← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵁، الشريف الموسوي الملقّب بالمرتضى ذي المجدين. وكان أكبر من أخيه الرضي ذي الحسبين، نقيب الطالبيين، وكان جيّد الشعر، إمامًا في مذهب الإماميّة والاعتزال يُناظر على ذلك، وكان يُنَاظَرُ عنده في كلّ المذاهب، وله تصانيف في التشيّع أصولًا وفروعًا. وقد نقل ابن الجوزي في ترجمته أشياء من مفردات الشيعة، فمن ذلك أنّه لا يصحّ السجود إلا على الأرض، أو ما كان من جنسها، وأنَّ الاستجمار إنَّما يجزئ من الغائط لا من البول، وأنّ الكتابيات حرام، وذبائح أهل الكتاب حرام، وكذا ما ولوه هم وسائر الكفّار من الأطعمة، وأنّ الطلاق لا يقع إلا بحضرة شاهدين، والمعلّق منه لا يقع، وإن وجد شرطه، ومن نام عن صلاة العشاء حتى انتصف اللّيل وجب قضاؤها، ويجب عليه أن يصبح صائمًا كَفّارة لما وقع، ومن ذلك أنّ المرأة إذا جزّت شعرها يجب عليها كفارة قتل الخطأ، ومن شقّ ثوبه في مصيبة وجب عليه كفارة يمين، ومن تزوّج بامرأة لها زوج لا يعلمه يجب عليه أن يتصدّق بخمسة دراهم، وأن قطع السارق من أصول الأصابع، قال ابن الجوزي (١): نقلتها من خطّ أبي الوفاء بن عقيل، قال: وهذه مذاهب عجيبة تخرق الإجماع، وأعجب منها ذمّ الصحابة ﵃. ثمّ سرد من كلامه شيئًا قبيحًا في تكفير عمر [بن الخطاب] وعثمان، وعائشة، وحفصة، ﵃، وأخزاه اللَّه وأمثاله [من الأرجاس الأنجاس، أهل الرفض والارتكاس] إن لم يكن قد تاب. فقد روى ابن الجوزي، قال: أخبرنا ابن ناصر، عن أبي الحسين بن الطيوري، قال: سمعت أبا القاسم بن بَرْهان يقول: دخلت على الشريف المرتضى أبي القاسم العلوي في مرضه، فإذا به قد حوّل وجهه إلى الجدار فسمعته يقول: أبو بكر وعمر وَلِيا فعدلا، واستُرحما فرحما. فأنا أقول ارتدَّا بعدما أسلما، قال: فقمتُ فما بلغت عتبة الباب حتى سمعت الزعقة عليه، وكانت وفاته في هذه السنة عن إحدى وثمانين سنة. فقد ذكره ابن خلكان (٢) فملس (٣) عليه [على عادته مع الشعراء في الثناء عليهم]، وأورد شيئًا من أشعاره الرائقة، قال: ويقال: إنّه هو الذي وضع "نهج البلاغة" تجاوز اللَّه عنه ورحمه.

стр. 5952

محمد بن أحمد بن شُعَيب بن عبد اللَّه بن الفضل (١) أبو منصور الرُّوياني، صاحب الشيخ أبي حامد الإسفراييني. قال الخطيب: سكن بغداد وحدّث بها، وكتبنا عنه، وكان صدوقًا، يسكن بِقَطِيْعَة الربيع، ومات في ربيع الأول من هذه السّنة ودفن بباب حرب. أبو الحسين البَصْري المعتزلي (٢) محمد بن علي بن الطيِّب، أبو الحُسين البصري، المتكلِّم. شيخ المعتزلة، والمنتصر لهم، والحامي عن ذِمارهم (٣) بالتصانيف الكثيرة، فكانت وفاته في ربيع الآخر من هذه السنة، وصلّى عليه القاضي أبو عبد اللَّه الضَّيْمريُّ، ودفن في الشونيزيّة، وليس له من رواية الحديث سوى حديث واحد رواه عنه الخطيب البغدادي في "تاريخه". حدّثنا محمد بن علي بن الطّيب: قُرئ على هلالى بن محمد بن أخي هلال الرأي بالبصرة وأنا أسمع، قيل له: حدّثكم أبو مسلم الكجّي، وأبو خليفة الفضل بن الحُبَاب الجُمَحي، والغَلابي، والمازني، والزُّرَيقي، قالوا: حدّثنا القعنبي، عن شعبة، عن منصور، عن ربعي، عن أبي مسعود البدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ من كَلام النُّبوَّةِ الأولى، إذا لَمْ تَسْتَح فَاصْنَعْ ما شِئْتَ" (٤). والغلابي، اسمه محمد، والمازني، اسمه محمد بن حيان، والزريقي: أبو علي محمد بن أحمد بن خالد البصري. ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وأربعمئة فيها: بعث السلطان طُغْرُلبَك السّلجوقي أخاه إبراهيم يَنّال إلى بلاد الجبل فملكها، وأخرج عنها صاحبها كرشاسف بن علاء الدولة، فالتحق بالأكراد، ثمّ سار إبراهيم يَنّال إلى الدَّيْنَوَر فملكها. وأخرج منها صاحبها وهو أبو الشوك. فسار أبو الشوك إلى حُلْوان فتبعه إبراهيم فملكها عليه قهرًا، وأحرق داره

стр. 5953

وغنم أمواله، فتجهز الملك أبو كاليجار صاحب بغداد لقتال السّلاجقة الذين غزوا (١) أنصاره [وتعدَّوا على أتباعه]، فلم يمكنه ذلك لقلّة الظهر، وذلك أن الآفة اعترت في هذه السنة الخيل فمات له فيها نحو من اثني عشر ألف فرس بحيث جافت بغداد من نتن الخيل. وفيها: وقع ببغداد بين الروافض والسنّة ثمّ اتفق الفريقان على نهب دور اليهود، وإحراق الكنيسة العتيقة التي لهم. واتفق في هذه السنة موت رجل من أكابر النصارى بواسط، فجلس أهله لعزائه على باب مسجد هناك، وأخرجوا جنازته جهرة، ومعها طائفة من الأتراك يحرسونها، فحملت عليهم العامة، فأخذوا الميت منهم واستخرجوه من أكفانه فأحرقوه ورموه في دجلة ومضوا إلى الدير فنهبوه، وعجز الأتراك عن دفعهم. ولم يحجّ أهل العراق في هذا العام. وممن توفي فيها من الأعيان: فارس بن محمد (٢) بن عنان (٣) صاحب الدِّيْنَوَر وحُلْوان، كانت وفاته في هذا الأوان. خديجة بنت موسى بن عبد اللَّه الواعظة (٤) وتعرف ببنت البقّال، وتُكْنَى أم سَلَمة. قال الخطيب: كتبت عنها، وكانت فقيرة (٥) صالحة فاضلة. أحمد بن يوسف (٦) [السليكي] المَنَازي (٧)، الشاعر، الكاتب، وزير أحمد بن مروان الكردي، صاحب ميّافارقين [وديار بكر]. كان فاضلًا بارعًا لطيفًا تردَّد في الرسلية إلى القُسْطَنْطينيّة غير مرة، وحصّل كتبًا كثيرة أوقفها على جامعي آمد وميّافارقين، ودخل يومًا على أبي العلاء المعرّي، فقال له: إنّي معتزل الناس وهم يؤذونني [وتركت لهم الدنيا]، فقال: ولِمَ؟ وأنت تركت لهم الدنيا والآخرة أيضًا. [فقال: والآخرة

стр. 5954

يا قاضي؟ قال: نعم]. وله ديوان شعر قليل النظير، عزيز الوجود، حرص عليه القاضي الفاضل فلم يقدر عليه، وكانت وفاته في هذه السنة، ومن شعره في وادي بُزَاعَة (١): وقَانا لَفْحَةَ الرَّمْضَاءَ وَادٍ … وَقَاهُ مُضَاعَفُ النَّبْتِ العَمِيمِ نَزَلْنَا دَوْحَهُ فَحَنَا عَلَيْنَا … حُنُوَّ المُرْضِعَاتِ عَلَى الفَطِيْمِ وَأرْشَفَنا عَلَى ظَمَأٍ زُلالًا … ألَذَّ مِنَ المُدَامَةِ للنَّدِيْمِ يُراعي الشَّمْسَ أنَّى قابَلَتْه … فَيَحْجِبُها وَيَأذَنُ للنَّسِيْمِ تَرُوْعُ حَصَاهُ حاليَةَ العَذَارَى … فَتَلْمَسُ جَانِبَ العِقْدِ النَّظِيْمِ قال ابن خلِّكان (٢) رحمه اللَّه تعالى: وهذه الأبيات بديعة في معناها وبابها. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وأربعمئة استهلت [هذه السنة] والمُوتان في الدواب كثير جدًا، حتى جافت بغداد. قال ابن الجوزي (٣): وربّما أحضر بعض الناس الأطباء إلى دوابهم، فيسقونها ماء الشعير ويطيبونها. وفيها: حاصر السلطان طُغْرُلْبَك أصبهان، فصالحه أهلها على مال يحملونه إليه، وأن يُخطَب له في بلدهم، فأجابوه إلى ذلك. وفيها: ملك مهلهل قَرمِيسين والدِّيْنَوَر. وفيها: تأمَّر على بني خفاجة [رجل يقال له]: رجب بن أبي منيع بن ثِمال بعد وفاة بدران بن سلطان بن ثمال، وهؤلاء الأعراب أكثر من يصدّ الحجيج عن البيت الحرام، فلا جزاهم اللَّه خيرًا، وقبّحهم يوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم القعنة ولهم سوء الدار. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ أبو محمد (٤) عبد اللَّه بن يوسف بن عبد أنَّطء بن يوسف بن محمد بن حَيَّويه، الشيخ أبو محمد الجُوَيْنيُّ، إمام الشافعيّة في زمانه.

стр. 5955

وهو والد إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن أبي محمد، وأصله من قبيلة يقال لها: سِنْبس، وجُوَين من نواحي نيسابور، سمع الحديث في بلاد شتًى على جماعة، وقرأ الأدب على أبيه، وتفقه بأبي الطيّب سهل بن محمد الصُّعلوكي، ثمّ خرج إلى مرو، إلى أبي بكر عبد اللَّه بن أحمد القفّال، ثمّ عاد إلى نيسابور، وعقد مجلس المناظرة، وكان مهيبًا لا يجري بين يديه إلا الجدّ، وصنّف التصانيف الكثيرة في أنواع من العلوم، وكان ورعًا زاهدًا، شديد الاحتياط [لدينه حتى] ربّما أخرج الزكاة مرّتين، وقد ذكرته في "طبقات الشافعيّة"، و [ذكرت] ما قاله الأئمة في مدحه. كانت وفاته في ذي القعدة. وقال ابن خلّكان (١): صنّف "التفسير الكبير" المشتمل على أنواع العلوم، وله في الفقه "التبصرة" و"التذكرة"، و"مختصر المختصر"، و"الفرق والجمع"، و"السلسلة" وغير ذلك. وكان إمامًا في الفقه، والأصول، والعربيّة، والأدب. توفي في هذه السنة، وقيل: في سنة أربع وثلاثين، قاله السّمعاني في كتابه "الأنساب" (٢)، ومات وهو في سن الكهولة، ﵀ وإيانا بفضله ورحمته. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وأربعمئة فيها: اصطلح الملك طُغْرُلْبك السَّلْجُوقيّ وأبو كاليجار صاحب بغداد، وتزوّج طغرلبك بابنة أبي كاليجار، وتزوّج أبو منصور بن أبي كاليجار بابنة الملك داود أخي طغرلبك. وفيها: أسرت الأكراد سُرْخاب أخا أبي الشوك، وأحضروه بين يدي إبراهيم يَنّال، فأمر بقلع إحدى عينيه. وفيها: استولى أبو كاليجار على بلاد البطيحة، ونجا صاحبها أبو نصر بنفسه. وفيها: ظهر شخص يقال له الأصْفَر التغلبيُّ، وادّعى أنه من المذكورين في الكتب، فاستغوى خلقًا من الناس، وقصد بلاد الروم، فغنم منها أموالًا فقوي بها وعظم أمره، فاتفق أنّه أُسِرَ وحُمِل إلى نصر الدولة بن مروان صاحب ديار بكر، فاعتقله، وسدّ عليه باب السجن (٣). وفيها: كان وباء شديد بالعرق والجزيرة وبغداد [بسبب جيف الدواب التي ماتت]، فمات خلق كثير حتى خلت الأسواق، وغلت الأسعار [وقلّت الأشياء] التي يحتاج إليها المرضى، وورد كتاب من

стр. 5956

الموصل بأنّه لا يصلّي الجمعة من أهلها إلا نحو أربعمئة، وأنّ أهل الذمّة لم يبق منهم إلا نحو من مئة وعشرين نفسًا. [وفيها: وقع غلاء شديد أيضًا] وجرت فتنة بين الروافض والسنّة ببغداد، قُتل فيها خلق كثير. ولم يحجّ أحد من ركب العراق في هذا العام، فلا قوّة إلا باللَّه. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن أحمد (١) أبو الفضل، القاضي الهاشمي الرَّشيديّ. ولي القضاء بِسِجِسْتان، وسمع الحديث من الغِطْريفي، وعنه الخطيب، فقال: أنشدني لنفسه: قَالُوا اقْتَصِدْ في الجُودِ إنَّكَ مُنْصِفٌ … عَدْلٌ وَذو الإنْصافِ لَيْسَ يَجُورُ فَأجَبْتُهُمْ إنِّي سُلالَةُ مَعْشَرٍ … لَهُمُ لِواءٌ في النَّدَى مَنْشُورُ تَاللَّهِ إنِّي شَائِدٌ ما قَدْ بنى … جَدِّي الرَّشِيْدُ وَجَدِّيَ المَنْصُورُ (٢) عبد الواحد بن محمد بن يحيى بن أيوب (٣) أبو القاسم، الشاعر المعروف بالمطرِّز، ومن شعره: يا عَبْدُ كَمْ لَكَ مِنْ ذَنْبٍ وَمَعْصِيةٍ … إنْ كُنْتَ نَاسِيْها فاللَّه أحْصَاهَا لابُدَّ يا عَبْدُ مِنْ يَوْمٍ تَقُومُ لَهُ … بِوَقْفَةٍ لَكَ يُدْمِي القَلْبَ ذِكْرَاهَا (٤) إذا عَرَضْتُ عَلى قَلْبِي تَذَكّرَها … وَسَاءَ ظَنِّي أقُولُ: اسْتَغْفِر اللَّه (٥) محمد بن الحسين بن علي بن عبد الرحيم (٦) أبو سَعْد الوزير. وَزَر للملك أبي طاهر ستّ مرات، ثم كان موته بجزيرة ابن عمر في هذه السنة، عن ستٍّ وخمسين سنة. محمد بن أحمد بن موسى (٧) أبو عبد اللَّه الواعظ الشيرازي.

стр. 5957

قال الخطيب: قدم بغداد وأظهر الزهد، والتقشّف، والورع، وعزوف النفس عن الدنيا، فافتتن الناس به، وكان يحضر مجلسه خلق كثير، ثم إنه قبل ما كان يُعرض عليه فيأبى قبوله (١)، فكثرت أمواله، ولبس الثِّياب الناعمة، وجرت له أمور كثيرة، وكثرت أتباعه، وأظهر أنه يريد الغزو فاتبعه خلق كثير، فبرز ظاهر البلد ناحيةً منها، وكان يضرب له الطبل في أوقات الصلوات، وسار إلى ناحية بلاد أذربيجان، فالتفّ عليه خلق كثير، وضاهى أمير تلك الناحية، فكانت وفاته هناك في هذه السنة. قال الخطيب: وقد حدّث ببغداد، وكتبت عنه أحاديث يسيرة، وحدثني بعض أصحابنا بشيء يدلّ على ضعفه في الحديث، وأنشدني هو لبعضهم: إذَا ما أطَعْتَ النَّفْسَ في كُلِّ لَذَّةٍ … نُسبْتَ إلى غَيْرِ الحِجَى وَالتَّكَرُّمِ إذَا ما أجَبْتَ النَّفْسَ في كُلِّ دَعْوَةٍ … دَعَتْكَ إلى الأَمْرِ القَبِيحِ المُحَرَّمِ محمد بن الحسن بن عمر بن بَرْهان (٢) أبو الحسن الغزال، سمع [محمّد] بن المظفر وغيره، وكان صدوقًا، رحمه اللَّه تعالى. محمد بن علي بن إبراهيم أبو الخطّاب (٣) الجَبُّلي (٤) الشاعر، فمن شعره قوله: مَا حَكَمَ الحُبُّ فَهُوَ مُمْتَثَلٌ … وَمَا جَنَاهُ الحَبِيْبُ مُحْتَمَلُ يَهْوَى وَيَشْكُو الضّنى (٥) وَكُل هَوًى … لا يُنْحِلُ الجِسْم فَهْوَ مُنْتَحَلُ وقد سافر إلى الشام فاجتاز بمعرّة النعمان، فامتدحه أبو العلاء المعري بن سليمان بأبيات فأجابه مرتجلًا عنها، وقد كان حسن العينين حين سافر، فما عاد إلا وهو أعمى، وكانت وفاته في ذي القعدة من هذه السنة، ويقال: إنّه كان شديد الرفض، واللَّه أعلم. الشيخ أبو علي السِّنْجِيّ (٦) الحسين بن شُعَيب بن محمد شيخ الشافعيّة في زمانه.

стр. 5958

أخذ عن أبي بكر القفّال، وشرح "الفروع" لابن الحدّاد، وقد شرحها قبله شيخه، وبعده القاضي أبو الطيّب الطبري (١)، وشرح أبو علي السِّنْجي كتاب "التلخيص" لابن القاصّ شرحًا كبيرًا وله كتاب "المجموع" وأخذ منه الغزالي في "الوسيط"، قال ابن خلِّكان (٢): وهو أوّل من جمع بين طريقتي العراق وخراسان، وكانت وفاته سنة بضع وثلاثين وأربعمئة، رحمه اللَّه تعالى (٣). ثم دخلت سنة أربعين وأربعمئة في جمادى الأولى منها، مرض الملك أبو كاليجار صاحب بغداد، وهو في بريّة، ففصد في يوم ثلاث مرات، وحمل في محفّةٍ فمات في ليلة الخميس، وانتهبت الغلمان الخزائن، وأحرق الجواري الخيام، سوى الخيمة التي هو فيها، والخركاه (٤) التي كان بها، وولي بعده ابنه أبو نصر وسمّوه الملك الرحيم (٥)، ودخل دار الخلافة في يوم مشهود، وخلع عليه الخليفة سبع خِلَع، وسوّره، وطوّقه، وعلى رأسه التاج والعمامة السوداء الرُّصافيّة، ووصّاه الخليفة، وسار إلى داره، وذهب الناس لتهنئته. وفيها: دار السور (٦) على شيراز، وكان دوره اثني عشر ألف ذراع، وارتفاعه ثمانية أذرع، وعرضه ستة أذرع، وفيه أحد عشر بابًا. وفيها: غزا إبراهيم يَنّال بلاد الروم فغنم مئة ألف رأس، وأربعة آلاف درع، وقيل: تسعة عشر ألف درع، ولم يبق بينه وبين القسطنطينية إلا خمسة عشر يومًا، وحمل ما حصل له من الغنائم على عشرة آلاف عجلة. وفيها: خُطِب لذخيرة الدين أبي العباس أحمد بن الخليفة القائم بأمر اللَّه على المنابر بولاية العهد، من بعد أبيه، وحُيي بذلك.

стр. 5959

وفيها: اقتتل الروافض والسنة وجرت ببغداد فتن طويلة منكرة. ولم يحجّ أحد من أهل العراق في هذا العام أيضًا. وممن توفي فيها من الأعيان: السيد الكبير، الحسنُ بن عيسى بن المقتدر باللَّه (١) أبو محمد العبّاسيّ. ولد في المحرّم من سنة ثلاث وأربعين وثلاثمئة، وسمع من مؤدّبه أحمد بن منصور اليَشْكري، وأبي الأزهر عبد الوّهاب بن عبد الرحمن الكاتب، وكان فاضلًا ديّنًا، حافظًا لأخبار الخلفاء، عالمًا بأيام الناس، صالحًا، أعرض عن ولاية الخلافة عن قدرةٍ وآثر بها القادر باللَّه. وكانت وفاته في هذه السنة عن سبع وتسعين سنة، وأوصى أن يدفن بباب حرب بغير تابوت، فدفن قريبًا من قبر الإمام أحمد، وكان يوم جنازته مشهودًا، مشى الأمراء والوزراء والبساسيري إلى المقبرة، وجلس رئيس الرؤساء أبو القاسم بن المسلمة للعزاء من الغد. عُبيد اللَّه (٢) بن عمر بن أحمد بن عثمان (٣) أبو القاسم (٤) الواعظ، المعروف بابن شاهين. سمع من أبي بكر بن مالك، وابن ماسي، وأبا بحر (٥) البَرْبهاري، وابن المظفر. قال الخطيب (٦): كتبت عنه وكان صدوقًا، ومولده في سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة، وتوفي في ربيع الأول (٧) من هذه السنة ودفن بباب حرب، رحمه اللَّه تعالى. علي بن الحسن بن محمد بن المنتاب (٨) أبو القاسم، المعروف بابن أبي عثمان الدقّاق.

стр. 5960

قال الخطيب: سمع القطيعي وغيره، وكان شيخًا صالحًا، صدوقًا، ديّنًا، حسن المذهب. محمد بن جعفر بن أبي الفرج بن فَسَانْجس (١) الوزير، أبو الفرج المُلقَّب بذي السعادات. وزر لأبي كاليجار بفارس وبغداد، وكان ذا مروءةٍ غزيرة، مليح الشعر والترسّل، ومن محاسنه أنّه كُتِبَ إليه في رجل مات عن ولد له ثمانية أشهر، وله ما يقارب مئة ألف دينار، فإن رأى الوزير أن يقترض من العين إلى [حين] بلوغ الطفل، فكتب [الوزير] على ظهر الورقة: المتوفى ﵀، والطفل [اليتيم] جبره اللَّه، والمال ثمّره اللَّه، والسّاعي لعنه اللَّه، ولا حاجة لنا إلى مال الأيتام. اعتُقِل ثمَّ قُتِل في رمضان من هذه السنة عن إحدى وخمسين سنة. محمد بن محمد بن إبراهيم (٢) بن غَيْلان بن عبد اللَّه بن غَيْلان بن حكيم بن غَيْلان أبو طالب البزّاز. روى عن جماعة، وهو آخر من حدَّث عن أبي بكر الشافعي، وكان ثقةً، صدوقًا، ديِّنًا، صالحًا، قويّ النفس على كبر السن، كان يملك ألف دينار، فيصبّها كلَّ يومٍ في حجْره فيقلِّبها ثمّ يردّها إلى موضعها، وقد خرّج له الدّارقطني "الأجزاء الغيلانيات" (٣) وهي سماعنا، وكانت وفاته يوم الإثنين سادس شوّال من هذه السنة عن أربع وتسعين سنة، ويقال: إنه بلغ مئة سنة وخمس سنين، فاللَّه أعلم. الملك أبو كاليجا (٤) واسمه المَرْزُبان بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن عَضُدِ الدولة، كانت وفاته في هذه السنة عن أربعين سنة وأشهرٍ، وقد وَلي العراق نحوًا من أربع سنينٍ، ونُهبت له قلعة كان فيها ما يزيد على ألف ألف دينار، وقام بالأمر من بعده ابنه الملك الرحيم أبو نصر كما تقدّم ذكره في الحوادث. ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وأربعمئة في عاشر المحرم تقدّم إلى أهل الكرخ ألا يعملوا بدعة النَّوح، فجرت بينهم وبين أهل باب البصرة ما يزيد على الحدّ من الجراح والقتل.

стр. 5961

وفيها: بنى أهل الكرخ سورًا عليه، وبنى أهل السنة سورًا على سوق القلائين، ونقض كلّ من الفريقين أبنية الآخرين، وحملوا الآجر إلى مواضعه بالطبول والمزامير، وجرت بينهم مفاخرات في ذلك، وسخف لا ينحصر ولا ينضبط [وإنشاد أشعار في فضل الصحابة وثلبهم، ثم وقعت بينهم فتن يطول أمرها (١)، وأحرقوا دورًا كثيرة جدًا. وفيها: وقعت وحشة بين الملك طُغْرُلْبَك وأخيه إبراهيم يَنّال، فأمر طُغْرلْبَك بضربه وسمل إحدى عينيه، وقطع شفتيه، فسار إبراهيم فجمع جموعًا كثيرة، واقتتل هو وأخوه فهزمه طُغْرُلْبَك، ثمّ أسره من قلعة قد تحصّن بها بعد محاصرة أربعة أيام فاستنزله منها مقهورًا، فأحسن إليه وأكرمه، وأقام عند أخيه مكرمًا. وكتب ملك الروم إلى طُغْرُلْبك في فداء بعض ملوكهم ممن كان أسره إبراهيم يَنّال، ويبذل له فيه قطعة كبيرة من المال، فبعثه إليه مجّانًا من غير عوض اشترطه عليه، فأرسل ملك الروم هدايا كثيرة وتحفًا غزيرة، وأمر بعمارة المسجد الذي بالقُسْطَنْطينية، وأقيمت فيه الصلاة، والجمعة، وخُطِبَ فيه للملك طُغْرُلْبَك، فبلغ هذا الأمر العجيب سائر الملوك، فعظّموا الملك طُغْرُلْبَك تعظيمًا زائدًا، وخطب له نصر الدولة بن مروان بالجزيرة. وفيها: ولي مسعود بن مودود بن مسعود بن محمود بن سُبُكْتكين الملك بعد وفاة أبيه، وكان صغيرًا فمكث أيامًا ثمّ عدل عنه إلى عمّه علي بن مسعود، ثمّ نازعه عمّه عبد الرشيد بن محمود فاستقرّ الملك بيده، وانعزل علي بن مسعود، وهذا أمر غريب جدًا. وفيها: ملك المصريون مدينة حلب، وأجلوا عنها صاحبها ثِمال بن صالح بن مرداس. وفيها: كان بين البساسيري وبين بني عقيل حرب. وفيها: ملك البساسيري الأنبار من يد قرواش فأصلح أمورها. وفي شعبان: سار البساسيري إلى طريق خراسان، وقصد ناحية الدزّدار وملكها، فغنم مالًا كثيرًا كان فيها، وكان سعْدي بن أبي الشوك قد حصّنها. قال ابن الجوزي (٢): وفي ذي الحجَّة ارتفعت سحابة سوداء ليلًا فزادت على ظلمة اللّيل، وظهر من جوانب السماء كالنار المضيئة، فانزعج الناس لذلك، وخافوا، وأخذوا في الدّعاء والتضرّع، فانكشف في باقي اللّيل بعد ساعة جيدة، وكانت قد هبّت ريح شديدة جدًا قبل ذلك، فأتلَفَتْ شيئًا كثيرًا من الأشجار

стр. 5962

وهدمت رواشن كثيرة، من دار الخلافة، ودار المملكة، ولم يحجّ أحد من أهل العراق في هذه السنة. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمّد بن أحمد بن محمد بن منصور (١) أبو الحسن، المعروف بالعَتِيقي نسبة إلى جدٍّ له كان يسمّى عتيقًا. سمع من ابن شاهين وغيره، وكان صدوقًا، توفي في صفر وقد جاوز السبعين (٢). علي بن عبد اللَّه بن الحسين أبو القاسم العلوي (٣)، ويعرف بابن الشَّبية (٤). قال الخطيب: سمع من ابن المظفر، وكتبت عنه، وكان صدوقًا ديِّنًا، حسن الاعتقاد، يورِّق بالأجرة، ويأكل منه، ويتصدّق، توفي في رجب منها وقد جاوز الثمانين. عبد الوهّاب بن أقضى القضاة أبي الحسن الماوردي (٥) يكنّى بأبي الفائز، شهد عند ابن ماكولا في سنة إحدى وثلاثين، فأجاز شهادته احترامًا لأبيه، وكانت وفاته في المحرَّم من هذه السنة. الحافظ أبو عبد اللَّه محمد بن علي بن عبد اللَّه بن محمد الصُّوري (٦) الحافظ. طلب الحديث بنفسه بعدما كبر وأسنّ، فرحل في طلب الحديث إلى الآفاق، وكتب الكثير، وصنَّف واستفاد على الحافظ عبد الغني بن سعيد المصريّ، وكتب عنه شيخه عبد الغني شيئًا من تصانيفه، وكان من أعظم أهل الحديث همَّة في الطلب وهو شابٌّ، ثمّ كان من أقوى الناس عزيمةً على العمل الصالح، كان يسرد الصوم كلَّ يوم (٧) إلا يومي العيدين و [أيام] التشريق، وكان مع ذلك حَسَن الخُلق، جميل المعاشرة، وقد ذهبت إحدى عينيه فكان يكتب بالأخرى المجلّد في جزء. قال أبو الحسن بن الطُّيُوري: يقال: إنّ عامّة كتب الخطيب سوى التاريخ مستفادة من كتب عبد اللَّه

стр. 5963

الصُّوري (١)، وترك كتبه اثني عشر عدلًا عند أخيه، فلمّا صار الخطيب إلى الشام أعطى أخاه شيئًا وأخذ بعض تلك لكتب فحوّلها في كتبه، ومن شعر أبي عبد اللَّه الصُّوريّ: تَوَلَّى الشَّبابُ بِرَيْعَانِهِ … وَجَاءَ المَشِيْبُ بِأحْزَانِهِ فَقَلْبِي لِفِقْدَانِ ذَا مُؤْلِمٌ … كَئِيبٌ بِهَذَا وَوِجْدَانِه وإنْ كَانَ مَا جَارَ في سَيْرِه (٢) … وَلا جَاءَ في غَيْرِ إبَّانِهِ وَلَكِنْ أتَى مُؤْذِنًا بِالرَّحيـ … ــلِ فَوَيْلِي مِنْ قُرْبِ إيْذَانِه ولَوْلا ذُنُوبٌ تَحَمَّلْتُهَا … لَمَا رَاعَنِي حَالَ إتْيَانِهِ (٣) وَلَكِن ظَهْري ثَقِيْلٌ بِمَا … جَنَاهُ شَبَابِي بِطُغْيَانِهِ فَمَنْ كَان يَبْكي شَبَابًا مَضَى … وَيَنْدُبُ طِيْبَ أزْمَانِهِ (٤) فَلَيْسَ بُكَائِيْ وَمَا قَدْ تَرَو … نَ مِنِّي لِوَحْشَةِ فُقْدَانِهِ وَلَكِنْ لِما كَان قَدْ جَرَّه … عَلَيَّ بِوَثْبَاتِ شَيْطَانِه (٥) فَوَيْلي (٦) وَوَيْحِي إنْ لَمْ يَجُدْ … عَليَّ مَلِيْكِي بِرِضْوَانِهِ وَلَمْ يَتَغمّد ذُنُوبي وَمَا … جَنَيْتُ بِواسِعِ غُفْرَانِهِ (٧) ويَجْعَلْ مَصِيري إلى جَنَّةٍ … يَحُلُّ بِهَا أهْلُ قُرْبَانِهِ (٨) وإنْ كُنْتُ مَا لي من قُرْبَة (٩) … سِوَى حُسْنِ ظَنِّي بِإحْسَانِهِ وأني مُقِرٌّ بِتَوْحِيْدِهِ … عَلِيمٌ بِعِزَّةِ سُلْطَانِهِ أخالِفُ في ذَاكَ أهْلَ الجُحودِ (١٠) … وأهْل الفُسُوق وعُدْوَانِه

стр. 5964

وأرْجُو بِهِ الفَوْزَ في مَنْزِلٍ … مُقِرٍّ لأعْيُنِ سُكّانِهِ (١) وَلَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ أهْلَ الجُحُو … دِ وَمَنْ أقَرَّ بإيْمَانِهِ فَهَذَا يُنَجِّيهِ إيْمَانُهُ … وَهَذَا يَبُوءُ بِخُسْرَانِهِ وَهَذَا يَنعمُ في جَنَّةٍ … وَذَلك في قَعْرِ نِيْرَانِهِ (٢) ومن شعر أبي عبد اللَّه الصُّوريّ أيضًا، رحمه اللَّه تعالى: قلْ لِمنْ عَاندَ الحَديثَ وأضْحَى … عَائبًا أهْلَهُ ومَنْ يَدَّعِيْهِ أبِعلْمٍ تَقُولُ هَذَا أبِنْ لي … أمْ بِجَهْلٍ فَالجْهَلُ خُلُقُ السَّفيهِ أيُعَابُ الذينَ هُم حَفِظُوا الدِّيْـ … ــنَ من التُّرَّهَاتِ وَالتَّمْويْهِ وإلى قَوْلهِمْ وَمَا قَدْ رَوَوْهُ … رَاجِعٌ كلُّ عالمٍ وفقيهِ وكان سبب وفاته ﵀ أنّه افتصد فورمت يده، لأنّه على ما ذكر، كانت ريشة الحاجم مسمومة لغيره، فغلط ففصده بها، فكانت فيها منيته بإذن اللَّه وقَدَرِه، فحُمل إلى المارستان فمات به في يوم الأربعاء سلخ جمادى الآخرة من هذه السَّنة، ودفن بمقبرة جامع المدينة، وقد نيّف على الستين سنة، أسأل اللَّه تعالى أن يرحمنا وإيّاه بمنّه وكرمه. ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين وأربعمئة فيها: فتح السلطان طُغْرُلْبَك أصبهان بعد حصار سنة، فنقل إليها حواصله من الريّ، وجعلها دار إقامته. وخرّب قطعة من السور، وقال: إنّما يحتاج إلى السور من تضعف قوته، وأنا حصني عساكري وسيفي، وقد كان فيها أبو منصور قرامرز (٣) بن علاء الدولة أبي جعفر بن كاكويه، فأخرجه منها، وأقطعه بعض بلادها. وفيها: سار الملك الرحيم إلى الأهواز، وأطاعه عسكر فارس، وملك عسكر مَكْرَم (٤). وفيها: استولت الخوارج على عُمان، وأخربوا دار الإمارة منها، وأسروا أبا المظفَّر بن أبي كاليجار. وفيها: دخلت العرب بإذن المستنصر الفاطمي بلاد إفريقيّة، وجرت بينهم وبين المعزّ بن باديس حروب طويلة، وعاثوا في الأرض فسادًا عدّة سنين.

стр. 5965

وفيها: اصطلح الروافض والسنّة ببغداد وذهبوا كلُّهم لزيارة المشهدين، مشهد عليّ، ومشهد الحسين، وترضّوا في الكرخ عن الصحابة وترحّموا عليهم، وهذا عجيب جدًا، إلا أن يكون من باب التقيّة، ورخصت الأسعار ببغداد جدًا. ولم يحجّ أحد من أهل العراق في هذه السنة أيضًا، فلا حول ولا قوة إلا باللَّه. وممن توفي فيها من الأعيان: علي بن عمر بن الحسن أبو الحسن الحَرْبي، المعروف بالقَزْويني (١). وُلد في مستهلّ المحرّم من سنة ستين وثلاثمئة، وهي الفيلة التي توفي فيها أبو بكر الآجريّ، وسمع أبا بكر بن شاذان، وأبا حفص الزيّات، وابن حَيُّويه. وكان وافر العقل من كبار عباد اللَّه الصالحين، له كرامات كثيرة، يقرأ القرآن بالقراءات. ويروي الحديث، ولا يخرج إلا للصّلاة، وكانت وفاته في شعبان من هذه السنة، فغلقت بغداد يومئذ لموته، وحضر الناس جنازته، وكان يومًا مشهودًا ﵀. عمر بن ثابت الثَّمانين، النَّحوي، الضرير (٢)، شارح "اللُّمع". وكان في غاية العلم بالنحو، وكان يأْتَجِرُ عليه (٣). ذكر ابن خلِّكان: أنّه اشتغل على ابن جنيّ وشرح كلامه، وكان ماهرًا في صناعة النحو، قال: وهذه النسبة إلى قرية بالجزيرة، يقال لها: ثمانين، باسم الثمانين الذين كانوا مع نوح ﵇ في السَّفينة، واللَّه أعلم. قِرواش بن مُقلَّد (٤) أبو المَنيع، صاحب الموصل والكوفة وغيرهما، كان من الجبَّارين، وقد كاتبه الحاكم صاحب مصر في بعض الأحايين، فاستماله إليه، فخطب له ببلاده، ثمّ تركه واعتذر إلى القادر فعذَرَهُ، وقد جمع هذا الجبَّار بين أختين في النكاح فلامته العرب، فقال: وأيّ شيء نعمله هو مباح في الشريعة. وقد نكب في أيام المعزِّ الفاطمي، ونهبت حواصله، وحين توفي قام بالأمر من بعده ابن أخيه قريش بن بدران بن مقلَّد.

стр. 5966

مَوْدود بن مَسْعود بن محمود بن سُبُكْتِكين (١) صاحب غَزْنَة، توفي في هذه السنة، وقام بالأمر من بعده عمّه عبد الرّشيد بن محمود بن سُبُكْتِكين، واللَّه أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وأربعمئة في صفر منها وفع الحرب بين الروافض والسنّة، فقتل من الفريقين خلق كثير، وذلك أنّ الروافض نصبوا أبراجًا وكتبوا عليها بالذهب، محمّد وعليّ خير البشر، فمن رضي شكر، ومن أبى فقد كفر. فأنكرت السنّة اقتران عليّ مع النبيّ ﷺ في هذا، فنشبت الحرب بينهم واستمرّ القتال بينهم إلى ربيع الأول، فقُتل رجلٌ هاشميّ فدفن عند الإمام أحمد، ورجع السنّة من دفنه فنهبوا مشهد موسى بن جعفر، وأحرقوه، وأحرق ضريح موسى ومحمّد الجواد، وقبور ملوك بني بويه، ومَنْ هناك من الوزراء، واحترق قبر جعفر بن المنصور، ومحمّد الأمين، وأمّه زبيدة وقبور كثيرة [جدًا]، وانتشرت الفتنة، وتجاوزت الحدّ، وقد قابلهم أولئك [الرافضة] أيضًا بمفاسد كثيرة، وأحرقوا محال كبيرة، وبعثروا قبورًا قديمة، وأحرقوا من فيها من الصالحين، حتى همّوا بقبر الإمام أحمد فمنعهم النَّقيب، وخاف من غائلة ذلك، وتسلَّط على الرافضة عيّار يقال له: القطيعي (٢) تتبّع رؤوسهم وكبارهم فقتلهم جهارًا وغيلةً، وعظمت المحنة بسببه جدًا، ولم يقدر عليه أحد، وكان في غاية الشجاعة والبأس والمكر، ولما بلغ ذلك دُبَيس بن علي بن مَزْيَد، وكان رافضيًّا قطع خطبة الخليفة القائم بامر اللَّه، ثمّ روسل فأعادها. وفي رمضان جاءت الهدايا من الملك طُغْرُلْبَك إلى الخليفة، شكرًا له على إنعامه عليه، وإحسانه إليه بما كان بعثه له من الخلع والتقليد، وأرسل إلى الخليفة بعشرين ألف دينار، وإلى الحاشية بخمسة آلاف، وإلى رئيس الرؤساء بألفي دينار، وقد كان طُغْرُلْبَك حين عمَّر الريَّ وخرَّب فيها أماكن ليصلحها، وجد فيها دفائن كثيرة من الذهب والجوهر، فعظم شأنه بذلك، وقوي ملكه بسببه. وممن توفي فيها من الأعيان: محمد بن محمد بن أحمد (٣) أبو الحسن الشاعر البُصْرويّ نسبة إلى قرية دون عُكْبَرا يقال لها بُصْرَي (٤)، باسم المدينة التي هي أمّ حَوران.

стр. 5967

وقد سكن بغداد، وكان متكلمًا مطبوعًا، له نوادر، ومن شعره الذي رواه عنه الخطيب قوله: نَرَى الدُّنْيَا وَزَهْرَتَها (١) فَنَصْبُو … وَمَا يَخْلُو من الشهوات (٢) قَلْبُ فَضُولُ العَيْشِ أكْثَرُها هُمُومٌ … وَأَكْثَرُ مَا يَضُرُّكَ مَا تُحِبُّ فَلا يَغْرُرْكَ زُخْرُفُ مَا تَرَاهُ … وَعَيْشٌ لَيِّنُ الأعْطَافِ رَطْبُ إذَا ما بُلْغَةٌ جَاءَتْكَ عَفْوًا … فَخُذْها فَالغِنَى مَرْعًى وشُرْبُ إذا اتّفَقَ القَلِيْلُ وفيه سِلْمٌ … فَلا تُرِدِ الكَثِير وَفِيْهِ حَرْبُ ثم دخلت سنة أربع وأربعين وأربعمئة فيها: كتبت محاضر بذكر الخلفاء المصريين، وأنهم أدعياء [كذبة] لا نسب لهم صحيحًا إلى رسول اللَّه ﷺ ، وكتب فيها القضاة والفقهاء والأشراف. وفيها: كانت زلازل عظيمة بنواحي أرَّجان، والأهواز، وتلك البلاد، فهدم بسببها شيء كثير من العمران والدور، وشُرُفات القصور، وحكى بعض من يعتمد قوله، إنّه انفرج إيوانه حتى رأى السماء منه، وشاهد ذلك ثمّ عاد إلى حاله كأن لم يتغيّر. وفي ذي القعدة منها تجددت الحرب بين الروافض وأهل السنة، وأحرقوا أماكن كثيرة، وقتل من الفريقين خلائق وكتبوا على مساجدهم: محمد وعليّ خير البشر، وأذّنوا بحي على خير العمل، واستمرّت الحروب بينهم، وتسلّط القطيعي العيار على الروافض بحيث إنّه لم يقرّ لهم معه قرار، وهذا من جملة ما جرت به الأقدار. وممن توفي فيها من الأعيان: ابن المُذْهِب راوي "المسند" (٣) الحسنُ بنُ عليّ بن محمد بن عليّ بن أحمد بن وهب بن سنبل (٤) بن قرّة بن واقد، أبو علي التميميُّ الواعظ.

стр. 5968

ولد سنة خمس وخمسين وثلاثمئة، وسمع مسند الإمام أحمد من أبي بكر بن مالك القطيعي، عند عبد اللَّه ابن الإمام أحمد عن أبيه، وقد سمع الحديث من أبي محمد بن ماسي، وابن شاهين، والدّارقطني، وخلق، وكان ديّنًا خيّرًا. وقد ذكر الخطيب (١): أنّه كان صحيح السماع لمسند أحمد من القطيعي، غير أنّه ألْحَق اسمَه في أجزاء. قال ابن الجوزي: وليس هذا بقدح [في سماعه]، لأنّه إذا تحقّق سماعه، جاز أن يلحق اسمه الذي غَفَل عنه الكاتب، والعجب أن يجاز قول الشيخ: أخبرني فلان ولا يسمع منه، ولا يجيز إلحاقه اسمه فيما تحقّق سماعه له، وقد تعنَّت عليه الخطيب أشياء لا حاجة إليها، رحمه اللَّه تعالى (٢). علي بن الحسين بن محمد أبو الحسن، المعروف بالشاشى (٣) البغدادي، وقد أقام بالبصرة، فاستحوذ هو وعمّه عليها، وعلى أهلها، وعمل أشياء من الحيل يوهم بها أنّه من ذوي الأحوال والمكاشفات، وهو في ذلك كاذب فاجر، قبّحه اللَّه، وقبَّح عمّه، وقد كان مع هذا رافضيًّا خبيثًا، قرمطيًّا -لا كثّر اللَّه أمثاله في العالمين- كانت وفاته في هذا العام، وللَّه الحمد. القاضي أبو جعفر السِّمْناني (٤) محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد القاضي. أحد المتكلِّمين على طريقة الشيخ أبي الحسن الأشعري، وقد سمع الحديث من الدّارقطني وغيره، وكان عالمًا، فاضلًا، سخيًّا، وتولّى القضاء بالموصل، وكان له في داره مجلس للمناظرة، وتوفي بعدما كفّ بصره بالموصل وهو قاضيها في هذه السنة، في ربيع الأول، وقد بلغ خمسًا وثمانين سنة. ثم دخلت سنة خمس وأربعين وأربعمئة فيها: تجدد الشرّ والقتال والحريق بين الروافض والسنّة، وقوي وتفاقم الحال. ووردت الأخبار بأن المعزّ الفاطمي عازم على قصد العراق. وفيها: نقل إلى الملك طُغْرُلْبَك: أن الشيخ أبا الحسن الأشعريّ يقول: بكذا وكذا، وذكر أشياء من الأمور التي أنكر الملك [والتي لا تليق بالدين والسّنة]، فأمر بلعنه، وصرّح أهل نَيسابور بتكفير من يقول

стр. 5969

ذلك. فضجّ الشيخ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القُشَيري (١)، وصنّف رسالة سمّاها "شكاية أهل السّنة لما نالهم من المحنة" واستدعى السلطان جماعة من رؤوس الأشعريين، منهم القشيري فسألهم عمّا أنهي إليه من ذلك، فأنكروا أن يكون الأشعري قال ذلك، فقال: نحن إنَّما لعنا من يقول بذلك، وجرت فتن عظيمة طويلة. وفيها: استولى الملك فولاسون (٢) أبو منصور ابن الملك أبي كاليجار على شيراز، وخرج منها أخوه أبو سعيد (٣). وفي شعبان أو شوّال سار البساسيري إلى أكراد وأعراب أفسدوا بالبَوَازِيج (٤) فهزمهم وأخذ أموالهم. ولم يحجّ أحد من أهل العراق فيها. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن عمر بن رَوْح (٥) أبو الحُسين (٦) النَّهْروَانيُّ. كان ينظر في العيار بدار الضرب، وله شعر حسن، قال: كنت يومًا على شطّ النَّهروان فسَمعت رجلًا يتغنى في سفينة منحدرة يقول: وما طلبوا سوى قتلي … فهان عليّ ما طلبوا فاستوقفته وقلت: أضف إليه غيره أيضًا: عَلَى قَتْلِيْ الأحِبَّةُ بالتـ … ــتمادِي في الجَفَا غَلَبُوا (٧)

стр. 5970

وَبِالهِجرَانِ طِيبَ النَّوْ … مِ مِنْ عَينيَّ قَدْ سَلَبُوا (١) وَمَا طَلَبُوا سِوى قَتْلِي … فَهَانَ عَلَيَّ مَا طَلَبُوا إسماعيل بن علي بن الحسين بن محمد بن زَنْجُوَيه (٢) أبو سعد (٣) الرازي، المعروف بالسَّمَّان، شيخ المعتزلة. سمع الحديث الكثير، وكتب عن أربعة آلاف شيخ (٤)، وكان عالمًا بارعًا فاضلًا مع اعتزاله. ومن كلامه: من لم يكتب الحديث لم يتغرغر بحلاوة الإسلام، وكان حنفيّ المذهب عالمًا بالخلاف والفرائض، والحساب، وأسماء الرجال، وقد ترجمه ابن عساكر في "تاريخه" (٥) فأطنب في شكره والثّناء عليه. عمر ابن الشيخ أبي طالب المكّي محمد بن عليّ بن عطيّة (٦). سمع أباه وابن شاهين، وكان صدوقًا يُكْنَى بأبي حفص (٧). محمد بن أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر (٨) أبو طالب، المعروف بالسَّواديّ، وهو أخو أبي القاسم الأزْهري. توفي عن نيف وثمانين سنة. محمد بن محمد بن أبي تمّام (٩) أبو تمام الزَّيْنيّ، نقيب النُّقباء. [قام ببغداد بعد أبيه] مكانه في النِّقابة.

стр. 5971

ثم دخلت سنة ست وأربعين وأربعمئة فيها: غزا الملك طُغْرُلبك بلاد الروم بعد أخذه بلاد أذربيجان، فغنم من بلاد الروم، وسبى، وعمل أشياء حسنة، ثمّ عاد سالمًا إلى أذربيجان فأقام بها سنة. وفيها: أخذ قريش بن بدران الأنبار، وخطب بها وبالموصل للسلطان طُغْرُلْبَك، وأخرج منها نواب البساسيري. وفيها: دخل أبو الحارث المظفّر البساسيري إلى بغداد مع بني خفاجة منصرفه من الوقعة، وظهرت منه آثار النفرة للخلافة، فراسله الخليفة ليطيّب (١) نفسه، وخرج في ذي الحجّة إلى الأنبار فأخذها، وكان معه دُبَيس بن علي بن مَزْيَد، وخرب أماكن، وحرّق غيرها، ثمّ أذن له [الخليفة] في الدخول إلى بيت النَّوبة ليخلع عليه، فجاء إلى أن حاذى بيت النوبة [فقبَّل الأرض] فخدم وانصرف، ولم يعبر فقويت الوحشة. ولم يحجّ أحد من العراق في هذه السّنة أيضًا، واللَّه أعلم. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسين بن جعفر بن محمّد بن داود (٢) أبو عبد اللَّه السَّلَماسي. سمع ابن شاهين وابن حَيّويه والدارقطني، وكان ثقة أمينًا مشهورًا باصطناع المعروف، وفعل الخير، وافتقاد الفقراء، وكثرة الصدقة، وكان قد أريد على الشهادة فأبى ذلك، وكان له في كلّ شهرٍ عشرة دنانير نفقة لأهله. عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبد اللَّه الأصْبَهَاني (٣)، المعروف بابن اللبّان. أحد تلاميذ الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وولي قضاء إيْذَج (٤)، وكان يصلّي بالنّاس التراويح، ثمّ يقوم بعدهم [فيصلي] إلى [أن يطلع] الفجر، فربّما انقضى الشهر عنه، ولم يضطجع إلى الأرض، رحمه اللَّه تعالى.

стр. 5972

[ثم دخلت سنة سبع وأربعين وأربعمئة] (١) فيها: ملك طُغْرُلْبَك السّلجوقي بغداد، وهو أول ملوك السلجوقية لبلاد العراق، وآخر مُلْكِ بني بويه. وفيها: تأكَّدت الوحشة بين البساسيري وبين الخليفة، واشتكت الأتراك منه، وأطلق رئيس الرؤساء عبارته فيه، وذكر قبيح أفعاله، وأنَّه كاتب المصريين بالطّاعة، وخلع ما كان عليه من بيعة العباسيين، وقال الخليفة: ليس إلّا إهلاكه. ملكُ طُغْرُلْبَك السّلجوقي في بغداد ودخوله إليها في رمضان (٢) قال الخطيب (٣): كان أرسلان التركي المعروف بالبساسيري، قد عظم أمره، واستفحل، لعدم أقرانه من متقدمي الأتراك، واستولى على البلاد، وطار اسمه، وتهيّبته أمراء العرب والعجم، ودُعي له على كثير من المنابر العراقيّة والأهواز ونواحيها، وجبى الأموال، ولم يكن الخليفة القائم بأمر اللَّه يقطع أمرًا دونَه، ثمّ صحّ عند الخليفة سوء عقيدته، وشهد عنده جماعة من الأتراك، عرّفهم وهو بواسط عزمه على نهب دار الخلافة والقبض على الخليفة، فكاتب الخليفة أبا طالب محمد بن ميكائيل بن سُلْجوق بن نعاق الملقب طُغْرُلْبَك، يستنهضه على المسير إلى العراق، فانفضّ أكثر من كان مع البساسيري، وعادوا إلى بغداد، ثمّ أجمع رأيهم على قصد دار البساسيري وهي في الجانب الغربي (٤) فأحرقوها، وهدموا أبنيتها. ووصل طُغْرُلْبَك إلى بغداد في رمضان سنة سبع وأربعين، وقد تلقَّاه إلى أثناء الطريق الأمراء والوزراء والحجّاب، فدخل بغداد في أُبَّهةٍ عظيمة جدًّا، وخُطِبَ له بها، ثمّ بعده للملك الرحيم، ثم قُطِعَت خطبة الملك الرحيم في أواخر شهر رمضان، ورفع إلى قلعة السِّيروان معتقلًا، فكان آخر ملوك بني بُويه، وكانت مدة [ولايتهم قريب المئة وعشر سنين، وكان مدة] ولايته لبغداد ستّ سنين وعشرة أيّام. وطُغْرُلْبَك أوّل ملوك السَّلجوقيّة، ونزل طُغْرُلْبَك دار المملكة بعد الفراغ من عمارتها، ونزل أصحابه على دور الأتراك، وكان معه ثمانية أفيلة، ووقعت فتنة بين الأتراك والعامة، ونُهب الجانب الشرقي بكماله، وجرت خطوب، وخبطة عظيمة.

стр. 5973

وأمّا البساسيري فإنه فرَّ من الخليفة إلى ناحية بلاد الرَّحبة (١)، وكتب إلى صاحب مصر بأنه على إقامة الدعوة له بالعراق، فارسل إليه بولاية الرَّحبة، ونيابته بها، ليكون على أهبة التمكّن من الأمر الذي يحاوله، قبَّحهما اللَّه تعالى. وفي يوم الثلاثاء عاشر (٢) ذي القعدة قُلِّد أبو عبد اللَّه محمد بن علي الدَّامَغَاني (٣) قضاء القضاة وخُلِع عليه، وذلك بعد موت أبي عبد اللَّه الحسين بن علي بن ماكولا، ثمّ خلع [الخليفة] على الملك طُغْرُلْبك بعد [دخوله بغداد] بيوم، ورجع إلى داره وبين يديه الدّبادب (٤) والبوقات (٥). وفي هذا الشهر توفي ذخيرة الدين أبو العباس محمد بن أمير المؤمنين القائم بأمر اللَّه، وهو ولي عهد أبيه، فعظمت الرزيّة به، وجلس رئيس الرؤساء للعزاء، وجاء النَّاس وقد أمروا بتخريق ثيابهم، ونشر عمائمهم، والتحفّي، وقُطعت الدبادب أيام العزاء به بدار الخلافة، ودار الملك، حزنًا على وليّ عهد الخلافة. وفي هذه السنة: استولى أبو كامل علي بن محمد الصُّلَيحي (٦) الهمذاني على أكثر أعمال اليمن، وخطب فيها للفاطميين، وقطع خطبة العباسيين. وفيها: كثر فساد الغز ونهبهم [دواب الناس] فساورهم العوام، واقتتلوا، ونهبتهم العامة حتى بيع الثور بخمسة قراريط، والحمار بقيراطين إلى خمسة قراريط. وفيها: اشتدّ الغلاء بمكّة، وعدمت الأقوات؛ فأرسل اللَّه عليهم جرادًا ملأ الأرض، فتعوضوا به عن الطعام، ولم يحج أحد من أهل العراق في هذه السنة. وفيها: غلت الأسعار بنواحي الأهواز حتى بيع الكُرُّ (٧) في مدينة شيراز بألف دينار، ووقعت الفتنة بين الروافض والسنة على العادة، واقتتلوا قتالًا شديدًا مستمرًا. ولا يمكن للدولة أن تحجز بين الفريقين؛ فإنا للَّه وإنّا إليه راجعون.

стр. 5974

وفيها: وقعت الفتنة بين الأشاعرة والحنابلة. وكان جانب الحنابلة قويًّا بحيث لم يمكّن كثيرًا من الأشاعرة شهود [الجمعة و] الجماعات، قاله ابن الجوزي في "المنتظم" (١). وممن توفي فيها من الأعيان: الحسين (٢) بن علي بن جعفر بن علَّكان (٣) بن محمد بن دُلف بن أبي دُلف العجلي (٤) قاضي القضاة، أبو عبد اللَّه، المعروف بابن ماكولا، الشّافعي. أصله جَرْباذَقان (٥)، وولي القضاء بالبصرة، ثم ولاه القادر باللَّه قضاء القضاهَ ببغداد سنة عشرين وأربعمئة، وأقرّه ابنه القائم بأمر اللَّه إلى أن مات في هذه السنة عن تسع وسبعين سنة، وله في القضاء سبع وعشرون سنة، وكان صيّنًا، ديّنًا، لا يقبل من أحد هديّة، ولا من الخليفة، وكان يذكر أنه سمع من أبي عبد اللَّه بن مَنْده، وله شعر حسن فمنه: تَصَابَى بُرْهَةً مِنْ بَعْدِ شَيْبٍ … فَمَا أغْنَى المَشِيْبُ مَعَ التَّصَابِي (٦) وَسَوَّدَ عَارِضَيْهِ بِلَوْنِ خَضْبٍ (٧) … فلمْ ينفعْهُ تَسْوِيْدُ الخِضَابِ وَأَبْدَى لِلأحبَّة كُلَّ لُطْفٍ … فَما زَادُوا سِوَى فَرْطِ اجتِنَابِ سلامُ اللَّه عَوْدًا بَعْدَ بَدْءٍ … على أيّامِ رَيْعانِ الشَّبابِ تَوَلَّى غَيْرَ مَذْمُومٍ وَأبْقَى … بِقَلْبِي حَسْرَةً تَحْتَ الحِجَابِ (٨) علي بن المُحَسِّن بن علي بن محمد بن أبي الفهم أبو القاسم التَّنُوخي (٩). قال ابن الجوزي: وتَنُوْخُ هذه اسم لعدّة قبائل اجتمعوا بالبحرين، وتحالفوا على التناصر والتآزر

стр. 5975

فسموا تنوخًا. ولد بالبصرة سنة خمس وستين (١) وثلاثمئة، وسمع الحديث سنة سبعين، وقبلت شهادته عند الحكام في حداثته، وتولّى القضاء بالمدائن وغيرها، وكان صدوقًا محتاطًا، إلا أنّه كان يميل إلى الاعتزال والرفض. ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وأربعمئة في يوم الخميس لثمان بقين من المحرم، عُقد عقد الخليفة على خديجة بنت أخي السلطان طُغْرُلْبَك، وقيل: امرأة أخيه داود، وتُلَقب أرسلان خاتون على صداق مئة ألف دينار، وحضر هذا العقد عميد الملك الكندريّ وزير طُغْرُلْبَك، ونقيب العلويين، ونقيب الهاشميين، وقاضي القضاة الدامغاني، وأقضى القضاة الماوردي، ورئيس الرؤساء ابن المسلمة، وهو الذي خطب الخطبة، وقبل الخليفة العقد بنفسه، فلمّا كان شعبان ذهب رئيس الرؤساء إلى الملك طُغْرُلْبَك وقال: أمير المؤمنين يقول ذلك: قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. وقد أذن في نقل الوديعة الكريمة إلى داره العزيزة، فقال: السمع والطاعة، فذهبت أمّ الخليفة إلى دار المملكة لاستدعاء العروس فجاءت معها، وفي خدمتها الوزير عميد الملك، فدخلوا دار الخلافة، وشافه [الوزير] الخليفةَ عن عَمِّها يسأل معاملتها باللطف. والإحسان. فلما دخلت عليه قتلت الأرض بين يديه مرارًا، فأدناها إليه وأجلسها إلى جانبه، وأفاض عليها خلعة سنيّة وتاجًا من جوهر، وأعطاها من الغد مئة ثوب ديباج، وقضبانًا من ذهب، وطاسة ذهب قد رُصّع فيها الجوهر، والياقوت، والفيروزج، وأقطعها في كل سنة [من ضياعه] من عمل الفرات [ما يغلّ] اثني عشر ألف دينار. وفي هذه السنة: أمر السلطان طُغْرُلْبَك ببناء دار الملك العضديّة، فخربت محال كثيرة في عمارتها، ونهبت العامة أخشابًا كثيرة بسببها من دور الأتراك، والجانب الغربي، وباعوه على الخبازين [والطباخين] وغيرهم. وفيها: وقع غلاء شديد [على الناس]، وخوف، ونهب كثير ببغداد، ثمّ عقب ذلك فناء عظيم بحيث دفن كثير من الناس بغير غسل ولا تكفين، وغلت الأشربة، وما يحتاج إليه المرضى كثيرًا، [واعترى الناس موت كثير] واغبرَّ الجوّ، وفسد الهواء، وكثر الذباب. قال ابن الجوزي في "منتظمه" (٢): وعمّ هذا الوباء والغلاء مكّة، والحجاز، وديار بكر، والموصل، وبلاد الروم، وخراسان، والجبال، والدنيا كلّها، هذا لفظه.

стр. 5976

قال: وورد كتاب من مصر: أن ثلاثة من اللصوص نقبوا بعض الدور فوجُدوا عند الصّباح موتى، أحدهم على باب النقب، والثاني على رأس الدرجة، والثالث على الثياب المكوَّرة [ليأخذها فلم يمهل]. وفيها أمر رئيس الرؤساء بأن تنصب أعلام سود في الكرخ، فانزعج أهله لذلك، وكان كثير الأذيّة للرافضة، وإنما كان يدافع عنهم عميد الملك الكُنْدَريّ وزير الملك طُغْرُلْبَك. وفيها: هبّت ريح شديدة، وارتفعت سحابة ترابيّة فأظلمت الدنيا، واحتاج الناس في الأسواق إلى السُّرُج في النهار. قال ابن الجوزي في "المنتظم" (١): وفيها: في العشر الثاني من جمادى الآخرة، ظهر وقت السحر نجم له ذؤابة بيضاء، طولها في رأي العين نحو من عشرة أذرع، في عرض نحو الذراع، ولبث على هذه الحال إلى النصف من رجب ثم اضمحلّ، وكانوا يقولون: إنه طلع مثل هذا بمصر فملكت، وكذلك بغداد، لما طلع فيها هذا ملكت، وخطب بها للمصريين. وفيها: أُلزم الروافض بترك الأذان بحيّ على خير العمل، وأمروا أن يناديَ المؤذن في الصبح بعد الحيعلتين الصلاة خير من النوم مرّتين، وأزيل ما كان على أبواب مساجدهم ومشاهدهم من كتابة: محمّد وعليّ خير البشر، ودخل المنشدون من باب البصرة إلى الكرخ، فأنشدوا [القصائد] بفضائل الصحابة في مدائح لهم، وذلك أن النَّوء الأوّل [للرافضة] اضمحل، حيث كانت بنو بويه تقوّيهم (٢) وتنصرهم، فزالوا وبادوا، وأذهب اللَّه دولتهم، وجاء اللَّه بقوم آخرين من الأتراك السّلجوقيَّة يحبّون السنّة، ويوالون أهلها، ويعترفون برِفعة قدرها، ويرفعون محلّها [واللَّه المحمود أبدًا على طول المدى] (٣)، وأمر رئيس الرؤساء وزير الخلافة الوالي بقتل أبي عبد اللَّه بن الجلاب شيخ البزازين (٤) بباب الطاق، لما كان يتظاهر به من الغلوّ في الرفض، فقتل، وصلب على باب دكانه. وهرب أبو جعفر الطوسي، ونهبت داره [وللَّه الحمد والمنة] (٥). وفيها: جاء البساسيري قبّحه اللَّه تعالى إلى الموصل، ومعه نور الدولة دُبَيْس في جيش كثيف، فاقتتل مع صاحبها قريش، ونصره قتلمش ابن عم طُغْرُلْبَك، وهو جد ملوك الروم، فهزمهما البساسيري، وأخذ البلد قهرًا، فخطب بها للمصريين الفاطميين، وأخرج كاتبه من السجن. وكان قد أظهر الإسلام، ظنًا منه أن ذلك ينفعه، فقتل.

стр. 5977

وكذلك خُطب للمصريين في هذه السنة بالكوفة وواسط وغيرهما من البلاد. وعزم الملك طُغْرُلْبَك على المسير إلى الموصل لمناجزة البساسيري، فنهاه الخليفة عن الخروج، وذلك لضيق الحال، وغلاء الأسعار، فلم يقبل، وخرج بجيشه قاصدًا الموصل في جحفل عظيم، ومعه الفيلة والمنجنيقات، وكان جيشه لكثرتهم ينهبون القرى، وربّما سطَوا على بعض الحريم، فكتب الخليفة إلى السلطان ينهاه عن ذلك، فبعث يعتذر لكثرة من معه، واتفق أنه رأى رسول اللَّه ﷺ في المنام، فسلّم عليه، فأعرض عنه [فقال: يا رسول اللَّه، لأيّ شيء تعرض عني] فقال له: يحكمك اللَّه في البلاد فلم لا ترفق بخلقه، ولا تخاف من جلال اللَّه ، فاستيقظ مذعورًا، وأمر وزيره أن ينادي في الجيش بالعدل، وأن لا يظلم أحدٌ أحدًا، ولما اقترب من الموصل فتح دونها بلادًا، ثم فتحها وسلّمها إلى أخيه داود، ثمّ سار منها إلى بلاد بكر (١) ففتح أماكن كثيرة هنالك. وفيها: ظهرت دولة الملثَّمين ببلاد المغرب، وأظهروا إعزاز الدين، وكلمة الحق، واستولوا على بلاد كثيرة بالمغرب، منها: سِجِلْماسة، وأعمالها، والسوس، وقتلوا خلقًا كثيرًا من أهلها، وأول ملوك الملثمين رجل يقال له: أبو بكر بن عمر وقد أقام بسِجِلْماسة إلى أن توفي سنة ثنتين وستين كما سيأتي بيانه، وولي بعده أبو نصر يوسف بن تاشفين، وتلقّب بأمير المؤمنين، وقوي أمره، وعلا قدره ببلاد المغرب. وفيها: أُلْزم الذمّة بلبس الغيار ببغداد عن أمر السلطان طُغْرُلْبَك. وفيها: ولد لذخيرة الدين بعد موته من جارية له ولد ذكر، وهو أبو القاسم عبد اللَّه المقتدي بأمر اللَّه. وفيها: كان الغلاء والفناء مستمرَّين [على الناس] ببغداد، وغيرها من البلاد، على ما كان عليه الأمر في السنة الماضية [فإنا للَّه وإنا إليه راجعون] (٢)، ولم يحجّ أحد من أهل العراق في هذه السّنة. وممن توفي فيها من الأعيان: علي بن أحمد (٣) بن علي بن سَلَّك (٤) أبو الحسن المؤدب، المعروف

стр. 5978

بالفالي (١)، صاحب "الأمالي" (٢)، وفالة: قرية قريبة من أيْذَج (٣). أقام بالبصرة مدّة، وسمع بها من أبي عُمر (٤) بن عبد الواحد الهاشمي وغيره، وقدم بغداد فاستوطنها، وكان ثقة في نفسه، كثير الفضائل، ومن شعره [الحسن] (٥). لما تبذلت المحاسن (٦) أوجهًا … غيرَ الّذينَ عَهدتُ مِن علمائِها وَرأيتُها محفوفةً بسوى الأُلى … كانوا وُلاةَ صُدُورِهَا وفنائِها أنْشَدْتُ بَيْتًا سائِرًا مُتَقدِّمًا … والعينُ قد شَرِقَتْ بجاري مائِها أمّا الخيامُ فإنها كخيامِهمْ … وأرى نساءَ الحيّ غيرَ نسائِها ومن شعره أيضًا قوله: تصدّرَ للتدريسِ كلُّ مهوَّسٍ … بليدٍ تَسمَّى بالفقيهِ المدرِّسِ فحقَّ لأهلِ العلمِ أنْ يتمثّلوا … ببيتٍ قديمٍ شاعَ في كلِّ مَجْلِسِ لقدْ هزَلتْ حتى بدَا من هُزَالها … كُلاهَا، وحتى سامَها كلُّ مُفْلِس محمد بن عبد الواحد، ابن الصبّاغ الفقيه الشافعي. وليس هذا بصاحب "الشامل" (٧). ذاك متأخر، وكان هذا من تلاميذ الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وكانت له حلقة للفتوى بجامع المدينة، وشهد عند قاضي القضاة ابن الدَّامغاني الحنفي فقبله، وقد سمع الحديث من ابن شاهين وغيره، وكان ثقة جليل المقدار، رحمه اللَّه تعالى. هلال بن المحسّن بن إبراهيم بن هلال (٨) أبو الحُسين (٩) الكاتب الصابئ، صاحب التاريخ، وجدّه أبو إسحاق الصابئ، صاحب الرسائل، وأبوه كان صابئيًا أيضًا، وأسلم هلال هذا وحسن إسلامه، وقد

стр. 5979

كان سمع في حال كفره من جماعة المشايخ، وذلك أنَّه كان يتردد إليهم يطلب العلم والأدب، فلمّا أسلم نفعه ذلك، وكان [ذلك] سبب إسلامه على ما ذكره ابن الجوزي في "منتظمه" (١)، بسنده [مطولًا] أنه رأى رسول اللَّه ﷺ في المنام مرارًا يدعوه إلى اللَّه ، ويأمره بالدخول في الإسلام، ويقول له: أنت رجل عاقل، فَلِمَ تدَع دين الإسلام الذي قامت عليه الدلائل؟ وأراه آيات في المنام شاهدها في اليقظة، فمن ذلك أنه قال له: إن امرأتك حامل [بولد] ذكر، فسمّه محمّدًا، [فولدت ذكرًا، فسماه محمدًا]، وكنّاه أبا الحسن، في أشياء كثيرة سردها ابن الجوزي مطوّلة، فأسلم وحسن إسلامه، وكان صدوقًا، رحمه اللَّه تعالى. توفي في هذه السنة وله تسعون سنة، منها في الإسلام نيّف وأربعون سنة، تغمّده اللَّه برحمته. ثم دخلت سنة تسع وأربعين وأربعمئة فيها: كان الغلاء والفناء مستمرَّين ببغداد وغيرها من البلاد، بحيث خلت [أكثر] الدور، وسُدّت على أهلها [أبوابها بما فيها وأهلها] فيها موتى، وصار المارّ في الطريق لا يلقى إلَّا الواحد بعد الواحد، وأكل الناس الجِيف والميتات من قلّة الطعام، ووجد مع امرأة فخذ كلب قد اخضرّ، وأروح. وشوى رجل صَبِيَّة في الأتُّون (٢) وأكلها، فقتل، و [قيل] سقط طائر ميت من سطح، فاحتوشه خمسة أنفس فاقتسموه، وأكلوه. وورد كتاب من بخارى أنّه مات في يوم واحد منها ومن معاملتها، ثمانية عشر ألف إنسان، وأحصي من مات في هذا الوباء إلى يوم كتابة هذا الكتاب -يعني الوارد من بخارى- بألف ألف وستمئة ألف وخمسون ألفًا، والناس يمرّون في هذه البلاد فلا يرون إلا أسواقًا فارغة وطرقات خالية، وأبوابًا مغلقة، حكاه ابن الجوزي (٣) قال: وجاء الخبر من أذربيجان وتلك البلاد بالوباء العظيم، وأنّه لم يسلم إلا العدد القليل، قال: ووقع وباء بالأهواز وأعمالها، وبواسط، والنيل، والكوفة، وطبق الأرض، وكان أكثر سبب ذلك الجوع حتى كان الفقراء يشوون الكلاب، وينبسون القبور، ويشوون الموتى ويأكلونهم، وليس للناس شغل في الليل والنهار إلا غسل الأموات وتجهيزهم ودفنهم، وقد كانت تحفر الحفيرة فيدفن فيها العشرون، والثلاثون، وكان الإنسان يكون قاعدًا فينشقّ قلبه عن دم المهجة فيخرج إلى الفم (٤) منه قطرة فيموت، وتاب الناس، وتصدّقوا بأكثر أموالهم [فلم يجدوا أحدًا يقبل منهم، وكان الفقير تعرض

стр. 5980

عليه الدنانير الكثيرة، والدراهم والثياب فيقول: أنا أريد كسوة! أريد ما يسد جوعي فلا يجد ذلك]، وأراقوا الخمور، وكسروا المعازف، وتصالحوا، ولزموا المساجد لقراءة القرآن والعبادة، وقلّ دار يكون فيها خمر إلا ومات أهلُها كلّهم، ودُخل على مريض له سبعة أيام في النزع، فأشار بيده إلى مكان فوجدوا فيه خابية من خمر، فأراقوها، فمات من فوره بسهولة، ومات رجل في مسجد فوجد معه خمسون ألف درهم [فعرضت على الناس]، فلم يقبلها أحد، فتركت في المسجد تسعة أيام لا يريدها أحد [فلما كان بعد ذلك]، دخل أربعة فأخذوها فماتوا عليها [فلم يخرج من المسجد منهم أحد حيّ، بل ماتوا جميعًا]. وكان الشيخ أبو محمد عبد الجبّار بن محمد يشتغل عليه سبعمئة متفقّه، فمات، وماتوا كلّهم إلا اثني عشر نفرًا منهم. ولمّا اصطلح دُبَيْس بن علي مع الملك طُغْرُلْبَك، رجع إلى بلاده فوجدها خرابًا لقلّة أهلها [من الطاعون]، فأرسل رسولًا منه إلى بعض النواحي فتلقّاه طائفة فقتلوه وشووه، وأكلوه. قال ابن الجوزي (١): وفي يوم الأربعاء لسبع بقين من جمادى الآخرة احترقت قطيعة عيسى [وسوق الطعام، والكنيس، وأصحاب السقط، وباب الشعير، وسوق العطارين]، وسوق العروس، والأنماط، والخشابين، والجزّارين، والتمّارين، والقطيعة، وسوق محول، ونهر الدجاج، وسويقة غالب، والصفّارين، والصبّاغين وغير ذلك من المواضع، وهذه مصيبة أخرى إلى ما بالناس من [الجوع و] الغلاء والفناء، [ضعف الناس، حتى طغت النار فعملت عملها، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون]. وفيها: كثر العيّارون ببغداد، وأخذوا الأموال جهارًا، وكبسوا الدور ليلًا ونهارًا، وكبست دار أبي جعفر الطّوسي متكلّم الشيعة، وأحرقت كتبه ودفاتره التي كان يستعملها في بدعته، ويدعو إليها أهل نحلته. وفيها: دخل الملك طُغْرُلْبَك بغداد عائدًا إليها من الموصل، وقد تسلَّمها واستعادها من البساسيري، وسلّمها إلى أخيه إبراهيم ينَّال، فأحسن فيهم السّيرة، وحسنت منه العلانية والسريرة، فتلقّاه الأمراء والوزراء وكبار الدولة إلى أثناء الطريق، وأحضر له رئيس الرؤساء خلعة من الخليفة فرجيّة (٢) مجوهرة، فلبسها، وقبّل الأرض، ثمّ بعد ذلك دخل دار الخلافة، وقد ركب إليها فرسًا من مراكب الخليفة، فلمّا دخل على الخليفة إذ هو على سرير طوله سبعة أذرع، وعلى كتفه البردة [النبويّة]، وبيده القضيب، فقبّل الأرض، ثمّ أجلس الملك على سرير دون سرير الخليفة، ثمّ قال الخليفة لرئيس

стр. 5981

الرؤساء، قل له: أمير المؤمنين حامد لسعيك، شاكر لفعلك، آنس بقربك، وقد ولاك جميع ما ولاه اللَّه تعالى من بلاده، فاتق اللَّه فيما ولاك، واجتهد في عمارة البلاد، وصلاح العباد، ونشر العدل، وكفّ الظلم. ففسّر له وزيره عميد الدولة ما قاله، فقام، وقبّل الأرض، وقال: أنا خادم أمير المؤمنين وعبده، ومتصرّف عن أمره ونهيه، ومتشرّف بما [أهَّلني له و] استخدمني فيه، ومن اللَّه أستمدّ المعونة والتوفيق. ثمّ أذن له الخليفة في أن ينهض للبيت الخلع، فقام إلى بيت في ذلك البهو، فأفيض عليه سبع خلع، وتاج. ثمّ عاد فجلس على السرير، بعدما قبّل يد الخليفة، ورام تقبيل الأرض فلم يتمكن من التاج، فأخرج الخليفة سيفًا وقلّده إياه، وخاطبه بملك الشرق والغرب، وأحضر ثلاثة ألوية، فعقد منها الخليفة بيده لواءً يُقال له: لواء الحمد، وأحضر العهد، فسلّم إلى الملك، ووضاه الخليفة بتقوى اللَّه تعالى والقيام بالحق في ذلك العهد [والعدل في الرعية]، وقرئ بين يدي الخليفة بحضرة الملك، ثمّ نهض فقبّل يد الخليفة، ووضعها على عينيه، ثمّ خرج في أُبّهة عظيمة [إلى داره]، وبين يديه الحجّاب والجيش بكماله، وجاء الناس للسلام عليه، والتهنئة له، وأرسل إلى الخليفة بتحف عظيمة، منها خمسون ألف دينار، وخمسون غلامًا أتراكًا بمراكبهم وأسلحتهم، ومناطقهم، وخمسمئة ثوب أنواعًا، وأعطى رئيس الرؤساء خمسة آلاف دينار، وخمسين قطعة قماش [وغير ذلك]. وفيها: قبض صاحب مصر على وزيره أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن البازوري (١)، وأخذ خطّه بثلاثة آلاف ألف دينار، وأحيط على ثمانين من أصحابه، وقد كان هذا الوزير حنفيًّا يحسن إلى أهل العلم وأهل الحرمين، وقد كان الشيخ أبو يوسف القَزْويني يثني عليه، ويمدحه. وممن توفي في هذه السنة: أحمد بن عبد اللَّه بن سليمان (٢) بن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن داود بن المطهِّر بن زياد بن ربيعةَ بنِ الحارثِ بن ربيعة بن أنور بن أسحم بن أرقم بن النعمان بن عديّ بن غطفان بن عمرو بن بَريح بن جَذيمة بن تيم اللَّه بن أسد بن وبرة بن ثعلبة بن علوان (٣) ببن عمران بن الحاف بن قُضاعة،

стр. 5982

أبو العلاء المعرّي التَّنُوخي، الشاعر المشهور بالزَّندقة، اللُّغوي، صاحب الدواوين والمصنّفات في الشّعر واللغة. ولد يوم الجمعة عند غروب الشمس لثلاث بقين من ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمئة. وأصابه جدريٌّ، وله أربع أو ستّ أو سبع، فذهب بصره، وقال الشعر، وله إحدى عشرة أو اثنتا عشرة سنة، ودخل بغداد سنة تسع وتسعين وثلاثمئة، فأقام بها [ستة أو] سبعة أشهر، ثمّ خرج منها طريدًا منهزمًا، لأنّه قال شعرًا يدلّ على قلّة دينه، وعلمه، وعقله، وهو قوله: يدٌ بخَمس مِئينٍ عسْجدٍ وُديَتْ … ما بالُها قُطِعَتْ في رُبعِ دينار (١) تناقُضٌ ما لنا إلا السُّكوتُ لَهُ … وأن نَعُودَّ بمَولانا مِن النَّارِ [وهذا من إفكه]. يقول: اليد ديتها خمسمئة دينار، فمالكم تقطعونها إذا سَرَقت ربع دينار، وهذا من قلّة عقله وعَمى بصيرته، وذلك أنه إذا جُني عليها يناسب أن تكون ديتها كثيرة لينزجر الناس عن العدوان، وأمّا إذا جنت هي بالسرقة فيناسب أن تقلّ قيمتها [وديتها] لتنزجر عن أخذ الأموال، وتُصان أموال الناس، ولهذا قال بعضهم: كانت ثمينة لمّا كانت أمينة، فلما خانت هانت. ولما عزم الفقهاء على أخذه بهذا الكلام هرب ورجع إلى بلده، ولزم منزله، فكان لا يخرج منه. [وكان يومًا عند الخليفة، وكان الخليفة يكره المتنبِّي ويضع منه، وكان أبو العلاء يحب المتنبي ويرفع من قدره، ويمدحه، فجرى ذكر المتنبي في ذلك المجلس، فذمه الخليفة، فقال أبو العلاء: لو لم يكن للمتنبي إلا قصيدته التي أولها: لك يا منازل في القلوب منازل لكفاه ذلك. فغضب الخليفة، وأمر به فسحب برجله على وجهه، وقال: أخرجوا عني هذا الكلب. وقال الخليفة: أتدرون ما أراد هذا الكلب من هذه القصيدة؟ وذِكره لها؟ أراد قول المتنبي فيها: وإذا أتَتْكَ مذمتي من ناقص … فهي الدليل عليّ أني كامل وإلا فالمتنبي له قصائد أحسن من هذه، وإنما أراد هذا، وهذا من فرط ذكاء الخليفة حيث تنبّه لهذا]. ومكث خمسًا وأربعين سنة من عمره، لا يأكل لحمًا، ولا لبنًا، ولا بيضًا، ولا شيئًا من حيوان على طريقة البراهمة من الفلاسفة، ويقال: إن راهبًا اجتمع به في بعض الصوامع آواه اللّيل إليه، فشكّكه في دينه، وكان يتقوَّت بالنبات وغيره، وأكثر ما كان أكله العدس، ويتحلَّى بالدبس والتين، ولا يأكل

стр. 5983

بحضرة أحد، يقول: أكْلُ الأعمى عورة. وكان في غاية. الذكاء المفرط على ما ذكر، وأمّا ما ينقل عنه من الأشياء المكذوبة، والخرافات المختلقة، من أنّه وضع تحت سريره درهم فقال: إمّا أن تكون السماء قد انخفضت مقدار درهم، أو ارتفعت الأرض مثل ذلك [أي أنه شعر بارتفاع سريره عن الأرض مقدار ذلك الدرهم] (١). فهذا ما لا أصل له، وهو كذب عليه، وكذلك يذكرون أنّه مرّ في بعض أسفاره بمكان فطاطأ رأسه، فقيل له في ذلك، فقال: أما هاهنا شجرة؟ [قالوا: لا، فلم يوجد، ثمّ نظروا فإذا أصل شجرة كانت هناك قديمًا قد اجتاز بها مرّة [في الموضع الذي طأطأ رأسه فيه، وقد قطعت]، فأمره من كان معه بمطأطأة رأسه هناك [لما جازوا تحتها، فلمّا مرّ بها المرة الثانية طأطأ رأسه خوفًا من أن يصيبه شيء منها]، فاستحضره في هذه المرة، فهذا أيضًا لا يصحّ، وهو كذب، وكذلك ما شاكل هذا من الكذب البحت، ولكن كان ذكيًّا ولم يكن زكيًّا، وله مصنفات كثيرة أكثرها في الشعر، وفي بعض أشعاره ما يدلُّ على زندقةٍ وانحلالٍ [من الدِّين]، ومن الناس من يعتذر عنه، ويقول: [إنّه إنما كان يقول ذلك مُجونًا ولعبًا]، كان في الباطن مسلمًا، وإنما يقول ذلك بلسانه. قال ابن عقيل: وما الذي كان يلجئه إلى أن يقول في دار الإسلام ما يكفّره به الناس؟ والمنافقون مع قفة علمهم، وعقلهم، ودينهم، أجود سياسة منه، حافظوا على ستر قبائحهم في الدنيا، وهو أظهر الكفر الذي تسلّط به عليه الناس [وزندقوه]، واللَّه تعالى يعلم أنّ باطنه كظاهره. قال ابن الجوزي (٢): وقد رأيت لأبي العلاء كتابًا سمّاه "الفصول والغايات في معارضة السور والآيات" (٣) على حروف المعجم في آخر كلماته، وهو في غاية الرِّكة والبرودة، فسبحان من أعمى بصره وبصيرته. قال: وقد نظرتُ في كتابه المسمّى "لزوم ما لا يلزم". ثمّ أورد ابن الجوزي من أشعاره الدالة على استهتاره أشياء كثيرة، فمن ذلك قوله: إذا كانَ لا يحظَى برزقِكَ عاقِلٌ … وتَرزقُ مَجنونًا وترزقُ أحمَقَا فلا ذنْبَ يا ربَّ السماءِ على امرئٍ … رَأى مِنْكَ ما لا يَشْتهي فَتزنْدَقا ومن ذلك أيضًا، قوله: وهيهات البريّة (٤) في ضلالٍ … وقد نظَر اللبيبُ لما اعتراها

стр. 5984

تقدَّمَ صاحبُ التوراةِ موسى … وأوقَع في الخَسارِ من افتراها فقالَ رجالُه: وَحيٌ أتاه … وقالَ الناظِرونَ: بل افترَاهَا وما حجِّي إلى أحجارِ بيْتٍ … كؤوسُ الخمْر تُشربُ في ذُرَاهَا (١) إذا رجعَ الحليمُ إلى حِجَاهُ … تهَاونَ بالمذاهبِ وازْدَراهَا ومن ذلك أيضًا قوله: هذت (٢) الحنيفةُ والنصارَى ما اهتدَتْ (٣) … ويهودُ جَارتْ والمَجُوسُ مُضَلَّلَهْ اثْنانِ أهلُ الأرضِ: ذُو عقْل بِلا … دينٍ، وآخرُ دَيِّن (٤) لا عَقْل لَهْ ومن ذلك أيضًا قوله: فلا تَحْسَبْ مَقَال الرُّسْلِ حَقًّا … ولكِنْ قولُ زُورٍ سطَّروهُ وكان النَّاسُ في عَيْشٍ رغيدٍ … فَجاؤُوا بالمُحال فكَدَّرُوهُ وقلت أنا في معارضة هذا: فلا تَحسَبْ مقال الرُّسْلِ كِذْبًا (٥) … ولكنْ قولُ حقٍّ بلَّغُوه وكانَ الناسُ في جهلٍ عظيمٍ … فجاؤُوا بالبيانِ فَأذهبوه (٦) ومن ذلك أيضًا قوله: إنَّ الشرائعَ ألقَتْ بَيْننا إحَنًا … وَأوْرَثتْنا أفانينَ العَدَاواتِ وهلْ أبيحَ نِساءُ الرومِ عن عُرُضٍ (٧) … للعُربِ إلا بأحكامِ النُّبوَّاتِ [من ذلك قوله: وما حمدي لآدمَ أو بنيهِ … وأشهدُ أنَّ كلَّهمُ خسيس] ومن ذلك أيضًا قوله:

стр. 5985

أفيقُوا، أفيقُوا يا غُواةُ فإنَّما … دياناتُكُم مَكرٌ من القدماءِ (١) ومن ذلك أيضًا قوله: صرفُ الزَّمانِ مُفرِّقِ الإلفَينِ … فاحْكُمْ إلهي بينَ ذاكَ وبَيْني أنهيْت (٢) عَنْ قَتْلِ النُّفوسِ تَعمُّدًا … وبَعَثْتَ أنتَ لِقَبضِها (٣) مَلَكينِ وزَعمْتَ أن لها مَعادًا ثانِيًا … ما كانَ أغناهَا عن الحالَيْنِ ومن ذلك أيضًا قوله: ضَحِكْنا وكانَ الضَّحكُ منّا سَفاهةً … وحَقَّ لسكّانِ البسيطةَ أنْ يَبكُوا تُحطِّمنَا الأيّامُ حتى كأنَّنا … زُجاجٌ ولكنْ لا يُعاد (٤) لنا سَبْكُ ومن ذلك أيضًا قوله: أمورٌ تَستخِفُّ بها حُلومٌ … وما يَدْرِي الفَتى لِمنِ الثُّبورُ كتابُ محمّدٍ وكتابُ موسى … وإنجيلُ ابنِ مريمَ والزّبورُ وقال: قالتْ معاشرُ لم يبعثْ إلهكمُ … إلى الريّةِ عِيسَاهَا ولا مُوسى وإنما جَعلوا الرحمنَ مأكلةً … وصيّرُوا دينَهُمْ في الناسِ نَامُوسا وذكر [ابن الجوزي وغيره] أشياء غير ذلك، [من شعره] وكل قطعة من هذه تدلّ على كفره، وانحلاله، وزندقته، وضلاله، [ويقال: إنه أوصى أن يكتب على قبره: هذا جَناهُ أبي عَليَّ … وما جَنَيْتُ على أحَد معناه: أن أباه بتزوجه لأمِّه أوقعه في هذه الدّار، حتى صار بسبب ذلك إلى ما إليه صار، وهو لم يجن على أحد بهذه الجناية، وهذا كلّه كفر وإلحاد، قبَّحه اللَّه]. وقد زعم بعضهم أنه أقلع عن هذا كلِّه، وتاب منه، وأنّه قال قصيدة يعتذر من هذا كلّه، ويتنصّل فيه، وهي التي يقول فيها: يا مَنْ يَرى مَدَّ البعوض جَناحَهَا … في ظلمةِ اللَّيلِ البهيمِ الألْيَلِ

стр. 5986

وتَرى منَاطَ عروقِها في نَحْرِهَا … والمحُّ في تلك العِظامِ النُّحَّلِ امنُنْ عليَّ بتوبَةٍ تمحُو بها … ما كان مني في الزّمان الأوَّل وقد كانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة بمعرّة النعمان عن ست وثمانين سنة إلا أربعة عشر يومًا، وقد رثاه جماعة من أصحابه وتلامذته، وأُنْشِدَتْ عند قبره ثمانون مرثاة حتى قال بعضهم في رثائة: إنْ كُنْتَ لم تُرِقِ الدِّماءَ زهادةً … فَلَقدْ أرَقْتَ اليومَ من جَفني دَما قال ابن الجوزي (١): وهؤلاء [الذين رثوه والذين اعتقدوه] إمّا جهال بأمره، أو ضلال على مذهبه وطريقته، وقد رأى بعضهم في المنام رجلًا ضريرًا على عاتقيه حيّتان مدلَّيتان إلى صدره رافعتان رؤوسهما، وهما ينهشان من لحمه وهو يستغيث، وقائل يقول: هذا المعرّي الملحد. وقد ذكره القاضي ابن خلِّكان في "الوفيات" (٢)، فرفع من نسبه [على عادته في الشعراء] كما ذكرنا، وذكر له من المصنفات كتبًا كثيرة، وذكر أن بعضهم وقف على المجلد الأول بعد المئة من كتابه المسمى "بالأيك والغصون" وهو المعروف: بالهمز والردف. وأنه أخذ العربية عن أبيه، واشتغل بحلب على محمد بن عبد اللَّه بن سعد النَّحوي، وأخذ عنه أبو القاسم علي بن المحسِّن التَّنوخي، والخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التِّبريزي، وذكر أنَّه مكث خمسًا وأربعين سنة لا يأكل اللّحم على طريقة الحكماء، وأنَّه أوصى أن يكتب على قبره: هذا جناهُ أبي عليَّ … وما جَنَيْتُ على أحد قال ابن خلِّكان: وهذا أيضًا يتعلّق باعتقاد الحكماء، فإنَّهم يقولون: إيجاد الولد، وإخراجه إلى هذا الوجود جِناية عليه، لأنّه يتعرَّض للحوادث والآفات. قلت: وهذا يدلّ على أنَّه لم يتغيّر عن اعتقاد الحكماء إلى آخر وقت، وأنّه لم يقلع عن ذلك كما ذكره بعضهم، واللَّه أعلم [بظواهر الأمور وبواطنها]. وذكر ابن خلِّكان، أنَّه كانت عينه اليمنى ناتئة وعليها بياض، واليسرى غائرة، وكان نحيفًا. ثمّ أورد من أشعاره الجيدة أبياتًا منها قوله: لا تطلُبنَّ بآلةٍ لكَ رُتبةً … قلمُ البليغِ بغيْرِ جدٍّ مِغْزَلُ سكَن السماكانِ السماءَ كلاهُما … هذا لَهُ رُمحٌ وهذا أعْزلُ

стр. 5987

الأستاذ أبو عثمان الصّابوني (١) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن عامر بن عابد (٢) النَّيسابوري الحافظ، الواعظ، المفسِّر. قَدِم دمشق وهو ذاهب إلى الحجِّ فسمع بها، وذكّر الناس. وقد ترجمه ابن عساكر ترجمةً مطوَّلةً [عظيمة]، وأورد له أشياء حسنة من أقواله وشعره، فمن ذلك قوله: إذا لم أصبْ أموَالَكُم ونوالَكُم … ولم آمُلِ المعروفَ منكُم ولا البِرَّا وكنتُم عَبيدًا للَّذي أنا عبدُهُ … فمن أجلِ مَاذا أتعِبُ البدنَ الحُرَّا وروى ابن عساكر (٣) عن إمام الحرمين أنَّه قال: كنتُ أتردَّدُ وأنا بمكّة في المذاهب، فرأيت النبيِّ ﷺ وهو يقول: "عليكَ باعتماد أبي عثمان الصَّابوني". ثم دخلت سنة خمسين وأربعمئة من الهجرة النبويَّة فيها: كانت فتنة الخبيث البساسيري، وهو أرسلان التركي، قبّحه اللَّه تعالى. وذلك أن إبراهيم يَنَّال أخا الملك طُغْرُلْبَك ترك الموصل الذي كان استعمله أخوه عليها، وعدل إلى ناحية بلاد الجبل، فاستدعاه أخوه، وخلع عليه، وأصلح أمره، ففي غبون ذلك ركب البساسيري ومعه قُريش بن بَدران أمير العرب إلى الموصل، فأخذها، وأخرب قلعتها. فسار [إليه] الملك طُغْرُلْبَك سريعًا من بغداد إلى الموصل فاستردَّها، وهرب منه البساسيري [وقريش] خوفًا منه، فتبعهما إلى نصيبين، وفارقه أخوه إبراهيم وعصا عليه وهرب إلى هَمَذان، وذلك بإشارة البساسيري عليه، فسار الملك طُغْرُلْبَك وراء أخيه وترك عساكر وراءه فتفرّقوا وقلّ من لحقه منهم، ورجعت زوجته الخاتون ووزيره الكندريّ إلى بغداد. ثمّ جاء الخبر بأن أخاه قد استظهر عليه، وأنّ طُغرُلْبَك محصور بهَمذان فانزعج الناس لذلك، واضطربت بغداد، وأرجف الناس بأن البساسيري عازم على قصد بغداد، وأنّه قد اقترب من الأنبار، فقوي عزم الكندريّ الوزير على المقام ببغداد، فأرادت الخاتون أن تقبض عليه فتحوّل إلى الجانب الغربي، فنهبت داره، وقطع الجسر الذي بين الجانبين، وركبت الخاتون في جمهور الجيش وذهبت إلى هَمَذان لتنصر زوجها، وسار الكندريّ ومعه أنوشروان بن تومان وأمّه الخاتون المذكورة، ومعهما بقية الجيش إلى بلاد

стр. 5988

الأهواز، وبقيت بغداد ليس بها أحد من المقاتلة. فعزم الخليفة على الترحّل عن بغداد إلى غيرها -وليته فعل- ثمّ أحب داره والمقام مع أهله. فمكث اغترارًا ودَعةً فيها فلمّا خلا البلد من المقاتلة قيل للناس: من أراد الخروج فليذهب حيث شاء، فانزعج الناس، وبكى الرجال والنساء والأطفال، وعبر كثير من الناس إلى الجانب الغربي وبلغت المعبرة دينارًا ودينارين لعدم الجسر. قال ابن الجوزي (١): وطار في تلك الليلة على دار الخليفة نحو عشر بومات مجتمعات يصحن صياحًا مزعجًا، وقيل لرئيس الرؤساء: من المصلحة أن الخليفة يرتحل من بغداد لعدم المقاتلة بها فلم يقبل، وشرعوا في استخدام طائفة من العوام، ودُفِعَ إليهم السلاح [الكثير] من دار المملكة، فلمّا كان يوم الأحد الثامن من ذي القعدة من هذه السنة دخل البساسيري بغداد ومعه الرايات البيض المصريّة وعلى رأسه أعلام مكتوب عليها [اسم] الإمام المستنصر باللَّه أبو تميم معد أمير المؤمنين، فتلقّاه أهل الكرخ الرافضة، فتضرّعوا إليه، وسألوه أن يختار عندهم، فدخل الكرخ وخرج إلى مشرعة الزوايا فخيّم بها. والناس في ضرٍّ ومجاعةٍ شديدة، ونزل قُريش بن بَدران في نحو مئتي فارس على مشرعة باب البصرة. وكان البساسيري قد جمع العيّارين وأطمعهم في نهب دار الخلافة. ونهب أهل الكرخ دور السنّة بباب البصرة، ونهبت دار قاضي القضاة الدّامغاني، وهلك أكثر السجلات والكتب الحكمية وبيعت للعطارين، ونهبت دور المتعلقين [بخدمة] الخليفة، وأعادت الروافض الأذان بحيّ على خير العمل، وأُذّن به في سائر جوامع بغداد في الجمُعات والجماعات، وخُطب للمستنصر العبيدي الذي يقال له: الفاطمي، على منابر بغداد وغيرها. وضربت له السكّة على الذهب والفضة، وحوصرت دار الخلافة، فجاحف الوزير أبو القاسم بن المَسْلمة الملقب برئيس الرؤساء بمن معه من المستخدمين دونها، فلم يفد ذاك شيئًا، فركب الخليفة بالسواد والبردة على كتفيه، وعلى رأسه اللواء، وبيده السيف مصلتًا، وحوله زمرة من الهاشميين (٢)، والجواري حاسرات وجوههن، ناشرات شعورهن، معهن المصاحف على رؤوس الرِّماح، وبين يديه الخدم بالسيوف المسلَّلة. ثمّ إن الخليفة أخذ ذمامًا من أمير العرب قُريش بن بَدران لنفسه وأهله ووزيره ابن المَسْلَمة فآمنه على ذلك كلّه، وأنزله في خيمته، فلامه البساسيري على ذلك وقال: قد علمت ما كان وقع الاتفاق بيني وبينك من أنّك لا تستبد برأي دوني ولا أنا دونك، ومهما ملكنا فبيني وبينك. واستحضر البساسيري أبا القاسم بن المسلمة فوبّخه [توبيخًا مفضحًا] ولامه لومًا شديدًا، ثمَّ ضربه ضربًا مبرّحًا، واعتقله مُهانًا عنده، ونهبت العامة دار الخلافة، فلا يحصى ما أخذوا منها من الجواهر والنفائس والديباج [والذهب

стр. 5989

والفضة] والثياب والأثاث [والدواب] وغير ذلك مما لا يحدّ ولا يوصف. ثمّ اتفق رأي البساسيري وقريش بن بدران على تسيير الخليفة من بغداد وتسليمه إلى أمير حديثة عانة (١)، وهو مُهارش بن مجلّي البدوي، وهو من بني عم قريش بن بدران. وكان رجلًا صالحًا [فيه دين ومروءة]، فلمّا بلغ ذلك الخليفة دخل على قريش أن لا يخرج من بغداد، فلم يفد ذلك شيئًا، وسيَّروه مع أصحابهما في هودج إلى حديثة عانة، فكان عند مهارش أميرها حولًا كاملًا وليس معه أحد من أهله. فحكي عن الخليفة القائم بأمر اللَّه أنّه قال: لما كنت بحديثة عانة قمت ليلة إلى الصلاة فوجدت في قلبي حلاوة المناجاة، ثمّ دعوت اللَّه تعالى، بما سنح لي، ثمّ قلت: اللهمّ أعدني إلى وطني، واجمع بيني وبين أهلي وولدي، ويسّر اجتماعنا، وأعدْ رَوض الأنس زاهرًا، وربع القرب عامرًا، فقد قلّ العزاء، وبرح الخفاء. قال: فسمعت قائلًا على شاطئ الفرات يقول: نعم، نعم. فقلت: هذا رجل يخاطب آخر، ثمّ أخذت في السؤال والابتهال، فسمعت ذلك الصائح يقول: إلى الحول، إلى الحول. فعلمت أنَّه هاتف أنطقه اللَّه بما جرى الأمر عليه، وكان كذلك. خرج من دار الخلافة في ذي القعدة من هذه السنة ورجع إليها في ذي القعدة من السنة المقبلة. وقد قال الخليفة في مقامه بالحديثة شعرًا يذكر فيه حاله، فمنه قوله: خَابت (٢) ظنُوني فيمنْ كنتُ آملُهُ … ولم يجلُ (٣) ذِكرُ من واليتُ في خَلَدِي تَعلّموا من صروفِ الدهرِ كلّهمُ … فما أرى أحدًا يحنو على أحد ومن ذلك أيضًا قوله: ما لي مِنَ الأيامِ إلا موعدٌ … فمتى أرى ظَفَرًا بذاكَ الموعدِ يومي يمرُّ وكلَّما قضَّيته … علّلت نفسي بالحديثِ إلى غدِ أحيا (٤) بنفسٍ تستريحُ إلى المُنى … وعلى مطامِعِها تروحُ وتغتَدِي وأمّا البساسيري، وما اعتمده في بغداد؛ فإنَّه ركب يوم الأضحى، وألبس الخطباء والمؤذِّنين البياض، وعليه هو وأصحابه كذلك، وعلى رأسه الألوية المستنصرية والمطارد المصريّة، وخطب للمستنصر الفاطمي صاحب مصر. والروافض في غاية السرور، والأذان في سائر بلاد العراق بحيّ على خير العمل، وانتقم البساسيري من أعيان أهل بغداد انتقامًا عظيمًا، وغرّق خلقًا ممن كان يعاديه، وبسط على آخرين الأرزاق والعطايا [ممن كان يحبّه ويواليه] وأظهر العدل.

стр. 5990

ولمّا كان يوم الإثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجّة أحضر إلى بين يديه الوزير أبو القاسم بن المَسْلَمة الملقّب برئيس الرؤساء، وعليه جبّة صوف، وطرطور من لبد أحمر، وفي رقبته مخنقة من جلود كالتعاويذ، فأركب حمارًا (١)، وطيف به في البلد، وخلفه من يصفعه بقطعة من جلد، حتى اجتاز بالكرخ، فنثروا عليه خُلْقان المداسات، وبصقوا في وجهه ولعنوه وسبّوه، وأوقف بإزاء دار الخلافة وهو في ذلك كلّه يتلو قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]. ثمّ لما فُرغ من التطواف به في محالّ البلد، وأعيد إلى المعسكر، ألبس جلد ثور بقرنيه وعلّق بكلوب في شدقيه، ورفع إلى الخشبة حيّا، فجعل يضطرب إلى آخر النهار، فمات رحمه اللَّه تعالى، وكان آخر كلامه أن قال: الحمد للَّه الذي أحياني سعيدًا وأماتني شهيدًا (٢). وفي هذه السنة: وقع بَرد بارض العراق، أهلك كثيرًا من الغلات، وقتل بعض الفلاحين، وزادت دجلة زيادة عظيمة، وزلزلت [بغداد في هذه السنة] في شوال قبل الفتنة بشهر، زلزالًا شديدًا، فتهدّمت دور كثيرة، ووردت الأخبار أنَّها اتصلت من بغداد إلى هَمَذان، وواسط، وعانة، وتكريت، وذكر أن الطواحين وقفت من شدّة الزلزال. وفي هذه السنة: كثر النهب ببغداد حتى كانت العمائم تخطف [عن الرؤوس] جهرة، حتّى إن الشيخ أبا نصر بن الصبّاغ خُطفت عمامته وطيلسانه وهو ذاهب إلى الصلاة يوم الجمعة. وفي أواخر السنة خرج السلطان طُغْرُلْبَك من هَمَذان فقاتل أخاه وانتصر عليه، فتباشر الناس بذلك، وكثر سرورهم وفرحهم، ولم يُظهروا ذلك خوفًا من البساسيري، واستنجد طُغْرُلْبَك بأولاد أخيه داود -وكان قد مات- ومن معهم من الجنود على أخيه إبراهيم، فغلبوه له، وأسروه، وذلك في أوائل سنة إحدى وخمسين واجتمعوا على عمّهم طُغْرُلْبَك فسار بهم نحو العراق فكان من أمرهم ما سيأتي ذكره في السنة الآتية إن شاء اللَّه تعالى. وممن مات في هذه السنة من الأعيان: الحسين بن محمد أبو عبد اللَّه الفرضي [الوَنّي] (٣).
следующие страницы →