← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

بلاد سمرقند وما حولها، ثم هلكوا، وبنى على جيحون جسرًا [تعجز الملوك والخلفاء عنه] غرم عليه ألفي ألف دينار، وهذا شيء لم يتفق لغيره من الملوك، وكان معه في جيشه أربع مئة خيل تقاتل، وهذه مرتبة هائلة، ومرتبة طائلة، وجرت له فصول، ذكر تفصيلها يطول، وكان [مع هذا] في غاية الديانة والصيانة، [وكراهة المعاصي وأهلها، لا يحب منها شيئًا ولا يألفه، ولا أن يسمع بها، ولا يجسر أحد أن يظهر معصية ولا خمرًا في مملكته ولا غير ذلك، ولا يحب الملاهي ولا أهلها]، وكان يُحب العلماء والمحدثين، ويُكرمهم ويُجالِسهم ويحسن إليهم، [ويحب أهل الخير والدين والصلاح] وكان حنفي المذهب، ثمّ صار شافعيًّا على يدي أبي بكر القفال الصغير، على ما ذكره إمام الحرمين وغيره، وكان كرّاميًا على اعتقادهم، وكان من [جملة] من يجالسه منهم محمد بن الهيضم، تناظر هو وأبو بكر بن فُورك بين يدي محمود بن سُبُكْتكين في مسألة العرش، مناظرة طويلة، ذكرها ابن الهيضم في مصنّف له، فمال [السلطان] محمود بن سُبُكْتِكين إلى قول ابن الهيضم [ونقم على ابن فورك كلامه، وأمر بطرده وإخراجه، لموافقته لرأي الجهمئة، وكان عادلًا جيدًا]. اشتكى إليه رجل أن ابن أخت الملك يهجم عليه وعلى أهله في كلِّ وقت، فيخرجه من البيت، ويختلي بامرأته، وقد حار في أمره، وكلّما اشتكاه إلى أحد من أولي الأمر، لا يتجاسر على إقامة الحدِّ عليه، يهابون الملك [فلما سمع الملك ذلك غضب غضبًا شديدًا]، وقال له: ويحك! متى جاءك فأتني فأعلمني، ولا تسمعنّ من أحد منعك من الوصول إليّ، ولو كان في الليل، [ثم إن الملك] تقدَّم إلى الحَجَبَةِ، أنّ هذا لا يمنعه أحد متى جاء من ليلٍ أو نهارٍ، [فما كان إلا ليلة أو ليلتان حتى هجم عليه ذلك الشاب فأخرجه من البيت واختلى بأهله] فذهب باكيًا إلى دار الملك، فقيل له: إن الملك نائم، فقال: وقد تقدّم إليكم بما سمعتم، فنبَّهوا الملك، فخرج معه بنفسه وحده، وجاء منزل ذلك الرجل، فنظر إلى الغلام وهو نائم مع المرأة في فراش الرجل، وعندهما شمعة تقد، فتقدّم الملك فأطفأ الضوء، ثم جثا فاحتز رأس الغلام، وقال للرجل: ويحكَ الحقني بشربة من ماء، فسقاه ثم انطلق الملك ليذهب فقال له الرجل: سألتك باللَّه لم أطفأت الشمعة؟ فقال: ويحك! إنه ابن أختي كرهت أن أشاهده حالة الذبح، فقال: ولم طلبت الماء سريعًا؟ فقال: إني كنت آليت [على نفسي] منذ أخبرتني أن لا أطعم طعامًا، ولا أشرب شرابًا، حتى [أنصرك و] أقوم بحقك، فكنت عطشانًا هذه الأيام [كلَّها]، حتى كان ما رأيت، فدعا له، وانصرف [الملك راجعًا إلى منزله، ولم يشعر بذلك أحد] رحمه اللَّه تعالى. وكان مرضه سوءَ مزاجٍ اعتراه، وانطلاق البطن سنتين، فكان فيهما لا يضطجع على فراشٍ، ولا يتّكئ على شيء لقوّة بأسه [وسوء مزاجه]، بل يستند إلى مخادٍّ توضع له، ويحضر مجلس ملكه، ويفصل بين الناس على عادته، حتى مات وهو كذلك، في يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر من هذه السنة، عن ثلاث وستين سنة، ملك منها ثلاثًا وثلاثين سنة، وخلف من الأموال شيئًا كثيرًا، من ذلك:

стр. 5917

سبعون رطلًا من جوهر [الجوهرة منه لها قيمة عظيمة]، وقام بالأمر من بعده ولده محمّد، ثمّ صار الملك إلى ابنه الآخر مسعود بن محمود، فأشبه أباه، وقد صنف بعض العلماء مجلّدًا في سيرته، وأيامه، وأحكامه، وفتوحاته، وممالكه، فأفاد. ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين وأربعمئة فيها: كانت وفاة القادر باللَّه، وخلافة ابنه القائم باللَّه، على ما سيأتي تفصيله. وفيها: وقعت فتنة عظيمة بين السنّة والروافض، فقويت عليهم السُّنّة، وقتلوا خلقًا منهم، ونهبوا الكرخ، ودار الشريف المرتضى، ونهبت العامة دور اليهود لأنهم نُسبوا إلى معاونة أهل الكرخ من الروافض، وتعدّى النهب إلى دور كثيرة [وانتشرت الفتنة جدًا ثمّ سكنت بعد ذلك، وفيها كثرت العملات]، وانتشرت المحنة بأمر العيّارين في أرجاء البلد، وتجاسروا على أمور كثيرة، ونهبوا دورًا وأماكن سِرًّا وجهرًا، ليلًا ونهارًا، فلا حول ولا قوة إلا باللَّه العليّ العظيم. خلافة القائم باللَّه أبي جعفر عبد اللَّه بن القادر باللَّه بويع له بالخلافة لمّا توفي أبوه القادر باللَّه، أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر باللَّه بن المعتضد ابن الأمير أبي أحمد الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور في ليلة الإثنين الحادي عشر من ذي الحجة من هذه السنة عن ستّ وثمانين سنة، وعشرة أشهر، وواحد وعشرين يومًا، ولم يعمّر أحد من الخلفاء قبله هذا العمر ولا بعده، من ذلك في الخلافة إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر، وهذا أيضًا شيء لم يسبقه أحد في ذلك، وأمّه أم ولد اسمها تمنِّي مولاة عبد الواحد بن المقتدر، وقد كان ﵀ حليمًا كريمًا، محبًّا لأهل العلم والدين والصلاح، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكان على طريقة السَّلف في الاعتقاد، وله في ذلك مصنّفات كانت تقرأ على الناس، وكان أبيض، حسن الجسم، طويل اللِّحية، عريضها، يخضّبها، وكان يقوم اللَّيل، كثير الصَّدقة، محبًّا للسّنة وأهلها، يُبغض البِدعة والقائمين بها، وكان يُكثر الصَّوم ويبرّ الفقراء من إفطاره، يبعث منه إلى المجاورين [بالحرمين] ولجامع المنصور، وجامع الرصافة، وكان يخرج من داره في زيّ العامَّة، فيزور قبور الصالحين، وقد ذكرنا طرفًا صالحًا من سيرته عند ذكر ولايته، في سنة إحدى وثمانين وثلاثمئة، وجلسوا في عزائه سبعة أيام، لعظم المصيبة فيه، ولتوطيد البيعة لولده القائم باللَّه أبي جعفر عبد اللَّه بن القادر باللَّه، وأمّه قطر النَّدى، أرمنيّة أدركت خلافته، وكان مولده في يوم الجمعة الثامن عشر من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وثلاثمئة، وكانت بيعته بحضرة القضاة، والأمراء، والكبراء، والأعيان، فكان أول من بايعه الشريف المرتضى، وأنشده قصيدة هائلة منها:

стр. 5918

فإمّا مضى جَبَلٌ وانْقَضى … فمنكَ لَنا جَبَلٌ قَدْ رَسَا وإنّا فُجِعنا ببدرِ التَّمام … فَقَدْ بَقِيَتْ منه شَمْس الضُّحَى لَنا حزَنٌ في مَحَلِّ السُّرورِ … فَكَم ضحكٍ في خِلال (١) البكا (٢) فَيَا صارِمًا أغْمَدتْه يَدٌ … لنَا بَعدَكَ الصَّارِمُ المنْتَضى ولَمّا حَضَرْنا لِعَقْدِ البياعِ … عَرَفْنا بِهَدْيِكَ طُرُقَ الهُدَى فقابَلْتَنا بِوقارِ المَشيْبِ … كَمَالًا وسِنُّكَ سِنُّ الفَتَى وطالَبتِ الأتراكُ برسم البيعة فلم يكن مع الخليفة شيء [يعطيهم] لأن أباه لم يترك مالًا، فكادت الفتنة تقع بين الناس بسبب ذلك، حتى دفع عنه الملك جلال الدَّولة، مالًا جزيلًا، نحوًا من ثلاثة آلاف دينار، واستوزر الخليفة أبا طالب محمد بن أيوب، واستقضى ابن ماكولا. ولم يحجّ أحد من أهل المشرق سوى شرذمة خرجوا من الكوفة مع العرب [فحجّوا]. وممن توفي فيها من الأعيان والكبراء [غير الخليفة]: الحسن بن جعفر (٣) أبو علي بن مَاكُوْلا، الوزير لجلال الدولة، وقد تقدّم أنه بُعث إلى البطيحة ففتحها، ورام أخْذَ البصرة فلم يمكنه ذلك، وقاتلوه دونها، فأسروه، فسأل أن يُذْهب به إلى الملك أبي كاليجار فعفا عنه، وأطلقه، فلمّا صار إلى الأهواز، تعامل عليه غلام له وجارية، فقتلاه في ذي الحجة من هذه السنة عن ست وخمسين سنة. عبد الوهّاب بن علي (٤) بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون بن مالك بن طَوْق صاحب الرَّحْبَة، التَّغْلبيّ، البغداديّ، أبو محمد، أحد أئمّة المالكيّة، ومصنّفهم، ومنصفهم، له كتاب "التلقين" يحفظه الطلبة، وله غيره في الفروع والأصول، وقد أقام ببغداد دهرًا، وولي قضاء بادرايا، وباكسايا (٥)، ثم خرج من بغداد لضيق حاله بها، فلما دخل مصر أكرمه المغاربة، وأعطوه ذهبًا كثيرًا، وتموّل وسعد جدًا، فأنشأ يقول متشوّقًا إلى بغداد ومعالمها: سَلامٌ على بَغْدادَ في كُلِّ مَوْقِفٍ … وَحُقَّ لَها مِنِّي سَلامٌ مضَاعفُ

стр. 5919

فَواللَّهِ ما فارقْتُها عَنْ قِلًا (١) لها … وَإنِّي بِشَطَّي جَانِبَيْها لَعَارِفُ وَلَكنَّهَا ضَاقَت عَليَّ بِأَسْرِهَا … وَلَمْ تَكُنِ الأَرْزَاقُ فيها تُساعِفُ فَكَانَتْ كَخِلٍّ كُنْتُ أهْوَى دُنُوَّهُ … وَأَخْلاقُهُ تَنْأى بِهِ وَتُخَالِفُ قال الخطيب البغدادي (٢): سمع القاضي عبد الوهّاب من ابن السّماك وكتب عنه، وكان ثقة، ولم نرَ في المالكية أحدًا أفقه منه. وقال القاضي ابن خلِّكان (٣) في الوفيات عنه: عندما وصل إلى الديار المصريّة، حصل له شيء من المال وحسن حاله، مرض من أكلة اشتهاها، فذُكر عنه أنّه كان يتقلّب ويقول: لا إله إلا اللَّه، عندما عشنا متنا، قال: وله أشعار رائقة ظريفة، فمن ذلك قوله: وَنائِمةٍ قَبَّلْتُها فَتَنَبَّهَتْ … وَقَالَتْ تَعَالوا فاطلبُوا اللصَّ بالحَدِّ فَقُلْتُ لها إنّي لَثَمْتُكِ (٤) غاصبٌ … وَمَا حَكَمُوا في غاصِبٍ بسوى الرّدِّ خُذِيْها وَفُكِّي (٥) عن أثيمٍ ظُلامةً … وإنْ أنتِ لم تَرضيْ فألفًا من (٦) العدِّ فَقَالَتْ قِصَاصٌ يَشْهدُ العقلُ أنَّهُ … على كَبِدِ الجَانِي ألذُّ مِنَ الشَّهْدِ فباتت يميني وهي هِمْمِانُ خصْرِهَا … وبَاتَتْ يسَاريْ وهْيَ وَاسِطَةُ العِقْدِ فقَالَتْ: ألَمْ أخبرْ (٧) بأنَّكَ زاهدٌ … فَقُلْتُ: بَلَى، ما زِلْتُ أزْهَدُ في الزُّهْدِ ومما إنشده ابن خلِّكان (٨) للقاضي عبد الوّهاب المالكي ﵀: بَغْدادُ دارٌ لأهْلِ المالِ طَيِّبَةٌ … وَللمَفاليسِ دَارُ الضَّنْكِ والضِّيْقِ ظَلَلْتُ حيرانَ أمشي في أزِقَّتها … كأنَّني مُصْحَفٌ في بَيْتِ زِنْدِيْقِ (٩)

стр. 5920

ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وأربعمئة في سادس المحرم [منها] استسقى أهل بغداد لتأخر الأمطار عن أوانها، فلم يسقوا، وكثر الموت في الناس. ولما كان يوم عاشوراء عملت [الروافض] البدعة الشنعاء، وكثر النوح والبكاء، وامتلأت بذلك الطرقات والأسواق والأرجاء. ثم في صفر أمر الناس بالخروج إلى الاستسقاء لقحوط البلاد، فلم يخرج من أهل بغداد باتساعها [وكثرة أهلها] مئة إنسان في الجوامع كلّها. وفيها: وقع بين الجيش وبين جلال الدولة، فاتفق الحال على خروجه إلى البصرة، فردّ كثيرًا من جواريه إلى أساتيذهنّ قبله، واستبقى بعضهن، وخرج من بغداد، ليلة الإثنين سادس ربيع الأول من هذه السنة، وكتب الغلمان والإسفهسلارية إلى الملك أبي كاليجار ليقدم عليهم، فقد تمهّدت له البلاد، ولم يبق أحد من أهل العناد، ولا الحسّاد، ونهبوا دار جلال الدولة وغيرها، وتأخّر مجيء أبي كاليجار، وذلك أنّ وزيره العادِل بن صافنة، أشار عليه بعدم القدوم إلى بغداد [فأطاعه في ذلك]، فكثرت العيارون ببغداد، وتفاقم الحال بهم، وفسد البلد، وافتقر جلال الدولة بحيث احتاج إلى أن باع بعض ثيابه في الأسوق، وجعل أبو كاليجار يتوهم من الأتراك، ويطلب منهم رهائن، فلم يتفق ذلك، وطال الفصل، فرجعوا إلى مكاتبة جلال الدولة أن يرجع إلى بلده، وشرعوا في الاعتذار إليه، وخطبوا له في البلد على عادته، ثمّ رجع بعد ثلاث وأربعين ليلة إلى بغداد، وأرسل الخليفة الرسل إلى الملك أبي كاليجار، وممن بعث إليه: القاضي أبو الحسن الماوردي، يسلّم عليه ويستوحش منه، فدخلوا عليه وقد تجمّل تجمّلًا عظيمًا، فسأل أن يلقب بالسلطان المعظّم مالك الأمم [فقال الماوردي: هذا ما لا سبيل إليه، لأن السلطان المعظم هو الخليفة، وكذلك مالك الأمم] ثم اتفقوا على تلقيبه بملك الدولة. فأرسل مع الماوردي بتحفٍ عظيمٍ منها ألف ألف دينار سابورية وغير ذلك، ومن الدراهم آلاف [مؤلّفة]، وتحف وألطاف، واجتمع الجند على طلب أرزاقهم من الخليفة فتعذّر ذلك، فراموا أن يقطعوا خطبته، فلم يصلّ الجمعة في هذا الوقت، ثمّ خطب له من الجمعة القابلة، وتخبّط البلد جدًا، وكثر العيارون. ثم في ربيع الآخر من هذه السنة حلف الخليفة لجلال الدولة بخلوص النيّة وصفائها، وأنه على ما يحب من الصدق، وصلاح النيّة والسرير (١). ثم وقع بينهما بسبب لعب جلال الدولة، وشربه النبيذ وتهتُّكه به، ثم اعتذر إلى الخليفة واصطلحا على فساد.

стр. 5921

وفي رجب غلت الأسعار جدًا ببغداد، وغيرها من أراضي العراق، ولم يحجّ أحد منها. وفي هذه السنة: وقع مُوتان عظيم ببلاد الهند وغزنة، وخراسان وجرجان والريّ وأصبهان، خرج منها في أدنى مدة، أربعون ألف جنازة، وفي نواحي الجبل والموصل وبغداد طرف قوي من ذلك بالجدري، بحيث لم تخل دار من مصاب به، واستمرّ ذلك في حزيران، وتموز، وآب، وأيلول، وتشرين الأول، والثاني، وكان في الصيف أكثر منه في الخريف، قاله ابن الجوزي في المنتظم (١). وقد رأى رجل من أهل السنة من أصبهان، في منامه مناديًا [ينادي] بصوت جَهْوَري: يا أهل أصبهان، سكت، نطق، سكت، نطق. فانتبه الرجل مذعورًا، فلم يدر أحد تأويلها، حتى قيل ذلك لرجل لبيب فقال: احذروا يا أهل أصبهان فإني قرأت في شعر أبي العتاهية: سَكَتَ الدَّهرُ زَمانًا عَنْهُمُ … ثُمَّ أبْكَاهُمْ دَمًا حين نطق فما كان غير قليل حتى جاء الملك مسعود بن محمود بن سُبُكْتِكين، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، حتى قتل أناسًا في الجوامع والصوامع معتكفين، فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون. وفي هذه السنة: ظفر الملك أبو كاليجار بالخادم صندل فقتله، وكان قد استحوذ على مملكته، ولم يبق له معه سوى الاسم، فاستراح منه. وفيها: مات ملك الترك الكبير صاحب بلاد ما وراء النهر، واسمه بَدْرخان، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. وممن توفي فيها من الأعيان: رَوْح بن محمد بن أحمد أبو زُرْعة الرازي (٢). قال الخطيب (٣): سمع جماعة وقدم علينا حاجًّا، فكتبت عنه، وكان صدوقًا فهمًا، أديبًا، يتفقه على مذهب الشافعي، وولي قضاء أصبهان، قال: وبلغني أنّه مات بالكرخ سنة ثلاث وعشرين وأربعمئة. علي بن أحمد بن الحسن بن محمد بن نُعيم بن الحسن البصري المعروف بالنُّعيمي (٤) الحافظ، الشاعر، المتكلّم، الفقيه الشافعي.

стр. 5922

قال البَرْقاني: هو كامل في كلِّ شيء لولا بادرة فيه، وقد سمع على جماعة، ومن شعره الحسن قوله: إذا أظْمَأتْكَ أكُفُّ اللِّئَامِ … كَفَتْكَ القَنَاعةُ شِبْعًا وَرِيَّا فَكُنْ رَجُلًا رِجْلُهُ في الثَّرَى … وهَامةُ هِمَّتِهِ (١) في الثُّرَيَّا أبيًّا لتأمِيل (٢) ذي ثَرْوَةٍ (٣) … تَرَاهُ بما في يَدَيْهِ أبِتَّا فَإنَّ إرَاقَةَ مَاءِ الحَيَا … ةِ دُونَ إرَاقَةِ مَاءِ المُحَيَّا (٤) محمّد بن الطيّب بن سعد بن موسى أبو بكر الصّبّاع (٥). حدّث عن النّجاد وأبي بكر الشافعي، وكان صدوقًا، وقد حكى الخطيب البغدادي (٦): أنّه تزوّج بتسعمئة (٧) امرأة، وذكر أنّه توفي عن خمس وتسعين سنة، رحمه اللَّه تعالى. علي بن هلال الكاتب المشهور (٨). ذكر ابن خلِّكان (٩): أنّه توفي في هذه السنة، وقيل: في سنة ثلاث عشرة كما قدمنا. ثم دخلت سنة أربع وعشرين وأربعمئة فيها: تفاقم الحال بأمر العيّارين، وتزايد أمرهم، وأخذهم العملات [الكثيرة]، وقوي أمر مقدَّمهم البُرجُمي، وقُتل صاحب الشرطة غيلة، وتواترت النهبات في اللّيل والنهار، واحتفظ الناس بدورهم وحرسوها، حتى دار الخليفة، وسور البلد، وعظم الخطب بهم جدًا. وكان من شأن هذا البرجمي أنّه لا يؤذي امرأة، ولا يأخذ مما عليهن شيئًا، وهذه مروءة في الظلم. فيقال له (١٠): "حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض"

стр. 5923

وفيها: أخذ جلال الدولة البصرة، وأرسل إليها ولده العزيز، فأقام بها الخطبة لأبيه، وقطعت منها خطبة أبي كاليجار هذه السنة والتي بعدها، ثمّ استُرجعت من يد جلال الدولة، وأخرج منها ولده، ورجعت الخطبة لأبي كاليجار. وفي هذه السنة: ثارت الأتراك بالملك جلال الدولة لتأخر أرزاقهم. وأخرجوه من داره، ورسموا عليه في مسجده، وأخرجت حريمه، فذهب في الليل إلى دار الشريف المرتضى فنزلها، ثم اصطلحت الأتراك معه، وحَلَفوا له على السمع والطاعة، ورجع إلى داره، وكثر العيارون ببغداد، واستطالوا على الناس ليلًا ونهارًا، وإسرارًا وإجهارًا. ولم يحجّ أحد من أهل العراق وخراسان لفساد الطرقات. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن الحسين بن أحمد (١) أبو الحسين الواعظ، المعروف بابن السمّاك. ولد سنة ثلاثين وثلاثمئة، وسمع جعفر الخُلْدي وغيره، وكان يعظ بجامع المنصور، وجامع المهديّ، ويتكلّم على طريقة التصوّف، وقد تكلَّم بعض الأئمة فيه، ونُسِبَ إلى الكذب، توفي في هذه السنة عن أربع وتسعين سنة، ودفن بباب حرب، واللَّه تعالى أعلم. ثم دخلت سنة خمس وعشرين وأربعمئة فيها: غزا السلطان مسعود بن محمود بن سُبُكْتِكين بلاد الهند، وفتح حصونًا كثيرة، فكان من جملتها أنَّه حاصر قلعة حصينة، فخرجت من السور عجوز كبيرة ساحرة، وأخذت مكنسة فبلّتها، ورشّتها على ناحية جش المسلمين، فمرض السلطان مسعود تلك الليلة مرضًا شديدًا، فارتحل عن تلك القلعة، فلمّا استقلّ ذاهبًا عنها، عوفي عافية كاملة ورجع إلى غزنة سالمًا. وفيها: تولّى البساسيري حماية الجانب الغربي من بغداد لما تفاقم أمر العيّارين، وكثر شرّهم وفسادهم. وفيها: ولي سنان بن سيف الدولة عريب بن محمد بن معان بعد وفاة أبيه، فقصد عمّه قرواشًا، فأقرّه وساعده على استقامة أموره. وفيها: هلك ملك الروم أرمانوس، فملكهم من بعده رجل ليس من بيت ملكهم، وقد كان

стр. 5924

صيرفيًا في بعض الأحيان، إلا أنه من سلالة الملك قسطنطين، باني المدينة التي لهم. وفيها: كثرت الزلازل بمصر والشام فهدّمت شيئًا كثيرًا، ومات تحت الردم خلق كثير، وانهدم من الرَّملة ثلثها، وتقطع جامعها تقطعًا، وخرج أهلها منها [هاربين]، فأقاموا ظاهرها ثمانية أيام، ثم سكن الحال، فعادوا إليها، وسقط حائط بيت المقدس، ووقع من محراب داود قطعة كبيرة، ومن مسجد إبراهيم قطعة، وسلمت الحجرة، وسقطت منارة عسقلان، ورأس منارة غزّة، وسقط نصف بنيان نابلس، وخسف بقرية بإزائها بأهلها، وبقرها، وغنمها، وساخت في الأرض، وكذلك قرى كثيرة هنالك، ذكره ابن الجوزي (١). وكان غلاء شديد ببلاد إفريقية. وعصفت ريح سوداء بنصيبين فأتلفت شيئًا كثيرًا من الأشجار، حتى من التوت والجوز والعنَّاب، واقتلعت قصرًا مشيدًا بحجارة وآجر وكلس [فألقته وأهله فهلكوا]، ثم سقط مطر معه بَرَد، أمثال الأكفّ والزنود والأصابع، وجَزَرَ البحر من تلك الناحية ثلاثة فراسخ، فذهب الناس خلف السمك فرجع الماء عليهم، فهلك منهم خلق كثير. وفيها: كثر الموت بالخوانيق، حتى كان يُغلق الباب على من في الدار كلّهم قد مات. وكان أكثر ذلك ببغداد، فمات من أهلها في شهر ذي الحجة تسعون ألفًا. وفيها: وقعت الفتنة بين السّنة والروافض، حتى بين العيّارين من الفريقين، ومنع ابنا الأصبهاني وهما مقدما عيّاري أهل السنة، منعا أهل الكرخ من ورود ماء دجلة، فضاق عليهم النطاق، وقُتِل ابن البُرجُمي وأخوه في هذه السنة. ولم يحجّ أحد من أهل العراق في هذه السنة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن أحمد (٢) بن غالب (٣) الحافظ، أبو بكر، المعروف بالبَرْقاني.

стр. 5925

ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمئة، وسمع الكثير، وجمع كتبًا كثيرة جدًا، وكان عالمًا بالقرآن والفقه والحديث، والنحو، وله مصنفات في الحديث حسنة نافعة. قال الأزهري: إذا مات البَرقاني ذهب هذا الشأن، وما رأيت أنفس منه (١). وقال غيره: ما رأيت أعبد منه في أهل الحديث. توفي يوم الخميس مستهلّ رجب، وصلّى عليه أبو علي بن أبي موسى الهاشمي، ودفن في مقبرة الجامع ببغداد، وقد أورد له الحافظ ابن عساكر من شعره قوله: أعَلَّلُ نَفْسِي بِكَتْبِ الحَدِيثِ … وَأحملُ فيهِ لها الموْعِدا وَأشْغلُ نَفْسي بتَصْنِيفِهِ … وَتَخْرِيجهِ دَائمًا سَرْمَدَا فَطَوْرًا أُصَنِّفُه في الشُّيوخِ … وَطَوْرًا أُصَنِّفُه مُسْنَدا وَأقْفُو البُخاري فيما نَحَاه … وَصَنَفَهُ جَاهِدًا مُجهدَا وَمُسْلِم إذْ كَانَ زينَ الأنَامِ … بِتَصْنِيْفِهِ مُسْلِمًا مُرشِدا وَمَا لي فِيْهِ سِوَى أنَّني … أرَاهُ هَوًى صَادفَ المَقصِدَا وَأرْجُو الثوابَ بكَتْبِ الصَّلاةِ … عَلَى السيِّد المُصْطَفَى أحْمَدا أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن سعيد أبو العباس الأبْيِوَرْدي (٢). أحد أئمة الشافعيّة من تلاميذ الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وكانت له حلقة في جامع المنصور للفتيا، ويدرس في قطيعة الربيع، وولي الحكم ببغداد نيابة عن ابن الأكفاني، وقد سمع الحديث، وكان حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، فصيح اللسان، صبورًا على الفقر، كاتمًا له، وكان يقول الشعر الجيد، كان كما قال اللَّه : ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. توفي رحمه اللَّه تعالى في جمادى الآخرة، ودفن بمقبرة باب حرب. الحسن بن عبيد اللَّه بن يحيى (٣) الشيخ أبو علي البَنْدَنِيجي. أحد أئمة الشافعيّة، وتلاميذ أبي حامد الإسفراييني، ولم يكن في أصحابه مثله [تفقه و] درّس وأفتى وحكم ببغداد، وكان ديّنًا ورعًا. توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة أيضًا، رحمه اللَّه تعالى.

стр. 5926

عبد الوهّاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد (١) أبو الفرج التميمي الفقيه الحنبلي الواعظ. سمع من أبيه أثرًا مسلسلًا عن علي "الحنَّان: الذي يُقْبِل على من أعرض عنه، والمنّان: الذي يبدأ بالنَّوال قبل السؤال". توفي في ربيع الأول ودفن في مقبرة أحمد بن حنبل. غريب بن محمد بن معن بن سيف الدَّولة (٢) أبو سِنان، كان قد ضرب السكّة باسمه، وكان ملكًا متمكِّنًا في الدَّولة، وخلَّف خمسمئة ألف دينار، وقام ابنه سنان بعده، وتقوَّى بعقه قرواش، فاستقامت أموره به، وكانت وفاته بكرخ سامرّاء عن سبعين سنة، ﵀ وإيّانا بمنِّهِ وكرمِهِ. ثم دخلت سنة ست وعشرين وأربعمئة في المحرّم كثر تردد الأعراب في قطع الطريق إلى حواشي بغداد وما حولها، بحيث كانوا يستلبون ما على النِّساء، ومن أسروه أخذوا ما معه، وطالبوه بفداء نفسه، واستفحل أمر العيَّارين ببغداد، وكثرت شرورهم وإفسادهم. وفي مستهلّ صفر زادت دجلة بحيث ارتفع [الماء] على الضياع ذراعين، وسقط من البصرة في مدّة ثلاثة أيام [نحو] ألفي دار. وفي شعبان ورد كتاب من مسعود بن محمود بن سُبُكْتِكين بأنّه قد فتح فتحًا عظيمًا في الهند، وقتل منهم خمسين ألفًا، وأسر تسعين ألفًا، وغنم شيئًا كثيرًا. ووقع فتنة بين البغاددة والعيّارين، ووقع حريق كثير في أماكن متعددة منها، واتّسع الخرق على الراقع، ولم يحجّ أحد من أهل العراق وخراسان في هذا العام. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن كُلَيب الشاعر (٣) وهو أحد من هلك بالعشق، روى ابن الجوزي في "المنتظم" بسنده من طريق أبي عبد اللَّه الحُميدي بسنده، أن أحمد بن كليب هذا المُعَثَّر (٤)، تعشّق شابًا يقال له: أسلم بن أبي الجعد من بني خالد، وكان فيهم وزارة وحجابة، فأنشد فيه أشعارًا تحدّث الناس بها، وهذا

стр. 5927

[الشاب] كان يطلب العلم في مجالس المشايخ [فلما بلغه عن ابن كليب ما قال فيه] استحيا من الناس، وانقطع في داره فلا يجتمع بأحد من الناس، فازداد غرام ابن كُلَيب به حتى مرض من ذلك مرضًا شديدًا، عاده الناس منه، وكان في جملة من عاده بعض المشايخ [من العلماء] فسأله عن مرضه فقال: أنتم تعلمون دائي ودوائي، لو زارني أسلم ونظر إليّ نظرة [ونظرته نظرة] واحدة برئت، وإلا فأنا هالك، فرأى ذلك الشيخ من المصلحة أن لو دخل على [أسلم] وسأله أن يزوره ولو مرة واحدة مختفيًا، فلم يزل به حتى [أجابه إلى زيارته] فانطلقا إليه، فلمّا دخلا دربه [ومحلّته] تغيّر الغلام واستحيا من الدخول [عليه، وقال للرجل العالم: لا أدخل عليه وقد ذكرني ونوّه باسمي، هذا مكان ريبة وتهمة، وأنا لا أحب أن أدخل مداخل التهم] فحرص به الرجل كلّ الحرص ليدخل عليه فأبى [عليه فقال له: إنّه ميّت لا محالة، فإذا دخلت عليه أحييته، فقال: يموت، وأنا لا أدخل مدخلًا يسخط اللَّه عليّ ويغضبه، وأبى أن يدخل، وانصرف راجعًا إلى دارهم، فدخل الرجل فذكر له ما كان من أمره، وقد كان غلام ابن كُلَيب قد دخل إليه [قبل ذلك] فبشّره بقدوم أسلم عليه، ففرح بذلك جدًا، فلما تحقّق رجوعه [عنه] اختلط كلامه، واضطرب في نفسه، ثمّ قال لذلك الرجل: اسمع يا عبد اللَّه مني، واحفظ عنّي، ثمّ أنشأ يقول: أسلمُ يا رَاحةَ العَليلِ … رِفْقًا على الهائِمِ النَّحِيلِ وَصْلُكَ أشْهَى إلى فُؤادي … مِنْ رحمةِ الخالقِ الجَليلِ فقال له الرجل: [ويحك] اتقِ اللَّه تعالى! ما هذه العظيمة. فقال: قد كان [ما سمعت]، فخرج الرجل من عنده، فما توسط الدَّرب حتى سمع الصراخ عليه [وسمع صيحة الموت] وقد فارق الدنيا، وهذه مذلَّةٌ شنعاء، وعظيمةٌ صلعاء، وداهية دهياء، ولولا أنّ هؤلاء الأئمة ذكروها لما ذكرتها، ولكن فيها عبرة لأولي الألباب، وتنبيه لذوي [البصائر و] العقول، أن يسألوا اللَّه رحمته ولطفه بهم، [وأن يستعيذوا باللَّه من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يرزقهم حسن الخاتمة]، وأن يثبّتهم على الخير والإسلام والسنّة عند الممات، إنّه كريم جواد. قال الحميدي: وأنشدني أبو محمد علي بن أحمد قال: أنشدني محمد بن عبد الرحمن التميمي لأحمد بن كُليب، وقد أهدى إلى أسلم كتاب "الفصيح" لثعلب وكتب عليه: هذا كِتابُ الفَصِيحِ … بِكلِّ لَفْظٍ مَليحِ وَهَبْتُه لَكَ طَوْعًا … كَما وَهَبْتُك رُوحي الحسن بن أحمد (١) بن إبراهيم بن الحسن بن شَاذَان بن حرب بن مهران أبو علي بن شاذان البَزّاز،

стр. 5928

أحد مشايخ الحديث، سمع الكثير، كان ثقة صدوقًا، جاءه يومًا شاب غريب فقال له: إني رأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام فقال لي: اذهب إلى أبي علي بن شاذان، فسل عنه وأقْرِهِ مني السَّلام، ثمّ انصرف الشاب، فبكى الشيخ وقال: ما أعلم لي عملًا أستحقُّ به هذا غير صبري على إسماع الحديث، وصلاتي على رسول اللَّه ﷺ ، كلَّما ذُكِر. توفي بعد شهرين أو ثلاثة [من هذه الرؤيا] في محرَّم هذه السّنة (١) عن سبع وثمانين سنة، ودفن بباب الدّير. رحمه اللَّه تعالى. الحسن (٢) بن عثمان بن أحمد بن الحسين بن صورة (٣) أبو عمر الواعظ، المعروف بابن الفلو، سمع الحديث من جماعة، قال ابن الجوزي: وكان يعظ وله بلاغة، وفيه كرم، وكان ثقة، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ومن شعره: دخلتُ على السلطانِ في دارِ عزِّهِ … بِفَقْرٍ، ولم أجْلِب بخيلٍ ولا رَجِلِ وَقُلتُ انظرُوا ما بينَ فَقْري وَمُلكِكُمْ … بمقدارِ ما بَيْنَ الولايةِ والعَزْلِ توفي في صفر، وقد قارب الثمانين، ودفن في مقبرة باب حرب إلى جانب ابن السّماك، [رحمهما اللَّه]. ثم دخلت سنة سبع وعشرين أربعمئة في المحرّم تكاملت عمارة قنطرة عيسى التي كانت قد سقطت، وكان الذي يلي مشارفة الإنفاق عليها الشيخ أبو الحسن القدوري الحنفي. وفيه، وفيما بعده تفاقم أمر العيّارين، وكبسوا الدور، وتزايد شرّهم وعملاتهم. وفيها: توفي صاحب مصر الظاهر لإعزاز دين اللَّه، أبو الحسن علي بن الحاكم بن العزيز بن المعر الفاطمي، وله من العمر ثلاث وثلاثون سنة وأشهر، وكان مدة ولايته ستٍّ عشرة سنة وتسعة أشهر، وكانت سيرته جيّدة، وقام بالأمر من بعده ولده المستنصر، وعمره سبع سنين، واسمه معدّ، وكنيته أبو تميم، وتكفّل بأعباء المملكة بين يديه الأفضل أمير الجيوش، واسمه بدر بن عبد اللَّه الجمالي، وكان الظاهر، المذكور، قد استوزر الصاحب أبا القاسم الجرجرائي، وكان مقطوع اليدين من المرفقين في

стр. 5929

سنة ثماني عشرة، فاستمر في الوزارة مدة ولاية الظاهر ثمّ لولده المستنصر حتى توفي الوزير الجرجرائي المذكور في سنة ست وثلاثين، وكان قد سلك في وزارته العقة العظيمة، وكان الذي يعلم عنه القاضي أبو عبد اللَّه القضاعي صاحب كتاب "الشهاب" وكانت علامته عنه: الحمد للَّه شكرًا لنعمته. وكان الذي قطع يديه من المرفقين الحاكم، لخيانة ظهرت عليه في سنة أربع وأربعمئة، ثمّ استعمله في بعض الأعمال سنة تسع، فلمّا فُقد الحاكم لعنه اللَّه في التاسع والعشرين من شوّال سنة إحدى عشرة، ثم تملّك من بعده ولده الظاهر المذكور، تنقّلت بالجرجرائي المذكور الأحوال، حتى استوزر سنة ثماني عشرة كما ذكرنا، وقد هجاه بعض الشعراء فقال: يا أحمقًا إسمعْ وقلْ … وَدَعِ الرقاعةَ والتحامُق أأقَمْتَ نفسَك في الثِقَا … تِ وَهبْك فيما قلْتَ صادقْ فمنَ الأمانةِ والتُّقى … قُطِعتْ يداكَ من المرافِق وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن إبراهيم الثَّعالبي (١) ويقال: الثّعْلبيّ أيضًا، وهو لقب وليس بنسبة، النيسابوري المفسّر [المشهور]. له: "التفسير الكبير"، وله كتاب "العرائس" (٢) في قصص الأنبياء، وغير ذلك، وكان كثير الحديث، واسع السماع، ولهذا يوجد في كتبه من الغرائب الشيء الكثير. وذكره عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في "تاريخ نيسابور" (٣) وأثنى عليه، وقال: هو صحيح النقل، موثوق به، توفي سنة سبع وعشرين وأربعمئة. وقال غيره: توفي يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرّم منها، ورُئيت له منامات صالحة. قال السمعاني (٤): ونيسابور كانت مقصبةً، فأمر سابور الثاني ببنائها مدينة، و"ني" هو القصب بالفارسية، واللَّه أعلم.

стр. 5930

ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وأربعمئة وفيها: خلع الخليفة على أبي تمام محمد بن محمد بن علي الزَّينبي، وقلّده ما كان إلى أبيه من نقابة العباسيين، والصلاة. وفيها: وقعت الفرقة بين الجند وبين جلال الدولة، وقطعوا خطبته، وخطبة الملك أبي كاليجار، ثمّ أعادوا الخطبة لهما، وصلحت حال جلال الدولة، وحلف الخليفة له، وعزل وزيره ابن ماكولا، واستوزر أبا المعالي بن عبد الرحيم، وكان جلال الدولة قد جمع خلقًا كثيرًا معه، منهم البساسيري، ودبيس بن علي بن مَزيَد، وقرواش بن مقلّد العقيلي، ونازل بغداد من جانبها الغربي حتى أخذها قهرًا، واصطلح هو وأبو كاليجار على يدي قاضي القضاة الماوردي، وتزوّج أبو منصور بن أبي كاليجار بابنة جلال الدولة على صداق خمسين ألف دينار، واتفقت كلمتهما، وحسن حال الدولة والرعية. وفيها: وقع مطر ببلاد فم الصلع (١)، معه سَمَك وزن السمكة رطل أو رطلان (٢). وفيها: بعث صاحب مصر بمال لينفق على نهر بالكوفة، إن أذن الخليفة العباسي في ذلك، فجمع القائم باللَّه الفقهاء، وسألهم عن هذا المال، فأفتوا بأنّ هذا فيء للمسلمين يصرف في مصالحهم، فأذن في صرفه في مصالح المسلمين. وفيها: ثار العيّارون بالبلد، وفتحوا السجن بالجانب الشرقيّ، وأخذوا منه رجالًا، وقتلوا من رجال الشرطة سبعة عشر رجلًا، وانتشرت الفتن والشرور في البلد جدًا. وفيها: ولي عبد اللَّه بن الحسين بن سلامة إمارة تهامة بعد أبيه. وفيها: ولي عمان، القاسم بن علي بن الحسين بن مكرم بعد وفاة أبيه أيضًا. ولم يحجّ أحد من أهل العراق [وخراسان] في هذه السنة لفساد البلاد واختلاف الكلمة. وممن توفي فيها من الأعيان: القُدُوري الحنفي (٣) أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر، أبو الحسن القُدُوري [البغدادي].

стр. 5931

قال الخطيب (١): سمع الحديث من عبيد اللَّه بن محمد الحَوْشبي، ولم يحدّث إلا بشيء يسير، كتبت عنه، وكان صدوقًا، وكان ممن أنجب في الفقه لذكائه، وانتهت إليه في العراق رئاسة أصحاب أبي حنيفة لذكائه وارتفاع جاهه، وكان برز في القراءات، توفي يوم الأحد الخامس عشر من رجب من هذه السنة عن ست وستين سنة، ودفن بداره في درب خلف، رحمه اللَّه تعالى. الحسن بن شهاب بن الحسن بن علي بن شهاب (٢) أبو علي العُكْبَري، الفقيه، الحنبليّ، الشاعر. ولد سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة، وسمع من أبي بكر بن مالك وغيره، وكان ثقة أمينًا كما قال البرقاني، وكان يسترزق من الوراقة -وهو النسخ- يقال: إنه كان يكتب ديوان المتنبي في ثلاثة ليال فيبيعه بمئتي درهم، ولمّا توفي أخذ السلطان من تركته ألف دينار، سوى الأملاك، وكان قد أوصى بثلث ماله في متفقِّهه (٣) الحنابلة، فلم يصرف ذلك. لطف اللَّه بن أحمد بن عيسى (٤) أبو الفضل الهاشميّ. ولي القضاء والخطابة بدرزيجان (٥) وكان ذا لسان، وقد أضرّ في آخر عمره، فكان يروي حكايات وأناشيد من حفظه. وتوفي في صفر منها. محمد بن أحمد بن علي بن أبي موسى عيسىى (٦) بن أحمد بن موسى بن محمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن معبد بن العباس بن عبد المطلب أبو علي الهاشمي القاضي. أحد أئمة الحنابلة وفضلائهم. محمد بن الحسن بن أحمد بن محمد (٧) بن موسى (٨) أبو الحُسين (٩) الأهْوازي، ويعرف بابن أبي علي الأصْبهاني.

стр. 5932

ولد سنة خمس وأربعين وثلاثمئة، وقدم بغداد، وخرّج له أبو الحسن النعيمي أجزاء من حديثه، فسمع منه البَرْقاني إلا أنَّه بأن كذبه حتى كان بعضهم يسميه: جراب الكذب، أقام ببغداد سبع سنين، ثمّ عاد إلى الأهواز، فمات بها في هذه السنة. [مِهْيار الديلمي الشاعر] مهيار بن مَرْزَوَيْه (١)، أبو الحسن الفارسي [الكاتب]، ويقال له: الدَّيْلميّ. كان مجوسيّا فأسلم، إلا أنه سلك سبيل الرافضة، فكان ينظم الشعر القويّ الفحل في شيء من مذاهبهم من سبِّ الصحابة، وغير ذلك، حتى قال له أبو القاسم بن برهان (٢): يا مهيار! انتقلت من زاوية في النار إلى زاوية أخرى، كنت مجوسيًّا فأسلمت، وصرت تسبُّ الصحابة، وقد كان منزله بدرب رباح من الكرخ، وله ديوان شعر كبير مشهور، فمن مستجاد شعره قوله: أسْتَنْجِدُ الصّبْرَ فيكُمْ وَهُوَ مُغْلُوبُ … وأَسْألُ النّومَ عَنْكُمْ وَهُوَ مَسْلُوبُ (٣) وَأبْتَغِيْ عِنْدَكُمْ قَلْبًا سَمَحْت (٤) بِهِ … وَكَيْفَ يَرجِعُ شَيءٌ وَهُوَ مَوْهُوبُ ما كُنْتُ أعْرِفُ مَا مِقْدارُ وَصْلِكُم (٥) … حَتّى هَجَرْتُم (٦) وَبَعْضُ الهَجْرِ تَأْدِيبُ وله أيضًا ﵀ وسامحه بمنّه وكرمه-: أجَارَتَنا (٧) بالغَوْرِ والرّكبُ مِنْهُمُ … أيَعْلَمُ خَالٍ كَيْفَ بَاتَ المُتيَّمُ رَحَلْتُمْ وَعُمْر اللَّيلِ (٨) فينا وَفيكُمُ … سَواءٌ وَلِكنْ سَاهِرُونَ وَنُوَّمُ

стр. 5933

فَبِنْتُم [عَلينا] (١) طَاعِنين وَخَلّفُوا … قُلُوبًا أبَتْ أَنْ تَعْرِفَ الصَّبْرَ عَنْهُمُ ولمّا جلا (٢) التّوْدِيعِ عمّا حَذِرْتُهُ … وَلَمْ يَبْقَ إلا نَظْرَةٌ تَتَغَنَّنمُ (٣) بَكَيْتُ عَلى الوَاديْ فحرَّمْتُ (٤) مَاءَهُ … وكَيْفَ يَحِلُّ الماءُ أكْثَرُهُ دَمُ (٥) قال ابن الجوزي: ولما كان شعره كلّه جيدًا اقتصرت منه على هذا القدر. وكانت وفاته في جمادى الآخرة. هبة اللَّه بن الحسن (٦) أبو الحسين، المعروف بالحاجب. كان من أهل الفضل والأدب، والتديّن، وله شعر حسن، فمنه قوله: يا لَيْلَة سَلَكَ الزَّمَا … نُ بطِيْبِهَا (٧) في كُلِّ مَسْلَكْ إذْ نَرْتَقِي رَوْضَ المَسَرَّ (٨) … ة مُدْرِكًا ما لَيْسَ يُدْرَك والبَدْرُ قَدْ فَضَحَ الظَّلا (٩) … مَ وَسِتْرُةٌ (١٠) فيهِ مُهتّك وكأنَّمَا زَهْرُ النُّجُوْ … مِ بِلَمْعِها شُعَلٌ تَحَرَّكْ وَالغَيْم (١١) أحْيانًا يلو … حُ كَأنَّه ثَوْبٌ مُمسَّكْ وكأنَّ تَجْعِيدَ الريّا … حِ لِدِجْلةٍ ثَوْبٌ مُفرَّك وَكأنَّ نَشْرَ المِسْكِ أثْـ … ـثَر في النسيم إذا تَحَرّك (١٢) وَكأنَّما المنثورُ مُصْفَرُّ … الذُرَا ذَهَبٌ مَشَبّك (١٣) والنورُ يبسِمُ في الريا … ضِ فإنْ نَظَرتَ إليْهِ سرّك

стр. 5934

شَارَطْتُ نفسِي أنْ أقوْ … مَ بِحَقِّها والشَّرْطُ أمْلَك حتّى تَولَّى اللّيْلُ مُنْـ … ـهِزِمًا وجَاءَ الصّبْحُ يَضْحَكْ واه الفتى لو أنه … في ظلِّ طِيبِ العيش يُتركَ (١) والدهر (٢) يُحسَبُ عُمْرُهُ … فإذا أتاهُ الشّيْبُ فذْلك وكانت وفاته في رمضان من هذه السنة، رحمه اللَّه تعالى. أبو علي بن سينا (٣) الطبيب الفيلسوف، الحسين (٤) بن عبد اللَّه بن سينا، الشيخ الرئيس الذي كان نادرة [وبارعًا في الطب] في زمانه. كان أبوه من أهل بلخ، وانتقل إلى بخارى، واشتغل بها ابن سينا فقرأ القرآن، وأتقن علومه، وهو ابن عشر سنين، وأتقن الحساب، والجبر، والمقابلة، وإقليدس (٥)، والمَجِسطِي (٦)، ثمّ اشتغل على أبي عبد اللَّه الناتِلي الحكيم، فبرع فيه وفاق أهل زمانه، وتردّد الناس إليه، واشتغلوا عليه وهو ابن ست عشرة سنة، وقد عالج بعض ملوك السّامانيّة وهو الأمير نوح بن نصر، فأعطاه جائزة سنية، وَحكَّمه في خزانة كتبه، فرأى فيها من العجائب، [والمحاسن ما لا يوجد في غيرها]، ويقال: إنّه عزا بعضها إلى نفسه، وله في الإلهيات، والطبيعيات كتبٌ كثيرةٌ. قال ابن خلِّكان (٧): له نحو من مئة مصنّف صغار وكبار، منها: "القانون" و"الشفاء" و"النجاة" و"الإشارات"، و"سلامان" و"أبسال" و"حىّ بن يقظان" وغير ذلك، قال: وكان من فلاسفة الإسلام، ثمّ أورد له من الأشعار قصيدته التي يقول فيها (٨):

стр. 5935

هَبطَتْ إلَيْكَ مِنَ المَحلِّ (١) الأرْفَعِ … وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَتَمنُّعِ مَحجُوبةٌ عَنْ كُلِّ مُقْلَةِ عَارِفٍ … وَهِيَ الّتي سَفَرَتْ فَلَمْ تَتَبرْقَعِ وَصَلَتْ عَلى كُرْهٍ إلَيْكَ ورُبّما … كَرِهَتْ فِرَاقَكَ وَهِيَ ذَاتُ تَفَجُّعِ وهي قصيدة طويلة، وقوله أيضًا: اجعلْ غِذاءكَ كُلَّ يومٍ مرَّةً … وَاحْذَرْ طَعَامًا قَبْلَ هَضْمِ طَعَامِ وَاحْفَظْ مَنيكَ ما اسْتَطَعْتَ فإنَّهُ … مَاءُ الحَياةِ يُصَبُّ في الأرْحَام وذكر أنّه توفي بالقولنج في همذان، وقيل: بأصبهان -والأول أصح- يوم الجمعة من شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وأربعمئة عن ثمان وخمسين سنة، وقد خصّ (٢) الغزالي كلامه في مقاصد الفلاسفة، ثمّ ردّ عليه في "تهافت الفلاسفة" في عشرين مسألة (٣) وكفّره في ثلاث مسائل منهنّ، وهي قوله: بقدم العالم، وعدم المعاد الجثماني، وأنّ اللَّه لا يعلم الجزئيات، وبدّعه في البواقي، ويقال: إنّه تاب عند الموت، فاللَّه أعلم. ثم دخلت سنة تسع وعشرين وأربعمئة فيها: كان بدء ملك السلاجقة (٤): وفيها: استولى ركن الدولة أبو طالب طُغْرُلْبَك محمد بن ميكائيل بن سُلجوق على نيسابور، وجلس على سرير ملكها، وبعث أخاه داود إلى سائر بلاد خراسان، فملكها، وانتزعها من نواب الملك مسعود بن محمود بن سُبُكْتكين. وفيها: قتل جيش المصريين لصاحب حلب، وهو شِبْل الدَّولة، نصر بن صالح بن مِرْداس، واستولوا على حلب وأعمالها. وفيها: سأل جلال الدولة من الخليفة أن يلقَّب بملك الدولة (٥)، فأجابه إلى ذلك بعد تمنّع. وفيها: استدعى الخليفة القائم بأمر اللَّه القضاة والفقهاء، وأحضر جاثليق النصارى،

стр. 5936

ورأس جالوت اليهود، وألزموا بالغيار (١). وفي رمضان لقّب جلال الدولة بشاهنشاه الأعظم ملك الملوك، بأمر الخليفة، وخطب بذلك على المنابر، فنفرت العامة من ذلك، ورموا الخطباء بالآجر، ووقعت فتنة عظيمة، واستُفْتِيَ الفقهاء في ذلك، فأفتى أبو عبد اللَّه الصَّيمري: إن هذه الأسماء يعتبر فيها القصد والنيّة وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧] وقال: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] وإذا كان في الأرض ملوك جاز أن يكون بعضهم فوق بعض لتفاضلهم في القوّة والإمكان، وجاز أن يكون بعضهم [فوق بعض و] أعظم (٢) من بعض، وليس في ذلك ما يوجب النكير ولا الممائلة بين الخالق والمخلوق، وكتب القاضي أبو الطيِّب الطبري: إنَّ إطلاق ملك الملوك جائز ويكون معناه: ملك ملوك الأرض، وإذا جاز أن يقال: كافي الكفاة، وقاضي القضاة، جاز ملك الملوك، وإذا كان في اللَّفظ ما يدلّ على أنَّ المراد به ملوك الأرض، زالت الشبهة، ومنه قولهم: اللهمّ أصلح الملك، فينصرف الكلام إلى المخلوقين. وكتب التميمي الحنبلي نحو ذلك أيضًا، وأمّا القاضي الماوردي صاحب "الحاوي الكبير" فنقل عنه أنّه أجاز ذلك أيضًا، والمشهور عنه كما نقله ابن الجوزي (٣)، والشيخ أبو عمرو بن الصّلاح، في "أدب المفتي" أنّه منع من ذلك، وأصرّ على المنع مع صحبته للملك جلال الدولة، وكثرة ترداده إليه، ووجاهته عنده، وأنَه امتنع من الحضور في مجلسه حتى استدعاه الملك جلال الدولة في يوم عيد، فلمّا دخل عليه دخل وهو وَجِلٌ خائِفٌ أن يوقع به مكروهًا، فلضا واجهه قال له: قد علمت أنَّه إنّما منعك من موافقة الذين جوزوا ذلك مع صحبتك إياي، ووجاهتك عندي، دينك، واتباع الحقّ، [وإن الحقّ آثر عندك من كلِّ أحد]، ولو حابيت أحدًا من الناس لحابيتني، وقد زادك ذلك عندي محبّةً ومكانةً. قلت: والذي صار إليه القاضي الماوردي من المنع من ذلك هو السنّة التي وردت بها الأحاديث الصحيحة من غير وجهٍ. قال الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" (٤): حدّثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "أخنع اسم عند اللَّه يوم القيامة، رجلٌ تسمَّى بملك الأملاك". قال أحمد: سألت أبا عمرو الشيباني عن أخنع اسم قال: أوضع. وقد رواه البخاري (٥) عن علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة.

стр. 5937

وأخرجه مسلم (١) من طريق همام، عن أبي هريرة، عن النبىّ ﷺ أنه قال: "أغيظ رجل على اللَّه يوم القيامة وأخبثه رجل تسمّى ملك الأملاك، لا ملك إلا للَّه ". وقال [الإمام] أحمد (٢): حدّثني محمد بن جعفر، ثنا عوف عن خلاس، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اشتدّ غضب اللَّه على من قتله نبيّ، واشتدّ غضب اللَّه على رجل تسمّى بملك الأملاك، لا ملك إلا اللَّه ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو منصور (٣) عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري. كان إمامًا في اللغة والأخبار وأيام الناس، بارعًا مفيدًا، له التصانيف الكبار في النظم، والنثر، والبلاغة، والفصاحة، وأكبر كتبه: "يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر" (٤) وفيها يقول بعضهم: أبياتُ أشْعارِ اليَتِيمَهْ … أبكارُ أفْكارِ قَدِيمَهْ ماتُوا وعَاشَتْ بَعْدَهم … فَلِذَاكَ سُمّيت اليَتِيْمَهْ وإنما سُمي الثعالبي لأنه كان فرّاءً يخيط جلود الثعالب، وله أشعار كثيرة مليحة، ولد سنة خمسين وثلاثمئة، ومات في هذه السّنة (٥). الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي (٦)، الفقيه الشافعي. أحد الأئمة في الأصول والفروع، وكان ماهرًا في فنون كثيرة [من العلوم] منها: علم الحساب والفرائض، وكان ذا مال وثروة، أنفقه كلّه على أهل العلم، وصنّف في العلوم، ودرّس في سبعة عشر علمًا، وكان اشتغاله على الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وأخذ عنه ناصر المروزي، وغيره، رحمه اللَّه تعالى وإيانا بمنّه وكرمه، وهو حسبي ونعم الوكيل (٧).

стр. 5938

ثم دخلت سنة ثلاثين وأربعمئة فيها التقى الملك مسعود بن محمود بن سُبُكْتِكين، والملك طُغْرُلْبَك السلجوقي ومعه أخوه داود في شعبان، فهزمهما مسعود وقتل من أصحابهما خلقًا كثيرًا. وفي هذه السنة: خطب شبيب بن وَثّاب (١) للقائم بأمر اللَّه بحرّان والرقّة (٢)، وقطع خطبة المستنصر العبيدي. وفيها: خوطب أبو منصور بن جلال الدولة بالملك العزيز، وهو مقيم بواسط، وهذا العزيز هو الذي كان آخر من تملّك من بني بويه ببغداد، لما طغوا وبغوا وتمرّدوا وتسمّوا بملك الأملاك -وهو اسم يبغضه اللَّه تعالى- سلبهم ما كان أنعم به عليهم، وجعل الملك إلى غيرهم، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]. وفيها: خلع الخليفة على فاضي القضاة [أبي] عبد اللَّه بن ماكولا خلعة تشريف. وفيها: وقع ثلج عظيم ببغداد، مقدار شبر على الأسطحة حتى جرفه الناس عنها. قال ابن الجوزي (٣): وفي جمادى الآخرة تملّك بنو سلجوق بلاد خراسان والجبل، وتقسّموا الأطراف، وهو أول ملك السّلجوقيّة. ولم يحجّ أحد في هذه السنة من أهل العراق، وخراسان، ولا من [أهل] الشام، ولا مصر، إلا قليلًا. وممن توفي فيها من الأعيان: الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (٤) أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مِهْران، الحافظ الكبير، ذو التصانيف الكثيرة الشهيرة، من ذلك: "حلية الأولياء" في مجلدات كثيرة دلّت على اتساع روايته، وكثرة مشايخه، وقوّة اطّلاعه على مخارج الأحاديث، وتشعّب طرقها. وله: "معجم

стр. 5939

الصحابة" وهو عندي بخطّه، وله: "صفة الجنة" [و"دلائل النبوة"]، وكتاب في الطبّ [النبوي] وغير ذلك من المصنّفات المفيدة. وقد قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي (١): كان أبو نعيم يخلط المسموع له بالمجاز، ولا يوضِّح أحدهما من الآخر (٢). وقال عبد العزيز النخشبي: لم يسمع أبو نعيم مسند الحارث بن أبي أسامة من أبي بكر بن خلاد بتمامه، فحدّث به كلّه (٣). وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي: سمع الكثير، وصنّف الكثير، وكان يميل إلى مذهب الأشعري [في الاعتقاد] ميلًا كثيرًا. وكانت وفاته في الثامن عشر من المحرّم من هذه السنة عن أربع وتسعين سنة، لأنّه ولد فيما ذكره ابن خلِّكان في سنة ست وثلاثين وثلاثمئة. قال: وله: "تاريخ أصبهان". وذكر [أبو نعيم] في ترجمة والده: أن مهران أسلم، وأن ولاءهم لعبد اللَّه بن معاوية بن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب، وذكر أن معنى أصبهان، وأصله بالفارسيّة -سباهان (٤) - أي مجمع العساكر، وأن الإسكندر بناها، قاله السمعاني. الحسن بن الحسين (٥) أبو علي البُرجُمي (٦). وزر لشرف الدولة أبي علي بن بهاء الدولة سنتين ثمّ عزل، وكان عظيم الجاه في زمان عطلته، وهو الذي بنى المارستان بواسط، ورتّب فيه الأشربة والأطباء والأدوية وغير ذلك مما يحتاج إليه، ووقف عليه كفايته، كانت وفاته في هذه السنة وقد قارب الثمانين، رحمه اللَّه تعالى. الحسن بن جعفر (٧) أبو الفتوح العلوي، أمير مكّة شرّفها اللَّه تعالى.

стр. 5940

الحسين بن محمد بن الحسن بن علي بن عبد اللَّه المؤدب (١) وهو أبو محمد الخلال. سمع "صحيح البخاري" من إسماعيل بن محمد الكُشْميهني، وسمع غيره. كانت وفاته في جمادى الأولى ودفن بباب حرب. عبد الملك بن محمد بن عبد اللَّه بن (بشران بن) (٢) محمد بن بشر بن مهران (٣) أبو القاسم الواعظ. سمع النَّجَّاد ودَعْلَج بن أحمد والآجري وغيرهم، وكان ثقة صدوقًا، وكان يشهد عند الحكَّام، فترك ذلك رغبة عنها (٤) ورهبة من اللَّه، ومات في ربيع الآخر من هذه السنة، وقد جاوز التسعين، وصلّي عليه في جامع الرّصافة، وكان الجمع حافلًا، ودفن إلى جانب أبي طالب المكّي، وكان أوصى بذلك. محمد بن الحسين بن خلف بن الفَرّاء (٥) أبو خازم، أخو القاضي أبي يعلى الحنبلي. سمع الدارقطني، وابن شاهين. قال الخطيب: كان لا بأس به. ورأيت له أصولًا بسماعه فيها، ثمّ بلغنا أنه خلّط في الحديث بمصر، واشترى من الورّاقين صحفًا فروى منها، وكان يذهب إلى الاعتزال. وكانت وفاته في المحرّم من هذه السنة بتِنِّيس من بلاد مصر. محمد بن عبيد اللَّه (٦) أبو بكر الدِّيْنَوري الزاهد. وكان خشن العيش، وكان ابن القَزْويني يُثني عليه، وكان جلال الدولة صاحب بغداد يزوره، وقد سأله مرة أن يطلق الناس مكس الملح، وكان [مبلغه] في السنة ألفي دينار، فتركه من أجله، ولمّا توفي اجتمع أهل البلد لجنازته، وصُلِّي عليه مرات، ودفن بباب حرب. الفضل بن منصور (٧) أبو الرِّضا، ويعرف بابن الظريف، وكان شاعرًا ظريفًا، ومن شعره الفائق، ونظمه الرائع قوله:

стр. 5941

يا قَالَةَ الشِّعْرِ نَصَحْتُ لَكُمْ … وَلَسْتُ أدْهى إلا من النُّصْحِ قَدْ ذَهَبَ الدَّهْرُ بالكِرَامِ … وَفي ذَاك أُمُورٌ طَوِيلةُ الشَّرْحِ وَتَطْلُبُونَ (١) النَّوَالَ من رَجُلٍ … قَدْ طُبِعَتْ نَفْسُهُ على الشُّحِّ وأَنْتُم (٢) تَمْدَحُونَ بِالحُسْنِ والـ … ـظرف وُجُوهًا في غَايَةِ القُبْحِ من أجْلِ ذا تُحرَمُونَ رِزْقَكُم … لأَنَّكُم تَكْذِبُونَ في المَدْحِ صُوْنُوا القوافي فَمَا أرَى أحَدًا … يَعْثُرُ فيهِ الرَّجَاءُ بالنُّجْعِ (٣) فَإنْ شَكَكْتُمْ فيْما أقولُ لَكُمْ … فَكَذِّبُوني بواحدٍ سَمْحِ هِبَةُ اللَّه بن علي بن جَعْفَر (٤) أبو القاسم بن ماكولا، وزر لجلال الدولة مرارًا، وكان حافظًا للقرآن، عارفًا بالشّعر والأخبار، خُنِق بهيت في جمادى الأخرى من هذه السنة. أبو زيد الدَّبُوسيّ (٥) عَبْدُ اللَّه بن عُمر بن عيسى، الفقيه الحنفي. أول من وضع علم الخلاف، وأبرزه إلى الوجود، قاله ابن خلِّكان (٦). قال: وكان يُضرب به المثل. والدبوسى نسبة إلى قرية من أعمال بخارى، قال: وله كتاب "الأسرار" و"التقويم للأدلة" وغير ذلك من التصانيف والتعاليق. قال: ورُوي أنه ناظر الفقهاء فبقي بعضهم، كلّما ألزمه أبو زيد إلزامًا تبسّم أو ضحك، فأنشد أبو زيد: ما لي إذا ألْزَمْتُه حُجَّةً … قابَلَنِي بالضّحْكِ وَالقَهْقَهَه إنْ كانَ ضِحْكُ المرْءَ مِنْ فِقهِهِ (٧) … فَالدُّبُّ في الصَّحْرَاءِ ما أفْقَهَه الحَوْفي صاحب "إعراب القرآن" أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سعيد بن يوسف [الحَوْفي] النَّحْوي (٨).

стр. 5942

له كتاب في النحو كبير، و"إعراب القرآن" في عشر مجلدات، وله "تفسير القرآن" أيضًا، وكان إمامًا في العربيّة [والنحو] والآداب، وله تصانيف كثيرة، انتفع الناس بها. قال ابن خلِّكان (١): والحوفي نسبة إلى ناحية بمصر يقال لها: الشرقيّة، وقصبتها مدينة بَلْبيس، فجمع ريفها يسمون [حَوْف واحدهم حَوْفي]، وهو من قرية يقال لها: شبرا اللنجة (٢) من أعمال الشرقيّة المذكورة. ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وأربعمئة فيها: زادت دجلة زيادةً عظيمة بحيث حملت الجسر ومَن عليها فألقتهم بأسفل البلد وسلموا. وفيها: وقع بين الجند وجلال الدولة شَغَبٌ، وقُتِلَ من الفريقين خلق كثير، وجرت شرور طويلة، و [وقع] فساد عريض، واتّسع الخرق على الراقع، ونهبت الأتراك دور الناس، ولم يبق للملك عندهم حرمة ولا كلمة، وغلت الأسعار ببغداد جدًّا. وفيها: بعث الملك أبو كاليجار وزيره العادل ابن مافنّة إلى البصرة فملكها له. وفيها: زار الملك أبو طاهر مشهد عليّ، ومشهد الحسين، ومشى حافيًا في بعض تلك الزيارات، ولم يحجّ أحد من أهل العراق في هذه السنة. وممن توفي فيها من الأعيان: إسماعيل بن أحمد بن عبد اللَّه أبو عبد الرحمن الضرير الحِيري (٣)، من أهل نيسابور. وكان من أعيان الفضلاء الأذكياء، والثقات الأمناء، قدم بغداد حاجًّا في سنة ثلاثة وعشرين وأربعمئة، فقرأ عليه الخطيب البغدادي جميع صحيح البخاري في ثلاثة مجالس بروايته له عن أبي الهيثم الكُشْمِيهني عن الفربري عن البخاري، وكانت وفاته في هذه السنة (٤) وقد قاربَ السبعين سنة. رحمه اللَّه تعالى.

стр. 5943

بُشْرَى الفَاتِني (١) وهو بُشْرَى بن مَسِيْس، من سبي الروم. أهداه بعض أمراء بني حمدان لفاتن غلام المطيع فأدَّبه، وسمع الحديث على جماعة من المشايخ، وروى عنه الخطيب، وقال (٢): كان صدوقًا، صالحًا، ديِّنًا، وكانت وفاته في يوم عيد الفطر، رحمه اللَّه تعالى. محمّد بن عليّ بن أحمد بن يعقوب بن مروان (٣) أبو العلاء الواسطي. وأصله من فم الصّلح. سمع الحديث، وقرأ القراءات، ورواها، وقد تكلّموا في روايته في القراءات والحديث، فاللَّه أعلم، توفي في جمادى الآخرة وقد جاوز الثمانين. ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين وأربعمئة فيها: عظم شأن السّلجوقية، وارتفع شأن ملكهم طُغْرُلْبَك محمد، وأخيه جفري بك داود، وهما ابنا ميكائيل بنِ سلجوق بن تُقاق (٤). وقد كان جدّهم تُقاق هذا من مشايخ الترك القدماء، الذين لهم الرأي والمكيدة والمكانة عند ملكهم الأعظم، ونشأ ولده سلجوق نجيبًا شهمًا، فقدّمه الملك ولقبه شَبَاشِى (٥)، فأطاعته الجيوش، وانقادت له الناس بحيث تخوَّف منه الملك، وأراد قتله، فهرب منه إلى بلاد المسلمين فأسلم، فازداد عزًّا وعلوًّا، ثمّ توفي عن مئة وسبع سنين، وخلّف أرسلان، وميكائيل، وموسى، فأما ميكائيل فإنّه اعتنى بقتال الكفار من الأتراك، حتى قُتل شهيدًا وخلّف ولديه طُغْرُلْبَك محمدًا، وجفري بك داود، فعظم شأنهما في بني عمهما، واجتمع عليهما الترك من المؤمنين، وهم ترك الإيمان الذين يقال لهم اليوم: تُرْكمان، وهم السلاجقة بنو سلجوق جدّهم هذا؛ ففتحوا بلاد خراسان بكمالها بعد موت محمود بن سُبُكْتكِين، وقد كان يتخوّف منهم الملك محمود بعض التخوّف، فلمّا توفي وقام ولده مسعود من بعده قاتلهم وقاتلوه مرارًا، [فكانوا] يهزمونه في أكثر المواقف، واستكمل لهم ملك خراسان بأسرها، ثمّ قصدهم مسعود في جنود يضيق بها الفضاء، فكسروه فيها،

стр. 5944

وكبسه مرّة داود فانهزم منه مسعود، فاستحوذ على حواصله وخيامه، وجلس على سريره، وفرّق الغنائم، ومكث جيشه على خيولهم لا ينزلون عنها ثلاثة أيام، خوفًا من دهمة العدوّ، وبمثل هذا الاحتراس تمّ لهم ما راموه، وكمل جميع ما أمّلوه، ثم كان من سعادتهم أنّ الملك مسعود توجّه نحو بلاد الهند ليشتي بها، وترك مع ولده مودود جيشًا كثيفًا بسبب قتال السّلاجقة، فلمّا عبر الجسر الذي على سيحون، نهبت جنوده حواصله، واجتمعوا على أخيه محمّد، وخلعوا مسعودًا، فرجع إليهم مسعود فقاتلهم، فهزموه، وأسروه، فقال له أخوه: واللَّه لا أقابلنَّك على سوء صنيعك إليّ، ولكن اختر لنفسك أيّ بلد تكون فيه أنت وعيالك، فاختار قلعة كبرى، فكان بها. ثمّ إن الملك محمدًا [أخا مسعود] جعل لولده أحمد الأمر من بعده، وبايع الجيش له، وقد كان في أحمد هوج وقلّة عقل، فاتفق هو وعمهم يوسف بن سُبُكْتِكين على قتل مسعود ليصفو لهم الأمر، ويتمّ لهم المُلْك، فسار إليه أحمد عن غير علم أبيه فقتله، فلمّا علم أبوه غاظه ذلك، وعتب على ابنه عتبًا شديدًا، وبعث إلى ابن أخيه يعتذر إليه ويقسم أنّه لم يعلم بذلك، حتى كان يكتب إليه مودود بن مسعود يقول: رزق اللَّه ولدك المعتوه عقلًا يعيش به، فقد ارتكب أمرًا عظيمًا، وأقدم على إراقة دم ملك مثل والدي، لقبه أمير المؤمنين بسيد الملوك والسلاطين، وستعلمون أيّ حيف تورطتم، وأيّ شرّ تأبطتم، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. ثم سار إليهم مي جنود عظيمة، فقاتلهم فقهرهم، وأسرهم، فقتل عمّه محمدًا وابنه أحمد، وبني عمّه كلّهم إلا عبد الرحيم، وخلقًا من رؤوس أمرائهم، وابتنى قرية هنالك سمّاها: فتح آباذ، ثمّ سار إلى غزنة فدخلها في شعبان، وأظهر العدل، وسلك سيرة جدّه محمود؛ فأطاعه الناس، وكتب إليه أصحاب الأطراف بالانقياد والاتِّباع، غير أنَّه أهلك قومه بيده، وكان هذا من جملة سعادة السّلاجقة. وفيها: خالف (١) أولاد حمّاد على العزيز باديس صاحب إفريقية، فسار إليهم فحاصرهم قريبًا من سنتين، ووقع بإفريقية في هذه السنة غلاء شديد، بسب تأخر الأمطار عنهم. ووقع ببغداد فتنة عظيمة بين الروافض والسنّة من أهل الكرخ، وأهل باب البصرة، فقتل خلق كثير من الفريقين. ولم يحجّ في هذه السنة أحد من أهل العراق وضواحيها، وخراسان. وممن توفي فيها من الأعيان: محمد بن الحسين بن الفضل بن العباس (٢) أبو يعلى البصري الصوفي.

стр. 5945

أذهب عمره في السفر والتغرّب، وقدم بغداد في سنة ثنتين وثلاثين (١)، فحدّث بها عن أبي بكر بن أبي الحديد الدمشقيّ، وأبي الحسين بن جُميع الغسّاني، وكان ثقة، صدوقًا، أديبًا، حسن الشعر. ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وأربعمئة فيها: ملك طُغْرُلْبَك جرجان، وطبرستان، ثمّ عاد إلى نيسابور مؤيَّدًا منصورًا. وفيها: ولي ظهير الدولة، أبو منصور بن علاء الدولة أبي جعفر بن كاكويه بعد وفاة أبيه، فوقع الخلف بينه وبين أخويه أبي كاليجار وكرشاسف (٢). وفيها: دخل أبو كاليجار همذان ودفع الغزو عنها. وفيها: شغبت الأتراك ببغداد بسبب تأخّر العطاء عنهم، وسقطت قنطرة زريق على نهر عيسى، وكذا القنطرة العتيقة التي تقاربها. وفيها: دخل بغداد رجل من البلغار يريد الحج، وذكر أنه من كبارهم فأنزل بدار الخلافة، وأجري عليه الأرزاق، وذكر أنّهم مولَّدون من الترك والصقالبة، وأنهم في أقصى بلاد الترك، وأن النهار يقصر عندهم حتى يكون ستٍّ ساعات وكذلك الليل، وعندهم عيون وزروع، وثمار على المطر والسقي. وفي هذه السنة: قرئ الاعتقاد [القادري] الذي كان جمعه القادر باللَّه أمير المؤمنين، وأخذت خطوط العلماء والزّهاد [عليه] بأنه اعتقاد المسلمين، ومَنْ خالفه فقد كفر وفسق، فكان أول من كتب عليه الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، ثمّ كتب بعده العلماء، وقد سرده أبو الفرج بن الجوزي في "منتظمه" (٣) بتمامه، وفيه جملة جيدة من اعتقاد السَّلف (٤). وممن توفي فيها من الأعيان: بَهْرام بن مَافَنّة (٥) أبو منصور، الوزير لأبي كاليجار، وكان عفيفًا، نزهًا، صينًا، عادلًا في سيرته، وقد وقف خزانة كتب بمدينة فيروز أباذ، وتشتمل على سبعة آلاف مجلّد، من ذلك أربعة آلاف ورقة بخطّ أبي علي وأبي عبد اللَّه ابني مقلة.

стр. 5946

محمد بن جعفر أبو الحَسَن (١) المعروف بالجهرميّ (٢). قال الخطيب البغدادي: هو أحد الشعراء الذين لقيناهم، وسمعنا منهم، وكان يجيد القول، فمن شعره: يا ويحَ قَلْبِي مِنْ تَقَلُّبِهِ … أبدًا يَحِنُّ إلى مُعَذِّبه قَالُوا: كَتَمْتَ هَوَاهُ عَنْ جَلَدٍ … لَوْ أنَّ لِي جَلَدًا (٣) لبُحْتُ بِهِ بأبِي حَبِيبٌ غَيْرُ مُكْتَرِثٍ … عَنِّي وَيُكْثِر من تعتُّبِهِ (٤) حَسْبي رِضَاهُ مِنَ الحياةِ وَيَا … قَلَقِيْ (٥) وَمَوْتي مِنْ تَغَضُّبِه مسعود الملك (٦) بن الملك محمود بن الملك سُبُكْتِكين صاحب غزنة، وابن صاحبها. قتله ابن عمّه أحمد بن محمّد بن محمود، فانتقم له ابنه مودود بن مسعود، وقتل عمّه وابن عمّه، وأهل بيته من أجل أبيه، واستتبَّ له الأمر وحده من غير منازع من قومه، كما تقدم. بنت أمير المؤمنين المتّقي للَّه (٧) تأخّرتْ مدّتها حتى كانت وفاتها في رجب من هذه السنة عن إحدى وتسعين سنة بالحرم الطاهري، ودفنت بالرّصافة، رحمها اللَّه تعالى وإيّانا بمنّه وكرمه. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وأربعمئة فيها: أمر الملك جلال الدولة أبو طاهر بجباية أموال الجوالي، ومنع أصحاب الخليفة من قبضها، فانزعج القائم بأمر اللَّه، وعزم على الخروج من بغداد، وأرسل إلى الفقهاء والقضاة والأعيان في التأهّب للخروج صحبته، وارتجت بغداد بسبب ذلك.

стр. 5947

وفيها: كانت زلزلة عظيمة بمدينة تبريز، هُدّمت قلعتها وسورها وأسواقها ودورها حتى من دار الإمارة عامّة قصورها، ومات تحت الهدم خمسون ألفًا، ولبس أهلها المسوح لشدّة مصابهم. وفيها: استولى السلطان طُغْرُلْبَك على أكثر البلاد الشرقيّة فمن ذلك: مدينة خوارزم، ودهستان (١)، وطَبَس، والريّ، وبلاد الجبل، وكرمان وأعمالها، وقزوين. وخُطِبَ له في تلك النواحي كلّها، وعظم شأنه جدًّا واتّسع صيته. وفيها: ملك ثِمال بن صالح بن مِرْداس حلب، وأخذها من أيدي جيش الفاطميين، فبعث إليه المصريون من حاربه. ولم يحجّ أحد [من أهل العراق وغيرها] من هذه السنة ولا فيما قبلها. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو ذر الهَرَوِيّ (٢) عبد (٣) بن أحمد بن محمد الحافظ، الفقيه المالكي. سمع الكثير ورحل إلى الأقاليم، وخرج إلى مكّة فسكنها، ثمّ تزوج في العرب، وأقام بالسروات، فكان يحجّ في كل سنة، ويقيم بمكة أيام الموسم، ويسمع الناس عليه، وأخذ عنه المغاربة مذهب مالك، ومذهب الشيخ أبي الحسن الأشعريّ، عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وكان يقول: إنّه أخذ مذهب مالك عن الباقلاني، وقد كان ثقة حافظًا ضابِطًا، توفي في ذي القعدة من هذه السنة. محمد بن الحسين بن محمد بن جعفر (٤) أبو الفتح الشَّيْباني، العطّار، ويُعرف بقُطيط. سافر إلى البلاد الشاسعة، وسمع الكثير، وكان شيخًا ظريفًا يسلك طريق التصّوف، وكان يقول: لمّا وُلْدتُ سُمِّيت قُطيط، على أسماء البادية، ثم سمّاني بعض أهلي محمدًا. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وأربعمئة فيها: رُدَّت الجوالي إلى نوّاب الخليفة.

стр. 5948

وفيها: ورد كتاب من الملك طغرلبك إلى جلال الدولة يأمره بالإحسان إلى الرعايا والوصاة بهم. [قبل أن يحلّ به ما يسوؤه]. ذكر مُلك أبي كاليجار بغداد بعد وفاد أخيه جلال الدولة بن بهاء الدولة وفيها: توفي جلال الدولة، أبو طاهر بن بهاء الدولة، فملك بغداد بعده أخوه سلطان الدولة أبو كاليجار بن بهاء الدولة، وخُطِبَ له بها عن ممالأة أُمرائها، وأخرجوا الملك العزيز أبا منصور بن جلال الدولة، فتنقل في البلاد، وتشرّد من مملكته إلى غيرها، حتى توفي في سنة إحدى وأربعين، وحُمِل ودُفن عند أبيه بمقابر قريش. وفيها: أرسل الملك مودود بن مسعود عسكرًا كثيرًا إلى خراسان، فبرز إليهم [ألْب] أرْسَلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق في عسكر آخر فاقتتلا قتالًا عظيمًا. وفيها: في صفر منها أسلم من الترك الذين كانوا يؤذون المسلمين، نحو من عشرة آلاف خركاه، وضحوا في يوم عيد الأضحى بعشرين ألف رأس من الغنم، وتفرّقوا في البلاد، ولم يُسْلِم من الخَطا والتَّتَر أحد، وهم في نواحي الصين. وفيها: نفى ملك الروم من قسطنطينية كلَّ غريب له دون العشرين سنة فيها. وفيها: خطب المعزّ أبو تميم بن باديس، صاحب إفريقيّة ببلاده للخليفة العباسي، وقطع خطبة الفاطميين، وأحرق أعلامهم، وأرسل إليه الخليفة القائم بأمر اللَّه الخلع واللواء والمنشور، وفيه تعظيم له، وثناء عليه. وفيها: أرسل الخليفة القائم بأمر اللَّه أفضى القضاة أبا الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، قبل وفاة جلال الدولة إلى الملك المظفّر طغرلبك ليصلح بينه وبين جلال الدولة، وأبي كاليجار، فسار إليه فالتقاه بجرجان فتلقّاه الملك على أربعة فراسخ إكرامًا له ولمن أرسله، وأقام عنده إلى السنة القابلة، فلمّا قدم [على الخليفة] أخبر بطاعته وإكرامه له، واحترامه من أجل الخليفة. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسين بن عثمان بن سهل بن أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلَف العِجْلي (١) أبو سعد. أحد الرحالين في طلب الحديث إلى البلاد المتنائية، ثمّ أقام ببغداد مدّة وحدّث بها، روى عنه

стр. 5949

الخطيب وقال: كان صدوقًا منتبهًا، ثمّ انتقل في آخر عمره إلى مكّة فسكنها حتى مات بها في شوال من هذه السنة. عبيد اللَّه بن أبي الفتح (١) أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر، أبو القاسم الأزْهَري، الحافظ المحدّث الشهير، ويعرف بابن السَّوادي (٢). سمع من أبي بكر بن مالك، وخلق يطول ذكرهم، وكان ثقةً صدوقًا، ديّنًا صحيح الاعتقاد، حسن السِّيرة، وكانت وفاته ليلة الثلاثاء التاسع عشر من صفر من هذه السنة عن ثمانين سنة وعشرة أيام. الملك جلال الدوله (٣) أبو طاهر بن بهاء الدولة بن عَضُدِ الدولة بن بُويه الدَّيْلمي، صاحب بغداد وغيرها من البلاد. كانت فيه محبة عظيمة للعبّاد يزورهم، ويلتمس دعاءهم، وقد نكب مرات عديدة، وخالفه الأتراك غير مرّة، وأخرجوه من داره، و [تارة أخرج] من بغداد بالكليّة، ثمّ يعود إليهم ويرضون عنه، حتى اعتراه وجع في كبده هذه السنة، فمات من ذلك في ليلة الجمعة الخامس من شعبان هذه السنة وله من العمر إحدى وخمسون سنة وأشهر، وولي بغداد من ذلك ست عشرة سنة وأحد عشر شهرًا (٤). ثم دخلت سنة ستٍّ وثلاثين وأربعمئة فيها: دخل الملك أبو كاليجار بغداد، وأمر بضرب الطبل في أوقات الصلوات الخمس، ولم تكن الملوك قبله تفعله، إنما كان يضرب لعضد الدولة ثلاثة أوقات، وما كان يضرب في الأوقات الخمسة إلا للخليفة، وكان دخوله في رمضان، وقد فرّق على الجند أموالًا جزيلة، وبعث إلى الخليفة بعشرة آلاف دينار، وخلع على مقدَّمي الجيوش، وهم: البساسيري، والنشاوري، والهُمام أبو اللقاء، ولقبه الخليفة محيي الدولة، وخُطب له في بلاد كثيرة بأمر ملوكها، وخُطب له بهمذان، ولم يبق لنواب طغرلبك فيها أمر.

стр. 5950

وفيها: استوزر طغرلبك أبا القاسم علي بن عبد اللَّه الجوينيّ، وهو أول وزير وزر له. وفيها: وزر أبو نصر أحمد بن يوسف لصاحب مصر، وكان يهوديًا فأسلم بعد موت الجرجرائي. وفيها: ولي نقابة العلويين (١) الشريف أبو أحمد عدنان بن الشريف الرَّضي، وذلك بعد وفاة عمّه المرتضى أبي القاسم علي -وستأتي ترجمته-. وفيها: ولي القاضي أبو الطيِّب الطبري، قضاء الكرخ، مضافًا إلى ما كان يتولاه من القضاء بباب الطّاق، وذلك بعد موت القاضي أبي عبد اللَّه الصّيمري. وفيها: نظر رئيس الرؤساء أبو القاسم بن المُسْلمة (٢) في كتابه ديوان الخلافة، وكان عنده بمنزلة عالية. ولم يحجّ في هذه السنة أحد من أهل العراق لفساد الطريق. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسين بن علي بن محمد بن جعفر (٣) أبو عبد اللَّه الصَّيْمَري، نسبة إلى نهرٍ بالبصرة يقال له: الصَّيْمَر، عليه عدة قنى. أحد أئمّة الحنفيّة، ولي قضاء المدائن، ثمّ قضاء ربع الكرخ، وحدّث عن أبي بكر المفيد وابن شاهين وغيرهما، وكان صدوقًا وافر العقل، جميل المعاشرة، حسن العبارة، عارفًا بحقوق العلماء، توفي في شوّال عن خمس وثمانين سنة. عبد الوّهاب بن منصور (٤) بن أحمد أبو الحَسَن (٥)، المعروف بابن المشتري، الأهوازي. كان على قضاء الأهواز ونواحيها، شافعيّ المذهب، وكان له مكانة كبيرةٌ عند السلطان، [وكان] صدوقًا كثير المال، حسن السيرة، رحمه اللَّه تعالى. الشريف المُرْتَضى (٦) علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن

стр. 5951

علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵁، الشريف الموسوي الملقّب بالمرتضى ذي المجدين. وكان أكبر من أخيه الرضي ذي الحسبين، نقيب الطالبيين، وكان جيّد الشعر، إمامًا في مذهب الإماميّة والاعتزال يُناظر على ذلك، وكان يُنَاظَرُ عنده في كلّ المذاهب، وله تصانيف في التشيّع أصولًا وفروعًا. وقد نقل ابن الجوزي في ترجمته أشياء من مفردات الشيعة، فمن ذلك أنّه لا يصحّ السجود إلا على الأرض، أو ما كان من جنسها، وأنَّ الاستجمار إنَّما يجزئ من الغائط لا من البول، وأنّ الكتابيات حرام، وذبائح أهل الكتاب حرام، وكذا ما ولوه هم وسائر الكفّار من الأطعمة، وأنّ الطلاق لا يقع إلا بحضرة شاهدين، والمعلّق منه لا يقع، وإن وجد شرطه، ومن نام عن صلاة العشاء حتى انتصف اللّيل وجب قضاؤها، ويجب عليه أن يصبح صائمًا كَفّارة لما وقع، ومن ذلك أنّ المرأة إذا جزّت شعرها يجب عليها كفارة قتل الخطأ، ومن شقّ ثوبه في مصيبة وجب عليه كفارة يمين، ومن تزوّج بامرأة لها زوج لا يعلمه يجب عليه أن يتصدّق بخمسة دراهم، وأن قطع السارق من أصول الأصابع، قال ابن الجوزي (١): نقلتها من خطّ أبي الوفاء بن عقيل، قال: وهذه مذاهب عجيبة تخرق الإجماع، وأعجب منها ذمّ الصحابة ﵃. ثمّ سرد من كلامه شيئًا قبيحًا في تكفير عمر [بن الخطاب] وعثمان، وعائشة، وحفصة، ﵃، وأخزاه اللَّه وأمثاله [من الأرجاس الأنجاس، أهل الرفض والارتكاس] إن لم يكن قد تاب. فقد روى ابن الجوزي، قال: أخبرنا ابن ناصر، عن أبي الحسين بن الطيوري، قال: سمعت أبا القاسم بن بَرْهان يقول: دخلت على الشريف المرتضى أبي القاسم العلوي في مرضه، فإذا به قد حوّل وجهه إلى الجدار فسمعته يقول: أبو بكر وعمر وَلِيا فعدلا، واستُرحما فرحما. فأنا أقول ارتدَّا بعدما أسلما، قال: فقمتُ فما بلغت عتبة الباب حتى سمعت الزعقة عليه، وكانت وفاته في هذه السنة عن إحدى وثمانين سنة. فقد ذكره ابن خلكان (٢) فملس (٣) عليه [على عادته مع الشعراء في الثناء عليهم]، وأورد شيئًا من أشعاره الرائقة، قال: ويقال: إنّه هو الذي وضع "نهج البلاغة" تجاوز اللَّه عنه ورحمه.

стр. 5952

محمد بن أحمد بن شُعَيب بن عبد اللَّه بن الفضل (١) أبو منصور الرُّوياني، صاحب الشيخ أبي حامد الإسفراييني. قال الخطيب: سكن بغداد وحدّث بها، وكتبنا عنه، وكان صدوقًا، يسكن بِقَطِيْعَة الربيع، ومات في ربيع الأول من هذه السّنة ودفن بباب حرب. أبو الحسين البَصْري المعتزلي (٢) محمد بن علي بن الطيِّب، أبو الحُسين البصري، المتكلِّم. شيخ المعتزلة، والمنتصر لهم، والحامي عن ذِمارهم (٣) بالتصانيف الكثيرة، فكانت وفاته في ربيع الآخر من هذه السنة، وصلّى عليه القاضي أبو عبد اللَّه الضَّيْمريُّ، ودفن في الشونيزيّة، وليس له من رواية الحديث سوى حديث واحد رواه عنه الخطيب البغدادي في "تاريخه". حدّثنا محمد بن علي بن الطّيب: قُرئ على هلالى بن محمد بن أخي هلال الرأي بالبصرة وأنا أسمع، قيل له: حدّثكم أبو مسلم الكجّي، وأبو خليفة الفضل بن الحُبَاب الجُمَحي، والغَلابي، والمازني، والزُّرَيقي، قالوا: حدّثنا القعنبي، عن شعبة، عن منصور، عن ربعي، عن أبي مسعود البدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ من كَلام النُّبوَّةِ الأولى، إذا لَمْ تَسْتَح فَاصْنَعْ ما شِئْتَ" (٤). والغلابي، اسمه محمد، والمازني، اسمه محمد بن حيان، والزريقي: أبو علي محمد بن أحمد بن خالد البصري. ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وأربعمئة فيها: بعث السلطان طُغْرُلبَك السّلجوقي أخاه إبراهيم يَنّال إلى بلاد الجبل فملكها، وأخرج عنها صاحبها كرشاسف بن علاء الدولة، فالتحق بالأكراد، ثمّ سار إبراهيم يَنّال إلى الدَّيْنَوَر فملكها. وأخرج منها صاحبها وهو أبو الشوك. فسار أبو الشوك إلى حُلْوان فتبعه إبراهيم فملكها عليه قهرًا، وأحرق داره

стр. 5953

وغنم أمواله، فتجهز الملك أبو كاليجار صاحب بغداد لقتال السّلاجقة الذين غزوا (١) أنصاره [وتعدَّوا على أتباعه]، فلم يمكنه ذلك لقلّة الظهر، وذلك أن الآفة اعترت في هذه السنة الخيل فمات له فيها نحو من اثني عشر ألف فرس بحيث جافت بغداد من نتن الخيل. وفيها: وقع ببغداد بين الروافض والسنّة ثمّ اتفق الفريقان على نهب دور اليهود، وإحراق الكنيسة العتيقة التي لهم. واتفق في هذه السنة موت رجل من أكابر النصارى بواسط، فجلس أهله لعزائه على باب مسجد هناك، وأخرجوا جنازته جهرة، ومعها طائفة من الأتراك يحرسونها، فحملت عليهم العامة، فأخذوا الميت منهم واستخرجوه من أكفانه فأحرقوه ورموه في دجلة ومضوا إلى الدير فنهبوه، وعجز الأتراك عن دفعهم. ولم يحجّ أهل العراق في هذا العام. وممن توفي فيها من الأعيان: فارس بن محمد (٢) بن عنان (٣) صاحب الدِّيْنَوَر وحُلْوان، كانت وفاته في هذا الأوان. خديجة بنت موسى بن عبد اللَّه الواعظة (٤) وتعرف ببنت البقّال، وتُكْنَى أم سَلَمة. قال الخطيب: كتبت عنها، وكانت فقيرة (٥) صالحة فاضلة. أحمد بن يوسف (٦) [السليكي] المَنَازي (٧)، الشاعر، الكاتب، وزير أحمد بن مروان الكردي، صاحب ميّافارقين [وديار بكر]. كان فاضلًا بارعًا لطيفًا تردَّد في الرسلية إلى القُسْطَنْطينيّة غير مرة، وحصّل كتبًا كثيرة أوقفها على جامعي آمد وميّافارقين، ودخل يومًا على أبي العلاء المعرّي، فقال له: إنّي معتزل الناس وهم يؤذونني [وتركت لهم الدنيا]، فقال: ولِمَ؟ وأنت تركت لهم الدنيا والآخرة أيضًا. [فقال: والآخرة

стр. 5954

يا قاضي؟ قال: نعم]. وله ديوان شعر قليل النظير، عزيز الوجود، حرص عليه القاضي الفاضل فلم يقدر عليه، وكانت وفاته في هذه السنة، ومن شعره في وادي بُزَاعَة (١): وقَانا لَفْحَةَ الرَّمْضَاءَ وَادٍ … وَقَاهُ مُضَاعَفُ النَّبْتِ العَمِيمِ نَزَلْنَا دَوْحَهُ فَحَنَا عَلَيْنَا … حُنُوَّ المُرْضِعَاتِ عَلَى الفَطِيْمِ وَأرْشَفَنا عَلَى ظَمَأٍ زُلالًا … ألَذَّ مِنَ المُدَامَةِ للنَّدِيْمِ يُراعي الشَّمْسَ أنَّى قابَلَتْه … فَيَحْجِبُها وَيَأذَنُ للنَّسِيْمِ تَرُوْعُ حَصَاهُ حاليَةَ العَذَارَى … فَتَلْمَسُ جَانِبَ العِقْدِ النَّظِيْمِ قال ابن خلِّكان (٢) رحمه اللَّه تعالى: وهذه الأبيات بديعة في معناها وبابها. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وأربعمئة استهلت [هذه السنة] والمُوتان في الدواب كثير جدًا، حتى جافت بغداد. قال ابن الجوزي (٣): وربّما أحضر بعض الناس الأطباء إلى دوابهم، فيسقونها ماء الشعير ويطيبونها. وفيها: حاصر السلطان طُغْرُلْبَك أصبهان، فصالحه أهلها على مال يحملونه إليه، وأن يُخطَب له في بلدهم، فأجابوه إلى ذلك. وفيها: ملك مهلهل قَرمِيسين والدِّيْنَوَر. وفيها: تأمَّر على بني خفاجة [رجل يقال له]: رجب بن أبي منيع بن ثِمال بعد وفاة بدران بن سلطان بن ثمال، وهؤلاء الأعراب أكثر من يصدّ الحجيج عن البيت الحرام، فلا جزاهم اللَّه خيرًا، وقبّحهم يوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم القعنة ولهم سوء الدار. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ أبو محمد (٤) عبد اللَّه بن يوسف بن عبد أنَّطء بن يوسف بن محمد بن حَيَّويه، الشيخ أبو محمد الجُوَيْنيُّ، إمام الشافعيّة في زمانه.

стр. 5955

وهو والد إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن أبي محمد، وأصله من قبيلة يقال لها: سِنْبس، وجُوَين من نواحي نيسابور، سمع الحديث في بلاد شتًى على جماعة، وقرأ الأدب على أبيه، وتفقه بأبي الطيّب سهل بن محمد الصُّعلوكي، ثمّ خرج إلى مرو، إلى أبي بكر عبد اللَّه بن أحمد القفّال، ثمّ عاد إلى نيسابور، وعقد مجلس المناظرة، وكان مهيبًا لا يجري بين يديه إلا الجدّ، وصنّف التصانيف الكثيرة في أنواع من العلوم، وكان ورعًا زاهدًا، شديد الاحتياط [لدينه حتى] ربّما أخرج الزكاة مرّتين، وقد ذكرته في "طبقات الشافعيّة"، و [ذكرت] ما قاله الأئمة في مدحه. كانت وفاته في ذي القعدة. وقال ابن خلّكان (١): صنّف "التفسير الكبير" المشتمل على أنواع العلوم، وله في الفقه "التبصرة" و"التذكرة"، و"مختصر المختصر"، و"الفرق والجمع"، و"السلسلة" وغير ذلك. وكان إمامًا في الفقه، والأصول، والعربيّة، والأدب. توفي في هذه السنة، وقيل: في سنة أربع وثلاثين، قاله السّمعاني في كتابه "الأنساب" (٢)، ومات وهو في سن الكهولة، ﵀ وإيانا بفضله ورحمته. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وأربعمئة فيها: اصطلح الملك طُغْرُلْبك السَّلْجُوقيّ وأبو كاليجار صاحب بغداد، وتزوّج طغرلبك بابنة أبي كاليجار، وتزوّج أبو منصور بن أبي كاليجار بابنة الملك داود أخي طغرلبك. وفيها: أسرت الأكراد سُرْخاب أخا أبي الشوك، وأحضروه بين يدي إبراهيم يَنّال، فأمر بقلع إحدى عينيه. وفيها: استولى أبو كاليجار على بلاد البطيحة، ونجا صاحبها أبو نصر بنفسه. وفيها: ظهر شخص يقال له الأصْفَر التغلبيُّ، وادّعى أنه من المذكورين في الكتب، فاستغوى خلقًا من الناس، وقصد بلاد الروم، فغنم منها أموالًا فقوي بها وعظم أمره، فاتفق أنّه أُسِرَ وحُمِل إلى نصر الدولة بن مروان صاحب ديار بكر، فاعتقله، وسدّ عليه باب السجن (٣). وفيها: كان وباء شديد بالعرق والجزيرة وبغداد [بسبب جيف الدواب التي ماتت]، فمات خلق كثير حتى خلت الأسواق، وغلت الأسعار [وقلّت الأشياء] التي يحتاج إليها المرضى، وورد كتاب من
следующие страницы →