← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

وقد رثاه أخوه سيف الدولة (١) فقال: المَرْءُ نَصْبُ (٢) مَصَائبٍ لا تنقضي … حتى يُوارى جِسْمُه في رَمْسِه فَمُؤجَّلٌ يَلْقى الرَّدى في غيره (٣) … ومُعَجَّلٌ يَلْقى الرَّدى في نَفْسِهِ واتفق أن كان عند سيف الدولة رجلٌ من العرب، فقال له: قل في معناهما. فقال: من يتمنى العُمْرَ فَلْيَتَّخِذْ … صَبْرًا على فَقْدِ أحِبِائهِ ومن يُعَمَّرْ يَلْقَ في نَفْسِهِ … ما يتمنَّاه لأعدائهِ كذا ذكر ابن السَّاعي (٤) هذين البيتين من شعر سيف الدولة في أخيه أبي فراس، وإنما ذكرها ابن الجوزي في "المنتظم" من شعر أبي فراس نفسه، وأن الأعرابي أجازهما بالبيتين المذكورين بعدهما (٥). وذكر من شعر أبي فراس أشياء حسنة، فمن ذلك قوله في قصيدة: سيفقدني (٦) قومي إذا جَدَّ جدُّهم … وفي اللَّيلةِ الظَّلْماءَ يُفْتقدُ البَدْرُ ولو سَدَّ غيري ما سَدَدْتُ اكتفوا به … وما [كان] يغلو التِّبْرُ لو نَفَقَ الصُّفْرُ (٧) ومن ذلك قوله من قصيدةٍ: إلى الله أشكو أننا في منازلٍ … تحكَّم في آسادهِنَّ كلابُ فليتكَ تحلو والحياةُ مَرِيْرةٌ … وليتكَ ترضى والأنامُ غِضَابُ وليتَ الذي بيني وبينكَ عامرٌ … وبيني وبين العالمينَ خَرَابُ (٨)

стр. 5742

ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمئة فيها جاء عضد الدولة بن ركن الدولة بن بُوَيه إلى واسط، ومعه وزير أبيه أبو الفتح بن العميد، فهرب منه أفتكين في جماعة الأتراك إلى بغداد، فسار وراءه إليها، فنزل في الجانب الشَّرْقي [منها] (١)، وأمر بَخْتيار أن ينزل على الجانب الغَرْبي، وحصر الترك حصرًا شديدًا، وأمر أمراء الأعراب أن يغيروا على الأطراف، ويقطعوا الميرة الواصلة إلى بغداد، فَغَلَتِ الأسعار، وامتنع الناس من المعاش من كثرة العَيَّارين والنهب، وكبس أفتكين البيوت لطلب الطعام، واشتدَّ الحال جدًّا، ثم التقت الأتراك وعضد الدولة فكسرهم وهربوا إلى تكريت، واستحوذ عضد الدولة على بغداد وما والاها من البلاد. وكانت الترك قد أخرجوا معهم الخليفة، فردَّه عضد الدولة وأعاده إلى دار الخلافة مكرمًا، ونزل هو بدار الملك، وضَعُفَ أمر بختيار عز الدولة جدًّا، ولم يبق معه شيء بالكلية، فأغلق بابه، وطرد الحَجَبة والكتبة عن بابه، واستعفى من الإمارة، [وكان] (٢) ذلك بمشورة عضد الدولة، فاستعطفه عضد الدولة في الظَّاهر، وقد أشار عليه في الباطن أن لا يقبل، فلم يقبل. وتردّدت الرسائل (٣) بينهما، فصمَّم بختيار على الامتناع ظاهرًا، فألزمه عضد الدولة بذلك، وأظهر للنَّاس أنه إنما يفعل هذا عجزًا منه (٤) عن القيام بأعباء الملك، فأمر بالقبض على بَخْتيار وعلى أهله وإخوته، ففرح بذلك الخليفة الطائع لله وسرَّ به، وأظهر عضد الدولة من تعظيم الخلافة ما كان دارسًا، وجدَّد دار الخلافة حتى صار كل محل منها آنسًا، وأرسل إلى الخليفة بالأموال الكثيرة والأمتعة الحسنة [العزيزة] (٥)، وقتل جماعةً من المفسدين من مردة الترك وشُطَّار العَيَّارين. قال ابن الجوزي: وفي هذه السنة عَظُمَ البلاء بالعَيارين ببغداد، وأحرقوا سوق باب الشعير، وأخذوا أموالًا كثيرة، وركبوا الخيول وتلقبوا بالقواد، وأخذوا الخُفَر (٦) من الأسواق والدُّروب، وعظمت المحنة بهم جدًّا، واستفحل أمرهم كثيرًا، حتى إن رجلًا منهم أسود كان مستضعفًا [نَجَمَ فيهم] (٧) فكثر ماله

стр. 5743

حتى اشترى جاريةً بألف دينار، فلما حصلت عنده حاولها عن نفسها، فأبت عليه فقال [لها] (١): ماذا تكرهين [مني؟] (٢) قالت: [أكرهك] (٣) كلك. فقال: فما تحبين؟ قالت: تبيعني. فقال: أو خير من ذلك؟ فحملها إلى القاضي، فأعتقها، وأعطاها ألف دينار، وأطلقها، فتعجَّب الناس من حلمه وكرمه مع فسقه وتمرده (٤). قال: وورد الخبر في المحرَّم بأنه خطب للمعز الفاطمي بمكة والمدينة في الموسم، ولم يخطب للطائع (٥). قال: وفي رجب منها غلت الأسعار ببغداد جدًّا حتى أبيع [الكر] (٦) الدقيق الحواري بمئة ونيف وسبعين دينارًا (٧). قال: وفيها اضمحلَّ أمرُ عضد الدولة بن ركن الدولة بن بُوَيه، وتفرَّق جُنْدُه عنه، ولم يبق معه سوى بغداد وحدها، فبعث إلى أبيه يشكو [له] (٨) ذلك، فأرسل يلومه على الغدر بابن عمه عز الدولة، فلما بلغه ذلك خرج من بغداد إلى فارس بعدما أخرج ابن عمه بختيار من السجن، وخلع عليه، وأعاده إلى ما كان عليه، وشرط عليه أن يكون نائبًا له بالعراق يخطب له بها، وجعل معه أخاه أبا إسحاق أمير الجيوش لاستضعافه عز الدولة عن تدبير الأمور، واستمرَّ ذاهبًا إلى بلاد فارس، وذلك كله عن أمر أبيه له بذلك، وغضبه عليه بسبب كدره بابن عمه، وتكرار مكاتباته له في ذلك (٩). ولما سار عضد الدولة ترك بعده وزير أبيه أبا الفتح بن العميد ليلحقه بعد ثلاث، فتشاغل بالقصف مع عز الدولة واللعب واللهو، فأوجب ذلك وحشة بين عضد الدولة وبين ابن العميد، فكان ذلك سبب هلاك ابن العميد. ولما استقرَّ أمر عز الدولة ببغداد، ومَلَكَ العراق لم يف لابن عمه عضد الدولة بشيء مما كان عاهده عليه ولا ما كان التزم له به بين يديه، بل تمادى على ضلاله القديم، واستمر على سَننه (١٠)

стр. 5744

الذي هو غير مستقيم [من الرفض وغيره] (١). قال: وفي يوم الخميس لعشر خلون من ذي القعدة تزوَّج الخليفة الطائع لله شاه ناز بنت عز الدولة على صَدَاق مئة ألف دينار (٢). وفي سَلْخ ذي القعدة عُزل القاضي أبو الحسن محمد بن صالح بن أُم شيبان، وقلده أبا محمد بن معروف (٣). وأقام (٤) الحج في هذه السنة أصحاب المعز الفاطمي، وخُطب له بالحرمين الشريفين دون الخليفة الطائع (٥) والله سبحانه أعلم (٦). ذكر أَخْذِ دمشق من أيدي الفاطميين ذكر ابنُ الأثير في "كامله" أن أفتِكين غلام معز الدولة الذي كان قد خرج عن طاعته كما تقدَّم (٧)، والتفَّ عليه عساكر وجيوش من الدَّيْلم والتُّرْك والأعراب، نزل في هذه السنة على دمشق ليأخذها من أيدي الفاطميين، وكان عليها ريان الخادم من جهة المعز الفاطمي، فلما نزل بظاهرها خرج إليه كبراؤها وشيوخها وذكروا [له] (٨) ما هم فيه من الظُّلم والغَشْم، ومخالفة الاعتقاد بسبب ملك الفاطميين عليهم، وسألوه أن يصمِّم على أخذها ليستنفذها منهم، فعند ذلك صمَّم على البلد، ولم يزل حتى أخذها وأخرج ريان الخادم منها، واستقلَّ بأمرها، وكسر أهل الشر [بها] (٩) ورفع أهل الخير، ووضع العدل فيهم، وقمع أهل اللعب واللهو، وكفَّ أيدي الأعراب الذين قد عاثوا في الأرض فسادًا، وأخذوا عامة المرج والغوطة، ونهبوا أهلها. ولما استقامت الأمور على يديه، وصَلُحَ أمر أهل الشَّام عليه، كتب إليه المعز الفاطمي من مصر يشكر سعيه، ويطلبه إليه ليخلع عليه، ويجعله نائبًا من جهته. فلم يجبه إلى ذلك، وخاف غائلته، وقطع خطبته من الشَّام، وخطب للطائع العباسي، وقصد صيدا وبها خَلْقٌ من المغاربة عليهم ابن الشيخ، وفيهم ظالم بن مرهوب العُقَيلي - الذي كان نائبًا على دمشق للمعز الفاطمي كما

стр. 5745

تقدَّم (١)، فأساء بها السيرة - فحاصرهم، ولم يزل حتى أخذ البلد منهم، وقتل منهم نحوًا من أربعة آلاف [من سراتهم] (٢)، ثم قصد طبرية، ففعل كذلك، فعند ذلك عَزَمَ المعز الفاطمي على المسير إليه، فبينما هو يجمع له ويرتب الجيوش إذ توفي المعز بمصر في سنة خمس وستين كما سيأتي (٣)، وقام بعده ولده العزيز، فاطمأن عند ذلك أفتكين بالشام، واستفحل أمره، وقويت شوكته، فتشاور المصريون في أمره، فاتفق رأيهم على أن يبعثوا القائد جوهرًا إليه، وذلك عن رأي الوزير يعقوب بن كِلِّس (٤)، فلما تجهَّز جوهر القائد لقصد الشام، حلَّف أفتكين أهل دمشق على مناصرته ومناصحته، فحلفوا له بذلك (٥). وجاء جوهر فحصر دمشق سبعة أشهر حصرًا شديدًا، ورأى من شجاعة أفتكين أمرًا هائلًا، وحين طال الحال أشار من أشار من الدماشقة على أفتكين بأن يكتب إلى الحسن (٦) بن أحمد القِرْمِطِي وهو بالأحساء ليجيء إليه، فلما كتب إليه أقبل لنصره، فحين سمع جوهر بقدومه لم يمكنه أن يبقى بين عدوين من داخل البلد ومن خارجها، فانقشع عن دمشق وقصد الرملة، فتبعه أفتكين والقِرْمطي في نحوٍ من خمسين ألفًا، فتواقعوا (٧) عند نهر الطواحين على ثلاثة فراسخ من الرَّمْلة، وحصروا جوهرًا بالرملة، فضاق حاله جدًّا من [قلة] (٨) الطعام والشراب، حتى أشرف هو ومن معه على الهلاك [سريعًا] (٩)، فسأل أن يجتمع هو وأفتكين على ظهور الخيل، [فأجابه إلى ذلك] (١٠)، فلم يزل يترقق (١١) له أن يطلقه ليرجع بمن معه من أصحابه إلى أستاذه شاكرًا له، مثنيًا عليه الخير، ولا يسمع من القِرْمطِي رأيه فيه - وكان جوهر داهية - فأجابه إلى ذلك، فندَّمه القِرْمطي وقال: الرأي أنا كنا نحصرهم حتى يموتوا عن آخرهم، فإنه الآن يذهب إلى سيده، فيخبره، ثم يخرجه إلينا، ولا طاقة لنا به. فكان الأمر كما قال لما أطلقه، لم يكن له دأبٌ إلا أنه حثَّ العزيز على الخروج بنفسه وجيوشه، فأقبل في جحافل أمثال الجبال، وكثرة من الرَّجال والعُدَد والأثقال والأموال، وعلى مقدِّمته جوهر القائد. وجمع أفتكين والقِرْمطي

стр. 5746

الجيوش والأعراب وسارا إلى الرَّمْلة، فالتقوا (١) في محرَّم سنة سبع وستين، ولما تواجهوا رأى العزيز من شجاعة أفتكِين أمرًا عظيمًا (٢)، فأرسل إليه يعرض عليه إن أطاعه ورجع إليه أن يجعله مقدَّم عساكره، وأن يحسن إليه غاية الإحسان. فترجَّل أفتكين عن فرسه بين الصفين، وقبَّل الأرض نحو العزيز، وأرسل [إليه] (٣) يقول: لو كان هذا [القول سبق] (٤) قبل هذا [الحال] (٥) لأمكنني (٦) [وسارعت وأطعت] (٧)، وأما الآن فلا. ثم ركب فرسه، وحمل على الميسرة، ففرَّق شَمْلَها وبدَّد خيلها ورَجْلها، فبرز عند ذلك [العزيز] (٨) من القلب، وأمر الميمنة فحملت حملة صادقة، فانهزم القِرْمطي، وتبعه بفية الشَّاميين، وركبت المغاربة أقفاءهم يقتلون ويأسرون من شاؤوا، وتحوَّل العزيز، فنزل خيام الشاميين بمن معه من الجيوش، وأرسل السرايا وراءهم، وجعل العزيز لا يؤتى بأسيرٍ إلا خَلَعَ على من جاءه به، وجعل لمن جاءه بأفتكين مئة ألف دينار، فاتفق أن أفتكين عَطِش وهو منهزم عطشًا شديدًا، فاجتاز بمفرج بن دغفل - وكان صاحبه - فاستسقاه، فسقاه ماء، وأنزله عنده في بيوته، وأرسل إلى العزيز يخبره بأن الذي يطلب عنده، فليحمل إليه الذهب. فأرسل إليه بمئة ألف دينار، وجاء من يسلمه إليه، فلما أحيط بأفتكين لم يشك أنه مقتول، فما هو إلا أن حضر عبد العزيز [حتى] (٩) أكرمه غاية الإكرام واحترمه غاية الاحترام، وَرَدَّ إليه حواصله وأمواله فلم يفقد [منها] (١٠) شيئًا، وجعله من أخَصِّ أصحابه وأمرائه، وأنزله إلى جانب منزله، ورجع به إلى الديار المصرية مكرمًا معظمًا، وأقطعه هنالك إقطاعات جزيلة. وأرسل إلى القِرْمطي يعرض عليه أن يقدم عليه، ويكرمه كما أكرم أفتكين. فامتنع، وخاف على نفسه، فأرسل إليه بعشرين ألف دينار، وجعلها له في كلِّ سنة، يكف بها شَرَّه بذلك. ولم يزل أفتكين مكرَّمًا [عند العزيز] (١١) حتى وقع بينه وبين الوزير يعقوب بن كِلِّس، فعمل عليه حتى سقاه سُمًا فمات، وحين علم الخليفة بذلك غضب على الوزير وحبسه بضعًا وأربعين ليلة، وأخذمنه خمسمئة ألف دينار، ثم

стр. 5747

إنه رأى أنه لا غنى به عن الوزير، فأخرجه من السجن، وأعاده إلى الوزارة، وذهب أفتكين في حال سبيله. وهذا ملخص ما ذكره ابن الأثير (١). وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: سُبُكْتِكِين الحاجب التُّرْكي: مولى المعز الدَّيْلمي وحاجبه، وقد ترقَّى في المراتب حتى آل به الحال أن قلَّده الطَّائع الإمارة، وخلع عليه وأعطاه اللواء، ولقَّبه بنور الدولة (٢)، فكانت مدة دولته في هذا المقام شهرين وثلاثة عشر يومًا، ودفن ببغداد، وداره هي دار الملك ببغداد، وهي دارٌ عظيمة جدًّا. وقد اتفق له أنه سقط يومًا عن فرسه، فانكسر ضلعه (٣)، فداواه الطبيب حتى استقام ظهره، وقدر على الصَّلاة إلا أنه لم يستطع الركوع، فأعطاه شيئًا كثيرًا من الأموال، وكان يقول له: إذا ذكرتُ مرضي ومداواتك لي لا أقدر على مجازاتك، ولكن إذا تذكرتُ وَضْعَ قدميك على ظهري اشتد (٤) غيظي منك. وكانت وفاته ليلة الثلاثاء لسبعٍ بقين من المحرَّم [منها] (٥)، وقد ترك من الأموال شيئًا كثيرًا [جدًّا] (٦)؛ من ذلك ألف ألف دينار وعشرة آلاف ألف دِرْهم، وصندوقان من جوهر، وخمسة عشر صندوقًا من البلور، وخمسة وأربعون صندوقًا من آنية الذهب، ومثة وثلاثون مركبًا من ذهب، فيها خمسون درجًا في كل واحدٍ ألف دينار، وستمئة مركب فِضَّة، وأربعة آلاف ثوب دِيباج، وعشرة آلاف دبيقي (٧) وَعتَابي (٨)، وثلاثمئة عِدْل معكومة من الفُرُش، وثلاثة آلاف فرس وبغل وألف جمل وثلاثمئة غلام، وأربعون خادمًا، وذلك غير ما أودع عند أبي بكر البزاز صاحبه. والله تعالى أعلم. ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمئة فيها قسم ركن الدولة بن بُوَيه ممالكه بين أولاده عندما كَبِرَتْ سنُّه، فجعل لولده عضد الدولة بلاد فارس وكرمان وأرْجان، ولولده مُؤَيَّد الدولة الري وأصبهان، ولفخر الدولة هَمذان ودِيْنَور، وجعل ولده أبا العبَّاس في كنف عضد الدولة وأوصاه به.

стр. 5748

وفيها جلس قاضي قضاة بغداد أبو محمد بن معروف في دار عز الدولة عن أمره له بذلك، لفصل الحكومات، وحكم بين الناس بين يديه. وفيها حجَّ بالناس أمير المصريين من جهة العزيز بن المعز الفاطمي بعدما حُوْصر أهل مكة، ولقوا شِدَّة عظيمة، وغَلَت الأسعار عندهم جدًّا. وذكر ابن الأثير أن في هذه السنة ذهب يوسف بلِّكين نائب المعز الفاطمي على [بلادي] (١) إفريقية إلى سَبْتة، فأشرف عليها من جبل مطل عليها، فجعل يتأمل من أين يحاصرها نصف يوم، فخافه أهلها خوفًا شديدًا، ثم انصرف عنها إلى مدينة هنالك يقال لها بصرة المغرب، فأمر بهدمها ونهبها، ثم سار إلى مدينة برغواطة، وبها رجل يقال له عيسى بن أم الأنصار، هو ملكها، وقد اشتدَّت المحنة به لسحره وشعبذته وادَّعى أنه نبيٌّ، فأطاعوه، ووضع لهم شريعةً يقتدون به فيها، فقاتلهم بلِّكين، فهزمهم وقتل هذا الفاجر، ونهب أموالهم، وسبى ذراريهم، فلم يُرَ سبيٌ أحسن أشكالًا منهم فيما ذكره أهل تلك البلاد في ذلك الزمان (٢). وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن جعفر بن [محمد بن] (٣) سَلْم: أبو بكر الخُتُّلي. [له] (٤) مسند كبير، روى عن عبد الله بن أحمد [بن حنبل] (٥) وأبي مسلم (٦) الكخي وخَلْق. [وروى] (٧) عنه الدَّارَقُطْني وغيره، وكان ثِقَةً [وقد] (٨) قارب التسعين. وثابت بن سنان بن ثابت بن قرَّة الصَّابئ المؤرِّخ، فيما ذكره ابن الأثير في "الكامل" (٩). الحسين بن محمد بن أحمد (١٠): أبو علي، الماسَرْجسي، الحافظ.

стр. 5749

رحل وسمع الكثير، وصنَّف مسندًا في ألف وثلاثمئة جزء (١)، بعِلَلِهِ وطُرُقه، وله "المغازي والقبائل"، وخَرَّج على "الصحيحين" وغيرهما. قال ابن الجَوْزي: وفي بيته وسَلَفه تسعة عشر (٢) محدِّثًا، توفي في رجب من هذه السنة، ﵀ (٣). الحافظ أبو أحمد عبد الله بن عدي (٤) بن عبد الله بن محمد بن أبي أحمد، الجُرْجاني [الحافظ] (٥) الكبير، المفيد الإمام، العَلَم، الجَوَّال، النَّقَّال، الرَّحَّال، وله كتاب "الكامل" في الجرح والتعديل، لم يسبق إلى مثله، ولا يلحق في شكله. قال حمزة عن الدَّارَقُطْني: فيه كفاية، لا يزاد عليه (٦). ولد ابنُ عَدِيّ هذا في سنة سبع وسبعين ومئتين، وهي السنة التي توفي فيها أبو حاتم الرَّازي، وتوفي [ابن عَدِي] (٧) في جمادى الآخرة من هذه السنة. المُعِزُّ الفاطمي (٨): باني القاهرة المعزية مَعَدُّ بن إسماعيل بن سعيد بن عبد (٩) الله، أبو تميم المدَّعي أنه فاطمي، صاحب الدِّيار المصرية، وهو أول من ملكها منهم يعني من الفاطميين، كان ملكه ببلاد

стр. 5750

إفريقية وما والاها من بلاد المغرب، فلما كان سنة ثمانٍ وخمسين وثلاثمئة، بعث بين يديه جوهرًا القائد، فأخذ له البلاد المصرية من كافور الإخشيدي بعد حروب تقدَّم ذكرها (١)، واستقرَّت يد جوهر القائد عليها، فبنى القاهرة المُعِزِّية وبنى منزل الملك وهما القصران (٢)، ثم أقيمت الخطبة للمعز في سنة ثنتين وستين وثلاثمئة، وقدم المعز - كما ذكرنا (٣) - في جحافل عظيمة، ومعه الأمراء من المغاربة والأكابر والقواد، وحين نزل الإسكندرية تلقَّاه وجوه الناس، فخطبهم فيها خطبة بليغة، افتخر فيها بنسبه وملكه، وادَّعى أنه يعدل وينصف المظلوم من ظالمه وأن الله قد رَحِمَ الأمة بهم، واستنقذهم من أيدي الظلمة إلى عدلهم وإنصافهم، وهو مع ذلك يدَّعي ظاهر الرِّفْض، ويبطن - كما قال القاضي الباقِلَّاني (٤) - الكفر المحض، وكذلك أهل طاعته ومن نصره ووالاه، واتبعه في مذهبهم، قبحهم الله تعالى وإياه. أحضر إلى بين يديه الزاهد العابد [الورع النَّاسك] (٥) التقي أبا بكر النَّابُلُسي (٦)، فأوقف بين يديه فقال له المعز: بلغني أنك قلت: لو كان معي عشرة أسهم لرميت الرُّوم بسهم ورميت المصريين بتسعة. فقال: ما قلتُ هذا. فَظَنَّ أنه قد رجع [عن قوله] (٧) فقال: كيف قلت؟ قال: قلتُ ينبغي أن نرميكم بتسعة ثم نرميهم بالعاشر. قال: ولم؟ قال: لأنكم غيَّرْتم [دين] (٨) الأمة، وقتلتم الصَّالحين، وادَّعيتم (٩) نور الإلهية، [وادعيتم ما ليس لكم] (١٠) فأمر بإشهاره في أول يوم، ثم ضرب بالسياط في اليوم الثاني ضربًا شديدًا مبرحًا، ثم أمر به فسلخ في اليوم الثالث، فجيء بيهودي، فجعل يسلخه وهو يقرأ القرآن. قال اليهودي: فأخذتني رِقَّة عليه، فلما بلغتُ تلقاء قلبه طعنته بالسكين فمات، رحمه الله تعالى، فقيل له الشهيد، وإليه ينسب بنو الشهيد من أهل نابلس إلى اليوم، [ولم تزل فيهم بقايا خير] (١١).

стр. 5751

وقد كان المعز الفاطمي ذا شهامةٍ وقوَّة [حزم] (١) وشدَّة عزم، وله سياسة، ويظهر أنه يعدل وينصر الحق، ولكنه مع ذلك كان منجمًا يعتمد [على] (٢) ما يرصد من حركات النجوم، قال له منجمه: إن عليك قطعًا (٣) في هذه السنة، فتوارَ عن وجه الأرض حتى تنقضي هذه المُدَّة. فَعَمِلَ له سِرْدابًا، وأحضر الأُمراء وأوصاهم بولده نزار ولقبه العزيز، وفوَّض إليه الأمر حتى يعود إليهم، فبايعوه على ذلك، ودخل ذلك السِّرْداب، فتوارى فيه سنة، فكانت المغاربة إذا رأى الفارس منهم سحابًا ترتجَّل عن فرسه وأومأ إليه بالسَّلام ظانين أن المُعزَّ في ذلك الغَمام، ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ (٤) [الزخرف: ٥٤]، ثم برز إلى الناس بعد مضي سنة، وجلس في مقام الملك، وحكم على عادته، ولكنه لم تطل مدته بعد ذلك بل عاجله القضاء المحتوم والحَين المقسوم، فكانت وفاته في هذه السنة [ولله الحمد والمنة] (٥)، وكانت مدة أيامه في الملك (٦) ثلاثًا وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام، منها بمصر سنتان وتسعة أشهر (٧)، وجملة عمره كله خمس وأربعون سنة وستة أشهر، لأنه ولد بإفريقية حادي عاشر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمئة، وكانت وفاته بمصر في اليوم السَّابع عشر (٨) من ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمئة، وهي هذه السنة المباركة. ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمئة فيها توفي ركن الدولة أبو علي بن بُوَيه (٩) وقد جاوز السبعين (١٠) [سنة] (١١)، وكانت أيامه نيفًا وأربعين سنة، وقبل موته في السنة الماضية قَسَّم ممالكه [بين أولاده] (١٢) كما

стр. 5752

ذكرنا (١)، وقد عملت ضيافة في دار ابن العميد بأصفهان حافلة حضرها ركن الدولة وبنوه وأعيان دولته، فعهد [ركن الدولة] (٢) في هذا اليوم إلى ابنه عضد الدولة، وخلع عضد الدولة على أخويه (٣) وسائر الأمراء الأقبية والأكسية على عادة الدَّيْلم، وحيوة (٤) بالرَّيحان على عادتهم أيضًا، وكان يومًا مشهودًا. ثم توفي ركن الدولة بعده (٥) بقليل في هذه السنة، وقد كان سائسًا حليمًا، وقورًا كثير الصَّدَقات، محبًا للعلماء فيه إيثار وكرمٌ (٦)، وحُسْنُ عشرة ورياسة، وحنو على أقاربه ودولته ورعيته. وحين تمكَّن ابن عضد الدولة قَصَدَ العراق ليأخذها من ابن عمه عز الدولة بختيار لسوء سيرته ورداءة سريرته، فالتقوا في هذه السنة بأرض الأهواز، فهزمه عضد الدولة وأخذ أثقاله وأمواله، وبعث إلى البصرة فأخذها وأصلح بين أهلها حَيَّيْ ربيعة ومُضْر، وفد كان بينهم خُلْف متقادم من نحو مئة وعشرين سنة، وكانت مُضَر تميل إليه وربيعة عليه، ثم اتفق الحَيَّان واجتمع عليه الفريقان، وقويت شوكة عضد الدولة وعزل عز الدولة، وقبض على وزيره ابن بقيَّة لأنه استحوذ على الأمور دونه، وجبى الأموال إلى خزائنه، فاستظهر عضد الدولة (٧) بما وجده من الحواصل (٨) لابن بقية ولم يبق له منها بقية. وكذلك أمر عضد الدولة (٩) بالقبض على وزير أبيه أبي الفتح بن العميد لموجدة تقدَّمت منه إليه - أسلفنا ذكرها (١٠) - ولم يبق لبني العميد أيضًا في الأرض بقية، وقد كان الأكابر تتقي منهم التقية، وقد كان [ابن العميد] (١١) من الفسوق والعصيان بأوفر مكان، فخانته المقادير، وعاجله (١٢) غضب السلطان، ونعوذ بالله من غضب الرحمن. وفي منتصف شوَّال من هذه السنة توفي الأمير منصور بن نوح السَّاماني، صاحب بلاد خُرَاسان ببخارى، وكانت ولايته خمس عشرة سنة، وقام بالأمر [من] (١٣) بعده ولده أبو القاسم نوح، وعمره إذ ذاك ثلاث عثرة سنة، ولقب بالمنصور (١٤).

стр. 5753

وفيها توفي الحكم، ولقبه المستنصر بالله بن النَّاصر لدين الله عبد الرحمن الأُموي، وقد كان هذا من خيار الملوك وعلمائهم، [وكان] (١) عالمًا بالفِقْه والخلاف والتَّواريخ، محبًا للعلماء محسنًا إليهم. وكانت وفاته وله من العمر ثلاثٌ وستون سنة وسبعة أشهر، ومدة خلافته منها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر، وقام بالأمر من بعده ولده هشام وله عشر سنين ولقب بالمؤَيَّد بالله، وقد اختلف عليه في أيامه واضطربت الرعايا، وحبس مُدَّة، ثم أُخرج وأعيد إلى الخلافة، وأقام بأعباء أمره حاجبه (٢) المنصور أبو عامر محمد بن أبي عامر المَعَافِرِي (٣)، وابناه المُظَفَّر والنَّاصر، فساس الرعايا جيدًا، وعدل فيهم وغزا الأعداء، واستمرَّ لهم الحال كذلك نحوًا من ست وعشرين سنة. وقد ساق ابنُ الأثير هنا قطعة من أخبارهم، وأطال شرحها (٤). وفيها رجع مُلْكُ حلب إلى أبي المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان؛ وذلك أنه لما مات أبوه، وقام من بعده تغلَّب مولاهم قرغويه عليهم، وأخرجه منها خائفًا يترقب، فسار إلى أمه بميافارفين في سنة سبع وخمسين، ثم جاء فنزل حماة، وكانت الروم قد خربت حمص، فسعى في عمارتها وترميمها وسكنها، ثم إن قرغويه استخلف على حلب مولى يقال له بكجور، فتغلب عليه وسجن مولاه قرغويه بقلعتها نحوًا من ست سنين، فكتب أهل حلب إلى أبي المعالي وهو بحمص يسألونه أن يأتي إليهم، فسار، فحاصر حلب أربعة أشهر، ففتحها، وامتنعت القلعة عليه، وقد تحصَّن بها بكجور، ثم اصطلح مع أبي المعالي على أن يؤمنه على نفسه ويستنيبه بحمص، ففعل، فتاب له بكجور بحمص، ثم انتقل في وقت (٥) إلى نيابة دمشق، وإليه تنسب هذه المزرعة ظاهر دمشق من غربيها التي تعرف بالقصر البكجوري والله تعالى أعلم. إبتداء ملك شبُكْتِكِين والد محمود صاحب غَزْنة. وقد كان سُبُكْتِكِين هذا مولى الأمير أبي إسحاق بن ألبتكين (٦) صاحب جيش غَزْنة وأعمالها

стр. 5754

للسَّامانية، وليس هذا بحاجب معز الدولة، ذاك توفي قبل هذه السنة كما قدَّمنا (١). وأما هذا فإنه لما مات مولاه لم يترك أحدًا يصلح للملك [من] (٢) بعده [لا] (٣) من ولده ولا من قومه، فاصطلح الجيش على مبايعة سُبُكْتِكِين هذا خيره (٤) وحُسْنِ سيرته، وكمال عقله وشجاعته وديانته. فاستقرَّ الملك بيده، واستمر من بعده في ولده السعيد محمود بن سُبُكتِكين. وقد غزا سُبُكْتِكين هذا بلاد الهند، ففتح شيئًا كثيرًا من حُصُونهم، وغَنمَ أشياء كثيرة من أموالهم، وكسر من أصنامهم وبدودهم (٥) أمرًا هائلًا، وباشر بمن معه من الجيوش حروبًا تشيب الولدان [والمَفارق، وتسر الصديق وتغم المُفَارق] (٦) وقد قصده جيبال (٧) ملك الهند [الأعظم] (٨) بنفسه وجنوده التي تعمُّ السهول والجبال، فكسرهم مرتين، وَرَدَّهم إلى بلادهم في أسوأ حال وأردأ بال. وذكر ابن الأثير في "كامله" أن سبكتكين لما التقى مع جيبال ملك الهند في بعض الغَزَوات كان بالقُرْب منهم عين في عقبة غورك، وكان من عاداتهم أنه إذا وضعت فيها نجاسة أو قذَر اكفهرَّت السماء وأرعدت وأبرقت وأمطرت، ولا تزال كذلك حتى تطهر تلك العين من ذلك الشيء الذي أُلقي فيها، وأن سُبُكْتِكِين أمر بإلقاء نجاسة في تلك العين عند ذلك - وكانت قريبًا من العدو - فلم يزالوا في رعود وبروقٍ وأمطار وصواعق حتى ألجأهم ذلك الحال إلى الهرب والرجوع إلى بلادهم خائبين هاربين، وأرسل ملك الهند يطلب من سُبُكتكين الصُّلْح، فأجابه بعد امتناعٍ من ولده محمود على مالٍ جزيل يحمله (٩) إليه، وبلاد كثيرة يسلمها [إليه] (١٠)، وخمسين فيلًا ورهائن من رؤوس قومه يتركها عنده حتى يقوم بما التزم (١١) له من ذلك.

стр. 5755

وفيها توفي: أبو يعقوب يوسف بن الحسن الجَنَّابي: صاحب هَجَر ومقدَّم القرامطة، فقام [بالأمر] (١) ستة من قومه، وكانوا يسمون بالسَّادة، وقد اتفقوا على تدبير الأمر من بعده [ولم يختلفوا] (٢) حالهم (٣). وفيها كانت وفاة: الحسن (٤) بن أحمد (٥) بن أبي سعيد الجَنَّابي: أبو محمد القِرْمطي. قال ابن عساكر: واسم أبي سعيد الحسن (٦) بن بَهْرَام (٧)، ويقال الحسن بن أحمد بن الحسن بن يوسف بن كودزكار، يقال: أصلهم من الفرس. قال: ويعرف أبو محمد هذا بالأعصم. قال: وولد بالأحساء في سنة ثمان وسبعين ومئتين. وقد تغلَّب على دمشق والشَّام في سنة سبع وخمسين وثلاثمئة، ثم عاد إلى الأحساء بعد سنة، ثم عاد إلى دمشق في سنة ستين، وكسر جيش جعفر بن فلاح، أول من ناب بالشَّام عن المعز الفاطمي وقتله، ثم توجَّه إلى مِصْر فحصرها في مستهل ربيع الأول سنة إحدى وستين، واستمر محاصرها شهورًا، وقد كان استخلف على دمشق ظالم بن مرهوب العُقيلي (٨) ثم عاد إلى الأحساء، ثم رجع إلى الرَّملة، فتوفي بها في هذه السنة، وقد قارب التسعين، وهو يظهر طاعة عبد الكريم الطَّائع بن المطيع الخليفة. وقد أورد له الحافظ [ابن عساكر] (٩) أشعارًا حسنة رائقة فائقة؛ فمن ذلك ما كتب به إلى جعفر بن فلاح قبل الحرب بينهما (١٠):

стр. 5756

الكُتْبُ مُعْذرةٌ والرُّسْلُ مُخْبرةٌ … والحقُّ مُتَّبعٌ والخَيْرُ موجودُ (١) والحَرْبُ سَاكِنةٌ والخَيْلُ صافِنةٌ (٢) … والسِّلْمُ مُبْتذلٌ والظِّل مَمْدودُ فإنْ أنبتمْ فَمَقْبولٌ إنابَتكمْ … وإن أَبَيْتُمْ فهذا الكُورٌ (٣) مشدودُ على ظُهور المطايا (٤) أو تَردْنَ بنا … دمشقَ والبابُ مهدومٌ (٥) ومَرْدودُ إني امرؤٌ ليس من شأني ولا أَرَبي … طَبْلٌ يَرِنُّ ولا نايٌ ولا عُودُ ولا اعتكافٌ على خميرٍ ومجمرةٍ … وذاتِ دَلٍّ لها غُنْجٌ (٦) وتَفْنيدُ ولا أبيتُ بطينَ البَطْنِ من شِبَعٍ … ولي رفيقٌ خميصُ البطن (٧) مجهودُ ولا تسامت بي الدُّنيا إلى طَمَعٍ … يومًا ولا غَرَّني فيها المواعِيْدُ (٨) ومن شعره أيضًا: يا ساكنَ البَلَدِ المُنيفِ تَعَزُّزًا … بقلاعِه وحُصُونهِ وكُهُوفهِ لا عِزَّ إلا للعزيزِ بنفسهِ … وبِخَيْلِهِ وبِرَجْلهِ وسُيُوفِهِ وبقُيَّة بيضاء قد ضُربتْ على … شَرَفِ الخيامِ لجاره وحليفهِ (٩) قومٌ إذا اشتدَّ الوغى أردَى العِدَى … وشَفَى النُّفُوسَ بِضَرْبِهِ ووقوفهِ (١٠) لم يَرْضَ (١١) بالشَّرَفِ التليدِ لنفسهِ … حتى أشاذ (١٢) تلِيْدُهُ بطريفِهِ (١٣) وفيها تملك قابوس بن وشمكير بلاد جُرْجان وطَبَرِسْتان وتلك النَّواحي. وفيها دخل الخليفة الطائع لله بشاه ناز بنت عز الدولة بن بُوَيْه، وكان عرسًا حافلًا.

стр. 5757

وفي هذه السنة حَجَّت جميلة بنت ناصر الدولة بن حمدان في تجمُّل عظيم، [حتى] (١) كان يُضْربُ المثل بحَجَّها؛ وذلك أنها عَمِلَتْ أربعمئة محمل فلا يُدْرى في أيها هي، ولما وصلت إلى الكعبة المكرَّمة نَثَرتْ عليها عشرة آلاف دينار (٢)، وكَسَتِ المجاورين بالحرمين كلَّهم، وأنفقت أموالًا جزيلة في ذهابها وإيابها. وحجَّ بالناس من العراق الشريف أبو عبد الله أحمد بن أبي الحسين محمد (٣) بن عبد الله (٤) العلوي، وكذلك حج بالناس إلى سنة ثمانين وثلاثمئة، وكانت الخطبة بالحَرَمين في هذه السَّنة للفاطميين أصحاب مصر دون العباسيين. وممن توفي فيها من الأعيان: إسماعيل (٥) بن نُجَيْد (٦) بن أحمد بن يوسف بن سالم: أبو عمرو السُّلَمي. صحب الجُنيد وغيره، وروى الحديث، وكان ثِقَةً، ومن جيد كلامه قوله: من لم تهذبك رؤيته فليس بمهذَّب. وقد احتاج شيخه أبو عثمان (٧) مرَّة إلى شيء، فسأل أصحابه فيه، فجاءه ابن نُجَيد بكيسٍ فيه ألفا دِرْهم، فقبضه منه، وجعل يشكره إلى أصحابه، فقال له ابن نُجيد (٨): يا سيدي، إن المال الذي دفعتُه إليك كان من مال أُمي وهي كارهة، فأحبُّ أن تردَّه إليها. فأعطاه تلك الدَّراهم، فلما كان الليل جاءه بها، وقال: أحب أن تصرفها في أمرك من غير أن يعلم بذلك أحد. فكان أبو عثمان يقول: أنا أخشى (٩) من هِمَّة أبي عمرو بن نُجيد، رحمهم الله تعالى.

стр. 5758

الحسن بن بُوَيْه (١): أبو علي، ركن الدولة بن بويه عَرَضَ له قُولنج، فمات ليلةَ السبت الثَّامن والعشرين من المحرَّم [منها] (٢)، فكانت مُدَّة إمارته أربعًا وأربعين سنة وشهرًا وتسعة أيام؛ ومدَّة عمره ثمانٍ وسبعون سنة (٣)، وكان حليمًا كريمًا. محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أفلح بن رافع بن إبراهيم بن أفلح بن عبد الرحمن بن عبيد بن رفاعة بن رافع، أبو الحسن، الأنْصاري الزُّرْقي (٤)، كان نقيب الأنصار ببغداد، وقد سمع الحديث من أبي القاسم البغوي وغيره، وكان ثِقَةً يعرف أيام الأنصار ومناقبهم وأمورهم، وكانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة. محمد بن الحسن (٥) بن أحمد بن إسماعيل: أبو الحسن السَّرَّاج. سمع يوسف بن يعقوب القاضي وغيره، وكان شديد الاجتهاد في العبادة. صلى حتى أُقعد، وبكى حتى عَمِيَ، وكانت وفاته يوم عاشوراء من هذه السنة. القاضي منذر بن سعيد، أبو الحكم البَلُّوطي (٦): الظاهري مذهبًا، قاضي قضاة الأندلس، وكان إمامًا فقيهًا عالمًا فصيحًا خطيبًا شاعرًا دينًا، كثير الفَضْل، [جامعًا لصنوف من الخير والتقوى والزُّهد] (٧)، وله مصنفات واختيارات، منها أن الجنة التي أُدخلها آدم وأخرج منها كانت في الأرض، [وليست بالجنة التي أعدَّها الله لعباده في الآخرة] (٧)، وله في ذلك مصنِّفٌ مفرد، له وَقْعٌ في النُّفوس [وعليه حلاوة وطلاوة] (٧). وله تفسير القرآن، وغير ذلك. دخل يومًا على النَّاصر لدين الله عبد الرحمن الأموي وقد فرغ من بناء المدينة الزهراء وقصورها، وقد

стр. 5759

بُني له فيها قصر عظيم منيف، وزخرف بأنواع الدهانات والستور، وجلس عنده رؤوس دولته وأمراؤه، وجاء القاضي، فجلس إلى جانبه، وجعل الحاضرون يثنون على هذا البناء [ويمدحونه] (١)، والقاضي ساكتٌ لا يتكلم، فالتفت إليه الملك وقال: ما تقول [أنت] (١) يا أبا الحَكم؟ فبكى القاضي، [وانحدرت دموعه على لحيته] (١) وقال: ما كنتُ أظن أن الشيطان أخزاه الله تعالى يبلغ منك (٢) هذا المبلغ [المفضح المهتك المهلك لصاحبه في الدنيا والآخرة] (٣) ولا أنك تمكنه من قيادك (٤) هذا التمكين مع ما آثرك الله به وفضَّلك [به على كثير من الناس] (٥) حين أنزلك منازل الكُفَّار، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]، قال: فَوَجمَ الملك عند ذلك وبكى وقال: جَزَاك الله خيرًا، وأكثر في المسلمين مثلك (٦). وقد قُحِطَ النَّاسُ في بعض السِّنين، فأمر الملك القاضي منذر بن سعيد البلُّوطي أن يستسقي بالنَّاس، فلما جاءته الرِّسالة بذلك ليخرج من الغد قال للرَّسول: كيف تركت الملك؟ وما حاله؟ فقال: رأيته أخشع ما يكون وأكثره دعاءً [وتضرُّعًا] (٧) فقال القاضي: رُحمتم وسُقيتم والله إذا خَشَعَ جَبَّار الأرض رَحِمَ جَبَّارُ السَّماء. ثم قال لغلامه: اخرج بالمِمْطَر معك (٨). فلما خرج النَّاس وجاء القاضي (٩) صَعِدَ المنبر والنَّاسُ ينظرون إليه يستمعون لما يقول، فلما أقبل عليهم كان أول ما خاطبهم به أن قال: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]، ثم أعادها [مرارًا] (١٠) فأخذ النَّاسُ في النحيب والبكاء [والتوبة] (١١) والإنابة، ولم يزالوا كذلك حتى سُقوا، ورجعوا يخوضون الماء (١٢).

стр. 5760

وقد صنَّف الحافظ أبو عمر بن عبد البَرّ مصنَّفًا في مناتبه، رحمه الله تعالى. أبو الحسن علي بن أحمد (١) بن المَرْزُبان البغدادي الفقيه الشَّافعي: تفقه بأبي الحسين بن القَطَّان، وأخذ عنه الشيخ أبو حامد الإسْفراييني. قال ابن خلَّكان: وكان ورعًا زاهدًا ليس لأحدٍ عنده مَظْلمة، وله وجه في المذهب، وكان له دَرْسٌ ببغداد، وتوفي في رجب من هذه السنة (٢). ثم دخلت سنة سبع وستين وثلاثمئة في هذه السنة دخل عضد الدولة إلى بغداد، وخرج منها عِزُّ الدولة بَخْتيار بن معز الدولة، واتبعه عضد الدولة ليقاتله، وأخذ معه الخليفة الطائع، فاستعفاه الخليفة من الخروج فأعفاه، وسار عضد الدولة وراءه، فأخذه أسيرًا، ثم قتل سريعًا وتصرَّمت دولته. واستقرَّ أمر عضد الدولة ببغداد، وخلع عليه الخليفة الخِلَع السَّنية والأسْوِرَة في يديه والطوق في عنقه، وأعطاه لواءين أحدهما فضَّة والآخر من ذهب، ولم يكن هذا الثاني يصنعه إلا لأولياء العهد، وأرسل إليه الخليفة بتُحَفٍ سنية، وبعث عضد الدولة [إلى الخليفة] (٣) بأموالٍ جزيلة من الذَّهب والفِضَّة، واستقرت يده على بغداد وما والاها من البلاد. وزلزلت الأرض (٤) مرارًا في هذه السنة. وزادت دِجْلة زيادةً كثيرة وانتقضت بيوت كثيرة في البلد، وغرق خَلْقٌ كئير وجمٌّ غفير. وقيل لعضد الدولة: إن أهل بغداد قد قَلُّوا كثيرًا بسبب الطَّاعون، وما وقع بينهم من الفِتَن بسبب الرَّفْض والسُّنَّة، وأصابهم حَريق [عظيم] (٥) وغَرَقٌ، فقال: إنما يهيج [الشر] (٥) بين النَّاس في السُّنَّة والرَّفض هؤلاء القُصَّاص والوعاظ. ثم رسم أن أحدًا لا يقصُّ ولا يعظ في سائر بغداد، ولا يسأل سائل باسم أحد من الصَّحابة، وإنما يقرأ السَّائل القرآن، فمن أعطاه أخذ منه. فعمل بذلك في البلد، ثم بلغه

стр. 5761

أن أبا الحسين بن سمعون الواعظ (١) - وكان من الصَّالحين - قد استمرَّ يعظ الناس على عادته، فأرسل إليه من جاءه به، فأخذ من مجلسه وقيل له: إذا دخلت على الملك فقبِّل التراب وتواضع في الخطاب والجواب. فلما دخل دار الملك وجد السُّلْطان قد جلس في حجرة وحده لئلا يبدر من ابن سمعون في حَقِّه كلامٌ بحضرة الناس يؤثر عنه (٢). فدخل الحاجب بين يديه ليستأذن له عليه، فوجده قد دخل وراءه، فإذا الملك جالس وحده، فتنحا ابن سمعون بوجهه نحو دار عز الدولة ثم استفتح القراءة [بسم الله الرحمن الرحيم] ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]، ثم استدار نحو الملك، فقال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]، ثم أخذ في مخاطبة الملك وَوَعْظِهِ، فبكى عضد الدولة بكاء كثيرًا، وجَزَّاه خيرًا. فلما خرج من عنده قال للحاجب: اذهب فَخذْ ثلاثة آلاف دِرْهم وعشرة أثواب وادفعها إليه أو لفقراء أهله، فإن قبلها جِئْني برأسه، قال الحاجب: فجئته فقلتُ: هذه أثوابٌ أرسل بها إليك الملك لتلبسها. فقال: لا حاجة لي بها، هذه ثيابي (٣) من عهد أبي منذ أربعين سنة كلما خرجتُ إلى النَّاس لَبِسْتُها، فإذا رجعت طَويْتُها. قلت: وهذه نفقة. فقال: لا حاجة لي فيها، لي دارٌ آكل من أجرتها تَرَكها لي أبي، فأنا في غُنْية عنها (٤). فقلت: لفقراء أهلك. فقال: أهله أحق بها من أهلي، وأفقر إليها منهم. فرجعتُ إلى الملك لأشاوره، وأخبر بما قال: فسكتَ ساعةً ثم قال: الحمد لله الذي سلَّمنا منه وسلّمه منا. [ثم إن عضد الدولة أخذ ابن بَقِيَّة الوزير لعز الدولة، فأمر به، فوضع بين قوائم الفِيَلة، فتخبطته بأرجلها حتى هَلَك، ثم صُلِب على رأس الجسر في شَوَّال منها، فرثاه أبو الحسين (٥) بن الأنباري بأبياتٍ يقول فيها: عُلُوٌ في الحَيَاةِ وفي المماتِ … لحقٌ أنتَ إحدى المُعْجزاتِ كأنَّ النَّاسَ حَوْلَكَ حينَ قاموا … وفودُ نَدَاكَ أيامَ الصِّلاتِ كأنَّك واقفٌ فيهم خَطيبًا … وكلُّهمُ وقوفٌ للصَّلاةِ مددتَ يديكَ نحوهُمُ احتفاءً … كمدهما إليهم بالهِباتِ

стр. 5762

وهي قصيدة طويلة أورد كثيرًا منها ابن الأثير في "كامله" (١)]. صفة مقتل عز الدولة بَخْتيار بن معز الدولة وأخذ عضد الدولة الموصل وأعمالها لما دخل عضد الدولة بغداد وتسلَّمها من عز الدولة وأخرجه منها ذليلًا طريدًا في قُلٍّ من النَّاس، ومن عزم بختيار أن يمضي إلى الشَّام فيأخذها، وقد حلفه عضد الدولة أن لا يتعرض لأبي تغلب صاحب الموصل وذلك لمودَّةٍ كانت بينهما ومراسلات منهما، فحلف له على ذلك، وحين خرج من بغداد كان معه حمدان بن ناصر الدولة بن حمدان، فحسَّن لعز الدولة أخذ بلاد الموْصل [من أبي تغلب] (٢)، لأنها أطيبُ وأكثر مالًا [من الشام] (٢) وأقرب إليه [الآن] (٢). وكان عِزُّ الدولة ضعيفَ العقل قليلَ الدِّين، فلما بلغ ذلك أبا تغلب أرسل إلى عز الدولة يقول له: لئن بعثت إليَّ بأخي (٣) حمدان بن ناصر الدولة أعنتك بجيشي وبنفسي حتى أردَّك إلى ملك بغداد وأقاتل معك عضد الدولة. فأمسك حمدانَ وأرسله إلى أخيه (٤) أبي تغلب، فسجنه في بعض القلاع، وبلغ ذلك عضد الدولة وأنهما قد اجتمعا على حربه، فركب إليهما بجيشه، وأراد إخراج الخليفة الطائع معه، فاستعفاه فأعفاه، واستمرَّ هو ذاهبًا إليهما، فالتقى معهما، فكسرهما وهزمهما، وأخذ عز الدولة أسيرًا، فلما جيء به لم يأذن له بل أرسل إليه من قتله في الحال، ثم سار من فوره، فأخذ المَوْصل ومعاملتها، وكان قد حمل معه ميرة كثيرة، وتشرَّد أبو تغلب في البلاد، وبعث وراءه السَّرايا في كلِّ جهة، وأقام عضد الدولة بالموصل، وضيَّق على أبي تغلب تلك البلاد، واستحوذ على أكثر تلك الناحية لصرامته وشجاعته وهمته وعزيمته، وأقام بالموصل إلى أواخر سنة ثمانٍ [وستين] (٥)، وفتح مَيَّافارقين وآمِد وغيرهما من بلاد بكر وربيعة، وتسلَّم بلاد مُضَر من أيدي نواب أبي تغلب، فأخذ منها الرَّحبة، ورَدَّ بقيتها على صاحب حلب (٦) سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان، وتسلَّط سعد الدولة على بلاد عمه أبي تغلب يتسلمها بلدًا، بلدًا، وحين رجع

стр. 5763

عضد الدولة من الموصل استناب عليها أبا الوفا، وعاد إلى بغداد، فتلقاه الخليفة الطائع لله ورؤوس الناس في ظاهر البلد، وكان يومًا مشهودًا. ومما وقع من الحوادث في هذه السنة الوقعة التي كانت بين العزيز بن المعز الفاطمي وبين أفتكين غلام معز الدولة صاحب دمشق، فهزمه العزيز وأخذه معه إلى الدِّيار المصرية مكرَّمًا [معظمًا] (١) كما تقدم (٢)، وتسلَّم العزيز الفاطمي دمشق وأعمالها، وقد تقدَّم في [سنة] (٣) أربع وستين بسط هذه الكائنة بما أغنى عن إعادته (٤). وفيها خُلع على القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي بقضاء قضاة الرَّي وما تحت حكم مُؤَيَّد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، وله مصنَّفات حسنة، منها "دلائل النبوة" (٥) و "عُمُد الأدِلَّة" وغيرها (٦). وحجَّ بالناس في هذه السنة نائب المِصْريين وهو الأمير باديس بن زيري أخو يوسف بلِّكين، ولما دخل مكة اجتمع إليه اللصوص، وسألوا منه أن يُضمِّنهم الموسم هذا العام بما شاء من الأموال. فأظهر لهم الإجابة [إلى ما سألوا] (٧) وقال [لهم] (٧): اجتمعوا كلكم حتى أضمنكم كلكم. فاجتمع عنده بضع وثلاثون حراميًا، فقال: هل بقي منكم أحد؟ فحلفوا له إنه لم يبق منهم أحد. فعند ذلك أمر بقطع أيديهم كلهم، ونعم ما فعل. وكانت الخطبة في هذه السنة للفاطميين بمكة والمدينة دون العباسيين. وممن توفي فيها من الأعيان: الملك عز الدولة بختيار بن معز الدولة أبي الحسين أحمد بن (٨) بويه الدَّيْلَمي (٩): ملك بعد أبيه

стр. 5764

وعمره فوق العشرين (١) سنة بقليل، وكان حَسَن الجسم، شديد البطش، قوي القَلْب جدًّا، يقال: إنه كان يأخذ بقوائم الثور (٢) الشديد فيلقيه إلى الأرض من غير أعوان، ويتقصد الأسود في أماكنها في متصيداته. ولكنه كان كثير اللهو واللَّعب والإقبال على اللَّذات، ولما كسره ابنُ عَمِّه ببلاد الأهواز كان فيما أُخذ من أمواله غلام له كان يحبه حبًا شديدًا [لا يهنأ بالعيش إلا معه] (٣)، فبعث يترفق لابن عمه فيه حتى يردَّه، وأرسل إليه بتُحَفٍ عظيمة وأموالٍ جزيلة وجاريتين عوَّادتين لا قيمة لهما (٤). وبعث نقيب الأشراف في ذلك، فرُدَّ عليه الغلام المذكور، فكثُرَ تعنيف الناس لعز الدولة، وسقط من أعين الملوك، لأنه كان يقول: ذَهابُ هذا الغلام أشدُّ عليَّ مما جرى من أخذ بغداد وأرض العراق. ثم آل من أمره أنه أسره ابن عمه عضد الدولة كما ذكرنا (٥)، وأمر بقتله سريعًا، فكانت مدّة حياته ستًا وثلاثين سنة، ومدة دولته منها إحدى عشرة (٦) سنة وشهور (٧). محمد بن عبد الرحمن (٨): أبو بكر، القاضي المعروف بابن قُرَيعة، ولي قضاءَ السِّنْدية (٩)، وكان فصيحًا يأتي بالكلام المسجوع من غير تكلُّف ولا تردُّد، وكان جميلَ المعاشرة ظريف المحاضرة، ومن شعره: لي حِيْلَةٌ فيمن يَنُمُّ (م) … وليسَ في الكذَّابِ حِيْلَهْ مَنْ كان يَخْلُقُ ما يقو … لُ فَحِيْلتي فيه قَلِيْلهْ وكان يقول للرجل من أصحابه إذا تماشيا (١٠): إن تقدَّمْتُ [بين يديك] (١١) فحاجب، وإن تأخرتُ فواجب. وكانت وفاته يوم السبت لعشر بقين من جُمادى الآخرة منها، رحمه الله تعالى، والله أعلم.

стр. 5765

ثم دخلت سنة ثمانٍ وستين وثلاثمئة في شعبان منها أمر الخليفة الطائع لله أن يُدْعى لعضد الدولة بعد الخليفة على المنابر ببغداد، وأن تضرب الدبادب على بابه وقت الفجر وبعد المغرب والعِشاء. قال ابنُ الجَوْزي: وهذا شيء لم يتفق لغيره من بني بُوَيْه، وقد كان مُعِزُّ الدولة سأل من المطيع لله أن تضرب الدَّبادب على بابه ببغداد، فلم يأذن له في ذلك (١). وقد افتتح عضد الدولة (٢) في هذه السنة وهو مقيم بالمَوْصل أكثر ما كان لأبي تغلب بن حمدان، كآمِد وميافارقين والرَّحبة وغير ذلك من المدن الكبار والصغار. وحين عزم على العود إلى بغداد استناب على الموصل أبا الوفا الحاجب، ورجع إلى بغداد، فدخلها في سَلْخ ذي القعدة من هذه السنة، وتلقَّاه الخليفة والأعيان في أثناء الطريق، وكان يومًا مشهودًا، والله أعلم بالصواب. ذكر ملك قَسَّام التَّرَّاب لدمشق في هذه السنة لما اتَّقع (٣) أفتِكين مع العزيز بأرض الرملة، وانهزم أفتكين والحسن القرمطي معه، وأسر أفتكين، فذهب العزيز إلى ديار مصر، نهض رجلٌ من أهل دمشق يقال له قَسَّام التَّرَّاب، كان أفتكين يقربه ويدنيه، ويأتمنه على أسراره، فاستحوذ على دمشق، وطاوعه أهلُها، وقصدته عساكر العزيز من مصر، فحاصروه بها، فلم يتمكنوا منه بشيء، وجاء أبو تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان فحاصره، فلم يمكنه أن يدخل دمشق، فانصرف عنه خائبًا إلى طبرية، فوقع بينه وبين بني عقيل وغيرهم من العرب حروبٌ طويلة، آل به الحال إلى أن قُتل أبو تغلب، وكانت معه أُخته جميلة وامرأته بنت عمه سيف الدولة، فرُدَّتا إلى سعد الدولة بن سيف الدولة بحلب، فأخذ أخته، وبعث بجميلة إلى بغداد، فَحُبِسَتْ في دارٍ، وأخذ منها أموالٌ جزيلة. وأما قسَّام وهو الحارثي، وأصله من بني الحارث بن كعب من اليمن - فأقام بالشَّام، يسُدُّ خللها، ويقوم بمصالحها مُدَّة سنين عديدة، وكان مجلِسُه بالجامع، ويجتمع النَّاس عنده، فيأمرهم وينهاهم فيمتثلون ما يرسم به.

стр. 5766

قال ابنُ عساكر: إن أصله من قرية تَلْفِيتا (١)، وكان تَرَّابًا. قلت: والعامة يقولون اسمه قسيم الزبال، وإنما هو قَسَّام، ولم يكن زبالًا بل تَرَّابًا من قرية تلفيتا بالقُرْب من قرية مَنِين، وكان بدوُّ أمره أنه انتمى إلى رجلٍ من أحداث دمشق يقال له أحمد بن الجسطارة (٢)، فكان من حِزْبه، ثم استحوذ على الأمور، وغلب الولاة والأمراء وصارت إليه أَزِمَّة الأحكام إلى أن قدم يَلْتِكين (٣) التُّرْكي من مِصْر في يوم الخميس السَّابع عشر من المحرَّم سنة ستٍّ وسبعين وثلاثمئة، فأخذها منه ودخلها، فاختفى قَسَّام مدة، ثم ظهر، فأخذه أسيرًا، ثم أرسله [مقيدًا] (٤) إلى الديار المِصْرية، فأطلق وأحسن إليه، وأقام بها أيضًا مكرمًا، واللَّه أعلم. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن جعفر بن حمدان (٥) بن مالك بن شبيب بن عبد اللَّه: أبو بكر بن مالك القَطِيعي -من قطيعة الدَّقيق ببغداد- راوي "مسْند" أحمد عن ابنه عبد اللَّه، وقد روى عنه غير ذلك من مصنَّفات أحمد، وحدَّث عن غيره من المشايخ أيضًا، وكان ثِقَةً كثير الحديث. وقد حدّث عنه الدَّارَقُطْني وابن شاهين والبَرْقاني وأبو نُعيم والحاكم، ولم يمتنع أحدٌ من الرواية عنه ولا التفتوا إلى ما شغب به بعضهم من الكلام فيه، بسبب غرق بعض كتبه حين غرقت القطيعة بالماء الأسود، فاستحدث بعضها من نسخ أُخَر، وهذا ليس بشيء، لأنها قد تكون معارضة على كتبه التي غرقت، واللَّه أعلم. ويقال: إنه تَغَيَّر في آخر عمره فكان لا يدري ما يقرأ عليه، وقد جاوز التسعين، ﵀. تميم بن المعز الفاطمي (٦): وبه كان يكنى، وقد كان من أكابر أمراء دولة أبيه وأخيه العزيز، وفيه

стр. 5767

كرم وله فضيلة، وقد اتفقت له كائنة غريبة، وهي أنه أرسل إلى بغداد، فاشتريت له جارية مغنية بمبلغٍ جزيل، فلما حضرت عنده أضاف أصحابه ثم أمرها فغنت -وكانت تحبُّ شخصًا ببغداد-: وبدا له من بعدِ ما اندمل الهَوى … بَرْقٌ تألَّقَ مُوهِنًا لمعانُهُ يبدو كحاشيةِ الرِّداء ودونه … صَعْبُ الذُّرى مُتَمنِّعٌ أرْكانُهُ فبدا لينظر كيفَ لاح فلم يُطِقْ … نظرًا إليه وصدَّه أشجانهُ فالنارُ ما اشْتَمَلَت عليهِ ضلُوعهُ … والماء ما سَمَحتْ بهِ أجفانهُ ثم غنته بأبيات أُخَر، فاشتدَّ طرب تميم وقال لها: لابد أن تسأليني حاجةً، فقالت: عافيتك. فقال: ومع هذا. وألحَّ عليها فقالت: تردُّني إلى بغداد حتى أغني بهذه الأبيات. فوجم [لذلك] (١)، ثم لم يجدُ بُدًا من الوفاء [لها بما سألتْ] (٢)، فأرسلها مع بعض أصحابه، فأحَجَّها، ثم سار بها إلى بغداد على طريق العراق، فلما أمسوا الليلة التي يدخلون من صبيحتها بغداد ذهبت في الليل فلم يدرِ أين ذهبت، فلما راح الخبر إلى مولاها تألم ألمًا شديدًا، وندِمَ ندمًا [شديدًا] (٣) حيث لا ينفعه النَّدَم. [وقد ذكر ابن خلكان أنه لما توفي أدرج في ثمانين ثوبًا من ديباج، وأن قاضيهم هو الذي تولى ذلك منه. قلت: وهذا من الإسراف الذي سببه الجهل بالشرع] (٤). العقيقي (٥): صاحب الحَمَّام والدَّار المنسوبتين إليه بمحلة باب البريد بدمشق أحمد بن الحسين بن أحمد بن علي بن محمد العقيقي بن جعفر بن عبد اللَّه بن الحسين الأصغر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الشريف أبو القاسم الحسيني. قال ابن عساكر: كان من وجوه أشراف دمشق، وإليه تنسب الدَّار والحَمَّام [بمحلة باب البريد] (٦). وذكر أنه توفي يوم الثلاثاء لأربع خلون من جُمادى الأولى من هذه السنة (٧)، وأنه دفن من الغد، وأغلق البلد بسبب جنازته، وحضرها بكجور وأصحابه -يعني نائب البلد- ودفن خارج باب الصغير.

стр. 5768

قلت: وقد اشترى الملك الظَّاهر بيبرس داره وبناها مدرسة ودار حديث وتربة وبها قبره (١)، وذلك في حدود سنة سبعين وستمئة كما سيأتي بيانه. أبو سعيد السِّيْرَافي (٢): النحوي، الحسن بن عبد اللَّه بن المَرْزُبان أبو سعيد القاضي. سكن بغداد، وولي القضاء بها نيابةً، وله "شرح كتاب سيبويه"، و"طبقات النحاة". وروى عن أبي بكر بن دُرَيد وغيره، وكان أبوه مجوسيًّا (٣)، وكان أبو سعيد هذا عالمًا باللغة والقراءات والنحو والعَروض والفرائض والحساب وغير ذلك من فنون العلم، وكان زاهدًا لا يأكل إلا من عمل يده، كان ينسخ كل يوم عشر ورقات بعشرة دراهم، تكون منها نفقته، وكان من أعلم النَّاس بنحو البصريين، وينتحل مذهب أهل العراق في الفقه (٤)، وقرأ على ابن مجاهد القراءات، واللغة على ابن دريد، والنحو على ابن السَّرَّاج والمَبْرَمان (٥)، ونسبه بعضهم إلى الاعتزال، وأنكره آخرون، وكانت وفاته في رجب من هذه السنة عن أربع وثمانين سنة، ودفن بمقبرة الخيزران. عبد اللَّه بن إبراهيم بن يوسف (٦): أبو القاسم الجُرْجاني (٧)، ويعرف بالآبندُوني (٨). رحل في طلب العلم والحديث إلى الآفاق، ورافق ابن عدي في بعض ذلك، ثم سكن بغداد، وحدَّث بها عن أبي يعلى، والحسن بن سفيان وابن خُزَيمة وغيرهم، وكان ثِقَةً ثبتًا مصنفًا زاهدًا. روى عنه البَرْقاني وأثنى عليه خيرًا، وذكر أن أكثر أكله الخبز المأدوم بمرق الباقِلاء، وذكر

стр. 5769

أشياء من تقلُّله وزهده وورعه، توفي عن خمسٍ وتسعين سنة، رحمه اللَّه تعالى. عبد اللَّه بن محمد بن وَرْقاء: الأمير أبو أحمد الشَّيباني، من أهل البيوتات والحشمة، بلغ التسعين [سنة] (١) روى عن ثعلب عن ابن الأعرابي أنه أنشد في صفة النِّساء: هي الضِّلَعُ العَوْجاء لستَ تقيمها … ألا إنَّ تَقْويمَ الضُّلوعِ انكسارُها أيجمعنَ ضعفًا واقتدارًا على الفتى … أليس عجيبًا ضَعْفُها واقتدارُها قلت: وهذا الشاعر أخذ المعنى من الحديث الصَّحيح: "إن المرأة خلقت من ضِلَع أعوج وإن أعوج شيء في الضِّلع أعلاه، فإنْ ذَهَبْتَ تقيمه كَسَرْتَهُ، وإن استمتعتَ بها استمتعت وفيها عِوَج". محمد بن عيسى (٢) بن عمرويه، الجُلُودي (٣): راوي "صحيح مسلم" عن إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه (٤) عن مسلم بن الحَجَّاج، وكان من الزُّهَّاد، يأكل من كَسْب يده من النَّسْخ، وبلغ ثمانين سنة، رحمه اللَّه تعالى بمنه وكرمه. ثم دخلت سنة تسع وستين وثلاثمئة في المحرَّم منها توفي الأمير عمر بن شاهين، صاحب بلاد البطيحة منذ أربعين سنة، تغلَّب عليها، وعَجَزَ عنه الأمراء والملوك والخلفاء، وبعثت إليه الجنود والسَّرايا والجيوش غَيْرَ مرة، فكل ذلك يغلبها (٥) ويكسرها، وكل ما له في تمكُّنٍ وقُوَّة، ومكث كذلك هذه المدة كلها، ومع هذا كله مات على فراشه [حتف أنفه] (٦)، فلا نامت أعْيُنُ الجبناء. وقام بالأمر من بعده ولده الحسن، فرام عضد الدولة أن ينتزع الملك من يده، فأرسل إليه سريةً فيها خلق من الجنود، فكسرهم الحسن بن عمر بن شاهين، وردَّهم خائبين، وكاد أن يتلفَهُمْ بالكلِّية، حتى أرسل إليه عضد الدولة، فصالحه على مالٍ يرسله إليه كل سنة وأخذ رهائن من عضد الدولة على ذلك، وهذا من العجائب الغريبة. وفي صَفَر منها قبض على الشَّريف أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي؛ نقيب الطَّالبيين، [وقد

стр. 5770

كان أمير الحج مدة سنين] (١)، واتهم بأنه يفشي الأسرار، وأن عِزَّ الدولة أودع عنده عقدًا ثمينًا، وأتي بكتاب أنه خطُّه في إفشاء الأسرار، فأنكر أنه خَطُّه، وكان مزورًا عليه، واعترف بالعقد، فأخذ منه، وعزل عن النَّقابة وولي غيره، وكان مظلومًا في ذلك. وفي هذا الشهر أيضًا عَزَلَ عضدُ الدولة قاضي القضاة أبا محمد بن معروف، وولَّى غيره. وفي شعبان ورد البريد من مصر إلى عضد الدولة بمراسلات كثيرة، فَرَدَّ الجواب بما مضمونه صدق النية وحُسْن الطَّوية. ثم سأل عضد الدولة من الطَّائع أن يجدد عليه الخِلَع والجوهر، وأن يزيد في ألقابه تاج الدولة، فأجابه إلى ذلك كله، فخلع عليه من أنواع الملابس ما لم يتمكن من تقبيل الأرض من كثرتها (٢)، وفوَّض إليه ما وراء بابه من الأُمور ومصالح المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وحضر ذلك الرؤساء والأمراء وأعيان الناس، وكان يومًا مشهودًا هائلًا. وأرسل في رمضان إلى الذُّعَّار من الأعراب من بني شيبان وغيرهم، فعقرهم وكسرهم وقهرهم، وكان أميرهم ضبَّة (٣) بن محمد الأسدي متحصِّنًا بعين التمر مدة نيف وثلاثين سنة، فأخذت ديارهم وأخذت أموالهم، وحالت أحوالهم. وفي يوم الثلاثاء لتسعٍ (٤) بقين من ذي القعدة تزوَّج الخليفة الطائع للَّه بنت عضد الدولة الكبرى، وعقد العقد بحضرة الأعيان والرؤساء، وكان عقدًا هائلًا حافلًا على صَدَاق مبلغه مئة ألف دينار، ويقال مئتا ألف دينار، وكان وكيل عضد الدولة الشيخ أبا علي [الحسن بن أحمد] الفارسي النحوي، صاحب "الإيضاح" و"التكملة" (٥)، وكان الذي خطب خطبة العقد القاضي أبو علي المُحَسِّن (٦) بن علي التَّنوخي، وكان يومًا مشهودًا. وفيها كان مقتل أبي تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان بالشام قريبًا من نوى (٧) وأعمالها، وكانت معه

стр. 5771

أخته جميلة وزوجته بنت عمه سيف الدولة، فردتا إلى ابن عمه سعد الدولة بن سيف الدولة صاحب حلب. قال ابنُ الأثير: وفي هذه السنة جدَّد عضد الدولة عمارة بغداد ومحاسنها، وجدَّد المساجد والمشاهد، وأجرى على الفقهاء والأئمة الأرزاق والجرايات من الفقهاء والمحدِّثين والأطباء والحُسَّاب وغيرهم، وأطلق الصِّلات لأرباب البيوتات والشرف، وألزم أصحاب الأملاك ببغداد بعمارة بيوتهم ودورهم، ومهَّد الطُّرُقات، وأطلق المكوس، وأصلحِ طريق الحُجَّاج من بغداد إلى مكَّة، وأرسل الصَّدقات والصِّلات للمجاورين بالحَرَمين. قال: وأَذِن لوزيره نَصْر بن هارون -وكان نصرانيًا- بعمارة البِيَع والدِّيَرة، وإطلاق الأموال لفقرائهم (١). وفيها توفي حسنويه بن حسين الكردي، وكان قد استحوذ على نواحي بلاد الدِّيْنور وهَمَذَان ونهاوند مدة خمسين سنة، وكان حَسَنَ السِّيرة، كثير الصدقة بالحرمين وغيرهما، فلما توفي اختلف أولاده من بعده وتمزَّق شملهم، وتمكَّن عضد الدولة من أكثر بلاده، وقويت شوكته في الأرض. وفي هذه السنة ركب عضد الدولة في جيوش (٢) كثيفة إلى بلاد أخيه فخر الدولة، وذلك لما كان بلغه من ممالأة عز الدولة واتفاقهما عليه، فلما تفرغ من أعدائه ركب فتسلَّم بلاد أخيه فخر الدولة هَمَذان والرَّي وما بينهما من البلاد، وسلَّم ذلك إلى أخيه مؤيد الدولة بُوَيه بن ركن الدولة (٣) ليكون نائبه عليها، ثم سار إلى بلاد حسنويه الكردي، فتسلم بلاده وأخذ حواصله وذخائره، وكانت جليلة كثيرة، وحبس بعض أولاده، وأمَّر بعضهم، وأرسل إلى الأكراد الهكَّارية، فأخذ منهم بعض بلادهم، وعَظُمَ شأن عضد الدولة في البلاد وارتفع صيته وذِكْره، إلا أنه أصابه في هذه السفرة داء الصَّرْع، وقد كان تقدَّم له في الموصل [مثله] (٤) فكان يكتمه، ولكنه غلب عليه كثرة النسيان فلا يذكر الشيء إلا بعد جهد جهيد، والدنيا لا تسر بقدر ما تضر. دارٌ متى (٥) ما أضْحَكَتْ في يَوْمِها … أبْكَتْ غدًا بُعْدًا لها مِنْ دَارِ وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن عطاء بن أحمد (٦): أبو عبد اللَّه الرُّوذْبارِي -ابن أُخت أبي علي

стр. 5772

الرُّوذباري (١) - أسندَ الحديث، وكان يتكلَّم على مذهب الصُّوفية، وكان قد انتقل من بغداد فأقام بصُور، وتوفي بها في هذه السنة (٢). أحمد بن زكريا (٣) أبو الحسين اللُّغوي: صاحب كتاب "المجمل" في اللُّغة وغيره، ومن شِعْره قبل موته بيومين: يا ربّ إنَّ ذنوبي قد أَحَطْتَ بها … عِلْمًا وبي وبإعلاني وإسراري أنا الموحِّدُ لكنَّي المُقِرُّ بها … فَهَبْ ذنوبي لِتَوْحيدي وإقْرَاري ذكر ذلك ابنُ الأثير. الحسين (٤) بن علي (٥): أبو عبد اللَّه، البَصْري، أحد مشايخ المعتزلة؛ ويعرف بالجُعَل، سكن بغداد وانتحل مذهب العراقيين، وصنَّف للمعتزلة، وكان اشتغاله في الفروع على أبي الحسن الكَرْخي (٦)، وعنده دُفِنَ، وقد قارب الثمانين. حَسْنويه بن الحسن الكردي: أمير تلك البلاد، وكان كثير الصَّدَقات كما قدمنا (٧)، رحمه اللَّه تعالى.

стр. 5773

عبد اللَّه بن إبراهيم (١) بن أيوب بن ماسي: أبو محمد البزاز، أسند الكثير، وبلغ خمسًا وتسعين سنة، وكان ثِقَةً ثَبْتًا، توفي في رجب من هذه السنة. محمد بن صالح (٢) بن علي بن يحيى: أبو الحسن، الهاشمي، قاضي بغداد ويعرف بابن أُمِّ شيبان. وكان عالمًا فاضلًا، له تصانيف، وقد ولي الحكم ببغداد قديمًا، وكان جيِّد السيرة، توفي في هذه السنة وقد جاوز السبعين، وقارب الثمانين، ﵀ وإيانا بمنِّه. ثم دخلت سنة سبعين وثلاثمئة فيها ورد الصَّاحب بن عَبَّاد من جهة مُؤَيَّد الدولة إلى أخيه عضد الدولة، فتلقَّاه عضد الدولة إلى ظاهر البلد، وأكرمه، وأمر الدولة باحترامه، وخلع عليه، زاد في إقطاعه، ورَدَّ معه هدايا كثيرة جدًا. وفي جمادى الآخرة منها رجع عضد الدولة إلى بغداد، فتلقاه الخليفة الطائع، وضُربت له القباب وزينت الأسواق. وفي هذا الشهر دخل الخليفة بزوجته بنت عضد الدولة، وحمل معها من الجهاز شيء عظيم. وفي هذا الشهر [أيضًا] (٣) وصلت هدايا من صاحب اليمن إلى عضد الدولة، وفيها أشياء حسنة وكانت الخطبة بالحرمين في هذه السنة لصاحب مصر، وهو العزيز بن المعز الفاطمي. وممن توفي هذه السنة من الأعيان: أحمد بن علي (٤): أبو بكر، الفقيه الحنفي، الرَّازي، أحد أئمة أصحاب الرَّأي، ومن له المصنَّفات المفيدة، وله كتاب "أحكام القرآن". وهو تلميذ أبي الحَسَن الكَرْخي، وكان عابدًا زاهدًا ورعًا، انتهت إليه رياسة الحنفية في وقته،

стр. 5774

ورحل إليه الطلبة من الآفاق، وقد سمع الحديث من أبي العباس الأصَم وأبي القاسم الطَّبراني وغيرهما وقد أراده الطَّائع اللَّه (١) على أن يوليه القضاء فلم يقبل. كانت وفاته في ذي الحجة من هذا العام، وصلَّى عليه أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي (٢). محمد بن جعفر بن الحسين (٣) بن محمد بن زكريا: أبو بكر الوَرَّاق (٤)، ويلقب بغُنْدَر أيضًا (٥). وكان جَوَّالًا رحَّالًا، سمع الحديث الكثير ببلاد فارس وخُرَاسان، وسمع الباغَنْدي، وابن صاعد، وابن دُريد، وغيرهم، وعنه الحافظ أبو نُعيم الأصْبهاني، وكان ثِقَةً حافظًا، رحمه اللَّه تعالى. ابن خَالَوَيْه (٦)، الحسين بن أحمد بن خالويه: أبو عبد اللَّه، النَّحْوي، اللُّغوي، صاحب المصنفات، أصله من هَمَذَان، ثم دخل بغداد، فأدرك [بها] (٧) مشايخ هذا الشأن: كأبي بكر بن الأنباري، وابن دريد وابن مجاهد، وأبي عمر (٨) الزَّاهد، واشتغل على أبي سعيد السِّيرافي، ثم صار إلى حلب، فكانت له مكانة عند آل حمدان، وكان سيف الدولة يكرمه وهو أحد جلسائه، وله مع المتنبي مناظرات. وقد سَرَدَ له ابن خَلِّكان مصنفات كثيرة، منها كتاب "ليس" (٩)، لأنه كان يكثر أن يقول فيه ليس في كلام العرب كذا، وكتاب "الآل" تكلَّم فيه على أقسامه (١٠)، وترجم الأئمة الاثني عشر، وأعرب ثلاثين سورة من القرآن، وشرح "الدُّرَيْدية" وغير ذلك، وله شِعْرٌ حسن (١١)، وكان فَرْدًا في زمانه، رحمه اللَّه تعالى.

стр. 5775

ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وثلاثمئة في ربيع الأول منها وَقَعَ حريقٌ عظيم بالكَرْخ من بغداد. وفيها سُرِقَ شيءٌ نفيس لعضد الدولة، فعَجبَ النَّاس من ذلك مع شِدَّة هيبة عضد الدولةِ، ثم مع هذا اجتهدوا كل الاجتهاد فلم يُعرف من أخذه، ويقال: إن صاحب مِصْر بعث من فعل هذا، [واللَّه أعلم] (١). وممن توفي فيها من الأعيان: [الإسماعيلي] (٢)، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العبَّاس: أبو بكر، الإسماعيلي الجُرْجاني، الحافظُ الكبير الرَّحَّال الجَوَّال. سمع الكثير وحدَّث وخرَّج وصنَّف، فأفاد وأجاد، وأحسن الانتقاد والاعتقاد، صنف كتابًا على "صحيح البخاري" فيه فوائد كثيرة، وعلوم غزيرة. قال الدَّارَقُطْني: كنت عزمت غير مرة على الرِّحْلَة إليه فلم أُرْزَق. وكانت وفاته يوم السبت عاشر (٣) رجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمئة، وهو ابنُ أربعٍ وتسعين (٤) سنة، ﵀. الحسن بن أحمد بن صالح (٥): أبو محمد السَّبيعي. سمع ابنَ جرير وقاسمًا المُطرِّز وغيرهما، وعنه الدَّارَقُطْني والبَرْقاني، وكان ثِقَةً حافظًا مكثرًا، وكان عَسِرَ الرِّواية، ﵀.

стр. 5776

الحسن بن علي بن الحسن بن الهيثم بن طَهْمان: أبو عبد اللَّه الشَّاهد، المعروف بالبادا. سمع الحديث وكان ثِقَةً، عُمِّر سبعًا وتسعين سنة، منها خمس عشرة سنة مقعدًا (١) أعمى، ﵀. عبد اللَّه بن الحسين (٢) بن إسماعيل بن محمد: أبو بكر الضَّبِّي القاضي، ولي الحكم بعدَّة بلاد كثيرة (٣)، وكان عفيفًا نَزِهًا صيِّنًا ديِّنًا، رحمه اللَّه تعالى. عبد العزيز بن الحارث (٤) بن أسد بن اللَّيث: أبو الحسن التميمي، الفقيه الحَنْبلي. له كلام ومصنَّف في الخلاف، وسمع الحديث، وروى عن غير واحد، وقد ذكر الخطيب البغدادي أنه وضع حديثًا (٥). وردَّ ذلك أبو الفرج بن الجَوْزي وقال: ما زال هذا دأب الخطيب في أصحاب أحمد بن حنبل. قال: وشيخ الخطيب الذي حكى عنه هذا وهو أبو القاسم عبد الواحد بن علي الأسدي العُكْبَرِي (٦) لا يُعْتمدُ على قوله، فإنه كان معتزليًا وليس من أهل الحديث، وكان يقول بأنَّ الكُفَّار لا يخلَّدون في النار. قلت: وهذا غريبٌ، فإنهم (٧) يقولون بوجوب تخليد أصحاب الكبائر، فكيف لا يقول هذا بتخليد الكفَّار! قال: وعنه حكى الكلام في ابنِ بَطَّة أيضًا (٨). علي بن إبراهيم (٩): أبو الحسن الحُصْرِي، الصُّوفي، الواعظ، شيخ الصُّوفية ببغداد، وأصله من البَصْرة.

стр. 5777

وكان قد صَحِبَ الشِّبْلي (١) وغيره، وكان يعظ النَّاس بالجامع، ثم لما كَبِرَتْ سنُّه بني له الرِّباط المقابل لجامع المنصور، ثم عُرِفَ بصاحبه الزَّوْزَني (٢)، وكان لا يخرج إلا من الجمعة إلى الجمعة، وله كلامٌ جيد في التصوف على طريقتهم. ومما نقله ابنُ الجوزي عنه أنه قال: ما عليَّ منّي؟ وأي شيء لي فيَّ حتى أخاف وأرجو، إنْ رَحمَ رحم ماله، وإنْ عَذَّب عذب ماله (٣). توفي في ذي الحجَّة وقد نيَّف على الثمانين، ودفن بمقبرة باب حَرْب من بغداد. علي بن محمد الأحدب المزوِّر (٤): كان قوي الخطِّ، له مَلَكة على التزوير لا يشاء يكتب على كتابة أحدٍ إلا فعله، فلا يَشُكُّ ذلك المزور عليه أنه خَطَّه، وبُلي النَّاس ببلاءٍ عظيم، وختم السلطان على يده مرارًا فلم يفد، ثم كانت وفاته في هذه السَّنة (٥). الشيخ أبو زيد [المَرْوزي الشَّافعي] (٦): محمد بن أحمد بن عبد اللَّه بن محمد المروزي، شيخ الشَّافعية في زمانه، وإمام أهل عَصْره في الفِقْه والزُّهْد والعبادة والورع. سمع الحديث، ودخل بغداد، وحدَّث بها، فسمع منه الدَّارَقُطْني وغيره. قال أبو بكر البَزَّار: عادَلْتُ (٧) الشيخ أبا زيد في طريق الحج فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة. وقد ذكرتُ ترجمته بتمامها في "طبقات الشَّافعية". قال الشيخ ابن نُعيم (٨): توفي بمرو يوم الجمعة الثالث عشر من رجب من هذه السنة، ﵀.

стр. 5778

محمد بن خفيف (١): أبو عبد اللَّه الشِّيْرازي، أحد مشاهير الصُّوفية، صحب الجَريري وابن عَطَاء وغيرهما. قال ابن الجوزي: وقد ذكرتُ في كتابي المسمى "تلبيس إبليس" عنه حكايات تدلُّ على أنه كان يذهب مذهب الإباحية (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصَّواب (٣). ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين وثلاثمئة قال ابن الجوزي: في المحرَّم [منها] (٤) جرى الماء الذي ساقه عضدُ الدولة إلى داره وبستانه. وفي صفر فُتح المارَسْتان الذي أنشأه عضد الدولة في الجانب الغربي من بغداد، وقد رتَّب فيه الأطباء والخدم، ونُقل إليه من [الأدوية] (٥) والأشربة والعقاقير شيء كثير (٦). قال: وفيها توفي عضد الدولة، فكتم أصحابه موته حتى أحضروا ولده صمصام الدولة، فولوه الأمر، وراسلوا الخليفة، فبعث إليه بالخِلَع والولاية، واللَّه أعلم. ذكر شيء من أخبار عضد الدولة أبو شجاع بن ركن الدولة (٧) أبي علي الحسن (٨) بن بُوَيْه الدَّيْلَمي. صاحبُ العراق وملك بغداد [وغيرها] (٩).

стр. 5779

وهو أول من تسمَّى شاهنشاه، ومعناه ملك الملوك. وقد ثبتَ في الصَّحيح عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "أوضع اسم -وفي روايةٍ أخنع اسم- عند اللَّه رجل تسمى ملك الأملاك، لا ملك إلا اللَّه ". وهو أول من ضُرِبَتْ له الدَّبادب ببغداد، وأول من خطب له بها مع الخليفة، وذكر [القاضي] (١) ابن خَلِّكان أنه امتدحه الشعراء بمدائح هائلة كالمتنبي وغيره، فمن ذلك قول أبي الحسن محمد بن عبد اللَّه السَّلامي من قصيدة [له] (٢): إليكَ طَوَى عرضَ البسيطةِ جاعلٌ … قُصارى المطايا أن يلوحَ لها القَصْرُ فَكُنْتَ وعَزْمي في الظَّلامِ وصارِمي … ثلاثةَ أشياء (٣) كما أجْمَعَ النَّسْرُ وَبَشَّرْتُ آمالي بِمَلْكٍ هو الوَرَى … ودارٍ هي الدُّنيا ويومٍ هو الدَّهْرُ ثم قال ابن خلكان: وهذا هو السحر الحلال، وقد قال المتنبي: هي الغَرَضُ الأقصى ورُؤْيَتُكَ المُنى … ومَنْزِلُك الدُّنيا وأنْتَ الخلائقُ قال ابن خلكان: وليس في الطلاوة كقول السلامي، ولا استوفى المعنى كله، فإنه لم يذكر الدهر. وقال أبو بكر أحمد الأَرْجَاني القاضي ناصح الدين في قصيدةٍ له بيتًا، ولم يلحق السَّلامي [أيضًا وهو قوله] (٤): لقيتُه فرأيتُ النَّاسَ في رَجُلٍ … والدَّهْرَ في ساعةٍ والأرضَ في دارِ (٥) قال ابن خلكان: وكتب إليه أفتكين مولى أخيه صاحب دمشق (٦)، يستمدُّه بجيشٍ يقاتل به الفاطميين، فكتب إليه عضد الدولة: غَرَّكَ عِزُّك فصار قُصار ذلك ذُلُّك، فاخْشَ فاحشَ فِعْلك، فعلَّك تُهدا بهذا، والسَّلام. وقد أبدع [فيها] (٧) كلَّ الإبداع (٨).

стр. 5780

وقد جرى له من التعظيم من الخليفة ما لم يقع لأحدٍ ممن كان قبله، وقد ذكرنا (١) أنه كان ذا همة وصرامة وعزمٍ، اجتهد في عمارة بغداد والطُّرقات، وأجرى النفقات والصدقات على المجاورين بالحرمين، وأهل البيوتات، وحفر الأنهار، وبنى المارَسْتان العَضُدي، وأدار السُّور على مدينة الرَّسول ﷺ ، وهذا كله في مدة ملكه على العراق، وكان خمس سنين. وقد كان عاقلًا فاضلًا، حَسَنَ السياسة، شديدَ الهيبة، بعيد الهِمَّة، إلا أنه كان يتجاوز في سياسته الأمور الشَّرْعية، كان يحب جاريةً فألهته عن تدبير المملكة، فأمر بتغريقها. وبلغه أن غلامًا له أخذ لرجلٍ بطيخة، فضربه بسيف فقطعه نصفين، وهذه مبالغة. كان سبب موته داء الصَّرْع. وحين أخذته عِلَّة موته لم يكن له كلام سوى تلاوة قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨ - ٢٩]. [فكان هذا هِجِّيراه حتى مات] (٢). وحكى ابنُ الجوزي في "منتظمه" أنه كان يحبُّ العِلْم والفضيلة، وكان يقرأ عنده كتاب إقليدس، وكتاب النحو لأبي علي الفارسي (٣)، وهو "الإيضاح والتكملة" الذي صنَّفه له، وغير ذلك، وذكر أن له شعرًا فمنه قوله وقد خرج إلى بستان فَودَّ لو قد جاء المطر، فنزل المطر، فأنشأ يقول: ليس شُرْبُ الرَّاحِ إلا في المَطَرْ … وغِناءٌ منْ جَوَارٍ في السَّحَرْ غانياتٍ سالباتٍ للنُّهى … ناغماتٍ في تضاعيفِ الوَتَرْ راقصاتٍ زاهراتٍ نُجُلٍ … رافلاتٍ في أفانين الحِبَرْ مطربات محسنات مُجُنٍ … رافضات الهمِّ إبان الفِكَرْ مبرزات الكأسِ من معدنها (٤) … مسقيات الخمرِ مَنْ فاقَ (٥) البَشَرْ عَضُدَ الدولة وابنَ رُكْنها … مالكَ الأملاكِ غلابَ القَدَرْ سهَّلَ اللَّه له بُغْيته (٦) … في ملوكِ الأرضِ ما دارَ (٧) القَمَرْ
следующие страницы →