← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

وفيها: قدم سلطان الدولة بغداد وضرب الطبل أوقات الصلوات، ولم تجر بذلك عادة، وعقد عقده على بنت قرواش على صداق مبلغه خمسون ألف دينار. وقال أبو الفرج بن الجوزي، في كتابه "المنتظم" (١): أخبرنا سعد اللَّه بن علي البزّاز، أخبرنا أبو بكر الطُّرَيثيثي، أخبرنا هبة اللَّه بن الحسن الطبري قال: وفي سنة ثمان وأربع مئة، استتاب القادر باللَّه أمير المؤمنين فقهاء المعتزلة الحنفية، فأظهروا الرجوع، وتبرَّؤوا من الاعتزال والرفض، والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذ خطوطهم بذلك، وأنَّهم متى خالفوه أحلَّ بهم من النكال والعقوبة ما يتَّعظ به أمثالهم، وامتثل يمين الدولة أبو القاسم محمود بن سُبُكْتِكين أمر أمير المؤمنين، واستنّ بسنته في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان وغيرها، في قتل المعتزلة، والرافضة، والإسماعيلية، والقرامطة، والجهميّة، والمشبّهة، وصلبهم، وحبسهم، ونفاهم، وأمر بلعنتهم على المنابر، وإبعاد كلّ طائفة من أهل البدع، وطردهم عن ديارهم، وصار ذلك سُنّة في الإسلام. ولم يحجّ في هذه السنة أحدٌ من أهل العراق لفساد البلاد، وعبث الأعراب، وضعف الدولة عنهم. وممن توفي فيها من الأعيان: الحاجب الكبير شباشي (٢) أبو نصر، مولى شرف الدولة، ولقّبه بهاء الدولة: بالسعيد، وكان كثير الصدقات، والأوقاف على وجوه القربات، فمن ذلك أنه وقف دباها (٣) على المارستان، وكانت تغلّ شيئًا كثيرًا من الزروع والثمار والخراج، وبنى قنطرة الخندق [والمارستان] والياسريّة (٤) وغير ذلك، ولما مات دفن بمقبرة الإمام أحمد، وأوصى أن لا يُبنى على قبره، فخالفوه فعقدوا على قبره قبَّة فسقطت، وبعد موته بنحو من سبعين سنة، اجتمع نسوة عند قبره ينحن ويبكين فلما رجعن رأت عجوز منهن [كانت] هي المقدمة في تلك النياحة في المنام، كأن تركيًا خرج إليها من قبره، ومعه دبوس فحمل عليها وزجرها، فإذا هو الحاجب السعيد فانتبهت مذعورة. ثم دخلت سنة تسع وأربعمئة في يوم الخميس السابع عشر من المحرم قرئ كتاب في مذاهب أهل السنة بدار الخلافة في الموكب، وفيه: أنَّ من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، حلال الدَّم.

стр. 5882

وفي النصف من جمادى الأولى من هذه السنة فاض ماء البحر المالح ووافى الأبلّة، ودخل البصرة بعد يومين. وفيها: غزا محمود بن سُبُكْتِكين بلاد الهند أيضًا، وتواقع هو وملك ملوك الهند، فاقتتل الناس قتالًا عظيمًا، ثمّ انجلت عن هزيمة [عظيمة على] الهند، [وأخذ المسلمون يقتلون فيها كيف شاؤوا] وأخذوا منهم أموالًا عظيمةً من الجواهر والذهب والفضّة، ومئتي فيل، واقتصّوا آثار المنهزمين، وهدموا معاقلَ كثيرة جدًّا، ثمَّ عاد إلى غزنة مؤيّدًا منصورًا. وفيها: استوزر سلطان الدولة ذا السعادتين أبا غالب الحسن بن منصور. ولم يحجّ في هذه السنة أحد من أهل العراق لفساد البلاد وعبث الأعراب. وممن توفي فيها من الأعيان: رَجاء بن عيسى بن محمد (١) أبو العباس [الأنصناويُّ]، نسبة إلى قرية من قرى مصر يقال لها أنْصِنا (٢)، قدم بغداد فحدّث بها وسمع منه الحفاظ، وكان ثقة، فقيهًا، مالكيًا، عدلًا، مقبولًا عند الحكام، مرضيًا، فَرَضيًّا، ثمّ عاد إلى بلده، وتوفي بها في هذه السنة، وقد جاوز الثمانين. رحمه اللَّه تعالى. عبد اللَّه بن محمد بن أبي علان (٣) أبو أحمد، قاضي الأهواز، كان ذا يسرة كثيرة، وله مصنفات منها كتاب "في معجزات النبي ﷺ " جمع فيه ألف معجزة، وكان من كبار شيوخ المعتزلة. توفي في هذه السنة عن تسع وثمانين سنة. علي بن نصر بن أبي الحسن (٤) مهذب الدَّولة، صاحب بلاد البطيحة (٥)، كانت له مكارم كثيرة، وكان الناس يلجؤون إليه في الشدائد فيُؤويهم، ويحسن إليهم، ومن أكبر مناقبه في ذلك إحسانه إلى أمير المؤمنين القادر باللَّه حين استجار به، ونزل عنده بالبطايح فارًّا من الطائع للَّه، فآواه، وأحسن إليه، وكان في خدمته حين ولي إمرة المؤمنين، فكانت له بها عنده اليد البيضاء، وقد ولي البطايح ثنتين وثلاثين سنة

стр. 5883

وشهورًا، وتوفي في هذا العام عن ثنتين وسبعين سنة، وكان سبب موته أنه افتصد فانتفخ ذراعه حتى مات، رحمه اللَّه تعالى. الحافظ عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن مروان بن عبد العزيز (١) أبو محمد الأزْدي، المصري، الحافظ، كان عالمًا بالحديث وفنونه، وله فيه المصنفات الكثيرة الشهيرة. قال أبو عبد اللَّه الصوريّ الحافظ: ما رأت عيناي مثله في معناه!. وقال الدّارقطني: ما رأيت بمصر مثل شاب يقال له: عبد الغني، كأنه شعلة نار، وجعل يفخّم أمره، ويرفع ذكره. وقد صنّف الحافظ عبد الغني هذا كتابًا فيه أوهام الحاكم (٢)، فلما وقف عليه الحاكم جعل يقرؤه على الناس ويعترف لعبد الغني بالفضل، ويشكره على ذلك، ويرجع إلى ما أصاب فيه من الردّ عليه. رحمهما اللَّه. ولد الحافظ عبد الغني لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ثنتين وثلاثين وثلاثمئة، وتوفي في صفر من هذه السنة. رحمه اللَّه تعالى. محمد بن أمير المؤمنين القادر باللَّه (٣) ويكنى بأبي الفضل، كان أبوه قد جعله ولي عهده من بعده، وضُربت السكَّة باسمه، وخَطب له الخطباء على المنابر، ولُقِّب بالغالب باللَّه، فلم يُقدّر ذلك، وتوفي في هذه السنة عن سبع وعشرين سنة. محمد بن إبراهيم بن محمد بن يزيد (٤) أبو الفتح البزّاز الطرسوسي، ويعرف بابن البصري، سمع الكثير من المشايخ، وسمع منه الصّوري ببيت المقدس حين أقام به، وكان ثقة مأمونًا. رحمه اللَّه تعالى ورحمنا أجمعين.

стр. 5884

ثم دخلت سنة عشر وأربعمئة فيها: ورد كتاب من يمين الدولة محمود بن سُبُكْتِكِين يذكر فيه ما افتتحه من بلاد الهند في السنة الخالية، وفيه: أنَّه دخل مدينة وجد بها زهاء ألف قصر مشيّد وألف بيت للأصنام، [وفيها من الأصنام شيء كثير]، ومبلغ ما في الصنم من الذهب يقارب مئة ألف دينار، وبلغ من الأصنام الفضة زيادة على ألف صنم، وفيهم صنم معظَّم يؤرّخون مدّته لجهلهم بثلاثمئة ألف عام، [وقد سلبنا ذلك كلّه وغيره مما لا يحصى ولا يعدّ، وقد غنم المجاهدون في هذه الغزوة شيئًا كثيرًا] وقد عمّ المجاهدون هذه المدينة بالإحراق، فلم يبق منها إلا الرسوم، وبلغ عدد الهالكين من الهند خمسين ألفًا، وأسلم منهم نحو عشرين ألفًا، وأفرد خمس الرقيق فبلغ ثلاثةً وخمسين ألفًا، واستعرض من الأفيال ثلاثمئة وستة وخمسين فيلًا، وحُصِّل من الأموال عشرون ألف ألف درهم [ومن الذهب شيء كثير]. وفي ربيع الآخر جلس القادر باللَّه، وقُرئ عهد الملك أبي الفوارس، ولُقِّب قوام الدولة، وخلع عليه بخلع حُمِلت إليه بولاية كرمان (١). ولم يحجّ أحد في هذه السنة من العراق لفساد الأعراب في الطرقات. وممن توفي فيها من الأعيان: الأصيفر المنتفقيّ (٢) الذي كان يخفر الحجّاج. أحمد بن موسى بن مَرْدويه بن فُوْرَك (٣) أبو بكر الحافظ الأصبهاني، توفي في رمضان هذه السنة. هبة اللَّه بن سلامة (٤) أبو القاسم، الضرير، المقرئ، المفسّر، كان من أعلم الناس، وأحفظهم للتفسير، وكانت له حلقة في جامع المنصور. روى ابن الجوزيّ بسنده إليه قال: كان لنا شيخ نقرأ عليه، فمات بعض أصحابه فرآه في المنام فقال له: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي، قال: فما حالك مع منكر ونكير؟ فقال: لما أجلساني وسألاني

стр. 5885

ألهمني اللَّه تعالى، أن قلت: بحقّ أبي بكر وعمر (١)، دعاني، فقال أحدهما للآخر: وقد أقسم علينا بعظيمين فدعه، فتركاني وذهبا عني، فرضي اللَّه عن أبي بكر وعمر وعن أصحاب رسول اللَّه أجمعين. ثم دخلت سنة إحدى عشرة وأربعمئة فيها عُدم الحاكم العُبيدي (٢) صاحب مصر، وذلك أنه لما كان ليلة الثلاثاء لليلتين بقيتا من شوال، فقد الحاكم بن العزيز بن المعزّ صاحب مصر، فاستبشر المؤمنون والمسلمون بذلك، وذلك لأنه كان جبَّارًا عنيدًا وشيطانًا مريدًا. ولنذكر شيئًا من صفاته القبيحة وسيرته الملعونة. كان قبّحه اللَّه كثير التلوّن في أفعاله [وأحكامه] وأقواله، جائرًا في كيفيّة بلوغه ما يؤمله من ضميره الملعون، لأنّه كان يوم أنْ يَدَّعي الإلهيّة كما ادَّعاها فرعون في زمان موسى ﵇، وكان قد أمر الرعيَّة إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوم الناس على أقدْامهم صفوفًا، إعظامًا لذكره، واحترامًا لاسمه، فكان يفعل هذا في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين، وكان [قد أمر] أهل مصر على الخصوص إذا قاموا [عند ذكره] خرّوا سجودًا له، حتى إنّه ليسجد بسجودهم مَنْ في الأسواق من العامة من الرعاع (٣) وغيرهم [ممن كان لا يصلّي الجمعة، وكانوا يتركون السجود للَّه في يوم الجمعة وغيره ويسجدون للحاكم]، وأمر في وقت أهل الكتابين بالدخول في دين الإسلام كُرْهًا، ثمّ أذن لهم في العودة إلى أديانهم، وخَرَّب كنائسهم ثمّ عمّرها، وخرَّب القمامة ثمّ أعادها، وابتنى المدارس، وجعل فيها الفقهاء والمشايخ، ثمّ قتلهم وخرّبها، وألزم الناس بإغلاق الأسواق نهارًا وفتحها ليلًا، فامتثلوا ذلك دهرًا طويلًا، حتى اجتاز مرّة بشيخ يعمل النجارة في أثناء النهار فوقف عليه فقال: ألم ننهكم عن هذا؟ فقال: يا سيّدي، لما كان الناس يسهرون [بالليل] كانوا يتعيشون بالنهار، [ولما كانوا يتعيشون بالليل يسهرون بالنهار]، فهذا من جملة السهر، فتبسّم وتركه، وأعاد الناس إلى أمرهم الأول، وكلّ هذا تغيير للرسوم، واختبار لطاعة العامّة له، ليترقّى إلى ما هو أهم [وأمرّ وأعظم] من ذلك، لعنه اللَّه. وفد كان يعمل الحسبة بنفسه، [فكان] يدور في الأسواق على حمارٍ له، وكان لا يركب إلا حمارًا، فمن وجده قد غشّ في معيشته أمر عبدًا أسود معه يقال له: مسعود أن يفعل به الفاحشة العظمى جهارًا، وهذا أمر منكر ملعون لم يُسبق إليه.

стр. 5886

وكان قد منع النساء من الخروج من منازلهن، وقطع الأعناب حتى لا يتخذ الناس منها خمرًا، ومنعهم من طبخ الملوخيّة، وأشياء من الرعونات التي لا تنضبط ولا تنحصر [التي من أحسنها منع النساء من الخروج، وكراهة الخمر] وكانت العامة موتورين منه، يبغضونه كثيرًا، ويكتبون له الأوراق التي فيها الشتيمة البليغة له ولأسلافه وحريمه في صورة قصص، فإذا قرأها ازداد غيظًا وحنقًا عليهم، حتى إنّ أهل مصر عملوا صورة امرأة من ورق بخفّيها وإزارها وفي يدها قصّة، فيها من الشتم [واللعن والمخالفة] له شيء كثير، فلما رآها ظنّها امرأة فذهب من ناحيتها، وأخذ القصّة من يدها، فقرأها ورأى ما فيها فأغضبه ذلك، وأمر بقتل تلك المرأة، فلمّا تحققها من ورق، ازداد أيضًا غضبًا على غضبه، ثمّ لمّا وصل إلى القاهرة، أمر العبيد من السودان أنْ يذهبوا إلى مصر فيحرقوها، وينهبوا ما فيها من الأموال [والمتاع] والحريم، فذهبت العبيد فامتثلوا ما أمرهم به، فقاتلهم أهل مصر قتالًا عظيمًا ثلاثة أيام، والنار تعمل في الدور والحريم، وفي كلِّ يوم يخرج هو بنفسه -قبَّحه اللَّه- فيقف من بعيد ويبكي ويقول: من أمر هؤلاء العبيد بهذا؟ ثمّ اجتمع الناس في الجوامع ورفعوا المصاحف، وجأروا إلى اللَّه تعالى، واستغاثوا به، فرقّ لهم الترك والمشارقة، وانحازوا إليهم، فقاتلوا معهم عن حريمهم ودورهم، وتفاقم الحال جدًا، ثمّ ركب الحاكم يفصل بين الفريقين، فكفّ العبيد عنهم، وقد كان يظهر التنصّل من القصّة، وأن العبيد ارتكبوا ذلك من غير علمه، وإذنه، وكان ينفذ لهم السلاح، ويحثّهم على ذلك في الباطن، لعنه اللَّه تعالى، فما انجلى الحال حتى أحرق من مصر نحوًا من ثلثها، ونهب قريبًا من نصفها، وسُبيت حريمُ خلقٍ كثير [وبنات كثيرة]. ففعل بهن الفواحش والمنكرات، حتى أن منهن من قتلت نفسها خوفًا من العار والفضيحة، واشترى الرجال من سُبي لهم من النساء والحريم من أيدي العبيد. قال ابن الجوزي (١): ثم زاد ظلم الحاكم، وعنّ له أن يدّعي الربوبيّة، فصار قوم من الجهّال إذا رأوه يقولون: يا واحد، يا أحد، يا محيي، يا مميت [قبحهم اللَّه جميعًا]. صفة مقتله لعنه اللَّه كان قد تعدّى شره إلى الناس حتّى إلى أخته، [وكان] يتَّهمها بالفاحشة، ويُسمعها أغلظ الكلام، فتبرّمت منه، وعملت على قتله، فراسلت فيه أكبر الأمراء [أميرًا] يقال له: ابن دواس، فتوافقت هي وهو على قتله [ودماره] وتواطآ على ذلك، وجهّز من عنده عبدين أسودين من عبيده شهمين، فقالت لهما: إذا كان في الليلة الفلانيّة فكونا بجبل المقطّم. ففي تلك الليلة يكون الحاكم هناك في الليل لينظر في النجوم وليس معه إلا ركابي وصبيّ، فاقتلاه واقتلاهما معه، واتفق الحال على ذلك وتقدّر، فلما كانت تلك الليلة قال الحاكم لأمّه: إنّ في هذه الليلة عليّ قطعًا عظيمًا، فإن نجوت منه عُمّرت نحوًا من ثمانين

стр. 5887

سنة، ومع هذا فانقلي حواصلي إليكِ، فإني أخوف ما أخاف عليك من أختي، [وأخوف ما أخاف على نفسي منها]، فنقل حواصله إلى أمّه، وكان له في صناديق قريب من ثلاثمئة ألف دينار وجواهر، فقالت له أمّه: يا مولانا، فإذا كان الأمر كما تقول: فارحمني ولا تركب في ليلتك هذه إلى موضع، وكان من عادته أن يدور حول القصر كل ليلة، فدار ثمّ عاد إلى القصر فنام إلى قريب من ثلث الّليل الأخير، فاستيقظ، وقال: إن لم أركب الليلة فاضت نفسي، فركب فرسًا، وصحبه صبيّ [وركابي]، وصعِد جبل المقطَّم، فاستقبله ذانك العبدان فأنزلاه عن مركوبه، وقطعا يديه ورجليه، وبقرا جوفه، وحملاه فأتيا به مولاهما ابن دواس، فحمله إلى أخته فدفنته في مجلس دارها، واستدعت الأمراء والكبار والوزير وقد أطلعته على الجليّة، فبايعوا لولد الحاكم أبي الحسن علي، ولقّب بالظاهر لإعزاز دين اللَّه، وكان بدمشق، فاستدعت به وجعلت تقول للناس: إن الحاكم قال لي: إنه سيغيب سبعة أيام ثمّ يجود، فاطمأن الناس بذلك، وجعلت [ترسل] ركابيين يصعدون الجبل ويجيئون ويقولون: تركناه بالموضع الفلاني، ويقول الذين من بعدهم [لأمّه]: تركناه في موضع كذا حتى اطمأن الناس، وقدم ابن أخيها وقد استصحب من دمشق ألف ألف دينار، وألفي ألف درهم. فحين وصل ألبسته تاج المعزّ جدّ أبيه، وحلّة عظيمة، وأجلسته على السرير، وبايعه الأمراء والرؤساء، وأطلق لهم الأموال الجزيلة، وخلعت على ابن دواس خلعة سنيّة هائلة، وعملت عزاء أخيها الحاكم ثلاثة أيام، ثمّ أرسلت إلى ابن دواس طائفة من الجند ليكونوا بين يديه بسيوفهم، وقوفًا في خدمته، ثمّ أمرتهم في بعض الأيام أن يقولوا له: أنت قاتل مولانا، ثمّ يهبرونه بسيوفهم، ففعلوا ذلك، وقتلت كلّ من اطلع على سرّها في قتل أخيها فَعَظُمتْ هيبتها، وقَويت حرمتها، وثَبتت دولتها. وقد كان عمر الحاكم حين قُتل سبعًا وثلاثين سنة، وكانت مدة ملكه من ذلك خمسًا وعشرين سنة [لعنه اللَّه] (١). ثم دخلت سنة ثنتي عشرة وأربعمئة فيها: تولى القاضي أبو جعفر [أحمد بن محمد] السمنانيّ الحسبة والمواريث ببغداد، وخُلِعَ عليه بالسواد. وفيها: قال جماعة من [العلماء و] المسلمين للملك الكبير يمين الدولة محمود بن سُبُبكْتِكين: أنت [أكبر] ملوك الأرض، وفي كلّ سنة تفتح طائفة من بلاد الكفر والعدوِّ، وهذه طريق الحجّ قد تعطلت من مدة سنين، وفتحك لها أوجب من غيرها، فتقدّم إلى قاضي القضاة بعملة أبي محمد الناصحي أن يكونْ أمير الحجّ في هذه السنة، وبعث معه بثلاثين ألف دينار للأعراب، غير ما جهّز معه من الصدقات

стр. 5888

إلى الحرمين، فسار الناس صحبته فلما كانوا بفَيد (١) اعترضهم الأعراب، فصالحهم القاضي أبو محمد الناصحي بخمسة آلاف دينار فامتنعوا، وصمّم كبير الأعراب وهو جماز (٢) بن عُدَيّ على أخذ الحجيج، وركب فرسه وجال جولة، واستنهض من معه من شياطين العرب، فتقدّم إليه غلام من أهل سمرقند [يقال له: ابن عفان] فرماه بسهم فوصل إلى قلبه، فسقط ميتًا، وانهزمت الأعراب، وسلك الحجيج الطريق، فحجّوا، ورجعوا سالمين آمنين، وللَّه الحمد. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد اللَّه (٣) بن حفص (٤) أبو سَعْد المالِيْني الصُّوفي، ومالين قرية من قرى هَراة. كان من الحفّاظ المكثرين الرّحالين في طلب الحديث إلى الآفاق، وكتب كثيرًا، وكان ثقةً صدوقًا صالحًا، وكانت وفاته بمصر في شوال هذه السنة. الحسن بن الحسين بن محمد (٥) بن الحسين [بن رامين] القاضي، أبو محمد الإستراباذي. نزل بغداد، وحدّث بها عن الإسماعيلي وغيره، وكان من كبار الشافعيّة فاضلًا صالحًا، رحمه اللَّه تعالى. الحسن بن منصور بن غالب (٦) الوزير، الملقب ذا السعادتين. ولد بسيراف سنة ثنتين (٧) وخمسين وثلاثمئة، وتنقلت به الأحوال حتى وَزَرَ ببغداد، ثمّ قتل وصودر أبوه على ثمانين ألف دينار. الحسين بن عُمر (٨) أبو عبد اللَّه الغَزَّال. سمع النّجاد والخُلْدي وابن السمّاك وغيرهم. قال الخطيب: كتبت عنه، وكان شيخًا ثقة، صالحًا، كثير البكاء عند الذكر. رحمه اللَّه تعالى.

стр. 5889

محمد بن عمر (١) أبو بكر العَنْبَري. كان أديبًا ظريفًا حسن الشعر، فمن ذلك قوله: إنِّي نَظَرْتُ إلى الزّمَا … نِ وَأهْلِهِ نَظَرًا كَفَاني فَعَرَفْتُهُ وَعَرَفْتُهُمْ … وعرفتُ عِزِّي من هَوَانِي فَلِذاكَ أطَّرحُ الصَّد … يقَ فَلا أراهُ ولا يَراني فزهدْتُ فيما في يَدَ … يْهِ ودونَهُ نيلُ الأماني فَتَعجَّبُوا لمُغَالبٍ (٢) … وَهَبَ الأقَاصِي للأدَاني وانسل مِن بينِ الزِّحا … مِ فَمَا له في الكون (٣) ثاني قال ابن الجوزيّ: وكان متصوّفًا، ثم خرج عنهم، وذمّهم بقصائد ذكرتها في "تلبيس إبليس" وكانت وفاته يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى من هذه السنة. محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق بن عبد اللَّه بن يزيد بن خالد (٤) أبو الحسن البزّاز، المعروف ابن رِزْقويه. قال الخطيب: وهو أول شيخ كتبت عنه في سنة ثلاث وأربعمئة، وكان يذكر أنَّه درس الفقه على مذهب الشافعي، وكان ثقة، صدوقًا، كثير السماع والكتابة، حسن الاعتقاد، جميل المذهب، مديمًا لتلاوة القرآن، شديدًا على أهل البدع، ومكث دهرًا على الحديث، وكان يقول: لا أحب الدنيا إلا لذكر اللَّه وتلاوة القرآن، وقراءتي عليكم الحديث، وقد بعث بعض الأمراء إلى العلماء بذهب، فقبلوا كلُّهم غيره، فإنَّه لم يقبل منه شيئًا. وكانت وفاته في يوم الإثنين السادس عشر من جمادى الأولى من هذه السنة، عن سبع وثمانين سنة، ودفن بالقرب من مقبرة معروف الكرخي، رحمه اللَّه تعالى. أبو عبد الرحمن السُّلَمي (٥) محمد بن الحسين بن محمد بن موسى النَّيْسابوري. روى عن الأصَمّ وغيره، وعنه مشايخ البغداديين كالأزهري والعُشَاري وغيرهما، وروى عنه البيهقي وغيره.

стр. 5890

قال ابن الجوزي: كانت له عناية بأخبار الصوفيّة، فصنّف لهم تفسيرًا [على طريقتهم] وسننًا، وتاريخًا، وجمع شيوخًا وتراجم وأبوابًا، وله بنيسابور دار معروفة به، وفيها صوفيّة، وبها قبره. ثم ذكر كلام الناس في تضعيفه في الرواية، فحكى عن الخطيب، عن محمد بن يوسف القطّان: أنَّه لم يكن بثقة، ولم يكن سمع من الأصمّ [شيئًا] كثيرًا، فلمّا مات الحاكم روى عنه أشياء كثيرة، وكان يضع للصوفية الأحاديث. [قال ابن الجوزي: وكانت وفاته في ثالث شعبان منها] (١). أبو علي الحسن بن علي الدقّاق النيسابوري (٢)، كان يعظ الناس ويتكلّم على الأحوال والمعرفة فمن كلامه: من تواضع لأحد لأجل دنياه، ذهب ثلثا دينه، لأنّه خضع له بلسانه وأركانه، فلو خضع له بقلبه ذهب دينه كلُّه. وقال في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] اذكروني وأنتم أحياء، أذكركم وأنتم تحت التراب، وقال: البلاء الأكبر أن تريد ولا تُراد، وتدنو فتردّ إلى [الطرد و] الإبعاد. وأنشد عند قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]. جُنِنَّا بِلَيْلَى وَهِيَ جُنَّتْ بِغَيْرنا … وَأُخْرَى بِنَا مَجْنُونةٌ لا نُرِيْدُها وقال في قوله ﷺ : "حُفَّتِ الجنَّةِ بِالمَكَارِهِ" (٣) إذا كان المخلوق لا يُوصل إليه إلا بتحمّل المشاق، فما ظنّك بالخلاق. رحمه اللَّه تعالى. صريع الدِّلاء (٤) [الشاعر] قتيل الغواشي (٥) ذو الرقاعتين [أبو الحسن]، علي (٦) بن عبد الواحد (٧) الفقيه البغدادي، الشاعر الماجن، له قصيدة مقصورة في الهزل، عارض بها قصيدة أبي بكر بن دريد، منها: وَألْفُ حَمْلٍ مِنْ مَتَاع تَسْتُرُ … أنْفَعُ لِلمسْكِينِ مِن لَقْطِ النَّوَى

стр. 5891

منْ طَبخَ الدِّيكَ وَلا يَذْبَحُه … طارَ مِنَ القِدْرِ إلى حيْثُ انْتَهى منْ أُدْخلَتْ (١) في عَيْنِهِ مِسَلَّةٌ … فَسَلْهُ مِنْ سَاعَتِهِ كَيْفَ العَمَى والذَّقْنُ شَعْرٌ في الوُجُوهِ طَالِعٌ (٢) … وإنما (٣) العَقْصَةُ (٤) مِنْ خَلْفِ القَفَا (٥) مَنْ أكَلَ الكِرْشَ ولمَّا يَغْسِلُهْ … سَالَ على لِحْيَتِهِ شِبْهُ الخَرَا (٦) إلى أن قال فيها البيت الذي حُسِدَ عليه، وهو قوله: مَنْ فَاتَهُ العِلْمُ وأخْطاهُ الغِنَى … فَذَاكَ والكَلْبُ عَلَى حَدٍّ سَوَا قدم مصر في سنة ثنتي عشرة وأربعمئة، وامتدح فيها خليفتها الظاهر لإعزاز دين اللَّه ابن الحاكم، واتفقت وفاته بها في رجب هذه السنة، سامحه اللَّه تعالى. ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وأربعمئة فيها جرت كائنةٌ غريبةٌ، ومصيبةٌ عظيمةٌ [عامة]، وهي أن رجلًا من المصريين من أصحاب الحاكم اتفق مع جماعة من الحجاج المصريين على أمر فظيع، [وذلك أنّه] لمّا كان يوم الجمعة، وهو يوم النَّفْر الأول، طاف هذا الرجل بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر الأسود، جاء ليقبّله فضربه بدبوس كان معه ثلاث ضربات متواليات، وقال: إلى متى يُعْبَدُ هذا الحجر؟ ولا محمد ولا علي يمنعني عما أفعله، فإني أهدم اليوم هذا البيت وجعل يرتعد، فاتّقاه أكثر الحاضرين، وتأخَّروا عنه، وذلك أنَّه كان رجلًا طِوالًا جسيمًا أحمر اللَّون، أشقر الشعر، وعلى باب المسجد جماعة من الفرسان وقوف ليَمنعوه [ممن يريد منعه من هذا الفعل، وممن أراده بسوء، فتقدم إليه رجل من أهل اليمن معه خنجر فوجأه بها، وتكاثر عليه الناس فقتلوه وقطَّعوه قطعًا وحرّقوه [بالنار]، وتتبّعوا أصحابه، فقتلوا منهم جماعة، ونهبت أهل مكة ركب المصريين، وتعدّى النهب إلى غيرهم أيضًا، وجرت خبطة عظيمة، وفتنة كبيرة جدًا، ثمّ سكن الحال بعد أن تتبّع أولئك النفر الذين تمالؤوا على الإلحاد في أشرف البلاد، غير أنَّه سقط من الحجر ثلاث

стр. 5892

فلق مثل الأظفار، وبدا ما تحتها أسمر (١) يضرب إلى صفرة محبَّبًا (٢) مثل الخشخاش، فأخذ بنو شيبةَ تلك الفلق فعجنوها بالمسك واللَّكِّ، وحشوا بها تلك الشقوق التي بدت، فاستمسك الحجر واستمرّ على ما هو عليه الآن، وهو ظاهر لمن تأمّله (٣). وفي هذه السنة فتح المارستان (٤) الذي بناه الوزير مؤيَّد المُلْك، أبو علي الحسن الرُّخَجِي وزير شرف الملك بواسط، ورتب له الخُزّان، والأشربة، [والأدوية]، والعقاقير وغير ذلك مما يحتاج إليه، واللَّه تعالى أعلم. وهو حسبنا ونعم الوكيل. وممن توفي فيها من الأعيان: علي بن هلال (٥) أبو الحسن بن البوَّاب، الكاتب، صاحب الخطِّ المنسوب. صحب أبا الحسين ابن سَمْعُون الواعظ، وكان يقصّ بجامع المدينة. وقد أثنى على ابن البواب غير واحد في دينه وأمانته، وأمّا خطه وطريقته [فيه] فأشهر من أن يُنبَّه عليها، وخطّه أوْضح تقريبًا من أبي علي بن مُقْلة (٦)، ولم يكن بعده أكتب منه، وعلى طريقته الناس اليوم في سائر الأقاليم إلا القليل. قال ابن الجوزي: وكانت وفاته يوم السبت ثاني جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب، وقد رثاه بعضهم بأبيات منها: فَلِلْقُلُوبِ الّتي أبْهَجْتَهَا حَزَنُ (٧) … وَللْعُيُونِ الّتي أقْرَرْتَها سَهَرُ فَما لِعَيْشٍ وَقَدْ وَدَّعْتَه أرَجٌ … وَما لِلَيْل وَقَدْ فَارَقْتَهُ سَحَرُ قال ابن خلِّكان: ويقال له: ابن الستري لأن أباه كان ملازمًا لستر الباب، ويقال له: ابن البوّاب، وقد كان أخذ الخطّ عن أبي عبد اللَّه محمد بن أسد بن علي بن سعيد البزاز، وقد سمع ابن أسد هذا على النجَّاد وغيره، وتوفي سنة عشر وأربعمئة، وأما ابن البوّاب، فإنّه توفي في جمادى الأولى من هذه السنة، وقيل: في سنة ثلاث وعشرين وأربعمئة، وقد رثاه بعضهم فقال:

стр. 5893

اسْتَشْعَر (١) الكُتَّابُ فَقْدَكَ سَالِفًا … وَقَضَتْ بِصِحّةِ ذلك الأيَّامُ فَلِذَاكَ سُوِّدَت الدّويّ كآبةً … أسفًا عَلَيْكَ وشُقَّتِ الأقْلامُ ثمّ ذكر ابن خلِّكان أول من كتب بالعربيّة، فقيل: إسماعيل ﵇، وقيل: أول من كتب العربية من قريش حَرْبُ بن أميَّة بن عبدِ شَمْس، أخذها من بلاد الحيرة عن رجل يقال له: أسلم بن سِدْرة، وسأله عمن اقتبسها فقال من واضعها، رجل يقال له: مرامر بن مُرَة، وهو رجل من أهل الأنبار، فأصل الكتابة في العرب من أهل الأنبار. قال الهيثم بن عديّ: وقد كانت لحمير كتابة يسمُّونها المُسْنَد، وهي متّصلة غير منفصلة، وكانوا يمنعون العامة من تعلُّمها، وجميع كتابات الناس تنتهي إلى اثني عشر صنفًا وهي: العربيّة، والحميّرية، واليونانيّة، والفارسيّة، والسريانيّة، والعبرانيَّة، والروميَّة، والقبطيّة، والبربريّة، والهنديّة، والأندلسيّة، والصينيّة. وقد اندرس كثير منها. فقلّ من يعرف كثيرًا منها. علي بن عيسى بن سليمان بن محمد بن أبّان (٢) أبو الحَسَن (٣) الفارسيّ، المعروف بالسكريّ الشاعر. كان يحفظ القرآن، ويعرف القراءات، وصحب القاضي أبا بكر الباقلاني، وأكثر شعره في مديح الضحابة وذمّ الرَّافضة (٤). كانت وفاته في شعبان (٥) من هذه السنة، ودفن بالقرب من قبر معروف الكرخي، وقد أوصى أن يكتب على قبره هذه الأبيات [التي عملها وهي قوله]: نَفْسُ يا نَفْسُ كَمْ تمادَينَ في أَلَفي (٦) … وَتأْتِينَ (٧) في الفِعالِ (٨) المعيّبِ راقبي اللَّهَ واحْذَري موقِفَ العَرْ … ضِ وخَافِيْ يَومَ الحِسابِ العَصِيْبِ لا تَغرّنَّكِ السَّلامَةُ في العَيْـ … ـشِ فإنّ السَّليمَ رَهْنُ الخُطوبِ كلُّ حَيٍّ فَلِلْمَنُونِ ولا يَدْ … فَعُ كأسَ المنونِ كيدُ الأرِيبِ (٩) واعْلَمِي أنَّ للمنيَّةِ وَقْتًا … سوفَ يَأْتِي عجلانَ غيرَ هَيُوبِ

стр. 5894

إنَّ حُبَّ الصَّدِيْقِ فيْ موقِفِ الـ … ـحشْرِ أمَانٌ للخَائِفِ المَطْلُوبِ محمد بن أحمد بن محمد بن منصور (١) أبو جعفر البَيِّع، ويعرف بالعتيقي، ولد سنة إحدى وثلاثين وثلاثمئة، وأقام بطرَسوس مدّة وسمع بها وبغيرها، وحدّث بشيء يسير، رحمه اللَّه تعالى. محمد بن محمد بن النُّعمان (٢) أبو عبد اللَّه المعروف بابن المُعلم، شيخ [الإمامية] الرافضة، والمصنف لهم، والحامي عن حوزتهم، سمع، وكانت له وجاهة عند ملوك الأطراف، لميل كثير [من أهل ذلك الزمان] إلى التشيّع، وكان مجلسه يحضره خلق كثير من العلماء من سائر الطوائف، وكان من جملة تلاميذه الشريف [الرضي] والمرتضى، وقد رثاه بقصيدة بعد وفاته في رمضان من هذه السنة (٣) منها: منْ لفضلٍ أخْرجتُ مِنه حُسَامًا (٤) … وَمَعَانٍ فَضَضْتُ عنها خِتاما من يُثيرُ العُقُولَ مِنْ بَعْدِمَا … كُنَّ هُمُودًا ويَفْتَح الأفْهَاما مَنْ يُعِيرُ الصَّدِيقَ رَأْيًا إذَا مَا … سَلَّةَ (٥) في الخُطُوب [] حُسَامَا (٦) ثم دخلت سنة أربع عشرة وأربعمئة فيها: قدم الملك شرف الدولة إلى بغداد، فخرج الخليفة في الطيار (٧) لتلقّيه، وصحبته الأمراء، والقضاة والفقهاء، والوزراء، والرؤساء، فلما واجهه شرف الدولة قبّل الأرض من بين يدي الخليفة مرات، والجيش واقف برمّته، والعامة من الجانبين، والخليفة يبعث الرسل إليه بالسلام عليه، وكان يومًا مشهودًا. وفيها: ورد كتاب من يمين الدولة محمود [بن سُبكْتِكين] إلى الخليفة يذكر فيه أنَّه دخل بلاد الهند أيضًا، وأنَّه فتح بلادًا، وقتل خلقًا منهم، وأنّه صالحه بعض ملوكهم، وبعث إليه بهدايا سنيّة، وتحف

стр. 5895

كثيرة، فيها فيول عديدة، منها طائر على هيئة القُمري، إذا وضع عند الخوان وفيه سُمّ دمعت عيناه وجرى منها ماءٌ، ومنها حجر يحكّ ويؤخذ ما يحصل منه فيطلى به الجراحات ذوات الأفواه الواسعة فيلحمها، وغير ذلك. وحجّ أهل العراق في هذه السنة، ولكن رجعوا على طريق الشام لاحتياجهم إلى ذلك. وممن توفي فيها من الأعيان: الحَسَن بن الفضل بن سهلان (١) أبو محمد الرّامَهرمُزي، وزير سلطان الدولة، وهو الذي بنى سور الحائر عند مشهد الحسين، قُتِلَ في شعبان من هذه السنة. الحسن بن محمد [بن عبد اللَّه] أبو عبد اللَّه الكَشْفَلي الطبري (٢)، الفقيه الشافعي. تفقّه على أبي القاسم الداركي، وكان فهمًا، فاضلًا، صالحًا زاهدًا، وهو الذي درّس بعد الشيخ أبي حامد الإسفراييني في مسجده، مسجد عبد اللَّه بن المبارك في قطيعة الربيع، وكانت الطَّلبة عنده مكرَّمين، اشتكى بعضهم إليه حاجة، وأنه قد تأخرت عنه نفقته التي ترد عليه من أبيه، فأخذ بيده وذهب إلى بعض التجار بقطيعة الربيع، فاستقرض له منه خمسين دينارًا، فقال [التاجر]: حتى تأكل شيئًا، ومدَّ سماطًا فأكلوا، ثمّ قال: يا جارية هاتي المال، فأحضرت شيئًا من المال، فوزن منه خمسين دينارًا، ودفعها إلى الشيخ، فلمّا قاما إذا بوجه الفقيه قد تغيّر، فقال له الكَشفَلي: ما لك؟ فقال: يا سيدي قد سكن في قلبي حبّ هذه الجارية، فرجع به التاجر فقال: وقد وقعنا في فتنة أخرى، قال: وما هي؟ قال: إنّ الفقيه قد هوي الجارية. فأمر التاجر أن تخرج، فسلّمها إليه وقال: ربّما يكون قد وقع في قلبها منه مثل الذي وقع في قلبه منها، فلمّا كان من قريب قدمت على الفقيه نفقة من أبيه ستمئة دينار فوفّى التاجر ما كان له عليه من ثمن الجارية والقرض، وذلك بسفارة الشيخ أبي محمد الكَشْفَلي. وكانت وفاته في ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب، رحمه اللَّه تعالى. علي بن عبد اللَّه بن الحَسَن بن جَهْضَم (٣) أبو الحسن الصوفيّ المكّي صاحب "بهجة الأسرار" (٤). وكان شيخ الصوفيّة بمكّة، وبها توفي في هذه السنة. قال ابن الجوزي:

стр. 5896

وقد ذكروا أنّه كان كذّابًا، ويقال: إنَّه الذي وضع حديث صلاة الرغائب (١). القاسم بن جعفر بن عبد الواحد (٢) أبو عمر الهاشمي البصري، قاضي البصرة. سمع الكثير، وكان ثقة أمينًا، وهو راوي "سنن" أبي داود عن أبي علي اللؤلؤي، توفي في هذه السنة [وقد جاوز التسعين]. محمد بن أحمد بن الحسن بن يحيى بن عبد الجبّار (٣) أبو الفرج، القاضي الشافعيّ، ويعرف بابن سُميكة. وروى عن النجّاد وغيره، وكان ثقة. توفي في ربيع الأول منها، ودفن بمقبرة باب حرب. محمد بن أحمد أبو جعفر النَّسفيّ (٤). عالم الحنفية في زمانه، وله طريقة في الخلاف والجدل، وكان فقيرًا متزهّدًا، بات ليلة قلقًا لما عنده من الفقر والحاجة، فعرض له فكر في فرع من الفروع كان يشكل عليه، فاتّضح له، فقام يرقص ويقول: أين الملوك وأبناء الملوك، فسألته امرأته عن خبره، فأعلمها بما حصل له، فتعجّبت من عقله. وكانت وفاته في شعبان من هذه السنة. هِلال بن محمد بن جعفر بن سَعْدان (٥) أبو الفتح الحفّار. سمع إسماعيل الصفّار، والنجّاد، وابن السمّاك، وابن الصواف، وكان ثقة، توفي في صفر من هذه السنة عن ثنتين وتسعين سنة، ﵀ وإيّانا بمنّه. ثم دخلت سنة خمس عشرة وأربعمئة فيها: ألزم الوزير المغربي جماعة من الأتراك، والمولَّدين، والشريف المرتضى، ونظام الحضرتين (٦) أبا الحسن الزَّيْنبي، وقاضي القضاة أبا الحسن بن أبي الشوارب، والشهود بالحضور

стр. 5897

لتجديد البيعة لشرف الدَّولة، فلما بلغ ذلك الخليفة توهّم أن تكون هذه البيعة لنيّة فاسدة من أجله، فبعث إلى القاضي والرؤساء ينهاهم عن الحضور إليهم، فاختلفت الكلمة بين الخليفة وشرف الدَّولة، ثمّ اصطلحا وتصافيا، وجُدِّدت البيعة لكل منهما من الآخر. ولم يحجّ في هذه السنة من ركب [العراق ولا] خراسان أحد. واتفق أن بعض الأمراء من جهة محمود بن سُبُكْتِكين شهد الموسم في هذه السنة، فبعث إليه صاحب مصر بخلعِ عظيمةِ ليحملها إلى محمود بن سُبُكْتِكين، فلما رجع بها إلى أستاذه الملك محمود، أرسل بها إلى بغداد، فحرِّقت على باب النوبي خدمة للخليفة القادر باللَّه العبّاسي، رحمه اللَّه تعالى، وجزاه اللَّه خيرًا عن قصده وسيرته الحسنة. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمود بن عمر (١) بن الحسن بن عُبيد بن عمرو بن خالد (٢) أبو الفرج المُعَدَّل، المعروف بابن المُسْلِمة. ولد سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة، وسمع أباه، وأحمد بن كامل، والنخاد، والخُطَبي (٣)، ودَعْلَج بن أحمد، وغيرهم، وكان ثقة، يسكن الجانب الشرقي من بغداد، ويملي في أول كلّ سنة مجلسًا في المحرّم، وكان عاقلًا فاضلًا كثير المعروف، داره مألف لأهل العلم، وكان قد تفقّه بأبي بكر الرازي، وكان يصوم الدَّهر، ويقرأ في كلِّ يوم سبعًا (٤)، ويعيده بعينه في تهجّده. كانت وفاته في ذي القعدة من هذه السنة. رحمه اللَّه تعالى. أحمد بن محمد (٥) بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن سعيد بن أبان الضَّبِّيُّ أبو الحسن المَحَامليّ، نسبة إلى بيع المحامل [التي يحمل عليها الناس في السفر].

стр. 5898

تفقه على الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وبرع في الفقه، حتى كان الشيخ أبو حامد يقول: هو أحفظ للفقه منّي. وله المصنّفات المشهورة منها: "اللباب الأوسط" و"المُقْنع" وله: "الخِلاف" وعلّق على الشيخ أبي حامد تعليقة كبيرة. قال ابن خلِّكان: ولد سنة ثمان وستين وثلاثمئة، وتوفي يوم الأربعاء، لتسع بقين من ربيع الآخر من هذه السنة وقد شاب. رحمه اللَّه تعالى. سلطان الدوله (١) بن بهاء الدولة توفي بشِيراز عن ثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر. عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الحسين (٢) أبو القاسم الخَفّاف، المعروف بابن النَّقيب. وكان من أئمة السّنة، وحين بلغه موت ابن المعلّم [فقيه الشيعة سجد للَّه شكرًا]، وجلس ابن النقيب للتهنئة وقال: ما أبالي أىِّ وقتٍ متّ بعد أن شاهدت موت ابن المعلِّم، ومكث دهرًا طويلًا يصلّي الفجر بوضوء العشاء. قال الخطيب البغدادي: وسألته عن مولده فقال: في خمس وثلاثمئة، وأذكر من الخلفاء المقتدر، والقاهر، والراضي، والمتّقي، والمستكفي، والمطيع، والطائِع، والقادر، والغالب باللَّه خُطب له بولاية العهد. وكانت وفاته في سلخ شعبان من هذه السنة عن مئة وعشر سنين، رحمه اللَّه تعالى. عمر بن عبد اللَّه بن عمر بن تَعْوِيذ (٣) أبو حفص الدَّلَّال، قال: سمعت الشبليّ ينشد: وَقَدْ كَانَ شَيْءٌ يُسمَّى السُّرورْ … قَدِيْمًا سَمِعْنا بِهِ ما فَعَلْ خَلِيْلي إنْ دَامَ هَمُّ النُّفُوسْ … قَلِيْلًا عَلَى ما نَرَاهُ قَتَلْ يُؤَمِّلُ (٤) دُنْيا لتَبْقَى لَهُ … فَمَاتَ المُؤَمِّلُ قَبْلَ الأمَلْ محمد بن الحسن (٥) أبو الحسن الأقْسَاسي العَلَوي، نائب الشريف المرتضى في إمرة الحجّ، حجّ بالناس في سنين متعدّدة، وله فصاحةٌ وشعرٌ جيّدٌ، وهو من سلالة زيد بن علي بن الحسين.

стр. 5899

ثم دخلت سنة ستَّ عشرة وأربعمئة فيها: قوي أمر العيّارين ببغداد، ونهبوا الدور جهرةً، واستهانوا بأمر السلطان. وفي ربيع الأول منها: توفي شَرَفُ الدَّولةِ بن بُوَيْه الدَّيْلَمي، صاحب بغداد والعراق وغير ذلك، فكثُرت الشرور ببغداد، ونُهبت الخزائن، واستقرّ الأمر على تولية جلال الدولة أبي الطاهر، وخُطب له على المنابر، وهو [إذ ذاك] على البصرة، وخلع على شرف الملك أبي سعيد بن ماكولا وزيره، ولقَّبه علم الدّين، سعد الدَّولة، أمين الملّة، شرف المُلْك، وهو أوّل من لُقِّب بالألقاب الكثيرة، ثمّ طلب من الخليفة أن يبايع لأبي كاليجار، إذ كان وليّ عهد أبيه سلطان الدولة الذي استخلفه بهاء الدولة عليهم، فتوقّف في الجواب، ثمّ وافقهم على ما أرادوا من ذلك، وأقيمت الخطبة للملك أبي كاليجار يوم الجمعة سادس عشر شوال من هذه السنة. ثمّ تفاقم أمر العيّارين ببغداد وكبسوا الدور ليلًا ونهارًا، وضربوا أهلها كما يُضرب المصادَرون، ويستغيث أحدهم فلا يُغاث، واشتدّ الحال، وهربت الشُّرَط من بغداد، ولم تُغن الأتراك شيئًا، وعُملت السرايج على أفواه السكك فلم يفد شيئًا (١)، وأحرقت دار الشريف المرتضى، فانتقل منها إلى غيرها، وغلت الأسعار ببغداد أيضًا جدًا، ولم يحجّ أحد من أهل [العراق] وخراسان في هذه السنة، واللَّه أعلم بالصواب. وممن توفي فيها من الأعيان: سَابور بن أرْدَشِير (٢) وزر لبهاء الدولة أبي نصر بن عَضُدِ الدولة ثلاث مرات، ووزر لشرف الدولة أيضًا، وكان كاتبًا سديدًا، عفيفًا عن الأموال، كثير الخير، سليم الباطن، فكان إذا سمع المؤذِّن لا يشغله شيءٌ عن الصلاة، وقد وقف دارًا للعلم في سنة إحدى وثمانين وثلاثمئة، وجعل فيها كتبًا كثيرةً جدًا، ووقف

стр. 5900

عليها غلّةً كثيرةً فبقيت سبعين سنة، ثمَّ أحرقت عند مجيء الملك طُغْرُلْبَك في سنة خمسين وأربعمئة وكانت محلتها بين السورين. وقد كان جيد المباشرة [حسن المعاشرة] إلا أنَّه كان يعزل عماله سريعًا [خوفًا عليهم من الأشر والبطر]. توفي في هذه السنة عن قرب تسعين سنة. عثمان النيسابوري (١) الخَرْكوشي (٢) الواعظ. قال ابن الجوزي: صنَّف كتابًا في الوعظ من أبرز الأشياء، وفيه أحاديث كثيرة موضوعة، وكلمات مَرْذُولة، إلا أنَّه كان خيِّرًا صالحًا، وكانت له وَجاهةٌ عند الخلفاء والملوك، وكان الملك محمود بن سُبُكْتكين إذا رآه قام له، وكانت محلّته حِمَى يُحتمى بها من الظَّلَمَةِ، وقد وقع في بلده نيسابور موت، فكان يغسل الموتى مؤتجرًا، فغسّل نحوًا من عشرة آلاف ميت، رحمه اللَّه تعالى. محمد بن الحسن بن صَالْحَان (٣) أبو منصور، الوزير لشرف الدولة، ولبهاء الدولة أيضًا. وكان وزير [صدق] جيّد المباشرة، حسن الصّلاة، محافظًا على أوقاتها، وكان محسنًا للشعراء والعلماء، توفي ببغداد في هذه السنة عن ستّ وسبعين سنة. الملك شرف الدولة (٤) أبو علي بن بهاء الدولة أبي نصر بن عَضُدِ الدولة بن بُويه الدَّيلمي، صاحب بغداد وغيرها من البلاد. أصابه مرض حادٌّ فتوفي منه لثمان بقين من ربيع الآخر عن ثلاث وعشرين سنة وثلاثة أشهر وخمسة وعشرين يومًا. علي بن محمد التِّهامي (٥) أبو الحسن الشاعر، له ديوان مشهور، وله مرثاةٌ في ولدٍ له [قد مات] صغيرًا، أولها:

стр. 5901

حكمُ المنيَّةِ في البريَّةِ جَارِي … ما هذهِ الدُّنيا بدارِ قَرَارِ إنِّي لأرْحَمُ حَاسِديَّ لحرِّ ما … ضمَّتْ صُدُورُهُم مِنَ الأوْغَارِ نظروا صَنِيعَ اللَّهِ بي فعيونُهم … في جَنَّةٍ، وقُلُوبُهم في نَارِ ومنها في ذمّ الدنيا، وكلّ هذه القصيدة مليح مختار: طبعتْ (١) على كدرٍ وأنتَ تريدُها (٢) … صَفْوًا من الأقذار (٣) والأكْدَارِ ومكلّف الأيام ضدَّ طباعِها … متطلِّبٌ في الماءِ جذوةَ نارِ واذا رجوتَ المستحيلَ فإنَّما … تَبني الرجاءَ على شفيرٍ هارِ ومنها قوله في ولده [بعد موته]: جاورتُ أعدائي وجاورَ رَبَّهُ … شَتَّان بينَ جِوارِهِ وجِوَارِي وقد ذكر ابن خلِّكان (٤): أن بعضهم رآه في النوم بأيَّهةٍ حسنةٍ فقال [له بعض أصحابه]: بِمَ نلت ذلك؟ فقال: بهذا البيت، توفي بحبس خزانة البنود من القاهرة في هذه السنة، رحمه اللَّه تعالى. ثم دخلت سنة سبع عشرة وأربعمئة في العشرين من المحرّم، وقعت فتنة عظيمة بين الأسفهسلاريّة (٥) وبين العيَّارين، وركبت إليهم الأتراك بالدَّبادب كما يُفعل في الحرب، وأحرقت أبواب كثيرة من الدور التي احتمى فيها العيَّارون، وأحرق من الكرخ جانب كبير، ونُهب أهله، وتعدَّى النهب إلى غيره أيضًا، وكانت فتنةً هائلةً شنيعةً، ثمّ خمدت في اليوم الثاني، وقُرّر على أهل الكرخ مئة ألف دينار [مصادرة] لإثارتهم الفتن والشرور. وفي شهر ربيع الآخر منها شهد أبو عبد اللَّه الحسين بن علي الصيمري عند قاضي القضاة ابن أبي الشوارب بعدما كان استتابه عفا ذُكر عنه من الاعتزال. وفي رمضان انقضَّ كوكب سُمع له دويّ كدويّ الرَّعد، ووقع في سلخ شوال بَرَدٌ لم يُعهد مثله، واستمر ذلك إلى العشرين من ذي الحجّة، وجمد الماء طول هذه المدّة، حتى حافات دجلة والأنهار الكبار، وقاسى الناس شدّة عظيمة، وتأخّر المطر، وزيادة دجلة، وقلّة الزراعة، وامتنع كثير من

стр. 5902

الناس عن التصرُّف. ولم يحجّ أحد من العراق وخراسان لفساد البلاد والطرقات. وممن توفي فيها من الأعيان: قاضي القضاة، ابن أبي الشوارب (١) أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن العبّاس بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، أبو الحسن القرشيُّ الأمويُّ. قاضي قضاة بغداد بعد ابن الأكفاني بثنتي عشرة سنة، وكان عفيفًا نَزِهًا، وقد سمع الحديث من أبي عمرو الزاهد، وعبد الباقي بن قانع، إلا أنّه لم يحدّث. قاله ابن الجوزي. وحكى الخطيب البغدادي عن شيخه أبي العلاء الواسطي: إنّ أبا الحسن هذا كان آخر من ولي الحكم ببغداد من سلالة محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وقد ولي الحكم من سلالته أربعة وعشرُون، منهم ثمانية قضاء القضاة ببغداد. قال أبو العلاء: وما رأينا مثل أبي الحسن هذا جلالةً ونزاهةً، وصيانةً وشرفًا. وقد ذكر القاضي الماوردي: أنَّه كان له صديقًا وصاحبًا، وأن رجلًا من خيار الناس أوصى له بمئتي دينار، فحملها إليه الماورديّ فأبى أن يقبلها، فجهد عليه كلّ الجهد فلم يفعل، وقال: أسألك اللَّه لا تذكر هذا لأحد ما دمتُ حيًّا، ففعل [الماوردي] فلم يخبر عنه إلا بعد موته [وكان ابن أبي الشوارب فقيرًا إليها وإلى ما هو دونها فلم يقبلها]، وتوفي في شوال من هذه السَّنة. جعفر بن باي (٢) أبو مسلم الجيلي، سمع ابن بطّة، ودرس فقه الشافعي على الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وكان ثقة ديّنًا فاضلًا، توفي في رمضان من هذه السنة. عمر بن أحمد بن عَبْدويه (٣) أبو حازم الهُذَليّ النيسابوري. سمع ابن نجيد والإسماعيلي وخلقًا، وسمع منه الخطيب وغيره، وكان الناس ينتفعون بإفادته وانتخابه، توفي يوم عيد الفطر منها. علي بن أحمد بن [عمر بن] حفص (٤) أبو الحسن [المقرئ]، المعروف بالحَمَّامي.

стр. 5903

سمع النجَّاد، والخُلْدي، وابن السمَّاك، وغيرهم، وكان صدوقًا فاضلًا، حسن الاعتقاد، وتفرّد بأسانيد القِراءات وعلوها. توفي في شعبان من هذه السنة عن تسع وثمانين سنة. صاعد بن الحسن بن عيسى الرَّبَعي البغدادي اللُّغوي (١). صاحب كتاب "الفصوص في اللغة" على طريقة القالي في الأمالي، صنّفه للمنصور بن أبي عامر، فأجازه عليه خمسة آلاف دينار، ثمّ قيل له: إنّه كذابٌ متَّهم فيما ينقله، فأمر بإلقاء الكتاب في نهرٍ؛ فقال له في ذلك بعض الشعراء: قَدْ غَاصَ في البَحْرِ كِتَابُ الفُصُوص … وَهَكَذا كُلُّ ثَقيلٍ يَغُوص فلمّا بلغ صاعدًا هذا البيت قال: عادَ إلى عنصرِهِ ولهما … يخرُجُ من قعرِ البحورِ الفصوص قلتُ: كأنه سمى هذا الكتاب بهذا الاسم ليشاكل به "الصحاح" للجوهري، لكنه كان مع فضيلته وبلاغته، وعلمه، متَّهمًا بالكذب يما يرويه وينقله، فلهذا رفض الناس كتابه ولم يشتهر بينهم، وقد كان ظريفًا، ماجنًا، سريع الجواب، سأله رجل أعمى على سبيل التهكُّم بحضرة جماعة فقال له: ما الجرنفل؟ فأطرق ساعة، وعرف أنَّه افتعل هذه اللَّفظة، ثمّ رفع رأسه فقال: هو الذي يأتي نساء العميان لا يتعداهنّ إلى غيرهنّ؛ فاستحيا ذلك الأعمى، وضحك الحاضرون، وقد كانت وفاته في هذه السنة. القَفَّال المَرْوَزي (٢) هو أبو بكر عبد اللَّه بن أحمد بن عبد اللَّه القَفّال. أحد أئمّة الشافعية الكبار علمًا، وزهدًا، وحفظًا، وتصنيفًا، وورعًا، وإليه تُنْسَبُ الطريقة الخُراسانية، ومن أصحابه الشيخ أبو محمد الجويني، والقاضي حسين، وأبو علي السِّنْجيّ. قال ابن خلِّكان: وأخذ عنه إمام الحرمين، وفيما قاله نظر، لأنّ سِنّ إمام الحرمين لا يحتمل ذلك، فإن هذا القفّال توفي في هذه السنة وله تسعون سنة، ودفن بسجستان، وإمامُ الحرمين وُلدَ سنة تسع عشرة وأربعمئة، بعد وفاة القفال بسنتين، ومات سنة ثمان وسبعين كما سيأتي، وإنما قيل له: القفّال لأنَّه كان يعمل الأقفال، ولم يشتغل إلا وهو ابن ثلاثين سنة، ثمّ أقبل على الاشتغال بعد ذلك، رحمه اللَّه تعالى.

стр. 5904

ثم دخلت سنة ثماني عشرة وأربعمئة في ربيع الأوّل وقع بَرَدٌ أهلك شيئًا كثيرًا من الزروع والثمار، وقتل خلقًا كثيرًا من الغَنم والوحوش. قال ابن الجوزي (١): وقد قيل: إنَّه كان في كلّ بردة رطلان وأكثر، وفي واسط بلغت البردة أرطالًا، وفي بغداد [بلغت] بقدر البيض. وفي ربيع الآخر سألت الإسفهسلارية والغلمان من الخليفة أن يعزل عنهم أبا كاليجار لتهاونه بأمرهم [وفساده]، وفساد الأمور في أيامه، ويولي عليهم جلال الدَّولة الذي كانوا قد عدلوا عنه أوّل مرة، فماطلهم الخليفة في ذلك، وكتب إلى أبي كاليجار أن يتدارك أمره، وأن يسرع الأوبة إلى بغداد، قبل أن يفوت الأمر، وألحّ أولئك على الخليفة في جلال الدولة، وأقاموا له الخطبة ببغداد، وتفاقم الحال، وفسد النظام. وفي هذه السنة ورد كتاب من يمين الدولة محمود بن سُبُكْتِكين، أنَّه دخل بلاد الهند أيضًا، وأنَّه كسر الصنم الأعظم الذي لهم، المسمّى بسومنات، وقد كانوا يفدون إليه من كلِّ فجٍّ عميق، ويُنْفِقُون عنده من الأموال شيئًا كثيرًا جدًا، وكان عليه من الأوقاف عشرة آلاف قرية مشهورة، وقد امتلأت خزائنه أموالًا، وعنده ألف رجل يخدمونه وثلاثمئة يحلقون [رؤوس] حجيجه، وثلاثمئة وخمسون يغنّون ويرقصون على باب الصنم، [كما يُضرب على بابه الطبولُ والبوقات، وكان عنده من المجاورين ألوف يأكلون من أوقافه، وكان البعيد من الهنود يتمنى لو بلغ هذا الصَّنم]، وقد كان العبد، يعني الملك محمود بن سُبُكْتكين، يتمنى قلع هذا الصنم، وكان يعوقه عنه طول المفاوز، وكثرة الموانع، ثمّ استخار اللَّه تعالى، وتجشّم بجيشه تلك الأهوال إليه في ثلاثين ألفًا ممن اختارهم سوى المُطَّوِّعة، فسلّم اللَّه تعالى، حتى انتهينا إلى بلد هذا الوثن، [ونزلنا بساحة عباده فإذا هو مكان قدر المدينة العظيمة، فما كان أسرع أن] ملكناه، وقتلنا من أهله خمسين ألفًا، وقلعنا هذا الوثن، وأوقدنا تحته النّار، وللَّه الحمد. وقد ذكر غير واحد أنَّ الهنود بذلوا أموالًا جزيلة للملك محمود بن سُبُكْتِكين ليترك لهم هذا الصَّنم الأعظم، فأشار من أشار من الأمراء بقبول تلك الأموال الجزيلة، فقال: حتى أستخير اللَّه تعالى، فلمّا أصبح قال: إني فكرت في هذا الأمر، فرأيت أنّه إذا نوديت يوم القيامة فيقال: أين محمود الذي كسر الصَّنم، أحبُّ إليَّ من أن يقال: أين محمود الذي ترك الصنم [لأجل ما يناله من الدنيا؟] ثمّ عزم فكسره

стр. 5905

فوجد عليه وفيه من الذهب واللآليء والجواهر النفيسة ما ينيف على ما بذلوه بأضعافٍ مضاعفةٍ، مع ما ادَّخر اللَّه تعالى له من الأجر الجزيل في الآخرة، والثناء الجميل في الأولى، فرحمه اللَّه وأكرم مثواه. وفي يوم السبت ثالث رمضان دخل جلال الدولة إلى بغداد، فتلقاه الخليفة في الطيّار (١)، ومعه الأكابر والأعيان، فلمّا واجهه جلال الدولة قبَّل الأرض دفعاتٍ، ثمّ سار إلى دار المُلْك، وعاد الخليفة إلى داره، وأمر جلال الدولة أن يُضْرَبَ له الطبل في أوقات الصلوات الثلاث، كما كان الأمر في زمن عضد الدولة وصمصامها وشرفها وبهائها، فكان الخليفة يُضْرَبُ له في أوقات الصلوات الخمس، فأراد جلال الدولة ذلك، فقيل: لا يحسن مساواة الخليفة، ثمّ صمم على ذلك في الأوقات الخمس. قال ابن الجوزي (٢): وفيها: وقع بَرْد شديد حتى أجمد الخَلَّ، والنبيذ، وأبوال الدواب، والمياه الكبار، وحافات دجلة، ولم يحجّ في هذه السنة أحد من أهل المشرق. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الصمد بن المهتدي باللَّه (٣) أبو عبد اللَّه الشاهد. خطب في جامع المنصور من سنة ست وثمانين وثلاثمئة، ولم يكن يخطب إلا بخطبة واحدة في كلِّ جمعة، وإذا سمعها الناس منه ضجّوا بالبكاء، وخشعوا لصوته. الحسين بن علي بن الحسين (٤) أبو القاسم المغربي [الوزير]. ولد بمصر في ذي الحجّة سنة سبعين وثلاثمئة، وهرب منها حين قَتَل صاحبُها [الحاكم] أباه وعمَّه [محمدًا]، وقصد مكّة، ثمَّ الشام، ووزر في عدَّة أماكن، وقد وزر لشرف الدولة بعد الرخجي، وكان يقول الشعر الحسن، وقد تذاكر هو وبعض الصالحين فأنشده ذلك الرجل الصالح: إذا شِئْتَ أنْ تَحيا سعيدًا (٥) فلا تكنْ … عَلَى حَالَةٍ إلا رَضِيْتَ بِدُونِها فاعتزل المناصب والسلطان، فقال له بعض أصحابه: تركت المناصب في عنفوان شبابك، فأنشأ يقول:

стр. 5906

كنتُ في سفرةِ البَطَالةِ والجهلِ … زمانًا فحانَ منِّي القُدومُ (١) تبتُ من كُلِّ مَأْثَمٍ فَعَسَى يُمْـ … ـحى بهَذَا الحَدِيْثِ ذَاكَ القَدِيْمُ بعد خمسٍ وأربعينَ تعدَّتْ … ألا إن الإله القَدِيمَ كريمُ (٢) وقد كانت وفاته بميّافارقين في رمضان هذه السنة عن خمس وأربعين سنة، ودفن بمشهد علي بحيلة احتالها قبل وفاته، رحمه اللَّه تعالى. محمد بن الحسين بن إبراهيم (٣) أبو بكر الورّاق، المعروف بابن الخَفّاف. روى عن القَطِيعي وغيره، وقد اتّهموه بوضع الأسانيد والأحاديث، قاله الخطيب وغيره. أبو القاسم اللالِكائي (٤) هِبة اللَّه بن الحسن بن منصور الرازي، وهو طبريّ الأصل. أحد تلامذة الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وكان يفهم، ويحفظ، وعني بالحديث، فصنَّف فيه أشياء كثيرة، ولكن عاجلته المنيّة قبل أن تنتشر أكثر كتبه، وله كتاب في السنّة وشرفها، وذكر طريقة السَّلف الصالح في ذلك، وقع لنا سماعه على الحجّار عاليًا عنه، وقد كانت وفاته بالدِّينَوَر في رمضان من هذه السنة، ورآه بعضهم في المنام فقال له: ما فعل بك ربّك؟ قال: غفر لي. قال: بماذا؟ قال [بشيء قليل من] السنة [أحييته]، ﵀. أبو القاسم بن أمير المؤمنين القادر باللَّه (٥) توفي ليلة الأحد الثاني من جمادى الآخرة، وصلي عليه غير مرّة، ومشى الناس في جنازته، وحزن عليه أبوه حزنًا شديدًا، وقطع الطبل أيامًا.

стр. 5907

أبو الحُسين (١) بن طَبَاطِبَا الشريف (٢). كان شاعرًا مجيدًا، له شعر حسن. الأستاذ أبو إسحاق الإسْفراييني (٣): إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مِهران، الشيخ الإمام العلامة ركن الدين الفقيه الشافعي، المتكلِّم الأصولي. صاحب التصانيف في الأصلين منها: "جامع الحلي" (٤) في خمسة مجلدات، و"التعليقة النافعة في أصول الفقه" وغير ذلك، وقد سمع الحديث الكثير من أبي بكر الإسماعيلي، ودعلج، وغيرهما. وأخذ عنه البيهقي، والشيخ أبو الطيّب الطبري، والحاكم النيسابوري، وأثنى عليه، وكانت وفاته يوم عاشوراء من هذه السنة بنيسابور، ثمّ نُقِل إلى بلده فدفن في مشهده، رحمه اللَّه تعالى. [القدوري صاحب الكتاب المشهور في مذهب أبي حنيفة] (٥) أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان، أبو الحسن القُدُوريّ الفقيه الحنفي، صاحب "المصنف المختصر" (٦) الذي يُحفظ. كان إمامًا بارعًا، عالمًا ديِّنًا، مناظرًا، وكان هو الذي يلي مناظرة الشيخ أبي حامد الإسفراييني [من الخليفة]، وكان القدوري يطريه ويقول: هو أعلم وأنظر من الشافعي، وكانت وفاته يوم الأحد الخامس من رجب هذه السنة عن ست وخمسين سنة، ودفن إلى جانب الفقيه أبي بكر الخُوارزمي الحنفي.

стр. 5908

ثم دخلت سنة تسع عشرة وأربعمئة فيها: وقع بين الجيش وبين جلال الدولة، ونهبوا دار وزيره، وجرت أمورٌ طويلة، آل الحال فيها إلى أنَّهم اتفقوا عنى إخراجه من البلد، فهيئ له زبزب (١) رثّ فخرج وفي يده طَبَرٌ (٢) نهارًا، فجعلوا لا يلتفتون إليه، ولا يُفكِّرون فيه، فلما عزم على الركوب في ذلك الزبزب الرثّ، رثوا له، ورقّوا عليه [ولهيبته]، فجاؤوا إليه وقبّلوا الأرض بين يديه، وانصلحت قضيته بعد فسادها. وفي هذه السنة قلَّ الرطب جدًّا بسبب هلاك النخل في هذه السنة الماضية بالبَرَد: فبيع الرطب كلُّ ثلاثة أرطال بدينار جلالي، ووقع بَرَد شديد أيضًا، فأهلك شيئًا كثيرًا من النخيل أيضًا. ولم يحجّ أحد من أهل المشرق ولا من الديار المصريّة في هذه السنة، إلا أن قومًا من خراسان ركبوا في البحر من مدينة مُكْرَان (٣) فانتهوا إلى جدّة فحجّوا، ﵃، ورحمهم بمنِّه وكرمه. وممن توفي فيها من الأعيان: حمزة بن إبراهيم [بن عبد اللَّه] أبو الخطاب المنجّم (٤). حظي عند بهاء الدولة، وعلّمه النجوم، وكان ذا وجاهة عنده، حتى إنّ الوزير والأمراء كانوا [يخافونه] ويكارمونه، ويراسلونه، ويتوسّلون به إليه في أمورهم ثمّ صار أمره [طريدًا بعيدًا] حتى مات يوم مات بالكرخ من سامراء غريبًا فقيرًا مفلوجًا، قد ذهب ماله وجاهه [وعقله]، لا إله إلا اللَّه وحده. محمد بن محمد بن محمد (٥) بن إبراهيم بن مَخْلَد أبو الحسن التاجر (٦). سمع الكثير على المشايخ المتقدِّمين وتفرّد بعلوّ الإسناد، وكان ذا مالٍ جزيلٍ، فخاف من المصادرة ببغداد فانتقل إلى مصر فأقام بها سنة ثمّ عاد إلى بغداد، فاتفق مصادرة أهل محلته. فقسّط عليه ما أفقره، ومات حين مات لم يوجد له كفن [ولم يترك شيئًا، فأرسل له القادر باللَّه ما كُفِّن به].

стр. 5909

مبارك الأنْماطي (١) كان ذا مالٍ جزيلٍ، خلّف يوم توفي ثلاثمئة ألف دينار ولم يترك وارثًا سوى ابنةٍ واحدةٍ ببغداد، وكانت وفاته بمصر. أبو الفوارس بن بهاء الدولة (٢) كان ظالمًا ماردًا، إذا سكر يضرب الرجل من أصحابه أو وزيره مئتي مقرعة، بعدما يحلّفه بالطلاق أنّه لا يتأوّه، ولا يخبر بذلك أحدًا، فيقال: إنّ حواشيه سمُّوه، فلما مات نادوا بشعار أخيه كاليجار. أبو محمد بن بابشاذ، وزير كاليجار (٣) لقَّبَهُ معزّ الدولة، فلك الدولة، سيد الأمّة، وزير الوزراء، عماد الملك، ثمّ سُلّم [بعد ذلك] إلى جلال الدولة، فاعتقله، ومات في هذه السنة. أبو عبد اللَّه المتكلِّم (٤) توفي في هذه السنة، هكذا رأيت ابن الجوزي، ترجمه مختصرًا. ابن غَلْبُون (٥) أبو محمد، عبدُ المُحسن بن محمد بن أحمد بن غالب (٦)، الشّاميُّ ثمّ الصّوريُّ، الشاعر المطبق، له ديوان شعر مليح بليغ كان قد نظم قصيدة بليغة في بعض الرؤساء ثمّ أنشدها لرئيس آخر اسمه: ذو المنقبتين، وزاد فيها بيتًا واحدًا فقال فيها: ولكَ المناقِبُ كُلُّها … فَلِمَ اقتصرْتَ على اثْنَتَينِ فأجازه جائزة حسنة (٧)، فقيل له: إنَّها ليست فيك، فقال: إن هذا البيت وحده بقصيدة، وله -رحمه اللَّه تعالى- في بخيلٍ نَزَلَ عنده: وَأخ مَسَّهُ نُزُولي بِقَرْحٍ … مثل ما مسّني من (٨) الجوع قَرْحُ

стр. 5910

بِتُّ ضَيْفًا لَهُ كَمَا حَكَمَ الدَّهْـ … ـرُ وفي حُكْمِهِ على الحرِّ قُبح (١) فابْتَدَانِي يَقُولُ وهُوَ مِن الـ … ـسكْرِ بالهَمِّ طافِحٌ لَيْسَ يَصْحُو لِمْ تَغَرَّبْتَ قُلْتُ قَال رسول اللَّـ … ـهِ والقولُ مِنْهُ نُصْحٌ ونُجْحُ "سافروا تَغْنموا" فقال وقدْ … قالَ تَمامُ الحديثِ: "صُوموا تصحّوا" (٢) ثم دخلت سنة عشرين وأربعمئة فيها: سقط بناحية المشرق مطر شديد، معه بَرَدٌ كبار. قال ابن الجوزي (٣): حزرت البَرَدة الواحدة منه بمئةٍ وخمسين رطلًا، وغاصت في الأرض نحوًا من ذراع. وفيها: ورد كتاب من يمين الدولة محمود بن سُبُكْتِكين أنه أحلّ بطائفة من أهل الريّ الباطنية والروافض قتلًا ذريعًا، وصَلْبًا شنيعًا، وأنّه انتهت إليه أموال رئيسهم رستم بن علي الدَّيلمي، فحصّل منها ما يقارب ألف ألف دينار، وقد كان في حيازته نحو من خمسين امرأة حُرّة، قد ولدنَ له ثلاثًا وثلاثين ولدًا من ذكر وأنثى، وكانوا يرون الإباحة [في ذلك]. وفي رجب من هذه السنة انقضت كواكبُ كثيرةٌ شديدةُ الصوت قويةُ الضَّوء. وفي شعبان كَثُرَت العملات (٤)، وضعف رجال المعونة عن مقاومة العيّارين، وفي يوم الإثنين الثاني (٥) والعشرين منه، غار ماء دجلة (٦) حتى لم يبق منه إلا القليل، ووقفت الأرحاء، وتعذَّر الطحن. وفي هذا اليوم جُمِعَ القضاة والعلماء في دار الخلافة، وقُرئ عليهم كتاب جمعه أمير المؤمنين القادر باللَّه، فيه مواعظ وتفاصيل مذاهب أهل السنّة، والردِّ على أهل البدع، وتفسيق من قال بخلق القرآن، وصفة ما وقع بين بِشْرٍ المَرِيسي (٧) وعبد العزيز بن يحيى الكِناني (٨) من المناظرة، ثمّ خَتَمَ

стр. 5911

القول بالوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأخذ خطوط الحاضرين بالموافقة لما سمعوه. وفي يوم الإثنين غرة ذي القعدة جُمعوا أيضًا كلّهم وقرئ عليهم كتاب آخر طويل يتضمن بيان السنّة والردّ على أهل البدعة، ومناظرة بِشْر المريسي والكناني، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفضل الصحابة، وذكر فضائل أبي بكر وعمر، ﵄، ولم يفرغوا منه إلا بعد العتمة، وأخذ خطوطهم بموافقة ما سمعوا، وعُزِلَ خُطباء الشيعة، ووُلّي خطباءٌ غيرهم من أهل السّنَّة، وجرت فتنة عظيمة بمسجد براثا، وضربوا الخطيب السنيّ بالآجر، حتى كسروا أنفه، وخلعوا كتفه، وانتصر له الخليفة فأهان الشيعة، وأذلَّهم، حتى جاؤوا يعتذرون مما وقع، وإنَّه ما تعاطاه إلا سفهاؤهم، وسقطهم، ولم يتمكن أحد من أهل العراق وخراسان في هذه السنة من الحجّ، واللَّه أعلم. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن بن أبي العِيس (١) أبو علي الزاهد. أحد العبّاد أصحاب الأحوال، دخل على بعض الوزراء فقبّل يده، فعوتب الوزير في ذلك فقال: كيف لا أقبّل يدًا ما امتدت قطّ إلا إلى اللَّه تعالى. علي بن عيسى بن الفَرج بن صالح (٢) أبو الحسن الرَّبَعي. أخذ العربيّة عن أبي سعيد السِّيرافي، ثمَّ عن أبي علي الفارسي، ولازمه عشرين سنة، حتى كان يقول: قولوا له: لو سار من المشرق إلى المغرب لم يجد أحدًا أنحى منه، وكان يومًا يتمشى على شاطئ دجلة إذ نظر إلى الشريفين: الرضي والمرتضى في سفينة، ومعهما عثمان بن جنّي فقال لهما مداعبًا: من أعجب الأشياء أن عثمان معكما، وعلي بعيد منكما يمشي على شاطئ دجلة [فضحكا، وقالا: باسم اللَّه]. وكانت وفاته في المحرّم من هذه السنة عن ثنتين وتسعين سنة، ودفن بباب الدير، ويقال: إنه لم يشيع جنازته سوى ثلاثة أنفس.

стр. 5912

أسد الدولة (١) أبو علي صالح بن مرداس بن إدريس الكِلابيّ. أول ملوك بني مِرداس بحلب، انتزعها من يد نائب الظاهر بن الحاكم العبيدي، في ذي الحجّة سنة سبع عشرة وأربعمئة، ثم جاءه جيش كثيف من مصر، فاقتتلوا فقُتِل أسد الدولة هذا في سنة تسع عشرة، وقام حفيده نصر. ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وأربعمئة فيها: توفي الملك الكبير [المجاهد الغازي فاتح بلاد الهند] محمود بن سُبُكْتِكين، رحمه اللَّه تعالى. لما كان في ربيع الأول من هذه السنة توفي الملك العادل المجاهد [الثاغر المرابط، المؤيَّد، المنصور، يمين الدولة، أبو القاسم محمود بن سُبُكْتِكين صاحب بلاد غَزْنة، ومالك تلك الممالك الكبار، وفاتح أكثر بلاد الهند قهرًا، وكاسرُ أصنامهم وبدودهم وأوثانهم (٢) كسرًا، وقاهر جنودهم، وسلطانهم الأعظم فسرًا، وقد تمرّض نحوًا من سنتين، لم يضطجع فيها على فراش، ولا توسّد وسادًا، بل كان ينام قاعدًا حتى مات وهو كذلك، وذلك لشهامته، وصرامته، وقوّة عزمه، وله من العمر ستون سنة، وقد عهد بالأمر من بعده لولده محمد، فلم يتمّ أمره حتى غافصه (٣) أخوه مسعود بن محمود فاستحوذ على ممالك أبيه، مع ما كان إليه مما يليه، وفتحه هو بنفسه من بلاد الكفّار من الرساتيق الكبار والصغار، فاستقرَّت له الممالك شرقًا وغربًا في تلك النواحي في أواخر هذا العام، وجاءته الرسل من كلّ ناحية، ومن كلّ ملك همام بالتحية والإكرام، [وبالخضوع التام] وستأتي ترجمة محمود في الوفيات. وفيها: استحوذت السريّة التي كان بعثها الملك محمود إلى بلاد الهند على أكبر مدائنهم، وهي المسمّاة نَرْسَى، دخلوها في نحو من مئة ألف مقاتل ما بين فارس وراجل، فنهبوا سوق العطر والجوهر بها نهارًا كاملًا، [ولم يستطيعوا أن يحولوا ما فيه من أنواع الطيب والمسك والجواهر واللآليء واليواقيت] ولم يدر أكثر أهلها بشيء لاتساعها، وذلك أنها كانت في غاية الكبر، طولها مسيرة منزلة من منازل الهند، وعرضها كذلك، وأخذوا منها من الأموال والتحف [والأثاث] ما لا يحدّ ولا يوصف، حتى قيل: إنهم اقتسموا الذهب والفضة بالكيل، ولم يصل إلى هذه المدينة جيش من جيوش المسلمين، لا قبل هذه السنة ولا بعدها [وهذه المدينة من أكثر بلاد الهند خيرًا ومالًا، بل قيل: إنه لا توجد مدينة أكثر منها مالًا ورزقًا مع كفر أهلها، وعبادتهم الأصنام، فليسلم المؤمن على الدنيا

стр. 5913

سلام، وقد كانت محل الملك، وأخذوا منها من الرقيق: من الصبيان والبنات ما لا يحصى كثرة] (١). وفي هذه السنة: عملت الروافض بالكرخ بدعتهم الشنعاء [وحادثتهم الصلعاء] (٢) في يوم عاشوراء من تعليق المسوح (٣)، وتغليق الأسواق، والنواح والبكاء في الأزقة والأرجاء، فأقبل أهل السُنة إليهم في الحديد، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقُتِلَ من الفريقين طوائف كثيرة، وجرت بينهم فتن كبيرة [وشرور مستطيرة]. وفي هذه السنة: مرض أمير المؤمنين القادر باللَّه، وعهد بولاية العهد من بعده إلى ولده أبي جعفر القائم بأمر اللَّه، بمحضر من القضاة والوزراء والكبراء، وخطب له بذلك على المنابر، وضرب اسمه على السكة المتعامل بها. وفيها: أقبل ملك الروم من قسطنطينية في ثلاثمئة ألف مقاتل، فسار حتى بلغ بلاد حلب وعليها شِبْلُ الدولة نصر بن صالح بن مِرْداس، فنزلوا على [مسيرة] يوم منها، ومن عزم ملك الروم قبّحه اللَّه، أن يستحوذ على بلاد الشام بكمالها، وأن يستردّها إلى ما كانت عليه في أيْديهم قبل الإسلام، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : " [إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده و] إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده" (٤)، وقيصر هو من ملك الشام مع بلاد الروم، فلا سبيل لملك الروم إلى هذا الرَّوْم الذي أراده هذا المذموم، فلما حصل بجيشه قريبًا من حلب كما ذكر، أرسل اللَّه عليهم عطشًا شديدًا، وخالف بين كلمتهم، وذلك أنه كان معه الدمستق، فعامل طائفة من الجيش على قتله ليستقل بالأمر من بعده، ففهم ذلك ملك الروم، فكرّ من فوره راجعًا [﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾] [الأحزاب: ٢٥] ولمّا كروا راجعين إلى بلادهم اتبعهم الأعراب ينهبونهم ليلًا ونهارًا، وكان في جملة ما أخذوا أربعمئة بغلٍ محملةٍ مالًا وثيابًا للملك، وهلك أكثر الروم جوعًا وعطشًا ونهبتهم الأعراب من كلِّ جانب. وفيها: ملك جلال الدولة واسطًا، واستناب ولده عليها، وبعث وزيره أبا علي بن ماكولا إلى البطائح والبصرة، ففتح البطائح، وسار في الماء إلى البصرة، وعليها نائب لأبي كاليجار، فهزمهم البصريون، فسار إليهم جلال الدين والدولة بنفسه، فدخلها في شعبان هذه السّنة، ودقت البشائر فرحًا ببغداد.

стр. 5914

وفيها: جاء سيل عظيم بغزنة، فأهلك شيئًا كثيرًا من الزروع والأشجار. وفي رمضان منها تصدّق مسعود بن محمود بن سُبُكْتِكين بألف ألف درهم، وأجرى أرزاقًا [كثيرة] للفقهاء والعلماء ببلاده على عادة أبيه من قبله، وفتح بلدانًا كثيرة، واتسعت ممالكه جدًا، وعَظُمَ شأنه، وقَوِيَتْ أركانه، وكَثُرَتْ جُنْدُه، وأعوانه. وفيها: دخل خلق كثير من الأكراد إلى بغداد، يسرقون خيلَ الأتراك ليلًا، فتحضن الناس، وحصّنوا أنفسهم [فأخذوا] خيولهم حتّى خيل السلطان. وفيها: سقط جسر بغداد، وهو الذي عند الدبّاس على نهر عيسى. وفيها: وقعت فتنة بين الأتراك النازلين بباب البصرة وبين الهاشميين، فرفعوا المصاحف، ورمتهم الأتراك بالنشاب، وجرت خبطة عظيمة، ثمّ اصطلحت الحال بين الفريقين. وفيها: كثرت العملات ببغداد، وأُخِذَتِ الدور جهرة؛ وكثُر العيّارون، ولصوص الأكراد. وفيها: تعطّل الحجّ أيضًا، من بلاد العراق وخراسان، لفساد البلاد، ولم يحجّ سوى سرية من أهل العراق ركبوا من جِمَال البادية مع الأعراب مخاطرة، ففازوا بالحجّ، واللَّه أعلم. ذكر من توفي هذه السنة من الأعيان: أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد أبو الحسن الواعظ، المعروف بابن الرَّان (١)، صاحب كرامات ومعاملات، كان من أهل الجزيرة، فسكن دمشق، وكان يعظ الناس بالزيادة (٢) القبليّة حيث كان يجلس القصّاص، قال ذلك الحافظ ابن عساكر، قال: وصنّفَ كتبًا في الوعظ، وحكى حكايات كثيرة قال: سمعت أبا القاسم بن السمرقندي يقول: سمعت أبا طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر يقول: سمعت أبا الحسن أحمد بن عبد اللَّه الرَّاني ينشد أبياتًا: أنا ما أصنَعُ باللذْ … ذاتِ شُغْلِي بِالذنُوبِ إنَّما العيدُ لمنْ فا … زَ بحَظٍّ من حَبِيْبِ أصْبحَ الناسُ على رَوْ … حٍ ورَيْحانٍ وطِيْبِ ثمَّ أصْبَحتُ على نَوْ … حٍ وحُزْنٍ وَنَحِيْبِ فَرِحُوا حِيْنَ أهَلُّوا … شَهْرَهُمْ بَعْدَ المَغِيْبِ وَهِلالي مُتَوارٍ … مِنْ وَرَا حُجْبِ الغُيُوبِ

стр. 5915

فَلِهَذَا يَا خَلِيْلِي … قُلْتُ لِلَّذَّاتِ غِيْبِي (١) وَجَعَلْتُ الهَمَّ والحُزْ … نَ من الدنيا نصيبي يَا حَيَاتي ومَمَاتي … وسَقَامي (٢) وطَبِيبي جُد لصَبٍّ (٣) يتلظّى … مِنْكَ بالرَّحْبِ الرَّحِيْبِ ثم أرَّخ وفاته لعشر بقين من جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن بمسجد القدم. الحسين بن محمد الخَلِيع الشاعر (٤) له ديوان شعر حسن مليح [عمّر طويلًا]، ووفاته في هذه السنة عن سنٍّ عالية. الملك الكبير (٥)، الشهيد العادل، محمود بن سُبُكْتِكين أبو القاسم الملقّب بيمين الدولة، وأمين الملّة، صاحب بلاد غَزْنة وما والاها، وجيشه يقال لهم: السّامانية، وكان أبوه قد تملّك عليهم، وتوفي سنة سبع وثمانين وثلاثمئة، فتملك بعده ولده [محمود] هذا، فسار فيهم وفي سائر الرعايا سيرة عادلة، وقام بأعباء الإسلام قيامًا تامًا، وفتح فتوحات كثيرة في بلاد الهند وغيرها، وعظم شأنه في العالمين، واتسعت مملكته، وامتدت رعاياه، وطالت أيامه [لعدله وجهاده وما أعطاه اللَّه إيّاه]، وكان يخطب في سائر ممالكه للخليفة العباسيّ القادر باللَّه. وكانت رسل الفاطميين من الديار المصريّة تَفِد عليه بالكتب والهدايا والتحف، [لأجل أن يكون من جهتهم] فيخرِّق بهم، ويقطع كتبهم [وهداياهم]، ويحرّق حُلَلَهم، وقد اتفق له في الهند فتوحات [هائلة] لم تتفق لغيره من الملوك، لا قبله ولا بعده، وغَنِم مغانم كثيرة لا تنحصر ولا تنضبط كثرة من الذهب واللآليء والسبي، وكسّر من أصنامهم وأبدادهم وأوثانهم شيئًا كثيرًا جدًا [وأخذ من حليِّها] بيّض اللَّه وجهه، وقد ذكرنا ذلك مفضلًا فيما سلف مُفَرَّقًا في السنين [المتقدمة من أيامه]، كان [من جملة] ما كسر من الأصنام بدٌّ عظيم للهنود يقال له: سومنات، بلغ ما تحصّل منه من الذهب عشرين ألف ألف دينار، وكسر ملك الهند الكبير الذي يقال له: جبيال (٦) وقهر ملك الترك الأعظم الذي يقال له: إيلك خان، وأباد ملك السامانيّة، وقد ملكوا بخراسان مئة سنة

стр. 5916

بلاد سمرقند وما حولها، ثم هلكوا، وبنى على جيحون جسرًا [تعجز الملوك والخلفاء عنه] غرم عليه ألفي ألف دينار، وهذا شيء لم يتفق لغيره من الملوك، وكان معه في جيشه أربع مئة خيل تقاتل، وهذه مرتبة هائلة، ومرتبة طائلة، وجرت له فصول، ذكر تفصيلها يطول، وكان [مع هذا] في غاية الديانة والصيانة، [وكراهة المعاصي وأهلها، لا يحب منها شيئًا ولا يألفه، ولا أن يسمع بها، ولا يجسر أحد أن يظهر معصية ولا خمرًا في مملكته ولا غير ذلك، ولا يحب الملاهي ولا أهلها]، وكان يُحب العلماء والمحدثين، ويُكرمهم ويُجالِسهم ويحسن إليهم، [ويحب أهل الخير والدين والصلاح] وكان حنفي المذهب، ثمّ صار شافعيًّا على يدي أبي بكر القفال الصغير، على ما ذكره إمام الحرمين وغيره، وكان كرّاميًا على اعتقادهم، وكان من [جملة] من يجالسه منهم محمد بن الهيضم، تناظر هو وأبو بكر بن فُورك بين يدي محمود بن سُبُكْتكين في مسألة العرش، مناظرة طويلة، ذكرها ابن الهيضم في مصنّف له، فمال [السلطان] محمود بن سُبُكْتِكين إلى قول ابن الهيضم [ونقم على ابن فورك كلامه، وأمر بطرده وإخراجه، لموافقته لرأي الجهمئة، وكان عادلًا جيدًا]. اشتكى إليه رجل أن ابن أخت الملك يهجم عليه وعلى أهله في كلِّ وقت، فيخرجه من البيت، ويختلي بامرأته، وقد حار في أمره، وكلّما اشتكاه إلى أحد من أولي الأمر، لا يتجاسر على إقامة الحدِّ عليه، يهابون الملك [فلما سمع الملك ذلك غضب غضبًا شديدًا]، وقال له: ويحك! متى جاءك فأتني فأعلمني، ولا تسمعنّ من أحد منعك من الوصول إليّ، ولو كان في الليل، [ثم إن الملك] تقدَّم إلى الحَجَبَةِ، أنّ هذا لا يمنعه أحد متى جاء من ليلٍ أو نهارٍ، [فما كان إلا ليلة أو ليلتان حتى هجم عليه ذلك الشاب فأخرجه من البيت واختلى بأهله] فذهب باكيًا إلى دار الملك، فقيل له: إن الملك نائم، فقال: وقد تقدّم إليكم بما سمعتم، فنبَّهوا الملك، فخرج معه بنفسه وحده، وجاء منزل ذلك الرجل، فنظر إلى الغلام وهو نائم مع المرأة في فراش الرجل، وعندهما شمعة تقد، فتقدّم الملك فأطفأ الضوء، ثم جثا فاحتز رأس الغلام، وقال للرجل: ويحكَ الحقني بشربة من ماء، فسقاه ثم انطلق الملك ليذهب فقال له الرجل: سألتك باللَّه لم أطفأت الشمعة؟ فقال: ويحك! إنه ابن أختي كرهت أن أشاهده حالة الذبح، فقال: ولم طلبت الماء سريعًا؟ فقال: إني كنت آليت [على نفسي] منذ أخبرتني أن لا أطعم طعامًا، ولا أشرب شرابًا، حتى [أنصرك و] أقوم بحقك، فكنت عطشانًا هذه الأيام [كلَّها]، حتى كان ما رأيت، فدعا له، وانصرف [الملك راجعًا إلى منزله، ولم يشعر بذلك أحد] رحمه اللَّه تعالى. وكان مرضه سوءَ مزاجٍ اعتراه، وانطلاق البطن سنتين، فكان فيهما لا يضطجع على فراشٍ، ولا يتّكئ على شيء لقوّة بأسه [وسوء مزاجه]، بل يستند إلى مخادٍّ توضع له، ويحضر مجلس ملكه، ويفصل بين الناس على عادته، حتى مات وهو كذلك، في يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر من هذه السنة، عن ثلاث وستين سنة، ملك منها ثلاثًا وثلاثين سنة، وخلف من الأموال شيئًا كثيرًا، من ذلك:

стр. 5917

سبعون رطلًا من جوهر [الجوهرة منه لها قيمة عظيمة]، وقام بالأمر من بعده ولده محمّد، ثمّ صار الملك إلى ابنه الآخر مسعود بن محمود، فأشبه أباه، وقد صنف بعض العلماء مجلّدًا في سيرته، وأيامه، وأحكامه، وفتوحاته، وممالكه، فأفاد. ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين وأربعمئة فيها: كانت وفاة القادر باللَّه، وخلافة ابنه القائم باللَّه، على ما سيأتي تفصيله. وفيها: وقعت فتنة عظيمة بين السنّة والروافض، فقويت عليهم السُّنّة، وقتلوا خلقًا منهم، ونهبوا الكرخ، ودار الشريف المرتضى، ونهبت العامة دور اليهود لأنهم نُسبوا إلى معاونة أهل الكرخ من الروافض، وتعدّى النهب إلى دور كثيرة [وانتشرت الفتنة جدًا ثمّ سكنت بعد ذلك، وفيها كثرت العملات]، وانتشرت المحنة بأمر العيّارين في أرجاء البلد، وتجاسروا على أمور كثيرة، ونهبوا دورًا وأماكن سِرًّا وجهرًا، ليلًا ونهارًا، فلا حول ولا قوة إلا باللَّه العليّ العظيم. خلافة القائم باللَّه أبي جعفر عبد اللَّه بن القادر باللَّه بويع له بالخلافة لمّا توفي أبوه القادر باللَّه، أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر باللَّه بن المعتضد ابن الأمير أبي أحمد الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور في ليلة الإثنين الحادي عشر من ذي الحجة من هذه السنة عن ستّ وثمانين سنة، وعشرة أشهر، وواحد وعشرين يومًا، ولم يعمّر أحد من الخلفاء قبله هذا العمر ولا بعده، من ذلك في الخلافة إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر، وهذا أيضًا شيء لم يسبقه أحد في ذلك، وأمّه أم ولد اسمها تمنِّي مولاة عبد الواحد بن المقتدر، وقد كان ﵀ حليمًا كريمًا، محبًّا لأهل العلم والدين والصلاح، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكان على طريقة السَّلف في الاعتقاد، وله في ذلك مصنّفات كانت تقرأ على الناس، وكان أبيض، حسن الجسم، طويل اللِّحية، عريضها، يخضّبها، وكان يقوم اللَّيل، كثير الصَّدقة، محبًّا للسّنة وأهلها، يُبغض البِدعة والقائمين بها، وكان يُكثر الصَّوم ويبرّ الفقراء من إفطاره، يبعث منه إلى المجاورين [بالحرمين] ولجامع المنصور، وجامع الرصافة، وكان يخرج من داره في زيّ العامَّة، فيزور قبور الصالحين، وقد ذكرنا طرفًا صالحًا من سيرته عند ذكر ولايته، في سنة إحدى وثمانين وثلاثمئة، وجلسوا في عزائه سبعة أيام، لعظم المصيبة فيه، ولتوطيد البيعة لولده القائم باللَّه أبي جعفر عبد اللَّه بن القادر باللَّه، وأمّه قطر النَّدى، أرمنيّة أدركت خلافته، وكان مولده في يوم الجمعة الثامن عشر من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وثلاثمئة، وكانت بيعته بحضرة القضاة، والأمراء، والكبراء، والأعيان، فكان أول من بايعه الشريف المرتضى، وأنشده قصيدة هائلة منها:

стр. 5918

فإمّا مضى جَبَلٌ وانْقَضى … فمنكَ لَنا جَبَلٌ قَدْ رَسَا وإنّا فُجِعنا ببدرِ التَّمام … فَقَدْ بَقِيَتْ منه شَمْس الضُّحَى لَنا حزَنٌ في مَحَلِّ السُّرورِ … فَكَم ضحكٍ في خِلال (١) البكا (٢) فَيَا صارِمًا أغْمَدتْه يَدٌ … لنَا بَعدَكَ الصَّارِمُ المنْتَضى ولَمّا حَضَرْنا لِعَقْدِ البياعِ … عَرَفْنا بِهَدْيِكَ طُرُقَ الهُدَى فقابَلْتَنا بِوقارِ المَشيْبِ … كَمَالًا وسِنُّكَ سِنُّ الفَتَى وطالَبتِ الأتراكُ برسم البيعة فلم يكن مع الخليفة شيء [يعطيهم] لأن أباه لم يترك مالًا، فكادت الفتنة تقع بين الناس بسبب ذلك، حتى دفع عنه الملك جلال الدَّولة، مالًا جزيلًا، نحوًا من ثلاثة آلاف دينار، واستوزر الخليفة أبا طالب محمد بن أيوب، واستقضى ابن ماكولا. ولم يحجّ أحد من أهل المشرق سوى شرذمة خرجوا من الكوفة مع العرب [فحجّوا]. وممن توفي فيها من الأعيان والكبراء [غير الخليفة]: الحسن بن جعفر (٣) أبو علي بن مَاكُوْلا، الوزير لجلال الدولة، وقد تقدّم أنه بُعث إلى البطيحة ففتحها، ورام أخْذَ البصرة فلم يمكنه ذلك، وقاتلوه دونها، فأسروه، فسأل أن يُذْهب به إلى الملك أبي كاليجار فعفا عنه، وأطلقه، فلمّا صار إلى الأهواز، تعامل عليه غلام له وجارية، فقتلاه في ذي الحجة من هذه السنة عن ست وخمسين سنة. عبد الوهّاب بن علي (٤) بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون بن مالك بن طَوْق صاحب الرَّحْبَة، التَّغْلبيّ، البغداديّ، أبو محمد، أحد أئمّة المالكيّة، ومصنّفهم، ومنصفهم، له كتاب "التلقين" يحفظه الطلبة، وله غيره في الفروع والأصول، وقد أقام ببغداد دهرًا، وولي قضاء بادرايا، وباكسايا (٥)، ثم خرج من بغداد لضيق حاله بها، فلما دخل مصر أكرمه المغاربة، وأعطوه ذهبًا كثيرًا، وتموّل وسعد جدًا، فأنشأ يقول متشوّقًا إلى بغداد ومعالمها: سَلامٌ على بَغْدادَ في كُلِّ مَوْقِفٍ … وَحُقَّ لَها مِنِّي سَلامٌ مضَاعفُ

стр. 5919

فَواللَّهِ ما فارقْتُها عَنْ قِلًا (١) لها … وَإنِّي بِشَطَّي جَانِبَيْها لَعَارِفُ وَلَكنَّهَا ضَاقَت عَليَّ بِأَسْرِهَا … وَلَمْ تَكُنِ الأَرْزَاقُ فيها تُساعِفُ فَكَانَتْ كَخِلٍّ كُنْتُ أهْوَى دُنُوَّهُ … وَأَخْلاقُهُ تَنْأى بِهِ وَتُخَالِفُ قال الخطيب البغدادي (٢): سمع القاضي عبد الوهّاب من ابن السّماك وكتب عنه، وكان ثقة، ولم نرَ في المالكية أحدًا أفقه منه. وقال القاضي ابن خلِّكان (٣) في الوفيات عنه: عندما وصل إلى الديار المصريّة، حصل له شيء من المال وحسن حاله، مرض من أكلة اشتهاها، فذُكر عنه أنّه كان يتقلّب ويقول: لا إله إلا اللَّه، عندما عشنا متنا، قال: وله أشعار رائقة ظريفة، فمن ذلك قوله: وَنائِمةٍ قَبَّلْتُها فَتَنَبَّهَتْ … وَقَالَتْ تَعَالوا فاطلبُوا اللصَّ بالحَدِّ فَقُلْتُ لها إنّي لَثَمْتُكِ (٤) غاصبٌ … وَمَا حَكَمُوا في غاصِبٍ بسوى الرّدِّ خُذِيْها وَفُكِّي (٥) عن أثيمٍ ظُلامةً … وإنْ أنتِ لم تَرضيْ فألفًا من (٦) العدِّ فَقَالَتْ قِصَاصٌ يَشْهدُ العقلُ أنَّهُ … على كَبِدِ الجَانِي ألذُّ مِنَ الشَّهْدِ فباتت يميني وهي هِمْمِانُ خصْرِهَا … وبَاتَتْ يسَاريْ وهْيَ وَاسِطَةُ العِقْدِ فقَالَتْ: ألَمْ أخبرْ (٧) بأنَّكَ زاهدٌ … فَقُلْتُ: بَلَى، ما زِلْتُ أزْهَدُ في الزُّهْدِ ومما إنشده ابن خلِّكان (٨) للقاضي عبد الوّهاب المالكي ﵀: بَغْدادُ دارٌ لأهْلِ المالِ طَيِّبَةٌ … وَللمَفاليسِ دَارُ الضَّنْكِ والضِّيْقِ ظَلَلْتُ حيرانَ أمشي في أزِقَّتها … كأنَّني مُصْحَفٌ في بَيْتِ زِنْدِيْقِ (٩)

стр. 5920

ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وأربعمئة في سادس المحرم [منها] استسقى أهل بغداد لتأخر الأمطار عن أوانها، فلم يسقوا، وكثر الموت في الناس. ولما كان يوم عاشوراء عملت [الروافض] البدعة الشنعاء، وكثر النوح والبكاء، وامتلأت بذلك الطرقات والأسواق والأرجاء. ثم في صفر أمر الناس بالخروج إلى الاستسقاء لقحوط البلاد، فلم يخرج من أهل بغداد باتساعها [وكثرة أهلها] مئة إنسان في الجوامع كلّها. وفيها: وقع بين الجيش وبين جلال الدولة، فاتفق الحال على خروجه إلى البصرة، فردّ كثيرًا من جواريه إلى أساتيذهنّ قبله، واستبقى بعضهن، وخرج من بغداد، ليلة الإثنين سادس ربيع الأول من هذه السنة، وكتب الغلمان والإسفهسلارية إلى الملك أبي كاليجار ليقدم عليهم، فقد تمهّدت له البلاد، ولم يبق أحد من أهل العناد، ولا الحسّاد، ونهبوا دار جلال الدولة وغيرها، وتأخّر مجيء أبي كاليجار، وذلك أنّ وزيره العادِل بن صافنة، أشار عليه بعدم القدوم إلى بغداد [فأطاعه في ذلك]، فكثرت العيارون ببغداد، وتفاقم الحال بهم، وفسد البلد، وافتقر جلال الدولة بحيث احتاج إلى أن باع بعض ثيابه في الأسوق، وجعل أبو كاليجار يتوهم من الأتراك، ويطلب منهم رهائن، فلم يتفق ذلك، وطال الفصل، فرجعوا إلى مكاتبة جلال الدولة أن يرجع إلى بلده، وشرعوا في الاعتذار إليه، وخطبوا له في البلد على عادته، ثمّ رجع بعد ثلاث وأربعين ليلة إلى بغداد، وأرسل الخليفة الرسل إلى الملك أبي كاليجار، وممن بعث إليه: القاضي أبو الحسن الماوردي، يسلّم عليه ويستوحش منه، فدخلوا عليه وقد تجمّل تجمّلًا عظيمًا، فسأل أن يلقب بالسلطان المعظّم مالك الأمم [فقال الماوردي: هذا ما لا سبيل إليه، لأن السلطان المعظم هو الخليفة، وكذلك مالك الأمم] ثم اتفقوا على تلقيبه بملك الدولة. فأرسل مع الماوردي بتحفٍ عظيمٍ منها ألف ألف دينار سابورية وغير ذلك، ومن الدراهم آلاف [مؤلّفة]، وتحف وألطاف، واجتمع الجند على طلب أرزاقهم من الخليفة فتعذّر ذلك، فراموا أن يقطعوا خطبته، فلم يصلّ الجمعة في هذا الوقت، ثمّ خطب له من الجمعة القابلة، وتخبّط البلد جدًا، وكثر العيارون. ثم في ربيع الآخر من هذه السنة حلف الخليفة لجلال الدولة بخلوص النيّة وصفائها، وأنه على ما يحب من الصدق، وصلاح النيّة والسرير (١). ثم وقع بينهما بسبب لعب جلال الدولة، وشربه النبيذ وتهتُّكه به، ثم اعتذر إلى الخليفة واصطلحا على فساد.
следующие страницы →