعَ الشَّهوات منه، وطرد عنه الرَّغْبةَ في الدُّنيا.

стр. 5672

أبو بكر النَّجَّاد الفقيه (١): أحمد بن سَلْمان (٢) بن الحسن بن إسرائيل بن يونس، أبو بكر، النَّجَّاد، الفقيه؛ أحد أئمة الحنابلة. ولد سنة ثلاث وخمسين ومئتين. سمع عبد الله بن أحمد، وأبا داود، والباغَنْدي، وابن أبي الدُّنيا، وخلقًا كثيرًا، وإنما كان يطلب الحديث ماشيًا حافيًا، وقد جمع المُسْند، وصنَّف في السُّنَن كتابًا كبيرًا، وكانت له بجامع المنصور حلقتان؛ واحدة للفقه، وأخرى لإملاء الحديث. وحدث عنه الدَّارَقُطْني وابن رزقويه، وابنُ شاهين، وأبو بكر بن مالك القَطِيعي وغيرهم. وكان يصوم الدهر ويُفْطر كل ليلة على رغيف، ويعزل منه لقمةً، فإذا كانت ليلة الجمعة أكل تلك اللُّقَم، وتصدَّق برغيف ليلة الجمعة، وكانت وفاته ليلة الجمعة لعشرٍ بقين من ذي الحجَّة عن خمس وتسعين سنة، ودفن قريبًا من قبر بشر بن الحارث الحافي. جعفر بن محمد بن نُصير بن القاسم (٣): أبو محمد الخواص المعروف بالخُلْدي. سمع الكثير، وحدث كثيرًا، وحج ستين حجة، وكان ثِقَةَ صدوقًا ديِّنًا. محمد بن إبراهيم بن يوسف بن محمد (٤): أبو عمرو، الزُّجَاجي، النَّيسَابوري. صحب أبا عثمان، والجُنَيد، والنُّوري، والخوَّاص، وغيرهم، وأقام بمكة، وكان شيخ الصُّوفية بها، وحجَّ ستين حجةً، ويقال: إنه مكث أربعين سنة لم يتغوَّط ولم يَبُل إِلَّا خارج الحرم بالكلية. محمد بن جعفر بن محمد بن فَضَالة (٥) بن يزيد بن عبد الملك: أبو بكر الأَدَمي؛ صاحب الألحان.

стр. 5673

وكان من أحسن الناس صوتًا بتلاوة القرآن، وربما سمع أهل كَلْوَاذي (١) صوته من بغداد في الليل، وحجَّ مرة مع أبي القاسم البَغَوي، فلما كانوا بالمدينة رأوا شيخًا أعمى يقُصُّ على الناس أخبارًا موضوعة فقال البغوي: ينبغي الإنكار عليه. فقال له بعض الجماعة: إنك لست ببغداد يعرفك الناس والجمع كثير هاهنا، ولكن أرى لك أن تأمر أبا بكر الأَدَمي فيقرأ لنا [هاهنا] (٢)، فاستفتح فقرأ، فانجفل الناس إليه، وتركوا الأعمى، فلم يبق عنده أحد، فأخذ الأعمى بيد قائده وقال: اذهب بي، فهكذا تزول النعم (٣). وكانت وفاته يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ربيع الأول من هذه السنة، عن ثمانٍ وثمانين سنة. وقد رآه بعضهم في المنام بعد موته بمدة فقال له: ما فعل بك ربك؟ فقال: أوقفني بين يديه، وقاسيتُ شدائد. فقلت له: فتلك الليالي والمواقف والقراءة؟ فقال: ما كان شيء أضرَّ علي منها؛ لأنها كانت للدُّنيا. فقلت: فإلى أي شيء انتهى أمرك؟ فقال: قال لي الله : آليتُ على نفسي أن لا أعذب أبناء الثَّمانين. أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن علي (٤) بن الحسن بن إبراهيم طَبَاطَبا (٥) بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الهاشمي، المِصْري، كان من ساداتها وكرمائها وأجوادها لا تزال الحلواء تُعقد بداره، ولا يزال رجل يكسَّر اللوز بسببها كل يوم ببابه، وللنَّاس عليه رواتب الحلواء، فمنهم من يهدي إليه كل يوم، ومنهم في الجمعة، [ومنهم] (٦) في الشهر. وكان لكافور الإخشيذي كل يوم عليه جامان ورغيف من الحواري (٧). ولما قدم المِعزُّ الفاطمي إلى القاهرة تلقاه وسأله: إلى من ينتسب من أهل البيت؟ فقال: الجواب إلى [أهل] (٨) البلد. فلما دخل القصر جمع الأشراف وسل نصف سيفه وقال: هذا نسبي، ثم نثر عليهم الذهب فقال: وهذا حسبي. فقالوا: سمعنا وأطعنا. والصحيح أن القائل للمعز هذا الكلام ابن هذا أو شريف آخر، والله أعلم؛ فإن وفاة هذا كانت في

стр. 5674

هذا العام عن ثنتين وستين سنة، وكان قدوم المعز إلى القاهرة سنة اثنتين وستين وثلاثمئة كما سيأتي. ثم دخلت سنة تسع وأربعين وثلاثمئة فيها ظهر رجل بأَذْرَبيجان من أولاد عيسى بن المكتفي باللّه، فتلقب بالمستجير باللّه، ودعا إلى الرِّضا من آل محمد، وذلك لفساد دولة المَرْزُبان في ذلك الزمان، فاقتتلوا قتالًا كثيرًا، ثم انهزم أصحابُ المستجير، وأُخذ أسيرًا فمات، واضمحلَّ أمره، وللّه الحمد. وفيه دخل سيف الدولة بن حمدان بلادَ الرُّوم، فقتل من أهلها خلقًا كثيرًا، وفتح حصونًا وأحرق بلادًا كثيرة، وسبى وغنم وكرَّ راجعًا، فأخذت الرُّوم عليه الدَّرب، فمنعوه من الرجوع، ووضعوا السيف في أصحابه، فما نجا في ثلاثمئة فارس إِلَّا بعد جهد جهيد. وفيها كانت فتنة عظيمة ببغداد بين الرَّافضة والسُّنَّة قُتل فيها خلق كثير. وفي آخرها توفي أنوجور (١) بن الإخشيذ صاحب مصر، وقام بالأمر بعده أخوه [علي] (٢). وفيها مات أبو القاسم عبد الله بن أبي عبد اللّه البريدي الذي كان صاحب الأهواز وواسط. وفيها رجع حجيج مصر من مكة، فنزلوا واديًا فجاءهم سَيْل فأخذهم كلّهم، فألقاهم في البحر عن آخرهم. وفيها أسلم من الترك مئتا ألف خَرْكاة (٣)، فسموا تُرْك إيمان، ثم خفِّف اللفظ بذلك فقيل تركمان. وممن توفي فيها من الأعيان: جعفر بن حَرْب الكاتب (٤): كانت له نعمة وثروة عظيمة تقارب أبهة الوزراء، فاجتاز يومًا وهو راكب في موكب له عظيم، فسمع رجلًا يقرأ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]. فصاح: اللهم بلى، فكرَّرها دفعات، ثم بكى، ثم نزل عن دابَّته ونزع ثيابه، ودخل إلى دِجْلة فاستتر بالماء، ولم يخرج منه حتى فَرَّق جميع ماله في المظالم التي كانت عليه، وردَّها إلى أهلها،

стр. 5675

وتصدَّق بالباقي ولم يبق له شيء بالكلية، فاجتاز به رجل، فتصدَّق عليه بثوبين، فلبسهما وخرج، فانقطع إلى العلم والعبادة حتى مات، ﵀. أبو علي الحافظ (١) الحسين بن علي بن يزيد بن داود: أبو علي، الحافظ، النَّيْسابوري. أحد الأئمة الحُفَّاظ المتقنين المكثرين المصنِّفين، قال الدَّارَقُطْني: وإن إمامًا مهذبًا، وكان ابنُ عقدة لا يتواضع لأحدٍ كتواضعه له، وكانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة عن ثنتين وسبعين (٢) سنة، ﵀. حَسَّان بن محمد بن أحمد (٣): ابن هارود (٤)، أبو الوليد، القُرَشي. الفقيه الشَّافعي، إمام أهل الحديث بخراسان في زمانه، وأزهدهم وأعبدهم، أخذ الفقه عن ابن سُرَيج، وسمع الحديث من الحسن بن سُفْيان وغيره، وله التَّصانيف المفيدة، وقد ذكرنا ترجمته في (طبقات الشافعيين)، وكانت وفاته ليلة الجمعة لخمس مضين من ربيع الأول من هذه السنة، عن ثنتين وسبعين سنة. حَمْدُ بن محمد بن إبراهيم بن الخَطَّاب (٥): أبو سليمان، الخَطَّابي. سمع الكثير، وصنَّف التصانيف، منها "المعالم" شرح فيها "سُنَن أبي داود"، و"الأعلام" شرح فيه البخاري، و"غريب الحديث"، وله فهم مليح، وعلم غزير، ومعرفة باللغة والمعاني والفقه، ومن أشعاره قوله: ما دُمْتَ حيًّا فَدَارِ النَّاسَ كلَّهُمُ … فإنَّما أنتَ في دأرِ المُدَاراةِ منْ يدرِ دارى ومن لم يدرِ سوف يُرى … عمَّا قليلٍ نديمًا للنَّداماتِ

стр. 5676

هكذا ترجمه أبو الفرج بن الجوزي في "منتظمه" (١) حرفًا بحرف. عبد الواحد بن عمر بن محمد (٢) بن أبي هاشم. كان من أعلم النَّاس بحروف القرآن، ووجوه القراءات، وله في ذلك مصنَّفات، وكان من الأتقياء (٣) الثِّقات، روى عن ابن مجاهد، وأبي بكر بن أبي داود، وعنه أبو الحسن بن الحَمَّامي، توفي في شوال منها، ودفن بمقبرة الخيزران. أبو أحمد العَسَّال الحافظ (٤) محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان بن محمد، أبو أحمد، العَسَّال، الأصْبهاني. أحد أئمة الحفاظ وأكابر العلماء. سمع الحديث وحدَّث به، قال ابنُ مَنْده: كتبت عن ألف شيخٍ لم أر فيهم أتقنَ من أبي أحمد العَسَّال، توفي في رمضانها. ثم دخلت سنة خمسين وثلاثمئة في المحرَّم منها مرض معزُّ الدولة بن بويه بانحصار البول، فقلق من ذلك، وجمع بين حاجبه سُبُكْتِكين ووزيره المُهَلَّبي، وأصلح بينهما، ووصاهما بولده بختيار خيرًا، وثم عوفي من ذلك، فعزم على الرحيل إلى الأهواز، واعتقد أن ما أصابه من [هذه العِلَّة بسبب] (٥) هواء بغداد ومائها، فأُشير عليه بالمقام بها، وأن يبتني بها دارًا في أعلاها حيث الهواء أرق والماء أصفى، فبنى له دارًا غَرِمَ عليها ثلاثة عشر ألف ألف درهم، فاحتاج لذلك أن يصادر بعضَ أصحابه، ويقال: أنفق على هذه الدار ألفي ألف دينار، ومات وهو يبني فيها، وقد خَرَّبَ أشياء كثيرة من معالم بغداد في بنائها، وكان مما خرب فيها

стр. 5677

المعشوق من سرَّ من رأى، وقلع الأبواب الحديد على مدينة المنصور والرُّصافة وقَصرها، وحوَّلها إلى داره هذه، لا تمت فرحته بها. وفيها مات القاضي أبو السَّائب عتبة بن عبد الله (١)، وقبضت أملاكه، وولي بعده القضاء أبو [العباس] (٢) عبد الله [بن] (١) الحسن بن أبي الشَّوارب، وضمن أن يؤدي في كل سنة إلى معز الدولة مئتي ألف درهم، وخلع عليه معز الدولة، وسار ومعه الدبادب والبوقات إلى منزله، وهو أول من ضمن القضاء. ولم يأذن له الخليفة المطيع للّه في الحضور عنده، ولا في حضور الموكب لأجل ذلك، ثم ضمَّن معز الدولة الشرطة وضمَّن الحِسْبة أيضًا. وفيها سار قَفَلٌ من أنطاكية يريدون طَرَسُوس، وفيهم نائب أنطاكية، فثار عليهم الروم [فأخذوهم] (٣) عَن بَكْرة أبيهم، فلم يفلت منهم سوى النائب جريحًا في أماكن من بدنه. وفيها دخل نجا غلام سيف الدولة بلاد الرُّوم فقتل وسبى وغنم، ورجع سالمًا. وفيها توفي: الأمير عبد الملك بن نوح السَّاماني صاحب خراسان، سقط عن فرسه، فمات، فقام بالأمر من بعده أخوه منصور بن نوح السَّاماني. وفيها توفي: النَّاصر لدين الله عبد الرحمن الأُمَوي (٤): صاحب الأندلس من بلاد المغرب، وكانت خلافته خمسين سنة وستة أشهر، وله من العمر يوم مات ثلاث وسبعون سنة، وترك أَحدَ عشر ولدًا، كان أبيضَ حسن الوجه عظيمَ الجسم طويل الظهر قصير الساقين، وهو أول من تلقب بأمير المؤمنين من أولاد الأمويين الدَّاخلين إلى المغرب، وذلك حين بلغه ضعف الخلفاء بالعراق، وتغلُّب الفاطميين ببلاد المغرب، فتلقب بأمير المؤمنين قبل موته بثلاث وعشرين سنة. ولما توفي قام بالأمر من بعده ولده الحكم وتلقب بالمستنصر، ومن جملة أولاد الناصر عبد الله، وكان شافعيَّ المذهب، ناسكًا شاعرًا، ولا يعرف في

стр. 5678

الخلفاء أطول مُدَّة من الناصر الأموي، فإنه مكث خمسين سنة، سوى المستنصر بن [الظاهر بن] (١) الحاكم الفاطمي صاحب مصر، فإنه مكث ستين سنة، كما سيأتي بيان ذلك في موضعه. وممن توفي فيها عن الأعيان: أبو سَهْل بن زياد القَطَّان (٢) أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن زياد: أبو سهل، القَطَّان. كان ثقة حافظًا، كثير التلاوة للقرآن، حسن الانتزاع للمعاني منه، فمن ذلك أنه استدل على تكفير المعتزلة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]. إسماعيل بن علي بن إسماعيل (٣) بن بَيَان: [أبو محمد] (٤)، الخُطَبي. سمع الحارث بن أبي أسامة، وعبد اللّه بن أحمد، والكُدَيمي، وغيرهم، وعنه الدَّارَقُطْني وغيره من الحُفاظ، وكان ثقةً حافظًا فاضلًا نبيلًا، عارفًا بأيام الناس والخلفاء، وله تاريخ مرتب على السنين، وكان أديبًا لبيبًا عاقلًا صدوقًا، وكانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة عن إحدى وثمانين سنة، ﵀. أحمد بن محمد بن سعيد (٥) بن عُبيد اللّه (٦) بن أحمد بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، أبو بكر، القُرَشي، الوَرَّاق، ويعرف با بن فُطيس. وكان حسن الكتابة مشهورًا بها، وكان يكتب الحديث لابن جَوْصا (٧)، ترجمه ابنُ عساكر، وأرخ وفاته بثاني شوال من هذه السنة (٨).

стр. 5679

تمام بن محمد (١) بن سليمان بن محمد بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن [على] (٢) بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أبو بكر، الهاشمي، العَبَّاسي. حدث عن عبد الله بن أحمد، وعنه ابن رزقويه، وتوفي في هذه السنة عن إحدى وثمانين سنة أيضًا، ﵀. الحسين (٣) بن القاسم (٤): أبو علي، الطَّبري، الفقيه الشَّافعي. أحد الأئمة، له "المحرَّر" في الخلاف، وهو أول مصنَّف فيه، وله "الإفصاح" (٥) في المذهب، وكتاب في الجدل، وفي أصول الفقه، وغير ذلك من المُصنَّفات، وقد ذكرنا ترجمته في "الطبقات". عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم (٦) عيسى بن أبي جعفر (٧) المنصور: أبو جعفر، الهاشمي، الإمام، ويعرف بابن بُرَيْه (٨). ولد سنة ثلاث وستين ومئتين، روى عن ابن أبي الدُّنيا وغيره، وعنه ابن رزقويه، وكان خطيبًا بجامع المنصور مُدَّة طويلة، وقد خطب فيه سنة ثلاثين وثلاثمئة، وقبلها بمئة سنة خطب فيه الواثق في سنة ثلاثين ومئتين، وهما في النسب إلى المنصور سواء، توفي في صفر منها. عُتْبة بن عبد الله (٩) بن موسى بن عبيد الله: أبو السَّائب، الهَمَذاني، القاضي الشَّافعي. كان فاضلًا بارعًا، وولي القضاء، وكان فيه تخليط في الأمور، وقد رآه بعضهم في المنام [بعد

стр. 5680

موته] (١) فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وأمر بي إلى الجنَّة على ما كان مني من التخليط، وقال لي: آليتُ ألا أعذِّب أبناء الثمانين. وهذا الرجل هو أول من ولي قضاء القضاة ببغداد من الشَّافعية. محمد بن أحمد بن خَنْب (٢) بن أحمد بن راجيان (٣): أبو بكر الدِّهْقَان، بغداديٌّ، سكن بُخَارى. وحدَّث بها عن يحيى بن أبي طالب، والحسن بن مُكْرم، وغيرهما، وتوفي عن سبع وثمانين سنة (٤). أبو علي الخازن (٥): توفي في شعبان من هذه السنة، فوجد في داره من الدفائن، وعند الناس من الودائع ما يقارب أربعمئة ألف دينار. ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة دخول الروم إلى حلب. فيها دخل الدُّمَسْتَقُ ملك الرُّوم لعنه الله إلى حلب، في مئتي ألف مقاتل، وكان سبب ذلك أنه ورد إليها بغتةً، فنهض إليه سيف الدولة بنُ حمدان بمن حضر من أصحابه، فقاتله فلم يقو به لكثرة جنوده، وقَتَلَ من أصحاب سيف الدولة خلقًا كثيرًا، وكان سيف الدولة قليلَ الصَّبْر، ففر منهزمًا في نفرٍ يسير من أصحابه، فكان أول ما استفتح به [الدُّمَسْتَق قبَّحه الله] (٦) أن استحوذ على دار سيف الدولة ظاهر البلد، فأخذ منها أموالًا عظيمة وحواصل، وعُددًا للحرب لا تحصى كثرة، ثم تدنى، فحاصر السور، فقاتل أهل البلد دونه قتالًا عظيمًا، وقتلوا خلقًا كثيرًا من الرُّوم، وثلمت الروم في السور ثلمة عظيمة، فوقف فيه الروم، فحمل المسلمون عليهم، فأزاحوهم عنها، فلما جنَّ الليل جدَّ المسلمون في عمارتها، فما أصبح الصباح إِلَّا وهي كما كانت، وحفظوا السور حفظًا عظيمًا، ثم بلغ المسلمين أن رجَّالة الشرط قد عاثوا في البلد ينهبون الدُّور، فرجع الناس إلى منازلهم يمنعونها منهم، فغلبت الروم على السور فَعَلَوْه،

стр. 5681

ودخلوا البلد يقتلون من لقوه، فقتلوا من المسلمين خلقًا كثيرًا، وانتهبوا الأموال والأولاد والنِّساء، وخلَّصوا من كان بأيدي المسلمين من أسارى الروم، وكانوا ألفًا وأربعمئة، فأخذوا السيوف فقاتلوا مع قومهم، وكانو أضرى على المسلمين [من قومهم] (١)، وأسروا نحوًا من بضعة عشر ألفًا ما بين صبي وصبيَّة، ومن النساء شيئًا كثيرًا، ومن الرجال ألفين، وخربوا المساجد وأحرقوها، وصبُّوا في حِباب الزيت الماء حتى فاض الزيت على وجه الأرض وهلك، وكل شيء لا يقدرون على حمله أحرقوه، وأقاموا في البلد تسعة أيام يفعلون هذه المفاسد العظيمة، ثم عزم الدُّمَسْتَق على الانصراف خوفًا من رجوع سيف الدولة، فقال له ابنُ أخيه: أتذهب وتترك القلعة وراءك؟! فقال له: إنا قد بلغنا فوق ما كُنَّا نؤمله، وإن بها مقاتلة ورجالًا غُزاةً. فقال: لابد لنا منها. فقال له: اذهب إليها. فَصَمَدَ إليها (٢) ليحاصرها، فرموه بحجر، فقتلوه في السَّاعة الراهنة من بين الجيش كله، فغضب الدُّمَسْتَق عند ذلك، وأمر بإحضار من كان بأيديهم من أسارى المسلمين، وكانوا قريبًا من ألفين، فَضُربت أعناقهم بين يديه لعنه الله، ثم كر راجعًا قبحه اللّه. وقد دخلوا عين زَرْبة (٣) قبل ذلك في المحرَّم من هذه السنة أيضًا، فاستأمنهم أهلُها، فأمنهم الملك، وأمر بأن يدخلوا كلهم إلى المسجد، ومن بقي في منزله قتل، فصار أهلها كلهم في المسجد، ومن تأخر منهم قتل، ثم قال: لا يبقين أحد منكم اليوم إِلَّا ذهب حيث شاء، ومن تأخر قتل. فازدحموا في خروجهم من المسجد، فمات كثير منهم، وخرجوا على وجوههم لا يدرون أين يذهبون، فمات في الطُّرقات منهم خَلْقٌ كثير. ثم هَدَمَ الجامع وكسر المِنْبر، وقطع من حول البلد أربعين ألف نخلة، وهدم سور البلد والمنازل المشار إليها منها، وأقام بها مدة، وفتح حولها أربعةً وخمسين حِصْنًا، بعضها بالسيف وبعضها بالأمان، وقتل خلقًا كثيرًا، وأسرتِ الرُّوم أبا فراس بن سعيد بن حمدان نائب مَنْبج من جهة سيف الدولة، وكان شاعرًا مطبقًا، له ديوان حسن، وكان مدة مقامه بعين زَرْبة أحدًا وعشرين يومًا، ثم سار إلى قَيْساريَّة، فلقيه أربعة آلاف من أهل طَرَسُوس مع نائبها ابن الزيَّات، فَقَتلَ أكثرهم، وأدركه صوم النَّصارى، فاشتغل به حتى فرغ منه، ثم هجم على حلب بغتة، فكان من أمره ما ذكرناه آنفًا. وفي هذه السنة كتبت العامة من الرَّوافض (٤) على أبواب المساجد ببغداد لعن معاوية بن أبي سُفْيان ﵁، ولعن من غَصَبَ فاطمة فَدَكًا؛ - يعنون أبا بكر ﵁ ومن أخرج العباس من الشُّورى - يعنون عمر ﵁ ومن نفى أبا ذر - يعنون عثمان ﵁ ومن منع دفن الحسن

стр. 5682

عند جده - يعنون مروان بن الحكم - ولما بلغ ذلك معز الدولة لم ينكره ولم يغيره، ثم بلغه أن أهل السنة مَحَوْا ذلك، فأمر أن يكتب: لعن اللّه الظَّالمين لآل محمد من الأولين والآخرين، والتصريح باسم معاوية في اللعن. فكتب ذلك. قبح اللّه معز الدولة وشيعته من الروافض، وكذلك سيف الدولة بن حمدان بحلب، فيه تشيع وميل إلى الروافض، ولا جَرَم أن اللّه لا ينصر أمثال هؤلاء، ويديل عليهم أعداءهم لمتابعتهم أهواءهم، وتقليدهم سادتهم وكبراءهم، وآباءهم، وترك متابعتهم أنبياءهم وعلماءهم، ولهذا لما ملكت الفاطمية بلاد الشام، استحوذ على سواحلها كلها حتى بيت المقدس الفرنج، ولم يبق مع المسلمين سوى حلب وحمص وحماة ودمشق وبعض أعمالها، وجميع السواحل مع الفرنج، والنواقيس النصرانية والقسوس الإنجيلية تَنْعِرُ في الشَّواهق من الحصون والقلاع، وتكفوا في أماكن المساجد وشريف البقاع (١). وفيها وقعت فتنة بين أهل البَصْرة بسبب السبِّ، فقتل فيها خَلْقٌ كثير وجمٌّ غفير. وفيها أعاد سيف الدولة بناء عين زَرْبة، وبعث مولاه نجا، فدخل بلاد الروم، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وسبى جَمًّا غفيرًا، وغَنِمَ وسَلِمَ. وبعث حاجبه مع جيش طرَسُوس، فدخلوا بلاد الروم، فغنموا وسبوا ورجعوا سالمين، ولله الحمد والمنة. وفيها فتح المُعزُّ الفاطمي حِصْن طَبَرْمين (٢) من بلاد المغرب - وكان من أحصن بلاد الفرنج - افتتحه قَسْرًا بعد محاصرة سبعة أشهر ونصف شهر، وقصدت الفرنج جزيرة أقْرِيطش، فاستنجد أهلها بالمعز، فَسَيَّر إليهم جيشًا، فانتصروا على الفرنج، وللّه الحمد. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن بن محمد بن هارون (٣): أبو محمد، المُهلَّبي، الوزير لمعز الدولة بن بُوَيْه. مكث في وزارته ثلاث عشرة سنة، وكان فيه حلم وكرم وأناة، حكى أبو إسحاق الصَّابي قال: كنت يومًا عنده وقد جيء بدواة قد صُنعتْ له ومرفع قد حليا بحليةٍ كثيرة، فقال لي أبو محمد الفضل بن

стр. 5683

عبد الرحمن الشِّيرازي سرًا بيني وبينه: ما كان أحوجني إليها لأبيعها، وأنتفع بها. قلت: وأي شيء يفعل الوزير؟ فقال: يدخل في حِرِ أمه. فسمعها الوزير - وكان مصغٍ إلينا ولا نشعر - فلما أمسى بعث بالدواة إلى أبي محمد الشيرازي ومرفعها، وعشرة ثياب وخمسة آلاف درهم. واصطنع له غيرها، فاجتمعنا يومًا آخر عنده وهو يوقع من تلك الدواة الجديدة، فنظر إلينا فقال: هي لمن منكما يريدها مع العفاء من الدخول، قال: فاستحيينا وعلمنا أنه كان سمع كلامنا يومئذٍ، وقلنا: بل يمتع الله الوزير بها، ويبقيه ليهب ألفًا مثلها. توفي أبو محمد المُهَلَّبي في هذه السنة (١) عن أربع وستين سنة. دَعْلج بن أحمد بن دَعْلَج بن عبد الرحمن (٢): أبو محمد، السِّجستاني، المعدَّل. سمع بخراسان وحلوان وبغداد والبصرة والكوفة ومكة، وكان من ذوي اليسار، والمشهورين بالبر والأفضال، وله صدقات جارية، وأوقات دارَّة على أهل الحديث ببغداد ومكة وسجستان، وكانت له دار عظيمة ببغداد، فكان يقول: ليس في الدُّنيا مثلها، لأنه ليس في الدنيا مثل بغداد، ولا في بغداد مثل القطيعة، ولا في القطيعة مثل درب أبي خلف، وليس في درب أبي خلف مثل داري. وصنف الدَّارَقُطني له مسندًا. وكان إذا شك في حديثِ تركه. فكان الدَّارَقُطني يقول: لم أر في مشايخنا أثبتَ منه. وقد أنفق في أهل العلم وذوي الحاجات أموالًا جزيلة كثيرة جدًّا. اقترض منه بعضُ التُّجَّار عشرة آلاف دينار، فضمن بها ضياعًا، فربح في مُدَّة ثلاث سنين ثلاثين ألف دينار، فعزل منها عشرة آلاف دينار، وجاءه بها، فأضافه دَعْلَج ضيافة حسنة، فلما فرغ من شأنها قال: ما شأنك؟ قال له: هذه الدنانير التي تفضلت بها قد حضرت. فقال: يا سبحان الله، إني لم أعطك لتردَّها، فَحلِّ بها الأهل. فقال: إني قد ربحت بها ثلاثين ألف دينار، فهذه منها. فقال له دَعْلَج: اذهب بها، بارك الله لك، فقال له: كيف يتسع مالك لهذا؟ ومن أين أفدت هذا المال؟ فقال: إني كنت في حداثة سني أطلب الحديث، فجاءني رجل تاجر من أهل البحر، فدفع إليَّ ألف ألف درهم، وقال: اتجر في هذه، فما كان من ربح فبيني وبينك؟ وما كان من خسارة فعليَّ دونك، وعليك عهد الله وميثاقه إن وجدت حاجة أو

стр. 5684

خلة فسدَّها من مالي هذا. ثم جاءني فقال: إني ساركب في البحر، فإن هلكتُ فالمال في يدك على ما شرطت عليك. فهو في يدي على ما قال. ثم قال لي: لا تخبر بهذا أحدًا مدة حياتي. فلم أخبر به أحدًا حتى مات. وقد كانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة عن أربع أو خمس وتسعين سنة، ﵀. عبد الباقي بن قانع (١) بن مرزوق: أبو الحسن (٢)، الأُمَوي مولاهم. سمع الحارث بن أبي أسامة، وعنه الدَّارَقُطْني وغيره، وكان من أهل الثقة والأمانة والحفظ، ولكنه تغيَّر في آخر عمره. قال الدَّارَقُطْني (٣): كان يخطئ ويُصرُّ على الخطأ، توفي في شوالي منها (٤). أبو بكر النَّقَّاش المُفَسِّر (٥) محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون بن جعفر، أبو بكر، النَّقَاش، المفسِّر، المقرئ. مولى أبي دُجانة سِمَاك بن خَرَشة، وأصله من المَوْصل، وكان عالمًا بالتفسير والقراءات، وسمع الكثير في بلدانٍ شتى عن خلق من المشايخ، وحدث عنه أبو بكر بن مجاهد، والخُلْدي، وابن شاهين، وابن رزقويه، وخلق، وآخر من حدَّث عنه أبو علي بن شاذان، وتفرَّد بأشياء منكرة، وقد وقفه الدَّارَقُطني على كثيرٍ من أخطَائه، فرجع عن ذلك، وصرَّح بعضهم بتكذيبه، فاللّه أعلم. وله كتاب التفسير الذي سماه "شفاء الصدور" فقال بعضهم: بل هو إشفى (٦) الصُّدور (٧).

стр. 5685

وقد كان رجلًا صالحًا في نفسه، عابدًا ناسكًا، حكى من حضره أنه يجود بنفسه وهو يدعو بدعاء ثم رفع صوته يقول: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]، يرددها ثلاث مرات، ثم خرجت روحه، ﵀. وقد كانت وفاته يوم الثلاثاء الثاني من شوال من هذه السنة، ودفن في داره بدار القُطْن. محمد بن سعيد (١): أبو بكر الحَرْبي، الزاهد، ويعرف بابن الضَّرير. وكان ثِقَةً عابدًا، ومن كلامه قوله: دافعتُ الشهواتِ حتى صارت شهوتي المُدَافعة. ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين وثلاثمئة (٢) في عاشر المُحرَّم من هذه السنة أمر معز الدولة بن بويه أن تغلق الأسواق، وأن يَلْبسَ الناسُ المسوحَ من الشعر، وأن يخرج النساء حاسرات عن وجوههن، ناشرات شعورهن في الأسواق، يلطمن وجوههن، ينحن على الحسين بن علي، ففعل ذلك، ولم يمكن أهل السنة منع ذلك لكثرة الشيعة وكون السلطان معهم. وفي ثامن عشر ذي الحجة منها أمر معز الدولة بإظهار الزينة ببغداد، وأن تفتح الأسواق بالليل كما في الأعياد، وأن تضرب الدبادب والبُوقات، وأن تشعل النيران بابواب الأمراء وعند الشرط، فرحًا بعيد الغدير، فكان وقتًا عجبًا، ويومًا مشهودًا، وبدعة ظاهرة منكرة. وفيها أغارت الروم على الرُّها، فقتلوا وأسروا، ورجعوا موفورين لعنهم الله، وثارت الروم بملكهم فقتلوه، وولَّوْا غيره. ومات الدُّمَسْتَق، ملك الأرمن، واسمه النقفور، وهو الذي أخذ حلب، [وولوا غيره] (٣)، ولتكتب ترجمته في آخر الجزء (٤). وفيها عُزِلَ ابنُ أبي الشوارب عن القضاء، ونقضت سجلاته، وأبطلت أحكامه مُدَّة أيامه، وولي

стр. 5686

القضاء بدله أبو بِشْر عمر بن أكثم بلا رزق، ورفع عنه ما كان يحمله ابن أبي الشوارب في كل سنة، وللّه الحمد. وفي ذي الحجة استسقى الناس لتأخر المطر، وذلك في كانون الثاني. وحكى ابن الجوزي في "المنتظم" عن ثابت بن سِنَان المؤرِّخ، قال: حدَّثني جماعة من أهل المَوْصل ممن أثق به أن بعض بطارق الأرمن أنفذ في سنة ثنتين وخمسين وثلاثمئة إلى ناصر الدولة بن حمدان رجلين من الأرمن ملتصقَيْن، سنُّهما خمس وعشرون سنة، ملتحيين ومعهما أبوهما، ولهما سُرَّتان وبطنان ومعدتان، وجوعهما يختلف، وكان أحدهما يميل إلى النِّساء والآخر يميل إلى الغِلْمان، وكان يقع بينهما خصومةٌ وتشاجر، وربما حلف أحدهما لا يكلِّم الآخر، فيمكث كذلك أيامًا، ثم يصطلحان، فوهبهما ناصرُ الدولة ألفي درهم، وخلع عليهما ودعاهما إلى الإسلام، فيقال إنهما أسلما. وأراد أن يبعثهما إلى بغداد ليراهما الناس، ثم إنه رجع عن ذلك، ثم إنهما رجعا إلى بلدهما مع أبيهما، فاعتلَّ أحدهما ومات، وأنتنَ ريحه، وبقي الآخر لا يمكنه التخلُّص منه، وكان اتصال ما بينهما من الخاصرتين، وقد كان ناصر الدولة أراد فصل أحدهما من الآخر، وجمع الأطباء لذلك فلم يمكن، فلما مات أحدهما حار أبوهما في ذلك، فاتفق اعتلال الآخر من غمه بنتن رائحة أخيه، فمات غمًا، فدفنا جميعًا في قبرٍ واحدٍ (١). وممن توفي فيها من الأعيان: عمر بن أكثم (٢) بن أحمد بن حَيَّان (٣) بن بشر: أبو بشر، الأسَدي، الفقيه الشافعي. ولد سنة أربع وثمانين [ومئين] (٤)، وولي القضاء في زمن المطيع نيابةً عن أبي السائب عتبة بن عبيد الله، ثم ولي قضاء القضاة، وهو أول من ولي قضاء القضاة من الشَّافعية سوى أبي السائب، وكان محمود السيرة في القضاء، وكانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة (٥).

стр. 5687

ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وثلاثمئة في عاشر المُحَرَّم عملت الرَّافضة عن الحسين كما تقدَّم في السنة الماضية، فاقتتل الروافض وأهل السنة في هذا اليوم قتالًا شديدًا، ونُهبت الأموال. وفيها عصى نجا غلام سيف الدولة عليه، وذلك أنه كان في العام الماضي قد صادر أهل حَرَّان، وأخذ منهم أموالًا كثيرة. فتمرَّد بها، وذهب إلى بلاد أذربيجان (١)، فأخذ طائفة منها من يد رجل من الأعراب يقال [له] (٢) أبو الورد، فقتله، وأخذ من أمواله شيئًا كثيرًا، وقويت شوكته بسبب ذلك، فسار إليه سيف الدولة، فأخذه وأمر بقتله، فقتل بين يديه، وألقيت جثته (٣) في الأقذار ومحل الجيف والنتن. وفيها جاء الدُّمَسْتَق إلى المَصِّيْصة في جيش كثيف، فحاصرها، ونقب سورها، فدافعه أهلها، فأحرق رستاقها وقتل ممن حولها خمسة عشر ألف إنسان، وعاثوا [في الأرض] (٤) فسادًا في بلاد أذنه وطَرَسُوس، وكرُّوا راجعين إلى بلادهم، قبحهم الله. وفيها قصد معز الدولة المَوْصِل وجزيرة ابن عمر، فأخذها من يد ناصر الدولة بن حمدان، ثم سار في طلب ناصر الدولة، فكرَّ ناصر الدولة في جيش قد هيأه، فاسترجع الملك من يد معز الدولة، فعاد معز الدولة، فأخذ الموصل وأقام بها، فراسله في الصُّلْح، فاصطلحا على أن يكون الحمل في كل سنة، وأن يكون أبو تغلب بن ناصر الدولة وليَّ عهد أبيه من بعده، فأجاب معز الدولة إلى ذلك، وكرَّ راجعًا إلى بغداد بعدما جرت له خُطُوب طويلة قد استقصاها ابن الأثير في "كامله" (٥) وبسطها. وفيها ظهر رجلٌ ببلاد الدَّيْلم، وهو أبو عبد الله (٦) محمد بن الحسين من أولاد الحسن بن علي، ويعرف بابن الدَّاعي، فالتفَّ عليه خلق كثير، ودعا إلى نفسه وتسمَّى بالمَهْدي، وكان أصله من بغداد، وانتظم له شأن بتلك البلاد، وهرب منه ابن النَّاصر العلوي. وفيها قصد ملك الرُّوم وفي صحبته الدُّمَسْتَق ملك الأرمن بلاد طَرَسُوس فحاصرها مُدَّة، ثم غلت

стр. 5688

عليهم الأسعار، وأخذ فيهم الوباء، فمات كثير منهم، فكرُّوا راجعين كما قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] وكان من عزمهم أنهم يستحوذون على البلاد كلها، فرجعوا خاسئين. وفيها كانت وقعة المجاز ببلاد صِقِليّة؛ وذلك أنه أقبل من الروم خلق كثير، ومن الفرنج ما يقارب المئة ألف، فبعث أهل صقلية إلى المعز الفاطمي يستنجدونه، فبعث إليهم بجيوشٍ كثيرة في الأسطول، فكانت بين المسلمين والمشركين وقعة عظيمة صبر فيها الفريقان من أول النهار إلى العصر، ثم قُتل أمير الرُّوم منويل، وفرَّت الروم، وانهزموا هزيمة قبيحة، فقتل المسلمون منهم خلقًا كثيرًا، وسقط الفرنج في وادٍ عميق، فهلك أكثرهم، وركب الباقون في المراكب، فبعث الأمير أحمد صاحب صِقليّة في آثارهم مراكب أخر، فقتلوا أكثر المشركين في البحر أيضًا، وغنم المسلمون في هذه الغزوة شيئًا كثيرًا من الأموال والحيوانات والأمتعة والأسلحة، فكان في جملة ذلك سيف مكتوب عليه: هذا سيف هندي، زنته مئة وسبعون مثقالًا، طالما قوتل به بين يدي رسول اللّه ﷺ ، فبُعث في جملة تحف عظيمة إلى المعز الفاطمي إلى إفريقية. وفيها قصدت القرامطة مدينة طبرية ليأخذوها من يد ابن الأخشيذ صاحب مصر والشَّام، وطلبوا من سيف الدولة أن يمدهم بحديد يتخذون منه سلاحًا، فقلع لهم أبواب الرَّقَّة - وكانت من حديد -[صامت] (١) [وأخذ لهم من حديد الناس] (٢) حتى أخذ أواقي الباعة، وأرسل بذلك كله إليهم، حتى قالوا: اكتفينا. وفيها طلب معز الدولة من الخليفة المطيع لله أن يأذن له في دخول دار الخلافة ليتفرج فيها، فبعث خادمه وحاجبه معه، فطافوا معه فيها وهو يسرع، وخرج وقد خاف من غائلة ذلك، وخشي أن يقتل في بعض الدهاليز، فتصدَّق بعشرة آلاف شكرًا للّه على السلامة، وازداد حبًا للخليفة المطيع لله من يومئذٍ، وكان في جملة ما رأى من العجائب بها صنم من نحاس على صورة امرأة حسناء جدًّا، وحولها أصنام صغار، وكان قد أُتي به في زمن المقتدر، فأقيم هناك ليتفرج عليه الجواري والنِّساء، فهمَّ المعز أن يطلبه من الخليفة، ثم ارتأى، فترك ذلك (٣). وفي ذي الحجَّة من سنة ثلاث وخمسين وثلاثمئة خرج رجل بالكوفة، فادَّعى أنه علوي، وكان يتبرقع، فسمي المبرقع، وغلظت قضيته وبَعُدَ صيته، وذلك في غيبة معز الدولة عن بغداد، واشتغاله

стр. 5689

بأمر المَوْصِل وناصر الدولة بن حمدان، فلما توطأت الأمور وعاد إلى بغداد، اختفى المبرقع، وذهب في البلاد فلم يفتح له أمر بعد ذلك. وممن توفي فيها من الأعيان: بكَّار بن أحمد (١) بن بكَّار بن بُنان بن بَكَّار بن زياد بن درستويه: أبو عيسى (٢)، المقرئ. روى الحديث عن عبد الله بن أحمد، وعنه أبو الحسن الحمَّامي، وكان ثقة، أقرأ القرآن أكثر من ستين سنة ﵀، وكانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة وقد جاوز السبعين وقارب الثمانين (٣)، ودفن بمقبرة الخيزران عند قبر أبي حنيفة، ﵀. أبو إسحاق الهُجَيمي (٤): ولد في سنة خمسين ومئتين، وسمع الحديث، فكان إذا سئل أن يحدِّث يقسم لا يحدث حتى يجاوز المئة. فأبَرَّ اللّه قسمه، وجاوزها، فأسمع. وكانت وفاته في هذه السنة عن مئة وثلاث سنين، ﵀. ثم دخلت سنة أربع وخمسين وثلاثمئة في عاشر المُحَرَّم عملت الشيعة المأتم على ما تقدم في السنتين الأولتين؛ غلقت الأسواق وعلَّقت المسوح، وخرجت النساء سافرات ناشرات، ينحن ويلطمن وجوههن في الأزقة والأسواق، وهذا تكلُّفٌ لا حاجة إليه في الدين ولا في الدنيا، ولو كان هذا أثرًا محمودًا لكان صَدْرُ هذه الأمة وخيرتها أولى به، إذ لو كان خيرًا لسبقونا إليه، وأهل السنة يقتدون ولا يبتدون. وتسلطت السُّنَّة على الروافض، فكبسوا مسجد يراثا الذي هو عش الرَّوافض، وقتلوا بعض من كان فيه من القومة. وفيها في رجب منها جاء ملك الرُّوم بجيوشٍ كثيفة إلى المَصِّيصة، ففتحها قَسْرًا، وقَتَلَ من أهلها خَلْقًا، واستاق بقيتهم معه أسارى، وكانوا قريبًا من مئتي ألف إنسان، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وجاء إلى طَرَسُوس، فسأل أهلها منه الأمان فأمنهم، وأمرهم بالجلاء عنها والانتقال منها، فاتخذ الجامع اصطبلًا لخيوله، وحرَّق المنبر ونقل قناديله إلى كنائس بلده، وتنصَّر بعض أهلها معه لعنه اللّه، وكان أهل

стр. 5690

طرسوس والمَصِّيصة قد أصابهم قبل هذا البلاءِ غلاءٌ عظيم، ووباء شديد، بحيث كان يموت في اليوم منهم ثلاثمئة نفس، ثم دهمهم هذا الأمر الشديد، فانتقلوا من شهادة إلى شهادة أعظم منها. وعزم ملك الروم على المقام بطرسوس ليكون أقرب إلى بلاد المسلمين، ثم عنّ له، فسار إلى القُسْطنطينية وفي خدمته الدُّمَسْتَق ملك الأرمن، لعنهما اللّه. وجعل أمر تسفير الحجيج إلى نقيب الطالبيين، وكتب له منشور بالنقابة والحجيج وهو أبو أحمد الحسن بن موسى الموسوي (١)، وهو والد الرضي والمرتضى. وفيها توفيت أخت معز الدولة، فركب الخليفة في طيَّارة (٢)، وجاء إليه فعزَّاه، فقبَّل معز الدولة الأرض بين يديه، وشكر له سعيه إليه، وصدقاته عليه. وفي ثامن عشر ذي الحجة منها عملت الروافض عيد غدير خم على العادة الجارية التي ذكرناها (٣). وفيها تغلب على أنطاكية رجلٌ يقال له رشيق النسيمي بمساعدةٍ رجل يقال له ابن الأهوازي: كان يضمن الطَّواحين، فأعطاه أموالًا وأطمعه في أخذ أنطاكية، وأخبره أن سيف الدولة قد اشتغل بمَيَّافارِقين، وعجز عن الرجوع إلى حلب، فتمَّ لهما ما راماه من أخذ أنطاكية، ثم ركبا في جيوش منها إلى حلب، فجرت بينهما وبين نائب سيف الدولة حروبٌ عظيمة، ثم أخذ البلد، وتحصَّن النائب بالقلعة، فجاءت النجدة من سيف الدولة إلى حلب مع غلامٍ له اسمه بشارة، فانهزم رشيق، فسقط عن فرسه، فابتدره بعضُ الأعراب، فقتله وأخذ رأسه، فجاء به إلى حلب، واستقلَّ ابنُ الأهوازي سائرًا إلى أنطاكية، فأقام رجلًا من الرُّوم (٤) اسمه وزير فسماه الأمير، وأقام آخر من العلويين ليجعله خليفه وسماه الأستاذ. فقصده نائب حلب وهو قرغويه، فاقتتلا قتالًا شديدًا، فهزمه ابنُ الأهوازي واستقر بأنطاكية، فلما عاد سيف الدولة إلى حلب لم يبت بها إِلَّا ليلة واحدة حتى سار إلى أنطاكية [فالتقاه ابن الأهوازي] (٥) فاقتتلوا قتالًا عظيمًا ثم انهزم الوزير وابنُ الأهوازي وأُسرا، فقتلهما سيف الدولة بن حمدان (٦). وفيها ثار رجل من القرامطة اسمه مروان - كان يحفظ الطُّرقات لسيف الدولة - بحمص، فملكها وما حولها، فقصده جيش من حلب مع الأمير بدر، فاقتتلوا معه، فرماه بدر بسهم مسموم فأصابه،

стр. 5691

واتفق أن أسر أصحابُ مروان بدرًا، فقتله مروان بين يديه صبرًا، ومات مروان بعد أيام، وتفرقت أصحابه، قبحهم اللّه. وفيها عصى أهل سِجِسْتان أميرَهم خلف بن أحمد، وذلك أنه حجَّ في سنة ثلاث وخمسين، واستخلف عليهم طاهر بن الحسين، فطمع في الملك بعده، واستمال أهل البلد، فلما رجع من الحجّ لم يسلمه البلد وعصى عليه، فذهب إلى بخارى إلى الأمير منصور بن نوح السَّاماني فاستنجده، فبعث معه جيشًا فاستنقذ البلد من طاهر، وسلَّمها إلى الأمير خلف بن أحمد - وقد كان خلف عالمًا محبًا للعلماء - فذهب طاهر، فجمع جموعًا، ثم جاء فحاصر خلفًا وأخذ منه البلد، فرجع خلف إلى الأمير منصور السَّاماني، فبعث معه من استرجع له البلد ثانية وسلَّمها إليه، فلما استقرَّ خلف بها، وتمكَّن فيها؛ منع ما كان يحمله من التحف والهدايا والحمل إلى الأمير منصور ببخارى، فبعث إليه جيشًا، فتحصَّن خَلَف في حصنٍ يقال له حصن أرك، فنازله الجيش فيه تسع سنين (١) لم يقدروا عليه، وذلك لمناعة هذا الحصن وصعوبته وعمق خندقه وارتفاعه هو في نفسه، وسيأتي ما آل إليه أمره من بعد ذلك. وفيها قصدت طائفة من الترك بلاد الخَزَر، فاستنجد الخَزَر بأهل خوارزم فقالوا: لو أسلمتم لنصرناكم. فأسلموا إِلَّا ملكهم، فقاتلوا معهم الترك، فأجلوهم عنهم، ثم أسلم الملك بعد ذلك، ولله الحمد والمنة. وممن توفي فيها من الأعيان: المُتَنبِّي الشَّاعر المشهور (٢)، أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصَّمد: أبو الطيب، الجُعْفي، الشَّاعر المعروف بالمتنبي. وكان أبوه يعرف بعِيْدان السَّقَّاء - كان يستقي الماء لأهل الكوفة على بعيرٍ له، وهو شيخٌ كبير. وعِيْدان [هذا] (٣) قال ابن ماكُولا والخطيب: هو بكسر العين وبعدها ياء مثناة من تحت، وقيل بفتح العين لا كسرها (٤)، فالله أعلم. كان مولد المتنبي بالكوفة سنة ستٍّ وثلاثمئة (٥)، ونشأ بالشَّام بالبادية، وطلب الأدب، ففاق أهل

стр. 5692

زمانه فيه، ولزم جناب سيف الدولة بن حمدان، وامتدحه وحظي عنده، ثم صار إلى مصر، فامتدح كافور الإخشيذي ثم هجاه وهرب منه، وورد بغداد، فامتدح بعض أهلها، وسمع عليه ديوانه، وقدم الكوفة، وامتدح بعض الأكابر وهو ابن العميد، فوصله من جهته ثلاثون ألف دينار، ثم سار إلى فارس فامتدح عضد الدولة بن بُوَيه، فأطلق له أموالًا جزيلة تقارب مئتي ألف دِرْهم، وقيل: بل حصل له نحو من ثلاثين ألف دينار، ثم دَسَّ إليه من يسأله: أيما أحسن، عطايا عضد الدولة بن بويه أو سيف الدولة بن حمدان؟ فقال: هذه أجزل ولكن فيها تكلُّف، وتلك أقل ولكن عن طيب نفس من معطيها؛ لأنها عن طبيعة وهذه [عن] (١) تكلف، فذكر ذلك لعضد الدولة فتغيظ عليه، ودسَّ إليه طائفة من الأعراب، فوقفوا له في أثناء الطريق وهو راجع إلى بغداد، ويقال: إنه كان قد هجا مقدِّمهم ضَبَّة الأسدي - وقد كانوا يقطعون الطريق - فلهذا أوعز إليهم عضد الدولة أن يتعرَّضوا له، فيقتلوه ويأخذوا لهم ما معه من الأموال، فانتهوا إليه وهم ستون راكبًا في يوم الأربعاء وقد بقي من رمضان ثلاثة أيام، وقيل: بل قتل في يوم الإثنين لخمسٍ بقين من رمضان، ويقال: بل كان ذلك في شعبان، وقد نزل عند عينٍ تحت شجرة إنجاص، وقد وضعت سفرته ليتغدَّى، ومعه ولده مُحَسَّد (٢) وخمسة عشر غلامًا له، فلما رآهم قال: هلموا يا وجوه العرب. فلما لم يكلِّموه أحسَّ بالشر، فنهض إلى سلاحه وخيله، فتواقفوا ساعة، فقتل ابنه مُحسَّد وبعض غلمانه، وأراد هو أن ينهزم، فقال له مولى له: أين تذهب وأنت القائل: فاللَّيْلُ والخَيْلُ والبَيْداءُ تَعْرِفُني … والحَرْبُ والضَّرْبُ والقِرْطاسُ والقَلمُ (٣) فقال: ويحك قتلتني. ثم كرَّ راجعًا، فطعن (٤) زعيمَ القوم برمح في عنقه فقتله، فاجتمعوا عليه فسجروه بالرِّماح حتى قتلوه، وأخذوا جميع ما كان معه من الأموال، وذلك بالقرب من النُّعْمانية، وهو آيب إلى بغداد، ودفن هناك وله من العمر ثمانٍ وأربعون سنة. وذكر ابنُ عساكر أنه لما نزل في المنزلة التي كانت قبل منزلته هذه، سأله بعضُ الأعراب أن يعطيهم خمسين دِرْهمًا ويخفرونه، فمنعه الشحُّ والكِبْر ودعوى الشجاعة من ذلك. وقد كان المتنبي جُعْفيَّ النسب صليبة منهم، وقد ادَّعى حين كان مع بني كلب بأرض السَّماوة؛ قريبًا من حمص أنه علوي حسني، ثم ادَّعى أنه نبيٌّ، فاتبعه جماعة من جهلتهم وسفلتهم، وزعم أنه أنزل عليه قرآن فمن ذلك: والنَّجم

стр. 5693

السَّيَّار، والفلك الدَّوَّار، والليل والنهار، إنَّ الكافر لفي أخطار، امض على سَننَك (١)، واقْفُ أثَرَ من كان قبلك من المرسلين، فإن اللّه قامعٌ بك من ألحد في دينه، وضلَّ عن سبيله. وهذا من خِذْلانه وكثرة هَذَيانه في قرآنه، ولو لزم قافية مدحه والهجاء لكان من أشعر الشعراء، وأفصح الفصحاء، ولكن أراد بجهله وقلة عقله أن يتقول ما يشبه كلامَ رَبِّ الأرض والسماء الذي لا يشبهه شيء من الأشياء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله وأقواله، تعالى اللّه خالق الأشياء. ولما اشتُهر خبره بأرض السَّماوة، وأنه قد التفَّ عليه جماعةٌ من أهل الغباوة، خرج إليه نائب حمص من جهة بني الأخشيذ وهو الأمير لؤلؤ - بّيَّض اللّه وجهه - فقاتله وشرَّد شمله، [وأسره] (٢) وسجنه دهرًا طويلًا، فَمَرضَ في السِّجْن، وأشرف على التَّلف، فاستحضره واستتابه، وكتب عليه كتابًا اعترف فيه ببطلان ما ادّعاه، وأنه قد تاب من ذلك ورجع إلى دين الإسلام، وأطلق سراحه، فكان بعد ذلك إذا ذكر بهذا يجحده إن أمكنه جحده، وإلا اعتذر منه واستحيا من ذلك، وقد شهره بلفظة (٣) تدلُّ على كذبه فيما كان ادَّعاه من الإفك والبهتان، وهي لفظة المتنبي، الدَّالة على الكذب، ولله الحمد. وقد قال بعضهم يهجوه: أيُّ فَضْلٍ لشاعرٍ يطلبُ الفَضْـ … ــلَ من النَّاسِ بُكْرةً وعَشِيَّا عاشَ حينًا يبيعُ في الكوفةِ الماءَ … وحينًا يبيعُ ماءَ المُحَيَّا وللمتنبي ديوان مشهور في الشعر، فيه أشعار رائقة ومعانٍ ليست بمسبوقة، بل مبتكرة سابقة، وهو في الشعراء المحدثين كامرئ القيس في الشعراء المتقدمين، وهو عندي بخط يده فيما ذكر من له خبرة بهذه الأشياء مع تقدُّم أمره. وقد ذكر أبو الفرج بن الجَوْزي في "منتظمه" قطعًا رائقة استحسنها من ديوانه، وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر شيخ إقليمه وحافظ زمانه، فما استملحه أستاذ الوعاظ الشيخ أبو الفرج بن الجوزي قول المتنبي: عزيزُ أسىً منْ داؤُه الحَدَقُ النُّجْلُ … عياءٌ بهِ ماتَ المُحبُّونَ منْ قَبْلُ فَمَنْ شاء فَلْيَنْظُرْ إليَّ فَمَنْظري … نذيرٌ إلى من ظنَّ أن الهوى سَهْلُ جَرَى حبُّها مَجْرَى دمي في مفاصِلي … فأصبحَ لي عن كُلِّ شُغْلٍ بها شُغْلُ ومنْ جسدي لم يَتْرُكِ السُّقْمُ شَعْرَةً … فما فوْقَها إِلَّا وفيه لهُ فِعْلُ

стр. 5694

كأنَّ رَقيبًا منكِ سَدَّ مسامعي … عن العَذْلِ حتى ليس يَدْخُلُها العَذْلُ كأنَّ سُهادَ الليل يَعْشقُ مُقْلتي … فبينهما في كلِّ هَجْرٍ لنا وَصْلُ (١) ومن ذلك قوله: كَشَفَتْ ثلاثَ ذوائبٍ من شَعْرِها … في ليلةٍ فَأَرَتْ لياليَ أربعا واسْتَقْبَلَتْ قَمَرَ السَّماءَ بوجهها … فَأَرَتْني القَمَرَيْنِ في وَقْتٍ معًا (٢) ومن ذلك قوله: ما نالَ أهْلُ الجاهليَّة كُلُّهُمْ … شِعْرِي ولا سَمِعَتْ بِسِحْري بابلُ وإذا أتَتْكَ مَذَمَّتي من ناقِصٍ … فَهِيَ الشَّهادةُ لي بأنِّي كاملُ (٣) منْ لي بفَهْمِ أُهَيْلِ عَصْرٍ يَدَّعي … أن يَحْسُبَ الهِنْديَّ منهم باقِلُ (٤) وله: ومنْ نَكَدِ الدُّنيا على الحُرِّ أن يرى … عَدُوًّا لهُ ما منْ صَدَاقتهِ بُدُّ (٥) وقوله: وإذا كانَتِ النُّفُوسُ كِبارًا … تَعِبَتْ في مُرَادها الأجْسَامُ (٦) وقوله: ومنْ صَحِبَ الدُّنْيا طويلًا تَقَلَّبَتْ … على عَيْنِهِ حتى يَرَى صِدْقَها كِذْبا (٧) وله: خُذْ ما تراهُ وَدَعْ شيئًا سَمِعْتَ بهِ … في طَلْعَةِ الشَّمْسِ ما يُغنيكَ عن زُحَلٍ (٨) وله في مدح بعض الملوك الذين كان يستمنح منهم العطاء:

стр. 5695

تَمْضي المواكبُ (١) والأبصارُ شَاخِصَةٌ … منها إلى الملكِ المَيْمُونِ طَائِرُهُ قد حِزْنَ في بَشَرٍ في تاجه قمرٌ … في دِرْعِهِ أَسَدٌ تَدْمَى أظَافِرُهُ حُلْوٌ خلائِقُهُ شُوْسٌ حَقَائِقُهُ … تُحْصَى الحَصَى قَبْلَ أنْ تُحْصَى مآثِرُه (٢) ومنها قوله: يا منْ ألُوذُ به فيما أُؤَمِّلُهُ … ومنْ أعوذُ بهِ مِمَّا أُحاذِرُهُ لا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أنتَ كاسِرُهُ … ولا يَهِيْضونَ عَظْمًا أنتَ جابِرُهُ (٣) وقد بلغني عن شيخنا العلامة أبي العباس ابن تيمية ﵀ أنه كان ينكر على المتنبي هذه المبالغة ويقول: إنما يصلح هذا لجناب الله . وأخبرني العلامة شمس الدين بن القَيِّم أنه سمع الشيخ يقول: ربما قلت هذين البيتين في السجود. ومما أورده الحافظ أبو القاسم ابن عساكر من شعر المتنبي في ترجمته قوله: أبعينِ مُفْتَقرٍ إليكَ رأيتني … فهجرتني وقَذَفْتني من حَالقِ لستَ الملومَ أنا الملومُ لأنَّني … أنْزَلْتُ حاجاتي بغيرِ الخَالِق (٤) قال القاضي ابن خَلِّكان: وهذان البيتان ليسا في ديوانه، وقد رواهما الحافظ الكِنْدي إليه بسندٍ صحيح. ومن ذلك قوله: إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُوم … فلا تَقْنعْ بما دونَ النُّجومِ فَطَعْمُ المَوْتِ في أمرٍ حقيرٍ (٥) … كَطَعْمِ الموتِ في أمرٍ عَظِيْمِ (٦) قوله: وما أنا بالبَاغي على الحُبِّ رِشْوةً … قبيحٌ (٧) هَوًى يُرجى (٨) عليه ثَوَابُ

стр. 5696

إذا نِلْتُ منْكَ الوُدَّ فالمالُ هَينٌ … وكُلُّ الذي فوقَ التُّراب تُرَابُ (١) وقد تقدَّم أنه ولد بالكوفة سنة ست وثلاثمئة، وأنه قتل في رمضان سنة أربعٍ وخمسين وثلاثمئة. قال ابن خَلِّكان: وقد فارق سيفَ الدولة بن حمدان سنة ستٍّ وأربعين لما كان من ابن خالويه [إليه] (٢) ما كان من ضربه إياه بمفتاح في وجهه فأدماه، فصار إلى مصر، فامتدح كافورًا الإخشيذي، وأقام عنده أربع سنين، وكان المتنبي يركب في جماعةٍ من مماليكه فتوهَّم منه كافور، فجفاه، فخاف منه المتنبي فهرب منه، فأرسل في أثره فأعجزه، فقيل لكافور: ما قيمة هذا حتى تتوهَّم منه؟ فقال: هذا رجل أراد أن يكون نبيًا بعد محمد ﷺ ، أفلا يروم أن يكون ملكًا بديار مصر؟ ثم سار المتنبي إلى عضد الدولة، فامتدحه، فأعطاه كثيرًا، ثم عاد من عنده، فعرض له فاتك بن أبي الجهل الأسدي، فقتله وابنه مُحسَّد وغلامه مفلح يوم الأربعاء لستٍّ بقين وقيل: لليلتين بقيتا من رمضان، وقيل: يوم الإثنين لثمان، وقيل: لخمس بقين منه، وذلك بسواد بغداد، وقد رثاه الشعراء، وقد شرح ديوانهُ العلماء بالشعر نحوًا من ستين شرحًا بين وجيزٍ وبسيط (٣). وممن توفي في هذه السنة من الأعيان أيضًا: أبو حاتم البُسْتي (٤) ابن حِبَّان: صاحب "الصحيح". محمد بن حبَّان بن أحمد بن حِبَّان بن مُعاذ بن مَعْبَد، أبو حاتم، البُسْتي صاحب "الأنواع والتَّقاسيم"، وأحد الحفاظ الكبار المصنِّفين المجتهدين. رحل إلى البُلْدان، وسمع الكثير من المشايخ، ثم ولي قضاء بلده، ومات بها في هذه السنة. وقد حاول بعضهم الكلام [عليه] (٥) من جهة معتقده ونسبة إلى أنَّ النبوة مكتسبة، وهي نزعة فلسفية، واللّه أعلم بصحتها عنه، وقد ذكرته في "طبقات الشافعية".

стр. 5697

محمد بن الحسن (١) بن يعقوب (٢) بن الحسن بن الحسين بن مِقْسم: أبو بكر بن مِقْسم العطَّار المقرئ. ولد سنة خمس وستين ومئتين، وسمع الكثير، وروى عنه الدَّارقُطْني وغيره، وكان من أعرف النَّاس بالقراءات، وله كتاب في النحو على طريقة الكوفيين، سماه "كتاب الأنوار". قال ابن الجوزي: ما رأيتُ مثله، وله تصانيف أُخَر، ولكن تكلَّم الناسُ فيه بسبب تفرُّده بقراءاتٍ لا تجوز عند الجميع، وكان يذهب إلى أن كل ما لا يخالف الرَّسْم ويسوغ من حيث المعنى واللفظ يصح القراءة بها كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]، أي يتناجون. قال: لو قرئ "نُجَباء" من النَّجابة لكان قويًا. وقد ادُّعِيَ عليه، وكُتِبَ عليه مكتوب أنه قد رجع عن مثل ذلك، ومع هذا لم ينته عما كان يذهب إليه حتى مات، قاله ابن الجَوْزي (٣). محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عَبْدَويه (٤) بن موسى: أبو بكر، الشَّافعي. ولد بِجَبُّل (٥) سنة ستين ومئتين، وسمع الكثير، وسكن بغداد، وكان ثِقَة ثَبْتًا كثير الرواية، سمع منه الدَّارَقُطْني وغيره من الحُفَّاظ، وكان يحدِّث بفضائل الصحابة - حين منعت الدَّيْلم من ذلك - جهرةً في الجامع بمدينة المنصور مخالفةً لهم، وكذلك في مسجده بباب الشَّام، وتوفي في هذه السنة عن أربعٍ وتسعين سنة، ﵀. ثم دخلت سنة خمس وخمسين وثلاثمئة في عاشر المحرَّم عملت الروافض ببغداد بدعتهم الشَّنْعاء، وفتنتهم الصَّلْعاء. وفيه أخذت القرامطة الهجريون عُمان. وفيها قصدت الرُّوم آمِد، فحاصروها فلم يقدروا عليها، ولكن قتلوا من أهلها ثلاثمئة، وأسروا منهم أربعمئة، ثم ساروا إلى نَصيبين وفيها سيف الدولة، فهمَّ بالهرب مع العرب، ثم تأخر مجيء الرُّوم، فثبت مكانه وقد كادوا يزيلون أركانه.

стр. 5698

وفيها وردت طائفة من جيشِ خُرَاسان - في بضعة عشر ألفًا - يُظْهرون أنهم يريدون غزو الروم، فأكرمهم ركنُ الدَّولة بن بُوَيه وأمنوا إليهم، فنهضوا إليهم ليأخذوا الدَّيْلَم على غِرَّة، فقاتلهم ركن الدولة فظفر بهم، لأن البغي مصرعة، وهرب أكثرهم. وفيها خرج معز الدولة من بغداد إلى واسط لقتال عمران بن شاهين حتى تفاقم الحال بأمره، واشتُهر في تلك النواحي صيت ذكره، فقوي المرض بمعز الدولة، فاستناب على الحرب، ورجع إلى بغداد، فكانت وفاته في السنة الآتية كما سنذكره إن شاء اللّه تعالى. وفيها قوي أمر أبي عبد اللّه الدَّاعي ببلاد الدَّيْلم وأظهر النُّسُك والعبادة، ولبس الصوف، وكتب إلى الآفاق حتى إلى بغداد يدعو إلى الجهاد. وفيها تمَّ الفداء بين سيف الدولة وبين الروم، فاستنقذ منهم أسارى كثيرة، منهم ابن عمه أبو فراس بن سعيد بن حمدان، وأبو الهيثم بن حصن القاضي، وذلك في رجب منها. وفي جُمادى الآخرة نودي برفع المواريث الحَشْرية (١) وأن تردَّ إلى ذوي الأرحام. وفيها ابتدأ معز الدولة بن بُوَيه في بناء مارَسْتَان، وأرصد له أوقافًا جزيلة. وفيها قطعت بنو سُلَيم السَّابلة (٢) على الحجيج من أهل الشَّام ومصر والمغرب، وأخذوا منهم عشرين ألف بعير بأحمالها، وكان عليها من الأموال والأمتعة ما لا يقوَّم كثرةً، وكان لرجل يقال له ابن الخواتيمي قاضي طَرَسُوس مئة ألف دينار وعشرون ألف دينار عينًا، وذلك أنه أراد التحول من بلاد الشَّام إلى العراق بعد الحج، وكذلك وقع لكثير من النَّاس، وحين أخذت الجمال تركوهم على برد الدِّيار لا شيء لهم، فَقَلَّ منهم من سَلِمَ وما أكثر من عطب، فإنا للّه وإنا إليه راجعون. وحجَّ بالناس في هذه السنة الشريف أبو أحمد نقيب الطالبيِّين من ناحية العراق. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسين (٣) بن داود (٤) بن علي [بن عيسى] (٥) محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو عبد اللّه، العلوي الحسني.

стр. 5699

قال الحاكم أبو عبد الله النَّيْسابوري: كان شيخ آل رسول اللّه ﷺ في عصره بخُرَاسان، وسيد العلوية في زمانه، وكان [من] أكثر الناس صلاة وصدقة ومحبةً للصحابة، صحبته مدة فما سمعته ذكر عثمان إِلَّا قال: الشهيد، وبكى، وما سمعته ذكر عائشة إِلَّا قال: الصدِّيقة بنت الصِّديق، حبيبة حبيب اللّه. وبكى. وقد سمع الحديث من ابن خُزيمة وطبقته، وكان آباؤه بخراسان وفي سائر بلدانهم [سادات] (١) نجباء حيث كانوا: منَ البيتِ الرَّسُول (٢) الله منْهم (٣) … لَهمْ دانتْ رِقَابُ بني مَعَدِّ محمد بن الحسين بن علي بن الحسن (٤) بن يحيى بن حَسَّان بن الوضَّاح، أبو عبد اللّه، الأنْباري، الشَّاعر المعروف بالوضَّاحي. كان يذكر أنه سمع الحديث من المَحَاملي، [وابن مَخْلَد] (٥) وأبي روق. روى عنه الحاكم أبو عبد الله شيئًا من شعره، وكان أشعر منْ في وقته، ومن شعره (٦): سَقَى اللّه بابَ الكَرْخِ رَبْعًا ومنزلًا … ومنْ حَلَّهُ صَوْبَ السَّحَابِ المُجَلْجِل (٧) فلو أنَّ باكي دِمْنةِ الدَّار باللِّوى … وجارتها أُمَّ الرَّبابِ بمأْسَلِ رأى عَرَصَاتِ الكَرْخِ أو حلَّ أرضَهَا … لأمسكَ عن ذِكْرِ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ أبو بكر بن الجِعابي (٨) محمد بن عمر بن محمد بن سَالم بن البراء بن سبرة بن سَيَّار، أبو بكر بن الجِعابي، قاضي المَوْصِل. ولد في صفر سنة أربع وثمانين ومئتين. سمع الكثير، وتخرَّج بأبي العبَّاس بن عُقْدة، وأخذ عنه

стр. 5700

علم الحديث وشيئًا من التشيع أيضًا، وكان حافظًا مكثرًا مطيقًا، يقال: إنه كان يحفظ أربعمئة ألف حديث بأسانيدها ومتونها، ويذاكر بستمئة ألف حديث، ويحفظ من المراسيل والمقاطيع والحكايات قريبًا من ذلك، ويحفظ أسماء الرجال وجرحهم وتعديلهم، وأوقات وَفَياتهم ومذاهبهم، حتى تقدَّم على أهل زمانه، وفاق على سائر أقرانه. وكان يجلس للإملاء فيزدحم الناس عند منزله، وإنما كان يملي من حفظه إسناد الحديث ومتنه محرَّرًا جيدًا صحيحًا، وقد نُسبَ إلى التشيع كأستاذه ابن عُقْدة، وكان يسكن بباب البصرة عندهم، وقد سئل الدارقطني عنه، فقال: خلَّط. وقال أبو بكر البَرْقاني: كان صاحب غرائب، ومذهبه معروف في التشيع، وقد حكي عنه قلة دين وشرب خمر، فاللّه أعلم. ولما احتُضر أوصى أن تحرق كتبه فحرقت، وحرق معها كتبُ كثيرٍ من الناس كانت عنده، فبئس ما عمل، وحين أخرج بجنازته كانت سُكينة - نائحة الرافضة - تنوح عليه في جنازته. ترجمة الدُّمَسْتَق (١) ملك الأرمن، واسمه النقفور الذي توفي سنة ثنتين [وقيل: خمس] (٢)، وقيل: ست وخمسين وثلاثمئة. كان هذا الملعون من أغلظ الملوك قلبًا، وأشدهم كفرًا، وأقواهم بأسًا، وأحدِّهم شوكةً، وأكثرهم قتالًا للمسلمين في زمانه، استحوذ في أيامه - لعنه اللّه - على كثيرٍ من السواحل أو أكثرها، وانتزعها من أيدي المسلمين قسرًا، واستمرت في يده قهرًا، وأضيفت إلى مملكة الروم قدرًا؛ وذلك لتقصير أهل ذلك الزمان، وظهور البدع الشنيعة فيهم وكثرة العصيان. وقد ورد حلب في مئتي ألف مقاتل بغتة في سنة إحدى وخمسين، وجال فيه جولة، ففرَّ من بين يديه صاحبها سيف الدولة، ففتحها اللعين عَنْوةً، وقتل من أهلها من الرجال والنساء ما لا يعلمه إِلَّا اللّه، وخرَّب دار سيف الدولة التي كانت ظاهر حلب، وأخذ أموالها وحواصلها وعُدَدها، وبدَّد شملها (٣)، وفرَّق عددها، واستفحل جدًّا أمر الملعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وبالغ في الاجتهاد في قتال الإسلام وأهله، وجدَّ في التشمير، فالحكم للّه العلي الكبير. وقد كان - لعنه اللّه - لا يدخل بلدة إِلَّا قتل المقاتلة وبقية الرِّجال، وسبى النِّساء والأطفال، وجعل جامعها اصطبلًا لخيوله، وكسر منبرها، وأسكتَ مؤذنيها بخيله ورَجْله وطبوله، ولم يزل ذلك من دأبه وديدنه حتى سلَّط اللّه عليه زوجته، فقتلته بجواريها في وسط مسكنه، وأراح اللّه منه الإسلام وأهله،

стр. 5701

وأزاح عنهم قَتَام ذلك الغمام، ومزَّق شمله، فلله النعمة والإفضال، والحمد للّه على كلِّ حال. واتفق في سنة وفاته موتُ صاحب القُسْطنطينية، فتكاملت المسرَّات وحصلت الأمنيَّة، فالحمد للّه الذي بنعمته تتمُّ الصَّالحات وتذهب السيئات، وبرحمته تغفر الزَّلَّات. والمقصود أن هذا اللعين - أعني النقفور الملقب بالدُّمَسْتَق ملك الأرمن - كان قد أرسل قصيدة إلى الخليفة المطيع للّه، نظمها له بعض كُتَّابه ممن كان الله قد خذله وأذلَّه، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غِشاوة، وصرفه عن الإسلام وأصله. يفتخر فيها لهذا اللعين، ويتعرَّض لسبِّ الإسلام والمسلمين، ويتوعَّد فيها أهل حوزة الإسلام بأنه سيملكها كلها حتى الحرمين الشريفين، عما قريبٍ من الأعوام، وهو أقل وأذل وأخسُّ وأضلُّ من الأنعام، ويزعم أنه ينتصر لدين المسيح ﵇ ابن البتول. وربما تعرَّض فيها بجناب الرسول عليه من ربه التحية والإكرام، ودوام الصَّلاة مدى الأيام. ولم يبلغني عن أحدٍ من أهل ذلك العصر أنه ردَّ عليه جوابه (١)، وربما أنها لم تشتهر، أو أنهم رأوا أنه أقل من أن يردُّوا خطابه، لأنه كالمعاند الجاحد، ونفس ناظمها تدلُّ على أنه شيطان مارد، وقد انتخى للجواب عنها فيما بعد ذلك أبو محمد بن حَزْم الظَّاهري، فأفاد وأجاد، وأجاب عن كل فصل باطلٍ بالصواب والسَّداد، فبلَّ الله بالرحمة ثراه، وجعل الجنة منقلبه ومثواه (٢). وها أنا أذكر القصيدة الأرمنية الملعونة المخذولة، وأتبعها بالفريدة الإسلامية المنصورة الميمونة. قال المرتد الكافر الأرمني على لسان ملكه لعنهما الله وأهل مِلَّتهم أجمعين أكْتَعين أبصعين، آمين يا ربَّ العالمين. ومن خطِّ ابنِ عساكر نقلتها، وقد كتبوها من كتاب "صِلة الصِّلة" للفَرْغاني (٣): منَ المَلِكِ الطُّهْرِ المسيحيِّ مَألُكٌ (٤) … إلى خَلَفِ الأمْلاكِ من آلِ هاشمِ إلى الملكِ الفَضْلِ المُطيعِ أخي العُلا … ومَنْ يُرْتجى للمُعْضلاتِ العَظائمِ أمَا سَمِعَتْ أُذناك ما أنا صانع … بلى فعداك الوَهْنُ عنْ فعل حازم فإنْ تكُ عمَّا قد تقلَّدتَ نائمًا … فإنِّي عمَّا هَمَّني غيرُ نائمِ

стр. 5702

ثغورُكمُ لم يبقَ فيها لوَهْنكمْ … وضعْفِكُمُ إلَّا رُسُومُ المَعالِمِ فَتَحْنا الثُّغُورَ الأرمَنيَّةَ كُلَّها … بفتيانِ صِدْقٍ كاللُّيوثِ الضَّرَاغِمِ ونحنُ جَلَبْنا الخيلَ تَعْلُكُ لُجْمَها … ويبلغُ منها قَضْمُها بالشَّكائمِ إلى كلِّ ثَغْر بالجزيرةِ آهلٍ … إلى جُنْدِ قِنَّسْريْنِكُمْ فالعَوَاصمِ مَلَطيَةْ مَعَ سْمَيْساطَ من بَعْدِ كَرْكَرٍ … وفي البَحْرِ أضعافُ الفتوحِ النَّواجمِ وبالحَدَث الحمراءَ جالتْ عساكري … وكيْسوم بعد الجَعْفري (١) المعالمِ وكمْ قد أدَلْنا من أعزَّة أهْلِها … فصاروا لنا منْ بينِ عَبْدٍ وخادِمِ وسدّ سَرُوج إذ خَرَبْنا بجمعنا … لمئذنةٍ تعلو على كلِّ قائمِ (٢) وأهلُ الرُّها لاذوا بنا وتحزَّموا … بمنديلِ مولىً جلَّ عن وَصْفِ آدمي وصَبَّحَ رأسَ العينِ منَّا بطارقٌ (٣) … ببيضٍ غدَوْناها بضَرْبِ الجماجمِ ودارا ومَيَّافارِقين وأرْزَنًا (٤) … صَبَحْناهُمُ بالخيلِ مِثْلِ الملاغمِ (٥) وإقْريطشٍ جُرَّتْ إليها مراكبي … على ظَهْرِ بَحْر مُزْبدٍ مُتَلاطمِ فحزْتُهُمُ أسرى وسيْقَتْ نساؤهم … ذواتِ الشُّعورِ المسْبَلاتِ الفواحمِ هناكَ فَتَحْنا عينَ زَرْبَةَ عَنْوةً … نَعَمْ وأَبَدْنا كلَّ طاغٍ وظالمِ إلى حلبٍ حتى استَبْحنا حريمها … وهدَّمَ منها سورَها كلُّ هادمِ أخذنا النِّسا ثُمَّ البناتِ نسوقُهُمْ … وصبيانهمْ مِثْلُ المماليكِ خادمِ (٦) وقد فَرَّ عنها سيفُ دَوْلَةِ دينكُمْ … وناصِرُها منَّا على رَغْمِ راغِمِ ومِلْنا على طَرْسوسَ ميلة هائلٍ … أذَقْنا لمنْ فيها كحزِّ الحلاقِمِ فكمْ ذاتِ عزٍّ حُرَّةٍ عَلَويَّةٍ … منعَّمَةِ الأطْرافِ رَيَّا المَعاصمِ سَبَيْنا فسُقْنا خاضعاتٍ حَواسرًا … بغيرِ مُهورٍ لا ولا حُكْمِ حاكمِ

стр. 5703

وكمْ من قتيلٍ قد تَرَكْنا مُجنْدلًا … يَصُبُّ دمًا بين اللَّها واللَّهازِمِ (١) وكمْ وَقْعةٍ في الدَّرْبِ أفْنَتْ كُماتَكُمْ … وسُقْناهُمُ قَسْرًا كسَوْقِ البَهائمِ ومِلْنا على أرتاحِكُمْ وحريمُها … مُدوَّخةٌ تحتَ العَجَاجِ السَّواهمِ فَأَهْوتْ أعاليها وبُدِّلَ رَسمُها … من الأُنْسِ وَحْشًا بعد بيضٍ نواعِمِ إذا صاحَ فيها البُومُ جاوبَهُ الصَّدى … وأتبَعَهُ في الرَّبْعِ نَوْحُ الحمائمِ وأنْطَاكُ لم تَبْعُدْ عليَّ وإنني … سأَفْتَحُها يومًا بِهَتْكِ المَحَارِمِ وَمَسْكنُ آبائي دِمَشْقُ فإنني … سأُرْجِعُ فيها مُلْكَنا تحتَ خاتمي ومِصْرٌ سَأَفْتَحها (٢) بسيفيَ عَنْوةً … وآخذُ أموالًا بها لبهائمي وأجْزيَ كافورًا بما يَسْتَحِقُّهُ … بِمُشْطٍ ومِقْراضٍ وقصِّ مَحاجِمِ ألا شَمِّروا يا أهلَ حَرَّان شمِّروا … أتَتْكُمْ جيوشُ الرُّومِ مِثْلَ الغَمَائمِ فإنْ تهربُوا تَنْجُوا كِرامًا وتسلموا … من الملِكِ الصَّادي بقتلِ المسالمِ هناك نصيبينَ ومَوْصِلها إلى … جزيرة آبائي ومُلكِ الأقادمِ سأَفْتحُ سامَرَّا وكُوثى وعُكْبَرا … وتَكريتها مَعْ مارِدين العواصِمِ (٣) وأقتلُ أهليها الرِّجالَ بأَسرهم … وأغنمُ أموالًا بها لكتائِم (٤) ألا شَمِّروا يا أهلَ بغدادَ وَيْلَكُمُ … فكلُّكُمُ مَسْتَضْعفٌ غيرُ رائمِ رَضِيْتُمْ بِحُكْمِ الدَّيْلمي خليفةً … فَصِرْتُمْ عبيدًا للعبيدِ الدَّيالمِ ويا قاطني الرَّملاتِ وَيْلَكُمُ ارجعوا … إلى أرضِ صنعاء وأرضِ التهائمِ وعُودوا إلى أرضِ الحجازِ أذِلَّةً … وخلُّوا بلادَ الرُّومِ أهلِ المكارِمِ سأُلْقي جيوشي نحو بغدادَ سائرًا … إلى بابِ طاقٍ حيثُ دارُ القُمَاقمِ وأُحْرِقُ أعلاها وأَهْدمُ سُورها … وأسْبي ذراريها على رَغْمٍ راغِمِ وأُحرزُ أموالًا بها وأسرّةً … وأقتلُ منْ فيها بسيفِ النَّقائمِ وأَسْري بجيشي نحو أهوازَ مُسْرعًا … لإحراز دِيْباجٍ وخَزِّ السواسمِ وأُشْعِلُها نَهْبًا وأخربْ (٥) قصورَها … وأسبيَ ذراريها كفِعْلِ الأقادِمِ

стр. 5704

ومنها إلى شِيْرازَ والرَّيِّ فاعْلَموا … خُرَاسانُ قَصْري والجيوشُ بحارمِ إلى شاسِ بَلْخٍ بعدها وخَواتِها … وفَرْغانةٍ معْ مَرْوها والمخارِمِ فسابورَ أخْرِبْها (١) وأهدمُ حِصْنها … وأُوردها يومًا كيومِ السَّمائم وكَرْمانَ لا أنسى سِجْستانَ كلّها … وكابُلَها النَّائي ومَلْكِ الأعاجمِ من المشرق الأقصى إلى الغرب أنثني … إلى قيروان الأرض عُرْب الكتائم (٢) أسيرُ بجُنْدي نحو بَصْرتها التي … لها بَحْرُ عاجٍ رائعٍ متلاومِ إلى واسطٍ وَسْطَ العراقِ وكوفةٍ … بما كان يومًا جدِّنا ذو العَزَائمِ وأُسرعُ منها نحوَ مكَّةً سائرًا … أجرُّ جيوشًا كاللَّيالي السَّواجمِ فأملِكُها دهرًا غريدًا مُسلَّمًا … أقيمُ بها للحقِّ كرسيَّ عالمِ وأحويَ نَجْدًا كلَّها وتِهامها … وسَرْواتها من مَذْحجٍ وقحاطمِ وأغْزُو يَمانًا كلَّها وزَبيدَها … وصَنْعاءها مَعْ صَعْدَةٍ واللعائم إلى حَضْرَموتٍ سَهْلها وجبالها … إلى هُجَرٍ أحسائها والتَّهائم (٣) فأتركها أيضًا يبابًا بلاقِعًا … خلاءً من الأهْلينَ أرضَ نعائمِ وأحويَ أموالَ اليمانينَ كلَّها … وما جمعَ القِرْماطُ يوم محارمِ أعودُ إلى القُدْسِ التي شَرُفَتْ لنا … بعزٍّ مكينٍ ثابتِ الأصلِ قائمِ وأعلو سريري للسُّجودِ فتنثني … ملوكُ بني حوّا بحمل الدَّراهم (٤) هنالكَ تخلو الأرضُ من كل مُسْلمٍ … لكلِّ نقيِّ الدِّينِ أغلفَ ناعمِ نُصِرْنا عليكم حين جارَ وُلاتكُمْ … وأعْلَنْتُمُ بالمُنْكرَاتِ العَظَائمِ قضاتُكُمُ باعوا القَضَاء بدينهمْ … كبيعِ ابن يعقوبٍ ببَخْسِ الدَّرَاهمِ عَدُوٌّ لكمْ بالزُّورِ يَشْهدُ كلهم … وبالبَزِّ والبَرْطيلِ مَعْ كلِّ قائمِ سَأَفْتَحُ أرْض اللّهِ شَرْقًا ومَغْربًا … وأنشُرُ دين الصَّلْب نشر الغمائمِ فعيسى علا فوقَ السَّمواتِ عَرْشُهُ … ففاز الذي والاهُ يومَ الخصائمِ وصاحبكمْ بالتُّرب أوْدَى بهِ الثَّرى … فصارَ رُفاتًا بينَ تلكَ الرَّمائمِ

стр. 5705

تناوَلْتُمُ أصحابَهُ بعدَ مَوْتِهِ … بسبٍّ وقَذْفٍ وانتهاكِ محارِم (١) هذا آخرها لعن اللّه ناظمها وأسكنه النار ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥٢] يوم يدعو ناظمها ثبورًا ويصلى سعيرًا ويباشر ذلًّا طويلًا ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]. وهذا جوابها لأبي محمد بن حَزْم الظَّاهري الأندلسي، قالها ارتجالًا حين بلغته غضبًا لله ولرسوله كما شاهدَه من رآه، فرحمه اللّه وأكرم مثواه، وغفر له زلله وخطاياه. مِن المُحْتمي للّه رَبِّ العَوَالمِ … ودينِ رسولِ اللّه من آل هاشمِ محمدٍ الهادي إلى اللّه بالتُّقى … وبالرُّشْدِ والإسلِام أفضلِ قائمِ عليه من اللّه السَّلامُ مرَدَّدًا … إلى أن يُوافي البعثَ كلُّ العوالِمِ إلى قائل بالإفكِ جَهلًا وضِلَّةً … عنِ النِّقفُورِ المنتزي (٢) في الأعاجمِ دَعَوْتَ إمامًا ليسَ من أمر آله … بكفَّيْهِ إِلَّا كالرُّسومِ الطَّوَالسِمِ دَهَتْهُ الدَّوَاهي في خِلافتِهِ كما … دَهَتْ قَبْلَهُ الأملاكَ دُهْمُ الدَّوَاهِمِ ولا عَجَبٌ من نَكْبَةٍ أو مُلِمَّةٍ … تُصيبُ الكريمَ الحرَّ وابنَ الأكارمِ ولو أنَّهُ في حال ماضي جُدودِهِ … لَجُزَعْتُمُ منهُ سِمَامَ الأراقمِ عسى عَطْفةٌ للّه في أهلِ دينهِ … تُجدِّدُ منهم دارساتِ المعالمِ فَخَرْتُمْ بما لو أنَّ فيكم يُريكمُ … حقائقَ حكمِ اللّه أحكمِ حاكم إذن لَعَرَتْكُمْ خَجْلةٌ عندَ ذكرهِ … وأُخْرِسَ منكم كلُّ فاهٍ مُخَاصمِ سَلَبْناكُمُ كَرًّا ففُزْتُمْ ببرَّةٍ … من الكرِّ أفعالِ الضِّعافِ العزائمِ فَطِرْتُمْ سُرورًا عند ذاك ونَخْوةً … كفِعْلِ المَهينِ النَاقصِ المتعاظم وما ذاك إلَّا في تضاعيفِ غَفْلةٍ … عَرَتْنا وصَرْفُ الدَّهْر جمُّ الملاحِمِ ولمَّا تَنَازَعْنا الأُمورَ تخاذُلًا … ودانَتْ لأهلِ الجهلِ دولةُ ظالمِ وقد شَعَلَتْ فينا الخلائفُ فِتْنةً … لعُبْدانهم مَعْ تُرْكهمْ والدَّيالمِ بكُفْرِ أياديهم وجَحْدِ حُقُوقهم … بمن رفَعُوهُ من حضِيْضِ البَهائمِ

стр. 5706

وَثَبْتُمْ على أطرافنا عندَ ذاكُمُ … وثُوبَ لُصوصٍ عندَ غَفْلةِ نائمِ ألم تنتصر منكم على ضَعْفِ حالها … صِقِلِّيةٌ في بَحْرِها المُتَلاطِمِ ألم تَنتَزِعْ منكم بأيْدٍ وقُوَّةٍ … جميعَ بلادِ الشَامِ ضَرْبةَ لازمِ ومِصْرَ وأرض القَيْرَوانِ بأسرها … وأنْدَلُسّاَ قًسْرًا بضَرْبِ الجماجِمِ أحلَّتْ بقسْطنطينة كل نكبةٍ … وسامتكم سوء العذاب الملازِمِ مشاهدُ تَقْدِيساتِكُمْ وبيوتُها … لنا وبأيدينا على رَغْمِ راغِمِ أما بيتُ لَحْمٍ والقُمامةُ بعدَها … بأيدي رجالِ المسلمينَ الأعاظمِ وكُرْسيُّكم في أرضِ إسْكَنْدريَّةٍ … وكُرسيُّكُمْ في القُدْسِ في أورشالِمِ ضمَمْناهُمُ قَسْرًا بِرَغْمِ أنوفكم … كما ضَمَّت السَّاقَيْن سُودُ الأداهِمِ وكُرْسيُّ أنطاكيةٍ كان بُرْهةً … ودهرًا بأيدينا وبذل الملاغمِ فليس سوى كرسيِّ رومةَ فيكُمُ … وكرسي قُسْطنطينةٍ في المقادمِ ولا بُدَّ من عَوْدِ الجميعِ بأسْرِهِ … إلينا بعز قاهرٍ مُتعاظِمِ أليسَ يَزيدٌ حَلَّ وَسْطَ ديارِكُمْ … على بابِ قُسْطنطينةٍ بالصَّوارمِ ومَسْلمةٌ قد داسَها بعد ذاكُمُ … بجيشٍ لَهامٍ كاللُّيوث الضرَاغمِ وأخْدَمكُمْ بالذُّلِّ مَسْجدنا الذي … بُني فيكُمُ في عَصْرِهِ المُتَقادِمِ إلى جَنْبِ قَصْرِ المُلْك من دارِ مُلْككُمْ … ألا هذه حقًّا صَريْمةُ صارِمِ وأدَّى لهارونَ الرَّشِيْدِ مَلِيْكُكُمْ … إتاوةَ مَغْلوبٍ وجِزْيَةَ غَارِمِ سَلَبْناكُمُ مَسْرَى شُهُورٍ بقوَّةٍ … حَبَانا بها الرَّحمنُ أرْحمُ راحمِ إلى سبت (١) يعقوبٍ وأريافِ دُومةٍ … إلى لُجَّةِ البَحْرِ البعيدِ المَحَارمِ فَهَلْ سِرْتُمُ في أرضنا قطُ جُمْعةً … أبى اللّهُ ذاكُمْ يا بقايا الهَزَائِمِ فما لكُمُ إِلَّا الأمانيُّ وحدَها … بضائعُ نَوْكى تلكَ أحلامُ نائمِ رُويدًا يَعُدْ نحوَ الخلافةِ نورُها … يُسْفَرُ مُغَبرُّ الوجوهِ السَّواهمِ وحينئذٍ تَدْرُونَ كيفَ فرارُكُمْ … ذا صَدَمَتْكُمْ خَيْلُ جَيْشٍ مُصادِمِ على سَالِفِ العاداتِ منَّا ومنكُمُ … لياليَ أنتمْ في عِدادِ الغَنائمِ سَبَيْتُمْ سبايا يَحصُرُ العَدُّ دونَها … وسَبْيُكُمُ فينا كقَطْرِ الغَمائِم فلو رامَ خَلْقٌ عدَّها رامَ مُعْجزًا … وأنَى بتَعْدادٍ لريشِ الحمائمِ بأبناءَ حمدانٍ وكافورَ صُلْتُمُ … أراذلَ أنجاسٍ قِصارِ المعاصمِ

стр. 5707

دعيٌّ وحَجَّامٌ سَطَوْتُمْ عليهما … وما قَدْرُ مَصَّاصٍ دماءَ المَحاجِمِ فهلا على دميانةٍ قبلَ ذاك أو … على ثملٍ أو يا زمان الضراغمِ (١) لياليَ قادوكُمْ كما اقتادَ جازِرٌ … حلائبَ أتْياسٍ لحَزِّ الحلاقِمِ وساقوا على رِسْلٍ بناتِ مُلُوككم … سبايا كما سِيْقَتْ ظِباءُ الصَّرَائمِ ولكنْ سَلُوا عنا هِرَقْلًا ومنْ خلا … لَكُمْ من ملوكِ مُكْرَمينَ قُماقِمِ يُخَبِّرْكُمُ عنَّا المُتَوَّجُ منكُمُ … وَقَيْصرُكُم عن سَبْينا للكرائمِ وعَمَّا فَتَحْنا من مَنِيْع بلادِكُمْ … وعَمَّا أقَمْنا فيكُمُ من مآتمِ وَدَعْ كُلَّ نذلٍ مُنْتَزٍ لا تَعُدُّهُ … إمامًا ولا من مُحْكماتِ الدعائمِ فَهَيْهاتَ سامَرَّا وَتَكْريتَ منْكُمُ … إلى جبلٍ تِلْكُمْ أمانيُّ هائِمِ مُنىً يَتَمنَّاها الضَّعيفُ ودونَها … تطايرُ هاماتٍ وحزُّ الغَلاصِمِ ومن دون بغدادٍ سيوفٌ حَدِيدةٌ … مسيرةَ شَهْرٍ للفَنيق القَوَاصِمِ مَحَلَّةُ أهْلِ الزُّهْدِ والخيرِ والتُّقى … ومَنْزلةٌ يَحْتَلُّها كلُّ عالِم دَعُوا الرَّمْلة المنياء عنكمْ فَدُونها … من المسلمين الصِّيْدِ كلُّ ضبارمِ (٢) ودونَ دمشقِ جَمْعُ جيشٍ كأنَّه … سحائبُ طَيْرٍ تَنْتَحي بالقَوَادِمِ وضَرْبٌ يُلَقِّي الكُفْرَ كلَّ مَذَلَّةٍ … كما ضَرَبَ السِّكِّيُّ بيضَ الدَّرَاهِمِ ومنْ دونِ أكنافِ الحِجاز جَحَافلٌ … كقَطْرِ الغُيوثِ الهاملاتِ السَّواجمِ بها من بني عَدْنانَ كلُّ سَمَيْدع … ومن حيٍّ قَحْطانٍ كرامُ العمائمِ [ولو قد لقيتمْ من قُضاعَةَ عُصْبةً … لقيتم ضَرامًا في يَبيسِ الهشائمِ] (٣) إذا صَبَّحُوكُمْ ذكَرُوكُمْ بما خلا … لهم معكم من مأزقٍ مُتْلاحمِ زمانَ يقودُونَ الصَّوائف نحوكمْ … فجئتمْ ضمانًا أنّكُم في الغنائمِ ستأتيكم منهمْ قريبًا عصائبٌ … تُنَسِّيكم تَذْكارَ أخذ العَواصِمِ وأموالُكُمْ نُحْلٌ لهم ودِماؤُكم … بها يَشْتفي حَرُّ النُّفوس الحوائمِ وأرْضُكُمُ حقًا سَيَقْتسمُونها … كما فَعَلُوا دَهْرًا بِعَدْلِ المُقَاسمِ ولو طَرَقَتْكُمْ من خُرَاسانَ عُصْبةٌ … وشيراز والرَّيِّ القلاعِ القوائمِ لما كان منْكُمْ عندَ ذلك غيرُ ما … عَهِدْنا لكم ذلٌّ وعَضُّ الأباهمِ

стр. 5708

فقد طالما زارُوكُمُ في دياركُمْ … مسيرةَ عام بالخيولِ الصَّلادم وأما سِجِسْتانٌ وكَرْمانُ والأُلى … بكابُلَ حَلُّوا في بلاد البَراهمِ إلى فارسٍ والسُّوس جيشٌ عَرَمْرَمٌ … وفي أصبهانٍ كلُّ أروعَ عازمِ فلو قد أتاكم جَمْعُهُمْ لغَدَوْتُمُ … فرائسَ كالآسادِ فوقَ البهائمِ وبالبَصْرة الزهْراء والكُوفةِ التي … مثهت ونادي واسطٍ فالكظائم (١) جموعٌ تُسامي الرَّمْلَ جمٌّ عديدُها … فما أحدٌ تنويه منها بسالمِ ومن دونِ بيتِ الله في مكَّةَ التي … حَبَاها بمجدٍ للثُّريَّا مُزاحمِ مَحَلُّ جميعِ الأرْضِ منها تيقنًا … مَحَلَّةُ سُفْلِ الخُفِّ من فَصِّ خاتمِ دِفاعٌ من الرحمنِ عنها بحقِّها … فما هوَ عنها كَرَّ طَرْفٍ برائمِ بها وقعَ الأُحْبُوشُ فيها وقَبْلَهُمْ … بِحَصْباءَ طَيْرٍ في ذُرَى الجوِّ حائمِ وجَمْعٍ كَجَمْعِ البَحْرِ ماضٍ عَرَمْرَمٍ … حَمَى سُرَّة البَطْحاءِ ذاتِ المحارمِ ومن دونَ قَبْرِ المُصْطفى وَسْطَ طِيْبةٍ … جموعٌ كمُسْودٍّ من اللَّيْلِ فاحمِ يقودُهُمُ جَيْشُ الملائكةِ العُلا … كِفاحًا ودفعًا عن مُصَلٍّ وصائمِ فلو قد لقيناكُمْ لعُدْتم رمائمًا … بمن في أعالي نَجْدنا والتَّهائمِ وباليَمَنِ المَمْنوعِ فِتْيانُ غارةٍ … إذا ما لَقُوكُمْ كُنْتُمُ كالمطاعِمِ وفي جهلتي أرْضِ اليمامةِ عُصْبةٌ … مغاورُ أنجادٍ طِوالُ البَرَاجمِ سَتُفْنيكُمُ والقِرْمطِيِّينَ دولةٌ … تعود لميمونِ النَّقِيبةِ حازمِ خليفةِ حقٍّ يَنْصُرُ الدِّينَ حُكْمُهُ … ولا يَتَّقي في اللّه لومةَ لائمِ إلى وَلَدِ العَبَّاسِ تُنْمى جُدُودُهُ … بِفَخْرٍ عميمٍ أو لِزُهْرِ العباشمِ مُلْوكٌ جَرَى بالنَّصْرِ طائرُ سَعْدِهمْ … فأهلًا بماضٍ منهُمُ وبقادِمِ مَحَلَّتُهُمْ في مَسْجدِ القُدْسِ أو لدى … منازِلِ بغدادٍ مَحلُّ المكارِمِ وإنْ كانَ من عُلْيا عَدِيٍّ وَتَيْمها … ومن أسَدٍ أهْلِ الصَّلاحِ الحضَارِمِ فأهْلًا وسَهْلًا ثم نُعْمى ومَرْحبًا … بهم من خِيارٍ سالفينَ أقادِمِ هُمُ نَصَرُوا الإسلامَ نَصْرًا مؤزَّرًا … وهُمْ فَتَحُوا البُلْدانَ فتحَ المُراغِمِ رُوَيْدًا فَوَعدُ اللّهِ بالصِّدْقِ وارِدٌ … بتَجْريعِ أهْلِ الكُفْرِ طَعْمَ العَلاقِمِ وصِدْق رسالاتِ الذي جاء بالهُدى … محمدٍ الآتي بِرَفْعِ المَظالمِ

стр. 5709

سَنَفْتحُ قُسْطنْطينةً وذَواتها … وَنَجْعلكُمْ قُوتَ النُّسورِ القَشَاعمِ ونملكُ أقْصَى أرْضِكُمْ وبلادِكُمْ … ونُلْزِمكمْ ذُلَّ الجِزَى والمغارمِ ونَفْتَحُ أرْضَ الصِّينِ والهِنْدِ عَنْوةً … بجَيْشٍ لأرْضِ التُّرْكِ والخَزْرِ حاطِمِ مواعيدُ للرَّحمنِ فينا صَحِيْحةٌ … وليست كأمثال العقولِ السَّقائمِ إلى أنْ تَرَى الإسلامَ قد عَمَّ حُكْمُهُ … جميعَ البلادِ بالجيوشِ الصَّوارِمِ أتَقْرِنُ يا مُخْذولُ دينَ مثلِّثٍ … بعيدٍ عن المعقولِ بادي المآثمِ تَدِيْنُ لمخلوقٍ يَدِيْنُ عبادَهُ … فيا لكَ سُحْقًا ليس يَخْفى لكاتمِ أناجِيْلُكُمْ مَصْنوعةٌ بتكاذبٍ … كلامُ الأُلى فيها أتَوْا بالعَظائمِ وعُودُ صَليبٍ ما تزالونَ سُدَّدًا … لهُ يا عُقولَ الهاملاتِ السَّوائمِ تدينونَ تَضْلالًا بِصَلْبِ إلهكم … بأيْدي يهودِ أرْذلينَ ألائمِ إلى مِلَّةِ الإسلامِ توحيدِ رَبِّنا … فما دينُ ذي دينِ لها بِمُقاومِ وأذْعنتِ الأملاكُ طَوْعًا لدِيْنِهِ … بِبُرْهانِ صِدْقٍ ظاهرٍ في المواسمِ كما دانَ في صَنْعاءَ مالكُ دَوْلةٍ … وأهْلُ عُمَانٍ حيثُ رَهْطُ الجهاضِمِ وسائرُ أملاكِ اليمانِيْنَ أسْلَمُوا … ومن بَلَدِ البَحْرينِ قَوْمُ اللّهازِمِ أجابُوا لِدِيْنِ الله دونَ مخافةٍ … ولا رَغْبَةٍ تَحْظى به كفُّ عادِمِ فحَلُّوا عُرَى التِّيجان طَوْعًا ورَغْبَةً … بحقٍّ يقينٍ بالبراهينِ ناجمِ وحاباهُ بالنَّصْرِ المكينِ إلهُهُ … وصَبَّرَ منْ عاداهُ تحتَ المناسِمِ فَقِيرٌ وَحِيْدٌ لم تُعِنْهُ عَشِيرةٌ … ولا دَفَعُوا عنهُ شَتِيْمةَ شاتِمِ ولا عِنْده مالٌ عَتيدٌ لناصِرٍ … ولا دَفْعِ مَرْهُوبٍ ولا لِمُسَالمِ ولا وَعَدَ الأنْصارَ مالًا يخصُّهُمْ … بلى كان معصومًا لأقْدَرِ عاصمِ فلم تَمْتَهِنْهُ قطُ قُوَّةُ آسرٍ … ولا مُكِّنتْ من جِسْمِهِ يدُ لاطِمِ كما يَفْتري إفكًا وزُورًا وضِلَّةً … على وَجْهِ عيسى منكُمُ كلُّ آثمٍ (١) على أنَّه قد قلتُمُ هو رَبُّكمْ … فيا لضَلالٍ في الحماقة غائمِ أبى اللهُ أن يُدْعى له ابنٌ وصاحبٌ … سَتَلْقَى دُعاةُ الكُفْرِ حالةَ نادمِ ولكنَّهُ عَبْدٌ نبيٌّ مُكَرَّمٌ … منَ النَّاسِ مَخْلُوقٌ ولا قول زاعمِ أيُلْطمُ وَجْهُ الرَّبِّ تَبًّا لنَوْككُمْ … لقد فُقْتُمُ في ظُلْمكُمْ كلَّ ظالمِ

стр. 5710

وكَمْ آيةٍ أبْدى النَّبيُّ محمدٌ … وكَمْ عَلَمٍ أبداهُ للشِّرْكِ حاطِمِ تساوَى جميعُ النَّاسِ في نَصْرِ حَقِّهِ … فَلِلْكُلِّ في إعظامهِ حالُ خادمِ فَعُرْبٌ وأحْبُوشٌ وفُرْسٌ وبَرْبرٌ … وكُرْديُّهم قد فازَ قِدْحُ المُرَاحِمِ وقِبْطٌ وأَنباطٌ وخَزْرٌ ودَيْلمٌ … ورُومٌ رَمَوْكُمْ دونَهُ بالقَواصمِ أبَوْا كُفْرَ أسْلافٍ لهمْ فتحنَّفوا … فآبوا بحظٍّ في السَّعادةِ جاثمِ به دَخَلُوا في مِلَّةِ الحقِّ كُلُّهمْ … ودانُوا لأحكامِ الإله اللَّوازِمِ به صَحَّ تفسيرُ المنامِ الذي أتى … به دانيالُ قَبْلهُ حتم حاتمِ وسِنْدٌ وهِنْدٌ أسْلَمُوا وتديَّنوا … بدينِ الهُدى في رَفْضِ دِيْنِ الأعاجم وشَقَّ لنا بَدْرَ السَّمواتِ آيةً … وأشْبَعَ منْ صاعٍ له كلَّ طاعِمِ وسالَتْ عيونُ الماءِ في وَسْطِ كَفِّه … فَأرْوى به جيشًا كثيرَ الهماهمِ وجاء بما تَقْضي العُقُولُ بصِدْقِهِ … ولا كَدَعاوٍ غيرِ ذاتِ قوائمِ عليه سلامُ اللّهِ ما ذرَّ شارِقٌ … تعاقبَهُ ظلماءُ أسْحم قاتمِ بَرَاهِيْنُهُ كالشَّمْسِ لا مِثْلُ قَوْلكُمْ … وتَخْلِيْطكُمْ في جَوْهرٍ وأقانِمِ لنا كلُّ عِلْمٍ من قديمٍ ومُحْدثٍ … وأنتم حميرٌ دامياتُ المحازمِ أتيتم بشِعْرٍ باردٍ متخاذلٍ … ضعيف معاني النَّظْمِ جَمّ البلاغمِ فدونكها كالعِقْد فيهِ زمرُّدٌ … ودُرٌّ وياقوتٌ بإحكام حاكمِ (١) ثم دخلت سنة ست وخمسين وثلاثمئة استهلت والخليفة المطيع لله، والسلطان معز الدولة بن بويه الديلمي، وعملت الروافض في يوم عاشوراء عزاء الحسين [بن علي] على ما ابتدعوه من النوح.
следующие страницы →