← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

وَثَبْتُمْ على أطرافنا عندَ ذاكُمُ … وثُوبَ لُصوصٍ عندَ غَفْلةِ نائمِ ألم تنتصر منكم على ضَعْفِ حالها … صِقِلِّيةٌ في بَحْرِها المُتَلاطِمِ ألم تَنتَزِعْ منكم بأيْدٍ وقُوَّةٍ … جميعَ بلادِ الشَامِ ضَرْبةَ لازمِ ومِصْرَ وأرض القَيْرَوانِ بأسرها … وأنْدَلُسّاَ قًسْرًا بضَرْبِ الجماجِمِ أحلَّتْ بقسْطنطينة كل نكبةٍ … وسامتكم سوء العذاب الملازِمِ مشاهدُ تَقْدِيساتِكُمْ وبيوتُها … لنا وبأيدينا على رَغْمِ راغِمِ أما بيتُ لَحْمٍ والقُمامةُ بعدَها … بأيدي رجالِ المسلمينَ الأعاظمِ وكُرْسيُّكم في أرضِ إسْكَنْدريَّةٍ … وكُرسيُّكُمْ في القُدْسِ في أورشالِمِ ضمَمْناهُمُ قَسْرًا بِرَغْمِ أنوفكم … كما ضَمَّت السَّاقَيْن سُودُ الأداهِمِ وكُرْسيُّ أنطاكيةٍ كان بُرْهةً … ودهرًا بأيدينا وبذل الملاغمِ فليس سوى كرسيِّ رومةَ فيكُمُ … وكرسي قُسْطنطينةٍ في المقادمِ ولا بُدَّ من عَوْدِ الجميعِ بأسْرِهِ … إلينا بعز قاهرٍ مُتعاظِمِ أليسَ يَزيدٌ حَلَّ وَسْطَ ديارِكُمْ … على بابِ قُسْطنطينةٍ بالصَّوارمِ ومَسْلمةٌ قد داسَها بعد ذاكُمُ … بجيشٍ لَهامٍ كاللُّيوث الضرَاغمِ وأخْدَمكُمْ بالذُّلِّ مَسْجدنا الذي … بُني فيكُمُ في عَصْرِهِ المُتَقادِمِ إلى جَنْبِ قَصْرِ المُلْك من دارِ مُلْككُمْ … ألا هذه حقًّا صَريْمةُ صارِمِ وأدَّى لهارونَ الرَّشِيْدِ مَلِيْكُكُمْ … إتاوةَ مَغْلوبٍ وجِزْيَةَ غَارِمِ سَلَبْناكُمُ مَسْرَى شُهُورٍ بقوَّةٍ … حَبَانا بها الرَّحمنُ أرْحمُ راحمِ إلى سبت (١) يعقوبٍ وأريافِ دُومةٍ … إلى لُجَّةِ البَحْرِ البعيدِ المَحَارمِ فَهَلْ سِرْتُمُ في أرضنا قطُ جُمْعةً … أبى اللّهُ ذاكُمْ يا بقايا الهَزَائِمِ فما لكُمُ إِلَّا الأمانيُّ وحدَها … بضائعُ نَوْكى تلكَ أحلامُ نائمِ رُويدًا يَعُدْ نحوَ الخلافةِ نورُها … يُسْفَرُ مُغَبرُّ الوجوهِ السَّواهمِ وحينئذٍ تَدْرُونَ كيفَ فرارُكُمْ … ذا صَدَمَتْكُمْ خَيْلُ جَيْشٍ مُصادِمِ على سَالِفِ العاداتِ منَّا ومنكُمُ … لياليَ أنتمْ في عِدادِ الغَنائمِ سَبَيْتُمْ سبايا يَحصُرُ العَدُّ دونَها … وسَبْيُكُمُ فينا كقَطْرِ الغَمائِم فلو رامَ خَلْقٌ عدَّها رامَ مُعْجزًا … وأنَى بتَعْدادٍ لريشِ الحمائمِ بأبناءَ حمدانٍ وكافورَ صُلْتُمُ … أراذلَ أنجاسٍ قِصارِ المعاصمِ

стр. 5707

دعيٌّ وحَجَّامٌ سَطَوْتُمْ عليهما … وما قَدْرُ مَصَّاصٍ دماءَ المَحاجِمِ فهلا على دميانةٍ قبلَ ذاك أو … على ثملٍ أو يا زمان الضراغمِ (١) لياليَ قادوكُمْ كما اقتادَ جازِرٌ … حلائبَ أتْياسٍ لحَزِّ الحلاقِمِ وساقوا على رِسْلٍ بناتِ مُلُوككم … سبايا كما سِيْقَتْ ظِباءُ الصَّرَائمِ ولكنْ سَلُوا عنا هِرَقْلًا ومنْ خلا … لَكُمْ من ملوكِ مُكْرَمينَ قُماقِمِ يُخَبِّرْكُمُ عنَّا المُتَوَّجُ منكُمُ … وَقَيْصرُكُم عن سَبْينا للكرائمِ وعَمَّا فَتَحْنا من مَنِيْع بلادِكُمْ … وعَمَّا أقَمْنا فيكُمُ من مآتمِ وَدَعْ كُلَّ نذلٍ مُنْتَزٍ لا تَعُدُّهُ … إمامًا ولا من مُحْكماتِ الدعائمِ فَهَيْهاتَ سامَرَّا وَتَكْريتَ منْكُمُ … إلى جبلٍ تِلْكُمْ أمانيُّ هائِمِ مُنىً يَتَمنَّاها الضَّعيفُ ودونَها … تطايرُ هاماتٍ وحزُّ الغَلاصِمِ ومن دون بغدادٍ سيوفٌ حَدِيدةٌ … مسيرةَ شَهْرٍ للفَنيق القَوَاصِمِ مَحَلَّةُ أهْلِ الزُّهْدِ والخيرِ والتُّقى … ومَنْزلةٌ يَحْتَلُّها كلُّ عالِم دَعُوا الرَّمْلة المنياء عنكمْ فَدُونها … من المسلمين الصِّيْدِ كلُّ ضبارمِ (٢) ودونَ دمشقِ جَمْعُ جيشٍ كأنَّه … سحائبُ طَيْرٍ تَنْتَحي بالقَوَادِمِ وضَرْبٌ يُلَقِّي الكُفْرَ كلَّ مَذَلَّةٍ … كما ضَرَبَ السِّكِّيُّ بيضَ الدَّرَاهِمِ ومنْ دونِ أكنافِ الحِجاز جَحَافلٌ … كقَطْرِ الغُيوثِ الهاملاتِ السَّواجمِ بها من بني عَدْنانَ كلُّ سَمَيْدع … ومن حيٍّ قَحْطانٍ كرامُ العمائمِ [ولو قد لقيتمْ من قُضاعَةَ عُصْبةً … لقيتم ضَرامًا في يَبيسِ الهشائمِ] (٣) إذا صَبَّحُوكُمْ ذكَرُوكُمْ بما خلا … لهم معكم من مأزقٍ مُتْلاحمِ زمانَ يقودُونَ الصَّوائف نحوكمْ … فجئتمْ ضمانًا أنّكُم في الغنائمِ ستأتيكم منهمْ قريبًا عصائبٌ … تُنَسِّيكم تَذْكارَ أخذ العَواصِمِ وأموالُكُمْ نُحْلٌ لهم ودِماؤُكم … بها يَشْتفي حَرُّ النُّفوس الحوائمِ وأرْضُكُمُ حقًا سَيَقْتسمُونها … كما فَعَلُوا دَهْرًا بِعَدْلِ المُقَاسمِ ولو طَرَقَتْكُمْ من خُرَاسانَ عُصْبةٌ … وشيراز والرَّيِّ القلاعِ القوائمِ لما كان منْكُمْ عندَ ذلك غيرُ ما … عَهِدْنا لكم ذلٌّ وعَضُّ الأباهمِ

стр. 5708

فقد طالما زارُوكُمُ في دياركُمْ … مسيرةَ عام بالخيولِ الصَّلادم وأما سِجِسْتانٌ وكَرْمانُ والأُلى … بكابُلَ حَلُّوا في بلاد البَراهمِ إلى فارسٍ والسُّوس جيشٌ عَرَمْرَمٌ … وفي أصبهانٍ كلُّ أروعَ عازمِ فلو قد أتاكم جَمْعُهُمْ لغَدَوْتُمُ … فرائسَ كالآسادِ فوقَ البهائمِ وبالبَصْرة الزهْراء والكُوفةِ التي … مثهت ونادي واسطٍ فالكظائم (١) جموعٌ تُسامي الرَّمْلَ جمٌّ عديدُها … فما أحدٌ تنويه منها بسالمِ ومن دونِ بيتِ الله في مكَّةَ التي … حَبَاها بمجدٍ للثُّريَّا مُزاحمِ مَحَلُّ جميعِ الأرْضِ منها تيقنًا … مَحَلَّةُ سُفْلِ الخُفِّ من فَصِّ خاتمِ دِفاعٌ من الرحمنِ عنها بحقِّها … فما هوَ عنها كَرَّ طَرْفٍ برائمِ بها وقعَ الأُحْبُوشُ فيها وقَبْلَهُمْ … بِحَصْباءَ طَيْرٍ في ذُرَى الجوِّ حائمِ وجَمْعٍ كَجَمْعِ البَحْرِ ماضٍ عَرَمْرَمٍ … حَمَى سُرَّة البَطْحاءِ ذاتِ المحارمِ ومن دونَ قَبْرِ المُصْطفى وَسْطَ طِيْبةٍ … جموعٌ كمُسْودٍّ من اللَّيْلِ فاحمِ يقودُهُمُ جَيْشُ الملائكةِ العُلا … كِفاحًا ودفعًا عن مُصَلٍّ وصائمِ فلو قد لقيناكُمْ لعُدْتم رمائمًا … بمن في أعالي نَجْدنا والتَّهائمِ وباليَمَنِ المَمْنوعِ فِتْيانُ غارةٍ … إذا ما لَقُوكُمْ كُنْتُمُ كالمطاعِمِ وفي جهلتي أرْضِ اليمامةِ عُصْبةٌ … مغاورُ أنجادٍ طِوالُ البَرَاجمِ سَتُفْنيكُمُ والقِرْمطِيِّينَ دولةٌ … تعود لميمونِ النَّقِيبةِ حازمِ خليفةِ حقٍّ يَنْصُرُ الدِّينَ حُكْمُهُ … ولا يَتَّقي في اللّه لومةَ لائمِ إلى وَلَدِ العَبَّاسِ تُنْمى جُدُودُهُ … بِفَخْرٍ عميمٍ أو لِزُهْرِ العباشمِ مُلْوكٌ جَرَى بالنَّصْرِ طائرُ سَعْدِهمْ … فأهلًا بماضٍ منهُمُ وبقادِمِ مَحَلَّتُهُمْ في مَسْجدِ القُدْسِ أو لدى … منازِلِ بغدادٍ مَحلُّ المكارِمِ وإنْ كانَ من عُلْيا عَدِيٍّ وَتَيْمها … ومن أسَدٍ أهْلِ الصَّلاحِ الحضَارِمِ فأهْلًا وسَهْلًا ثم نُعْمى ومَرْحبًا … بهم من خِيارٍ سالفينَ أقادِمِ هُمُ نَصَرُوا الإسلامَ نَصْرًا مؤزَّرًا … وهُمْ فَتَحُوا البُلْدانَ فتحَ المُراغِمِ رُوَيْدًا فَوَعدُ اللّهِ بالصِّدْقِ وارِدٌ … بتَجْريعِ أهْلِ الكُفْرِ طَعْمَ العَلاقِمِ وصِدْق رسالاتِ الذي جاء بالهُدى … محمدٍ الآتي بِرَفْعِ المَظالمِ

стр. 5709

سَنَفْتحُ قُسْطنْطينةً وذَواتها … وَنَجْعلكُمْ قُوتَ النُّسورِ القَشَاعمِ ونملكُ أقْصَى أرْضِكُمْ وبلادِكُمْ … ونُلْزِمكمْ ذُلَّ الجِزَى والمغارمِ ونَفْتَحُ أرْضَ الصِّينِ والهِنْدِ عَنْوةً … بجَيْشٍ لأرْضِ التُّرْكِ والخَزْرِ حاطِمِ مواعيدُ للرَّحمنِ فينا صَحِيْحةٌ … وليست كأمثال العقولِ السَّقائمِ إلى أنْ تَرَى الإسلامَ قد عَمَّ حُكْمُهُ … جميعَ البلادِ بالجيوشِ الصَّوارِمِ أتَقْرِنُ يا مُخْذولُ دينَ مثلِّثٍ … بعيدٍ عن المعقولِ بادي المآثمِ تَدِيْنُ لمخلوقٍ يَدِيْنُ عبادَهُ … فيا لكَ سُحْقًا ليس يَخْفى لكاتمِ أناجِيْلُكُمْ مَصْنوعةٌ بتكاذبٍ … كلامُ الأُلى فيها أتَوْا بالعَظائمِ وعُودُ صَليبٍ ما تزالونَ سُدَّدًا … لهُ يا عُقولَ الهاملاتِ السَّوائمِ تدينونَ تَضْلالًا بِصَلْبِ إلهكم … بأيْدي يهودِ أرْذلينَ ألائمِ إلى مِلَّةِ الإسلامِ توحيدِ رَبِّنا … فما دينُ ذي دينِ لها بِمُقاومِ وأذْعنتِ الأملاكُ طَوْعًا لدِيْنِهِ … بِبُرْهانِ صِدْقٍ ظاهرٍ في المواسمِ كما دانَ في صَنْعاءَ مالكُ دَوْلةٍ … وأهْلُ عُمَانٍ حيثُ رَهْطُ الجهاضِمِ وسائرُ أملاكِ اليمانِيْنَ أسْلَمُوا … ومن بَلَدِ البَحْرينِ قَوْمُ اللّهازِمِ أجابُوا لِدِيْنِ الله دونَ مخافةٍ … ولا رَغْبَةٍ تَحْظى به كفُّ عادِمِ فحَلُّوا عُرَى التِّيجان طَوْعًا ورَغْبَةً … بحقٍّ يقينٍ بالبراهينِ ناجمِ وحاباهُ بالنَّصْرِ المكينِ إلهُهُ … وصَبَّرَ منْ عاداهُ تحتَ المناسِمِ فَقِيرٌ وَحِيْدٌ لم تُعِنْهُ عَشِيرةٌ … ولا دَفَعُوا عنهُ شَتِيْمةَ شاتِمِ ولا عِنْده مالٌ عَتيدٌ لناصِرٍ … ولا دَفْعِ مَرْهُوبٍ ولا لِمُسَالمِ ولا وَعَدَ الأنْصارَ مالًا يخصُّهُمْ … بلى كان معصومًا لأقْدَرِ عاصمِ فلم تَمْتَهِنْهُ قطُ قُوَّةُ آسرٍ … ولا مُكِّنتْ من جِسْمِهِ يدُ لاطِمِ كما يَفْتري إفكًا وزُورًا وضِلَّةً … على وَجْهِ عيسى منكُمُ كلُّ آثمٍ (١) على أنَّه قد قلتُمُ هو رَبُّكمْ … فيا لضَلالٍ في الحماقة غائمِ أبى اللهُ أن يُدْعى له ابنٌ وصاحبٌ … سَتَلْقَى دُعاةُ الكُفْرِ حالةَ نادمِ ولكنَّهُ عَبْدٌ نبيٌّ مُكَرَّمٌ … منَ النَّاسِ مَخْلُوقٌ ولا قول زاعمِ أيُلْطمُ وَجْهُ الرَّبِّ تَبًّا لنَوْككُمْ … لقد فُقْتُمُ في ظُلْمكُمْ كلَّ ظالمِ

стр. 5710

وكَمْ آيةٍ أبْدى النَّبيُّ محمدٌ … وكَمْ عَلَمٍ أبداهُ للشِّرْكِ حاطِمِ تساوَى جميعُ النَّاسِ في نَصْرِ حَقِّهِ … فَلِلْكُلِّ في إعظامهِ حالُ خادمِ فَعُرْبٌ وأحْبُوشٌ وفُرْسٌ وبَرْبرٌ … وكُرْديُّهم قد فازَ قِدْحُ المُرَاحِمِ وقِبْطٌ وأَنباطٌ وخَزْرٌ ودَيْلمٌ … ورُومٌ رَمَوْكُمْ دونَهُ بالقَواصمِ أبَوْا كُفْرَ أسْلافٍ لهمْ فتحنَّفوا … فآبوا بحظٍّ في السَّعادةِ جاثمِ به دَخَلُوا في مِلَّةِ الحقِّ كُلُّهمْ … ودانُوا لأحكامِ الإله اللَّوازِمِ به صَحَّ تفسيرُ المنامِ الذي أتى … به دانيالُ قَبْلهُ حتم حاتمِ وسِنْدٌ وهِنْدٌ أسْلَمُوا وتديَّنوا … بدينِ الهُدى في رَفْضِ دِيْنِ الأعاجم وشَقَّ لنا بَدْرَ السَّمواتِ آيةً … وأشْبَعَ منْ صاعٍ له كلَّ طاعِمِ وسالَتْ عيونُ الماءِ في وَسْطِ كَفِّه … فَأرْوى به جيشًا كثيرَ الهماهمِ وجاء بما تَقْضي العُقُولُ بصِدْقِهِ … ولا كَدَعاوٍ غيرِ ذاتِ قوائمِ عليه سلامُ اللّهِ ما ذرَّ شارِقٌ … تعاقبَهُ ظلماءُ أسْحم قاتمِ بَرَاهِيْنُهُ كالشَّمْسِ لا مِثْلُ قَوْلكُمْ … وتَخْلِيْطكُمْ في جَوْهرٍ وأقانِمِ لنا كلُّ عِلْمٍ من قديمٍ ومُحْدثٍ … وأنتم حميرٌ دامياتُ المحازمِ أتيتم بشِعْرٍ باردٍ متخاذلٍ … ضعيف معاني النَّظْمِ جَمّ البلاغمِ فدونكها كالعِقْد فيهِ زمرُّدٌ … ودُرٌّ وياقوتٌ بإحكام حاكمِ (١) ثم دخلت سنة ست وخمسين وثلاثمئة استهلت والخليفة المطيع لله، والسلطان معز الدولة بن بويه الديلمي، وعملت الروافض في يوم عاشوراء عزاء الحسين [بن علي] على ما ابتدعوه من النوح.

стр. 5711

[وفاة معز الدولة] (١) ولما كان ثالث عشر ربيع الأول (٢) من هذه السنة توفي معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه الديلمي بعلة الذرب، وصار لا يثبت في مَعِدته شيءٌ بالكلية، ولما أحس بالموت أظهر التوبة، وأناب إلى الله ، ورَدَّ كثيرًا من المظالم، وتصدق بكثير من أمواله، وأعتق خلقًا كثيرًا من مماليكه، وعَهِدَ إلى ابنه بختيار عز الدولة بن معز الدولة، وقد اجتمع ببعض العلماء، فكلمه في السُّنَّة، وأخبره أنَّ عليًا زوَّج ابنته أم كلثوم لعمر بن الخطاب، فقال: ما سمعت واللّه بهذا قط. ورجع إلى السنة ومتابعتها، ولما حضر وقتُ الصلاة خرج ذلك الرجل إلى الصلاة فقال له: أما تصلي هاهنا؟ قال: لا. قال: ولِمَ؟ قال: لأن دارك مغصوبة. فاستحسن منه ذلك. وكان معز الدولة حليمًا كريمًا عاقلًا، وكانت إحدى يديه مقطوعة، وهو أول من أحدث السُّعاة بين يدي الملوك ليبعث بأخباره إلى أخيه ركن الدولة إلى شيراز سريعًا، وحظي عنده أهل هذه الصناعة، وتعلم أهل بغداد ذلك حتى كان بعضهم يجري في اليوم الواحد نيفًا وأربعين فرسخًا، وكان في البلد ساعيان ماهران، وهما فَضل ومرعوش، يتعصَّب لهذا عوام أهل السنة، ولهذا عوام الشيعة، وجرت لهما مناصف ومواقف. ولما مات معز الدولة، ودفن بباب التبن، في مقابر قريش، وجلس ابنه للعزاء، وأصاب الناسَ مطر ثلاثة أيام متتابعًا، فبعث عزُّ الدولة إلى رؤوس الدولة في هذه الأيام بمالٍ جزيل لئلا تجتمع أمراء الدولة على مخالفته قبل استحكام مبايعته، وهذا من عقله ودهائه. وكان عمره (٣) ثلاثًا وخمسين سنة، ومدَّة ولايته إحدى وعشرين سنة وأحدَ عشر شهرًا ويومين، وقد كان نادى في أيامه برد المواريث إلى ذوي الأرحام قبل بيت المال، وقد سمع بعض الناس ليلة توفي معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بُوَيه هاتفًا يقول: لمَّا بَلَغْتَ أبا الحسيـ … ـنِ مُراد نَفْسِكَ في الطَّلبْ وأمِنْتَ من حَدَثِ اللَّيا … لي واحْتَجَبْتَ عن النُّوَبْ

стр. 5712

مُدَّت إليكَ يدُ الرَّدَى … وأُخِذْتَ من بيتِ الذَّهَبْ ولما مات معز الدولة قام بالأمر بعدَه ولده عز الدولة، فأقبل على اللعب واللهو والاشتغال بأمر النِّساء، فتفرَّق شمله واختلفت الكلمة عليه، وطمع الأمير منصور بن نوح السَّاماني صاحب بلاد خراسان في ملك بني بُوَيه، وأرسل الجيوش الكثيفة صحبة الملك وشمكير، فلما علم بذلك ركن الدولة بن بويه أرسل إلى ابنه عضد الدولة وابن أخيه عز الدولة يستنجدهما، فأرسل (١) إليه بجنود كثيرة، فركب فيها ركن الدولة، وبعث إليه وشمكير يتهدده ويتوعده، ويقول: لئن قدرت عليك لأفعلن بك ولأفعلن. فكتب إليه ركن الدولة: لكني إن قدرت عليك لأحسنن إليك ولأصفحن عنك. فكانت العاقبة لهذا، فدفع اللّه عنه شرَّه؛ وذلك أن وشمكير ركب فرسًا صعبًا فتصيَّدَ عليها، فحمل عليه خنزير، فنفرتِ الفرس، فألقته على الأرض، فخرج الدم من أذنيه، فمات من ساعته وتفرَّقت العساكر. وبعث ابن وشمكير يطلب الأمان من ركن الدولة فأمَّنه، وأرسل إليه بالمال والرِّجال، ووفى بما قال، وصرف الله عنه كيد السَّامانية، وذلك بصدق النية وحُسن الطوية. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو الفرج (٢) [الأصبهاني صاحب الأغاني] (٣)، علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد اللّه بن مروان بن محمد بن مروان بن الحَكم، الأموي، الأصْبهاني، صاحب كتاب "الأغاني" وكتاب "أيام العرب" ذكر فيه ألفًا وسبعمئة يومٍ من أيامهم ووقائعهم. وقد كان شاعرًا أديبًا كاتبًا، عالمًا بالأخبار وأيام الناس إلا أنه كان يتشيع. قال ابن الجَوْزي: ومثله لا يوثقُ به، فإنه يصرِّح في كتبه بما يوجب تفسيقه ويهوِّن شرب الخمر، وربما حكى ذلك عن نفسه، ومن تأمَّل كتاب "الأغاني" رأى كلَّ منكر وقبيح (٤). وقد روى الحديث عن محمد بن عبد اللّه مُطَيَّن وخَلْق، وروى عنه الدَّارَقُطني وغيره. توفي في ذي الحِجَّة من هذه السنة.

стр. 5713

وقال ابن خَلِّكان: وقيل في التي بعدها، وكان مولده في سنة أربع وثمانين ومئتين، التي توفي فيها البُحْتري الشَّاعر. وقد ذَكَرَ له مصنَّفاتٍ عديدةً، منها "الأغاني" و "الديارات" و "أيام العرب" وغير ذلك (١). سَيْفُ الدَّولة (٢) [بن حمدان صاحب حلب] (٣)، أبو الحسن، علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان (٤) بن حمدون، التَّغْلبي، الرَّبَعي، الملقَّب بسيف الدولة. أحد الأمراء الشجعان، والملوك الكثيري الإحسان، على ما كان فيه من تشيُّعٍ، وقد ملك دمشق في بعض الأوقات، واتَّفقَ له أشياء غريبة، منها أن خطيبه كان مصنِّف الخُطب النباتية أحد الفصحاء البلغاء، وشاعره المتنبي، ومطربه أبو نَصْر الفارابي، وكان [كريمًا] (٥) جوادًا ممدَّحًا، مِعْطاءً للجزيل. ومن شعره في أخيه ناصر الدولة صاحبِ المَوْصل: رَضِيتُ لكَ العَلْيَا (٦) وقدْ كُنْتُ أهْلَها … وقُلْتُ لهم بيني وبينِ أخي فَرْقُ؟ وما كان لي عنها نُكُولٌ وإنَّما … تجاوزْتُ عن حَقِّي فَتمَّ لكَ الحقُّ أما كُنْتَ تَرْضَى (٧) أنْ أكونَ مُصَليًا … إذا كنتُ أرْضَى أن يكون لك السَّبْقُ (٨) وله أيضًا: قدْ جَرَى في دَمْعِهِ دمُهُ … فإلى كَمْ أنتَ تَظْلِمُهُ رُدَّ عنهُ الطَّرْفَ منكَ فقد … ... جَرَحتْه (٩) منكَ أسْهُمُهُ كيفَ يَسْطيعُ التَّجلُدَ منْ … خَطَراتُ الوَهْمِ تُؤْلِمُهُ (١٠) وكان سببُ موته الفالج، وقيل: عُسْرَ البول، وتوفي بحلب، وحمل تابوته إلى مَيَّافارِقين فدفن

стр. 5714

بها، وعمره ثلاث وخمسون سنة، وقام بملك حلب من بعده ولده سعد الدولة أبو المعالي شريف، ثم تغلَّب عليه مولى أبيه قرغويه، فأخرجه من حلب إلى أمه (١) بميَّافارِقين، ثم عاد إليها كما سيأتي بيانه (٢). وذكر القاضي ابن خَلِّكان شيئًا كثيرًا مما قاله سيفُ الدولة، وقيل فيه، قال: ولم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من الشُّعراء، وقد أجاز لجماعةٍ من الكبار كالمتنبي والخالديَّيْن والسَّري الرَّفاء، والنامي والببغاء وغيرهم، وذكر [القاضي] (٣) ابن خلِّكان أنه ولد سنة ثلاث، وقيل: إحدى وثلاثمئة، وأنه ملك حلب بعد الثلاثين والثلاثمئة، وكان قبل ذلك يملك واسط، ثم تنقلت به الأحوال حتى ملك حلب، انتزعها من يد أحمد بن سعيد الكِلابي صاحب الأخشيذ (٤) وملك دمشق في وقت. وقد قال يومًا لندمائه: أيكم يجيز قولي، وما أظن أحدًا يَجيزه: لكَ جسمي تُعِلُّهْ … فَدَمي لِمْ تُحِلُّهْ؟ فقال ابن عمه (٥) أبو فراس بديهةً: قال إن كنتُ مالكًا … فليَ الأمرُ كلُّه (٦) وفيها توفي (٧): كافُور الإخْشيذي (٨) مولى محمد بن طُغْج الإخشيذ: وقد قام بالأمر من بعد مولاه لصغر أولاده، فملك مِصْر ودمشق، وناوى (٩) سيفَ الدولة وغيره، وقد كُتبَ على قبره: انظر إلى غِيَرِ الأيَّام ما صَنَعَتْ … أفْنَتْ أُناسًا بها كانوا وما فَنِيَتْ

стр. 5715

دُنْياهُمُ ضَحِكَتْ أيَّامَ دَوْلَتِهمْ … حتى إذا فَنِيَتْ ناحَتْ لهمْ وبَكَتْ أبو علي القالي (١): [صاحب الأمالي] (٢) إسماعيل بن القاسم بن عَيْذُون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سَلْمان (٣)، أبو علي، القالي اللُّغوي، الأُموي مولاهم؛ لأن سَلْمان هذا كان مولى لعبد الملك بن مروان، والقالي نسبة إلى قالي قَلا، ويقال إنها أرْزن الزُوم، فاللّه أعلم. وكان مولده بمَنازْجِرْد من أرضِ الجزيرة من ديار بكر، وسمع الحديث من أبي يعلى المَوْصلي وغيره، وأخذ النَّحْو واللُّغة من ابن دُرَيد وأبي بكر بن الأنجاري ونِفْطَويه وغيرهم، وصنَّف "الأمالي" وهو مشهور (٤)، وله كتاب "البارع" (٥) على حروف المعجم في خمسة آلاف ورقة، وغير ذلك من المُصَنَّفات في اللغة، ودخل بغداد، وسمع بها، ثم ارتحل إلى قُرْطبة، فدخلها في سنة ثلاثين وثلاثمئة واستوطنها، وصنَّف كتبًا كثيرة فيها إلى أن توفي بها في هذه السنة عن ثمانٍ وستين سنة، قاله القاضي ابن خلِّكان (٦). وفيها توفي أبو علي محمد بن إلياس صاحب بلاد كَرْمان وأرضها ومعاملاتها، فأخذ عضد الدولة بن ركن الدولة بلاد كرمان من أولاد محمد بن إلياس وهم ثلاثة: اليسع، [وإلياس] (٧) وسليمان. والملك الكبير وشمكير، كما قدَّمنا ذكره في هذه السنة. وممن توفي فيها من الملوك الحسن بن الفيرزان، ومعز الدولة بن بويه الدَّيْلمي، وسيف الدولة صاحب حلب كما قدمنا ذكر ذلك (٨). قال ابن الأثير: وفيها هلك النقفور ملك الروم (٩). يعني الدمستق صاحب بلاد الأرمن، وقد ذكرنا

стр. 5716

ترجمته وما ورد عنه من الشعر، وأوردنا جوابها للإمام العلامة أبي محمد بن حزم الفقيه الظاهري (١) رحمه الله تعالى. وممن توفي بها كافور الإخشيذي في قول ابن خلكان (٢). ثم دخلت سنة سبع وخمسين وثلاثمئة فيها شاع الخبر ببغداد وغيرها من البلاد أن رجلًا قد ظهر يقال له محمد بن عبد الله، ويلقب بالمهدي وزعم أنه الموعود به في الحديث الوارد في المهدي، وأنه يدعو إلى الخير وينهى عن الشر، ودعا إليه أُناسٌ ببغداد، فإن دعوا سنيًا قالوا: هو من سلالة العباس، هان كان المدعو شيعيًا، قالوا له: هو علوي، وكان الرجل إذ ذاك مقيمًا بمصر عند كافور الإخشيذي قبل أن يموت، وكان يكرمه، فكان من جملة المستجيبين له سُبُكْتكين الحاجب، وكان شيعيًا فظنَّه علويًا، وكتب إليه أن يقدم إلى بغداد ليأخذ له البلاد، فترحل من مصر، فلقيه سُبُكْتِكين إلى قريب الأنبار، فلما رآه عرفه، وإذا هو محمد بن المُسْتكفي بالله العَبَّاسي، فلما تحقق أنه عباسيٌّ وليس بعلوي انثنى رأيه عنه، وتفرَّق شمله وتمزَّق أصحابه كل ممزَّق، وحمل إلى عز الدولة بن معز الدولة، فأمنه، وتسلَّمه المطيع لله، فجدع أنفه واختفى أمره، فلم يعرف له خبر بالكلية بعد ذلك. وفيها وردت طائفة من الرُّوم - لعنهم الله - إلى بلاد أنطاكية، فقتلوا خلقًا من حواضرها، وسبوا اثني عشر ألفًا من أهلها، ورجعوا إلى بلادهم، ولم يعرض لهم أحد. وعملت الرَّوافض في عاشورها المأتم، وفي يوم غدير خُمّ الهناء والسرور. وفيها عرض للناس في تشرين داء الماشرى، فمات به خَلْقٌ كثير فجأة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها مات أكثر جمال الحجيج في الطَّريق من العطش، ولم يصل منهم إلى مكة إلا القليل، وفات أكثر منْ وصل منهم الحج عامه ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها اقتتل أبو المعالي شريف بن سيف الدولة هو وخاله وابنُ عم أبيه أبو فراس بن سعيد بن حمدان الشاعر عند قرية يقال لها صَدَد، فقتل أبو فراس في المعركة. قال ابنُ الأثير: ولقد صدق من قال: إن المُلْك عقيم (٣).

стр. 5717

وفيها أظهرت الشيعة الحزن الشديد يوم عاشوراء من المحرم، وعملوا عيد غدير خم في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة، وأظهروا الفرح والسرور. وممن توفي فيها أيضًا: إبراهيم المتقي لله بن جعفر المقتدر، وكان قد ولي الخلافة، ثم ألجئ إلى أن خُلع عنها سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمئة كما ذكرنا (١)، وألزم بيته، فمات في هذه السنة، ودفن بداره عن ستين سنة، [﵀] (٢). عمر بن جعفر بن عبد الله (٣) بن أبي السَّري: أبو حفص، البَصْري الحافظ. ولد سنة ثمانين ومئتين، وكان انتخب على المشايخ، وحدَّث عن أبي خليفة الفَضْل بن الحُباب وغيره، وقد انتقد عليه مئة موضع، قال الدَّارَقُطني: فنظرت فيها، فإذا الصَّواب مع عمر بن جعفر (٤). ومحمد بن أحمد بن علي بن مَخْلَد (٥): أبو عبد الله، الجَوْهري، المُحْتَسِب، ويعرف بابن المُحْرِم (٦). وكان أحد أصحاب ابن جرير، وقد روى عن الكُدَيمي وغيره، وقد اتفق أنه تزوَّج امرأةً، فلما أُدخلت (٧) عليه جلس يكتب الحديث، فجاءت أمها، فأخذت الدَّواة فرمت بها، وقالت: هذه أضرُّ على ابنتي من ثلاثمئة ضرَّة. وقد توفي في هذه السنة عن ثلاثٍ وتسعين سنة، وكان يضغَّف في الحديث. وكافُور بن عبد الله الإخْشيْدِي (٨): كان مولى للسُّلطان محمد بن طُغْج الإخشيد. اشتراه من بعض أهل مِصر بثمانية عشر دينارًا، وقرَّبه وأدناه، واختصَّه من بين الموالي واصطفاه، ثم جعله أتابكًا حين ملك ولداه، ثم استقل بالأمور بعد موتهما في سنة خمسٍ وخمسين، واستقرَّت المملكة باسمه، فدعي له على المنابر بالدِّيار المِصْرية والشَّامية وبلاد الحجاز جميعًا، وكان شَهْمًا ذكيًا فاتكًا جيد السِّيرة، مدحه

стр. 5718

الشعراء، ووفد إليه المتنبي حين ذهب مغاضبًا لسيف الدولة بن حمدان، فآوى إلى كافور، وحصل له منه رِفْد، ثم تغيَّر عليه، فأبعده كافور فهجاه، ورحل عنه إلى عضد الدولة بن بويه، وكان هناك حتفه كما تقدم بيانه. وأما كافور فإنه لما توفي دفن بتربته المشهورة به، وقام بالملك بعده أبو الحسن علي بن الإخشيد (١)، ومنه أخذ الفاطميون الأدعياء بلادَ مِصْر كما سيأتي. وكانت مملكة كافور سنتين وثلاثة أشهر، ﵀. ثم دخلت سنة ثمانِ وخمسين وثلاثمئة في عاشوراء عملت الرَّوافض بدعتهم، وفي يوم غدير خُمّ عملوا الفرح المبتدع. وحصل بالعراق غلاء عظيم حتى كاد يعدم الخبز بالكلية. وعاثت الروم في البلاد فسادًا، وحرقوا حمص، وأفسدوا فيها فسادًا عظيمًا، وسَبَوْا من المسلمين نحوًا من مئة ألف إنسان، [فإنا لله وإنا إليه راجعون] (٢). دخول جوهر القائد إلى الديار المصرية وفيها دخل أبو الحسن جوهر القائد الرُّومي في جيشٍ كثيف من جهة المعز الفاطمي إلى ديار مصر يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان، فلما كان يوم الجمعة خطب للمعزِّ الفاطمي على منابر الديار المصرية وسائر أعمالها، وأمر جوهر المؤذنين بالجامع العتيق وبجامع ابن طولون أن يؤذنوا بحي على خير العمل، وأن يجهر الأئمة بالبسملة، وذلك لأنه لما توفي كافور الإخشيدي لم يبق بمصر من تجتمع القلوب عليه، وأصابهم غلاءٌ شديد أضعفهم، فلما بلغ ذلك المُعزّ وهو ببلاد إفريقية بعث جوهر القائد الرومي، مولى أبيه المنصور - في جيش كبير إلى الديار المصرية، فلما بلغ ذلك أصحابَ كافور هربوا منها قبل وصول جوهر القائد إليها، فدخلها آخذًا لها بلا ضربة ولا طعنة ولا ممانعة، ففعل ما ذكرنا من الأمور، واستقرَّت أيديهم على تلك البلاد بعد كافور الإخشيدي. وفي هذه السنة شرع جوهرالقائد في بناء القاهرة المُعزِّية، وبناء القَصْرين عندها على ما سنذكره، وهيأ الإقامات لمولاه المعز الفاطمي.

стр. 5719

وأرسل جوهر [القائد] (١) جعفرَ بنَ فلاح في جيش كثيف إلى الشام، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وكان بدمشق الشريف أبو القاسم بن أبي يعلى الهاشمي، وكان مطاعًا فيهم، فحاجف (٢) عن العباسيين مُدَّة طويلة، ثم آل الأمر إلى أن خطب للمعز بدمشق، وحمل الشريف أبو القاسم إلى الديار المصرية، وأسر الحسن بن عبد الله بن طُغْج وجماعة من الأمراء، [فحملوا إلى الديار المصرية] (٣) فحملهم جوهر إلى المعز بإفريقية، واستقرَّت يد الفاطميين على دمشق في سنة ستين كما سيأتي (٤)، وأذن حي على خير العمل أكثر من مئة سنة، وكتبت لعنة الشيخين ﵄ على أبواب الجوامع، وأبواب المساجد بدمشق، [فإنا لله وإنا إليه راجعون] (٥). ولم يزل ذلك كذلك حتى أزالت ذلك دولة الأتراك على ما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى. وفيها دخلت الرُّوم إلى حمص فوجدوا أكثر أهلها قد جلوا عنها وانتقلوا منها، فحرقوها، وأسروا من بقي بها ومن حولها نحوًا من ألف إنسان، [فإنا لله وإنا إليه راجعون] (٥). وفي ذي الحجَّة نَقَلَ عِزُّ الدولة والدَه معز الدولة بن بُوَيْه من داره إلى تربته بمقابر قريش. وممن توفي فيها من الأعيان وذكره ابن الجوزي في "منتظمه" (٦) كافور الإخشيدي [وقد تقدم]. قال ابن الجوزي: وقد رأيت مدح المتنبي لكافور يحتمل الذم والمدح، وكأنه تلعب به، والله تعالى أعلم. ثم دخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمئة في عاشر المحَرَّم منها عملت الرَّوافض بدعتهم الشَّنعاء، فغلقت الأسواق، وتعطلت المعايش ودارت النِّساء سافرات عن وجوههن ينحن على الحسين بن علي، ويلطمن وجوههن، والمسوح معلَّقة في الأسواق والتبن مذرور فيها. وفيها دخلتِ الروم الملاعين أنطاكية، فنفوا أهلها الشيوخ والعجائز، وسبوا من النِّساء والأطفال نحوًا من عشرين ألفًا، وذلك كلُّه بتدبير ملك الأرمن النقفور، لعنه الله. قال ابن الجَوْزي: وكان قد تجبر وطغا وتمرد، وقد تزوج مع ذلك بامرأة الملك الذي كان قبله،

стр. 5720

ولها منه ابنان، فأراد أن يخصيهما ويجعلهما في الكنيسة لئلا يصلحا بعد ذلك للملك، فلما فهمت أمهما ذلك عملت عليه وسلَّلت (١) عليه الأمراء، فقتلوه وهو نائم، وملَّكوا عليهم أكبر ولديها. وفي ربيع [الأول] (٢) صُرف عن القضاء أبو بكر أحمد بن سيار، وأعيد إليه أبو محمد بن معروف. قال ابنُ الجوزي: وفي هذه السنة نقصت دجلة حتى غارت الآبار. وحجَّ بالناس الشريف أبو أحمد النقيب (٣). قال: وانقضَّ كوكبٌ في ذي الحجَّة فأضاءت منه الدنيا حتى بقي له شعاعٌ كالشمس، ثم سُمِع له صوت كالرَّعد (٤). قال ابنُ الأثير: وفي المحرَّم من هذه السنة خطب للمعز الفاطمي بدمشق عن أمر جعفر بن فلاح الذي سيَّره جوهر القائد من مصر إلى الشام، فقاتله أبو محمد الحسن بن عبد الله بن طُغْج بالرَّمْلة، فغلبه ابنُ فلاح، وأسر ابن طُغْج وسيَّره إلى جوهر، فأرسله جوهر إلى المعز وهو بإفريقية واستقرَّت يد الفاطميين على دمشق أيضًا بعد حروب يطول ذكرها، تطاول أمرها إلى آخر هذه السنة (٥). وفي هذه السنة وقع بين ناصر الدولة بن حمدان وبين ابنه أبي تغلب، وسببه أنه لما مات معز الدولة بن بويه عزم أبو تغلب ومنْ وافقه من أهل بيته على الدخول إلى بغداد وأخذ مملكة العراق، فقال لهم أبوهم: إن معز الدولة (٦) قد ترك لابنه أموالًا جزيلة لا تقدرون عليه ما دامت في يده، ولكن اصبروا حتى ينفقها، فإنه مبذِّر، فإذا أفلس فثوروا عليه فإنكم تغلبونه لا محالة، فحقد عليه ولده أبو تغلب بسبب ذلك، ولم يزل بأبيه حتى سجنه في القلعة، فاختلف أولاده بينهم وصاروا أحزابًا، وضعفوا عن حفظ ما بأيديهم، حتى بعث أبو تغلب إلى عز الدولة، فضمن منه بلاد المَوْصل بألف ألف درهم كل سنة يحملها إليه، واتفق موت أبيه ناصر الدولة في هذه السنة، واستقرَّ أبو تغلب بالمَوْصِل ملكها، إلا أنهم فيما بينهم مختلفين متحاربين، فهلكوا، ولو اتفقوا لملكوا (٧). وفي هذه السنة دخل ملك الرُّوم إلى طرابلس، فأحرق كثيرًا منها، وملك قلعة عرفة ونهبها وسبى أهلها، وكان في قلعتها صاحب طرابلس كان لجأ إليها حين أخرجه أهل طرابلس لأجل شدَّة ظلمه،

стр. 5721

فأسرته الروم، واستحوذوا على جميع حواصله وأمواله، وكانت كثيرة جدًّا، ثم مالوا على السواحل، فملكوا ثمانية عشر منبرًا (١) سوى القرى، وتنصَّر خَلْق كثير على أيديهم [لعنهم الله] (٢)، وجاؤوا حمص فحرقوا ونهبوا، ومكث ملك الرُّوم شهرين، فأخذ ما شاء من البلاد، وأسر من قدر عليه من العباد، وصارت له مهابة عظيمة في قلوب النَّاس، ثم عاد إلى بلاده ومعه من السَّبي نحو من مئة ألف صبيٍّ وصبية، وكان سبب عوده إلى بلاده كثرة الأمراض في جيشه، واشتياقهم إلى أولادهم وأهليهم وأوطانهم، وبعث سريةً إلى الجزيرة، فنهبوا وسبوا، وكان قرغويه غلام سيف الدولة قد استحوذ على حلب، وأخرج منها ابنَ أستاذه أبا المعالي شريف بن سيف الدولة، فسار إلى حَرَّان وهي تحت حكمه، فأبوا أن يدخلوه إليهم، فذهب إلى أمه بميَّافارِقين، وهي ابنة سعيد بن حَمْدان، فمكث عندها حينًا، ثم سار إلى حماة فملكها، ثم عاد إلى حلب بعد سنتين كما سنذكره فيما بعد، ولما عاثتِ الروم في هذه السنة بالشَّام صانعهم قرغويه عن حلب، وبعث إليهم بأموالٍ وتحف، ثم عادوا إلى أنطاكية فملكوها وقتلوا خلقًا كثيرًا بها، وسبوا عامة أهلها، وركبوا إلى حلب وأبو المعالي محاصر غلامه قرغويه، فخافهم أبو المعالي، فهرب عنها وحاصرها الرُّوم فأخذوا البلد، وامتنعت القلعة عليهم، ثم اصطلحوا مع قرغويه على هدنة مؤبدة ومال يحمله كل سنة، وسلَّموا إليه البلد، ورجعوا عنه. وفي هذه السنة خرج على المعز الفاطمي وهو بإفريفية رجلٌ يقال له أبو خزر، فنهض إليه المعز بنفسه وجنوده فهرب منه، فأرسل في طلبه يوسف بُلُكين (٣) بن زيري، فردَّه وطرده، ثم عاد فاستأمن، فقبل منه المعز ذلك، وصفح عنه. وجاء الرسول من جوهر القائد إلى المعز في هذه السنة يبشِّره بفتح الديار المصرية وإقامة الدعوة لهم فيها، وطلبه إليه، ففرح بذلك المعز الفاطمي فرحًا شديدًا وامتدحه الشعراء، فكان ممن امتدحه شاعره محمد بن هانئ في قصيدةٍ أولها: يقول بنو العَبَّاس هل فُتِحتْ مِصْرُ … فَقُلْ لبني العَبَّاس قد قُضِيَ الأَمْرُ وذكر ابنُ الأثير أن في هذه السنة توفي النقفور الذي كان دُمَستقًا ثم صار ملك الروم، وأراد قتل ابني الملك الذي كان قبله، فغارت أمهما له، فقتلته غيلة. قال: وقد كان هذا اللعين من أبناء المسلمين، كان أبوه من أهل طَرَسُوس من خيار المسلمين يعرف بابن الفقَّاس، فتنصَّر هذا الكلب، وحظي عند النصارى حتى صار من أمره ما صار، وكان من أشدِّ الناس على المسلمين، وقد أخذ بلادًا كثيرًا عَنْوةً؛

стр. 5722

من ذلك طرسوس وأذَنة وعين زَرْبة والمَصِّيصة وغير ذلك من البلاد، وقتل خلقًا كثيرًا لا يعلمهم إلا الله، وسبى من المسلمين والمسلمات ما لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم، وهذا اللعين هو الذي بعث تلك القصيدة إلى المطيع لله. وقد أوردناها في آخر الجزء الذي قبل هذا في سنة خمس وخمسين وثلاثمئة، ثم انتدب لها بعدئذ الفقيه الإمام، أبو محمد بن حزم الظاهري، فأجاب عنها جوابًا شافيًا كافيًا، فجزاه الله عن الإسلام خيرًا (١). وفيها رام عِزُّ الدولة صاحب بغداد محاصرة عمران بن شاهين فلم يقدر عليه، فصالحه ورجع إلى بغداد. وفيها اصطلح قرغويه وأبو المعالي، فخطب له قرغويه بحلب، وخطبا جميعًا في معاملتيها للمعز الفاطمي، بحلب وحمص، وخطب بمكة للمطيع لله والقرامطة أيضًا، وبالمدينة للمعز الفاطمي. وخطب أبو أحمد الموسوي بظاهرها للمطيع، والله أعلم. وممن توفي فيها من الأعيان: محمد بن أحمد بن الحسن (٢) بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله، أبو علي، ابن الصَوَّاف. روى عن عبد الله بن أحمد وطبقته، وعنه خَلْق منهم الدَّارَقُطْني، وقال: ما رأت عيناي مثله في تحرُّزه ودينه، وقد بلغ تسعًا وثمانين سنة، رحمه الله تعالى. محارب بن محمد بن محارب (٣): أبو العلاء القاضي الفقيه الشَّافعي من ذُرِّية محارب بن دِثار (٤). وكان ثقة عالمًا فاضلًا، روى عن جعفر الفِرْيابي، وغيره. أبو الحسين أحمد بن محمد (٥): المعروف بابن القَطَّان، أحد أئمة الشافعية. تفقه بابن سُرَيج، ثم بالشيخ أبي إسحاق المَرْوزي، وتفرَّد برياسة المذهب بعد موت أبي القاسم

стр. 5723

الدَّارَكي (١)، وصنَّف في أصول الفِقْه وفروعه، وكانت الرحلة إليه ببغداد، ودرَّس به، وكتب شيئًا كثيرًا، وكانت وفاته رحمه الله تعالى ورضي عنه في جمادى الأولى من هذه السنة. ثم دخلت سنة ستين وثلاثمئة في عاشر محرَّمها عَمِلَتِ الرَّوافض بِدْعتهم المحرَّمة على عادتهم المتقدِّمة. وفي ذي القَعْدة منها أخذت القرامطة دمشق، وقتلوا نائبها جَعْفر بن فَلاح (٢) من جهة المعز الفاطمي، وكان رئيس القرامطة وأميرهم الحسن (٣) بن أحمد بن بَهْرام، وقد أمدَّه عِزُّ الدولة من بغداد بسلاحٍ وعُدَدٍ كثيرة، ثم ساروا إلى الرَّمْلة فأخذوها، وتحصَّن منْ كان فيها من المغاربة بيافا، فتركوا عليها من يحصرها، وساروا نحو الديار المصرية في جَمْعٍ كثير من الأعراب والإخشيدية والكافُورية، فوصلوا عين شمس، فاقتتلوا هم وجنود جوهر قتالًا شديدًا، والظفر كان للقرامطة، وحصروا المغاربة حَصْرًا عظيمًا. ثم حملت المغاربة في بعض الأيام على ميمنة القرامطة فهزمتها، ورجعت القرامطة إلى الشَّام، فجدُّوا في حصار يافا، فأرسل جوهر إلى أصحابه خمسة عشر مركبًا ميرةً لأصحابه، فأخذتها مراكب القرامطة سوى مركبين أخذتهما الفرنج، وجَرَتْ خطوبٌ كثيرة. ومن شعر الحسن بن أحمد بن بَهْرام أمير القرامطة: زَعَمَتْ رجالُ الغَرْبِ أنّي هِبْتُها (٤) … فَدَمي إذًا ما بَيْنهُمْ مَطْلُولُ يا مِصْرُ إن لم أسْقِ أرْضَكِ من دمٍ … يَرْوي ثَراكِ فلا سَقاني النِّيْلُ وفيها تزوَّج أبو تغلب بن حمدان ابنة بَخْتيار عز الدولة وعمرها ثلاث سنين على صَدَاق مئة ألف دينار، ووقع العَقْد في صفرٍ. وفيها استوزر مؤيَّد الدولة بن ركن الدولة الصَّاحب أبا القاسم بن عَبَّاد، فأصلح أموره كلها وساس دولته جيدًا. وفيها أُذِّن بدمشق وسائر الشَّام بحي على خير العمل.

стр. 5724

قال الحافظ ابن عساكر في ترجمة جعفر بن فَلاح نائب دمشق: أول من تأمر بها عن الفاطميين وهو الذي أمر بذلك نيابة عن المعز الفاطمي صاحب القاهرة، أخبرنا أبو محمد بن الأكْفاني (١) قال: قال أبو بكر أحمد بن محمد بن شرام: وفي يوم الخميس لخمسٍ خَلَون من صفر من سنة ستين وثلاثمئة أعلن المؤذنون في الجامع بدمشق وسائر منائر البلد، ومآذن المساجد بحي على خير العمل بعد حي على الفلاح، أمرهم بذلك جعفر بن فلاح، ولم يقدروا على مخالفته، ولا وجدوا من المسارعة إلى طاعته بدًا. وفي يوم الجمعة الثامن من جُمادى الآخرة منه أُمر المؤذنون أن يثنوا الأذان والتكبير في الإقامة مثنى مثنى، وأن يقولوا في الإقامة حي على خير العمل، فاستعظمَ النَّاس ذلك، وصبروا على حكم الله تعالى. وممن توفي فيها من الأعيان: السَّري بن أحمد بن السَّري (٢): أبو الحسن، الكِنْدي، الرَّفَاء، الشَّاعر المَوْصلي، أرَّخ وفاته ابنُ الأثير في هذه السنة أعني سنة ستين وثلاثمئة، وكانت وفاته ببغداد (٣). وذكر ابنُ الجوزي أنه توفي سنة ثنتين وستين وثلاثمئة كما سيأتي (٤). محمد بن جعفر (٥) بن محمد بن الهيثم بن عمران بن يزيد: أبو بكر البُنْدار (٦)، أصله أنباري. سمع من أحمد بن الخليل البُرْجُلاني، ومحمد بن [أبي] (٧) العَوَّام الرِّياحي، وجعفر بن محمد الصَّائغ، وأبي إسماعيل التِّرْمذي. قال ابنُ الجوزي: وهو آخر من روى عنهم (٨).

стр. 5725

قالوا: وكانت أصوله جيادًا بخط أبيه، وسماعه صحيحًا، وقد انتقى عليه عمر البَصْري، وكانت وفاته فجأة يوم عاشوراء وقد جاوز التسعين، ﵀ (١). محمد بن الحسين بن عبد الله (٢): أبو بكر الآجُرِّي. سمع جعفر الفِرْيابي، وأبا شُعيب الحَرَّاني، وأبا مسلم الكَجِّي، وخلقًا. وكان ثِقَةً صدوقًا دَيّنًا، وله تصانيف كثيرة مفيدة، منها "الأربعون الآجُرِّية"، وقد حدَّث ببغداد قبل سنة ثلاثين وثلاثمئة، ثم انتقل إلى مكة، فأقام بها حتى مات بعد إقامته بها ثلاثين سنة، رحمه الله تعالى. محمد بن جعفر بن محمد بن مَطَر (٣): أبو عمرو الزَّاهد. سمع الكثير، ورحل إلى الآفاق المتنائية، وسمع منه الحُفَّاظ الكبار، وكان فقيرًا متقلِّلًا، يضرب اللَّبنَ لقبور الفقراء، ويتقوَّت برغيف، بجزرة أو بصلة، ويقوم اللَّيل كله، وكانت وفاته في جُمادى الآخرة من هذه السنة عن خمسين وتسعين سنة (٤). محمد بن داود، أبو بكر الصُّوفي (٥): ويعرف بالدُّقِّي، أصله من دِينور، وأقام ببغداد، ثم انتقل إلى دمشق، وقد قرأ على ابن مجاهد، وسمع الحديث من محمد بن جعفر الخرائطي، وصَحِبَ ابنَ الجَلَّاد، والدَّقَّاق، وكانت وفاته في هذه السنة، وقد جاوز المئة، رحمه الله تعالى. محمد بن الفَرُّخان (٦) بن روزبة (٧): [أبو] (٨) الطَّيب الذروي (٩)، دخل بغداد، وحدَّث بها

стр. 5726

عن أبيه بأحاديث منكرة، روى عن الجُنيد وابن مسروق (١). قال ابن الجوزي: وقد كان فيه ظَرْفٌ ولباقة، غير أنهم كانوا يتهمونه بوضع الحديث (٢). الطَّبَراني سليمان بن أحمد بن أيوب (٣): أبو القاسم، الطبراني، اللَّخْمي، الحافظ الكبير، صاحب المعجم الكبير، والأوسط، والصغير، و "كتاب السُّنَّة" وكتاب "مسند الشَّاميين"، وغير ذلك من المصنفات المفيدة. عَمَّر مئة سنة، وكانت وفاته في هذه السنة بأصبهان، ودفن على بابها عند قبر حُمَمَة الدَّوسي الصَّحابي ﵁ (٤)، قاله أبو الفَرَج بن الجَوزي في "المنتظم" (٥). وقال ابنُ خَلِّكان: سمع من ألف شيخ، قال: وكانت وفاته يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القَعْدة في هذه السنة، وقيل: في شوَّال منها. أحمد بن محمد بن الفتح (٦): ويقال: ابن أبي الفتح، الخاقان، أبو العباس النَّجَّاد؛ إمام جامع دمشق. قال ابن عساكر: كان عابدًا صالحًا، وذكر أن جماعةً جاؤوا لزيارته، فسمعوه يتأوَّه من وجعٍ كان به، فأنكروا عليه [ذلك] (٧)، فلما خرج إليهم، قال لهم: إن آه اسمٌ من أسماء الله يستروح إليه الأعِلاء. قال: فزاد في أعينهم وعَظَّموه (٨). قلت: لكن هذا الذي قاله لا يُؤخذ عنه مُسَلَّمًا بلا دليل، بل يحتاج إلى نقل صحيحٍ عن المعصوم، فإن أسماء الله تعالى توقيفية على الصَّحيح، والله تعالى أعلم بالصَّواب.

стр. 5727

ثم دخلت سنة إحدى وستين وثلاثمئة في عاشرها عَمِلَتِ الرَّوافض ببغداد البدعة التي تقررت من النوح على الحسين بن علي. وفي المحرَّم منها أغارتِ الرُّوم على الجزيرة وبلاد بكر، فقتلوا خَلْقًا كثيرًا من أهل الرُّها، وساروا [في البلاد] (١) كذلك يقتلون ويأسرون ويغنمون إلى [أن وصلوا] (٢) نَصِيبين، وفعلوا كذلك ببلاد بكر، ولم يُغْنِ عن تلك النواحي [أبو تغلب] (٣) بن حمدان متوليها شيئًا، ولم يكن عنده دفاع ولا قوة، فعند ذلك ذهب أهل الجزيرة إلى بغداد يستنصرون ويستصرخون، فرثى لهم أهلُ بغداد، وأرادوا إدخالهم على الخليفة المطيع لله فلم يمكنهم ذلك (٤)، وكان بَخْتيار بن معزّ الدولة مشغولًا بالصَّيد، فذهبت الرُّسُل وراءه، فبعث الحاجب سُبُكْتِكين يستنفر الناس، فتجهَّز خَلْقٌ كثير من العامة، وكتب إلى أبي تغلب أن يُعدَّ الميرة والإقامات، فأظهر السُّرور بذلك والفرح والابتهاج، ولما تجهَّزت العامة للغَزاة وقعت بينهم فتنة شديدة بين الرَّوافض [وأهل] (٥) السُّنَّة، فأحرقتِ السُّنَّة دورَ الرَّوافض في الكَرْخ، وثار (٦) العيارون ببغداد يأخذون أموال الناس، وتنافى النقيب أبو أحمد الموسوي والوزير أبو الفَضْل الشيرازي، وأرسل بَخْتيار بن معز الدولة إلى الخليفة يطلب منه أموالًا يستعين بها في هذه الغَزاة، فبعث إليه يقول: لو كان الخَراج يجبى إليَّ لدفعت منه ما يحتاج المسلمون إليه، ولكن أنتَ تصرف منه ما للمسلمين إليه (٧) ضرورة، وأنا فليس عندي شيء أبعث به إليك. فترددت البُرُد (٨) بينهما، وأغلظ بختيار للخليفة في ذلك وتهدَّده، فاحتاجَ الخليفةُ أن يحصِّلَ له شيئًا، فباع بعض ثياب بدنه، وشيئًا من أثاثه، ونقض بعض سقوف دوره، وحصَّل أربعمئة ألف دِرْهم، فَصَرَفها بختيار في مصالح نفسه وأبطل تلك الغَزاة، فتغمَّم (٩) الناس للخليفة، وساءهم ما فعل ابن بويه من أخذه مال الخليفة وتركه الجهاد في سبيل الله، فلا جزاه الله خيرًا عن المسلمين ولا عن إمامهم.

стр. 5728

وفيها تسلَّم أبو تغلب بن حمدان قلعة ماردين، فنقل حواصلها وما فيها إلى المَوْصل. وفيها اصطلح الأمير منصور بن نوح السَّاماني صاحب خراسان هو وركن الدولة بن بُوَيه وابنه عضد الدولة على أن يحملا إليه في كل سنة مئة ألف دينار وخمسين ألف دينار، وتزوَّج بابنة ركن الدولة (١)، فحمل إليه من الهدايا والتُّحَف ما لا يحدُّ ولا يوصف. وفي شوَّال منها خرج المعزُّ الفاطمي بأهله وحاشيته وجنوده من مدينة المنصورة من بلاد المغرب قاصدًا الدِّيار المِصْرية، بعد ما مهَّد له مولاه جوهر القائد أمرها وبنى له بها القصرين، واستخلف المعز الفاطمي على بلاد المغرب ونواحيها وصِقِلِّية وأعمالها نوابًا من حزبه وأنصاره من أهل تلك البلاد، واستصحب معه شاعره محمد بن هانئ الأندلسي، فتوفي في أثناء الطَّريق، على ما سنذكر (٢)، وكان قدوم المُعزِّ إلى القاهرة في رمضان من السنة الآتية، [على ما سيأتي إن شاء الله تعالى] (٣). وفيها حجَّ بالناس الشريف أبو أحمد الموسوي النقيب على الطَّالبيين كلِّهم، والله أعلم بالصَّواب. وممن توفي فيها من الأعيان: سعيد بن أبي سعيد الجَنَّابي (٤): أبو القاسم، القِرْمطي الهَجَري، وقام بالأمر من بعده أخوه أبو يعقوب يوسف (٥)، ولم يبق من سلالة أبي سعيد سواه. عثمان بن عمر بن خفيف (٦): أبو عمرو، المقرئ، المعروف بالدَّرَّاج. روى عن أبي بكر بن [أبي] (٧) داود، وعنه ابن رِزْقويه، وكان من أهل القرآن والفِقْه [والدِّراية] (٨) والديانة والسِّتر، جميل المذهب، وكان يُعدُّ من الأبدال. توفي يوم الجمعة من رمضان هذه السنة، ﵀.

стр. 5729

وأبو الحسين (١) علي بن إسحاق بن خَلَف (٢) القَطَّان، الشَّاعر المعروف بالزَّاهي. ومن شِعْره: قُمْ نهنئْ عاشقينِ … أصبحا مُصْطَبحين (٣) جُمعا بَعْدَ فِراقٍ … فُجِعا منهُ وبَيْن ثُمَّ عادا في سُرورٍ … من صُدودٍ آمِنين فهما رُوحٌ ولكنْ … رُكِّبَتْ في بَدَنين (٤) [محمد بن] (٥) حُمَيد بن سَهْل (٦) بن شَدَّاد: أبو بكر المُخَرِّمي (٧). سمع أبا خليفة، وجعفر الفِرْيابي، وابن جرير وغيرهم، وعنه الدَّارَقُطْني وابن رزْقويه وأبو نُعيم، وقد ضعَّفه البَرْقاني وابن أبي الفوارس، [وغيرهما، والله أعلم] (٨). ثم دخلت سنة اثنتين وستين وثلاثمئة عملت الرَّوافض بدعتهم في عاشوراء من النِّياحة وتعليق المسوح وغَلْق الأسواق. وفيها اجتمع الفقيه أبو بكر الرَّازي الحنفي، وأبو الحسن علي بن عيسى الرُّمَّاني، وابن الدقاق الحنبلي بعز الدولة بَخْتيار بن معز الدولة بن بُوَيه، وحرَّضوه على غزو الرُّوم، فبعث جيشًا لقتالهم، فأظفرهم (٩) الله بهم، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وبعثوا برؤوسهم إلى بغداد، فسكنَتْ أنفسُ النَّاس.

стр. 5730

وفيها سارتِ الرُّوم مع الدُّمَسْتق - لعنه الله - إلى حصار آمد، وعليها مرد غلام أبي الهيجاء بن حَمْدان، فكتب إلى أبي تغلب يستصرخه، فبعث إليه أخاه أبا القاسم هبة الله بن ناصر الدولة بن حمدان، فاجتمعا لقتاله، ولقياه في [يوم من] (١) رمضان في مكانٍ ضيق لا مجال للخيل فيه، فاقتتلوا مع الرُّوم قتالًا شديدًا، وعزمت الرُّوم على الفِرار فلم يقدروا، فاستحرَّ فيهم القتل، وأُخذ الدُّمَسْتق أسيرًا، فأودع في السجن، فلم يزل فيه حتى مَرضَ، ومات في السنة القابلة، وقد جمع له أبو تغلب الأطباء فلم ينفعه شيء. وفيه احترق الكرخ ببغداد، وكان سببه أن صاحب المعونة ضرب رجلًا من العامة فمات، فثار به العامة وجماعة من الأتراك، فهرب منهم، فدخل دارًا، فأخرجوه مسحوبًا وقتلوه وحرقوه، فركب الوزير أبو الفَضْل الشِّيرازي - وكان شديد التعصب للسُّنَّة - وبعث حاجبه إلى أهل الكرخ، فألقى في دورهم النار، فاحترقت طائفة كثيرة من الدور والأموال، من ذلك ثلاثمئة دكان وثلاثة وثلاثون مسجدًا، وسبعة عشر ألف إنسان، فعند ذلك عَزَلَ عز الدولة بختيار بن معز الدولة وزيره هذا عن الوزارة، وولَّاها محمد بن بقية، فتعجب النَّاس من ذلك؛ وذلك أن هذا الرجل كان وضيعًا عند الناس، لا حرمة له، كان أبوه فلاحًا بقرية أوَانا، وكان هو ممن يخدم عز الدولة، يقدِّم له الطعام ويحمل منديل الزفر على كتفه، إلى أن ولي الوزارة، ومع هذا كان أشد ظلمًا للرعية من الذي قبله، وكَثُرَ في زمانه العيّارون ببغداد، وفسدت الأمور. ووقع [الخلاف] (٢) بين عز الدولة وبين حاجبه سُبُكْتِكين، ثم اصطلحا على دَخَن. وفيها كان دخول المعز الفاطمي إلى الديار المصرية وصحبته توابيت آبائه، فوصل إلى الإسكندرية في شعبان منها، وقد تلقاه أعيان مصر إليها، فخطب الناسَ هنالك خطبةً بليغة ارتجالًا، ذكر فيها فضلهم وشرفهم، وقد كذب، وقال فيها: إن الله أغاث الرعايا بهم وبدولتهم. حكى ذلك عنه قاضي مصر، وكان جالسًا إلى جَنْبه فسأله: هل رأيتَ خليفةً أفضلَ مني؟ فقال: لم ارَ أحدًا من الخلائف سوى أمير المؤمنين. فقال له: أحججت؟ قال: نعم. قال: وزرت قبر رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: وقبر أبي بكر وعمر؟ قال: فتحيرت ماذا أقول، ثم نظرت فإذا ابنه [العزيز قائم] (٣) مع كبار الأمراء فقلت: شغلني عنهما رسول الله ﷺ كما شغلني أمير المؤمنين عن السلام على ولي العهد. ونهضت إليه، فسلَّمت عليه ورجعت، فانفسح المجلس إلى غيري. ثم سار من الإسكندرية إلى مصر، فدخلها في الخامس من رمضان هذه السنة، فنزل بالقصرين،

стр. 5731

فيقال: إنه أول ما دخل إلى مَحَلِّ ملكه خَرَّ ساجدًا [شكرًا] (١) لله ، ثم كان أول حكومةٍ أنهيت إليه أن امرأة كافور الإخشيدي تقدمت إليه، فذكرت له أنها كانت أودعت رجلًا من اليهود الصواغ قَبَاء من لؤلؤ منسوجٍ بالذهب، وأنه جَحَد ذلك. فاستحضره وقرره، فجحد اليهودي ذلك وأنكره، فأمر عند ذلك المعز بأن تحفر داره ويستخرج ما فيها، فوجد القَبَاء قد جعله في جَرَّة ودفنها فيها، فَسَلَّمه المعز إليها [ووفره عليها] (٢)، فقدَّمته إليه، وعرضته عليه، فأبى أن يقبله منها، وردَّه عليها، فاستحسن منه ذلك الحاضرون. وقد ثبت في الحديث: "إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" (٣). وفيها توفي من الأعيان: السَّري الرَّفَّاء الشَّاعر بن أحمد بن السَّري (٤): أبو الحسن، الكِنْدي، المَوْصلي، الشاعر المطبق، في جملة مُدَّاح سيف الدولة بن حمدان وغيره، وقد قدم بغداد، فاتفق موته بها في هذه السنة، قال ابن خلِّكان: وقيل: في سنةِ أربع وقيل خمس، وقيل: أربعٍ وأربعين، قال: وقد كانت بينه وبين محمد وسعيد ابْنَيْ هاشم الخالديين الموصليين معاداة، وادَّعى عليهما سرقة شعره (٥)، وكان معتنيًا بنسخ ديوان كُشَاجم، وربما زاد فيه من شعر الخالديين ليكثر حجمه ويزينهما بالكذب، وكان قد امتدح سيف الدولة، فأحبى له رزقًا، فلم يزل به الخالديان حتى قطعا رسمه من عنده، فدخل بغداد، وامتدح الوزير المهلبي فدخلا وراءه، فلم يزالا في ثلبه عنده حتى هجره وقلاه، فركبه الدين، ومات في هذه السنة، وله ديوان شعر كبير جيد، فمن شعره قوله: يَلْقى النَّدى برقيقِ وجهٍ مُسْفرٍ … فإذا التقى الجمعانِ عادَ صفيقا رَحْبُ المَنَازِلِ ما أقام فإنْ سرَى … في جَحْفلٍ تركَ الفَضاءَ مَضِيْقا (٦) وله: ألبستني نعمًا رأيتُ بها الدُّجى … صُبْحًا وكنتُ أرى الصَّباحَ بهيما فغدوتُ يحسدني الصديقُ وقبلها … قد كان يَلْقَاني العدو رحيما (٧)

стр. 5732

وله: بنفسي منْ أجودُ له بنفسي … ويَبْخلُ بالتحيَّةِ والسَّلامِ وحتفي كامنٌ في مُقْلتيه … كمُونَ الموتِ في حد الحُسام (١) محمد بن هانئ (٢): الأندلسي، الشَّاعر، كان قد استصحبه المعز الفاطمي من بلاد القيروان حين توجَّه إلى مصر، فلما كان ببعض الطَّريق، وجد محمد بن هانئ مقتولًا مجدلًا على حافة البحر، وذلك في رجب من هذه السنة، وقد كان شاعرًا مطبقًا، قوي النظم إلا أنه قد كفَّره غير واحد من العلماء في مبالغاته في مدائحه، فمن ذلك قوله يمدح المعز، قبحهما الله تعالى: ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ … فاحْكُمْ فأنتَ الواحدُ القَهَّارُ وهذا خطأ كبير، وكفر كثير. وقال أيضًا: ولطالما زاحمت تحـ … ـت ركابه جبريلا ومن ذلك قوله: - قال ابن الأثير: ولم أجد ذلك في "ديوانه": حَلَّ برَقَّادة (٣) المَسِيْحُ … حَلَّ بها آدمٌ ونُوْحُ حلَّ بها الله ذو المعالي … فكلُّ شيءٍ سواهُ ريحُ قال ابن الأثير: وقد شرع بعض المتعصبين له في الاعتذار عنه، فالله أعلم (٤). قلت: وهذا الشعر إن صح عنه، فليس عنه اعتذار، لا في الدار الآخرة ولا في هذه الدار. وممن توفي بها: إبراهيم بن محمد (٥) بن سختويه بن عبد الله المُزَكِّي: أحد الحفاظ المبرِّزين، أنفق على الحديث

стр. 5733

وأهله أموالًا جزيلة، وسمع النَّاس بتخريجه، وعقد له مجلس الإملاء بنيسابور، ورحل وسمع من المشايخ شرقًا وغربًا، ومن مشايخه ابن جرير (١) وابن أبي حاتم، وكان يحضر مجلِسَه خَلْقٌ كثير من كبار المحدِّثين، منهم أبو العباس الأصَم وأضرابه، وكانت وفاته في هذه السنة عن سبعٍ وستين سنة. سعيد (٢) بن القاسم بن العلاء بن خالد (٣): أبو عمرو (٤)، البَرْذعي (٥)، أحد الحُفَّاظ، روى عنه الدَّارَقُطني وغيره. محمد (٦) بن الحسن (٧) بن كَوْثَر (٨) بن علي (٩): أبو بَحْر، البَرْبهاري (١٠). روى عن إبراهيم الحَرْبي، [وتمتام] (١١) والباغَنْدي والكُدَيمي [وغيرهم] (١٢). وعنه ابن رِزْقويه وأبو نُعيم، وانتخب عليه الدَّارَقُطْني، وقال: اقتصروا على [ما] خرَّجته له، فقد اختلط صحيح سماعه بفاسده. وقد تكلَّم فيه غيرُ واحدٍ من حُفَّاظ زمانه بسبب تخليطه وغفلته، واتهمه بعضُهم بالكذب أيضًا (١٣).

стр. 5734

ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمئة فيها [في عاشوراء] (١) عُملت البِدْعة الشَّنْعاء على عادة الرَّوافض، ووقعت فتنةٌ عظيمة ببغداد بين السُّنَة والرَّوافض، وكلا الفريفين قليل عقل [أو عديمه] (٢) بعيد عن السَّداد؛ وذلك أن جماعةً من السنة أركبوا امرأةً جملًا وسموها عائشة، وتسمى بعضهم بطلحة، وبعضهم الزبير، وقالوا: نقاتل أصحابَ علي بن أبي طالب، فقتل [بسبب ذلك] (٣) من الفريقين خَلْقٌ كثير، وعاث العَيَّارون في البلد بالفساد، ونهبت الأموال وقتل الرجال، ثم أُخذ جماعة منهم، فقتلوا وصلبوا، فلذلك سكنت الفتنة (٤). وفيها أخذ عز الدولة بَخْتِيار [بن معز الدولة] (٥) الموصل، وزوَّج ابنته (٦) من أبي تغلب بن حمدان. وفيها وقعت الفتنة بالبَصْرة، بين الدَّيالم والأتراك، فقويتِ الديلمُ على التُّرك بسبب أن الملك فيهم، فقتلوا [منهم] (٧) خلقًا كثيرًا، وحبسوا رؤوسهم، ونهبوا كثيرًا من أموالهم، وكتب عز الدولة إلى أهله: إني سأكتب إليكم أني قد مُت، فإذا جاءكم الكتاب، فأظهروا النوح واجلسوا للعزاء، فإذا جاء سبُكْتِكين للتعزية فاقبضوا عليه، فإنه ركن الأتراك ورأسهم. فلما جاء البريد إلى بغداد بذلك أظهروا [النَّوح والصراخ] (٨) وجلسوا للعزاء ففهم سُبُكْتكين أن هذه مكيدة، فلم يقربهم، وتحقق العداوة بينه وبين عز الدولة، وركب من فوره في الأتراك، فحاصروا دار عز الدولة ببغداد يومين، ثم أنزل أهله منها، ونهب ما فيها، وأحدرهم في دِجْلة إلى واسط منفيين، وكان قد عزم على بعث الخليفة المطيع معهم، فتوسل الخليفة إليه، فعفا عنه وأقرَّه بداره، وقويت شوكة سُبُكتكين والأتراك ببغداد، ونهبت

стр. 5735

الأتراك دورَ الدَّيْلَم، وخَلَع سُبُكْتكين على رؤساء العامة، لأنهم كانوا معهم على الدَّيْلم، وقويت السنة على الشيعة، وأحرق الكَرْخ (١) حريقًا ثانيًا، وظهرت السُّنَّة على يدي الأتراك، وخلع المطيع، وولي ولده الطائع لله، على ما سنذكره إن شاء الله . خلافة الطَّائع وخلع أبيه المطيع لله ذكر ابنُ الأثير أنه لما كان [اليوم] الثالث عشر [من] ذي القعدة (٢)، وقال ابن الجوزي في "منتظمه": كان ذلك يوم الثلاثاء التاسع عشر من ذي القعدة (٣) من هذه السَّنة، خُلِع المطيع لله، وذلك لفالجٍ أصابه فَثَقُلَ لسانه، فسأله سُبُكْتِكين أن يخلع نفسه، ويولي [من] (٤) بعده ولدَه الطَّائع، فأجاب (٥)، فعقدت البيعة للطَّائع بدار الخلافة على يدي الحاجب سُبُكْتكين، وخُلع أبوه المطيع بعد تسع وعشرين سنة كانت له في الخلافة، ولكن تعوَّض عنها (٦) بولاية ولده. واسم الطائع أبو بكر عبد الكريم (٧) بن المطيع لله أبي القاسم الفضل بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد أبي العباس أحمد بن الأمير أبي أحمد الموفق المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد، ولم يَلِ الخلافة من اسمه عبد الكريم سواه، ولا من أبوه حي سواه (٨)، وسوى أبي بكر الصَّدِّيق (٩). ولم يل الخلافة من بني العباس أسن منه حال الولاية، كان عمره ثمانيًا وأربعين سنة يوم بويع، وكانت أمه أم ولد اسمها عُتب، كانت تعيش أيضًا يوم بويع بالخلافة، ولما بويع الطائع ركب وعليه البُرْدة، وبين يديه سُبُكْتكين والجيش، ثم خَلَعَ من الغد على سُبُكْتِكين خِلَع الملوك ولقبه ناصر الدولة، وعقد له لواء الإمارة. ولما حضر الأضحى ركب الطَّائع وعليه السواد، فخطب بالناس بعد الصَّلاة خطبة خفيفة حسنة، وحكى ابن الجوزي في "المنتظم" (١٠) أن المطيع لله كان يُسمَّى بعد خلعه بالشيخ الفاضل، والله أعلم.

стр. 5736

ذكر الحرب بين المُعِز الفاطمي وبين الحسن (١) بن أحمد القِرْمِطِي لما استقرَّ المعز الفاطمي بالدِّيار المصرية، وابتنى فيها القاهرة والقَصْرين وتأكَّد ملكه، سار إليه الحسن بن أحمد القِرْمطي من الأحساء في جمع كثيف من أصحابه، والتفَّ معه أميرُ العرب ببلاد الشام وهو حَسَّان بن الجَرَّاح الطَّائي في عرب الشَّام بكمالهم، فلما سمع بهم المعز الفاطمي أُسقط في يديه لكثرتهم، وكتب إلى القِرْمطي يستميله ويقول له: إنما دعوة آبائك إنما كانت إلى آبائي قديمًا، فدعوتنا واحدة. ويذكر فيه فَضْله وفضل آبائه، فَرَدَّ [عليه] (٢) الجواب: وصل كتابك الذي كَثُرَ تفضيله وقلَّ تحصيله، ونحن سائرون (٣) على إثره والسَّلام. فلما انتهوا إلى ديار مصر عاثوا فيها قتلًا ونهبًا وإفسادًا، وحار المعز ماذا يصنع لكثرة من مع القرمطي، وضعف جيشه عن مقاومتهم، فعدل إلى المكيدة والخديعة، فراسل حَسَّان بن الجَرَّاح أمير العرب، ووعده بمئة ألف دينار إن هو خذل بين النَّاس، فأرسل إليه (٤) أن ابعث إليَّ بما التزمت وتعال بمن معك، فإذا التقينا انهزمتُ بمن معي [فلا يبقى للقِرْمطي قوة؛ فتأخذه كيف شئتَ] (٥). فأرسل إليه المعز بمئة ألف دينار في أكياس، ولكن زَغَل (٦) أكثرها؛ ضَرَبَ النُّحاسَ ولبَّسه الذهب، وجعله في أسفل الأكياس، ووضع في رؤوس الأكياس الدَّنانير الخالصة، ولما بعثها إليه ركب في إثرها بجيشه، فالتقى الناس، ولما تواجه الفريقان ونشبت الحرب بينهم، انهزم حسَّان بن جراح بالعرب، فَضَعُفَ جانب القِرْمطي، وقوي عليه المعز الفاطمي فكسره، وانهزمت القرامطة بين يديه فرجعوا إلى أذْرِعات في أذلِّ حالٍ (٧)، وأرسل المعز في آثارهم القائد أبا المحمود بن إبراهيم بن جعفر في عشرة آلاف فارس، ليحسم مادَّتهم (٨). ملك المعز الفاطمي دمشق وانتزاعه إياها من يد القرامطة لما انهزم القِرْمطي وأصحابه بعث المعز سريَّة عليهم ظالم بن مرهوب العُقيلي أميرًا على دمشق،

стр. 5737

فتسلَّمها من القرامطة بعد حصارٍ شديد، واعتقل متوليها أبا الهيجاء (١) القِزمِطي وابنه، واعتقل رجلًا يقال له أبو بكر من أهل نابلس (٢)، كان يتكلَّم في الفاطميين ويقول: لو كان معي عشرة أسهم لرميتُ الرُّوم بسهم، ورميت المغاربة - يعني الفاطميين - بما بقي. فسلخ (٣) بين يدي [الخليفة] (٤) المعز، وحشي جلده تبنًا، وصُلبَ بعد ذلك. ولما تفرَّغ أبو محمود القائد من قتال القرامطة أقبل نحو دمشق، فخرج إليهم ظالم بن مرهوب، فتلقَّاه إلى ظاهر البلد وأكرمه، وأنزله ظاهر دمشق، فأفسد أصحابه في الغوطة والمرج، ونهبوا الفلاحين، وقطعوا الطرقات على الناس، وتحول أهل الغوطة إلى البلد من كثرة النهب، وجيء بجماعةٍ من القتلى فألقوا في الجامع، فكثر الضجيج، وغلقت الأسواق، واجتمعت العامة للقتال، والتقوا مع المغاربة، فقتل من الفريقين جماعةٌ، وانهزمت العامة غير مَرَّة، وأحرقت المغاربة ناحية باب الفراديس، فاحترق شيء كثير من الأموال والدُّور، ولبثت الحرب بينهم إلى سنة أربع وستين، وأحرق البلد مرَّة أخرى بعد عزل ظالم بن مرهوب، وتولية جيش بن صمصامة ابن أخت أبي المحمود، قبَّحه الله، وقطعت القنوات وسائر المياه عن البلد، ومات كثيرٌ من الفقراء في الطُّرقات من كثرة الجوع والعطش، ولم يزل الحال كذلك حتى ولي عليهم الطَّواشي رَيَّان الخادم من جهة المعز (٥)، فسكنت الأمور (٦)، [ولله الحمد] (٧). [فصل] (٨) ولما قويت الأتراك ببغداد تحَيَّر عز الدولة بختيار [بن معز الدولة] (٩) في أمره وما يصنع، وهو مقيم بالأهواز (١٠)، فأرسل إلى عمه ركن الدولة يستنجده، فأرسل إليه بعسكرٍ مع وزيره أبي الفتح بن

стр. 5738

العميد (١)، وأرسل إلى ابن عمه عضد الدولة بن ركن الدولة، فتباطأ عليه، وأرسل إلى عمران بن شاهين فلم يجبه، وأرسل إلى أبي تغلب بن حمدان، فأظهر نصره، وإنما يريد في الباطن أخْذَ بغداد، وخرجت الأتراك من بغداد في جَحْفلٍ كثير، ومعهم الخليفة الطائع وأبوه المطيع، فلما انتهوا إلى واسط توفي المطيع لله، وبعد أيام توفي سُبُكْتِكين أيضًا، فحملا إلى بغداد، والتفَّ الأتراك على أميرٍ يقال له أفتكين، واجتمع شملهم والتقوا مع بختيار، فَضَعُفَ أمره جدًّا، وقوي عليه ابنُ عمه عضد الدولة، فأخذ منه ملك العراق وتمزَّق شمله، وتفرَّق أمره. وفيها خطب للمعز الفاطمي بالحرمين مكة والمدينة [النبوية] (٢). وفيها خرج جمعٌ من بني هلال وطائفة من العرب على الحُجَّاج، فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وعَطَّلوا على من بقي منهم الحج في هذا العام، فلا جزاهم الله خيرًا. وفي هذا العام انتهى تاريخ ثابت بن سنان بن ثابت بن قُرَّة، وأوله من أول دولة المقتدر سنة خمس وتسعين ومئتين. وفيها كانت زلزلة شديدة بواسط. وحجّ بالناس في هذه السنة الشريف أبو أحمد الموسوي، ولم يحصل لأحدٍ حَجٌّ في هذه السنة سوى من كان معه على درب العراق، وقد أخذ بالناس على طريق المدينة، فتمَّ حَجُّهم. ولله الحمد والمنة. وممن توفي فيها من الأعيان: العَبَّاس بن الحسين (٣): أبو الفَضْل، الشيرازي، الوزير لعِزِّ الدولة بَخْتِيار بن معز الدولة بن بُوَيه، وكان من المتعصبين للسنة (٤)، عاكس مخدومَه، فعزله، وولى محمد بن بقيَّة البابا (٥) كما تقدَّم (٦)، وحُبس هذا، فقتل في محبسه في ربيع الآخر منها عن تسع وخمسين سنة، وكان فيه ظُلْمٌ وحَيْف، والله أعلم.

стр. 5739

أبو بكر عبد العزيز بن أحمد (١) بن جعفر: الفقيه الحنبلي، المعروف بغلام الخلَّال (٢)، أحد مشاهير الحنابلة الأعيان، ممن صنف وجمع وناطر، وسمع الحديث من أبي القاسم البغوي وطبقته، وكان عمره يوم توفي فوق الثمانين (٣). قال ابن الجَوْزي: وله "المقنع" في مئة جزء (٤)، و "الشَّافي" في ثمانين جزءًا، و "زاد المسافر" و "الخلاف مع الشَّافعي" و "كتاب القولين" و "مختصر السُّنَّة"، وغير ذلك في التفسير والأصول (٥)، ﵀. علي بن محمد (٦): أبو الفتح البُسْتي، الشَّاعر المشهور، له ديوان شعر جيد [قوي] (٧)، وله في المطابقة والمجانسة يد طولى، ومبتكرات أولى. وقد ذكر ابن الجوزي له في "المنتظم" من ذلك قطعة كبيرة مرتبة على حروف المعجم، فمن ذلك قوله: إذا رضيتُ (٨) بميسورٍ من القُوتِ … بقيتُ في النَّاسِ حُرًّا غيرَ ممقوتِ ياقوتَ يومي إذا ما درَّ خِلْفُك (٩) لي … فلستُ آسى على دُرٍّ وياقوت (١٠) وله: يا أيها السَّائلُ عن مذهبي … ليقتدي فيهِ بمنهاجي مِنْهاجي العَدْلُ وقمعُ الهوى … فهل لمنهاجيَ من هَاجي

стр. 5740

وله: أفِدْ طبعكَ المكدودَ بالجدِّ راحةً … يجمُّ وعلِّلْهُ بشيءٍ من المَزْحِ ولكن إذا أعطيتَ ذلكَ فليكنْ … بمقدارِ ما تعطي الطَّعامَ منَ المِلْحِ وله: إذا خدمتَ الملوكَ فالبسْ … من التوقِّي أعزَّ ملبسْ وادخُلْ عليهم وأنت أعمى … واخرجْ إذا ما خرجت أخرسْ وله: إذا شئتَ أن تلقى عدوَّك راغمًا … وتقتلَه هَمًّا وتحرِقَهُ غَمَّا فسَامِ العُلا وازدَدْ من الفَضْلِ إنه … من ازداد فضلًا زاد حاسِدَه غما وله: إن أسيافَنا القِصار الدَّوامي … صيَّرَتْ مُلْكنا طويل الدَّوام لم نزل نحن في سدَاد ثُغُورٍ … واصطلام الأعداء من وسْطِ لام واقتحام الأهوال (١) من وقت حامٍ … واقتسام الأموال من وقت سام وله: يا خادِمَ الجسم كم (٢) تشقى بخدمته … أتطلب الرِّبح مما فيه خُسرانُ أقبل على النفس واستكمل فضائلها … فأنت بالنَّفسِ لا بالجسم إنسانُ أبو فراس بن حمدان (٣) الشَّاعر: له ديوان مشهور (٤). استنابه أخوه (٥) سيف الدولة على حَرَّان ومنبج، فقاتل مرة الرُّوم فأُسرَ، ثم استقذه سيفُ الدولة، واتفق موته في هذه السَّنة عن ثمان وأربعين سنة (٦)، وله شعر رائق ومعانٍ حسنة.

стр. 5741

وقد رثاه أخوه سيف الدولة (١) فقال: المَرْءُ نَصْبُ (٢) مَصَائبٍ لا تنقضي … حتى يُوارى جِسْمُه في رَمْسِه فَمُؤجَّلٌ يَلْقى الرَّدى في غيره (٣) … ومُعَجَّلٌ يَلْقى الرَّدى في نَفْسِهِ واتفق أن كان عند سيف الدولة رجلٌ من العرب، فقال له: قل في معناهما. فقال: من يتمنى العُمْرَ فَلْيَتَّخِذْ … صَبْرًا على فَقْدِ أحِبِائهِ ومن يُعَمَّرْ يَلْقَ في نَفْسِهِ … ما يتمنَّاه لأعدائهِ كذا ذكر ابن السَّاعي (٤) هذين البيتين من شعر سيف الدولة في أخيه أبي فراس، وإنما ذكرها ابن الجوزي في "المنتظم" من شعر أبي فراس نفسه، وأن الأعرابي أجازهما بالبيتين المذكورين بعدهما (٥). وذكر من شعر أبي فراس أشياء حسنة، فمن ذلك قوله في قصيدة: سيفقدني (٦) قومي إذا جَدَّ جدُّهم … وفي اللَّيلةِ الظَّلْماءَ يُفْتقدُ البَدْرُ ولو سَدَّ غيري ما سَدَدْتُ اكتفوا به … وما [كان] يغلو التِّبْرُ لو نَفَقَ الصُّفْرُ (٧) ومن ذلك قوله من قصيدةٍ: إلى الله أشكو أننا في منازلٍ … تحكَّم في آسادهِنَّ كلابُ فليتكَ تحلو والحياةُ مَرِيْرةٌ … وليتكَ ترضى والأنامُ غِضَابُ وليتَ الذي بيني وبينكَ عامرٌ … وبيني وبين العالمينَ خَرَابُ (٨)

стр. 5742

ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمئة فيها جاء عضد الدولة بن ركن الدولة بن بُوَيه إلى واسط، ومعه وزير أبيه أبو الفتح بن العميد، فهرب منه أفتكين في جماعة الأتراك إلى بغداد، فسار وراءه إليها، فنزل في الجانب الشَّرْقي [منها] (١)، وأمر بَخْتيار أن ينزل على الجانب الغَرْبي، وحصر الترك حصرًا شديدًا، وأمر أمراء الأعراب أن يغيروا على الأطراف، ويقطعوا الميرة الواصلة إلى بغداد، فَغَلَتِ الأسعار، وامتنع الناس من المعاش من كثرة العَيَّارين والنهب، وكبس أفتكين البيوت لطلب الطعام، واشتدَّ الحال جدًّا، ثم التقت الأتراك وعضد الدولة فكسرهم وهربوا إلى تكريت، واستحوذ عضد الدولة على بغداد وما والاها من البلاد. وكانت الترك قد أخرجوا معهم الخليفة، فردَّه عضد الدولة وأعاده إلى دار الخلافة مكرمًا، ونزل هو بدار الملك، وضَعُفَ أمر بختيار عز الدولة جدًّا، ولم يبق معه شيء بالكلية، فأغلق بابه، وطرد الحَجَبة والكتبة عن بابه، واستعفى من الإمارة، [وكان] (٢) ذلك بمشورة عضد الدولة، فاستعطفه عضد الدولة في الظَّاهر، وقد أشار عليه في الباطن أن لا يقبل، فلم يقبل. وتردّدت الرسائل (٣) بينهما، فصمَّم بختيار على الامتناع ظاهرًا، فألزمه عضد الدولة بذلك، وأظهر للنَّاس أنه إنما يفعل هذا عجزًا منه (٤) عن القيام بأعباء الملك، فأمر بالقبض على بَخْتيار وعلى أهله وإخوته، ففرح بذلك الخليفة الطائع لله وسرَّ به، وأظهر عضد الدولة من تعظيم الخلافة ما كان دارسًا، وجدَّد دار الخلافة حتى صار كل محل منها آنسًا، وأرسل إلى الخليفة بالأموال الكثيرة والأمتعة الحسنة [العزيزة] (٥)، وقتل جماعةً من المفسدين من مردة الترك وشُطَّار العَيَّارين. قال ابن الجوزي: وفي هذه السنة عَظُمَ البلاء بالعَيارين ببغداد، وأحرقوا سوق باب الشعير، وأخذوا أموالًا كثيرة، وركبوا الخيول وتلقبوا بالقواد، وأخذوا الخُفَر (٦) من الأسواق والدُّروب، وعظمت المحنة بهم جدًّا، واستفحل أمرهم كثيرًا، حتى إن رجلًا منهم أسود كان مستضعفًا [نَجَمَ فيهم] (٧) فكثر ماله

стр. 5743

حتى اشترى جاريةً بألف دينار، فلما حصلت عنده حاولها عن نفسها، فأبت عليه فقال [لها] (١): ماذا تكرهين [مني؟] (٢) قالت: [أكرهك] (٣) كلك. فقال: فما تحبين؟ قالت: تبيعني. فقال: أو خير من ذلك؟ فحملها إلى القاضي، فأعتقها، وأعطاها ألف دينار، وأطلقها، فتعجَّب الناس من حلمه وكرمه مع فسقه وتمرده (٤). قال: وورد الخبر في المحرَّم بأنه خطب للمعز الفاطمي بمكة والمدينة في الموسم، ولم يخطب للطائع (٥). قال: وفي رجب منها غلت الأسعار ببغداد جدًّا حتى أبيع [الكر] (٦) الدقيق الحواري بمئة ونيف وسبعين دينارًا (٧). قال: وفيها اضمحلَّ أمرُ عضد الدولة بن ركن الدولة بن بُوَيه، وتفرَّق جُنْدُه عنه، ولم يبق معه سوى بغداد وحدها، فبعث إلى أبيه يشكو [له] (٨) ذلك، فأرسل يلومه على الغدر بابن عمه عز الدولة، فلما بلغه ذلك خرج من بغداد إلى فارس بعدما أخرج ابن عمه بختيار من السجن، وخلع عليه، وأعاده إلى ما كان عليه، وشرط عليه أن يكون نائبًا له بالعراق يخطب له بها، وجعل معه أخاه أبا إسحاق أمير الجيوش لاستضعافه عز الدولة عن تدبير الأمور، واستمرَّ ذاهبًا إلى بلاد فارس، وذلك كله عن أمر أبيه له بذلك، وغضبه عليه بسبب كدره بابن عمه، وتكرار مكاتباته له في ذلك (٩). ولما سار عضد الدولة ترك بعده وزير أبيه أبا الفتح بن العميد ليلحقه بعد ثلاث، فتشاغل بالقصف مع عز الدولة واللعب واللهو، فأوجب ذلك وحشة بين عضد الدولة وبين ابن العميد، فكان ذلك سبب هلاك ابن العميد. ولما استقرَّ أمر عز الدولة ببغداد، ومَلَكَ العراق لم يف لابن عمه عضد الدولة بشيء مما كان عاهده عليه ولا ما كان التزم له به بين يديه، بل تمادى على ضلاله القديم، واستمر على سَننه (١٠)

стр. 5744

الذي هو غير مستقيم [من الرفض وغيره] (١). قال: وفي يوم الخميس لعشر خلون من ذي القعدة تزوَّج الخليفة الطائع لله شاه ناز بنت عز الدولة على صَدَاق مئة ألف دينار (٢). وفي سَلْخ ذي القعدة عُزل القاضي أبو الحسن محمد بن صالح بن أُم شيبان، وقلده أبا محمد بن معروف (٣). وأقام (٤) الحج في هذه السنة أصحاب المعز الفاطمي، وخُطب له بالحرمين الشريفين دون الخليفة الطائع (٥) والله سبحانه أعلم (٦). ذكر أَخْذِ دمشق من أيدي الفاطميين ذكر ابنُ الأثير في "كامله" أن أفتِكين غلام معز الدولة الذي كان قد خرج عن طاعته كما تقدَّم (٧)، والتفَّ عليه عساكر وجيوش من الدَّيْلم والتُّرْك والأعراب، نزل في هذه السنة على دمشق ليأخذها من أيدي الفاطميين، وكان عليها ريان الخادم من جهة المعز الفاطمي، فلما نزل بظاهرها خرج إليه كبراؤها وشيوخها وذكروا [له] (٨) ما هم فيه من الظُّلم والغَشْم، ومخالفة الاعتقاد بسبب ملك الفاطميين عليهم، وسألوه أن يصمِّم على أخذها ليستنفذها منهم، فعند ذلك صمَّم على البلد، ولم يزل حتى أخذها وأخرج ريان الخادم منها، واستقلَّ بأمرها، وكسر أهل الشر [بها] (٩) ورفع أهل الخير، ووضع العدل فيهم، وقمع أهل اللعب واللهو، وكفَّ أيدي الأعراب الذين قد عاثوا في الأرض فسادًا، وأخذوا عامة المرج والغوطة، ونهبوا أهلها. ولما استقامت الأمور على يديه، وصَلُحَ أمر أهل الشَّام عليه، كتب إليه المعز الفاطمي من مصر يشكر سعيه، ويطلبه إليه ليخلع عليه، ويجعله نائبًا من جهته. فلم يجبه إلى ذلك، وخاف غائلته، وقطع خطبته من الشَّام، وخطب للطائع العباسي، وقصد صيدا وبها خَلْقٌ من المغاربة عليهم ابن الشيخ، وفيهم ظالم بن مرهوب العُقَيلي - الذي كان نائبًا على دمشق للمعز الفاطمي كما

стр. 5745

تقدَّم (١)، فأساء بها السيرة - فحاصرهم، ولم يزل حتى أخذ البلد منهم، وقتل منهم نحوًا من أربعة آلاف [من سراتهم] (٢)، ثم قصد طبرية، ففعل كذلك، فعند ذلك عَزَمَ المعز الفاطمي على المسير إليه، فبينما هو يجمع له ويرتب الجيوش إذ توفي المعز بمصر في سنة خمس وستين كما سيأتي (٣)، وقام بعده ولده العزيز، فاطمأن عند ذلك أفتكين بالشام، واستفحل أمره، وقويت شوكته، فتشاور المصريون في أمره، فاتفق رأيهم على أن يبعثوا القائد جوهرًا إليه، وذلك عن رأي الوزير يعقوب بن كِلِّس (٤)، فلما تجهَّز جوهر القائد لقصد الشام، حلَّف أفتكين أهل دمشق على مناصرته ومناصحته، فحلفوا له بذلك (٥). وجاء جوهر فحصر دمشق سبعة أشهر حصرًا شديدًا، ورأى من شجاعة أفتكين أمرًا هائلًا، وحين طال الحال أشار من أشار من الدماشقة على أفتكين بأن يكتب إلى الحسن (٦) بن أحمد القِرْمِطِي وهو بالأحساء ليجيء إليه، فلما كتب إليه أقبل لنصره، فحين سمع جوهر بقدومه لم يمكنه أن يبقى بين عدوين من داخل البلد ومن خارجها، فانقشع عن دمشق وقصد الرملة، فتبعه أفتكين والقِرْمطي في نحوٍ من خمسين ألفًا، فتواقعوا (٧) عند نهر الطواحين على ثلاثة فراسخ من الرَّمْلة، وحصروا جوهرًا بالرملة، فضاق حاله جدًّا من [قلة] (٨) الطعام والشراب، حتى أشرف هو ومن معه على الهلاك [سريعًا] (٩)، فسأل أن يجتمع هو وأفتكين على ظهور الخيل، [فأجابه إلى ذلك] (١٠)، فلم يزل يترقق (١١) له أن يطلقه ليرجع بمن معه من أصحابه إلى أستاذه شاكرًا له، مثنيًا عليه الخير، ولا يسمع من القِرْمطِي رأيه فيه - وكان جوهر داهية - فأجابه إلى ذلك، فندَّمه القِرْمطي وقال: الرأي أنا كنا نحصرهم حتى يموتوا عن آخرهم، فإنه الآن يذهب إلى سيده، فيخبره، ثم يخرجه إلينا، ولا طاقة لنا به. فكان الأمر كما قال لما أطلقه، لم يكن له دأبٌ إلا أنه حثَّ العزيز على الخروج بنفسه وجيوشه، فأقبل في جحافل أمثال الجبال، وكثرة من الرَّجال والعُدَد والأثقال والأموال، وعلى مقدِّمته جوهر القائد. وجمع أفتكين والقِرْمطي
следующие страницы →