← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

ويرى أنَّ قليلًا … نافعًا غيرُ قليلِ (١) ويرى بالحَزْمِ أنَّ الـ … ـــحزمَ في تَرْكِ الفُضُولِ ويداوي مَرَضَ الوَحـ … ــــدةِ بالصَّبْرِ الجَمِيْلِ لا يماري أحدًا … ما عاشَ في قالٍ وقيلِ يلزمُ الصَّمْتَ فإنَّ الصَّـ … ــمتَ تَهْذيْبُ العُقُولِ يَذَرُ الكِبْرَ لأهليـ … ــه وَيَرْضى بالخُمولِ (٢) أيُّ عَيْشٍ لامرئٍ يُصْـ … ــبحُ في حالٍ ذليلِ بينَ قَصْدٍ منْ عدُوٍ … ومداراةِ جَهُولِ واعتلالٍ منْ صديقٍ … وتَجَنٍّ من مَلُولِ واحْتِراسٍ منْ ظُنونِ السُّـ … ــــــوءِ مَعْ عَذْلِ العَذُولِ ومماشاةِ بغيضٍ … ومقاساةِ ثقيلِ (٣) أُفِّ من مَعْرِفةِ النَّا … سِ على كلِّ سبيلِ وتمامُ الأمرِ لا تَعْـ … ـــرفُ سَمْحًا من بخيلِ فإذا أكْمَلْتَ هذا … عِشْتَ في مُلْك جليلِ (٤) محمد بن عبد اللَّه بن سُكَّرة (٥)، أبو الحسن (٦) الهاشمي: من ولد علي بن المهدي.

стр. 5812

وكان شاعرًا أديبًا خليعًا ظريفًا، وكان ينوب في نقابة الهاشميين، فترافع إليه رجل اسمه علي وامرأة اسمها عائشة يتحاكمان في جَمَلٍ، فقال: هذه قضية لا أحكم فيها بشيء لئلا تعود الحال جذعة. ومن مستجاد شعره ولطيف قوله: في وجهِ إنسانةٍ كَلِفْتُ بها … أربعةٌ ما اجْتَمَعْنَ في أَحدِ الوجهُ بَدْرٌ والصُّدْغُ غاليةٌ (١) … والرِّيق خمرٌ والثَّغْرُ من بَرَدِ ومن مجون شعره وقد دخل حمامًا، فسرق نعلاه، [فعاد إلى منزله وهو حافٍ] (٢) فقال: إليكَ أذمُّ حمَّامَ ابنِ مُوسى … وإن فاقَ المُنَى طِيْبًا وحَرّا تَكاثَرَتِ اللُّصُوصُ عليهِ حتى … لَيَحْفَى من يطيفُ به ويَعْرَى ولم أفْقِدْ به ثَوْبًا ولكنْ … دَخَلْتُ محمدًا (٣) وخَرَجْتُ بِشْرا (٤) يوسف بن عمر بن مسرور (٥): أبو الفتح، القَوَّاس. سمع البغوي وابن أبي داود وابن صاعد وغيرهم، وعنه الخلال [والعُشاري] (٦) والتَّنوخي [وغيرهم] (٧)، وكان ثقةً نبيلًا، يُعدُّ من الأبدال. قال الدَّارَقُطني: كنا نتبرك به وهو صغير. وكانت وفاته لثلاثٍ بقين من ربيع الآخر عن خمسٍ وثمانين سنة، ودفن بباب حرب، رحمه اللَّه تعالى. يوسف بن أبي سعيد (٨) السِّيْرَافي: أبو محمد، النَّحْوي بن النحوي. وهو الذي تمَّم شرح أبيه لكتاب سيبويه (٩)، وكان يرجع إلى علْمٍ ودين، كانت وفاته في

стр. 5813

ربيع الأول منها عن خمسٍ وخمسين سنة. رحمه اللَّه تعالى وإيانا بمنِّه وكرمه. ثم دخلت سنة ست وثمانين وثلاثمئة في المحرم من هذه السنة كشف أهلُ البَصْرة عن قبير عتيق، إذ هُمْ بميت طَرِي عليه سيفه وثيابه، فظنُّوه الزُّبير بن العَوَّام، فأخرجوه وكفنوه ودفنوه، واتخذوا عند قبره مسجدًا، ووُقِفَتْ عليه أوقافٌ كثيرة، وجعل عنده خدام وقُوَّام وفُرُش وتنوير. وفيها ملك الحاكم العُبيدي بلاد مِصْر بعد أن هلك أبوه العزيز بن المعز الفاطمي، وكان عمره إذ ذاك إحدى عشرة سنة وستة أشهر، وقام بتدبير المملكة أرجوان الخادم، وأمين الدولة الحسن بن عمار شيخ كتامة، فلما تمكن الحاكم [قتلهما] (١) وأقام غيرهما، وقتل خلقًا حتى استقام له الأمر على ما سنذكره. [وحجَّ بالنَّاس في هذه السنة المصريون والخطبة لهم] (٢). توفي فيها من الأعيان: أحمد بن إبراهيم (٣) بن محمد بن يحيى بن سختويه: أبو حامد بن أبي إسحاق المُزكِّي النَّيْسابوري. سمع الأصم وطبقته، وكان كثير العبادة من صغره إلى كبره، وصام من دَهْره سَرْدًا تسعًا وعشرين سنة. قال الحاكم: وعندي أن الملك لم يكتب عليه خطيئة. توفي في شعبان من هذه السنة عن ثلاثٍ وستين سنة. أبو طالب المَكِّي (٤): صاحب "قوت القلوب" (٥). محمد بن علي بن عطية، الواعظ المذكِّر، الزَّاهد المتعبد، الرَّجل الصَّالح. سمع الحديث وروى عن غير واحد.

стр. 5814

قال العتيقي: كان رجلًا صالحًا مجتهدًا في العبادة، وصنَّف كتابًا سماه "قوت القلوب"، ذكر فيه أحاديث لا أصل لها، وكان يعظ النَّاس في الجامع ببغداد. وحكى ابنُ الجوزي أن أصله من الجبل، وأنه نشأ بمكة، وأنه دخل البصرة بعد وفاة أبي الحسن بن سالم، فانتمى إلى مقالته، ودخل بغداد فاجتمع عليه النَّاس، وعقد له مجلسُ الوعظ، فغلط في كلامه، وحُفِظَ عنه أنه قال: ليس على المخلوقين أَضَرَّ من الخالق. فبدَّعه الناس وهجروه، وامتنع من الكلام على الناس (١). وقد كان أبو طالب ممن يبيح السَّماع، فدخل عليه عبد الصَّمد بن علي، فعاتبه في ذلك، فأنشد أبو طالب: فيا ليلُ كم فيكَ من مُتْعةٍ (٢) … ويا صُبْحُ لَيْتَكَ لم تَقْرُبِ فخرج عبد الصمد مُغْضَبًا. وقال أبو القاسم بن بشران: دخلت على شيخنا أبي طالب المكي وهو يموت، فقلتُ: أوص. فقال: إذا ختم لي بخيرِ، فانثر على جنازتي لَوْزًا وسُكَّرًا. فقلت: كيف أعلم ذلك؟ فقال: اجلس عندي ويدك في يدي، فإن قبضتُ على يدك فاعلم أنه قد خُتِمَ لي بخير. قال: فجلست عنده ويدي في يده، فلما حان فراقه، قبض على يدي قبضًا شديدًا، فلما رفع على جنازته نثرت اللوز والسُّكَّر على نعشه. قال ابنُ الجوزي: توفي في جُمادى الآخرة من هذه السنة، وقبره ظاهر بالقرب من جامع الرّصافة. العزيز بن المعز الفاطمي صاحب مِصْر (٣): نزار بن المعز مَعَد أبي تميم، ويكنى نزار هذا بأبي منصور، ويلقب بالعزيز، توفي عن ثنتين وأربعين سنة، منها ولايته بعد أبيه إحدى وعشرون سنة، وخمسة أشهر وعشرة أيام، وقام بالأمر من بعده ولده الحاكم -قبحه اللَّه- والحاكم هو الذي تنسب إليه الفرقة الضَّالَّة المضلة الزنادقة الحاكمية. أما العزيز هذا فإنه كان قد استوزر رجلًا نَصْرانيًا يقال له عيسى بن نسطورس، وآخر يهوديًا اسمه ميشا، فَعَزَّ بسببهما أهل هاتين المِلَّتين في ذلك الزمان على المسلمين، حتى كتبت إليه امرأةٌ في فصة وقد

стр. 5815

أحيجت في بعض الأمر تقول له (١): بالذي أَعزَّ النصارى بعيسى بن نسطورس، واليهود بميشا وأذَلَّ المسلمين بك إلا ما كشفت عن ظُلامتي. فعند ذلك أمر بالقبض على هذين الوزيرين، وأخذ من النَّصْراني (٢) ثلاث مئة ألف دينار (٣). وفيها توفيت بنت عضد الدولة التي كانت زوجة الطائع، فَحُمِلَتْ تركتها إلى ابن أخيها بهاء الدولة، وكان فيها جواهر كثيرة وتحف ولطائف، وغير ذلك. ثم دخلت سنة سبع وثمانين وثلاثمئة فممن توفي فيها من الأعيان: فخر الدولة أبو الحسن، علي بن ركن الدولة بن بُوَيه، ورتِّبَ ولده رُسْتم في الملك بعده وعمره أربع سنين، وقام خواصُّ أبيه بتدبير الممالك والرعايا. [وممن توفي فيها] (٤): أبو أحمد العَسْكري اللُّغوي (٥): وهو الحسن بن عبد اللَّه بن سعيد. العلامة في فَنِّه وتصانيفه المفيدة في اللُّغة وغيرها، يقال إنه كان يميل إلى الاعتزال، ولما قَدِمَ الصَّاحب بن عَبَّاد هو وفخر الدولة البلدة التي كان فيها أبو أحمد العسكري -وكان قد كبر وأسن- بعث إليه الصاحب بن عباد برقعة فيها هذه الأبيات: ولما أَبيْتُمْ أنْ تَزُوروا وقُلْتُمُ … ضَعُفْنا فما نقوى على الوَخَدَانِ (٦) أتيناكُم منْ بُعْدِ أرضٍ نَزُوْرُكُمْ … فكم مَنْزِلٍ بِكْرٍ لنا وَعَوانِ نناشِدُكُمْ هلْ من قِرًى لِنَزِيْلِكُمْ … بطولِ جوارٍ لا بمِلءٍ جِفَانِ

стр. 5816

فكتب العسكري الجواب في ظهرها: أروم نهوضًا ثم يثني عزيمتي … تعوُّد أعضائي من الرجفان فضمَّنْتُ بيتَ ابنِ الثَّريد (١) كأنَّما … تعمَّدَ تشبيهي (٢) به وعَنَاني أهُمُّ بأمْرِ الحَزْمِ لا أستطيعهُ … وقد حِيْلَ بين العَيْرِ والنَّزَوانِ ثم تحامل وركب بغلته وسار إلى الصَّاحب، فوجده مشغولًا في خيمته بأمر الوِزارة، فصَعِدْ أكمةً، ثم نادى بأعلى صوته متمثلًا بقول أبي تمام: ما لي أرى القُبَّةَ الفَيْحاءَ مُقْفَلَةً … دوني وقد طالما استفتحتُ مُقْفَلَها كأنَّها جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ مُعْرضةً … وليسَ لي عَملٌ زاكٍ فأدْخُلَها (٣) فلما سمع الصاحبُ صوته ناداه: ادخلها يا أبا أحمد، فلك السابقة الأُولى. فلما صار إليه وقدم عليه أكرمه وعظَّمه وأحسن إليه. توفي العسكري في يوم التروية من هذه السنة (٤). وقال ابن خَلِّكان: ولد سنة ثنتين وتسعين ومئتين، وتوفي سنة ثنتين وثمانين [وثلاثمئة] (٥) عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه (٦) بن إبراهيم بن عبيد اللَّه بن زياد بن مهران: أبو القاسم الشَّاهد (٧)، المعروف بابن الثَّلَّاج، لأن جدَّه أهدى لبعض الخلفاء ثلجًا، فوقع منه موقعًا، فَعُرِف عند الخليفة بالثَّلَّاج. وقد سمع أبو القاسم هذا من البغوي وابن صاعد وابن أبي داود (٨)، وحدَّث عنه التنوخي والأزهري والعتيقي (٩) وغيرهم من الحُفَّاظ.

стр. 5817

قال ابن الجَوْزي: وقد اتهمه المحدِّثون، منهم الدَّارَقُطْني ونسبوه إلى أنه كان يركب الإسناد ويضع الحديث على الرجال، فاللَّه أعلم، كانت وفاته في ربيع الأول فجأة. ابن زُولاق (١)، الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن علي بن خالد (٢) بن راشد بن عبد اللَّه (٣) بن سليمان بن زولاق، أبو محمد المِصْري الحافظ. صنف كتابًا في قضاة مصر ذيَّل به على كتاب أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكِنْدي، انتهى الكندي إلى سنة ست وأربعين ومئتين، وذيل ابن زولاق من القاضي بكار إلى سنة ستٍّ وثمانين وثلاثمئة، وهي أيام محمد بن النعمان قاضي العبيديين، وأظنُّه مصنف كتاب البلاع الذي انتصر للرد عليه القاضي الباقلاني (٤)، أو هو أخو مصنفه عبد العزيز بن النعمان، واللَّه أعلم. كانت وفاة ابن زُولاق في أواخر ذي القعدة من هذه السَّنة (٥) عن إحدى وثمانين سنة، رحمه اللَّه تعالى. ابن بطَّة عبيد اللَّه بن محمد [بن محمد] (٦) بن حمدان (٧): أبو عبد اللَّه العُكْبَرِي، المعروف بابن بَطَة، أحدُ علماء الحنابلة، ومن له الكتب والتصانيف الحافلة في فنون من العلوم. سمع الحديث من البغوي وأبي بكر النَّيْسابوري وابن صاعد وخلق في أقاليم متعادة، وعنه جماعة من الحُفاظ، منهم أبو الفتح بن أبي الفوارس، والأَزَجي والبَرْمكي، وأثنى عليه غير واحد من الأئمة، وكان ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وقد رأى بعضُهم في المنام رسولَ اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، إنه قد اختلفت علينا المذاهب. فقال: عليك بأبي عبد اللَّه بن بَطَّة. فلما أصبح ذهب إليه ليبشره بالمنام، فحين رآه ابنُ بطة تبسَّم إليه وقال له -قبل أن يخاطبه-: صدق رسول اللَّه ﷺ ، ثلاث مرات. وقد تصدَّى الخطيب البغدادي للكلام في ابن بطة والطعن فيه بسبب ادعائه سماع السنن لرجاء بن

стр. 5818

مرجَّى ومعجم البغوي، وأسند بعضَ الجرح إلى شيخه عبد الواحد بن علي الأسدي المعروف بابن برهان اللُّغوي (١)، فانتدب ابنُ الجوزي للرّدِّ على الخطيب، والانتصار لابن بطَّة، فحكى عن أبي الوفا بن عقيل أن ابن برهان كان يرى مذهب مرجئة المعتزلة، في أنَّ الكُفَّار لا يخلدون في النار، وإنما قالوا هذا لأن دوام ذلك ممن لا يتشفى لا معنى له، هذا وقد وصف نفسه بأنه أرحم الراحمين. ثم شرع ابن عقيل فردَّ عليه. قال ابن الجوزي: فكيف يُقبل الجَرْح من مثل هذا؟. ثم روى ابن الجوزي بسنده عن ابن بطة أنه سمع المعجم من البغوي، قال: والمثبتُ مقدَّم على النافي (٢). قال الخطيب: وحدَّثني عبد الواحد بن برهان قال: قال محمد بن أبي الفوارس: روى ابنُ بطة عن البغوي عن مصعب عن مالك عن الزُّهْري عن أنس. قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "طلب العلم فريضة على كلِّ مسلم". قال الخطيب: وهذا باطلٌ من حديث مالك، والحمل فيه على ابن بطة (٣). قال ابن الجوزي: والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما أنه وجد بخط ابن برهان أن ما حكاه عنه الخطيب من القدح في ابن بطة باطل، وهو شيخي أخذث عنه العلم في البداية، الثَّاني أن ابن برهان قد تقدَّم القدح فيه بما خالف فيه الإجماع، فكيف قبلت منه القول في رجل قد حكيت عن المشايخ العلماء أنه مجاب الدعوة رجل صالح، نعوذ باللَّه من الهوى (٤). علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك (٥): أبو الحسن البَرْذعي، روى عن ابن أبي حاتم وغيره، وكان كثير المال، فترك الدُّنيا وأقبل على الاعتكاف في المسجد، وكثرة الصَّلاة والعبادة. فخر الدوله علي بن ركن الدولة بن بُوَيْه الدَّيْلمي. ملك بلاد الرَّي ونواحيها، وحين مات أخوه مُؤَيَّد الدولة كتب إليه الصاحب ابن عبَّاد بالإسراع إليه، فولَّاه الملك بعد أخيه، واستوزر ابن عَبَّاد على ما كان عليه في أيام أخيه مؤيد الدولة، وتوفي عن ستٍّ وأربعين سنة، منها مدة ملكه ثلاثة عشرة سنة وعشرة أشهر وسبعة عشر يومًا، وترك من الأموال شيئًا كثيرًا، من ذلك من الذهب ما يقارب ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن الجواهر نحوًا من خمسة عشر ألف قطعة، تقارب قيمتها ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن أواني الذهب زنة ألف ألف دينار، ومن الفِضَّة زِنَة ثلاثة

стр. 5819

آلاف ألف دِرْهم، ومن الثياب ثلاثة آلاف حمل، وخزانة السِّلاح ألفا حمل، ومن الفُرُش ألف وخمسمئة حمل، ومن الأمتعة ما يليق بالملوك، ومع هذا ليلة توفي لم يكن لهم وصول إلى شيء من المال، ولم يحصل له كفنٌ إِلَّا ثوب رجل من المجاورين في المسجد، واشتغلوا عنه بالملك، حتى تَمَّ لولده رُسْتُم من بعده، فأنتن الملك، ولم يتمكن أحدٌ من الوصول إليه، فربطوه في حبال، وجرُّوه على درج القلعة، فتقطَّع (١). ابن سَمْعُون الواعظ (٢): محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عَنْبس (٣) بن إسماعيل، أبو الحسين بن سمعون الواعظ، أحد الصُّلحاء والعلماء، وكان يقال له النَّاطق بالحكمة. روى عن أبي بكر بن أبي داود وطبقته، وكان له يد طُولى في الوعظ والتدقيق في المعاملات، وكانت له كرامات ومكاشفات، كان يومًا وهو يعظ على المنبر وتحته أبو الفتح بن القَوَّاس، وكان من الصَّالحين المشهورين، فنعس ابن القَوَّاس، فأمسك ابنُ سمعون عن الوعظ حتى استيقظ، فحين استيقظ قال ابن سمعون: رأيتَ رسولَ اللَّه ﷺ في منامك هذا؟ قال نعم! قال: فلهذا أمسكت عن الوعظ حتى لا أزعجك عما كنتَ فيه. وكان لرجلٍ بنت مريضةٌ مُدْنفة، فرأى أبوها رسولَ اللَّه ﷺ في المنام وهو يقول له: اذهب إلى ابن سمعون ليأتي منزلك فيدعو لابنتك وهي تبرأ بإذن اللَّه. فلما أصبح ذهب إلى ابن سمعون ليأتي، فلما رآه نهض ولبس ثيابه وخرج معه، فظنَّ الرجل أنه يذهب إلى مجلس وعظه، فقال: أقول له في أثناء الطريق، فلما مرَّ بدار الرجل دخل إليها الشيخُ فاحضر إليه ابنته، فدعا لها وانصرف، فبرأت من ساعتها. وبعث إليه الخليفة الطائع للَّه من أحضره إليه وهو مُغْضب، فخيف على ابن سمعون منه، فلما جلس بين يدي الخليفة أخذ في الوعظ، كان أكثر ما أورده من كلام أمير المؤمنين علي بن طالب، فبكى الخليفة حتى سُمعَ شهيقه، ثم خرج من بين يديه وهو مكرم، فقيل للخليفة: رأيناك طلبته وأنت غضبان، فقال: بلغني أنه ينتقص عليًّا، فأردتُ أن أعاقبه، فلما حضر لم يكن أكثر من ذكره عليًّا، فَعَلِمْتُ أنه موفق؛ قد كُوشفَ بما كان في خاطري عليه.

стр. 5820

ورأى بعضُهم في المنام رسول اللَّه ﷺ وإلى جانبه عيسى ابن مريم ﵇، وهو يقول: أليس من أمتي الأحبار؟ أليس من أمتي الرهبان؟ أليس من أمتي أصحاب الصوامع؟ فبينما هما كذلك إذ دخل ابن سمعون، فقال له رسول اللَّه ﷺ : أفي أمتك مثل هذا؟ فسكت عيسى ﵊. كان مولد ابن سمعون في سنة ثلاثمئة، وتوفي يوم الخميس الرابع عشر من ذي القَعْدَة من هذه السنة، ودفن بداره. قال ابنُ الجوزي: ثم أخرج بعد سنين (١) إلى مقبرة أحمد، وأكفانه لم تَبْلَ، رحمه اللَّه تعالى. آخر ملوك السَّامانية نوح بن منصور (٢) بن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل، أبو القاسم، السَّاماني، ملك خُرَاسان وغَزْنة وما وراء النهر، ولي الملك وله ثلاث عشرة سنة (٣)، واستمرَّ في الملك إحدى وعشرين سنة وتسعة أشهر [وتوفي في رجب هذه السنة، فولي بعده ابنه أبو الحارث منصور، فبقي سنة وتسعة أشهر] (٤)، ثم قبض عليه خواصه، وأجلسوا أخاه عبد الملك مكانه، فقصدهم محمود بن سُبُكْتكين، فانتزع الملك من أيديهم، وقد كان لهم في الملك مئة سنة وسنتين وشهورًا، فباد ملكهم في هذا العام، وللَّه النقض والإبرام. أبو الطَّيِّب سهل بن محمد (٥) بن سليمان بن محمد بن سليمان: الصُّعْلُوكي، الفقيه الشَّافعي. إمام أهل نيسابور، وشيخ أهل تلك الناحية، كان يحضر في مجلسه خمسمئة محبرة، وكانت وفاته في هذه السنة على المشهور (٦).

стр. 5821

وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد": مات في سنة ثنتين (١) وأربعمئة، فاللَّه تعالى أعلم. ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وثلاثمئة قال ابنُ الجوزي: في ذي الحجَّة من هذه السنة سقط في بغداد بَرَدٌ شديد، حيث جَمَدَ الماءُ في الحمامات، وبول الدواب في الطرقات. وفيها جاءت رسل أبي طالب رستم بن فخر الدولة، فبايعه الخليفة وأقرَّه على معاملته ببلاد الرَّي، ولقبه مجد الدولة كهف الأمة، وبعث إليه بالخِلَع والألوية، وكذلك [فعل] (٢) لبدر بن حَسْنويه، ولقبه ناصر الدين والدولة، وكان كثير الصَّدقات. وفيها هرب عبيد اللَّه (٣) بن جعفر المعروف بابن الوَثَّاب، المنتسب إلى خدمة الطائع (٤)، من السِّجْن بدار الخلافة إلى البطيحة، فآواه صاحبها مهذَّب الدولة، ثم أرسل القادر باللَّه، فجيء به مضيِّقًا عليه، فاعتقله، ثم هرب من الاعتقال أيضًا فذهب إلى بلاد كيلان، فادَّعى أنه الطائع، فصدَّقوه وبايعوه، وأدوا إليه العشر، وغير ذلك من الحقوق، ثم اتفق مجيء بعضهم إلى بغداد فسألوا عن الأمر، فإذا ليس له صحة ولا حقيقة، فرجعوا عنه، واضمحلَّ أمره وفسد حاله، فانهزم عنهم (٥). وحجَّ بالناس في هذه السنة أمير المصريين، والخطبة فيها للحاكم العبيدي. وممن توفي فيها من الأعيان: [الخَطَّابي] (٦): هو أبو سليمان حَمْدُ، ويقال: أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخَطَّاب الخَطَّابي، البُسْتي، أحد المشاهير الأعيان، والفقهاء المحدثين المكثرين، له من المصنَّفات "معالم السنن" و"شرح البخاري"، وغير ذلك من التصانيف النافعة المفيدة. وله شعر حسن، فمنه قوله:

стр. 5822

ما دُمْتَ حيًا فَدارِ النَّاسَ كلَّهُمُ … فإنَّما أنتَ في دارِ المُدَاراةِ من يدرِ دارَى ومن لم يدرِ سوف يُرى … عمَّا قليس نديمًا للنَّدَاماتِ كانت وفاته بمدينة بُسْت في ربيع الأول من هذه السنة، قاله ابن خَلِّكان (١). الحسين بن أحمد بن عبد اللَّه (٢) بن عبد الرحمن بن بُكير (٣): أبو عبد اللَّه الصَّيرفي، الحافظ المُطبِّق. سمع إسماعيل الصَّفَّار، وابن السَّمَّاك، والنَّجَّاد، والخُلْدي، وأبا بكر الشَّافعي (٤). وعنه ابن شاهين والأزْهري والتَّنوخي، وحكى الأزهري أنه دخل عليه وبين يديه أجزاء كبار، فجعل إذا ساق إسنادًا أورد متنه من حفظه، وإذا سرد متنًا ساق إسناده [من حفظه] (٥) قال: وفعلتُ هذا معه مرارًا، كل ذلك يورد الحديث إسنادًا ومتنًا كما في كتابه. قال: وكان ثِقَةً، فحسدوه وتكلَّموا فيه. وحكى الخطيب أن ابن أبي الفوارس اتهمه بأنه يزيد في سماع الشُّيوخ، ويلحق رجالًا في الأسانيد ويصل المقاطيع. توفي في ربيع الأول من هذه السنة عن إحدى وستين (٦) سنة. صمصام الدَّولة بن عضد الدولة: صاحب بلاد فارس، خرج عليه ابنُ عمه أبو نصر بن بَخْتيار، فهرب منه، ولجأ إلى جماعةٍ من الأكراد، فلما وغَّلوا به في بلادهم نهبوا ما في خزائنه وحواصله، ولحقه أصحابُ ابن بختيار فقتلوه، وحملوا رأسه في طست، فلما وضع بين يدي ابن بختيار قال: هذه سنةٌ سنَّها أبوك (٧). وكان ذلك في ذي الحجَّة من هذه السنة، فكان عمره يوم قُتل خمسًا وثلاثين سنة، ومدة ملكه منها تسع سنين وأشهر. عبد العزيز بن يوسف الحكار (٨): أبو القاسم، كاتب الإنشاء لعضد الدولة، ثم وزر لابنه

стр. 5823

بهاء الدولة خمسة أشهر، وكان يقول شعرًا، توفي في شعبان من هذه السنة. محمد بن أحمد بن إبراهيم: أبو الفرج (١) المعروف بغلام الشَّنَبُوذي، كان عالمًا بالقراءات وتفسيرها، يقال: إنه كان حفظ خمسين ألف بيت [من الشعر] (٢) شواهد للقرآن، ومع هذا تكلَّموا فيه وفي روايته عن أبي الحسن بن شَنَبُود (٣)، وأساء الدَّارَقُطْني القول فيه. توفي في صفر من هذه السنة، وكان مولده سنة إحدى وثلاثمئة (٤). ثم دخلت سنة تسع وثمانين وثلاثمئة في هذه السنة قصد محمود بن سُبُكْتِكين بلادَ خُراسان، فاستلب ملكها من أيدي السَّامانية، وواقعهم مرات متعددة في هذه السنة وما قبلها، حتى أزال اسمهم ورسمهم عن البلاد بالكلِّية، وانقرضت دولتهم على يديه، ثم صمد لقتال إيلك ملك الترك بما وراء النَّهر، وذلك بعد موت الخان الكبير الذي يقال له فائق، وجَرَت له معهم حروبٌ وخطوب. وفيها استولى بهاء الدولة على بلاد فارس وخوزستان. وفيها أرادت الشيعة أن تعمل ما كانوا يصنعونه من الزينة يوم غدير خُم، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجَّة فيما يزعمون، فقاتلهم جهلة آخرون من المنتسبين إلى السُّنَّة، فادَّعوا أن في مثل هذا اليوم حُصِرَ النَّبِيّ ﷺ وأبو بكر ﵁ في الغار، فامتنعوا من ذلك، وهذا أيضًا جهل من هؤلاء، فإن هذا إنما كان في أوائل شهر ربيع الأول من أول سني الهجرة، فإنهما أقاما فيه ثلاثًا، وحين خرجا منه قصدا المدينة فدخلاها بعد ثمانية أيام أو نحوها، وكان دخوله ﵇ المدينةَ في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، وهذا أمرٌ معلوم مقرر. ولما كانت الشيعة يصنعون في يوم عاشوراء مأتمًا يُظْهرون فيه الحزنَ على الحسين، قابلتهم طائفةٌ أخرى من جهلة أهل السُّنَّة، فادعوا أن في اليوم الثامن عشر من المحرَّم قتل مصعب بن الزُّبير، فعملوا له مأتما كما تعمل الشيعة للحسين، وزاروا قبره كما يزار قبر الحسين، وهذا من باب مقابلة البدعة ببدعةٍ مثلها، ولا يرفع البدعة إِلَّا السُّنَّةُ الصحيحة، وباللَّه التوفيق.

стр. 5824

وفيها وقع برد شديد مع غيم مطبق، وريحٍ قوية، بحيث أتلفت شيئًا كثيرًا من النخيل ببغداد، فلم يتراجع حملها إلى عادتها إِلَّا بعد سنين (١). وحجَّ بركب العراق الشَّريفان الرضي والمرتضى، فاعتقلهما أمير الأعراب ابن الجرَّاح، فافتديا منه بتسعة آلاف دينار من أموالهما حتى أطلقهما. وممن توفي فيها من الأعيان: زاهر بن أحمد (٢) بن محمد بن عيسى: السَّرْخسي [المقرئ] (٣) الفقيه المحدّث، شيخ عصره بخُراسان. قرأ على ابن مجاهد، وتفقَّه بأبي إسحاق المَرْوزي إمام الشَّافعية، وأخذ علم اللغة والأدب والنحو عن أبي بكر بن الأنباري. وكانت وفاته في ربيع الآخر عن ستٍّ وتسعين سنة. عبيد اللَّه (٤) بن محمد بن إسحاق (٥): بن سليمان بن مَخْلَد بن إبراهيم بن مروان (٦)، أبو القاسم المعروف بابن حَبَابة. روى عن أبي القاسم البَغَوي، وأبي بكر بن أبي داود وطبقتهما، وكان ثِقَةً مأمونًا مسندًا، ولد ببغداد سنة تسع وتسعين ومئتين، وكانت وفاته في جُمادى الأولى (٧) من هذه السنة عن تسعين سنة، وصلَّى عليه [الشيخ] (٨) أبو حامد الإسْفَراييني شيخ الشَّافعية، ودفن في مقابر جامع المنصور، رحمه اللَّه تعالى.

стр. 5825

ثم دخلت سنة تسعين وثلاثمئة في هذه السنة ظهر بأرض سِجِسْتان معدنٌ من ذهب، كانوا يحفرون فيه مثل الآبار، ويخرجون منه ذهبًا أحمر. وفيها قُتل الأمير أبو نصر بن بَخْتيار صاحب بلاد فارس، واستولى عليها بهاء الدولة. وفيها قلد القادرُ باللَّه القضاء بواسط وأعمالها لأبي حازم محمد بن الحسن الوَاسطي، وقرئ عهده بدار الخلافة، وكتب له القادر وصيةً حسنةً طويلة، أوردها بحروفها ابنُ الجوزي في "منتظمه" (١)، وفيها مواعظ وأوامر ونواهٍ حسنة [جيدة] (٢). وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد (٣) بن أبي موسى: أبو بكر الهاشمي، الفقيه المالكي، القاضي بالمدائن وغيرها. وخطب بجامع المنصور، وسمع الكثير، وروى عنه الجَمُّ الغفير بانتخاب الدَّارَقُطْني، وكان عفيفًا نَزِهًا ثِقَةً ديِّنًا. توفي في محرم هذه السنة عن خمسٍ وسبعين سنة. عبيد اللَّه بن عثمان بن يحيى: أبو القاسم الدَّقَّاق، ويعرف بابن جنيقا (٤). قال العلامة القاضي أبو يعلى بن الفَرَّاء -وهذا جده (٥) -: والصواب جليقا باللام لا بالنون. وقد سمع الحديث سماعًا صحيحًا، وروى عنه الأزْهري والعتيقي. قال [محمد بن أبي الفوارس] (٦): وكان ثقة مأمونًا، حسنَ الخُلُق، ما رأينا مِثْلَه في معناه، رحمه اللَّه تعالى. الحسين بن محمد بن خلف (٧) بن الفَرَّاء: والد القاضي أبي يعلى، وكان صالحًا فقيهًا على مذهب أبي حنيفة، أسند الحديث، وروى عنه ابنه أبو خازم (٨) محمد بن الحسين.

стр. 5826

عبد اللَّه (١) بن أحمد بن علي بن طالب (٢) البغدادي: نزل مصر وحدَّث بها، فسمع منه الحافظ عبد الغني بن سعيد المِصْري. عمر بن إبراهيم (٣) بن أحمد: أبو حفص (٤)، المعروف بالكتَّاني المقرئ. ولد سنة ثلاثمئة، روى عن البغوي وابن مجاهد وابن صاعد، وعنه الأزهري وغيره، وكان ثِقَةً صالحًا. محمد بن عبد اللَّه بن الحسين (٥) بن عبد اللَّه بن هارون: أبو الحسين الدَّقَاق، المعروف بابن أخي ميمي. سمع البغوي وغيره، وعنه جماعة، ولم يزل على كبر سنه يكتب الحديث إلى أن توفي وله تسعون سنة (٦)، وكان ثِقَة مأمونًا ديِّنًا فاضلًا حسن الأخلاق. وكانت وفاته ليلة الجمعة لثمانٍ وعشرين من شعبان من هذه السنة. محمد بن عمر بن يحيى (٧): أحمد بن [عمر بن] (٨) يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، الشريف، أبو الحسن العلوي، الكوفي. ولد سنة خمس عشرة، وسمع من أبي العبَّاس بن عُقْدة وغيره، وسكن بغداد، وكانت له أموالٌ كثيرة وضياع، [ودخل عظيم] (٩) وحشمة وافرة، وهِمَّةٌ عالية، وكان مقدَّمًا على الطالبيين في وقته، وقد صادره عضد الدولة في وقتٍ، واستحوذ على جمهور أمواله وسَجَنه، ثم أطلقه شرف الدولة بن عضد الدولة، ثم صادره بهاء الدولة بألف ألف دينار وأكثر، ثم سجنه، ثم أطلقه واستنابه على بغداد. ويقال: إن غلاله كانت تساوى في كل سنة بألفي ألف دينار، وله وجاهة كبيرة [جدًا] (٩)، ورياسة باذخة.

стр. 5827

الأستاذ أبو الفتوح بَرْجوان (١): الناظر في الأمور بالدِّيار المصرية في الدَّولة الحاكمية، وإليه تنسب حارة بَرْجوان بالقاهرة المعزية. كان أولًا من غِلْمان العزيز بن المعز، ثم صار عند الحاكم نافذ الأمر، مطاعًا كبيرًا في الدولة، ثم أمر بقتله في القصر، فضربه الأمير رَيْدان -الذي تنسب إليه الرَّيْدانية خارج باب الفتوح- بسكينٍ في بطنه فقتله. وقد ترك شيئًا كثيرًا من الأثاث والثياب، فمن ذلك ألف سراويل [دبيقي] لها ألف تكة من حرير، قاله ابن خَلِّكان (٢). وولَّى الحاكم [بعده] (٣) في منصبه الأمير حسين بن القائد جوهر. الجَريري المعروف بابن طَرارا (٤): اسمه المعافى بن زكريا بن يحيى بن حميد بن حماد بن داود، أبو الفرج النَّهْرواني القاضي -لأنه ناب في الحكم- المعروف بابن طَرَارا (٥) الجريري، لاشتغاله على ابن جرير الطَّبري، وسلوكه وراءه [في] (٦) مذهبه، [فنسب إليه] (٧). وسمع [الحديث] (٨) من البغوي وابن صاعد وخلق، وروى عنه جماعةٌ، وكان ثِقَةً عالمًا فاضلًا كثير الآداب، والتفنُّن في أصناف العلوم، وله المصنفات الكثيرة، منها كتابه المسمى "بالجليس والأنيس"، فيه فوائد جمة كثيرة، وكان الشيخ أبو محمد البافي (٩) أحد أئمة الشَّافعية يقول: إذا حضر المعافى فقد حضرت العلوم كلُّها، ولو أوصى رجل بثلث ماله لأعلم النَّاس لوجب أن يصرف إليه. وقال غيره: اجتمع جماعة من الفضلاء في دار بعض الرؤساء وفيهم المعافى فقالوا: هلمَّ نتذاكر في فنٍ من العلوم، فقال المعافى لصاحب المنزل -وكانت عنده كتبٌ كثيرة في خزانة عظيمة- مُرْ غلامك [هذا] (١٠) يأتي بكتابٍ من هذه الكتب، أي كتاب كان، فنتذاكر فيه. فتعجَّب الحاضرون من هذا التمكن والتبحُّر.

стр. 5828

وقال الخطيب البغدادي: أنشدنا الشيخ أبو الطَّيِّب الطَّبَري قال: أنشدنا المعافى بن زكريا لنفسه: ألا قُلْ لمنْ كان لي حَاسِدًا … أتدْري على منْ أَسَأْتَ الأدَبْ أسَأْتَ على اللَّه في فِعْلِه (١) … لأنَّكَ لم ترضَ (٢) لي ما وَهَبْ فجازاكَ عنِّي بَأَنْ زادني … وسدَّ عليكَ وجوهَ الطَّلَبْ (٣) كانت وفاته رحمه اللَّه تعالى في ذي الحجَّة [من هذه السنة] (٤) عن خمسٍ وثمانين سنة. ابن فارس: صاحب "المجمل"، وقيل إنه توفي سنة خمس وتسعين كما سيأتي (٥). أَمَة السَّلام (٦): بنت القاضي أبي بكر أحمد بن كامل بن خَلَف بن شَجَرة (٧)، أم الفتح. سمعت من محمد بن إسماعيل البَصْلاني وغيره، وعنها الأزهري والتَّنُوخي وأبو يَعْلى بن الفَرَّاء وغيرهم، وأثنى عليها غير واحد في دينها وفضلها وسيادتها، وكان مولدها في رجب من سنة ثمان وتسعين، وتوفيت في رجب من هذه السنة عن ثنتين وتسعين سنة، رحمها اللَّه تعالى وإيانا بكرمه. ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وثلاثمئة فيها بايع الخليفة القادر باللَّه لولده أبي الفضل بولاية العهد من بعده، وخطب له [على المنابر بعد أبيه] (٨)، ولقِّب الغالب باللَّه، وكان عمره حيئنذٍ ثماني سنين وشهورًا، ولم يتمَّ له ذلك، وكان سبب هذه العجلة أن رجلًا يقال له عبد اللَّه بن عثمان الواثقي (٩) ذهب إلى بعض الأطراف من بلاد التُّرْك، وادَّعى أن القادر باللَّه جعله ولي عهد من بعده، فخطبوا له هناك، فلما بلغ القادر أمره بعث يتطلَّبه، فهرب في

стр. 5829

البلاد وتمزَّق شمله، ثم أخذه بعضُ الملوك فسجنه في قلعةٍ إلى أن مات، فلهذا بادر القادر إلى هذه البيعة. وفي يوم الخميس الثامن عشر من ذي القَعْدة ولد الأمير أبو جعفر عبد اللَّه بن القادر باللَّه، وهذا هو الذي صارت إليه الخلافة، وهو القائم بأمر اللَّه. وفيها قتل الأمير حسام الدولة المقلَّد بن المسيّب العُقيلي غِيْلةً ببلاد الأنبار، وكان قد عَظُمَ شأنه بتلك البلاد، ورام المملكة، فجاءه القدر المحتوم، فقتله بعض غِلْمانه الأتراك، وقام بالأمر من بعده ولده قِرْوَاش (١). وحجَّ بالنَّاس المِصْريون. وممن توفي فيها من الأعيان: جعفر بن الفَضْل بن جعفر (٢) بن محمد بن الفُرَات: أبو الفَضْل، المعروف بابن حِنْزابة الوزير. ولد سنة ثمانٍ وثلاثمئة ببغداد، ونزل الدِّيار المصرية، ووزر بها لأميرها كافور الإخشيدي، وكان أبوه وزيرًا للمقتدر وقد سمع الحديث من محمد بن هارون الحَضْرمي وطبقته من البغداديين، وكان قد سمع مجلسًا من البَغَوي، ولم يكن عنده، فكان يقول: من جاءني به أغنيتُه، وكان له مجلس لإملاء الحديث بديار مصر، وبسببه رحل الدَّارَقُطْني إلى هناك، فنزل عنده وخرَّج له مسندًا، وحصل له منه مالٌ جزيل، وحدث عنه الدارقطني. وغيره من الأكابر. ومن مستجاد شعره قوله: منْ أخْمَلَ النَّفْسَ أحياها ورَوَّحها … ولم يَبِتْ طاويًا منها على ضَجَرِ إنَّ الرِّياحَ إذا اشتدَّتْ عواصِفُها … فليس ترمي سوى العالي من الشَّجَرِ قال ابن خَلِّكان: كانت وفاته في صَفَر، وقيل في ربيع الأول من هذه السنة، عن ثنتين وثمانين سنة ودفن بالقَرَافة، وقيل بداره، وقيل: إنه كان اشترى دارًا بالمدينة النبوية فجعلها تربة له، فلما نقل إليها

стр. 5830

تلقته الأشراف لإحسانه إليهم، فحملوه وحجوا به وأوقفوه بعرفات، ثم أعادوه إلى المدينة، فدفنوه بتربته (١). ابن الحجَّاج الشَّاعر (٢) الحسين بن أحمد بن الحجاج: أبو عبد اللَّه الشَّاعر الماجن، المقذع في نظمه بألفاظٍ يستنكف اللِّسان عن التلمِّظ بها، والآذان عن الاستماع لها. وقد كان أبوه من كبار العُمَّال، وولي هو حسبة بغداد في أيام عز الدولة بن معز الدولة بن بويه، فاستخلف عليها نوابًا ستة، وتشاغل هو بالشِّعْر السخيف والرأي الضعيف، إِلَّا أن شعره جيدٌ من حيث اللفظ، وفيه قوة جيدة تدلُّ على تمكُّنٍ واقتدار على سبك المعاني القبيحة التي هي في غاية الفضيحة في الألفاظ الفصيحة، وله غير ذلك من الأشعار المستجادة، وقد امتدح [مرة] (٣) صاحب مصر، فبعث إليه بألف دينار. وقول القاضي ابن خلكان: ويقال إنه عزل عن حِسْبة بغداد بأبي سعيد الإصْطَخْرِي (٤) قولٌ ضعيف لا يسامح بمثله القاضي، فإن أبا سعيد توفي سنة ثمانٍ وعشرين وثلاثمئة، فكيف يعزل به ابن الحجَّاج عن حِسْبة بغداد؟ وهو لا يمكن عادة أن يلي الحسبة بعد أبي سعيد الإصطخري، ولكبر قدر ابن خلِّكان في هذه الصناعة ناقشناه، فإنه أرخ وفاة هذا بهذه السنة، والإصْطَخري بما تقدَّم (٥). وقد جمع الشريف الرضي، أشعاره الجيدة على حِدةٍ في ديوان مفرد، ورثاه حين توفي هو وغيره من الشُّعراء. عبد العزيز بن أحمد (٦) بن الحسن الخَرَزي (٧): القاضي بالمُخَرِّم (٨) وحريم دار الخلافة وغير ذلك من الجهات، وكان ظاهريًا على مذهب داود، وكان لطيفًا ظريفًا، تحاكم إليه وكيلان، فبكى أحدهما في أثناء الخصومة، فقال له القاضي: أرني وكالتك، فناوله فقرأها، ثم قال له: لم

стр. 5831

يجعل إليك أن تبكي عنه. فاستضحك الناس، ونهض الوكيل خَجِلًا. رحمه اللَّه تعالى. عيسى بن الوزير علي بن عيسى (١) بن داود بن الجَرَّاح: أبو القاسم البغدادي. وكان أبوه من كبار الوزراء (٢)، وكتب هو للطَّائع أيضًا، وسمع الحديث الكثير، وكان صحيح السَّماع كثير العلوم، عارفًا بالمنطق وعلم الأوائل، فرموه بشيءٍ من مذهب الفلاسفة. ومن جيد شِعْره قوله: رُبَّ مَيْتٍ قد صارَ بالعِلْمِ حيًا … ومُبْقًّى قد ماتَ جَهْلًا وغيّا فاقْتنوا العِلْمَ كي تنالوا خُلُودًا … لا تعدُّوا الحياةَ في الجَهْلِ شيّا كان مولده في سنة ثنتين وثلاثمئة، وتوفي في هذه السنة عن تسع وثمانين سنة، ودفن في داره ببغداد. ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين وثلاثمئة في المحرم منها غزا يمين الدولة محمود بن سُبُكْتِكين بلادَ الهند، فصمد له ملكها جيبال في جيشٍ عظيم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ففتح اللَّه للمسلمين، وانهزمت الهنود، وأُسر ملكهم جيبال، وأخذ من عُنُقه قِلادة قيمتها ثمانون ألف دينار (٣)، وغنم المسلمون منهم أموالًا عظيمة، وفتحوا بلادًا كثيرة، ثم أطلق محمود ملكَ الهند احتقارًا له واستهانةً به، ليراه أهل ملكه في لباس المذلة، فحين وصل جيبال -لعنه اللَّه- إلى بلاده ألقى نفسه في النار التي يعبدونها من دون اللَّه فاحترق، لعنه اللَّه تعالى. وفي ربيع الآخر (٤) منها ثارت العوام على النَّصارى ببغداد، فنهبوا كنيستهم التي بقطيعة الدَّقيق وأحرقوها، فسقطت على خَلْقٍ، فماتوا، وفيهم جماعة من المسلمين رجال ونساء وصبيان. وفي رمضان قوي أمر العيَّارين وكثرت العملات والنَّهْب ببغداد، وانتشرت الفِتْنة. قال ابن الجَوْزي: وفي ليلة الإثنين ثالث ذي القعدة انقضَّ كوكبٌ أضاء كضوء القمر ليلة التمام، ومضى الضّياء وبقي جُرْمه يتموَّج نحو ذراعين في ذراع برأي العين وتشقق بعد ساعة (٥).

стр. 5832

وفي هذا الشهر قدم الحُجَّاج من خراسان إلى بغداد ليسيروا إلى الحج، فبلغهم عيث الأعراب [في الأرض] (١) بالفساد، وأنه لا قاهر (٢) لهم ولا ناظر ينظر في أمورهم، فرجعوا إلى بلادهم، ولم يحجَّ من بلاد المشرق أحدٌ في هذه السنة. وفي يوم عرفة ولد لبهاء الدولة ابنان توأمان، فمات أحدهما بعد سمبع سنين، وبقي الآخر حتى قام بالأمر من بعد أبيه، ولقب شرف الدولة. وحجَّ المصريون أيضًا في هذه السنة بالناس. وممن توفي فيها من الأعيان: ابن جنّي (٣): أبو الفتح، عثمان بن جنِّي المَوْصلي، النَّحوي اللُّغوي، صاحب التصانيف الفائقة المتداولة في النحو واللغة، وكان أبوه جني عبدًا روميًا مملوكًا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزْدي المَوْصلي، ومن شعره في ذلك قوله: فإنْ أُصْبِحْ بلا نَسَبِ … فَعِلْمي في الوَرَى نسبي على أنِّي أؤول إلى … قُرُومٍ سادةٍ نُجُبِ قياصِرَةٍ إذا نطقُوا … أرمَّ الدَّهْر في الخُطَبِ (٤) أولاكَ دعا النبيُّ لهم … كفى شَرَفًا دعاءُ نبي وقد أقام ببغداد، ودرَّس بها العلم إلى أن توفي ليلة الجمعة لليلتين خلتا من صفر منها. قال القاضي ابن خلِّكان: ويقال إنه كان أعور، وله في ذلك: صدودُكَ عنِّي ولا ذَنْبَ لي … يَدُلُّ على نيَّةٍ فاسِدَه فقد -وحياتِك- ممَّا بكيتُ … خشيتُ على عينيَ الواحدَة ولولا مخافةُ أن لا أراك … لما كان في تَرْكها فائِدَة ويقال: إن هذه الأبيات لغيره.

стр. 5833

وله في مملوك حسن [الصورة] أعور: له عينٌ أصابت كلَّ عينٍ … وأخرى قد أصابَتْها العيونُ (١) أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجُرْجاني (٢): القاضي بالرَّي. الشاعر الماهر (٣). سمع الحديث، وترقّى في العلوم حتى أقرَّ له الناس بالتفرد فيها، وله أشعار حِسان، من ذلك قوله: يقولونَ لي فيكَ انقباضٌ وإنَّما … رَأَوْا رَجُلًا عن مَوْقِف الذُّلِّ أحْجَما أرى النَّاسَ من داناهُمُ هانَ عندهمْ … ومنْ أكرمتهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أُكرما ولم أقض حَقَّ العِلْم إن كانَ كلَّما … بدا طَمَعٌ صَيَّرْتُهُ لي سُلَّما إذا قيلَ هذا مَنهلٌ قُلتُ قد أرى … ولكنَّ نَفْسَ الحُرِّ تحتملُ الظَّما ولم أبتذلْ في خِدْمةِ العِلْمِ مُهْجتي … لأَخْدُمَ من لاقيتُ لكنْ لأخْدَما أأشقى به غَرْسًا وأجنيهِ ذلَّةَ … إذًا فابتياع (٤) الجَهْلِ قد كانَ أحْزما ولو أنَّ أهْلَ العِلْمِ صانوهُ صانَهُمْ … ولو عَظَّموهُ في النُّفوس لعَظَّما ولكن أذلُّوه فهان ودَنَّسوا … مُحيَّاه بالأطماعِ حتى تَجَهَّما ومن مستجاد شعره أيضًا قوله: ما تَطَعَّمْتُ لذَّةَ العَيْشِ حتى … صِرْتُ للبيتِ والكتاب جليسا ليس شيء عندي ألذُّ (٥) من العِلْـ … ــم فما أبتغي سواهُ أنيسا إنما الذلُّ في مخالطة الناسِ … فدَعْهُمْ وعِشْ عَزيزًا رئيسا ومن شعره أيضًا ﵀: إذا شِئْتَ أن تستقرضَ المالَ مُنْفقًا … على شَهَواتِ النَّفسِ في زَمنِ العُسْرِ فَسَلْ نَفْسَكَ الإِقراض من كيس صَبْرها … عليك وإنظارًا إلى زمنِ اليُسْرِ

стр. 5834

فإنْ فَعَلَت كنتَ الغنيَّ وإنْ أبَتْ … فكلُّ مَنوعٍ بعدَها واسعُ العُذْرِ [كانت وفاته ﵀ بالرَّي في هذه السنة، وحمل تابوته إلى جُرْجان، فدفن هناك] (١). ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وثلاثمئة وفيها كانت وفاة الطائع للَّه على ما سنذكره. وفيها منع عميد الجيوش الشيعة من النوح على الحسين في يوم عاشوراء، ومنع جهلة السُّنَّة بباب البصرة وباب الشعير من النِّياحة على مصعب بن الزُّبَير بعد ذلك بثمانية أيام، فامتنع الفريقان، [وللَّه الحمد والمنَّة] (٢). وفي أواخر المحرَّم خلع بهاء الدولة وزيره أبا غالب محمد بن خلف عن الوزارة، وصادره بمئة ألف دينار قاسانية (٣). وفي أوائل صفر غَلَتِ الأسعار ببغداد جدًا، وعدمت الحنطة حتى أبيع الكُرُّ منها بمئة وعشرين دينارًا. وفيها برز عميد الجيوش إلى سُورا (٤)، واستدعى سند الدولة (٥) أبا الحسين علي بن مَزْيَد، وقرر عليه في كل سنة أربعين ألف دينار، فالتزم بذلك وقرَّره على بلاده. وفيها هرب أبو العبَّاس الضَّبِّي وزير مجد الدولة بن فخر الدولة من الري إلى بدر بن حسنويه، فأكرمه، وولي بعد ذلك وزارة مجد الدولة أبو علي الخطير. وفيها استناب الحاكم العُبيدي على دمشق وجيوش الشام أبا محمد الأسود، ثم بلغه أنه عزَّر رجلًا مغربيًا على حبه أبي بكر وعمر ﵄، وطاف به في البلد، فخاف من معرَّة ذلك، فبعث [إليه] (٦) فعزله عن دمشق مكرًا وخديعة.

стр. 5835

وانقطع الحجُّ في هذه السنة من العراق بسبب الأعراب. وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن أحمد بن محمد: أبو إسحاق، الطَّبري الفقيه، المالكي، مقدَّم المعدلين ببغداد، وشيخ القراءات، وسمع الكثير من الحديث، وخرَّج له الدَّارَقُطْني خمسمئة جُزْء حديث، وكان كريمًا مفضلًا على أهل العلم. رحمه اللَّه تعالى. الطَّائع له عبد الكريم بن المطيع (١): تقدم كيف خلعه (٢) بهاء الدولة أبو نصر بن عضد الدولة، وأنه أُودع في غرفة بدار الخلافة، وأُجري عليه أرزاق كثيرة، وألطاف غزيرة إلى أن توفي ليلة عيد الفطر من هذه السنة عن ست وسبعين سنة، وقد باشر الخلافة سبع عشرة سنة وستة أشهر وخمسة أيام، وصلَّى عليه القادر باللَّه، فكبَّر عليه خمسًا، وشهد جنازَتَه الأكابر والأعيان، ودفن بالرُّصافة. محمد بن عبد الرحمن بن العبَّاس بن زكريا (٣): أبو طاهر المُخَلِّص، شيخ كبير كثير الرِّواية، سمع البغوي وابن صاعد وخلقًا، وعنه البَرْقاني والأزْهري والخلال والتَّنوخي، وكان ثِقَةً من الصَّالحين. توفي في رمضان من هذه السنة عن ثمانٍ وثمانين سنة، ﵀. محمد بن عبد اللَّه (٤): أبو الحسن السَّلامي، الشَّاعر المجيد، له شِعْر مشهور، ومدائح في عضد الدولة [وغيره] (٥). ميمونة بنت ساقولة الواعظة: التي هي للقرآن حافظة، ذَكَرَتْ يومًا في وعظها أنَّ ثوبها الذي عليها -وأشارت إليه- له في صحبتها تلبسه منذ سبع وأربعين سنة وما تغيَّر، وأنه كان من غزل أمها. ثم قالت: والثوب إذا لم يعص اللَّه فيه لا يتخرَّق سريعًا. وقال ابنها عبد الصمد: كان في دارنا حائط يريد أن ينقضَّ، فقلت لها: ألا نَدعُو البَنَّاء ليصلح هذا الجدار؟ فأخذَتْ رقعةً فكتبت فيها شيئًا، ثم أمرتني أن أضعَها في موضعٍ من الجدار، فوَضعْتُها، فمكث كذلك عشرين سنة، فلما توفيت أردتُ أن أستعلم ما كتبت في الرقعة، فحين أخذتها من الجدار سقَطَ،

стр. 5836

وإذا في الرقعة ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] بسم اللَّه ممسك السماوات والأرض أمسكه. ثم دخلت سنة أربع وتسعين وثلاثمئة وفيها ولَّى بهاء الدولة الشَّريف أبا أحمد الحسين بن أحمد بن موسى الموسوي، قضاء القُضاة والحج والمظالم، ونقابة الطالبيين، ولقب بالطاهر الأوحد، ذي المناقب، وكان التقليد له بشيراز (١)، فلما وصل الكتاب إلى بغداد لم يأذن له الخليفة القادر باللَّه في قضاء القضاة، فتوقف حاله بسبب ذلك. وفيها ملك أبو العباس بن واصل بلاد البطيحة، وأخرج منها مهذب الدولة، فقصده زعيم الجيوش ليأخذها منه، فهزمه ابن واصل، ونهب أمواله وحواصله، فكان في جملة ما أصاب في خيمةِ الخزانة ثلاثون ألف دينار، وخمسون ألف درهم. وفيها خرج الركب العراقي [إلى الحجاز] (٢) في جَحْفلٍ كبير وتجمُّل كثير، فاعترضهم الأصيفر أمير الأعراب، لينهبهم، فبعثوا إليه بشابين قارئين مجيدين كانا معهم، يقال لهما أبو الحسين الرَّفَّاء، وأبو عبد اللَّه بن الدَّحاجي، وكانا من أحسن الناس قراءةً، ليكلماه في شيء يأخذه من الحجيج، ويطلق سراحهم ليدركوا الحج، فلما جلسا بين يديه قرأ عليه جميعًا عَشْرًا بأصواتٍ هائلة [مطربة] (٢) مطبوعة، فأدهشه ذلك وأعجبه جدًا، فقال لهما: كيف عيشكما ببغداد؟ فقالا: بخيرٍ لا يزال النَّاس يكرموننا، ويبعثون إلينا الذهب والدراهم والتُّحف. فقال: هل أطلق لكما أحدٌ منهم ألف (٣) ألف دينار في يوم [واحد] (٤)؟ فقالا: لا، ولا ألف دينار في يومٍ واحد. قال: فإني أطلق لكما ألف ألف دينار [في هذه اللحظة، أطلق لكما الحجيج كله، ولولاكما لما قنعت منهم بألف ألف دينار] (٤) فأطلق بسببهما الحجيج، فلم يعرض لأحدٍ منهم، وذهب النَّاس وهم سالمون شاكرون لذينك الرجلين المقرئين. ولما وقف النَّاس بعرفات فرأ هذان الرجلان بأصوات عظيمة على جبل الرحمة، فضجَّ النَّاس [بالبكاء] (٤) من سائر الركوب لقراءتهما، وقالوا لأهل العراق: ما كان ينبغي لكم أن تخرجوا بهذين الرجلين في سفرة واحدة، لاحتمال أن يصابا جميعًا، بل كان ينبغي أن تخرجوا بأحدهما، فإن أصيب سَلِمَ الآخر.

стр. 5837

وكانت الحجة والخطبة في هذه السنة أيضًا للمصريين كما هي لهم من سنين متقدِّمة. وقد كان أمير العراقيين عزم على العود سريعًا إلى بغداد على طريقهم التي جاؤوا منها، وأن لا يسيروا إلى المدينة النبوية خوفًا من الأعراب، وكثرة الخفارات، فشقَّ ذلك على النَّاس، فوقف هذان القارئان عدى جادة الطَريق التي منها يعدل إلى المدينة النبوية، وقرأا ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] الآيات - فضَجَّ النَّاس بالبكاء وأمالت النوقُ أعناقها نحوهما، فمال الناسُ [بأجمعهم] (١) والأمير ميلةً واحدة إلى المدينة النبوية، فزاروا، وعادوا سألمين إلى بلادهم، [وللَّه الحمد والمِنَّة] (٢). ولما رجع هذان القارئان رتبهما وليُّ الأمر مع أبي بكر بن البهلول -وكان مقرئًا مجيدًا أيضًا- ليصلُّوا بالناس صلاة التراويح في رمضان، فكثُرَ الجمع وراءهم لِحُسْن تلاوتهم، [وكانوا يطيلون الصَّلاة جدًا، ويتناوبون في الإمامة، يقرؤون في كلِّ ركعة بقدر ثلاثين آية، والنَّاس لا ينصرفون من التراويح إِلَّا في الثلث الأول من الليل، أو قريب النصف منه] (٣). وقد قرأ ابن البهلول يومًا في جامع المنصور قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]. فنهض إليه رجلٌ صوفي وهو يتمايل فقال: كيف قلت؟ فأعاد الآية، فقال الصُّوفي: بلى واللَّه، وسقط مَيْتًا، [﵀] (٤). قال ابن الجوزي: وكذلك وقع لأبي الحسين بن الخَشَّاب شيخ ابن الرَّفَّاء، وكان تلميذًا لأبي بكر بن الأدمي المتقدِّم ذكره (٥)، وكان جيد القراءة، حسنَ الصَّوتِ أيضًا، قرأ ابنُ الخَشَّاب هذا في جامع الرُّصافة في الإحياء هذه الآية ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦] فتواجد رجلٌ صوفي وقال: بلى، قد آن. وجلس فبكى بكاء طويلًا، ثم سكت سكتةً، فحرَّكوه، فإذا هو مَيْتٌ، رحمه اللَّه تعالى (٦). وممن توفي فيها: الحسن بن محمد بن إسماعيل: أبو علي الإسكافي، ويلقب بالموفَّق، وكان مقدَّمًا عند بهاء

стр. 5838

الدولة، فولَّاه بغداد، فأخذ أموالًا كثيرة من اليهود، ثم هرب إلى البطيحة، فأقام بها سنتين، ثم قدم بغداد، فولَّاه بهاء الدولة الوِزارة، وكان شهمًا منصورًا في الحروب، ثم عاقبه بعد ذلك، وقتله في هذه السنة، عن تسعٍ وأربعين سنة. ثم دخلت سنة خمس وتسعين وثلاثمئة فيها عاد مهذب الدولة إلى البطيحة ولم يمانعه ابن واصل، وتقرَّر عليه في كل سنةٍ لبهاء الدولة خمسين ألف دينار. وفيها كان غلاء وفناء عظيم ببلاد إفريقية، بحيث تعطلت المخابز والحمامات، وذهب خَلْق كثير من الفناء، وهلك آخرون من شِدَّة الغلاء، فلله الأمر من قَبْلُ ومن بَعْدُ، [وهو المسؤول المأمول أن يحسن العاقبة] (١). وفيها أصاب الحجيج في الطَّريق عَطَشٌ شديد بحيث هلك كثير منهم. وكانت الخطبة للمصريين كما تقدَّم. وممن توفي فيها من الأعيان: محمد بن أحمد بن محمد بن موسى بن جعفر (٢): أبو نصر البُخاري، المعروف بالمَلاحِمي، أحد الحُفَّاظ. قدم بغداد، وحدَّث بها عن محمود بن إسحاق عن البخاري، وروى عن الهيثم بن كُليب وغيره، وحدَّث عنه الدَّارَقُطْني، وكان من أعيان أصحاب الحديث، كانت وفاته ببخارى في شعبان من هذه السنة، وقد جاوز الثَّمانين. محمد بن أبي إسماعيل (٣) علي بن الحسين بن الحسن بن القاسم: أبو الحسن العَلَوي، ولد بهَمذان ونشأ ببغداد، وكتب الحديث عن جعفر الخُلْدي وغيره، وسمع بنيسابور من الأصمِّ وغيره، ودرس فقه الشَّافعي على [أبي] (٤) علي بن أبي هريرة، ثم دخل الشَّام فصحب الصُّوفية حتى صار من ساداتهم وكبارهم، وحجَّ مرات على الوحدة، وكانت وفاته في محرم هذه السنة (٥).

стр. 5839

ابن فارس (١) أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب: اللُّغوي، الرَّازي، صاحب "المجمل" في اللُّغة، وكان مقيمًا بهمَذَان، وله رسائل حسان، أخذ عنه البديع صاحب المقامات. ومن رائق شِعْره قوله: مَرَّت بنا هَيْفَاءُ مَجْدُولةٌ … تُرْكيَّةٌ تُنْمى لِتُرْكيِّ ترنو بطَرْفٍ فاترٍ فاتنٍ … أضْعَفَ من حُجَّةِ نَحْوِيِّ ومن شعره أيضًا رحمه اللَّه تعالى: إذا كُنْتَ في حاجةٍ مُرْسلًا … وأنتَ بها كَلِفٌ مُغْرمُ فأرْسِلْ حكيمًا ولا توصِه … وذاكَ الحكيمُ هو الدِّرْهَمُ قال ابنُ خَلِّكان: توفي سنة تسعين وثلاثمئة، وقيل سنة خمس وتسعين (٢). والأول أشهر (٣). ثم دخلت سنة ست وتسعين وثلاثمئة قال ابن الجوزي: في ليلة الجمعة مستهل شعبان طلع نَجْمٌ يشبه الزهْرة في كبره وضوئه عن يَسْرة القِبْلة يتموَّج، وله شعاع على الأرض كشعاع القمر، وثبت إلى النصف من ذي القَعْدة، ثم غاب. وفيها ولي أبو محمد بن الأكفاني (٤) قضاء جميع بغداد. وفيها جلس القادر للأمير قِرْواش بن أبي حسَّان، وأفرده (٥) في إمارة الكوفة (٦)، ولقبه معتمد الدولة. وفيها قُلِّد الشَّريف الرضي نقابة الطالبيين ببغداد، ولقب بالرضى ذي الحسبين (٧)، ولُقِّب أخوه المرتضى ذا المجدين.

стр. 5840

وفيها غزا يمين الدولة محمود بن سُبُكْتكين بلاد الهند، فافتتح مدنًا كبارًا، وأخذ أموالًا جزيلة، وأسر بعض ملوكهم وهو ملك كراشي حين هرب منه لما افتتحها، وكسر أصنامها، فألبسه منطقةً وشدَّها على وسطه بعد تَمَنُّعٍ شديد، وقطع خِنْصره ثم أطلقه إهانةً له، وإظهارًا لعظمة الإسلام وأهله (١). وفيها كانت الخطبة بالحرمين للحاكم العبيدي، وتجدَّد في حال الخطبة أنه إذا ذكر الخطيبُ الحاكمَ يقوم الناس كلُّهم [إجلالًا له] (٢)، وكذلك [فعلوا] (٢) بديار مصر مع زيادة السُّجود [له] (٢)، فكانوا يسجدون عند ذكره؛ منْ هو في الصَّلاة ومن هو في الأسواق يسجدون لسجودهم، لعنهم اللَّه. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو سَعْد [الإسماعيلي] (٣): إسماعيل بن أحمد بن (٤)، إبراهيم بن إسماعيل، الجُرْجاني، المعروف بالإسماعيلي. ورد بغداد والدَّارَقُطْني حيٌّ، فحدَّث عن أبيه أبي بكر الإسماعيلي (٥) والأصَمّ وابن عدي، وحدَّث عنه الخلال والتنوخي؛ وكان ثِقَةً فاضلًا فقيهًا، على مذهب الشَّافعي، عارفًا بالعربية، سخيًا جوادًا على أهل العِلْم، وله ورع ورياسة إلى اليوم في بلده في أولاده. قال الخطيب البغدادي: سمعت الشيخ أبا الطيب الطبري يقول: ورد أبو سعد الإسماعيلي بغداد، فعقد له الفقهاء مجلسين تولى أحدهما الشيخ أبو حامد الإسفراييني، وتولى الثاني أبو محمد البافي، فبعث البافي إلى القاضي المعافى بن زكريا الجَريري يستدعيه إلى حضور المجلس ليتجمَّل بحضوره، وكانت الرِّسالة مع ولده أبي الفضل، وكتب فيها هذين البيتين: إذا أكرمَ القاضي الجليلُ وَليَّهُ … وصاحبَهُ ألفاهُ للشُّكْرِ مَوْضِعا ولي حاجةٌ يأتي بُنَيِّي بِذِكْرِها … ويسألُه فيها التَّطُولَ أجْمعا فأجابه الجَرِيْري مع ولد الشيخ:

стр. 5841

دعا الشَّيْخُ مُطْواعًا سميعًا لأمرِه … يواتيهِ باعًا حيثُ يَرْسُمُ إصبعا وها أنا غادٍ في غدٍ نحوَ دارهِ … أبادرُ ما قد حدَّهُ ليَ مُسْرِعا وكانت وفاة أبي سعيد الإسماعيلي فجأة بجُرْجان فيِ ربيع الآخر وهو قائم يصلي في المحراب، في صلاة المغرب، فلما قرأ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فاضت نفسه، فمات رحمه اللَّه تعالى (١). محمد بن أحمد (٢) بن محمد بن جعفر بن محمد بن بَحِير (٣): أبو عمرو المُزَكِّي، الحافظ النَّيْسابوري، ويعرف بالبحيري (٤)، رحل إلى الآفاق في طلب العلم، وكان حافظًا جيد المذاكرة، ثِقَةً ثبتًا، حدَّث ببغداد وغيرها من البلاد، وتوفي في شعبان هذه السنة عن ثلاث وستين (٥) سنة. أبو عبد اللَّه بن مَنْدَه (٦): الحافظ محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مَنْده، أبو عبد اللَّه الأصْفَهاني الحافظ، من بيت الحديث والحِفْظ، رحل إلى البلاد الشاسعة، وسَمعَ الكثير وصنَّف التاريخ والشيوخ. قال أبو العباس جعفر بن محمد الحافظ: ما رأيت أحفظ من أبي عبد اللَّه بن منده، توفي بأصفهان في صفر من هذه السنة، رحمه اللَّه تعالى وإيانا برحمته. ثم دخلت سنة سبع وتسعين وثلاثمئة فيها كان خروج أبي ركوة على الحاكم العُبيدي صاحب مصر. وملخَّص أمر هذا الرجل أنه كان من سلالة هشام بن عبد الملك بن مروان الأُموي، واسمه الوليد، وإنما لقب بأبي ركوة لركوةٍ كان يستصحبها في أسفاره على طريقة الصُّوفية، وقد كان سمع الحديث بالدِّيار المِصرية، ثم أقام بمكة ثم باليمن ثم دخل الشَّام، وهو في غضون هذا كله يبايع من انقاد له، ممن

стр. 5842

يرى عنده همة ونهضة للقائم من ولد هشام بن عبد الملك الأموي، ثم إنه أقام ببعض بلاد مِصر في حِلَّة من حِلال العرب، يعلِّم الصبيان ويظهر النُّسك والتقشُّفَ والعبادة والورع، ويخبر بشيء من المغيباث، حتى خضعوا له وعظَّموه جدًا، ثم دعا إلى نفسه، وذكر لهم أنه الذي يدعو إليه من الأمويين، فاستجابوا له وخضعوا وخاطبوه بأمير المؤمنين، ولقب نفسه بالثائر بأمر اللَّه المنتصر من أعداء اللَّه، ودخل بَرْقة في جَحْفلٍ [عظيم] (١)، فجمعَ له أهلها نحوًا من مئتي ألف دينار، وأخذ رجلًا من اليهود اتهم بشيء من الودائع، فأخذ منه مئتي ألف دينار أيضًا، ونقش الدَّراهم والدَّنانير بألقابه، وخطب بالناس يوم الجمعة، ولعن الحاكم في الخطبة -ونعما فعل- فالتفَّ على أبي ركوة من الجنود نحو من ستة عشر ألفًا، فلما بلغ الحاكم أمره وما آل إليه حاله بعث بخمسمئة ألف دينار وخمسة آلاف ثَوْبٍ من الحرير إلى مقدَّم جيوش أبي ركوة وهو الفَضْل بن عبد اللَّه (٢) يستميله إليه ويثنيه عن أبي ركوة، فحين وصلته الأموال من الحاكم رجع عن أبي ركوة وقال له: إنا لا طاقة لنا بالحاكم، وما دمت بين أظهرنا فنحن مطلوبون بسببك، فاختر لنفسك بلدًا تكون فيها. قال: أسأل أن تبعثوا معي فارسين يوصِّلاني إلى النوبة، فإن بيني وبين ملكهما مودة وصحبة، فأرسله، ثم بعث وراءه منْ ردَّه إلى الحاكم بمصر، فلما وصل إليه أركبه جملًا وشَهَّره، ثم قتله في اليوم الثاني، وأكرم الحاكمُ الفَضْلَ، وأقطعه إقطاعات كثيرة، واتفق مرض الفضل، فعاده الحاكم مرتين، فلما عوفي قتله وألحقه بصاحبه أيضًا، وكافأه مكافأة التمساح. وفي رمضان عُزل قِرْواش عما كان بيده، ووليه أبو الحسن علي بن مَزْيَد، ولقب سند الدَّوْلة. وفيها هَزَمَ يمينُ الدولة محمود بن سُبُكْتِكين اتلك خان ملك الترك عن بلاد خُرَاسان، وقَتَلَ من الأتراك خَلْقًا كثيرًا. وفيها قتل أبو العباس بن واصل وحمل رأسه إلى بهاء الدولة، فطيف برأسه بخراسان وفارس. وفيها ثارت بالحجيج وهم بالطَّريق ريحٌ سوداء مظلمة جدًا، واعترضهم ابن الجَرَّاح أمير الأعراب، فاعتاقهم عن الذهاب، ففاتهم الحج في هذا العام ورجعوا إلى بغداد، فدخلوها في يوم التَّرْوية. وكانت الخطبة [بالحرمين] (٣) للمصريين. وممن توفي فيها من الأعيان: عبد الصمد بن عمر بن محمد بن إسحاق: أبو القاسم الدِّينوري الواعظ الزَّاهد.

стр. 5843

قرأ القرآن، ودرس مذهب الشَّافعي على أبي سعيد الإصْطخري، وسمع الحديث من أبي بكر أحمد بن سلمان النَّجَّاد، وروى عنه الأزجي والصَّيْمري، وكان ثِقَةً صالحًا يضرب به المثل في مجاهدة النَّفْس، والصِّدْق المحض (١)، والتعفُّف والتقشُّف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحُسْنِ وَعْظه ونفعه في القلوب. جاءه يومًا رجل بمئة دينار فقال: أنا غنيٌّ عنها. قال: خُذْها، فَفَرِّقْها على أصحابك هؤلاء. فقال: ضَعْها على الأرض، [فوضعها] (٢)، ثم قال للجماعة: ليأخذ كلُّ واحدٍ منكم حاجته [منها] (٣). فجبلوا يأخذون بقدر حاجتهم حتى أنفدوها، وجاءه ولده بعد ذلك فشكا [إليه] (٤) حاجتهم فقال: اذهب إلى البَقَّال، فخذ عليَّ ربع رطل تمر. ورآه رجلٌ وقد اشترى دجاجة وحلواء، فتعجَّب من ذلك فاتبعه، فانتهى إلى دارٍ فيه أيتام وأرامل فدفعها إليهم. وقد كان يدقُّ السُّعد (٥) للعطَّارين بالأُجرة، ويقتات منه، ولما حَضَرَتْهُ الوفاة جعل يقول: [سيدي] (٦) لهذه السَّاعة خَبَّأْتك. كانت وفاته يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجّة من هذه السنة، وصُلِّي عليه بجامع المنصور، ودفن بمقبرة الإمام أحمد. أبو العَبَّاس بن واصل: صاحب سِيراف والبَصْرة وغيرهما من البلاد، كان أولًا يخدُم بالكَرْخ، وكان مَبْصُورًا (٧) له أنه سيملك، فكان أصحابه يهزؤون به ويمجنون عليه، فيقول أحدهم: إذا ملكتَ فاستخدمني، ويقول الآخر: اخلع عليَّ، ويقول الآخر: عاقبني. فقدر له أنه تنقلت به الأحوال إلى أن ملك سيراف ثم البصرة، وأخذ بلاد البطيحة من مهذَّب الدولة، وأخرجه منها طريدًا، بحيث احتاج في بعض الطريق إلى أن ركب بقرةً. واستحوذ ابن واصل على ما هناك من الأموال والحواصل، وقصد الأهواز وهزم بهاء الدولة، ثم ظفر به بهاءُ الدولة، فقتله في شعبان من هذه السنة، وطيف برأسه في البلاد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 5844

ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وثلاثمئة فيها غزا يمين الدولة محمود بن سُبُكْتِكين بلادَ الهند، ففتح حصونًا كثيرة، وأخذ أموالًا جزيلة وجواهر نفيسة، فكان في جملة ما أخذ وهو أن وجد بيتًا طوله ثلاثون ذراعًا، وعرضه خمسة عشر ذراعًا مملوءًا فضَّة، ولما رجع إلى غَزْنة بسط هذه الحواصل كلها في صحن داره، وأذِنَ لرسل الملوك، فدخلوا عليه، فرأوا ما بهرهم وهالهم. وفي يوم الأربعاء الحادي عشر (١) من ربيع الآخر وقع ببغداد ثَلْجٌ عظيم، بحيث بقي على وجه الأرض ذراعًا ونصفًا، ومكث أسبوعًا لم يَذُبْ، وبلغ سقوطه إلى تكريت والكوفة وعَبَّادان والنهروانات (٢). وفي هذا الشهر كثرت العملات خفيه وجهرة، حتى من المساجد والمشاهد، ثم ظفر أصحاب الشرطة بكثيرٍ منهم، فقطعوا أيديهم وسمَّروهم (٣)، فخمدت الفتنة، وللَّه الحمد والمنة (٤). قصة مُصْحف عبد اللَّه بن مسعود ﵁ وتحريقه عن فُتْيا الشَّيْخ أبي حامد الإسْفَراييني مما ذكره ابنُ الجَوْزي في المنتظم. وفي عاشر رجب جَرَتْ فتنةٌ بين الرافضة والسنة، سببُها أنَّ بعض الهاشميين قصد أبا عبد اللَّه محمد بن النعمان المعروف بابن المعلِّم -وكان فقيه الشيعة- في مسجده بدرب رباح، فعرض له بالسَّبِّ، فثار أصحابه له، واستنفرِ أصحاب الكَرْخ، وصاروا إلى دار القاضي أبي محمد بن الأكفاني والشيخ أبي حامد الإسْفَراييني، فجَرت فتنةٌ عظيمة طويلة، وأحضرت الشيعة مُصْحفًا ذكروا أنه مصحف عبد اللَّه بن مسعود، وهو يخالف المصاحف كلها، فَجُمعَ الأشرافُ والقضاة والفقهاء في يوم جمعةٍ لليلة بقيت من رجب، وعُرِضَ المصحف عليهم، فأشار الشيخ أبو حامد الإسْفَراييني والفقهاء بتحريقه، ففعل ذلك بمحضرٍ منهم، فغضبت الشيعة من ذلك غضبًا شديدًا، وجعلوا يدعون ليلة النصف من شعبان على من فعل ذلك ويسبُّونه، وقصد جماعةٌ من أحداثهم دارَ الشيخ أبي حامد ليؤذوه، فانتقل منها إلى دار

стр. 5845

القُطْن، وصاحوا: يا حاكم يا منصور، وبلغ ذلك الخليفة، فغضب، وبعث أعوان لنصرة أهل السُّنَّة، فحرقت دور كثيرة من دور الشيعة، وجَرَت خطوبٌ شديدة، وبعث عميد الجيوش إلى بغداد لينفي عنها ابنَ المعلم، فأخرج، ثم شفع فيه، ومنعت القُصَّاص من التعرُّض للفتن والسؤال باسم أحدٍ من الصحابة، وعاد الشيخ أبو حامد إلى داره على عادته (١). وفي شعبان زلزلت الدِّينور زلزالًا شديدًا، سقطت منها دور كثيرة وهلك تحت الهدم ستة عشر ألفًا غير من ساخت به الأرض، وهلك للنَّاس شيء كثيرٌ من الأثاث والأمتعة، وهَبَّتْ ريح سوداء شديدة بدقوقاء وتكريت وشيراز، فقلعت كثيرًا من المنازل والنخيل والزيتون، وقتلت خلقًا كثيرًا، وسقط بعض شيراز، ووقعت رجفة بشيراز غرق بسببها مراكب كثيرة في البحر. ووقع بواسط بَرَدٌ زِنةُ الواحدة مئة دِرْهم وستة دراهم. ووقع ببغداد في رمضان -[وذلك] (٢) في أيَّار- مَطَرٌ عظيم سألت منه المزاريب. تخريب قمامة [في هذه السنة] (٣) وفيها أمر الحاكم العُبيدي بتخريب قُمامة كنيسة البيت المقدَّس، وأباح للعامة ما كان فيها من الأموال والأمتعة وغير ذلك؛ وكان سبب ذلك ما أنهي من البهتان الذي يتعاطاه النَّصارى في يوم الفصح من النَّار التي يحتالون لها، بحيث يتوهم الأغمار من جهلتهم أنها نزلت من السماء، وإنما هي مصنوعة بدهن البلسان في خيوط رفاع مدهونة بالكبريت وغيره، بالصنعة اللطيفة التي تروج على الطَّغَام منهم والعوام، وهم إلى الآن يستعملونها في ذلك المكان بعينه. وكذلك أمر بهدم عِدَّة كنائس في هذه السنة ببلاد مصر، ونودي في النَّصارى [بمصر] (٤): من أحبَّ الدُّخول في دين الإسلام دخل (٥)، ومن لا يدخل فليرجع

стр. 5846

إلى بلاد الرُّوم آمنا، ومن أقام منهم على دينه، فليلتزم بما شرط عليهم من الشُّروط التي زاد فيها على العُمَرية، من تعليق الصُّلْبان على صدورهم من خشب زِنة الصليب منهم أربعة أرطال، وعلى اليهود تعليق رأس العِجْل زنة ستة أرطال. وفي الحمام يكون في عنقه قرمية زنة خمسة أرطال، أجراس، وأن لا يركبوا خيلًا. ثم بعد هذا كلِّه أمر بإعادة بناء الكنائس التي هدمها، وأذن لمن أسلم منهم في الارتداد إلى دينه. وقال: ننزه مساجدَنا أن يدخلها من لا نيَّة له، [ولا يعرف باطنه] (١)، قبحه اللَّه. وممن توفي فيها من الأعيان: [أبو محمد البافي] (٢): [سبق ذكره (٣)، اسمه] (٤) عبد اللَّه بن محمد البافي البخاري الخوارزمي، أحد أئمة الشَّافعية في وقته، تفقه على أبي القاسم الدَّاركي ودرَّس مكانه، وله معرفة جيدة بالأدب والفصاحة والشِّعْر، جاء مرةً ليزور بعض أصحابه فلم يجده [في المنزل] (٥)، فكتب: قد حَضَرْنا وليسَ يُقْضى التلاقي … نسألُ اللَّهَ خيرَ هذا الفِرَاق إن نَغِبْ لم تَغِبْ وإنْ لَمْ نَغِبْ غِبْـ … ــتَ كأنَّ افتراقَنا باتِّفاقِ (٦) وقد كانت وفاته في محرَّم هذه السنة، وقد ذكرنا ترجمته في "طبقات الشَّافعية". عبد اللَّه بن أحمد بن علي بن الحسين: أبو القاسم المقرئ المعروف بالصَّيْدلاني، وهو آخر من حدَّث عن ابن صاعد من الثقات، وروى عنه الأزْهري، وكان ثِقَةً مأمونًا صالحًا. توفي في رجب من هذه السنة وقد جاوز التسعين (٧)، رحمه اللَّه تعالى. البَبَّغاء [الشَّاعر] (٨) عبد الواحد بن نصر بن محمد: أبو الفَرَج المخزومي، الشاعر، الملقب بالبَبَّغاء.

стр. 5847

توفي في شعبان من هذه السنة، وكان أديبًا فاضلًا مترسلًا شاعرًا مجيدًا، فمن شعره قوله: يا من تشابه منه الخَلْقُ والخُلُقُ … فما تسافرُ إِلَّا نحوهُ الحَدَقُ توريد دمعيَ من خَدَّيك مُخْتَلسٌ … وسُقْمُ جسميَ من جَفْنيكَ مُسْترَقُ لم يبقَ لي رَمَقٌ أشكو هواكَ بهِ … وإنَّما يَتَشكَّى منْ بهِ رَمَقُ محمد بن يحيى: أبو عبد اللَّه الجُرْجاني، أحد العلماء الزُّهَّاد العُبَّاد، المناظرين لأبي بكر الرَّازي، وكان يدرِّس في قطيعة الربيع، وقد فُلِج في آخر عُمره، وحين مات دفن مع أبي حنيفة، رحمه اللَّه تعالى. [بديع الزَّمان] (١) أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد: أبو الفَضْل، الهَمَذَاني، الحافظ المعروف ببديع الزمان، صاحب الرَّسائل الرائقة، والمقامات الفائقة، وعلى منواله نسج الحَريري، واقتفى أثره وشكر تقدُّمه، واعترف بفضله، وكان قد أخذ عن ابن فارس في اللغة ثم برز، وكان أحد الفصحاء الفضلاء، ويذكر أنه سُمَّ وأخذته سكتة، فدفن سريعًا، ثم عاش في قبره، وسُمعَ صراخه، فنبشوا عنه، فإذا هو قد مات وهو آخذٌ على لحيته من هَوْل القبر، وذلك يوم الجمعة الحادي عشر من جمادى الآخرة من هذه السنة، رحمه اللَّه تعالى، وعفا عنه، وسامحه وإيانا بمنِّه. ثم دخلت سنة تسع وتسعين وثلاثمئة فيها قُتل أبو علي بن ثمال نائب الرحبة من جهة الحاكم العُبيدي، قتله عيسى بن خلاط العُقيلي، وملكها، فأخرجه منها عَبَّاس بن مِرْداس صاحب حلب وملكها. وفيها صرف أبو عمر (٢) بن عبد الواحد عن قضاء البصرة ووليه أبو الحسن بن أبي الشوارب، فذهب الناس يهنون هذا ويعزُّون هذا، فقال في ذلك العُصْفُري: عِنْدي حَديثٌ ظَريفٌ … بمثْلِهِ يُتَغَنَّى

стр. 5848

منْ قاضِيَيْنِ يُعَزَّى … هذا وهذا يُهنَّا فذا يقولُ اكرهونا … وذا يقولُ اسْتَرَحْنا ويكذبانِ جميعًا (١) … ومن يُصَدِّقُ مِنَا وفي شعبان من هذه السنة عصَفَتْ ريحٌ شديدة، فألقت رملًا أحمر في طرقات بغداد. وفيها هَبَّتْ على الحُجَّاج ريحٌ سوداء مظلمة، واعترضهم الأعراب، فصدُّوهم عن السبيل، واعتاقوهم حتى فاتهم الحج في هذه السنة أيضًا، فرجعوا، وأخذت بنو هلال طائفةً من حجيج البَصْرة نحوًا من ستمئة، وأخذوا منهم نحوًا من ألف ألف دينار. والخطبة بالحرمين للمِصْريين. وممن توفي فيها من الأعيان: عبد اللَّه بن بكر (٢) بن محمد بن الحسين (٣): أبو أحمد الطَّبَراني. سمع ببغداد ومكة وغيرهما من البلاد، وكان مكثرًا، سمع منه الدَّارَقُطني وعبد الغني بن سعيد، ثم أقام بالشَّام بالقرب من جبلٍ عند بانياس يعبد اللَّه تعالى هناك إلى أن مات في ربيع الأول من هذه السنة. محمد بن [أحمد بن] علي بن الحسين (٤): أبو مسلم، كاتب الوزير ابن حِنْزَابة (٥). روى عن البغوي، وابن صاعد، وابن دُريد، وابن أبي داود، وابن عَرَفة، وابن مجاهد، وغيرهم، وكان آخر من بقي من أصحاب البغوي، وكان من أهل العلم والحديث والمعرفة والفهم، وقد تكلَّم بعضهم في روايته عن البغوي؛ لأن أصوله كان غالبها مفسودًا. وذكر الصُّوري أنه خلَّط في آخر عمره. أبو الحسن علي بن أبي سعيد (٦): عبد الرحمن (٧) بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفي

стр. 5849

المصْري، صاحب كتاب "الزِّيج الحاكمي" في أربع مجلَّدات، كان أبوه من كبار المحدِّثين الحُفَّاظ (١)، أرخ لمصر تاريخًا نافعًا يرجع إليه العلماء. وأما هذا فإنه اشتغل بعلم النُّجوم، فنال [من شأوه] (٢) منالًا جيدًا، وكان شديد الاعتناء بعلم الرصد، وكان مع هذا مغفلًا سيئ الحال، رَثَّ الثياب، طويلًا يتعمم على طرطور طويل، ويتطيلس فوقه، ويركب حمارًا، فمن رآه ضحك منه، وكان يدخل على الحاكم صاحب مصر فيكرمه، ويذكر من تغفله ما يدلُّ على عدم اعتنائه بأمر نفسه، وكان شاهدًا معدلًا، وله شعر جيد، فمنه قوله فيما ذكره ابن خَلِّكان في "الوفيات": أُحمِّلُ نَشْرَ الرِّيح عند هبوبه … رسالة مشتاقٍ لوجه حبيبه بنفسيَ من تحيا القلوبُ بقُرْبه … ومن طابت الدنيا به وبطيبه وجدَّد وَجْدي طائفٌ منه في الكَرَى … سَرَى مَوْهنًا في خُفْيةٍ من رقيبهِ لَعَمْري لقد عَطَّلْتُ كأسيَ بَعدَهُ … وغيَّبتُها عنِّي لطولِ مغيبهِ (٣) تعني أم أمير المؤمنين القادر باللَّه: مولاة عبد الواحد بن المقتدر. كانت من العابدات الصَّالحات، ومن أهل الفَضْل والدِّين، توفيت ليلة الخميس الثاني والعشرين من شعبان من هذه السنة، وصلَّى عليها ابنها القادر، وحُملت بعد العِشاء إلى الرُّصافة. ثم دخلت سنة أربعمئة من الهجرة النَّبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام في ربيع الآخر [منها] (٤) نقصت دِجْلة نقصًا كثيرًا، حتى ظهرت جزائر لم تكن تعرف، وامتنع سير السفن في أماكنها من أوَانا والرَّاشدية، فأمر بكري تلك الأماكن ولم تكر قبل ذلك. وفيها كمل السُّور على المشهد بالحائر (٥)، وكان الذي بناه أبو محمد بن الفضل بن سهلان عن نذر نذره (٦).

стр. 5850

وفي رمضان أرجف النَّاس بالخليفة القادر باللَّه [بأنه مات] (١)، فجلس للنَّاس يوم جمعة بعد الصَّلاة، وعليه البُرْدَة وبيده القضيب، وجاء الشيخ أبو حامد الإسْفَرَاييني، فَقَبَّل الأرض بين يديه وقرأ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١] فتباكى الناس ودعوا وانصرفوا [وهم فراحا] (٢). وفي هذه السنة ورد الخبر بأن الحاكم أنفذ إلى دار جعفر بن محمد الصَّادق بالمدينة، فأخذ منها مُصْحفًا وآلات كانت بها، وهذه الدار لم تفتح بعد موت صاحبها إلى هذه المدَّة، وكان مع المُصْحف قَعْبٌ خشب مطوَّق بحديد ودرفة خيزران وحربة وسرير، حمل ذلك كلَّه جماعةٌ من العلويين إلى الديار المصرية، فأطلق لهم [الحاكم] (٣) أنعامًا كثيرة ونفقات زائدة، ورد السرير وأخذ الباقي، وقال: أنا أحق به. فردوا وهم ذامُّون له [داعون عليه] (٤). وبنى الحاكم في هذه السنة دارًا للعلم وأجلس فيها الفقهاء، ثم بعد ثلاث سنين هدمها، وقتل خلقًا كثيرًا ممن كان بها من الفقهاء والمحدِّثين وأهل الخير والدِّيانة. وعمَّر الجامع المنسوب إليه بالديار المصرية وهو جامع الحاكم، وتأنق في بنائه. وفي هذه السنة وفي ذي الحجَّة منها أعيد المُؤَيَّد هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الأموي إلى ملكه بعد خلعه وحبسه مدة طويلة. وكانت الخطبة بالحرمين هذه السنة للحاكم العُبيدي صاحب مصر والشَّام. وممن توفي فيها من الأعيان: [أبو أحمد الموسوي النقيب] (٥) الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر: أبو أحمد الموسوي النقيب، والد الرَّضي والمرتضى. ولي نقابة الطالبيين مرَّات ببغداد نحوًا من خمس مرات، يعزل ويعاد، ثم أقرَّ في آخر عمره، وتوفي عن سبعٍ وتسعين سنة (٦)، وصلى عليه اللَّه المرتضى، ودفن في مشهد الحسين.
следующие страницы →