← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

الحسن بن علي بن الحسن بن الهيثم بن طَهْمان: أبو عبد اللَّه الشَّاهد، المعروف بالبادا. سمع الحديث وكان ثِقَةً، عُمِّر سبعًا وتسعين سنة، منها خمس عشرة سنة مقعدًا (١) أعمى، ﵀. عبد اللَّه بن الحسين (٢) بن إسماعيل بن محمد: أبو بكر الضَّبِّي القاضي، ولي الحكم بعدَّة بلاد كثيرة (٣)، وكان عفيفًا نَزِهًا صيِّنًا ديِّنًا، رحمه اللَّه تعالى. عبد العزيز بن الحارث (٤) بن أسد بن اللَّيث: أبو الحسن التميمي، الفقيه الحَنْبلي. له كلام ومصنَّف في الخلاف، وسمع الحديث، وروى عن غير واحد، وقد ذكر الخطيب البغدادي أنه وضع حديثًا (٥). وردَّ ذلك أبو الفرج بن الجَوْزي وقال: ما زال هذا دأب الخطيب في أصحاب أحمد بن حنبل. قال: وشيخ الخطيب الذي حكى عنه هذا وهو أبو القاسم عبد الواحد بن علي الأسدي العُكْبَرِي (٦) لا يُعْتمدُ على قوله، فإنه كان معتزليًا وليس من أهل الحديث، وكان يقول بأنَّ الكُفَّار لا يخلَّدون في النار. قلت: وهذا غريبٌ، فإنهم (٧) يقولون بوجوب تخليد أصحاب الكبائر، فكيف لا يقول هذا بتخليد الكفَّار! قال: وعنه حكى الكلام في ابنِ بَطَّة أيضًا (٨). علي بن إبراهيم (٩): أبو الحسن الحُصْرِي، الصُّوفي، الواعظ، شيخ الصُّوفية ببغداد، وأصله من البَصْرة.

стр. 5777

وكان قد صَحِبَ الشِّبْلي (١) وغيره، وكان يعظ النَّاس بالجامع، ثم لما كَبِرَتْ سنُّه بني له الرِّباط المقابل لجامع المنصور، ثم عُرِفَ بصاحبه الزَّوْزَني (٢)، وكان لا يخرج إلا من الجمعة إلى الجمعة، وله كلامٌ جيد في التصوف على طريقتهم. ومما نقله ابنُ الجوزي عنه أنه قال: ما عليَّ منّي؟ وأي شيء لي فيَّ حتى أخاف وأرجو، إنْ رَحمَ رحم ماله، وإنْ عَذَّب عذب ماله (٣). توفي في ذي الحجَّة وقد نيَّف على الثمانين، ودفن بمقبرة باب حَرْب من بغداد. علي بن محمد الأحدب المزوِّر (٤): كان قوي الخطِّ، له مَلَكة على التزوير لا يشاء يكتب على كتابة أحدٍ إلا فعله، فلا يَشُكُّ ذلك المزور عليه أنه خَطَّه، وبُلي النَّاس ببلاءٍ عظيم، وختم السلطان على يده مرارًا فلم يفد، ثم كانت وفاته في هذه السَّنة (٥). الشيخ أبو زيد [المَرْوزي الشَّافعي] (٦): محمد بن أحمد بن عبد اللَّه بن محمد المروزي، شيخ الشَّافعية في زمانه، وإمام أهل عَصْره في الفِقْه والزُّهْد والعبادة والورع. سمع الحديث، ودخل بغداد، وحدَّث بها، فسمع منه الدَّارَقُطْني وغيره. قال أبو بكر البَزَّار: عادَلْتُ (٧) الشيخ أبا زيد في طريق الحج فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة. وقد ذكرتُ ترجمته بتمامها في "طبقات الشَّافعية". قال الشيخ ابن نُعيم (٨): توفي بمرو يوم الجمعة الثالث عشر من رجب من هذه السنة، ﵀.

стр. 5778

محمد بن خفيف (١): أبو عبد اللَّه الشِّيْرازي، أحد مشاهير الصُّوفية، صحب الجَريري وابن عَطَاء وغيرهما. قال ابن الجوزي: وقد ذكرتُ في كتابي المسمى "تلبيس إبليس" عنه حكايات تدلُّ على أنه كان يذهب مذهب الإباحية (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصَّواب (٣). ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين وثلاثمئة قال ابن الجوزي: في المحرَّم [منها] (٤) جرى الماء الذي ساقه عضدُ الدولة إلى داره وبستانه. وفي صفر فُتح المارَسْتان الذي أنشأه عضد الدولة في الجانب الغربي من بغداد، وقد رتَّب فيه الأطباء والخدم، ونُقل إليه من [الأدوية] (٥) والأشربة والعقاقير شيء كثير (٦). قال: وفيها توفي عضد الدولة، فكتم أصحابه موته حتى أحضروا ولده صمصام الدولة، فولوه الأمر، وراسلوا الخليفة، فبعث إليه بالخِلَع والولاية، واللَّه أعلم. ذكر شيء من أخبار عضد الدولة أبو شجاع بن ركن الدولة (٧) أبي علي الحسن (٨) بن بُوَيْه الدَّيْلَمي. صاحبُ العراق وملك بغداد [وغيرها] (٩).

стр. 5779

وهو أول من تسمَّى شاهنشاه، ومعناه ملك الملوك. وقد ثبتَ في الصَّحيح عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "أوضع اسم -وفي روايةٍ أخنع اسم- عند اللَّه رجل تسمى ملك الأملاك، لا ملك إلا اللَّه ". وهو أول من ضُرِبَتْ له الدَّبادب ببغداد، وأول من خطب له بها مع الخليفة، وذكر [القاضي] (١) ابن خَلِّكان أنه امتدحه الشعراء بمدائح هائلة كالمتنبي وغيره، فمن ذلك قول أبي الحسن محمد بن عبد اللَّه السَّلامي من قصيدة [له] (٢): إليكَ طَوَى عرضَ البسيطةِ جاعلٌ … قُصارى المطايا أن يلوحَ لها القَصْرُ فَكُنْتَ وعَزْمي في الظَّلامِ وصارِمي … ثلاثةَ أشياء (٣) كما أجْمَعَ النَّسْرُ وَبَشَّرْتُ آمالي بِمَلْكٍ هو الوَرَى … ودارٍ هي الدُّنيا ويومٍ هو الدَّهْرُ ثم قال ابن خلكان: وهذا هو السحر الحلال، وقد قال المتنبي: هي الغَرَضُ الأقصى ورُؤْيَتُكَ المُنى … ومَنْزِلُك الدُّنيا وأنْتَ الخلائقُ قال ابن خلكان: وليس في الطلاوة كقول السلامي، ولا استوفى المعنى كله، فإنه لم يذكر الدهر. وقال أبو بكر أحمد الأَرْجَاني القاضي ناصح الدين في قصيدةٍ له بيتًا، ولم يلحق السَّلامي [أيضًا وهو قوله] (٤): لقيتُه فرأيتُ النَّاسَ في رَجُلٍ … والدَّهْرَ في ساعةٍ والأرضَ في دارِ (٥) قال ابن خلكان: وكتب إليه أفتكين مولى أخيه صاحب دمشق (٦)، يستمدُّه بجيشٍ يقاتل به الفاطميين، فكتب إليه عضد الدولة: غَرَّكَ عِزُّك فصار قُصار ذلك ذُلُّك، فاخْشَ فاحشَ فِعْلك، فعلَّك تُهدا بهذا، والسَّلام. وقد أبدع [فيها] (٧) كلَّ الإبداع (٨).

стр. 5780

وقد جرى له من التعظيم من الخليفة ما لم يقع لأحدٍ ممن كان قبله، وقد ذكرنا (١) أنه كان ذا همة وصرامة وعزمٍ، اجتهد في عمارة بغداد والطُّرقات، وأجرى النفقات والصدقات على المجاورين بالحرمين، وأهل البيوتات، وحفر الأنهار، وبنى المارَسْتان العَضُدي، وأدار السُّور على مدينة الرَّسول ﷺ ، وهذا كله في مدة ملكه على العراق، وكان خمس سنين. وقد كان عاقلًا فاضلًا، حَسَنَ السياسة، شديدَ الهيبة، بعيد الهِمَّة، إلا أنه كان يتجاوز في سياسته الأمور الشَّرْعية، كان يحب جاريةً فألهته عن تدبير المملكة، فأمر بتغريقها. وبلغه أن غلامًا له أخذ لرجلٍ بطيخة، فضربه بسيف فقطعه نصفين، وهذه مبالغة. كان سبب موته داء الصَّرْع. وحين أخذته عِلَّة موته لم يكن له كلام سوى تلاوة قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨ - ٢٩]. [فكان هذا هِجِّيراه حتى مات] (٢). وحكى ابنُ الجوزي في "منتظمه" أنه كان يحبُّ العِلْم والفضيلة، وكان يقرأ عنده كتاب إقليدس، وكتاب النحو لأبي علي الفارسي (٣)، وهو "الإيضاح والتكملة" الذي صنَّفه له، وغير ذلك، وذكر أن له شعرًا فمنه قوله وقد خرج إلى بستان فَودَّ لو قد جاء المطر، فنزل المطر، فأنشأ يقول: ليس شُرْبُ الرَّاحِ إلا في المَطَرْ … وغِناءٌ منْ جَوَارٍ في السَّحَرْ غانياتٍ سالباتٍ للنُّهى … ناغماتٍ في تضاعيفِ الوَتَرْ راقصاتٍ زاهراتٍ نُجُلٍ … رافلاتٍ في أفانين الحِبَرْ مطربات محسنات مُجُنٍ … رافضات الهمِّ إبان الفِكَرْ مبرزات الكأسِ من معدنها (٤) … مسقيات الخمرِ مَنْ فاقَ (٥) البَشَرْ عَضُدَ الدولة وابنَ رُكْنها … مالكَ الأملاكِ غلابَ القَدَرْ سهَّلَ اللَّه له بُغْيته (٦) … في ملوكِ الأرضِ ما دارَ (٧) القَمَرْ

стр. 5781

وأراهُ الخيرَ في أولادِه … ليساس (١) الملك فيهم بالغُرَرْ (٢) قال (٣): فيقال: إنه منذ قال: غلّاب القدر، لم يُفْلِحْ بعدها (٤). وذكر غيره أن هذه الأبيات آخر ما أنشدت فيه بين يديه، ثم كانت وفاته عقب ذلك، وكانت وفاته في شَوَّال من هذه السنة عن سبعٍ أو ثمانٍ وأربعين سنة، وحمل إلى مشهد عليٍّ فَدُفنَ فيه، [وكان فيه تشيُّع] (٥)، وقد كتب على قبره في التُّرْبة التي بنيت له عند مشهد علي: هذا قبر عضد الدولة، وتاج المِلَّة (٦)، أبي شجاع بن ركن الدولة، أحبَّ مجاورة هذا الإمام المتقي؛ لطمعه في الخلاص ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] والحمد للَّه وصلواته على محمد وعِتْرته الطَّاهرة. وقد تمثَّل عند موته بهذه الأبيات وهي للقاسم بن عبيد اللَّه (٧). قَتَلْتُ صناديدَ الرِّجال فَلَمْ أدَعْ … عَدُوًّا ولم أُمْهلْ على ظِنَّةٍ خَلْقا وأخليتُ دار المُلْكِ من كل نازلٍ … فَشَرَّدْتُهُمْ غَرْبًا وشَرَّدْتُهُمْ شَرْقا فلمَّا بَلَغْتُ النَّجْم (٨) عِزًّا وَرِفْعةً … وصارتْ رِقابُ الخَلْقِ أجمع لي رِقّا رماني الرَّدى سَهْمًا فأخمدَ جَمْرَتي (٩) … فها أنا ذا في حُفْرتي عاجلًا (١٠) مُلْقى فأَذْهَبْتُ دنياي وديني سَفَاهةً … فمنْ ذا الذي منّي بمَصْرَعِهِ أشقى؟ ثم جعل يكرِّر هذه الآية ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨ - ٢٩] إلى أن مات كما

стр. 5782

ذكرنا (١)، وجلس ابنه صمصمام الدولة على الأرض وعليه ثياب السَّواد، وجاءه الخليفة الطائع معزيًا، وناح النساء عليه في الأسواق [حاسرات عن وجوههن] (٢) أيامًا كثيرة، ولما انقضى العزاء ركب صمصامة إلى دار الخلافة، فخلع عليه الخليفة سَبْعَ خِلَعٍ، وطوَّقه وسوَّره وألبسه التاج، ولقبه شمس الدولة، وولَّاه ما كان يتولاه أبوه، وكان يومًا مشهودًا. محمد بن جعفر (٣) بن أحمد بن جعفر بن الحسن بن وَهْب: أبو بكر الحريري (٤) المعروف بزوج الحُرّةَ (٥). سمع ابن جرير، والبَغَوي، وابن أبي داود، وغيرهم، وعنه ابن رِزْقويه، وابنُ شاهين، والبَرْقاني، وقال: كان جليلًا، أحد العدول الثقات (٦). قال الخطيب البغدادي وابن الجوزي: سبب تسميته بزوج الحُرَّة أنه كان يدخل إلى مطبخ ابنة بَدْر مولى المعتضد (٧) التي كانت زوجة المقتدر باللَّه، فلما توفي المقتدر بقيت هذه المرأة سالمة من النكبات (٨) والمصادرات كثيرة الأموال، وكان هذا وهو غلاٌم شابٌّ حَدث يحمل شيئًا من حوائج الطعام على رأسه، فيدخل به إلى المطبخ الذي لها مع جملة الخدم، وكان شابًا رشيقًا حَرِكًا، فنفق على القهرمانة، فقدَّمته حتى جعلته كاتبًا على المطبخ، ثم ترقت به الحال إلى أن صار وكيلًا للست ينظر في الضياع والعقار، ثم آل به الحال حتى صارت الست تحدِّثه من وراء حجاب، فَعَلِقَتْ به وأَحَبَّته، وسألته أن يتزوَّج بها، فاستصغر نفسه وخاف من غائلة ذلك، فَشَجَّعته وأعطته مالًا جزيلًا؛ ليظهر عليه الحشمة والسعادة ما يناسبه ليتأهَّل لذلك، ثم شرعت تهادي القُضاة والأكابر، ثم عزمت على تزويجه، ورضيت به عند حضور القُضاة، واعترض أولياؤها عليها، فغلبتهم بالمكارمات والهدايا. ودخلت عليه، فمكثت معه دهرًا طويلًا، ثم توفيت قبله، فورث منها نحوًا من ثلاثمئة ألف

стр. 5783

دينار، وطال عمره بعدها حتى كانت وفاته في هذه السنة، رحمه اللَّه تعالى وإيانا بمنه وكرمه (١). ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمئة فيها غلت الأسعار ببغداد حتى بلغ الكُرُّ من الطَّعام إلى أربعة آلاف وثمانمثة، ومات كثيرٌ من النَّاس من الضعف في الطرقات جوعًا (٢)، ثم تساهل الحال في ذي الحجة منها. وجاء الخبر بموت مُؤَيَّد الدولة بن ركن الدولة، وأن أبا القاسم بن عَبَّاد الوزير بعث إلى أخيه فخر الدولة، فولَّاه الملك مكان أخيه، فاستوزر ابنَ عباد أيضًا على ما كان عليه، وخلع عليه وأحسن إليه، ولما بلغ القرامطة موتُ عضد الدولة قصدوا البصرة ليأخذوها مع الكوفة، فلم يتمَّ لهم ذلك، ولكن صولحوا على مالٍ كثير، فأخذوه وانصرفوا. وممن توفِّي فيها من الأعيان: بويه مُؤَيَّد الدَّولة بن ركن الدولة. كان ملكًا على بعض ما كان أبوه يملكه كما تقدَّم (٣)، وكان الصَّاحب أبو القاسم بن عباد وزيره، وقد تزوَّج مؤيد الدولة هذا بزبيدة بنت عمه معز الدولة، فَغَرِمَ على عُرْسه بها سبعمئة ألف دينار، وهذا شَرَفٌ عظيم. بُلُكِّين بن زِيْري بن مَناد: الحِمْيَري الصُّنهاجي، ويسمى أيضًا يوسفَ. وكان من [أكابر] (٤) أمراء المعز [الفاطمي] (٥)، وقد استخلفه على بلاد إفريقية حين سار إلى القاهرة، وكان حَسَنَ السِّيرة، له أربعمئة حَظِيَّة، وقد بُشِّر في ليلةٍ واحدة بسبعةَ عَشَرَ ولدًا، وهذا غريب، وهو جدُّ باديس المَغْربي (٦). سعيد بن سَلَّام (٧): أبو عثمان المَغْربي، أصله من بلاد القَيْروان، ودخل الشَّام، وصَحِبَ أبا الخير

стр. 5784

الأقطع (١)، وجاور بمكة مدة سنين، وكان لا يظهر في المواسم، وكانت له كراماتٌ، وقد أثنى عليه أبو سليمان الخطَّابي وغيره، وله أحوال (٢) صالحة، رحمه اللَّه تعالى. عبد اللَّه بن محمد (٣) بن عبد اللَّه بن عُثْمان بن المختار: أبو محمد المُزَني، الواسطي، يعرف بابن السَّقَّاء. سمع عبدان، وأبا يعلى المَوْصلي، وابن أبي داود، والبَغَوي، وكان فَهِمًا حافظًا، دخل بغداد، فحدَّث بها مجالس كثيرة من حفظه، وكان يحضره الدَّارَقُطْني وغيره من الحُفَّاظ، فلم ينكروا عليه شيئًا، غير أنه حَدَّث مرة عن أبي يعلى بحديثٍ أنكروه عليه، ثم وجدوه في أصله بخطِّ الصِّبا (٤) كما حدَّث به سواء، فَبَرئَ من عُهدته، رحمه اللَّه تعالى، واللَّه أعلم بالصَّواب. ثم دخلت سنة أربع وسبعين وثلاثمئة فيها جرى الصُّلْح بين صمصامة الملقب بشمس الدولة وبين عمه فخر الدولة بن ركن الدولة بن بويه، وأرسل الخليفة لفخر الدولة خِلَعًا سنية وتحفًا. قال ابن الجوزي: وفي رجب منها عمل عرس في درب رباح، فسقطت الدار على من فيها، فهلك أكثر النساء، ونبشن من تحت الهدم، فكانت المصيبة عامة (٥). وفيها كانت وفاة: الحافظ أبي الفتح محمد بن الحسين (٦) بن أحمد بن الحسين: الأزْدي المَوْصلي، المصنَّف في الجرح والتعديل.

стр. 5785

وقد سمع الحديث من أبي يعلى وطبقته، وضعَّفه كثير من حُفَّاظ زمانه، واتهمه بعضهم بوضع حديث رواه لابن بُوَيه، حين قدم عليه بغداد، فساقه بإسناده إلى النبي ﷺ : أن جبريل كان ينزل عليه في مثل صورة ذلك الأمير. فأجازه وأعطاه دراهم كثيرة. والعَجَبُ إن كان هذا صحيحًا كيف راج هذا على أحدٍ ممن له أدنى فهم وعقل. وقد أرَّخ ابنُ الجَوْزي وفاته في هذه السنة (١)، وقيل: إنه توفي سنة تسع وستين (٢). وممن توفي فيها من الأعيان: الخطيب أبو يحيى عبد الرحيم بن محمد (٣) بن إسماعيل بن نُباتة الحُذاقي -بطن من قُضاعة، وقيل من إياد- الفارقي؛ خطيب حلب في أيام سيف الدولة بن حمدان، ولهذا أكثر ديوانه الخُطَب الجهادية، ولم يُسبق إلى مثل ديوانه هذا، ولا يلحق فيه إلا أن يشاء اللَّه. كان فصيحًا بليغًا ذكيًا دَيِّنًا وَرِعًا، روى الشيخ تاج الدين الكِنْدي عنه أنه خطب يوم جمعةٍ بخطبة المنام، ثم رأى في ليلة السبت رسول اللَّه ﷺ في جماعةٍ من أصحابه بين المقابر، فلما أقبل عليه قال له: مَرْحبًا بخطيب الخُطَباء، ثم أومأ إلى القبور فقال لابن نُباتة: كأنَهم لم يكونوا للعيون قرة، ولم يعدُّوا في الأحياء مَرَّة، [أبادهم الذي خلقهم، وأسكتهم الذي أنطقهم، وسيجدُّهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فَرَّقهم] (٤)، فتمم الكلامَ ابنُ نباتة حتى انتهى إلى قوله يومَ تكونون شُهداء على النَّاس -وأشار إلى الصحابة ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وأشار إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: أحسنتَ أحسنتَ ادْنُه ادْنُه، فقبَّل رسول اللَّه ﷺ وجهه وتفل في فِيه- وقال: وفقك اللَّه. فاستيقظ وبه من السُّرور أمرٌ كبير، وعلى وجهه نورٌ وبهاء، ولم يعش بعد ذلك إلا ثمانية عشر يومًا لم يستطعم فيها بطعام، ويوجد من فيه مثل رائحة المسك حتى مات، ﵀. قال ابن الأَزْرق الفارِقي: ولد ابن نُباتة في سنة خمسٍ وثلاثين وثلاثمئة، وتوفي سنةَ أربعٍ وسبعين وثلاثمئة. حكاه ابنُ خَلِّكان (٥).

стр. 5786

ثم دخلت سنة خمس وسبعين وثلاثمئة فيها خلع الخليفة على صمصامة الدَّوْلة، وسَوَّره وطوَّقه وأركبه على فرسٍ بسرج ذهب، وبين يديه جنيب [مثله] (١). وفيها ورد الخبر بأن اثنين من سادة القرامطة وهما إسحاق وجعفر، دخلا الكوفة في جحفلٍ كثير، فانزعجت النفوس بسبب ذلك، وذلك لصرامتهم وشهامتهم؛ ولأن عضد الدولة مع شجاعته كان يصانعهم، وأقطعهم أراضي من واسط، وكذلك عز الدولة من قبله أيضًا. فَجُهِّز إليهم جيشٌ من بغداد، فطردهم عن تلك النَّواحي التي قد أكثروا فيها الفساد، وبطل ما كان في نفوس الناس منهم، وللَّه الحمد. وفيها عزم صمصامة الدولة على أن يضع مكسًا على الثِّياب الإبْرَيْسَمِيَّات (٢)، فاجتمع النَّاس بجامع المنصور، وهموا بتبطيل الجمعة، وانزعج الناس، وكادت الفتنة تقع بينهم، فأُعفوا من ذلك. وفي ذي الحِجَّة ورد الخبر بموت ابن مُؤَيَّد الدَّوْلة (٣)، فجلس صمصامة للعزاء، وجاء إليه الخليفة الطائع في ثياب السواد، والقراء والأولياء بين يديه، فقام إليه صمصامة الدولة، وقبَّل الأرض بين يديه، وتخاطبا في العزاء بألفاظٍ حسنة، وانصرف الخليفة راجعًا إلى داره، وكان وقتًا مشهودًا. وفيها توفي الشيخ: أبو علي بن أبي هريرة (٤): واسمه الحسن بن الحسين، وهو أحد مشايخ الشَّافعية، وله اختيارات كثيرة غريبة [في المذهب] (٥)، وقد ترجمناه في "الطبقات" (٦) بما فيه كفاية. الحسين بن علي بن محمد بن يحيى (٧): أبو أحمد النَّيْسابوري المعروف بحُسَيْنَك (٨).

стр. 5787

كان تربيةً عند ابن خُزيمة وتلميذًا له، وكان يقدِّمه على أولاده ويقرأ له وحده ما لا يقرأه لغيره، وإذا تخلَّف ابن خزيمة عن مجالس السلطان بعث حسينك مكانه. ولما توفي ابنُ خزيمة كان عمر حُسَيْنَك ثلاثًا وعشرين سنة، ثم عمَّر بعده دهرًا طويلًا، فكان من أكثر النَّاس عبادةً وقراءةً [للقرآن] (١)، لا يترك قيام الليل في حضر ولا سفر، ولا صيف ولا شتاء، كثير الصدقات والبر والصِّلات، وكان يحكي وضوء ابن خزيمة وصَلاته، ولم يُرَ في الأغنياء أحسن صلاة منه، ﵀، وصلَّى عليه الحافظ أبو أحمد النَّيْسَابوري. أبو القاسم الدَّارَكي (٢)، عبد العزيز بن عبد اللَّه بن محمد: أبو القاسم الدَّاركي (٣)، أحد أئمة الشافعية في زمانه. نزل نيسابور، ثم سكن بغداد إلى أن مات. قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: ما رأيت أفقه منه. وحكى الخطيب البغدادي عنه أنه كان يُسأل عن الفتوى، فيجيب بعد تفكُّرٍ طويل، فربما كانت فتواه مخالفةً لمذهب الشَّافعي وأبي حنيفة، فيقال له في ذلك فيقول: ويلكم، روى فلانٌ عن فلان عن رسول اللَّه ﷺ [كذا وكذا] (٤)، فالأَخْذُ به أولى من القول بمذهب الشَّافعي وأبي حنيفة، ومخالفتهما أسهل من مخالفة الحديث، ﵁ (٥). وقال ابن خلِّكان: وله في المذْهب وجوه جَيِّدة دالَّةٌ على متانة عِلْمه، وكان متهمًا بالاعتزال، وقد أخذ الفقه عن الشيخ أبي إسحاق المَرْوزي، والحديث عن جدِّه لأمه الحسن بن محمد الدَّارَكي، وهو أحد مشايخ الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وأخذ عنه عامة شيوخ بغداد وغيره من أهل الآفاق (٦). كانت وفاته في شوَّال، وقيل في ذي القَعْدة من هذه السنة، وقد نيَّف على السبعين (٧)، رحمه اللَّه تعالى.

стр. 5788

محمد بن أحمد بن محمد بن حَسْنَوَيْه: أبو سَهْل النيْسابوري، ويعرف بالحَسْنوي، كان فقيهًا شافعيًا أديبًا محدِّثًا، مشتغلًا بنفسه عما لا يعنيه، رحمه اللَّه تعالى. محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن صالح (١): أبو بكر، الفقيه، المالكي. سمع من أبي عَرُوبة (٢)، والبَاغَنْدي، وأبي بكر بن أبي داود وغيرهم. وعنه البرقاني. وله تصانيف في شرح مذهب مالك، وانتهت إليه رياسة مذهبه، وعرض عليه القضاء، فأباه، وأشار بأبي بكر الرَّازي الحنفي (٣)، فلم يقبل الآخر أيضًا. وكانت وفاته في شوَّال منها عن ست وثمانين سنة، رحمه اللَّه تعالى. ثم دخلت سنة ست وسبعين وثلاثمئة قال ابن الجوزي: في المحرم منها كَثُرَتْ الحيات (٤) ببغداد، فهلك خَلْقٌ كثير. ولسبع (٥) خلون من ربيع الأول (٦) -وكان اليوم العشرون من تموز- وَقَعَ مطر كثيرٌ ببرق. وفي رجب غَلَتِ الأسعار جدًا ببغداد وورد الخبر فيه بأنه كانت بالمَوْصل زلزلة عظيمة سقط (٧) منها عمران كثير، ومات من أهلها أمة عظيمة. وفيها وقع بين صمصام الدولة وبين أخيه شرف الدولة، فاقتتلا، فغلبه شرف الدولة وأسره، ودخل بغداد، فتلقاه الخليفة وهنأه بالسلامة، ثم استدعى شرف الدولة، بفراش ليكحل صمصام الدولة فاتفق موته (٨)، فكحل بعد موته، وهذا من غريب ما وقع.

стр. 5789

وفي ذي الحِجَّة منها قبل قاضي القضاة أبو محمد بن معروف شهادة الحافظ أبي الحسن الدَّارَقُطْني، وأبي محمد بن عقبة، فذكر أنَّ الدارقطني نَدِمَ على ذلك وقال: كان يقبل قولي على رسول اللَّه ﷺ وَحْدي، فصار لا يقبل قولي على بَقْلي إلا مع غيري. فلا حول ولا قوة (١) إلا باللَّه العلي العظيم. ثم دخلت سنة سبع وسبعين وثلاثمئة في صفر منها عقد مجلس بحضرة الخليفة فيه القضاة وأعيان الدَّوْلة، وجُدِّدت البيعة بين الطائع للَّه وبين شرف الدولة بن عضد الدولة، وكان يومًا مشهودًا. ثم في ربيع الأول منها ركب شرف الدولة من داره في طيَّار إلى دار الخليفة، وزينت البلد، وضربت [البوقات و] (٢) الطُّبول والدَّبادب، فخلع عليه الخليفة وطوَّقه وسوَّره، وأعطاه لواءين، وعقد له على ما وراء داره، واستخلفه على ذلك، وكان في جملة من قَدِمَ مع شرف الدولة القاضي أبو محمد عبيد اللَّه بن أحمد بن معروف، فلما رآه الخليفة قال: مَرْحَبًا بالأحِبَّةِ القَادِمِيْنا … أوْحَشُونا وطال ما آنسُونا فقبَّل الأرض بين يدي الخليفة. ولما قُضِيَت البيعة دخل شرف الدولة إلى عند أخته امرأة الخليفة، فمكث عندها إلى العصر، والنَّاس ينتظرونه، ثم خرج، وسار إلى داره للتهنئة، وجاءه الخاصة والعامة يهنونه. وفي هذه السنة اشتدَّ الغلاء جدًا، ثم لحقه فناء كثير. وفيها توفيت أم شرف الدولة -وكانت تركية أم ولد- فجاءه الخليفة فعزَّاه. وفيها ولد لشرف الدولة ابنان توأمان، فهني بهما معًا (٣)، واللَّه أعلم. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن الحسين بن علي: أبو حامد المَرْوزي، ويعرف بابن الطَّبري. كان حافظًا للحديث، مجتهدًا في العبادة، متقنًا بصيرًا بالأثر، متفننًا فقيهًا حنفيًا، دَرَس على أبي الحسن الكَرْخِي (٤)، وصنَّف كتبًا في الفِقْه والتَّاريخ، وولِّي قضاء القضاة بخراسان، ثم دخل بغداد وقد عَلَتْ سِنُّه، فحدَّث بها، وكتب النَّاس عنه بانتخاب الدَّارَقُطْني.

стр. 5790

إسحاق بن المقتدر باللَّه: كانت وفاته ليلةَ الجمعة لسبع عشرة من ذي الحجَّة عن ستين سنة، وصلى عليه ابنه القادر باللَّه وهو إذ ذاك أمير، ودفن في تربة جَدَّته شغَبَ أُمِّ المقتدر، وحضر جنازته الأُمراء والأعيان من جهة الخليفة ومن جهة شرف الدولة، وأرسل شرف الدولة من عَزَّى الخليفة فيه، واعتذر إليه من عدم الحضور لوجعٍ حصل له. جعفر بن المكتفي باللَّه: وكان فاضلًا، توفي في هذه السنة أيضًا رحمه اللَّه تعالى. أبو علي الفارسي (١)، الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن سليمان: أبو علي النحوي، صاحب المصنفات، منها "الإيضاح" و"التكملة". ولد ببلده، ثم دخل بغداد وخدم الملوك، وحظي عند عضد الدولة، بحيث كان يقول: أنا غلام أبي علي في النَّحْو. وحصلت له الأموال، وقد اتهمه قومٌ بالاعتزال، وفضَّله قومٌ من أصحابه على المبرِّد، وممن أخذ عنه عثمان (٢) بن جنّي وغيره. وكانت وفاته في هذه السنة عن بضع وتسعين سنة، رحمه اللَّه تعالى. سُتَيْتَة بنت القاضي أبي عبد اللَّه الحسين بن إسماعيل المَحَاملي (٣): وتكنى أَمَة الواحد. قرأت القراءات، وحفظت الفِقْه والفرائض والحساب والدَّوْر والنحو وغير ذلك، وكانت من أعلم النَّاس في وقتها بمذهب الشَّافعي، وكانت تفتي به مع الشيخ أبي علي بن أبي هُريرة، وكانت فاضلةً في نفسها، كثيرة الصَّدَقة، مسارعةً إلى فعل الخيرات، وقد سمعت الحديث وحدَّثت أيضًا. وكانت وفاتها في رمضان (٤) عن بضع وتسعين سنة، رحمها اللَّه تعالى.

стр. 5791

ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وثلاثمئة في المحرم منها كَثُرَ الغلاء والفناء ببغداد. وفي شعبان كَثُرَت الرِّياح والعواصف؛ بحيث هدمت شيئًا كثيرًا من الأبنية، وغَرَّقت سُفُنًا كثيرة، واحتملت بعض الزَّوارق، فألقته بالأرض من ناحية جُوخى، وهذا أمر هائل [بل وخَطْبٌ شامل] (١). وفي ذلك الوقت لَحِقَ أهْلَ البَصْرةِ حَرٌّ شديد، بحيث سقط كثير من النَّاس في الطُّرقات، وماتوا من شدة الحر. وفيها توفي من الأعيان: الحسين (٢) بن علي بن ثابت: أبو عبد اللَّه المقرئ الحافظ. ولد أعمى، كان يحضر مجلس ابن الأنباري فيحفظ ما يمليه كله، وكان ظريفًا حسن الزّي، وقد سبق الشَّاطبيّ إلى قصيدةِ عملها في القراءات السَّبْع، وذلك في حياة النَّقَّاش المفسِّر (٣)، وكانت تعجبه وتعجب شيوخ زمانه. الخليل بن أحمد القاضي (٤): شيخ الحنفية في زمانه، كان مقدَّمًا في الفِقْه والحديث، سمع ابن خُزيمة والبَغَوي وابن صاعد وغيرهم، وهذا سَميُّ النَّحْوي المتقدم، رحمهما اللَّه. زياد بن محمد بن زياد بن الهيثم (٥): أبو العَبَّاس، الخَزْخاني (٦) -بخاءين معجمتين فوق- نسبةً إلى قرية من قرى قومس، ولهم الجُرْجاني بجيمين، وهم جماعة، ولهم الخَرْجاني أيضًا بخاء ثم جيم. وقد حرَّر هذه المواضع الشيخ أبو الفَرَج ابن الجوزي في "منتظمه"، رحمه اللَّه تعالى.

стр. 5792

ثم دخلت سنة تسع وسبعين وثلاثمئة فيها كانت وفاة شرف الدولة بن عضد الدولة بن بُوَيْه الدَّيْلمي، وكان قد انتقل إلى قصر معز الدولة بإشارة الأطباء لصحة الهواء؛ وذلك [لشدة] (١) ما كان يجده من الدَّاء، فلما كان في جمادى الأولى تزايد به المرض، ومات في هذا الشهر، وقد عهد إلى ابنه (٢) أبي نصر، وجاء الخليفة في طيار لتعزية أبي نصر في والده شرف الدولة، فتلقاه أبو نصر والتُّرْك والدَّيْلَم بين يديه، فقبّل الأرض بين يدي الخليفة وكذلك بقية العسكر، والخليفة في الطيار، هم يقبِّلون الأرض إلى ناحيته. وجاء الرئيس أبو الحسن علي بن عبد العزيز من عند الخليفة إلى أبي نصر، فبلغه تعزية الخليفة له، فقبَّل الأرض ثانية، وعاد الرسول إلى الخليفة، فبلَّغه شكر أبي نصر، ثم عاد الرسول من جهة الخليفة لتوديع أبي نصر، فقبَّل الأرض ثالثًا، ورجع الخليفة في طيارة إلى داره. فلما كان يوم السبت عاشر هذا الشهر ركب الأمير أبو نصر إلى حضرة الخليفة الطائع للَّه ومعه الأشراف والأعيان والقضاة والأمراء، وجلس الخليفة في الرِّواق، فلما وصل الأمير أبو نصر بن شرف الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه خلع عليه الخليفة سبع خِلَع أعلاهن السواد، وعمامة سوداء، وفي عنقه طوقٌ، وفي يده سواران، ومشى الحُجَّاب بين يديه بالسيوف والمناطق، فلما حصل بين يدي الخليفة قبَّل الأرض ثانية، ووُضِعَ له كرسيٌّ، فجلس عليه وقرأ الرئيس أبو الحسن علي بن عبد العزيز عهده، وقدم إلى الطائع لواءه، فعقده بيده، ولقبه بهاء الدولة وضياء المِلَّة، ثم خرج من بين يديه والعسكر معه حتى عاد إلى دار المملكة، وأقرَّ الوزير أبا منصور بن صالحان (٣) على الوزارة، وخلع عليه. وفي هذه السنة بني جامع القطيعة -قطيعة أم جعفر- بالجانب الغربي من بغداد، وكان أصل بنائه مسجدًا أنَّ أمرأةً رأت في المنام رسول اللَّه ﷺ في ذلك المكان يصلي، ووضع يده في جدار هناك، فلما أصبحت تذكرت ذلك المنام، فوجدوا أثر الكف في ذلك الموضع، فبني مسجدًا، ثم توفيت تلك المرأة في ذلك اليوم، ثم إن الشريف أبا أحمد الموسوي جدَّد هذا المسجد، فوسعه وجعله جامعًا، واستأذن الخليفة الطائع للَّه في عقد جمعه فيه، فأذن له، فصلى الناس فيه في هذه السَّنة، رحمه اللَّه تعالى.

стр. 5793

وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: شرف الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بُوَيْه الدَّيْلمي. تملَّك بغداد بعد أبيه، وكان يحبُّ الخير ويبغض الشر، وأمر بترك المصادرات. وكان مرضه بالاستسقاء [فتزايد به حتى] (١) كانت وفاته ليلة الجمعة الثاني من جُمادى الآخرة عن ثمانٍ وعشرين سنة وخمسة أشهر، وكانت مدَّة ملكه سنتين وثمانية أشهر، وحُمل تابوته إلى تربة أبيه بمشهد علي، وكلهم فيهم تشيُّع. محمد بن جعفر بن العَبَّاس (٢): أبو بكر، النَّجَّار، ويلقب غُنْدَر أيضًا، روى عن أبي بكر النيْسابوري وطبقته، وعنه الناس، وكان فَهِمًا، يحفظ القرآن [حفظًا حسنًا] (٣) ومن ثِقَات النَّاس. محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الكريم (٤) بن بُدَيل: أبو الفَضْل، الخُزاعي الجُرْجاني، قَدِمَ بغداد وحدَّث بها. قال الخطيب: كانت له عناية بالقراءات، وصنَّف أسانيدها، ثم ذُكر لي أنه كان يخلط ولم يكن مأمونًا على ما يرويه، وأنه وضع كتابًا في الحروف ونسبه إلى أبي حنيفة، فكتب الدَّارَقُطني وجماعةٌ أن هذا الكتاب موضوع لا أصْلَ له، فافتضح، خرج من بغداد إلى الجبل، فاشتهر أمره هناك وهبطت منزلته، وقد كان يسمِّي نَفْسَه أولًا كميلًا (٥)، ثم غيَّره إلى محمد (٦). محمد بن المُظَفَّر (٧) بن موسى (٨) بن عيسى بن محمد بن عبد اللَّه بن سلمة بن إياس، أبو الحسين (٩) البزَّاز الحافظ، ولد في محرَّم [سنة ست وثمانين ومئتين، وأول سماعه للحديث في محرَّم] (١٠) سنة

стр. 5794

ثلاثمئة، ورحل إلى بلاد شتَّى، وروى عن ابن جرير والبَغَوي وخلْق، وروى عنه جماعة من الحُفَّاظ -منهم الدَّارَقُطْني- شيئًا كثيرًا، وكان يعظِّمه ويجلُّه ولا يستند بحضرته، وكان ابن المظفر ثقة ثبتًا، وكان قديمًا ينتقي (١) على المشايخ، ثم كانت وفاته يوم الجمعة، ودفن يوم السبت لثلاثٍ خلون من جُمادى الأولى أو الآخرة من هذه السنة. ثم استهلَّت سنة ثمانين وثلاثمئة فيها قُلِّد الشريف أبو أحمد الحسين (٢) بن موسى الموسوي نقابة الأشراف الطالبيين والنظر في المظالم وإمرة الحجيج، [وكتب عهده بذلك] (٣) واستخلف ولداه المرتضى أبو القاسم (٤) والرَّضي أبو الحسن (٥) على النقابة وخلع عليهما من دار الخلافة. وفيها تفاقم أمر العيَّارين ببغداد، وصار الناس أحزابًا، في كل محلةٍ أمير مقدم، واقتتل الناس، وأخذت الأموال واتصلت الكبسات وأحرقت دور الكبار، ووقع حريق بالنهار في نهر الدجاج، فاحترق بسببه شيءٌ كثير للناس. وفيها توفي فيها من الأعيان: يعقوب بن يوسف (٦): أبو الفتوح بن كِلِّس، وزير صاحب مصر العزيز بن المعز الفاطمي. كان شهمًا فَهِمًا ذا هِمَّة عالية وتدبير جيد وكلمة نافذة عند مخدومه، وقد فوَّض إليه أموره في سائر مملكته، ولما مرض عاده العزيز، فوصَّاه الوزير فيما يتعلق بمملكته، ولما مات دفنه في قصره، وتولى دفنه بيده، وحزن عليه كثيرًا، وأُغلق الدِّيوان أيامًا من حزن الملك عليه.

стр. 5795

ثم دخلت سنة إحدى وثمانين (١) وثلاثمئة فيها كان القبض على الخليفة الطائع للَّه، وخلافة القادر باللَّه أبي العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر باللَّه، وكان ذلك في يوم السبت التاسع عشر من شعبان من هذه السنة، [وذلك أنه] (٢) جلس الخليفة على عادته في الرِّواق، وقعد الملك بهاء الدولة على السرير، ثم أرسل من اجتذب الخليفة بحمائل سيفه عن السرير، ولفُّوه في كساء، وحملوه إلى الخزانة من دار المملكة، وتشاغل النَّاس بالنهب، ولم يدر [أكثر] (٣) النَّاس ما الخطبُ ولا ما الخبر، حتى إن كثيرًا منهم يظن أن الملك بهاء الدولة هو الذي مسك (٤)، فنهبت الخزائن والحواصل وشيء كثير من أثاث دار الخلافة، حتى أخذت ثياب الأعيان من القضاة (٥) والشهود ممن كان بدار الخلافة، وجرت كائنة عظيمة جدًا، ورجع بهاء الدولة إلى داره، وكتب على الطائع كتابًا بالخَلْع (٦)، وشهد عليه الأشراف والقضاة (٧) أنه قد خلع نفسه عن الخلافة، وسلَّمها إلى القادر باللَّه، ونودي بذلك في الأسواق، وتشغبت الدَّيْلم والأتراك وطالبوا برسم البيعة، وراسلوا بهاء الدولة في ذلك، وتطاول الأمر إلى يوم الجمعة، فلم يمكنوا من الدُّعاء له على المنبر بصريح اسمه، بل قيل: اللهم أصْلِحْ عبدك وخليفتك القادر باللَّه، ولم يُسَمَّ، ثم أُرْضيَ وجوههم وأكابرهم، وأخذت البيعة له واتفقت الكلمة، وأَمَرَ بهاء الدولة بتحويل جميع ما في دار الخلافة من الأواني والفُرُش والأثاث وغير ذلك إلى داره، وأبيحت للعامة والخاصة، فقلعوا أبوابها وشبابيكها، وشعثوا أبنيتها، ثم بيعوا بعد ذلك، هذا كله والخليفة القادر باللَّه في أرض البطيحة قد هرب من الطائع للَّه حين كان يطلبه. ولما ركب إلى بغداد منعته الدَّيْلَم من الدخول إليها حتى يعطيهم رسم البيعة، وجَرَتْ بينهم خطوب كثيرة طويلة، ثم رضوا [عنه] (٨) ودخل بغداد، وكان يومًا مشهودًا، وكانت مدة هربه بأرض البطيحة

стр. 5796

[قريبًا من] (١) ثلاث سنين. وجلس في اليوم الثاني من مقدمه جلوسًا عامًّا للتهنئة وسماع المدائح والقصائد فيه، وذلك في العشر الأخير من رمضان. وفي العشر الأواخر من شوال اجتمع الناس لبيعة بهاء الدولة وتفويض الخليفة إليه ما وراء بابه، وكان يومًا مشهودًا. وقد كان الخليفة القادر باللَّه من الخلفاء الأخيار، ومن سادات العلماء في أهل زمانه، كثير الصدقة، حسن الاعتقاد، صنَّف عقيدة (٢) فيها فضائل الصحابة وغير ذلك، وكانت تقرأ بحلق أصحاب الحديث في كل جمعة في جامع المهدي، وتجتمع الناس لسماعها مدَّةَ خلافته، وكان ينشد هذه الأبيات يترنَّم بها وهي لسابق البَرْبَري (٣). سَبَقَ القضاءُ بكلِّ ما هو كائنٌ … واللَّه يا هذا لرِزْقِكَ ضَامِنُ تَعْنى بما تُكْفى وتتركُ ما بهِ … تُعنى كأنَّك للحَوَادِثِ آمِنُ أو ما ترى الدُّنيا ومَصْرَع أهلِها … فَاعْمَلْ ليومِ فِرَاقها يا خائنُ واعلمْ بأنَّكَ لا أبا لك في الذي … أصْبَحْتَ تَجْمَعُهُ لغيرِكَ خازِنُ يا عامِرَ الدُّنيا أتعْمَرُ مَنْزلًا … لم يبقَ فيه مع المنيّةِ ساكِنُ الموتُ شيءٌ أنْتَ تَعْلَمُ أنّهُ … حقٌ وأنتَ بذكرهِ متهاوِنُ إنَّ المنيَّةَ لا تؤامرُ (٤) من أتتْ … في نفسِه يَوْمًا ولا تستأذنُ وفي اليوم الثَّامن عشر (٥) من ذي الحِجة من هذه السنة -وهو يوم غدير خُمّ- جَرَت فتنة بين الرَّوافض والسُّنَّة واقتتلوا، فقتل منهم خَلْقٌ كثير، واستظهر أهل [باب] (٦) البصرة وحرَّقوا أعلام السلطان، فقتل جماعة اتهموا بفعل ذلك، وصلبوا على القنطرة ليرتدع أمثالهم. وفي هذه السنة ظهر أبو الفتوح الحسن بن جعفر العَلَوي أمير مكة بها، وادَّعى أنه خليفة، وسمى

стр. 5797

نفسه الرَّاشد باللَّه، فمالأه أهلُ مكة، وحصل له أموال من رجلٍ أوصى له بها، فانتظم أمره بسببها، وتقلَّد سيفًا زعم أنه ذو الفقار، وأخذ في يده قضيبًا زعم أنه كان لرسول اللَّه ﷺ ، ثم قصد بلادَ الرَّملة ليستعين بعرب الشَّام، فتلقوه بالرحب، وقبَّلوا له الأرض، وسلَّموا عليه بإمرة المؤمنين، وأظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود. ثم إن [الحاكم] (١) صاحب مصر -وكان قد قام بالأمر من بعد أبيه العزيز في هذه السَّنة (٢) - بعث إلى عَرَب الشام بملطفات، ووعَدَهم من الذهب بألوف وثياب (٣)، وكذلك إلى عرب الحجاز، واستناب على مكة أميرًا، وبعث إليه بجارية وخمسين ألف دينار، فانتظم أمر الحاكم (٤)، وتمزَّق أمر الرَّاشد باللَّه، وتسحَّب إلى بلاده كما بدأ منها، وعاد إليها وكان عوده إليها كما رَحَلَ عنها، واضمحلَّ حاله وانتقضت حباله، وتفرَّق عنه رجاله، واللَّه يفعل ما يشاء ويختار. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن الحسين (٥) بن مهران (٦): أبو بكر المقرئ، كانت وفاته في شوال منها عن ستِّ وثمانين سنة، واتفق أن مات يوم موته أبو الحسن العامري الفيلسوف، فرأى بعضُ الصَّالحين أحمد بن الحسين في المنام فقال له: يا أستاذ أي شيء فعل اللَّه بك؟ فقال: أقام أبا الحسن العامري إلى جانبي، وقال: هذا فداؤك من النار. عبيد اللَّه (٧) بن أحمد بن معروف (٨): أبو محمد، قاضي القضاة ببغداد. روى عن ابن صاعد، وعنه الخَلَّال والأزهري وغيرهما، وكان من العلماء الثقات الألباء العقلاء الفُطَناء، حسنَ الشكل، جميل المَلْبس، عفيفًا عن الأموال، [وكان] (٩) عمره يوم توفي خمسًا وسبعين سنة، وصلَّى عليه أبو أحمد الموسوي، فكبَّر خمسًا، ثم صلى عليه ابنه بجامع المنصور فكبَّر أربعًا، ثم دفن في داره، رحمه اللَّه تعالى.

стр. 5798

جوهر بن عبد اللَّه (١): القائد باني القاهرة المعزية، وأصله رومي (٢) ويعرف بالكاتب، أرسله مولاه المعز (٣) بن المنصور بن القائم بن المهدي المدَّعي أنه فاطمي من إفريقية لأخذ مصر عند اضطراب جيشها بعد موت كافور الإخشيدي، فأقاموا عليهم أحمد بن علي الإخشيدي، فلم يجتمعوا عليه، فأرسل بعضهم إلى المعز يستنجد به، فأرسل مولاه جوهر هذا في ربيع الأول من سنة ثمانٍ وخمسين وثلاثمئة فوصل إلى القاهرة في شعبان منها في مئة ألف مقاتل، ومعه من الأموال ألف ومئتا صندوق لينفقه في ذلك، فانزعج الناس، وأرسلوا يطلبون منه الأمان، فآمنهم فلم يرض الجيش بذلك، وبرزوا لقتاله فكسرهم، وجدَّد الأمان لأهلها، ودخلها يوم الثلاثاء لثمان عشرة خَلَت من شعبان، فشق مصر، ونَزل في مكان القاهرة اليوم، وأسس من ليلته القصرين، وخطب يوم الجمعة الآتية، فقطع خطبة بني العباس، وعوَّض بمولاه، وذكر الأئمة الإثني عشر، وأذن بحي على خير العمل، وكان يُظْهر الإحسان إلى الناس، ويجلس كل [يوم] (٤) سبت مع الوزير جعفر بن الفرات والقاضي، واجتهد في تكميل القاهرة، وفرغ من جامعها سريعًا، وخطب به في سنة إحدى وستين، وهو جامع الأزهر. وأرسل جعفر بن فلاح إلى الشَّام فأخذها للمعز، ثم قدم مولاه المعز في سنة ثنتين وستين كما تقدَّم (٥)، ونزل بالقصرين. ولم تزل منزلته عالية عنده، ثم كانت وفاته في هذه السنة، وقام في منصبه وعظمته ابنه الحسين الذي كان يقال له قائد القواد، وهو أكبر أمراء الحاكم بن العزيز بن المعز، ثم كان قتله على يديه في سنة إحدى وأربعمئة، وقتل معه صهره زوج أخته القاضي عبد العزيز بن النعمان، وأظن هذا القاضي هو مصنف البلاغ الأكبر والناموس الأعظم، الذي فيه من الكفر ما لم يصل إبليس إلى مثله، وقد ردَّ على هذا الكتاب أبو بكر الباقلَّاني، ﵀. ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين وثلاثمئة في عاشر المحرم منها رسم الوزير أبو الحسن علي بن محمد بن الكوكبي -ويعرف بابن المعلم، وكان قد استحوذ على أمور السلطان- لأهل الكرخ وباب الطاق من الرَّافضة بأن لا يفعلوا شيئًا من تلك البدع التي كانوا يتعاطونها في عاشوراء؛ من تعليق المسوح وتغليق الأسواق، والنِّياحة على الحسين،

стр. 5799

فلم يفعلوا شيئًا من ذلك [وللَّه الحمد والمِنَّة] (١) وكان هذا الرجل من أهل السُّنَّة إلا أنه كان طماعًا، رسم بأن لا يُقبل أحد من الشهود ممن استحدث عدالته بعد ابن معروف، وكان كثير منهم قد بذل أموالًا جزيلة في ذلك، فاحتاجوا إلى أن جمعوا له شيئًا، فوقّع لهم بالاستمرار. ولما كان في جُمادى الآخرة سَعَتِ الدَّيْلَم والترك على ابن المعلم هذا، وخرجوا بخيامهم إلى باب الشَّمَّاسية، وراسلوا بهاء الدولة ليسلمه إليهم، لسوء معاملته لهم، فدافع عنه السُّلْطان مدافعة عظيمة مرَّاتٍ متعدِّدة، ولم يزالوا يراسلونه في أمره حتى خنق أبا الحسن بن المعلم في حبل، ومات، ودفن بالمُخرِّم. وفي رجب [من هذه السنة] (٢) سُلِّم الخليفة الطائع للَّه الذي خُلِعَ إلى أمير المؤمنين خليفة الوقت أبي العباس القادر باللَّه، فأمر بوضعه في حجرة من دار الخلافة، وأن تجري عليه الأرزاق والتُّحَف والألطاف، مما يستعمله الخليفة القادر من مأكل وملبس وطيب، ويوكل به من يحفظه ويخدمه، وكان يتعنّت على القادر في تقلُّله من المأكل والملبس، فرَتَّب له من يخدمه ويحضر له ما يشتهيه من سائر الأنواع، ولم يزل كذلك حتى توفي وهو في السجن. وفي شوال منها ولد للخليفة القادر باللَّه ولد ذكر، وهو أبو الفضل [محمد بن] (٣) القادر باللَّه، وقد ولَّاه العهد من بعده، وسماه الغالب باللَّه، فلم يتمَّ له الأمر. وفيها غَلَتِ الأسعار ببغداد حتى أبيع رطل الخبز بأربعين درهمًا، والجزرة بدرهم. وفي ذي القعدة قدم صاحب الأُصيفر الأعرابي، والتزم بحراسة الحُجَّاج في ذهابهم وإيابهم، وبشرط أن يخطب للقادر من اليمامة والبحرين إلى الكوفة، فأجيب إلى ذلك، وأطلقت له الخِلَع والأموال والألوية (٤). وممن توفي فيها من الأعيان: محمد بن العَبَّاس (٥) بن محمد بن (٦) زكريا بن يحيى بن معاذ: أبو عمر القَزَّاز (٧) المعروف بابن حيوية.

стр. 5800

سمع البغوي والباغَنْدِي وابن صاعد وخَلْقًا كثيرًا، وانتقى (١) عليه الدَّارَقُطْني، وسمع منه الأعيان، وكان ثِقَةً دَيِّنًا متيفظًا ذا مروءة، وكتب من الكتب الكبار كثيرًا بيده، توفي في ربيع الآخر وقد قارب التسعين، ﵀. [أبو أحمد العَسْكري] (٢): الحسن بن عبد اللَّه بن سعيد، أبو أحمد العسكري، أحد الأئمة في اللغة والأدبِ والنحو والنَّوادر، وله في ذلك تصانيف مفيدة، منها "التصحيف" (٣) وغيره، وكان الصاحب بن عَبَّاد يودُّ الاجتماع به، فسافر إلى عسكر مكرم خلفه حتى اجتمع به، [فأكرمه وراسله بالأشعار] (٤). توفي فيها وله تسعون سنة. كذا أرَّخه ابن خَلِّكان (٥). وذكره ابن الجوزي فيمن توفي سنةَ سبعٍ وثمانين كما سيأتي، إن شاء اللَّه تعالى (٦). ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمئة فيها أمر القادر باللَّه بعمارة مسجد الحربية وكسوته، وأن يجري مجرى الجوامع في الخطبة وغيرها، وذلك بعد أن استفتى العلماء في جواز ذلك، فأفتوه بالجواز. قال الخطيب البغدادي: أدركت الجمعة تقام ببغداد في مسجد المدينة، ومسجد الرصافة، ومسجد دار الخلافة، ومسجد براثا، ومسجد قطيعة أم جعفر، ومسجد الحربية. قال: ولم يزل الأمر على هذا إلى سنة إحدى وخمسين وأربعمئة، فتعطلت في مسجد بَرَاثا (٧). وفي جُمادى الأولى فرغ من الجسر الذي بناه بهاء الدولة في مشرعة القطانين، واجتاز عليه هو بنفسه، وقد زيَّنوه واحتفلوا به.

стр. 5801

وفي جمادى الآخرة، شغب الدَّيالم والأتراك لتأخُّرِ العطاء عنهم، وغلاء الأسعار، وراسلوا بهاء الدولة، فأزيحت أعذارهم وعللهم. وفي يوم الخميس الثاني من ذي القَعْدة من هذه السنة تزوَّج الخليفة سكينة بنت بهاء الدولة على صَداق مئة ألف دينار، وكان وكيلَ أبيها الشريفُ أبو أحمد الموسوي، وقد توفيت هذه المرأة قبل دخول الخليفة عليها. وفي هذه السنة ابتاع الوزير أبو نصر سابور بن أزدشير دارًا بالكَرْخ وجدَّد عمارتها، وبيَّضها، ونقل إليها كتبًا كثيرة، ووقفها على الفقهاء، وسماها دار العلم. وأظن أن هذه أول مدرسة وقفت على الفقهاء (١)، واللَّه أعلم. وارتفعت الأسعار في أواخر هذه السنة، وضاق الحال [وجاع العيال، فلله الحمد والمنَّة على كل حال] (٢). وفيها توفي من الأعيان: أحمد بن إبراهيم (٣) بن الحسن بن شاذان بن حَرْب بن مِهْران: أبو بكر البَزَّاز. سمع الكثير من البَغَوي وابن صاعد وابن دريد وابن أبي داود. وعنه الدَّارَقُطْني والبَرْقاني والأزْهَري وغيرهم، وكان ثِقَةً ثبتًا صحيحَ السَّماع، كثير الحديث، متحرِّيًا ورعًا. توفي عن خمسٍ وثمانين سنة [رحمه اللَّه تعالى] (٤). ثم دخلت سنة أربع وثمانين وثلاثمئة فيها عَظُمَ الخَطْبُ بأمر العَيَّارين، وعاثوا ببغداد للفساد وأخذوا [الأموال و] (٤) العملات الثقال ليلًا ونهارًا، وحرقوا (٥) أماكن كثيرة، وأخذوا من الأسواق الجبايات، وتطلبهم الشُّرَط فلم يُفْد ذلك شيئًا ولا فكروا فيهم، بل استمرُّوا على ما هُمْ عليه من أخذ الأموال، وقَتْلِ الرجال، وإرعاب النِّساء

стр. 5802

والأطفال، في سائر المحال. فلما تفاقم الحال بهم طلبهم السُّلْطانُ بهاء الدولة، وألحَّ في طلبهم، فهربوا من بين يديه، واستراح الناس من شرِّهم (١). وفي ذي القَعْدة عُزل الشريف أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوي (٢)، وولداه اللذان كانا وليي عهده من بعده عن نقابة الطَّالبيين. ورجع ركب العراق في هذه السنة من أثناء الطَّريق بعدما فاتهم وقت الحج، وذلك أنَّ الأُصيفر الأعرابي الذي كان قد تكفَّل بحراستهم اعترض لهم في أثناء الطريق، وذكر لهم أن الدَّنانير التي أطلقت له من دار الخلافة كانت دراهم مطلية، وأنه يريد بدلها من الحجيج وإلا لم يتركهم يجاوزوا هذا الموضع، فمانعوه وراجعوه، فحبسهم عن المسير حتى ضاق الوقت، ولم يبق منه ما يلحقوا الحجَّ فيه، فرجعوا إلى بلادهم، ولم يحجَّ منهم أحد، وكذلك لم يحجَّ من الركب الشَّامي ولا أهل اليمن أحد، وإنما حجَّ أهل مصر والمغرب خاصةً. وفي يوم عرفة قُلِّد الشريف أبو الحسين محمد بن علي بن أبي تمام الزَّينبي نقابة العَبَّاسيين، وقرئ عهده بين يدي الخليفة بحضرة القُضاة والأعيان، وكان يومًا مشهودًا. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو إسحاق إبراهيم بن هلال (٣) بن زَهْرُون بن حَبُّون: الحَرَّاني الكاتب الصابئ صاحب التصانيف والرَّسائل للخليفة ولمعِزِّ الدوله (٤) بن بُويْه، كان على دين الصَّابئة إلى مماته، وكان مع هذا يصوم رمضان ويقرأ القرآن [من حفظه، وكان يحفظه] (٥) حفظًا حسنًا، ويسعمل منه في رسائله، وكانوا يحرصون على أن يُسْلم فلم يفعل، وله شعر جيد قوي. كانت وفاته في شوال من هذه السنة وقد جاوز السبعين، وقد رثاه الشَّريف الرَّضي (٦) وقال: إنما رثيتُ فضائله (٧).

стр. 5803

عبيد اللَّه (١) بن محمد بن نافع بن مكرم: أبو العَبَّاس البُسْتي الزَّاهد، ورث من آبائه أموالًا كثيرة، فأنفقها كلها في وجوه الخير والقُرُبات، وكان كثير العبادة، يقال: إنه مكث سبعين سنة لا يستند إلى حائطٍ ولا إلى شيء، ولا يتكئ على وسادة، وحجَّ من نيسابور ماشيًا حافيًا، ودخل الشام، وأقام ببيت المقدس شهورًا، ثم دخل مِصْر وبلاد المغرب، وحجَّ من هناك، ثم رجع إلى بلاده بُسْت، وكانت له بها بقية [أموال] (٢) وأملاك فتصدَّق ببقيتها، ولما حضرته الوفاة جعل يتألم ويتوجَّع، فقيل له: ما هذا؟ فقال: أرى بين يدي أمورًا هائلة، ولا أدري كيف أنجو منها. وكانت وفاته في المحَّرم من هذه السنة عن خمسٍ وثمانين سنة، وليلة موته رأت امرأةٌ أمها بعد وفاتها وعليها ثياب حسان وزينة فقالت: يا أمه، ما هذا؟ فقالت: نحن في عيد من قدوم عبيد اللَّه الزاهد علينا، رحمه اللَّه تعالى. علي بن عيسى بن علي بن عبد اللَّه (٣): أبو الحسن (٤)، النَّحْوي، المعروف بالرُّمَّاني. روى عن ابن دُريد، وكانت له يد طُولى في النَّحْو واللُّغة والمنطق والكلام، وله تفسيرٌ كبير، وشهد عند ابن معروف فَقَبِله، وروى عنه التَّنوخي والجَوْهري. وتوفي عن ثمانٍ وثمانين سنة، ودفن في الشُّونيزية عند قبر أبي علي [الفارسي] (٥). قال ابن خلِّكان: والرُّمَّاني نسبة إلى بيع الرُّمَّان أو إلى قصر الرمان بواسط (٦). محمد بن العَبَّاس بن أحمد بن محمد بن الفُرَات (٧): أبو الحسن، الكاتب، المحدث، الثِّقة المأمون. قال الخطيب البغدادي: كان ثِقَةً، كتب الكثير، وجمع ما لم يجمعه أحدٌ في وقته، بلغني أنه كتب

стр. 5804

مئة تفسير ومئة تاريخ، وخلَّف ثمانية عشر صندوقًا مملوءة كتبًا، أكثرها بخطه سوى ما سُرقَ منه، وكان خطُّه (١) في غاية الصِّحة، ومع هذا كانت له جارية تعارض معه (٢) ما يكتبه (٣)، رحمه اللَّه تعالى. محمد بن عمران بن موسى بن عبيد (٤): أبو عبيد اللَّه (٥) الكاتب المعروف بابن المَرْزُبان. روى عن البَغَوي وابن دُريد وغيرهما، وكان صاحب أخبار (٦) وآداب، وصنَّف كتبًا كثيرة في فنون مستحسنة (٧)، وكان مشايخه وغيرهم يحضُرون عنده، ويبيتون في داره في فُرُش وأطعمة وغير ذلك. وكان عضد الدولة إذا مرَّ بداره لا يجتاز حتى يرسل إليه ليخرج، فيسلم عليه. وكان أبو علي الفارسي يقول: هو من محاسن الدُّنيا. وقال العتيقي (٨): كان ثِقَةً. وقال الأزهري: ما كان ثقة. وقال ابنُ الجَوْزي: لم يكن من الكذابين، وإنما كان فيه تشيع واعتزال، ويخلط السماع بالإجازة (٩). بلغ ثمانيًا وثمانين سنة، رحمه اللَّه تعالى. ثم دخلت سنة خمس وثمانين وثلاثمئة فيها استوزر فخر الدولة بن ركن الدولة بن بُوَيْه أبا العَبَّاس أحمد بن إبراهيم الضَّبِّي، الملقب بالكافي، وذلك بعد وفاة الصَّاحب إسماعيل بن عبَّاد، وكان من مشاهير الوزراء.

стр. 5805

وفيها قبض بهاء الدولة على القاضي عبد الجبار وصادره بأموالٍ جزيلة، فكان من جملة ما بيع في المصادرة ألف طَيْلسان وألف ثوب مغربى (١). وحجَّ بالناس في هذه السنة وما قبلها وما بعدها المصريون، والخطبة في الحَرَمين لهم. وممن توفي فيها من الأعيان: الصَّاحب بن عَبَّاد (٢): وهو إسماعيل بن عباد بن عباس بن عباد بن أحمد بن إدريس الطَّالقَاني، أبو القاسم، الوزير الشهير بكافي الكُفاة. وزر لمؤيَّد الدولة بن ركن الدولة بن بُوَيه، وقد كان من العِلْم والفضيلة والبراعة والكرم والإحسان إلى العلماء (٣) على جانبٍ عظيمٍ، كان يبعث في كلِّ سنة إلى بغداد بخمسة آلاف دينار لتفرَّق على أهل العِلْم، وله اليد الطُّولى في الأدب، وله مصنفات في فنون من العلم، واقتنى كتبًا كثيرة كانت تحمل على أربعمئة بعير، ولم يكن في وزراء بني بويه مثله ولا قريب منه في مجموع فضائله، وقد كانت دولة بني بويه مئة وعشرين سنة، وكانت وزارته ثمانية عشر سنة وأشهرًا، وفتح خمسين قلعة لمخدومه مُؤَيَّد الدولة، وابنه فخر الدولة، بصرامته وشهامته وحسن تدبيره وجودة آرائه. وكان يحبُّ العلوم الشَّرْعية، ويبغض الفلسفة وما يشبهها من (٤) الآراء البدعية، وقد مرض مَرَّةً بالإسهال، فكان كلما قام عن المطهرة وضع عندها عشرة دنانير لئلا يتبرَّم به الفرَّاشون، فكانوا يودُّون لو طالت عِلَّته، ولما عُوفي أنهب داره الفقراء والمساكين، وكان قيمة ما تحتوي عليه نحوًا من خمسين ألف دينار. وقد سمع الحديث من المشايخ [الجياد] (٥) العوالي الإسناد، وعقد له [في وقت] (٥) مجلس للإملاء، فاحتفل النَّاس بحضوره، [وحضره وجوه الأمراء] (٣) فلما خرج [إليه] (٦) لبس زِيَّ الفقهاء،

стр. 5806

وأشهد على نفسه بالتوبة والإنابة مما يعانيه من أمور السُّلْطان، وذكر للنَّاس أنه إنما يأكل من حين نشأ وإلى يومه هذا من أموال أبيه وجدِّه (١)، ولكن كان يخالط السُّلْطان، وهو تائب مما مارسه من شؤونه. واتخذ بيتًا في داره سمَّاه دار التوبة، ووضع العلماء خطوطهم بصحة توبته. وحين حدَّث استملى عليه جماعة لكثرة مجلسه، فكان من جملة من يكتب ذلك اليوم من الطلبة القاضي عبد الجبار الهَمَذاني (٢) وأضرابه ومن شابهه من رؤوس الفضلاء، وسادات المحدثين والفقهاء. وقد بعث إليه قاضي قَزْوين بهدية كتبٍ سَنيَّة، وكتب معها: العَمِيْريُّ (٣) عبدُ كافي الكُفَاةِ … وإن اعْتُدَّ (٤) في وُجُوهِ القُضاةِ خَدَمَ المجلسَ الرفيعَ، بكُتْبٍ … مُفْعَمَاتٍ من حُسْنها مُتْرَعاتِ فلما وصلتْ إليه أخذ منها كتابًا واحدًا، ورَدَّ باقيها، وكَتَبَ تحت البيتين: قد قَبِلْنا من الجميعِ كتابًا … وَرَدَدْنا لِوَقْتها الباقياتِ لستُ أستغنمُ الكثير وطبْعي … قولُ خذْ، ليس مذهبي قَوْلُ هاتِ وجلس الوزير ابن عباد مرَّة في مجلس شَرَاب، فناوله الساقي كأسًا، فلما أراد شربها قال له بعض خُدَّامه: يا سيدي، إن هذا الذي في يدك مسموم. قال: وما الشاهد على صحة قولك؟ قال تجرِّبه. قال: فيمن؟ قال في السَّاقي. قال ويحك لا أستحل ذلك، قال ففي دجاجةٍ، قال: إنَّ التمثيل بالحيوان لا يجوز. ثم أمر بصبِّ ما في [ذلك] (٥) القدح وقال للسَّاقي: لا تدخل داري بعد هذا. ولم يقطع عنه معلومه. وقد عَمِلَ عليه الوزير أبو الفتح بن ذي الكفايتين حتى عَزَله عن وزارة مُؤَيَّد الدولة [في وقتٍ] (٦) وباشرها عوضه، واستمرَّ مُدَّة، فبينا هو ليلة في بعض أيامه قد اجتمع عنده أصحابه وندماؤه وهو في أتمِّ السُّرور، قد هيئ له مجلسٌ حافل بأنواع اللَّذَّات من المآكل والمشارب والملابس والتحف، وقد نَظمَ أبياتًا والمغنون يلحنونها، وهو في غاية الطَّرب والسُّرور، وهي هذه الأبيات: دعوتُ الهنا ودعوتُ العُلا (٧) … فلما أجابا دَعَوْتُ القَدَحْ

стр. 5807

وقُلْتُ لأيَّامِ شَرْخِ الشَّباب … إليَّ فهذا أوانُ الفَرَحْ إذا بَلَغَ المَرْءُ آمالَهُ … فليسَ لهُ بعدها مُنْتَزحْ ثم قال لندمائه: باكروني غدًا إلى الصَّبُوح، ونهض إلى بيت منامه، فما أصبح حتى قبض عليه مُؤَيَّد الدولة، وأخذ جميع ما في داره من الحواصل والأموال، وجعله مُثْلَةً في العباد، وأعاد إلى وزارته ابنَ عَبَّاد. وقد ذكر ابنُ الجوزي أن ابن عباد [لما] (١) حَضَرَتْه الوفاة جاءه الملك فخرُ الدولة بن مؤيد الدولة يعوده ليوصيه في أموره فقال له: إني موصيك أن تستمرَّ بالأمور على ما تركتها عليه، ولا تغيرها، فإنك إن استمريت بها نُسبت إليك من أول الأمر إلى آخره، وإن غيَّرْتها، وسلكت غيرَها نسبت هي والخير المتقدِّم إليَّ لا إليك، وأنا أحبُّ أن تكون نسبةُ الخير إليك، وإن كنتُ أنا المشير بها عليك. فأعجبه منه ذلك، واستمرَّ بما أوصاه به من الخير، وكانت وفاته في عشية يوم الجمعة لستٍّ بقين من صفر (٢). قال ابنُ خلِّكان: وهو أول من سُمِّيَ من الوزراء بالصَّاحب، ثم استعمل بعده فيهم، وإنما سُمي بذلك لكثرة صحبته الوزير أبي الفَضْل بن العميد، فكان يقال له صاحب ابن العميد، ثم أطلق عليه أيام وزارته. وقال الصَّابئ في كتابه "التاجي": إنما سمَّاه الصَّاحب مؤيدُ الدولة بن بويه لأنه كان صاحبه من الصِّغر، فكان يسميه الصَّاحب، فلما ملك واستوزره سمَّاه الصاحب فاستمر به، وتسمى به الوزراء بعده (٣). ثم ذكر ابنُ خلِّكان قطعةً صالحة من مكارمه وفضائله وثناء الناس عليه، وعدَّد له مصنفات كثيرة، منها كتابه "المحيط" في اللغة في سبعة مجلدات، يحتوي على أكثر اللغة، وأورد من شعره أشياء منها قوله -وهو صنيع لطيف-: رَقَّ الزُّجاجُ ورَقَّتِ الخَمْرُ … وتشابها فَتَشَاكَلَ الأمْرُ فكأنَّما خَمْرٌ ولا قَدَحٌ … وكأنّما قَدَحٌ ولا خَمْرٌ

стр. 5808

قال ابنُ خلّكان: وكانت وفاته بالرَّي في هذه السَّنة، وله نحو ستين سنة، ونُقِلَ إلى أصبهان، رحمه اللَّه تعالى (١). الحسن بن حامد بن الحسن بن حامد (٢): أبو محمد الأديب. كان شاعرًا متمولًا (٣) كثير المكارم، [روى عن علي بن محمد بن سعيد المَوْصلي، وعنه الصُّوري وكان صدوقًا] (٤). وهو الذي أنزل المتنبي في داره حين قدم بغداد، وأحسن إليه، وأجرى عليه النفقات حتى قال له المتنبي: لو كنتُ مادحًا تاجرًا لمدحتك. وقد كان أبو محمد هذا شاعرًا ماهرًا، فمن جيد شعره قوله: شريتُ المعالي غير مُنْتَظر بها … كسادًا ولا سوقًا تقام لها أُخرى وما أنا منْ أهْلِ المكاسبِ (٥) كلَّما … تَوفَّرَتِ الأثمانُ كُنْتُ لها أشْرَى ابن شاهين الواعظ (٦)، عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد بن أيوب بن زذان (٧): أبو حَفْص بن شاهين المشهور. سمع الكثير، وحدَّث عن الباغَنْدي، وأبي بكر بن أبي داود، والبَغَوي، وابن صاعد، وخَلْق. وكان ثِقَةً أمينًا، يسكن الجانب الشَّرْقي من بغداد، وكانت له المصنَّفات العديدة المفيدة. ذُكر عنه أنه صنف ثلاثمئة وثلاثين مصنفًا، منها "التفسير" في ألف جُزْء، و"المُسْند" في ألف وخمسمئة جُزْء، و"التاريخ" في مئة وخمسين جُزءًا، و"الزهد" في مئة جُزْء. وكانت وفاته في ذي الحجَّة وقد قارب التسعين سنة، رحمه اللَّه تعالى. الحافظ الدَّارَقُطْني (٨): أبو الحسن، علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن دينار بن عبد اللَّه

стр. 5809

الدارقطني الحافظ الكبير، أستاذ هذه الصِّناعة في زمانه، وقبلها بمدَّة وبعدها إلى زماننا هذا. سمع الكثير، وجمع وصنَّف وألَّف وأجاد وأفاد، وأحسن النظر والتعليل والانتقاء والانتقاد، وكان فريد عصره، ونسيج وَحْدِه، وإمام أهل دهره في أسماء الرجال، وصناعة التعليل، والجرح والتعديل، وحسن التصنيف والتأليف، واتِّساع الرِّواية، والاطلاع التام في الدِّراية، له كتاب "السنن" الكبير المشهور، من أحسن المصنفات في بابه، لم يسبق إلى مثله ولا يلحق في شكله إلا من استمدَّ من بحره وعمل كعمله، وله كتاب "العلل" بيَّن فيه الصَّواب من الزلل، والمتصل من المُرْسل والمنقطع والمُعْضل، وكتاب "الأفراد" الذي لا يفهمه، فضلًا عن أن ينظمه، إلا من هو من الحفَّاظ الأفراد، والأئمة النُّقَّاد، [والجهابذة الجياد] (١)، وله غير ذلك من المُصنَّفات التي هي كالعقود في الأجياد، وقد كان الدارقطني من صغره موصوفًا بالحفظ الباهر، [والذهن الثَّاقب الماهر] (٢)، جلس مَرَّة في مجلس إسماعيل الصَّفَّار وهو يملي على النَّاس الأحاديث، والدَّارقُطني ينسخ في جزء حديث، فقال له بعض المحدِّثين في أثناء المجلس: إن سماعك لا يصح وأنت تنسخ. فقال الدَّارقُطني: فهمي للإملاء خلاف فهمك، أتحفظ كم أملى حديثًا؟ قال: لا. فقال: إنه أملى ثمانية عشر حديثًا إلى الآن، فالحديث الأول منها عن فلان عن فلان، ثم ساقها كلها بأسانيدها، فتعجَّب الناس من ذلك. وقد قال الحاكم أبو عبد اللَّه النَّيْسابوري: لم ير الدَّارَقُطْني مثل نفسه. وقال ابنُ الجَوزي: وقد اجتمع له مع معرفة الحديث والعلم بالقراءات والنحو والفقه والشِّعْر مع الإمامة والعدالة، وصحَّة العقيدة، وتد كانت وفاته يوم الثلاثاء سابع ذي القَعْدة من هذه السنة، وله من العمر تسع وسبعون سنة ويومان، ودفن من الغد بمقبرة معروف الكرخي (٣). قال ابن خلِّكان: وقد رحل إلى الدِّيار المصرية، فأكرمه الوزير أبو الفَضْل جعفر بن الفضل بن حِنْزَابة (٤) وزير كافور الإخشيدي، وساعده هو والحافظ عبد الغني على إكمال مسنده، فحصل للدارقطني منه مالٌ جزيل. قال: والدَّارَقُطْني نسبة إلى دار القُطْن، وهي مَحلَّة كبيرة ببغداد، وقال عبد الغني بن سعيد (٥): لم

стр. 5810

يتكلَّم على الأحاديث مثل علي بن المَديني في زمانه، وموسى بن هارون في زمانه، والدَّارَقُطْني في زمانه. وسُئِلَ الدَّارَقُطني: هل رأى مثل نفسه؟ قال: أما في فنٍ واحدٍ فربما رأيتُ من هو أفضل مني، وأما فيما اجتمع فيَّ من الفنون (١) فلا. وقد روى الخطيب البغدادي عن الأمير أبي نصر هبة اللَّه بن ماكُولا قال: رأيتُ في المنام كأني أسأل عن حال أبي الحسن الدَّارَقُطْني، وما آل إليه أمره في الآخرة، فقيل لي: ذاك يُدْعى في الجنَّة الإمام (٢). عبَّاد بن عباس بن عباد: أبو الحسن الطَّالقَاني، والد الوزير [إسماعيل] (٣) بن عباد [المتقدم ذكره] (٤). سمع أبا خليفة الفَضْل بن الحُباب (٥) وغيره من البغداديين والأصفهانيين والرَّازيين [وغيرهم] (٦)، وحدَّث عنه ابنه الوزير أبو القاسم (٧)، وأبو بكر بن مَرْدُويه. ولعبَّاد هذا كتابٌ في "أحكام القرآن"، وقد اتفق موته وموت ابنه في هذه السنة، رحمهما اللَّه. عقيل بن محمد بن عبد الواحد (٨): أبو الحسن، الأحنف العُكْبَري، الشَّاعر المشهور، له ديوان مفرد، ومن مستجاد شعره ما ذكره الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في "المنتظم": أقْضَى عليَّ من الأَجَلْ … عَذْلُ العَذُول إذا عَذَلْ وأشدُّ من عَذْلِ العَذُو … لِ صُدُودُ إلفٍ قد وَصَلْ وأشدُّ منْ هذا وذا … طَلَبُ النَّوَّالِ من السَّفَلْ ومن شعره الجيد قوله أيضًا: من أرادَ المُلْك (٩) والرَّا … حَةَ منْ هَمٍّ طويلِ فَلْيَكُنْ فَرْدًا من النَّا … سِ وَيَرْضَى بالقَلِيْلِ

стр. 5811

ويرى أنَّ قليلًا … نافعًا غيرُ قليلِ (١) ويرى بالحَزْمِ أنَّ الـ … ـــحزمَ في تَرْكِ الفُضُولِ ويداوي مَرَضَ الوَحـ … ــــدةِ بالصَّبْرِ الجَمِيْلِ لا يماري أحدًا … ما عاشَ في قالٍ وقيلِ يلزمُ الصَّمْتَ فإنَّ الصَّـ … ــمتَ تَهْذيْبُ العُقُولِ يَذَرُ الكِبْرَ لأهليـ … ــه وَيَرْضى بالخُمولِ (٢) أيُّ عَيْشٍ لامرئٍ يُصْـ … ــبحُ في حالٍ ذليلِ بينَ قَصْدٍ منْ عدُوٍ … ومداراةِ جَهُولِ واعتلالٍ منْ صديقٍ … وتَجَنٍّ من مَلُولِ واحْتِراسٍ منْ ظُنونِ السُّـ … ــــــوءِ مَعْ عَذْلِ العَذُولِ ومماشاةِ بغيضٍ … ومقاساةِ ثقيلِ (٣) أُفِّ من مَعْرِفةِ النَّا … سِ على كلِّ سبيلِ وتمامُ الأمرِ لا تَعْـ … ـــرفُ سَمْحًا من بخيلِ فإذا أكْمَلْتَ هذا … عِشْتَ في مُلْك جليلِ (٤) محمد بن عبد اللَّه بن سُكَّرة (٥)، أبو الحسن (٦) الهاشمي: من ولد علي بن المهدي.

стр. 5812

وكان شاعرًا أديبًا خليعًا ظريفًا، وكان ينوب في نقابة الهاشميين، فترافع إليه رجل اسمه علي وامرأة اسمها عائشة يتحاكمان في جَمَلٍ، فقال: هذه قضية لا أحكم فيها بشيء لئلا تعود الحال جذعة. ومن مستجاد شعره ولطيف قوله: في وجهِ إنسانةٍ كَلِفْتُ بها … أربعةٌ ما اجْتَمَعْنَ في أَحدِ الوجهُ بَدْرٌ والصُّدْغُ غاليةٌ (١) … والرِّيق خمرٌ والثَّغْرُ من بَرَدِ ومن مجون شعره وقد دخل حمامًا، فسرق نعلاه، [فعاد إلى منزله وهو حافٍ] (٢) فقال: إليكَ أذمُّ حمَّامَ ابنِ مُوسى … وإن فاقَ المُنَى طِيْبًا وحَرّا تَكاثَرَتِ اللُّصُوصُ عليهِ حتى … لَيَحْفَى من يطيفُ به ويَعْرَى ولم أفْقِدْ به ثَوْبًا ولكنْ … دَخَلْتُ محمدًا (٣) وخَرَجْتُ بِشْرا (٤) يوسف بن عمر بن مسرور (٥): أبو الفتح، القَوَّاس. سمع البغوي وابن أبي داود وابن صاعد وغيرهم، وعنه الخلال [والعُشاري] (٦) والتَّنوخي [وغيرهم] (٧)، وكان ثقةً نبيلًا، يُعدُّ من الأبدال. قال الدَّارَقُطني: كنا نتبرك به وهو صغير. وكانت وفاته لثلاثٍ بقين من ربيع الآخر عن خمسٍ وثمانين سنة، ودفن بباب حرب، رحمه اللَّه تعالى. يوسف بن أبي سعيد (٨) السِّيْرَافي: أبو محمد، النَّحْوي بن النحوي. وهو الذي تمَّم شرح أبيه لكتاب سيبويه (٩)، وكان يرجع إلى علْمٍ ودين، كانت وفاته في

стр. 5813

ربيع الأول منها عن خمسٍ وخمسين سنة. رحمه اللَّه تعالى وإيانا بمنِّه وكرمه. ثم دخلت سنة ست وثمانين وثلاثمئة في المحرم من هذه السنة كشف أهلُ البَصْرة عن قبير عتيق، إذ هُمْ بميت طَرِي عليه سيفه وثيابه، فظنُّوه الزُّبير بن العَوَّام، فأخرجوه وكفنوه ودفنوه، واتخذوا عند قبره مسجدًا، ووُقِفَتْ عليه أوقافٌ كثيرة، وجعل عنده خدام وقُوَّام وفُرُش وتنوير. وفيها ملك الحاكم العُبيدي بلاد مِصْر بعد أن هلك أبوه العزيز بن المعز الفاطمي، وكان عمره إذ ذاك إحدى عشرة سنة وستة أشهر، وقام بتدبير المملكة أرجوان الخادم، وأمين الدولة الحسن بن عمار شيخ كتامة، فلما تمكن الحاكم [قتلهما] (١) وأقام غيرهما، وقتل خلقًا حتى استقام له الأمر على ما سنذكره. [وحجَّ بالنَّاس في هذه السنة المصريون والخطبة لهم] (٢). توفي فيها من الأعيان: أحمد بن إبراهيم (٣) بن محمد بن يحيى بن سختويه: أبو حامد بن أبي إسحاق المُزكِّي النَّيْسابوري. سمع الأصم وطبقته، وكان كثير العبادة من صغره إلى كبره، وصام من دَهْره سَرْدًا تسعًا وعشرين سنة. قال الحاكم: وعندي أن الملك لم يكتب عليه خطيئة. توفي في شعبان من هذه السنة عن ثلاثٍ وستين سنة. أبو طالب المَكِّي (٤): صاحب "قوت القلوب" (٥). محمد بن علي بن عطية، الواعظ المذكِّر، الزَّاهد المتعبد، الرَّجل الصَّالح. سمع الحديث وروى عن غير واحد.

стр. 5814

قال العتيقي: كان رجلًا صالحًا مجتهدًا في العبادة، وصنَّف كتابًا سماه "قوت القلوب"، ذكر فيه أحاديث لا أصل لها، وكان يعظ النَّاس في الجامع ببغداد. وحكى ابنُ الجوزي أن أصله من الجبل، وأنه نشأ بمكة، وأنه دخل البصرة بعد وفاة أبي الحسن بن سالم، فانتمى إلى مقالته، ودخل بغداد فاجتمع عليه النَّاس، وعقد له مجلسُ الوعظ، فغلط في كلامه، وحُفِظَ عنه أنه قال: ليس على المخلوقين أَضَرَّ من الخالق. فبدَّعه الناس وهجروه، وامتنع من الكلام على الناس (١). وقد كان أبو طالب ممن يبيح السَّماع، فدخل عليه عبد الصَّمد بن علي، فعاتبه في ذلك، فأنشد أبو طالب: فيا ليلُ كم فيكَ من مُتْعةٍ (٢) … ويا صُبْحُ لَيْتَكَ لم تَقْرُبِ فخرج عبد الصمد مُغْضَبًا. وقال أبو القاسم بن بشران: دخلت على شيخنا أبي طالب المكي وهو يموت، فقلتُ: أوص. فقال: إذا ختم لي بخيرِ، فانثر على جنازتي لَوْزًا وسُكَّرًا. فقلت: كيف أعلم ذلك؟ فقال: اجلس عندي ويدك في يدي، فإن قبضتُ على يدك فاعلم أنه قد خُتِمَ لي بخير. قال: فجلست عنده ويدي في يده، فلما حان فراقه، قبض على يدي قبضًا شديدًا، فلما رفع على جنازته نثرت اللوز والسُّكَّر على نعشه. قال ابنُ الجوزي: توفي في جُمادى الآخرة من هذه السنة، وقبره ظاهر بالقرب من جامع الرّصافة. العزيز بن المعز الفاطمي صاحب مِصْر (٣): نزار بن المعز مَعَد أبي تميم، ويكنى نزار هذا بأبي منصور، ويلقب بالعزيز، توفي عن ثنتين وأربعين سنة، منها ولايته بعد أبيه إحدى وعشرون سنة، وخمسة أشهر وعشرة أيام، وقام بالأمر من بعده ولده الحاكم -قبحه اللَّه- والحاكم هو الذي تنسب إليه الفرقة الضَّالَّة المضلة الزنادقة الحاكمية. أما العزيز هذا فإنه كان قد استوزر رجلًا نَصْرانيًا يقال له عيسى بن نسطورس، وآخر يهوديًا اسمه ميشا، فَعَزَّ بسببهما أهل هاتين المِلَّتين في ذلك الزمان على المسلمين، حتى كتبت إليه امرأةٌ في فصة وقد

стр. 5815

أحيجت في بعض الأمر تقول له (١): بالذي أَعزَّ النصارى بعيسى بن نسطورس، واليهود بميشا وأذَلَّ المسلمين بك إلا ما كشفت عن ظُلامتي. فعند ذلك أمر بالقبض على هذين الوزيرين، وأخذ من النَّصْراني (٢) ثلاث مئة ألف دينار (٣). وفيها توفيت بنت عضد الدولة التي كانت زوجة الطائع، فَحُمِلَتْ تركتها إلى ابن أخيها بهاء الدولة، وكان فيها جواهر كثيرة وتحف ولطائف، وغير ذلك. ثم دخلت سنة سبع وثمانين وثلاثمئة فممن توفي فيها من الأعيان: فخر الدولة أبو الحسن، علي بن ركن الدولة بن بُوَيه، ورتِّبَ ولده رُسْتم في الملك بعده وعمره أربع سنين، وقام خواصُّ أبيه بتدبير الممالك والرعايا. [وممن توفي فيها] (٤): أبو أحمد العَسْكري اللُّغوي (٥): وهو الحسن بن عبد اللَّه بن سعيد. العلامة في فَنِّه وتصانيفه المفيدة في اللُّغة وغيرها، يقال إنه كان يميل إلى الاعتزال، ولما قَدِمَ الصَّاحب بن عَبَّاد هو وفخر الدولة البلدة التي كان فيها أبو أحمد العسكري -وكان قد كبر وأسن- بعث إليه الصاحب بن عباد برقعة فيها هذه الأبيات: ولما أَبيْتُمْ أنْ تَزُوروا وقُلْتُمُ … ضَعُفْنا فما نقوى على الوَخَدَانِ (٦) أتيناكُم منْ بُعْدِ أرضٍ نَزُوْرُكُمْ … فكم مَنْزِلٍ بِكْرٍ لنا وَعَوانِ نناشِدُكُمْ هلْ من قِرًى لِنَزِيْلِكُمْ … بطولِ جوارٍ لا بمِلءٍ جِفَانِ
следующие страницы →