← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

إلى بلاد الرُّوم آمنا، ومن أقام منهم على دينه، فليلتزم بما شرط عليهم من الشُّروط التي زاد فيها على العُمَرية، من تعليق الصُّلْبان على صدورهم من خشب زِنة الصليب منهم أربعة أرطال، وعلى اليهود تعليق رأس العِجْل زنة ستة أرطال. وفي الحمام يكون في عنقه قرمية زنة خمسة أرطال، أجراس، وأن لا يركبوا خيلًا. ثم بعد هذا كلِّه أمر بإعادة بناء الكنائس التي هدمها، وأذن لمن أسلم منهم في الارتداد إلى دينه. وقال: ننزه مساجدَنا أن يدخلها من لا نيَّة له، [ولا يعرف باطنه] (١)، قبحه اللَّه. وممن توفي فيها من الأعيان: [أبو محمد البافي] (٢): [سبق ذكره (٣)، اسمه] (٤) عبد اللَّه بن محمد البافي البخاري الخوارزمي، أحد أئمة الشَّافعية في وقته، تفقه على أبي القاسم الدَّاركي ودرَّس مكانه، وله معرفة جيدة بالأدب والفصاحة والشِّعْر، جاء مرةً ليزور بعض أصحابه فلم يجده [في المنزل] (٥)، فكتب: قد حَضَرْنا وليسَ يُقْضى التلاقي … نسألُ اللَّهَ خيرَ هذا الفِرَاق إن نَغِبْ لم تَغِبْ وإنْ لَمْ نَغِبْ غِبْـ … ــتَ كأنَّ افتراقَنا باتِّفاقِ (٦) وقد كانت وفاته في محرَّم هذه السنة، وقد ذكرنا ترجمته في "طبقات الشَّافعية". عبد اللَّه بن أحمد بن علي بن الحسين: أبو القاسم المقرئ المعروف بالصَّيْدلاني، وهو آخر من حدَّث عن ابن صاعد من الثقات، وروى عنه الأزْهري، وكان ثِقَةً مأمونًا صالحًا. توفي في رجب من هذه السنة وقد جاوز التسعين (٧)، رحمه اللَّه تعالى. البَبَّغاء [الشَّاعر] (٨) عبد الواحد بن نصر بن محمد: أبو الفَرَج المخزومي، الشاعر، الملقب بالبَبَّغاء.

стр. 5847

توفي في شعبان من هذه السنة، وكان أديبًا فاضلًا مترسلًا شاعرًا مجيدًا، فمن شعره قوله: يا من تشابه منه الخَلْقُ والخُلُقُ … فما تسافرُ إِلَّا نحوهُ الحَدَقُ توريد دمعيَ من خَدَّيك مُخْتَلسٌ … وسُقْمُ جسميَ من جَفْنيكَ مُسْترَقُ لم يبقَ لي رَمَقٌ أشكو هواكَ بهِ … وإنَّما يَتَشكَّى منْ بهِ رَمَقُ محمد بن يحيى: أبو عبد اللَّه الجُرْجاني، أحد العلماء الزُّهَّاد العُبَّاد، المناظرين لأبي بكر الرَّازي، وكان يدرِّس في قطيعة الربيع، وقد فُلِج في آخر عُمره، وحين مات دفن مع أبي حنيفة، رحمه اللَّه تعالى. [بديع الزَّمان] (١) أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد: أبو الفَضْل، الهَمَذَاني، الحافظ المعروف ببديع الزمان، صاحب الرَّسائل الرائقة، والمقامات الفائقة، وعلى منواله نسج الحَريري، واقتفى أثره وشكر تقدُّمه، واعترف بفضله، وكان قد أخذ عن ابن فارس في اللغة ثم برز، وكان أحد الفصحاء الفضلاء، ويذكر أنه سُمَّ وأخذته سكتة، فدفن سريعًا، ثم عاش في قبره، وسُمعَ صراخه، فنبشوا عنه، فإذا هو قد مات وهو آخذٌ على لحيته من هَوْل القبر، وذلك يوم الجمعة الحادي عشر من جمادى الآخرة من هذه السنة، رحمه اللَّه تعالى، وعفا عنه، وسامحه وإيانا بمنِّه. ثم دخلت سنة تسع وتسعين وثلاثمئة فيها قُتل أبو علي بن ثمال نائب الرحبة من جهة الحاكم العُبيدي، قتله عيسى بن خلاط العُقيلي، وملكها، فأخرجه منها عَبَّاس بن مِرْداس صاحب حلب وملكها. وفيها صرف أبو عمر (٢) بن عبد الواحد عن قضاء البصرة ووليه أبو الحسن بن أبي الشوارب، فذهب الناس يهنون هذا ويعزُّون هذا، فقال في ذلك العُصْفُري: عِنْدي حَديثٌ ظَريفٌ … بمثْلِهِ يُتَغَنَّى

стр. 5848

منْ قاضِيَيْنِ يُعَزَّى … هذا وهذا يُهنَّا فذا يقولُ اكرهونا … وذا يقولُ اسْتَرَحْنا ويكذبانِ جميعًا (١) … ومن يُصَدِّقُ مِنَا وفي شعبان من هذه السنة عصَفَتْ ريحٌ شديدة، فألقت رملًا أحمر في طرقات بغداد. وفيها هَبَّتْ على الحُجَّاج ريحٌ سوداء مظلمة، واعترضهم الأعراب، فصدُّوهم عن السبيل، واعتاقوهم حتى فاتهم الحج في هذه السنة أيضًا، فرجعوا، وأخذت بنو هلال طائفةً من حجيج البَصْرة نحوًا من ستمئة، وأخذوا منهم نحوًا من ألف ألف دينار. والخطبة بالحرمين للمِصْريين. وممن توفي فيها من الأعيان: عبد اللَّه بن بكر (٢) بن محمد بن الحسين (٣): أبو أحمد الطَّبَراني. سمع ببغداد ومكة وغيرهما من البلاد، وكان مكثرًا، سمع منه الدَّارَقُطني وعبد الغني بن سعيد، ثم أقام بالشَّام بالقرب من جبلٍ عند بانياس يعبد اللَّه تعالى هناك إلى أن مات في ربيع الأول من هذه السنة. محمد بن [أحمد بن] علي بن الحسين (٤): أبو مسلم، كاتب الوزير ابن حِنْزَابة (٥). روى عن البغوي، وابن صاعد، وابن دُريد، وابن أبي داود، وابن عَرَفة، وابن مجاهد، وغيرهم، وكان آخر من بقي من أصحاب البغوي، وكان من أهل العلم والحديث والمعرفة والفهم، وقد تكلَّم بعضهم في روايته عن البغوي؛ لأن أصوله كان غالبها مفسودًا. وذكر الصُّوري أنه خلَّط في آخر عمره. أبو الحسن علي بن أبي سعيد (٦): عبد الرحمن (٧) بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفي

стр. 5849

المصْري، صاحب كتاب "الزِّيج الحاكمي" في أربع مجلَّدات، كان أبوه من كبار المحدِّثين الحُفَّاظ (١)، أرخ لمصر تاريخًا نافعًا يرجع إليه العلماء. وأما هذا فإنه اشتغل بعلم النُّجوم، فنال [من شأوه] (٢) منالًا جيدًا، وكان شديد الاعتناء بعلم الرصد، وكان مع هذا مغفلًا سيئ الحال، رَثَّ الثياب، طويلًا يتعمم على طرطور طويل، ويتطيلس فوقه، ويركب حمارًا، فمن رآه ضحك منه، وكان يدخل على الحاكم صاحب مصر فيكرمه، ويذكر من تغفله ما يدلُّ على عدم اعتنائه بأمر نفسه، وكان شاهدًا معدلًا، وله شعر جيد، فمنه قوله فيما ذكره ابن خَلِّكان في "الوفيات": أُحمِّلُ نَشْرَ الرِّيح عند هبوبه … رسالة مشتاقٍ لوجه حبيبه بنفسيَ من تحيا القلوبُ بقُرْبه … ومن طابت الدنيا به وبطيبه وجدَّد وَجْدي طائفٌ منه في الكَرَى … سَرَى مَوْهنًا في خُفْيةٍ من رقيبهِ لَعَمْري لقد عَطَّلْتُ كأسيَ بَعدَهُ … وغيَّبتُها عنِّي لطولِ مغيبهِ (٣) تعني أم أمير المؤمنين القادر باللَّه: مولاة عبد الواحد بن المقتدر. كانت من العابدات الصَّالحات، ومن أهل الفَضْل والدِّين، توفيت ليلة الخميس الثاني والعشرين من شعبان من هذه السنة، وصلَّى عليها ابنها القادر، وحُملت بعد العِشاء إلى الرُّصافة. ثم دخلت سنة أربعمئة من الهجرة النَّبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام في ربيع الآخر [منها] (٤) نقصت دِجْلة نقصًا كثيرًا، حتى ظهرت جزائر لم تكن تعرف، وامتنع سير السفن في أماكنها من أوَانا والرَّاشدية، فأمر بكري تلك الأماكن ولم تكر قبل ذلك. وفيها كمل السُّور على المشهد بالحائر (٥)، وكان الذي بناه أبو محمد بن الفضل بن سهلان عن نذر نذره (٦).

стр. 5850

وفي رمضان أرجف النَّاس بالخليفة القادر باللَّه [بأنه مات] (١)، فجلس للنَّاس يوم جمعة بعد الصَّلاة، وعليه البُرْدَة وبيده القضيب، وجاء الشيخ أبو حامد الإسْفَرَاييني، فَقَبَّل الأرض بين يديه وقرأ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١] فتباكى الناس ودعوا وانصرفوا [وهم فراحا] (٢). وفي هذه السنة ورد الخبر بأن الحاكم أنفذ إلى دار جعفر بن محمد الصَّادق بالمدينة، فأخذ منها مُصْحفًا وآلات كانت بها، وهذه الدار لم تفتح بعد موت صاحبها إلى هذه المدَّة، وكان مع المُصْحف قَعْبٌ خشب مطوَّق بحديد ودرفة خيزران وحربة وسرير، حمل ذلك كلَّه جماعةٌ من العلويين إلى الديار المصرية، فأطلق لهم [الحاكم] (٣) أنعامًا كثيرة ونفقات زائدة، ورد السرير وأخذ الباقي، وقال: أنا أحق به. فردوا وهم ذامُّون له [داعون عليه] (٤). وبنى الحاكم في هذه السنة دارًا للعلم وأجلس فيها الفقهاء، ثم بعد ثلاث سنين هدمها، وقتل خلقًا كثيرًا ممن كان بها من الفقهاء والمحدِّثين وأهل الخير والدِّيانة. وعمَّر الجامع المنسوب إليه بالديار المصرية وهو جامع الحاكم، وتأنق في بنائه. وفي هذه السنة وفي ذي الحجَّة منها أعيد المُؤَيَّد هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الأموي إلى ملكه بعد خلعه وحبسه مدة طويلة. وكانت الخطبة بالحرمين هذه السنة للحاكم العُبيدي صاحب مصر والشَّام. وممن توفي فيها من الأعيان: [أبو أحمد الموسوي النقيب] (٥) الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر: أبو أحمد الموسوي النقيب، والد الرَّضي والمرتضى. ولي نقابة الطالبيين مرَّات ببغداد نحوًا من خمس مرات، يعزل ويعاد، ثم أقرَّ في آخر عمره، وتوفي عن سبعٍ وتسعين سنة (٦)، وصلى عليه اللَّه المرتضى، ودفن في مشهد الحسين.

стр. 5851

وقد رثاه ابنه المرتضى بقصيدةٍ حسنةٍ قوية المنزع والمطلع، منها قوله: سلامُ اللَّهِ تنقلُه الليالي … ويهديهِ الغُدُوُّ إلى الرَّوَاحِ عَلَى جَدَثٍ تَشَبَّث (١) من لُؤَيٍّ … بيَنْبوعِ العِبادةِ والصَّلاحِ فتًى لم يَرْوَ إِلَّا منْ حلالٍ … ولمْ يكُ زادُهُ غَيْرَ (٢) المُباحِ ولا دَنِسَتْ له أُزُرٌ بِوِزْرٍ … ولا عَلِقَتْ له راحٌ براحِ خَفيفُ الظَّهْرِ من ثِقْل الخطايا … وعُرْيانُ الجوارح من جُناح مسوقٌ (٣) في الأُمورِ إلى عُلاها … ومَدْلُولٌ على بابِ النَّجَاحِ منَ القومِ الذينَ لهم قُلُوبٌ .... بذكرِ اللَّهِ عامرةُ النَّواحي بأجسامٍ من التَّقوى مِرَاضٍ … لمبصرها (٤) وأديانٍ صِحَاحِ (٥) الحَجَّاج بن هرمز، أبو جعفر: نائب بهاء الدولة على العراق، وكان ينتدبه لقتال الأعراب والأكراد، وكان من المقدِّمين على عهد عضد الدولة، وكانت له خِبْرة تامة بالحرب، وحرمة شديدة، وشجاعة وافرة، وهِمَّة عالية وآراء سديدة. ولما خرج من بغداد في سنة ثنتين وتسعين (٦) وثلاثمئة كَثُرَتْ بها الفتن والشرور، وكانت وفاته بالأهواز في هذه السنة، وله من العمر مئة سنة وخمس سنين. أبو عبد اللَّه القُمِّي المِصْري التَّاجر: كان ذا مال جزيل جدًا، اشتملت تركته على أزيد من ألف ألف دينار من سائر أنواع الأموال، وكانت وفاته بأرض الحجاز، ودفن بالمدينة النبوية عند قبر الحسن بن علي، ﵁. أبو الحسين ابن الرَّفَّاء المقرئ: المتقدم ذكره (٧)، كان من أحسن الناس صوتًا وأحلاهم أداءً،

стр. 5852

رحمه اللَّه تعالى، وقد تقدم ذكره في سنة أربع وتسعين بما أغنى عن إعادته هنا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب (١).

стр. 5853

البداية والنهاية «٤٠١ هـ - ٥٠٠ هـ» تأليف الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير [٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ] حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه صلاح محمد الخيمي راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف الجزء الثالث عشر

стр. 5854

ثم دخلت سنة إحدى وأربعمئة (١) في يوم الجمعة الرابع من محرَّم فيها خُطِبَ بالمَوصل للحاكم العُبيدي عن أمر صاحبها قِرواش بن مُفقَد، أبي مَنيع (٢)، وقهر رعيته على ذلك. وقد سرد ابن الجَوْزِي (٣) صيغة الخطبة يومئذ بحروفها، وفي آخرها: صلُّوا على آبائه من الخلفاء، المهديّ، ثمّ ابنه القائم، ثمّ ابنه المنصور، ثُمَّ ابنه المعزّ، ثُمَّ ابنه العزيز، ثُمَّ على ابنه الحاكم صاحب الوقت، وبالغوا في الدّعاء لهم، ولاسيّما للحاكم المذكور. وكذلك ببقيّة أعماله (٤) من الأنبار والمدائن وغيرهما. وكان سبب ذلك أنّ الحاكم تردَّدت مكاتباته ورسله وهداياه إلى قِرواش، يستميله إليه ليُقبل بوجههِ إليه، حتى فعل ما فعل مما ذكرنا [من الخطبة وغيرها] فلمَّا بلغَ الخبر إلى القادر [باللَّه] (٥) العبَّاسي، كتب يعاتب قِرواش بن مُقلَّد على ما صغ، ونفَّذ بَهاء الدَّولة إلى عميد الجيوش بمئة ألف دينار لمحاربة قِرواش. فلمّا بلغ ذلك قرواشًا رجع عن رأيه وندم على ما كان منه، وأمر بقطع الخطبة للحاكم من بلاده، وأعادها إلى القادر العباسي على عادته. قال ابن الجوزي (٦): ولخمس بقين من رجب، زادت دِجْلة زيادةً كثيرةً، واستمرت الزِّيادة إلى رمضان، وبلغت أحدًا وعشرين ذراعًا وثلثًا. ودخل الماء إلى أكثر دور بغداد. وفيها: رجع الوزير أبو غالب بن خَلَف إلى بغداد، ولُقِّبَ فَخْر المُلْكِ بِعَميد الجيوش.

стр. 5855

وفيها: عصا أبو الفتح، الحسنُ بن جعفر العلويّ، ودعا إلى نفسه، وتلقَّب بالراشد باللَّه (١). ولم يحجّ في هذه السنة أحد من أهل ركب العراق أيضًا [والخطبة للحاكم]، فإنَّا للَّه وإنا إليه راجعون. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو مسعود الدمشقيّ (٢) إبراهيمُ بن محمّد بن عُبَيْد، الحافظ الكبير، مُصنّف كتاب "الأطراف على الصحيحين" (٣) رحل إلى بلاد شتّى، كبغداد، والبصرة، والكوفة، وواسط، والأهواز، وأصْفهان، وخُراسان، وكان من الحفّاظ الصادقين الأمناء [الضابطين] الفاهمين، ولم يروِ إِلَّا اليسير. روى عنه أبو القَاسم الطَبَرِيّ، وأبو ذَرٍّ الهَرَوِيّ، وحمزة السَّهْميّ وغيرهم. وكانت وفاته ببَغدادَ في رجب (٤). وأوصى إلى الشيخ أبي حَامِدٍ الإسْفَرايينيّ، فصلَّى عليه، ودفن في مقبرة جامع المنصور، قريبًا من السكك، ﵀، وقد ترجمه ابنُ عساكر وأثنى عليه (٥). خَلَفُ بن محمّد بن عَلي بن حَمْدُون (٦) أبو مُحمد (٧) الوَاسِطيّ، رحل إلى البلاد وسمع الكثير، ثمَّ عاد إلى بغداد، ثمّ رحل إلى الشام ومصر، وكتب الناس بانتخابه فصنّف "أطرافًا على الصحيحين". وكانت له معرفةٌ تامّة، وحِفْظ جيّد، ثُمَّ عاد إلى بغداد، واشتغل بالتجارة، وترك النظر في العلم، حتى توفي في هذه السَّنة (٨). وممن روى عنه الأَزْهَرِيّ (٩).

стр. 5856

عَمِيْدُ الجيوشِ [الوزير] (١) الحُسين (٢) بنُ أبي جعفر أستاذ هُرْمُز، أبو علي، وزير بَهَاء الدَّوْلةِ. ولد سنة خمسين وثلاثمئة، وكان أبوه من حُجَّاب عَضُدِ الدَّوْلةِ، وولاه بهاءُ الدّولة النظر في وزارته سنة ثنتين وتسعين. والشُّرورُ عامّة كثيرة [منتشرة]، فمهّد البلاد، وأخاف العيّارين، واستقامت على يديه الأمور، وأمر بعض غلمانه أن يحمل صينيّة فيها فضّة (٣) مكشوفةٌ من أول بغداد إلى آخرها، [وأن يدخل] في [جميع] أزقَّتها. فإن اعترضه أحد فليدفعها إليه، وليعرف ذلك المكان، فذهب الغلام فلم يعترضه أحدٌ [فحمد اللَّه وأثنى عليه]. ومنع الروافض مما كانوا يتعاطونه من النياحة في [يوم] عاشوراء، وإقامة العِيد المبتدع [وما يتعاطونه من الفرح] في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة، الذي يقال له: عيد غَدِيْرِ خُم (٤)، وكان عادلًا منصفًا. أبُو عُبَيْدٍ الهَرَويّ (٥)، "صاحب الغريبين" (٦) أحْمَد بنُ مُحمَّد بن محمد بن أبي عبيد العَبْدي اللَّغويّ البارع، كان من علماء النّاس في الأدب واللغة. وكتابه "الغريبين" في معرفة غريب القرآن والحديث، يدلّ على اطّلاعه وتبحّره في هذا الشان، وكان من تلامذة أبي منصور الأزْهَرِيّ (٧). قال ابن خلِّكان (٨): وقيل: إنَّه كان يحب البِذْلَة (٩): ويتناول في الخلوة، ويعاشر أهل الأدب

стр. 5857

في مجالس أهل اللذَّة والطَّرب، سامحه اللَّه تعالى. قال: وكانت وفاته في رجب. وذكر ابن خلّكان في هذه السنة أو التي قبلها، وفاة أبي الفتح (١) البُسْتي الشاعر، وهو: عليُّ بن محمد بن الحسين بن يوسف بن محمد بن عبد العزيز الكاتب صاحب [الطريقة الأنيقة] والتجنيس [الأنيس، البديع التأسيس، والحذاقة]، والنظم والنثر وقد أسلفنا ذكره (٢). ومما أورد له ابن خلِّكان قوله: من أصلح فاسده، أرغم حاسده. ومن أطاع غضبه، أضاع أدبه. من سعادة جدِّك وقوفك عند حدِّك. المنيَّة تضحك من الأمنيَّة. الرِّشوة رشاء الحاجات. حدّ العفاف، الرضى بالكَفَاف. ومن شعره: إنْ هَزَّ أقْلامَهُ يَوْمًا ليُعْمِلَهَا … أنْسَاكَ كُل كُمِيٍّ هَزَّ ذَابِلهُ (٣) وإِنْ أمَرَّ على رِقٍّ أنامِلَهُ (٤) … أَقَرَّ بالسرِّقِّ كُتّابُ الأنَامِ لَهُ وله أيضًا، سامحه اللَّه تعالى، وغفر له: إذا تَحدَّثْتَ في قومٍ لِتُؤنِسَهُمْ … بما تُحدِّثُ مِن مَاضٍ ومِنْ آتِ فَلا تعُد لحديْثٍ إنَّ طَبعَهُمُ … مُوَكل بِمُعادَاةِ المُعادَاتِ ثم دخلت سنة ثنتين وأربعمئة في المحرم [منها]: أذن فخرُ الملك الوزير للروافض في عمل البدعة الشنعاء، والفضيحة الصَّلعاء (٥) من الانتحاب، والنَّوح والبكاء، وتعليق المسوح (٦)، وتغليق الأسواق من الصَّباح إلى المساء، ودوران النساء حاسرات عن وجوهنَّ ورؤوسهنَّ، يلطمن خدودهن كفعل الجاهلية الجهلاء [على الحسين بن علي]. فلا جزاه اللَّه عن السنّة خيرًا، [وسوَّد اللَّه وجهه يوم الجزاء، إنه سميع الدعاء]. وفي ربيع الآخر: أمر القادر باللَّه بعمارة مسجد الكفّ بقطيعة الدّقيق، وأن يُعاد إلى أحسن مما كان، ففُعِل ذلك، وزُخْرِف زَخرفةً عظيمة جدًّا. [فإنا للَّه وإنا إليه راجعون].

стр. 5858

ذكر الطَّعن في نسب الفاطميين، من أئمة بغداد وغيرها من البلاد وفي ربيع الآخر من هذه السنة، كُتبت ببغداد محاضر تتضمن الطَّعن والقدح في نسب الخلفاء (١) وهم ملوك مصر، يزعمون أنَّهم فاطميّون، وليسوا ذلك. ونسبُهم إلى ديصان بن سعيد الخُرَّميّ (٢). وكتب في ذلك جماعة من العلماء، والقضاة، والفقهاء، والأشراف والأماثل والمحدّثين والمعدَّلين والصالحين. شهدوا جميعًا أن الناجم بمصر، هو منصور بن نزار الملقب بالحاكم -حكم اللَّه عليه بالبوار، والدَّمار، والخزي، والنَّكال، والاستئصال- ابن معدّ بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد -لا أسعده اللَّه- فإنه لمَّا صار إلى بلاد المغرب تسمّى بعُبيد اللَّه، وتلقب بالمهدي، [وأنّ] من تقدَّم من سلفه أدعياء خوارج، لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب ﵁، ولا يتعلَّقون منه بسبب، وأنّه منزّه عن باطلهم، وأنّ الذي ادّعوه من الانتساب إليه باطل وزور، وأنّهم لا يعلمون أن أحدًا من أهل بيوتات الطالبيين توقف عن إطلاق القول في هؤلاء الخوارج: إنهم أدعياء [كذبة]. وقد كان هذا الإنكار لباطلهم شائعًا في الحرمين، وفي أول أمرهم بالمغرب منتشرًا انتشارًا يمنع من أن يدلس على أحد كذبهم، أو يذهب وهمٌ إلى تصديقهم [فيما ادعوه]. وأن هذا الناجم بمصر هو وسلفه كفّار، وفسّاق فجّار، ملحدون، زنادقة، معطِّلون، وللإسلام جاحدون، ولمذهب الثنويّة (٣) والمجوسيَّة (٤) معتقدون، قد عطّلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وأحلُّوا الخمور، وسفكوا الدماء، وسبّوا الأنبياء، ولعنوا السَّلف، وادَّعَوا الربوبية. وكتب في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمئة، وقد كتب خطّه في المحضر خلق كثير. فمن العلويين: المرتضى (٥) والرضيّ (٦)، وابن الأزرق الموسوي، وأبو طاهر بن أبي الطيِّب، ومحمد بن محمد بن

стр. 5859

عمر (١)، وابن أبي يعلى. ومن القضاة: أبو محمد بن الأكفاني (٢)، وأبو القاسم الحريري (٣)، وأبو العباس بن الأبيوردي (٤). ومن الفقهاء: أبو حامد الإسفراييني (٥)، وأبو محمد (٦) بن الكَشْفَلي (٧)، وأبو الحسين القدوري (٨)، وأبو عبد اللَّه الصيري (٩)، وأبو عبد اللَّه البيضاوي، وأبو عليّ بن حمكان (١٠). ومن الشهود: أبو القاسم التنوخي (١١) في خلق كثير، وقرئ بالبصرة، وكتب فيه خلق كثير (١٢). هذه عبارة الشيخ أبي الفرج بن الجوزي (١٣). قلت: ومما يدلّ على أن هؤلاء أدعياء [كذبة]، كما ذكر هؤلاء السادة العلماء، والأئمة الفضلاء، وأنهم لا نسبة لهم إلى عليّ [بن أبي طالب] ولا إلى فاطمة، كما يزعمون. قول عبد اللَّه بن عمر للحسين بن علي حين أراد الدخول إلى العراق، عن كتب عوام أهل الكوفة إليه بالبيعة له، فقال له ابن عمر: لا تذهب إليهم، فإنِّي أخاف عليك أن تُقْتل، وإنَّ جدَّك قد خُيِّر بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة على الدنيا. وأنت بَضعة منه، وأنت -واللَّه- لا تنالها، ولا أحد من أهل بيتك. فهذا الكلام الحسن الصحيح المتوجِّه المعقول، من هذا الصحابي الجليل، يقتضي أنَّه لا يلي الخلافة أحد من أهل البيت إِلَّا محمَّد بن عبد اللَّه المهديّ، الذي يكون في آخر الزمان، في وقت نزول

стр. 5860

عيسى ابن مريم من السماء إلى الأرض [رغبة بهم عن الدنيا وأن لا يدنَّسوا بها]- كما سيأتي بيان ذلك مفصّلًا في أحاديث الملاحم، ومعلوم أنّ هؤلاء قد ملكوا ديار مصر مدّة طويلة، فدل ذلك دلالة قوية ظاهرة أنّهم ليسوا من أهل بيت النبوة. كما نصّ عليه سادة القضاة والشهود والفقهاء والكبراء وقد صنّف القاضي الباقلاني كتابًا في الردّ على هؤلاء القوم المنتسبين إلى الفاطميين وسمّاه "كشف الأسرار، وهتك الأستار" نثر فيه فضائحهم وقبائحهم، ووضح أمرهم لكل أحدٍ يفهم شيئًا من مطاوي أفعالهم وأقوالهم. وقد كان يقول في عبارته: هؤلاء قوم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحض. وفي رجب، وشعبان، ورمضان أخرج الوزير فخر الملك صدقات كثيرة على الفقراء والمساكين والمقيمين بالمشاهد والمقابر [والمساجد]، وزار بنفسه المساجد والمشاهد، وغير ذلك، وأخرج خلقًا من المسجونين بالحبوس، وأظهر نسكًا كبيرًا، وعَمر دارًا عظيمة عند سوق الدقيق هائلة. وفي شوال عصفت ريح شديدة سوداء فقَصفت شيئًا كثيرًا من النخيل، أكثر من عشرة آلاف [نخلة]. وورد كتاب من يمين الدولة أبي القاسم محمود بن سُبُكْتكين صاحب غزنة، أيّده اللَّه تعالى: بأنّه ركب بجيشه إلى دار العدوّ، فاجتاز بهم في مفازة، فأعوزهم فيها الماء، حتى كادوا أن يهلكوا [عن آخرهم] عطشًا، فبعث اللَّه لهم سحابةً، فامطرت عليهم حتى شربوا ورَووا، ثُمَّ توافقوا هم وعدوُّهم، ومع الأعداء نحو من ستمئة فيل، فهزموهم وغنموا منهم شيئًا كثيرًا من الأموال. وفيها عملت الشيعة [بدعتهم التي كانوا يعملونها] يوم غدير خُمٍّ، وهو [اليوم] الثامن عشر من ذي الحجَّة، البدعة التي ابتدعوها، لا لابتغاء وجه اللَّه. وزيّنت الحوانيت، وتمكّنوا بسبب الوزير، وكثير من الأتراك تمكُّنًا كثيرًا. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن بن الحسين بن علي بن العبَّاس بن إسماعيل بن أبي سهل نُوْبَخْت (١) أبو محمد النُّوْبَخْتي، الكاتب. ولد سنة عشرين وثلاثمئة، وروى عن المحاملي وغيره. وعنه البرقاني. وقال: كان شيعيًا معتزليًا، إِلَّا أنه تبيَّن لي أنّه كان صدوقًا. [ورَوَى عنه] الأزهري وقال: كان رافضيًا رديء المذهب. وقال العتيقيّ: كان ثقة في الحديث، ويذهب إلى الاعتزال. عُثمان بن عيسى (٢) أبو عمرو البَاقِلاني أحد الزُّهاد الكبار المشهورين، كانت له نخَلات يأكل منهن،

стр. 5861

ويعمل بيده في البواري، ويأكل من ذلك، ووإن في غاية الزهادة والعبادة الكثيرة، وكان لا يخرج من مسجده إِلَّا من الجمعة إلى الجمعة، يصلّي في الجامع ثُمَّ يعود إلى مسجده وكان مسجده لا يحصل له شيء يشعله فيه، فطلب منه بعض الأمراء أن يقبل منه شيئًا ولو زيتًا يشعله في قناديله، فأبى الشيخ ذلك، ولمّا مات رأى بعضهم بعض الأموات من جيران قبره، فسأله عن جواره، فقال: وأين هو، لما [مات و] وضع في قبره سمعنا قائلًا يقول: إلى الفردوس الأعلى، [إلى الفردوس الأعلى]، أو كما قال. وكانت وفاته في رجب من هذه السنة عن نيف (١) وثمانين سنة. محمد بن جعفر بن محمد بن هارون بن فَروة بن ناجية (٢): أبو الحسن النَّحوي، المعروف بابن النَّجار، التميمي الكوفي، قدم بغداد، وروى عن ابن دريد والصولي ونِفْطَويه وغيرهم. وكانت وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة عن تسع وتسعين (٣) سنة. أبو الطيب (٤) سهل بن محمد الصُّعْلوكي النَّيْسابوري، قال أبو يعلى الخليلي: توفي في هذه السنة، وقد قدَّمناه في سنة سبع وثمانين وثلاثمئة (٥). ثم دخلت سنة ثلاث وأربعمئة في سادس عشر المحرم قُلِّدَ الشريف الرضي أبو الحسن الموسوي، نقابة الطالبيين في سائر الممالك، وقُرئَ تقليده في دار الوزير فخر المُلْك بمحضر القضاة والأعيان، وخلع عليه السواد، وهو أول طالبيّ خُلِع عليه السواد. وفيها: جيء بأمير بني خفاجة أبي فُليتة (٦)، قبَّحه اللَّه، وجماعة من رؤوس قومه أسارى، وكانوا قد اعترضوا الحجيج في السنة الماضية، وهم راجعون، وغوروا المناهل التي يردها الحجاج، ووضعوا

стр. 5862

فيها الحنظل بحيث إنه مات [من الحجاج] من العطش نحو من خمسة عشر ألفًا، وأخذوا بقيتهم فجعلوهم رعاة لمواشيهم في أسوإ حال، وأخذوا جميع ما كان معهم من الأحمال والأجمال. فحين أحضرهم الوزير فخر الملك سجنهم ومنعهم الماء، ثُمَّ صلبهم تِلقاء دجلة، يرون صفاء الماء، ولا يقدرون على شيء منه حتى ماتوا عطشًا جزاءً وِفاقًا، ولقد أحسن فخر الملك في هذا الصنيع، واقتدى بحديث أنسٍ في الرُّعاة الذين كانوا في زمن النَّبِيِّ ﷺ ، والحديث في "الصحيحين" (١) ثُمَّ بعث إلى أولئك الذين اعتُقِلوا في [بلاد] بني خفاجة من الحجاج فجيء بهم، وقد تزوجت نساؤهم، وقسّمت أموالهم، فردّوا إلى أهاليهم وأموالهم. قال ابن الجوزي (٢): وفي رمضان انقضّ كوكب من المشرق إلى المغرب غلب ضوؤه على ضوء القمر، وتقطّع قطعًا وبقي ساعة طويلة. قال: وفي شوال توفيت زوجة بعض رؤساء النصارى (٣)، فخرجت النوائح والصلب معها جَهْرَةً، فأنكر ذلك بعض الهاشميين، فضربه بعض غلمان [ذلك الرئيس النصراني] بدبوس في رأسه فشجَّه، فثار المسلمون بهم فانهزموا ولجؤوا إلى كنيسة لهم هنالك، فدخلت العامة إليها فنهبوا ما فيها، وما قرب منها من دور النصارى، وتتبَّعوا النصارى في البلد، وقصدوا دار الناصح وابن أبي إسرائيل فقاتلهم غلمانهم، وانتشرت الفتنة ببغداد، ورفع المسلمون المصاحف في الأسواق وعطلت الجمعة في بعض الأيام، واستعانوا بالخليفة، فأمر بإحضار ابن أبي إسرائيل فامتنع، فعزم الخليفة على الخروج من بغداد، وقويت الفتنة جدًا، ونهبت دور كثير من النصارى، ثُمَّ أحضر ابن أبي إسرائيل، وبذل أموالًا جزيلة، فعفا عنه، وسكنت الفتنة. وفي ذي القعدة: ورد كتاب من يمين الدولة محمود بن سُبُكْتِكين إلى الخليفة، يذكر أنّه ورد إليه رسول من الحاكم صاحب مصر [ومعه كتاب]، يدعوه إلى طاعته، فبصق فيه، وأمر بتخريقه، وأسمع رسوله أغلظ ما يقال. وفيها: قُلِّد أبو نصر بن مروان الكردي إمرة آمدَ (٤) وميّافارقين (٥)، وديار بكر (٦)، وخُلع عليه بطوق وسواران، ولُقب نصير الدولة.

стр. 5863

ولم يتمكن ركب العراق وخراسان في هذه السنة من الحجّ [لفساد الطريق وغيبة فخر الملك في إصلاح الأراضي]. وفي هذه السنة عادت مملكة الأمويين بالأندلس، فتولى فيها سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر الأموي، ولُقِّبَ بالمستعين باللَّه، وبايعه الناس بقرطبة (١). وفيها: مات بهاءُ الدولة أبو نصر فيروز بن عضد الدولة بن بويه الديلمي [صاحب بغداد وغيرها وقام بالأمر من بعده ولده] سلطان الدولة أبو شجاع (٢). وفيها: مات ملك الترك الأعظم إيلك خان (٣) فتولى أمرهم من بعده أخوه طغان خان. وفيها: هلك شمس المعالي قابوس بن وشمكير (٤)؛ أُدْخل بيتًا باردًا في الشتاء وليس عليه شيء من اللباس، حتى مات كذلك، وولي الأمر من بعده، ولده منوجهر، ولُقِّب فلك المعالي، وخطب لمحمود بن سُبُكْتِكِين، وقد كان شمس المعالي قابوس عالمًا فاضلًا أديبًا شاعرًا، فمن شعره قوله: قلْ للْذي بصرُوفِ الدَّهْرِ عَيَّرَنا … هلْ عانَدَ الدّهْرَ إلا مَنْ لَهُ خَطَرُ أمَا تَرَى البَحْر تَطْفُو فَوَقَهُ جِيفٌ … وَيَسْتَقِرُّ بِأقْصَى قَعْرِهِ الدُّرَرُ فَإنْ تَكُنْ نَشِبَتْ أيْدِي الخُطُوبِ بِنا … ومَسَّنَا مِنْ توالي صَرْفها ضَرَرُ فَفِي السّماءِ نُجومٌ غَيْرُ ذي عَدَدٍ … فَلَيْسَ يُكْسَفُ إلا الشّمسُ والقَمَرُ ومِنْ شِعره المستجاد الحسن قولُه: خَطَراتُ ذِكْرِكَ تَسْتَبِبن موَدّتي … فَأُحِسنُّ فيها في الفُؤَادِ دَبِيْبَا لا عُضْوَ لي إلا وَفِيْهِ صَبَابَةٌ … فَكَأنَّ أعْضَائي خُلِقْنَ قُلوبَا وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد (٥) بن علي: أبو الحسن البَتّى (٦)، كان يكتب للقادر وهو بالبطيحة، ثم كتب له على ديوان

стр. 5864

الخبر (١) والبريد، وكان يحفظ القرآن [حفظًا] حسنًا، مليح الصوت والتلاوة، حسن المجالسة، ظريف النادرة والمجالسة، [ظريف المعاني، كثير الضحك والمجانة]، خرج في بعض الأيام، والشريفان الرضي والمرتضى، وجماعة من رؤوس الأكابر لتلقِّي بعض الملوك، فخرج عليهم بعض اللصوص فجعلوا يرمونهم بالحرّاقات ويقولون: يا أزواج القِحَاب. فقال البتّي: ما خرج هؤلاء علينا إلا بعين، فقالوا: ومن أين علمت هذا؟ فقال: وإلا من أين علموا أننا أزواج قحاب. الحسنُ بن حامد بن علي بن مروان (٢): أبو عبد اللَّه الورّاق الحنبليّ. كان مدرِّس أصحاب أحمد وفقيههم في زمانه، وله المصنَّفات المشهورة منها: "كتاب الجامع في اختلاف العلماء" في أربعمئة جزء. وله: "أصول الفقه والدين"، وعليه اشتغل القاضي أبو يعلى بن الفراء، وكان معظّمًا في النفوس، مقربًا عند السلطان، ولا يأكل إلا من كسب يده من النسخ، وروى الحديث عن أبي بكر الشافعي، وابن مالك القطيعي وغيرهما، خرج في هذه السنة إلى الحج، فلما عطش الناس في الطريق استند هو إلى حجر هنالك في الحرّ الشديد، فجاءه رجل بقليل من ماء، فقال له ابن حامد: من أين لك هذا؟ فقال: ما هذا وقته، اشرب. فقال: بلى هذا وقته عند لقاء اللَّه تعالى، فلم يشرب ومات من فوره [﵀]. الحسين بن الحسن بن محمد بن حَلِيم (٣): أبو عبد اللَّه الحَلِيْمي، صاحب "المنهاج في أصول الديانة"، وكان أحد مشايخ الشافعية، ولد بجرجان، وحُمل إلى بخارى، وسمع الحديث الكثير حتى انتهت إليه رياسة المحدثين في عصره. وولي القضاء ببخارى. قال ابن خلِّكان (٤): انتهت إليه الرياسة إلى ما وراء النهر، وله وجوه حسنة في المذهب، وروى عنه الحاكم أبو عبد اللَّه، رحمه اللَّه تعالى. فَيْروز (٥): أبو نصر، الملقب بهاءُ الدولة بن عضُد الدولة الديْلَميّ، صاحب بغداد والعراق، وهو الذي قبض على الطائع، وولَّى القادر، وكان يُحب المصادرات، فجمع من الأموال ما لم يجمعه أحد

стр. 5865

ممن كان قبله من بني بُوَيْه، وكان بخيلًا جدًا، توفي بأرَّجان (١) في جمادى الآخرة من هذه السنة عن ثنتين وأربعين سنة وتسعة أشهر وعشرين يومًا. وكانت مدة ملكه أربعًا وعشرين سنة وثلاثة أشهر، وكان مرضه الصرع، ودفن بمشهد علي إلى جانب أبيه. قَابوسُ بن وَشْمَكِير (٢): كان أهل دولته قد تغيروا عليه، فبايعوا ولده منوجهر فقتَلوا أباه كما ذكرنا في الحوادث، وكان قد نظر في النجوم فرأى أنّ ولده يقتله، فكان يتوهم أنّه ولده دَارَا لما يرى من مخالفته له، ولا يخطر بباله منوجهر لما يرى من طاعته له، فكان هلاكه على يديه، وقد قدمنا شيئًا من شعره الحسن الجيد في الحوادث. القاضي أبو بكر البَاقلاني (٣) محمد بن الطيّب، رأس المتكلّمين على مذهب الشيخ (٤) أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، ومن أكثر الناس كلامًا وتصنيفًا في الكلام، يقال: إنّه كان لا ينام كلّ ليلة حتى يكتب عشرين ورقة في مدة طويلة من عمره، فانتشرت عنه تصانيف كثيرة، من جيدها كتاب "التبصرة" و"دقائق الحقائق" و"التمهيد في أصول الفقه" و"شرح الإبانة" وغير ذلك. من المجاميع الكبار والصغار، ومن أحسن تصانيفه، كتابه في الردّ على الباطنية الذي سمّاه "كشف الأسرار وهتك الأستار". وقد اختلفوا في مذهبه في الفروع، فقيل: شافعيّ، وقيل: مالكيّ. حكى ذلك عنه أبو ذرّ الهَرويّ، وقد قيل: إنه كان يكتب على الفتاوى: كتبه محمد بن الطيب الحنبلي، وهذا غريب جدًا. وقد كان في غاية الذكاء والفطنة. ذكر الخطيب البغدادي (٥) وغيره، أنّ عضد الدولة بعثه في رسالة إلى ملك الروم، فلما انتهى إليه إذا هو لا يدخل [عليه أحد إلا] من باب قصير؛ ففهم [الباقلاني] أن مراده بذلك أن ينحني [الداخل عليه]

стр. 5866

كهيئة الراكع للملك (١)؛ فدخل البابَ بظهره وجعل يمشي القهقرى إلى نحو الملك، [فلما وصل إليه] انفتل فسلَّم عليه، فعرف الملك [ذكاءه و] مكانه من العلم والفهم فعظّمه، ويذكر أن الملك أحضر بين يديه آلة الطرب المسماة بالأرغل (٢) ليستفزّ عقله [بها]؛ فلما سمعها القاضي [الباقلاني] خاف أن يظهر منه حركة ناقصة بحضرة الملك فجعل لا يألوا جُهْدًا أن جرح رجله حتى خرج منها دمٌ كثير، فاشتغل بالألم عن الطرب، ولم يظهر عليه شيء من النقص والخفّة، فعجب الملك من كمال عقله، ثمّ [إن الملك] استكشف عن أمره، فإذا هو قد جرح نفسه بما أشغله عن الطرب، فتحقق [الملك] وُفورَ علمه (٣)، وعُلوِّ فهمه (٤)، [فإن هذه الآلة لا يسمعها أحد إلا طرب شاء أم أبى]، وقد سأله بعض الأساقفة بحضرة ملكهم فقال: ما فعلت زوجة نبيكم، وما كان من أمرها فيما رميت به من الإفك، فقال [الباقلاني] مجيبًا له على البديهة: هما امرأتان ذكرتا بسوء: مريم وعائشة، فبرأهما اللَّه تعالى، وكانت هذه (٥) ذات زوج ولم تأت بولد، وأتت تلك (٦) بولد ولم يكن لها زوج، يعني أن عائشة أولى بالبراءة من مريم ﵉. [وكلاهما بريئة مما قيل فيها]. فإن تطرّق في الذهن الفاسد احتمال [ريبة] إلى هذه، فهو إلى تلك أسرع، وهما [بحمد اللَّه منزَّهتان] مبرأتان من السماء بوحي اللَّه ﵄. وقد سمع الباقلاني الحديث من أبي بكر بن مالك القَطيعي، وأبي محمد بن ماسي وغيرهما. وقد قتله الدارقطني يومًا بين عينيه، وقال: هذا يردُّ على أهل الأهواء باطلهم، ودعا له. وكانت وفاة الباقلَّاني يوم السبت لسبعٍ (٧) بقين من ذي القعدة ودفن بداره، ثمّ نقل إلى مقبرة باب حرب. محمد (٨) بن موسى بن محمد أبو بكر الخُوارزميّ، شيخ الحنفية وفقيههم. وقد أخذ العلم عن أبي بكر أحمد بن علي الرازي، وانتهت إليه رئاسة الحنفية ببغداد، وكان معظّمًا عند الملوك، ومن

стр. 5867

تلاميذه الرضيّ، والصَّيْمَري، وقد سمع الحديث من أبي بكر الشافعي وغيره، وكان ثقة ديّنًا [حسن الصلاة] على طريقة السّلف. يقول [في الاعتقاد]: دِينُنا دين العجائز لسنا من الكلام في شيء. وكان فصيحًا حسن التدريس، دُعي إلى ولاية القضاء غير مرّة فلم يقبل، كانت وفاته ليلة الجمعة الثامن عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعمئة، ودفن بداره من درب عبدة. الحافظ أبو الحسن (١): عليّ بن محمد بن خَلَف المعافري القابِسيّ، مصنف "الملخَّص" (٢) أصله قَزْويني، وإنما غلب عليه القابسيّ لأن عمّه كان يتعمم قابسية، فقيل لهم ذلك (٣). وقد كان حافظًا بارعًا في علم الحديث، رجلًا صالحًا جليل القدر. ولمّا توفي في ربيع الآخر من هذه السّنة، عكف الناس على قبره ليالي يقرؤون [القرآن]، ويدعون له. وجاء الشعراء من كلّ أوب يرثون، ويترحّمون، ولما أجلس للمناظرة أنشد لغيره: لعَمْرُ أبِيْكَ مَا نَسَب العُلا … إلى كَرَمِ وَفِي الدُّنْيَا كَرِيْمُ وَلَكِنَّ البِلادَ إذَا اقشعرَّتْ … وَصَوَّحَ نَبْتُها رُعِيَ الهَشِيمُ ثمّ بكى وأبكى وجعل يقول: أنا الهشيم، أنا الهشيم، رحمه اللَّه تعالى. الحافظ [ابن الفرضي] (٤): أبو الوليد، عبد اللَّه بن محمد بن يوسف بن نصر الأزْديّ الفَرضي، قاضي بَلَنْسِية (٥)، سمع الكثير، وجمع وحصّل، وصنف التاريخ، وفي "المؤتلف والمختلف" و"مشتبه النسبة" وغير ذلك، وكان علامة زمانه قُتِل. شهيدًا على يدي البربر، فَسُمعَ وهو جريح طريح

стр. 5868

يقرأ على نفسه الحديث في الصحيح: "مَا يُكْلَمُ أحَدٌ في سَبِيْلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ في سَبِيْلهِ. إلا جَاءَ يَوْمَ القِيَامةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لونُ الدِّمِ وَالرِّيحُ ريحُ المِسْكِ" (١). وقد كان سأل اللَّه تعالى عند أستار الكعبة الشهادة فأعطاه اللَّه ذلك. ومن شعره قوله: أسِيْرُ الخَطَايَا عِنْدَ بَابِكَ وَاقِفٌ … عَلَى وَجَلٍ مِمَّا به أنْتَ عَارِفُ يَخافُ ذُنُوبًا لم يَغِبْ عَنْكَ غَيْبُها … وَيَرْجُوكَ فِيْهَا فَهوَ رَاجٍ وخَائِفُ ومَنْ ذَا الذي يُرجَى سِوَاكَ وَيُتَّقَى … وَمَا لَكَ في فَصْلِ القَضَاءِ مُخَالِفُ فَيَا سَيِّدِي لا تُخْزِني في صَحِيْفَتي … إذا نُشِرَتْ يومَ الحِسَابِ الصّحائِفُ وَكُنْ مُؤْنِسي في ظُلْمةِ القَبْرِ عِنْدَما … يَصُدّ ذوو القُرْبَى وَيجْفُو المُوَالِفُ لَئِنْ ضَاقَ عنّي عَفْوُكَ الوَاسِعُ الذي … أُرَجِّي لإسْرَافِي فإنِّي تَالِفُ ثم دخلت سنة أربع وأربعمئة في يوم الخميس غرّة ربيع الأول منها، جلس الخليفة القادر باللَّه في أُبَّهة الخلافة وأُحضر إلى بين يديه سلطان الدولة ابن بهاء الدولة، والحجبة بين يديه، فخلع عليه سبع خلع على العادة [وعمّمه، بعمامة سوداء، و [قلّد] سيفًا وتاجًا مرصّعًا، وسوارًا وطوقًا، ولواءين عقدهما الخليفة بيده، ثمّ أعطاه سيفًا، وقال لخادم: قلّده به فهو شرف له ولعقبه يفتح به شرق الأرض وغربها، وكان ذلك يومًا مشهودًا بمحضر من القضاة والأمراء، والوزراء، والأماثل، والأعيان، والكبراء بدار الخلافة. وفيها: غزا محمود بن سُبُكْتِكِين بلاد الهند ففتح وقتل، وسبى، وغنم، وسَلِمَ. وكتب إلى الخليفة القادر باللَّه أنْ يوليه ما بيده من مملكة خراسان وغيرها من البلاد، فأجابه إلى ذلك. وفيها: عاثت بنو خفاجة ببلاد الكوفة، فبرز إليهم نائبها أبو الحسن بن مَزْيَد (٢) فواقعهم، فقتل منهم خلقًا، وأسر محمد بن ثمال (٣)، وجماعة من رؤوسهم، وانهزم الباقون، فأرسل اللَّه عليهم ريحًا حارّة، فأهلكت منهم خمسمئة إنسان، وحجّ بالناس في هذه السنة، أبو الحسن محمد بن الحسن الأقساسي.

стр. 5869

وممن توفي فيها من الأعيان: الحسين بن أحمد بن جعفر بن عبد اللَّه (١): المعروف بابن البغدادي، سمع الحديث، وكان زاهدًا عابدًا كثير المجاهدة لا ينام إلا عن غَلَبةٍ، وكان لا يدخل الحمّام، ولا يغسل ثيابه إلا بالماء وحده، ﵀. الحسين بن عثمان بن علي (٢) أبو عبد اللَّه، المقرئ الضرير المُجَاهدِي، قرأ على ابن مجاهد القرآن وهو صغير، وكان آخر من بقي من أصحابه، كانت وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة وقد جاوز المئة، ودفن في مقابر الرزازين (٣). علي بن سعيد الإصْطَخْريّ (٤) أحد شيوخ المعتزلة، صنف للقادر باللَّه "الردّ على الباطنية" فأجرى عليه جراية سنيّة، وكان يسكن درب رباح. كانت وفاته في شوال وقد جاوز الثمانين. ثم دخلت سنة خمس وأربعمئة فيها: منع الحاكم صاحب مصر النِّساء من الخروج من المنازل، أو أن يطَّلعن من الأسطحة أو من الطاقات، ومنع الخفّافين من عمل الأخفاف لهن، ومن الخروج إلى الحمامات، وقتل خلقًا من النساء على مخالفته في ذلك. وهدم بعض الحمامات عليهنّ، وجهز عجائزَ كثيراتٍ يطفْن في البيوت، يستَعْلِمْن أحوال النساء، مَنْ منهنّ تعشق أو تُعشق، بأسمائهن، وأسماء من يتعرّض لهن [فمن وجد منهن كذلك أطفأها وأهلكها]، وأكثر من الدوران بنفسه في الليل والنهار بالبلد [في طلب ذلك]، وغرّق خلقًا ممن يطلع على فسقهم من الرجال والنساء [والصبيان]، فضاق النطاق على النساء والفسّاق، ولم يتمكن أحد أن يصل إلى أحد إلا نادرًا، حتى إنّ امرأة [كانت عاشقة لرجل عشقًا قويًا، كادت أن تهلك بسببه لمّا حيل بينها وبينه] نادت قاضي القضاة بالديار المصرية وهو مالك بن سعيد الفارقي، وحلّفته بحق الحاكم لما وقف لها، فاستمع كلامها [فرحمها] فوقف لها، فبكت بكاءً شديدًا [مكرًا وحيلة وخداعًا] وقالت [له: أيها القاضي] إنَّ لي أخًا ليس لي غيره وهو في السياق، وأنا أسألك [بحقّ الحاكم عليك] لما أوصلتني إليه لأنظره قبل الموت [وأجرك على اللَّه]، فرقَّ لها القاضي رقّةً

стр. 5870

شديدةً. وأمر رجلين [كانا] معه أن يكونا معها حتى يبلّغاها إلى المنزل الذي تريده، فأغلقت بابها، وأعطت المفتاح جارتها، وذهبت [معهما] حتى صارت إلى منزل [معشوقها] فطرقت [الباب] ودخلت، وقالت لهما: اذهبا راشدينِ [هذا منزله]. فإذا هو منزل رجل تهواه ويهواها [وتحبّه ويحبّها، فقال لها: كيف قدرت على الوصول إليّ] فأخبرته بما احتالت به من الحيلة على القاضي فأعجبه ذلك [من مَكْرها وحيلتها]. وجاء زوجها من آخر النهار فوجد بابه مغلقًا [وليس في بيته أحد]، فسأل [الجيران] عن أمرها، فذكرت له [جارتها] ما صنعت، فاستغاث على القاضي وذهب إليه وقال له: ما أريد امرأتي إلا منك [الساعة، وإلا عرّفت الحاكم]، فإنها ليس لها أخ بالكليّة، وإنما ذهبت إلى عشيقها، فخاف القاضي من معرّة هذا الأمر فركب إلى الحاكم وبكى لديه، فسأله عن شأنه فأخبره بما اتفق له من الأمر [مع المرأة]، فأرسل الحاكم مع [ذينك] الرجلين اللذين سارا بها من جهة القاضي من يحضر الرجل والمرأة جميعًا، على أيّ حال كانا عليه. فوجدوهما متعانقين سُكارى، فسألهما الحاكم فأخذا يعتذران بما لا يجدي شيئًا، فأمر بتحريق المرأة في بادية، وضرب الرجل بالسياط ضربًا مبرّحًا [حتى أتلفه] وازداد احتياط الحاكم على النساء [حتى جعلهن في أضيق من جحر ضب، ولا زال هذا دأبه] حتى مات. ذكره ابن الجوزي (١). وفي رجب منها ولي أبو الحسن أحمد بن محمد بن أبي الشوارب قضاء الحضرة بعد موت أبي محمد بن الأكفاني. وفيها: عمر فخر الملك (٢) مسجدًا بالشرقيّة، ونصب عليه الشبابيك من الحديد. وممن توفي فيها من الأعيان: بَكْرُ بن شَاذَان بن بكر (٣): أبو القاسم المقرئ الواعظ، سمع أبا بكر الشافعي وجعفر الخُلْدِيّ (٤). وعنه الأزهري والخلال، وكان ثقةً، أمينًا [صالحًا]، عابدًا، زاهدًا، له قيام ليلٍ، وكرمُ أخلاقٍ. مات في هذه السنة، وقد نيّف على الثمانين، ودفن بباب حرب. بَدْرُ بن حَسْنُويه بن الحسين (٥) أبو النَّجم الكردي، كان من خيار الملوك بناحية الدِّينور وهمَذان، له سياسةٌ وصدقةٌ كثيرةٌ. كنّاه القادر باللَّه: أبا النجم، ولقّبه ناصر الدولة، وعقد له لواءً وأنفذه إليه،

стр. 5871

وكانت أعماله [وبلاده] في غاية الأمن [والطيبة] بحيث إذا أعيى جملُ أحدٍ من المسافرين أو دابته عن حمله يتركها بما عليها في البريّة، فَتُرَدُّ عليه ولو بعد حين لا ينقص منها شيء. ولمّا عاثت أمراؤه في البلاد فسادًا، عمل لهم ضيافةً حسنةً فقدّمها إليهم ولم يأتهم بخبز، فجلسوا ينتظرون الخبز، فلمّا طال ذلك سألوا عنه فقال: إذا كنتم تهلكون الحرث [وتظلمون الزرَّاع] فمن أين تؤتون بالخبز؟ ثم قال: لا أسمع بأحد أفسد في الأرض [بعد اليوم] إلا أرقت دمه. واجتاز مرّة في بعض أسفاره برجل قد حزم حطبًا وهو يبكي، فقال له: ما لك [تبكي]؟ فقال: إني كان معي رغيفان أريد أن أتقوَّت بهما، فأخذهما مني بعض الجند، فقال له: أتعرفه إذا رأيته؟ قال: نعم. فوقف به في مضيق حتى مرّ عليه الجند، فلما اجتاز به ذلك الرجل الذي أخذ منه الرغيفين، قال: هذا هو، فأمر به أن ينزل عن فرسه، وأن يحمل هذه الحزمة عن الحطاب حتى يبلغ بها إلى المدينة، فأراد أن يفتدي من ذلك بمال جزيل، فلم يقبل منه حتى تأدّب به الجيش كلّهم. وكان يصرف في كلِّ جمعة عشرة آلاف (١) درهم على الفقراء والأرامل والأيتام، وفي كل شهر عشرين ألف درهم في تكفين الموتى، ويصرف في كلِّ سنة ألف دينار إلى عشرين نفسًا يحجّون عن والديه، وعن عضد الدولة، لأنه كان السبب في تمليكه، وثلاثة آلاف دينار في كل سنة إلى الحدَّادين والحذَّائين للمنقطعين بين هَمذان ويغداد يصلحون لهم الأحذية ونعال دوابهم، ويصرف في كل سنة مئة ألف دينار إلى الحرمين صدقة على المجاورين وعمارة المصانع، وإصلاح المياه في طريق الحجاز، وإطلاقًا لأهل المنازل، وحفر الآبار وإصلاحها، وما اجتاز في طريقه [وأسفاره] بماءٍ جارٍ إلَّا بنى عنده قرية، وعمر في أيامه من المساجد والخانات ما ينيف عن ألفي مسجد وخان. هذا كلّه خارجًا عما يصرف من ديوانه من الجرايات والنفقات والصدقات والبرّ والصلات على أصناف الناس من الفقهاء والقضاة، والمؤذّنين، والأشراف، والشهود [والفقراء والمساكين] والأيتام، والضعفاء [والأرامل]. وكان [مع هذا] كثير الصلاة والذكر، وكان له من الدواب المرتبطة في سبيل اللَّه ما ينيف عن عشرين ألفًا، وكانت وفاته في هذه السنة [عن نيِّف وثمانين سنة]، ومدة أمارته اثنتان وثلاثون سنة، ودفن بمشهد علي، وترك من الأموال أربعة عشر ألف بدرة، ونيفًا وأربعين بدرة، -البدرة عشرة آلاف- رحمه اللَّه تعالى. الحسن بن الحسين بن حَمَكان (٢) أبو علي الهَمَذاني، أحد الفقهاء الشافعيين ببغداد، عُني أولًا بالحديث، فسمع شيئًا كثيرًا حتى قيل: إنه كتب بالبصرة عن نحو من خمسمئة شيخ، ثمّ اشتغل بالفقه على أبي حامد المروزي، وروى عنه الأزهري، وقال: كان ضعيفًا، ليس بشيء في الحديث.

стр. 5872

عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه بن إبراهيم (١) أبو محمد الأسديّ، المعروف بابن الأكْفَاني، قاضي قضاة بغداد. ولد سنة ست عشرة وثلاثمئة. روى عن القاضي المحاملي، ومحمد بن مَخْلَد، وابن عُقدة وغيرهم، وعنه البَرْقاني والتنوخي. يقال: إنه أنفق [على طلبة العلم] مئة ألف دينار، وكان عفيفًا نزيهًا، صيِّن العرض، وكانت وفاته في هذه السنة عن خمس وثمانين سنة، ولي الحكم فيها أربعين سنة نيابة واستقلالًا. رحمه اللَّه تعالى. عبد الرحمن بن محمد (٢) بن محمد بن عبد اللَّه بن إدريس أبو (٣) سعد الحافظ، الإستراباذي، المعروف بالإدريسي. رحل في طلب الحديث، وعُني به، وسمع الأصَمّ وغيرَهُ، وسكن سمرقند، وصنّف بها تاريخًا (٤)، وعرضه على الدارقطني فاستحسنه، وحدّث ببغداد فسمع منه الأزهري، والتنوخي، وكان ثقة حافظًا. رحمه اللَّه تعالى. أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن أحمد بن نُباته السَّعْدي (٥)، الشاعر المشهور. امتدح سيف الدولة بن حمدان وغيره من الأكابر والوزراء، وشِعره الموصوف بالجودة والإحسان، وهو القائل [البيت المطروق المشهور]: ومَنْ لم يَمُتْ بالسيفِ ماتَ بغيرهِ … تعدَّدت (٦) الأسبابُ والدّاءُ (٧) واحد ومن شعره أيضًا قوله: وإذا عجزتَ عن العدوِّ فدارِهِ … وامزحْ له إنَّ المُزَاحَ وِفاقُ فالنّار بالماء (٨) الذي هو ضِدُّها … تعطي النِّضاجَ وطَبْعُها الإحراقُ

стр. 5873

وكانت وفاته في شوال من هذه السنة. رحمه اللَّه تعالى. عبد الغفار بن عبد الرحمن (١) أبو بكر الدِّيْنَوَري الفقيه السُفيانيّ، وهو آخر من كان يفتي على مذهب سفيان الثوري ببغداد في جامع المنصور، وكان إليه النَّظرُ في الجامع، والقيام بأمره، وكانت وفاته في شوال من هذه السنة، ودفن خلف الجامع. رحمه اللَّه تعالى. الحاكم [النيسابوري] (٢) محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن حَمْدُويه بن نعيم بن الحكم، أبو عبد اللَّه، الحاكم، الضَّبِّي، الحافظ، ويعرف بابن البَيِّع (٣)، من أهل نيسابور. وكان من أهل العلم والحفظ للحديث، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمئة، وأول سماعه في سنة ثلاثين وثلاثمئة، فسمع الكثير وطوّف في الآفاق، وصنف الكتب الكبار والصغار: فمن ذلك "المستدرك على الصحيحين"، و"علوم الحديث"، و"الإكليل" و"تاريخ نيسابور". وقد روى عن [خلق]. ومن مشايخه: الدّارقطني، وابن أبي الفوارس، وغيرهما. وكان من أهل العلم، والحفظ، والأمانة، والديانة، والصيانة، والضبط، والثقة، والتحرّز، والورع. رحمه اللَّه تعالى. لكن قال الخطيب البغدادي (٤): كان ابن البيِّع يميل إلى التشيّع، فحدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأرْمَويّ قال: جمع الحاكم أبو عبد اللَّه أحاديث زعم أنَّها صحاح على شرط البخاري ومسلم، يلزمهما إخراجها في صحيحيهما. منها حديث الطير (٥)، و"من كنت مولاه فعليّ مولاه" (٦)

стр. 5874

فأنكر عليه أصحاب الحديث ذلك ولم يلتفتوا إلى قوله، ولا صوّبوه (١) في فعله. وقال محمد بن طاهر المقدسي: قال الحاكم: حديث الطير لم يخرّج في الصحيح وهو صحيح. قال ابن طاهر: بل هو موضوع لا يروى إلا عن سُقّاط أهل الكوفة من المجاهيل عن أنس، فإن كان الحاكم لا يعرف هذا فهو جاهل، وإلا فهو معاند كذّاب. وقال أبو عبد الرحمن السّلمي (٢): دخلت على الحاكم وهو مختف من الكراميّة لا يستطيع أن يخرج منهم، فقلت: لو خرجت فأمليت حديثًا في فضائل معاوية لاسترحت مما أنت فيه، فقال: لا يجيء من قلبي، لا يجيء من قلبي. توفي في صفر من هذه السنة عن أربع وثمانين سنة. رحمه اللَّه تعالى. يوسف بن أحمد بن كجٍّ (٣) أبو القاسم القاضي، أحد أئمَّة الشافعية، وله وجوه غريبة يحكيها في المذهب، وكانت له نعمة عظيمة جدًا، وولي القضاء بالدِّينور لبدر بن حسنويه، فلما تغيرت البلاد بعد موت بدر، وثبت عليه جماعة من العَيّارين فقتلوه ليلة سبع وعشرين من رمضان هذه السنة. رحمه اللَّه تعالى (٤). ثم دخلت سنة ست وأربعمئة في يوم الثلاثاء مستهلّ المحرم من هذه السنة وقعت فتنة بين أهل السنَّة والروافض، فسكّن الفتنة الوزير فخر المُلْك على أن تعمل الروافض بدعتهم يوم عاشوراء من تعليق المسوح والنَّوح. وفي هذا الشهر ورد الخبر بوقوع وباءٍ شديد بالبصرة أعجز الحفَّارين والناس عن دفن موتاهم، وإنَّه أظلّت [البلد] سحابة في حزيران فأمطرتهم مطرًا شديدًا كثيرًا. وفي يوم السبت ثالث صفر قُلِّد الشريف المُرْتَضَى أبو القاسم نقابة الطالبيين والمظالم والحج، وجميع ما كان يتولاه أخوه الرضيّ، وقرئ تقليده بمحضر من الوزير فخر المُلْك والقضاة والأعيان وكان يومًا مشهودًا.

стр. 5875

وفيها: ورد الخبر عن الحجيج بأنَّه هلك بسبب العطش أربعة عشر ألفًا، وسلم ستة آلاف، وأنهم شربوا أبوال الجمال من العطش. وفي هذه السنة غزا محمود بن سُبُكْتِكِين بلاد الهند، فسَلك به الأدِلاء على بلاد غريبة، فانتهوا إلى أرض قد غمرها الماء من البحر فخاض بنفسه الماء أيامًا حتى خلصوا، وغرق كثير من جيشه، وعاد إلى خراسان بعد جهد جهيد، ولم يذهب الركب في هذه السنة من العراق لفساد البلاد من الأعراب. وممن توفي فيها من الأعيان: [الشيخ] أبو حامد الإسفرايينيّ (١) أحمد بن محمد بن أحمد، إمام الشافعية في زمانه، ومولده في سنة أربع وأربعين وثلاثمئة. قدم بغداد وهو صغير سنة ثلاث أو أربع وستين وثلاثمئة، فدرس الفقه على أبي الحسن بن المرزبان، ثمّ على أبي القاسم الدارَكي، ولم يزل يترقّى به الحال حتى صارت إليه رياسة الشافعيّة، وعظم [جاهه] عند السلطان والعوام، وكان ثقةً، إمامًا، فقيهًا، جليلًا، نبيلًا، شرح "المزني" في تعليقة حافلة نحوًا من خمسين مجلدًا، وله تعليقة أخرى في أصول الفقه. روى عن أبي بكر الإسماعيلي وغيره. قال الخطيب البغدادي (٢): ورأيته غير مرّة، وحضرت تدريسه بمسجد عبد اللَّه بن المبارك في قطيعة الربيع، وحدّثنا عنه الأزجي والخلال، وسمعت من يذكر أنّه كان يحضر تدريسه سبعمئة فقيه أو متفقِّه، وكان الناس يقولون: لو رآه الشافعي لفرح به. وقال أبو الحسين القدوري: ما رأيت في الشافعيين أفْقه من أبي حامد. وقد ذكرت ترجمته مستقصاة في طبقات الشافعية (٣). وذكر ابن خلِّكان في "الوفيات" (٤): أن القدوري كان يقول: هو أفقه من الشافعي وأنظر.

стр. 5876

قال الشيخ أبو إسحاق (١): وليس هذا بمسلَّم، فإن أبا حامد وأمثاله بالنسبة إلى الشافعي كما قال الشاعر: نَزَلُوا بِمكَّةَ في قبائلِ نَوْفَلِ … وَنَزَلْتُ بالبيداءِ (٢) أبعد مَنْزِلِ قال ابن خلّكان (٣)، وله من المصنفات: "التعليقة الكبرى"، وله كتاب "البستان" وهو صغير فيه غرائب. قال: وقد اعتذر إليه بعض الفقهاء في بعض المناظرات، فأنشأ الشيخ [أبو حامد] يقول: جَفَاءٌ جَرى جَهْرًا لَدَى النَّاسِ وَانْبَسَطْ … وَعُذْرٌ أتى سِرًّا فأكَّدَ ما فَرَطْ وَمَنْ ظَنَّ أنْ يَمْحُو جَلِيَّ جَفَائِهِ … خَفِيُّ اعتذارٍ فَهُوَ في أعْظَمِ الغَلَطْ وكانت وفاته ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال من هذه السنة، ودفن بداره بعدما صلّي عليه بالصحراء، وكان الجمعُ كثيرًا، والبكاء غزيرًا، ثمّ نقل إلى مقبرة باب حرب في سنة عشر وأربعمئة. قال ابن الجوزي: وبلغ من العمر إحدى وستين سنة وأشهرًا. رحمه اللَّه تعالى. عُبَيد اللَّه بن محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن مِهْران (٤) أبو أحمد بن أبي مسلم الفرضي المقرئ. سمع المَحاملي، ويوسف بن يعقوب، وحضر مجلس أبي بكر بن الأنباري، وكان إمامًا ثقة، ورعًا وقورًا، كثير الخير، يقرأ القرآن [كثيرًا]، ثمّ يسمع الحديث، وكان معظّمًا جليلًا. إذا قدم على أبي حامد الإسفراييني نهض إليه حافيًا فتلقّاه إلى باب المسجد [توفي وقد] جاوز الثمانين. الشريف الرضي (٥) محمد بن [الطاهر أبو أحمد] الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم ابن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن العلوي، لقّبه بهاءُ الدولة بالرضيّ ذي الحَسَبَيْن، ولقّب أخاه المرتضى ذي المجدين، وكان نقيب الطالبيين ببغداد بعد أبيه، وكان فاضلًا ديّنًا، قرأ القرآن بعد ثلاثين سنة من عمره، وحفظ طرفًا جيدًا من الفقه وفنون العلم، وكان

стр. 5877

شاعرًا مطبقًا، سخيًا جوادًا ورعًا، قال بعضهم: كان الشريف الرضي أشعر قريش، فمن شعره المستجاد قوله: اشْتَرِ العزَّ بما شِئْـ … ــتَ فما العِزُّ بغالِ بالقِصَارِ الصُّفْرِ إن شِئْـ … ــتَ وبالسُّمرِ الطِّوالِ (١) ليسَ بالمَغْبُونِ عَقْلًا … مَنْ شَرَى العزَّ بمالِ (٢) إنّما يُدّخَرُ الما … لُ لحاجاتِ الرِّجالِ والفتى مَنْ جَعَلَ الأموا … لَ أثْمَانَ المَعَالي ومن شعره ﵀: يا طائِرَ البانِ غِرْيدًا على فَنَنٍ … مَا هَاجَ نَوْحكَ لي يا طَائِرَ البانِ هلْ أنتَ مُبلغُ من هامَ الفؤادُ بهِ … إنَّ الطليقَ يُؤدِّي حَاجَة العَاني جِنَايةً ما جَنَاهَا غيرُ مُقْلَتِه (٣) … يومَ الوداعِ فَوا شوقي إلى الجاني لَوْلا تَذكرُ أيامِ بذِي سَلَمٍ … وعِنْدَ رَامةَ أوْطارِي وَأوطَاني لَمَا قَدَحْتُ بِنَارِ الشَّوْقِ (٤) في كبدي … وَلا بَلَلْتُ بِماءِ الدَّمْعِ أجْفَانِي وقد نسب إلى الرضي قصيدة ترامى فيها على الحاكم العُبيدي، ويودّ أن لو كان ببلده وفي حوزته، وياليت أن ذلك كان حتى يرى كيف كان منزلته عنده، ولو أنّ الخليفة العباسيّ أجاد السياسة لسيّره إليه ليقضي مراده، ويعلم الناس كيف حاله، ولكن حلم العباسيين غزيز (٥)، يقول في هذه القصيدة: ألْبِسُ الذُّلّ في بِلاد الأعادِي … وَبمصْرَ الخَلِيْفةُ العَلَويّ مَنْ أبوهُ أبي ومولاه مَوْلا … يَ، إذَا ضَامَنِي البَعيدُ القَصِيّ إنَّ عِرْقي بِعِرقةِ سيّد النّا … سِ جَمِيعًا محمَّد وَعَلِيّ إنَّ خَوْفِي بِذَلِكَ الرّبْع أمنٌ … وأوامي بِذَلِكَ الورْد رِيّ فلما سمع الخليفة [القادر] بأمر هذه القصيدة انزعج وبعث إلى أبيه الشريف الطاهر أبي أحمد

стр. 5878

الموسوي يعاتبه، فأرسل إلى ابنِه الرضيّ، فأنكر أن يكون قال ذلك بالمرَّة، والروافض من شأنهم التقيّة (١). فقال له أبوه: فإذا لم تكن قلتها فقل أبياتًا تذكر فيها أنّ الحاكم العبيدي دعيّ لا نسب له. فقال: إني أخاف من غائلة ذلك، وأصرّ على ألا يقول ما أمره به أبوه، وتردَّدت الرسل من الخليفة إليهم في ذلك، وهم ينكرون، حتى بعث الشيخ أبا حامد الإسفراييني والقاضي أبا بكر إليه فأحلفاه باللَّه وبالأيمان المؤكّدة أنّه ما قالها. واللَّه أعلم بحقيقة الحال. وكانت وفاته في خامس المحرم هذه السنة عن سبع وأربعين سنة، وحضر جنازته الوزير والقضاة والأعيان، وصلّى عليه الوزير فخر المُلْك، ودفن بداره بمسجد الأنباري، وولي أخوه الشريف المرتضى ما كان يليه، وزيد على ذلك [أشياء] ومناصب أخرى كما ذكرنا، وقد رثاه أخوه [بمرثاة قوية الوقع، حسنة المطلع] (٢). رحمه اللَّه تعالى. باديس بن منصور بن بُلُكِّين (٣) بن زِيري بن منادِ الحِمْيري (٤)، أبو المعزّ -منَاد بن بادِيس- نائب الحاكم على بلاد إفريقية وابن نائبها، ولقَّبه الحاكم نصرِ الدَّولة، وكان ذا هيبةِ وسطوةِ وحرمةٍ وافرةٍ، وشجاعةٍ وشهامةٍ وافرةٍ، وكان إذا هزّ رمحًا كسره. وكانت وفاته بغتة فجأة ليلة الأربعاء سلخ ذي القعدة من هذه السنة، ويقال: إن بعض الصالحين دعا عليه تلك اللَّيلة، وقام بالأمر من بعده ولده المعزّ مَناد. واللَّه أعلم. ثم دخلت سنة سبع وأربعمئة في ربيع الأول منها: احترق مشهد الحسين بن عليّ [بكربلاء] وأروقته، وكان سببه أنّ القومة أشعلوا شمعتين كبيرتين فمالتا في اللّيل على التأزير فاحترق، ونفذت النار منه إلى غيره حتى كان منه ما كان. وفي هذا الشهر أيضًا احترقت دار القطن ببغداد وأماكن كثيرة بباب البصرة، واحترق جامع سامراء.

стр. 5879

وفي هذا الشهر ورد الخبر بتشعيث الركن اليمانيّ من المسجد الحرام، وبسقوط جدار بين يدي قبر النبي ﷺ ، وأنَّه سقطت القبّة الكبيرة على صخرة بيت المقدس، وهذا من أغرب الاتفاقات وأعجبها. وفي هذه السنة قُتلت الشيعة الذين ببلاد إفريقية ونُهبت أموالهم، ولم يُترك منهم إلا من لا يُعرف. وفيها: كان ابتداء دولة العلويين بالأندلس، وليها عليّ بن حمود بن أبي العيش (١) العلوي، فدخل قرطبة في المحرم من هذه السنة، وقتل سليمان بن الحكم الأموي، وقتل أباه أيضًا، وكان شيخًا صالحًا. وبايعه النَّاس، وتلقَّب بالمتوكل على اللَّه. ثمّ قُتِل في الحمّام في ثامن عشر ذي القعدة من هذه السنة عن ثمان وأربعين سنة. وقام بالأمر من بعده أخوه القاسم بن حمود، وتلقّب بالمأمون، فأقام في الملك ست سنين، ثمّ كان ابن أخيه يحيى، ثمّ إدريس أخو يحيى، ثمّ ملك الأمويون، ثمّ أجانب، حتى ملك أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين. وفي هذه السنة: ملك محمود بن سُبُكْتِكين يمين الدولة بلاد خوارزم، بعد مَلِكها خوارزم شاه [مأمون بن مأمون]. وفيها: استوزر سلطان الدولة ابن شجاع أبا الحسن علي بن الفضل الرّامَهرمُزي عوضًا عن فخر المُلْك، وخلع عليه خِلَعَ الوزارة. ولم يحجّ أحد هذه السنة من بلاد العراق لفساد البلاد والطرقات، وعبث الأعراب. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن يوسف بن دُوست (٢) أبو عبد اللَّه البزّازُ، أحد حفاظ الحديث، و [أحد] الفقهاء على مذهب مالك، وكان يذاكر بحضرة الدارقطني، ويتكلّم في علم الحديث، فيقال: إنّ الدارقطني تكلّم فيه لذلك السبب، وقد تكلّم فيه غيره، بما لا يقدح فيه كبير شيء. قال الأزهري: رأيت كتبه كلَّها طريّة، وكان يذكر أن أصوله العتُق غرقت، وقد أملى الحديث من حفظه، والمخلِّص وابن شاهين حيّان موجودان. وكانت وفاته في رمضان عن أربع وثمانين سنة، رحمه اللَّه تعالى. الوزير فخر المُلْك (٣) محمد بن علي بن خَلَف، أبو غالب، الوزير، كان من أهل واسط، وكان أبوه

стр. 5880

صيرفيًّا، فتقلَّبت به الأحوال إلى أن وزر لبهاء الدولة بن عضد الدولة، واقتنى أموالًا جزيلة، وبنى دارًا عظيمة تعرف بالفخريّة، وكانت أولًا للخليفة المتّقي للَّه. فأنفق عليها أموالًا كثيرةً ونفقاتٍ غزيرةً، وكان كريمًا جوادًا بذّالًا، كثير الصدقات، كسا في يوم ألف فقير، وكان كثير الصلاة أيضًا، وهو أول من فرّق الحلاوة ليلة النصف من شعبان، وكان فيه ميل إلى التشيّع، وقد قتله سلطان الدولة في هذه السنة بالأهواز، وأخذ من أمواله شيئًا كثيرًا، من ذلك: أزيد من ستمئة ألف دينار، خارجًا عن الأملاك [والجواهر] والأثاث والمتاع، وكان عمره يوم قتل ثنتين وخمسين سنة وأشهرًا. وقيل: إنّ سبب هلاكه؛ أنّ رجلًا قتله بعض غلمانه فاستعدت امرأة الرجل عليه إلى الوزير. ورفعت إليه قصصًا، فكل ذلك لا يلتفت إليها، فقالت له ذات يوم: [أيها الوزير]، أرأيت القصص التي رفعتها إليك، ولا تلتفت إليها قد رفعتها إلى اللَّه ، وأنا أنتظر التوقيع عليها، فلمّا مُسِكَ الوزير قال: قد واللَّه خرج توقيع المرأة. فكان من أمره ما كان. ثم دخلت سنة ثمان وأربعمئة وفيها: وقعت فتنة عظيمة بين [أهل] السنّة والروافض ببغداد، وقتل [فيها] خلق كثير من الفريقين. وفيها: ملك أبو المظفر بن أرسلان خاقان بلاد ما وراء النهر وغيرها، وتلقب بشرف الدولة، وذلك بعد وفاة أخيه طَغَان خان، وقد كان طَغَان خان هذا أديبًا فاضلًا يحبّ أهل العلم والدين، وقد غزا الترك مرّة، فقتل منهم مئتي ألف مقاتل، وأسر منهم مئة ألف، وغنم من أواني الذهب والفضة وأواني الصيني شيئًا لم يعهد لأحد مثله، فلما مات ظهرت ملوك الترك على البلاد الشرقيّة. وفي جمادى الأولى منها ولي أبو الحسين أحمد بن مهذّب الدولة أبي الحسن علي بن نصر بلاد البطائح بعد أبيه، فقاتله ابن عمه فغلبه عليها، وضربه حتى قتله، ثمّ لم تطل مدته فيها حتى قُتل، ثم آلت بعد ذلك إلى سلطان الدولة صاحب بغداد. وفي هذه السنة: ضعف أمر الدَّيلم ببغداد، وطمع فيهم العامة، فنزلوا إلى واسط، فقاتلهم أهلها مع الترك أيضًا. وفيها: ولي نور الدولة، أبو الأعز دُبَيْس بن أبي الحسن علي بن مَزْيَد بعد وفاة أبيه.

стр. 5881

وفيها: قدم سلطان الدولة بغداد وضرب الطبل أوقات الصلوات، ولم تجر بذلك عادة، وعقد عقده على بنت قرواش على صداق مبلغه خمسون ألف دينار. وقال أبو الفرج بن الجوزي، في كتابه "المنتظم" (١): أخبرنا سعد اللَّه بن علي البزّاز، أخبرنا أبو بكر الطُّرَيثيثي، أخبرنا هبة اللَّه بن الحسن الطبري قال: وفي سنة ثمان وأربع مئة، استتاب القادر باللَّه أمير المؤمنين فقهاء المعتزلة الحنفية، فأظهروا الرجوع، وتبرَّؤوا من الاعتزال والرفض، والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذ خطوطهم بذلك، وأنَّهم متى خالفوه أحلَّ بهم من النكال والعقوبة ما يتَّعظ به أمثالهم، وامتثل يمين الدولة أبو القاسم محمود بن سُبُكْتِكين أمر أمير المؤمنين، واستنّ بسنته في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان وغيرها، في قتل المعتزلة، والرافضة، والإسماعيلية، والقرامطة، والجهميّة، والمشبّهة، وصلبهم، وحبسهم، ونفاهم، وأمر بلعنتهم على المنابر، وإبعاد كلّ طائفة من أهل البدع، وطردهم عن ديارهم، وصار ذلك سُنّة في الإسلام. ولم يحجّ في هذه السنة أحدٌ من أهل العراق لفساد البلاد، وعبث الأعراب، وضعف الدولة عنهم. وممن توفي فيها من الأعيان: الحاجب الكبير شباشي (٢) أبو نصر، مولى شرف الدولة، ولقّبه بهاء الدولة: بالسعيد، وكان كثير الصدقات، والأوقاف على وجوه القربات، فمن ذلك أنه وقف دباها (٣) على المارستان، وكانت تغلّ شيئًا كثيرًا من الزروع والثمار والخراج، وبنى قنطرة الخندق [والمارستان] والياسريّة (٤) وغير ذلك، ولما مات دفن بمقبرة الإمام أحمد، وأوصى أن لا يُبنى على قبره، فخالفوه فعقدوا على قبره قبَّة فسقطت، وبعد موته بنحو من سبعين سنة، اجتمع نسوة عند قبره ينحن ويبكين فلما رجعن رأت عجوز منهن [كانت] هي المقدمة في تلك النياحة في المنام، كأن تركيًا خرج إليها من قبره، ومعه دبوس فحمل عليها وزجرها، فإذا هو الحاجب السعيد فانتبهت مذعورة. ثم دخلت سنة تسع وأربعمئة في يوم الخميس السابع عشر من المحرم قرئ كتاب في مذاهب أهل السنة بدار الخلافة في الموكب، وفيه: أنَّ من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، حلال الدَّم.

стр. 5882

وفي النصف من جمادى الأولى من هذه السنة فاض ماء البحر المالح ووافى الأبلّة، ودخل البصرة بعد يومين. وفيها: غزا محمود بن سُبُكْتِكين بلاد الهند أيضًا، وتواقع هو وملك ملوك الهند، فاقتتل الناس قتالًا عظيمًا، ثمّ انجلت عن هزيمة [عظيمة على] الهند، [وأخذ المسلمون يقتلون فيها كيف شاؤوا] وأخذوا منهم أموالًا عظيمةً من الجواهر والذهب والفضّة، ومئتي فيل، واقتصّوا آثار المنهزمين، وهدموا معاقلَ كثيرة جدًّا، ثمَّ عاد إلى غزنة مؤيّدًا منصورًا. وفيها: استوزر سلطان الدولة ذا السعادتين أبا غالب الحسن بن منصور. ولم يحجّ في هذه السنة أحد من أهل العراق لفساد البلاد وعبث الأعراب. وممن توفي فيها من الأعيان: رَجاء بن عيسى بن محمد (١) أبو العباس [الأنصناويُّ]، نسبة إلى قرية من قرى مصر يقال لها أنْصِنا (٢)، قدم بغداد فحدّث بها وسمع منه الحفاظ، وكان ثقة، فقيهًا، مالكيًا، عدلًا، مقبولًا عند الحكام، مرضيًا، فَرَضيًّا، ثمّ عاد إلى بلده، وتوفي بها في هذه السنة، وقد جاوز الثمانين. رحمه اللَّه تعالى. عبد اللَّه بن محمد بن أبي علان (٣) أبو أحمد، قاضي الأهواز، كان ذا يسرة كثيرة، وله مصنفات منها كتاب "في معجزات النبي ﷺ " جمع فيه ألف معجزة، وكان من كبار شيوخ المعتزلة. توفي في هذه السنة عن تسع وثمانين سنة. علي بن نصر بن أبي الحسن (٤) مهذب الدَّولة، صاحب بلاد البطيحة (٥)، كانت له مكارم كثيرة، وكان الناس يلجؤون إليه في الشدائد فيُؤويهم، ويحسن إليهم، ومن أكبر مناقبه في ذلك إحسانه إلى أمير المؤمنين القادر باللَّه حين استجار به، ونزل عنده بالبطايح فارًّا من الطائع للَّه، فآواه، وأحسن إليه، وكان في خدمته حين ولي إمرة المؤمنين، فكانت له بها عنده اليد البيضاء، وقد ولي البطايح ثنتين وثلاثين سنة

стр. 5883

وشهورًا، وتوفي في هذا العام عن ثنتين وسبعين سنة، وكان سبب موته أنه افتصد فانتفخ ذراعه حتى مات، رحمه اللَّه تعالى. الحافظ عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن مروان بن عبد العزيز (١) أبو محمد الأزْدي، المصري، الحافظ، كان عالمًا بالحديث وفنونه، وله فيه المصنفات الكثيرة الشهيرة. قال أبو عبد اللَّه الصوريّ الحافظ: ما رأت عيناي مثله في معناه!. وقال الدّارقطني: ما رأيت بمصر مثل شاب يقال له: عبد الغني، كأنه شعلة نار، وجعل يفخّم أمره، ويرفع ذكره. وقد صنّف الحافظ عبد الغني هذا كتابًا فيه أوهام الحاكم (٢)، فلما وقف عليه الحاكم جعل يقرؤه على الناس ويعترف لعبد الغني بالفضل، ويشكره على ذلك، ويرجع إلى ما أصاب فيه من الردّ عليه. رحمهما اللَّه. ولد الحافظ عبد الغني لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ثنتين وثلاثين وثلاثمئة، وتوفي في صفر من هذه السنة. رحمه اللَّه تعالى. محمد بن أمير المؤمنين القادر باللَّه (٣) ويكنى بأبي الفضل، كان أبوه قد جعله ولي عهده من بعده، وضُربت السكَّة باسمه، وخَطب له الخطباء على المنابر، ولُقِّب بالغالب باللَّه، فلم يُقدّر ذلك، وتوفي في هذه السنة عن سبع وعشرين سنة. محمد بن إبراهيم بن محمد بن يزيد (٤) أبو الفتح البزّاز الطرسوسي، ويعرف بابن البصري، سمع الكثير من المشايخ، وسمع منه الصّوري ببيت المقدس حين أقام به، وكان ثقة مأمونًا. رحمه اللَّه تعالى ورحمنا أجمعين.

стр. 5884

ثم دخلت سنة عشر وأربعمئة فيها: ورد كتاب من يمين الدولة محمود بن سُبُكْتِكِين يذكر فيه ما افتتحه من بلاد الهند في السنة الخالية، وفيه: أنَّه دخل مدينة وجد بها زهاء ألف قصر مشيّد وألف بيت للأصنام، [وفيها من الأصنام شيء كثير]، ومبلغ ما في الصنم من الذهب يقارب مئة ألف دينار، وبلغ من الأصنام الفضة زيادة على ألف صنم، وفيهم صنم معظَّم يؤرّخون مدّته لجهلهم بثلاثمئة ألف عام، [وقد سلبنا ذلك كلّه وغيره مما لا يحصى ولا يعدّ، وقد غنم المجاهدون في هذه الغزوة شيئًا كثيرًا] وقد عمّ المجاهدون هذه المدينة بالإحراق، فلم يبق منها إلا الرسوم، وبلغ عدد الهالكين من الهند خمسين ألفًا، وأسلم منهم نحو عشرين ألفًا، وأفرد خمس الرقيق فبلغ ثلاثةً وخمسين ألفًا، واستعرض من الأفيال ثلاثمئة وستة وخمسين فيلًا، وحُصِّل من الأموال عشرون ألف ألف درهم [ومن الذهب شيء كثير]. وفي ربيع الآخر جلس القادر باللَّه، وقُرئ عهد الملك أبي الفوارس، ولُقِّب قوام الدولة، وخلع عليه بخلع حُمِلت إليه بولاية كرمان (١). ولم يحجّ أحد في هذه السنة من العراق لفساد الأعراب في الطرقات. وممن توفي فيها من الأعيان: الأصيفر المنتفقيّ (٢) الذي كان يخفر الحجّاج. أحمد بن موسى بن مَرْدويه بن فُوْرَك (٣) أبو بكر الحافظ الأصبهاني، توفي في رمضان هذه السنة. هبة اللَّه بن سلامة (٤) أبو القاسم، الضرير، المقرئ، المفسّر، كان من أعلم الناس، وأحفظهم للتفسير، وكانت له حلقة في جامع المنصور. روى ابن الجوزيّ بسنده إليه قال: كان لنا شيخ نقرأ عليه، فمات بعض أصحابه فرآه في المنام فقال له: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي، قال: فما حالك مع منكر ونكير؟ فقال: لما أجلساني وسألاني

стр. 5885

ألهمني اللَّه تعالى، أن قلت: بحقّ أبي بكر وعمر (١)، دعاني، فقال أحدهما للآخر: وقد أقسم علينا بعظيمين فدعه، فتركاني وذهبا عني، فرضي اللَّه عن أبي بكر وعمر وعن أصحاب رسول اللَّه أجمعين. ثم دخلت سنة إحدى عشرة وأربعمئة فيها عُدم الحاكم العُبيدي (٢) صاحب مصر، وذلك أنه لما كان ليلة الثلاثاء لليلتين بقيتا من شوال، فقد الحاكم بن العزيز بن المعزّ صاحب مصر، فاستبشر المؤمنون والمسلمون بذلك، وذلك لأنه كان جبَّارًا عنيدًا وشيطانًا مريدًا. ولنذكر شيئًا من صفاته القبيحة وسيرته الملعونة. كان قبّحه اللَّه كثير التلوّن في أفعاله [وأحكامه] وأقواله، جائرًا في كيفيّة بلوغه ما يؤمله من ضميره الملعون، لأنّه كان يوم أنْ يَدَّعي الإلهيّة كما ادَّعاها فرعون في زمان موسى ﵇، وكان قد أمر الرعيَّة إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوم الناس على أقدْامهم صفوفًا، إعظامًا لذكره، واحترامًا لاسمه، فكان يفعل هذا في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين، وكان [قد أمر] أهل مصر على الخصوص إذا قاموا [عند ذكره] خرّوا سجودًا له، حتى إنّه ليسجد بسجودهم مَنْ في الأسواق من العامة من الرعاع (٣) وغيرهم [ممن كان لا يصلّي الجمعة، وكانوا يتركون السجود للَّه في يوم الجمعة وغيره ويسجدون للحاكم]، وأمر في وقت أهل الكتابين بالدخول في دين الإسلام كُرْهًا، ثمّ أذن لهم في العودة إلى أديانهم، وخَرَّب كنائسهم ثمّ عمّرها، وخرَّب القمامة ثمّ أعادها، وابتنى المدارس، وجعل فيها الفقهاء والمشايخ، ثمّ قتلهم وخرّبها، وألزم الناس بإغلاق الأسواق نهارًا وفتحها ليلًا، فامتثلوا ذلك دهرًا طويلًا، حتى اجتاز مرّة بشيخ يعمل النجارة في أثناء النهار فوقف عليه فقال: ألم ننهكم عن هذا؟ فقال: يا سيّدي، لما كان الناس يسهرون [بالليل] كانوا يتعيشون بالنهار، [ولما كانوا يتعيشون بالليل يسهرون بالنهار]، فهذا من جملة السهر، فتبسّم وتركه، وأعاد الناس إلى أمرهم الأول، وكلّ هذا تغيير للرسوم، واختبار لطاعة العامّة له، ليترقّى إلى ما هو أهم [وأمرّ وأعظم] من ذلك، لعنه اللَّه. وفد كان يعمل الحسبة بنفسه، [فكان] يدور في الأسواق على حمارٍ له، وكان لا يركب إلا حمارًا، فمن وجده قد غشّ في معيشته أمر عبدًا أسود معه يقال له: مسعود أن يفعل به الفاحشة العظمى جهارًا، وهذا أمر منكر ملعون لم يُسبق إليه.
следующие страницы →