وتَرى منَاطَ عروقِها في نَحْرِهَا … والمحُّ في تلك العِظامِ النُّحَّلِ
امنُنْ عليَّ بتوبَةٍ تمحُو بها … ما كان مني في الزّمان الأوَّل
وقد كانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة بمعرّة النعمان عن ست وثمانين سنة إلا أربعة عشر يومًا، وقد رثاه جماعة من أصحابه وتلامذته، وأُنْشِدَتْ عند قبره ثمانون مرثاة حتى قال بعضهم في رثائة:
إنْ كُنْتَ لم تُرِقِ الدِّماءَ زهادةً … فَلَقدْ أرَقْتَ اليومَ من جَفني دَما
قال ابن الجوزي (١): وهؤلاء [الذين رثوه والذين اعتقدوه] إمّا جهال بأمره، أو ضلال على مذهبه وطريقته، وقد رأى بعضهم في المنام رجلًا ضريرًا على عاتقيه حيّتان مدلَّيتان إلى صدره رافعتان رؤوسهما، وهما ينهشان من لحمه وهو يستغيث، وقائل يقول: هذا المعرّي الملحد.
وقد ذكره القاضي ابن خلِّكان في "الوفيات" (٢)، فرفع من نسبه [على عادته في الشعراء] كما ذكرنا، وذكر له من المصنفات كتبًا كثيرة، وذكر أن بعضهم وقف على المجلد الأول بعد المئة من كتابه المسمى "بالأيك والغصون" وهو المعروف: بالهمز والردف. وأنه أخذ العربية عن أبيه، واشتغل بحلب على محمد بن عبد اللَّه بن سعد النَّحوي، وأخذ عنه أبو القاسم علي بن المحسِّن التَّنوخي، والخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التِّبريزي، وذكر أنَّه مكث خمسًا وأربعين سنة لا يأكل اللّحم على طريقة الحكماء، وأنَّه أوصى أن يكتب على قبره:
هذا جناهُ أبي عليَّ … وما جَنَيْتُ على أحد
قال ابن خلِّكان: وهذا أيضًا يتعلّق باعتقاد الحكماء، فإنَّهم يقولون: إيجاد الولد، وإخراجه إلى هذا الوجود جِناية عليه، لأنّه يتعرَّض للحوادث والآفات.
قلت: وهذا يدلّ على أنَّه لم يتغيّر عن اعتقاد الحكماء إلى آخر وقت، وأنّه لم يقلع عن ذلك كما ذكره بعضهم، واللَّه أعلم [بظواهر الأمور وبواطنها].
وذكر ابن خلِّكان، أنَّه كانت عينه اليمنى ناتئة وعليها بياض، واليسرى غائرة، وكان نحيفًا. ثمّ أورد من أشعاره الجيدة أبياتًا منها قوله:
لا تطلُبنَّ بآلةٍ لكَ رُتبةً … قلمُ البليغِ بغيْرِ جدٍّ مِغْزَلُ
سكَن السماكانِ السماءَ كلاهُما … هذا لَهُ رُمحٌ وهذا أعْزلُ
стр. 5987
الأستاذ أبو عثمان الصّابوني (١) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن عامر بن عابد (٢) النَّيسابوري الحافظ، الواعظ، المفسِّر.
قَدِم دمشق وهو ذاهب إلى الحجِّ فسمع بها، وذكّر الناس. وقد ترجمه ابن عساكر ترجمةً مطوَّلةً [عظيمة]، وأورد له أشياء حسنة من أقواله وشعره، فمن ذلك قوله:
إذا لم أصبْ أموَالَكُم ونوالَكُم … ولم آمُلِ المعروفَ منكُم ولا البِرَّا
وكنتُم عَبيدًا للَّذي أنا عبدُهُ … فمن أجلِ مَاذا أتعِبُ البدنَ الحُرَّا
وروى ابن عساكر (٣) عن إمام الحرمين أنَّه قال: كنتُ أتردَّدُ وأنا بمكّة في المذاهب، فرأيت النبيِّ ﷺ وهو يقول: "عليكَ باعتماد أبي عثمان الصَّابوني".
ثم دخلت سنة خمسين وأربعمئة من الهجرة النبويَّة
فيها: كانت فتنة الخبيث البساسيري، وهو أرسلان التركي، قبّحه اللَّه تعالى. وذلك أن إبراهيم يَنَّال أخا الملك طُغْرُلْبَك ترك الموصل الذي كان استعمله أخوه عليها، وعدل إلى ناحية بلاد الجبل، فاستدعاه أخوه، وخلع عليه، وأصلح أمره، ففي غبون ذلك ركب البساسيري ومعه قُريش بن بَدران أمير العرب إلى الموصل، فأخذها، وأخرب قلعتها. فسار [إليه] الملك طُغْرُلْبَك سريعًا من بغداد إلى الموصل فاستردَّها، وهرب منه البساسيري [وقريش] خوفًا منه، فتبعهما إلى نصيبين، وفارقه أخوه إبراهيم وعصا عليه وهرب إلى هَمَذان، وذلك بإشارة البساسيري عليه، فسار الملك طُغْرُلْبَك وراء أخيه وترك عساكر وراءه فتفرّقوا وقلّ من لحقه منهم، ورجعت زوجته الخاتون ووزيره الكندريّ إلى بغداد. ثمّ جاء الخبر بأن أخاه قد استظهر عليه، وأنّ طُغرُلْبَك محصور بهَمذان فانزعج الناس لذلك، واضطربت بغداد، وأرجف الناس بأن البساسيري عازم على قصد بغداد، وأنّه قد اقترب من الأنبار، فقوي عزم الكندريّ الوزير على المقام ببغداد، فأرادت الخاتون أن تقبض عليه فتحوّل إلى الجانب الغربي، فنهبت داره، وقطع الجسر الذي بين الجانبين، وركبت الخاتون في جمهور الجيش وذهبت إلى هَمَذان لتنصر زوجها، وسار الكندريّ ومعه أنوشروان بن تومان وأمّه الخاتون المذكورة، ومعهما بقية الجيش إلى بلاد
стр. 5988
الأهواز، وبقيت بغداد ليس بها أحد من المقاتلة. فعزم الخليفة على الترحّل عن بغداد إلى غيرها -وليته فعل- ثمّ أحب داره والمقام مع أهله. فمكث اغترارًا ودَعةً فيها فلمّا خلا البلد من المقاتلة قيل للناس: من أراد الخروج فليذهب حيث شاء، فانزعج الناس، وبكى الرجال والنساء والأطفال، وعبر كثير من الناس إلى الجانب الغربي وبلغت المعبرة دينارًا ودينارين لعدم الجسر.
قال ابن الجوزي (١): وطار في تلك الليلة على دار الخليفة نحو عشر بومات مجتمعات يصحن صياحًا مزعجًا، وقيل لرئيس الرؤساء: من المصلحة أن الخليفة يرتحل من بغداد لعدم المقاتلة بها فلم يقبل، وشرعوا في استخدام طائفة من العوام، ودُفِعَ إليهم السلاح [الكثير] من دار المملكة، فلمّا كان يوم الأحد الثامن من ذي القعدة من هذه السنة دخل البساسيري بغداد ومعه الرايات البيض المصريّة وعلى رأسه أعلام مكتوب عليها [اسم] الإمام المستنصر باللَّه أبو تميم معد أمير المؤمنين، فتلقّاه أهل الكرخ الرافضة، فتضرّعوا إليه، وسألوه أن يختار عندهم، فدخل الكرخ وخرج إلى مشرعة الزوايا فخيّم بها. والناس في ضرٍّ ومجاعةٍ شديدة، ونزل قُريش بن بَدران في نحو مئتي فارس على مشرعة باب البصرة. وكان البساسيري قد جمع العيّارين وأطمعهم في نهب دار الخلافة. ونهب أهل الكرخ دور السنّة بباب البصرة، ونهبت دار قاضي القضاة الدّامغاني، وهلك أكثر السجلات والكتب الحكمية وبيعت للعطارين، ونهبت دور المتعلقين [بخدمة] الخليفة، وأعادت الروافض الأذان بحيّ على خير العمل، وأُذّن به في سائر جوامع بغداد في الجمُعات والجماعات، وخُطب للمستنصر العبيدي الذي يقال له: الفاطمي، على منابر بغداد وغيرها. وضربت له السكّة على الذهب والفضة، وحوصرت دار الخلافة، فجاحف الوزير أبو القاسم بن المَسْلمة الملقب برئيس الرؤساء بمن معه من المستخدمين دونها، فلم يفد ذاك شيئًا، فركب الخليفة بالسواد والبردة على كتفيه، وعلى رأسه اللواء، وبيده السيف مصلتًا، وحوله زمرة من الهاشميين (٢)، والجواري حاسرات وجوههن، ناشرات شعورهن، معهن المصاحف على رؤوس الرِّماح، وبين يديه الخدم بالسيوف المسلَّلة.
ثمّ إن الخليفة أخذ ذمامًا من أمير العرب قُريش بن بَدران لنفسه وأهله ووزيره ابن المَسْلَمة فآمنه على ذلك كلّه، وأنزله في خيمته، فلامه البساسيري على ذلك وقال: قد علمت ما كان وقع الاتفاق بيني وبينك من أنّك لا تستبد برأي دوني ولا أنا دونك، ومهما ملكنا فبيني وبينك. واستحضر البساسيري أبا القاسم بن المسلمة فوبّخه [توبيخًا مفضحًا] ولامه لومًا شديدًا، ثمَّ ضربه ضربًا مبرّحًا، واعتقله مُهانًا عنده، ونهبت العامة دار الخلافة، فلا يحصى ما أخذوا منها من الجواهر والنفائس والديباج [والذهب
стр. 5989
والفضة] والثياب والأثاث [والدواب] وغير ذلك مما لا يحدّ ولا يوصف. ثمّ اتفق رأي البساسيري وقريش بن بدران على تسيير الخليفة من بغداد وتسليمه إلى أمير حديثة عانة (١)، وهو مُهارش بن مجلّي البدوي، وهو من بني عم قريش بن بدران. وكان رجلًا صالحًا [فيه دين ومروءة]، فلمّا بلغ ذلك الخليفة دخل على قريش أن لا يخرج من بغداد، فلم يفد ذلك شيئًا، وسيَّروه مع أصحابهما في هودج إلى حديثة عانة، فكان عند مهارش أميرها حولًا كاملًا وليس معه أحد من أهله. فحكي عن الخليفة القائم بأمر اللَّه أنّه قال: لما كنت بحديثة عانة قمت ليلة إلى الصلاة فوجدت في قلبي حلاوة المناجاة، ثمّ دعوت اللَّه تعالى، بما سنح لي، ثمّ قلت: اللهمّ أعدني إلى وطني، واجمع بيني وبين أهلي وولدي، ويسّر اجتماعنا، وأعدْ رَوض الأنس زاهرًا، وربع القرب عامرًا، فقد قلّ العزاء، وبرح الخفاء. قال: فسمعت قائلًا على شاطئ الفرات يقول: نعم، نعم. فقلت: هذا رجل يخاطب آخر، ثمّ أخذت في السؤال والابتهال، فسمعت ذلك الصائح يقول: إلى الحول، إلى الحول. فعلمت أنَّه هاتف أنطقه اللَّه بما جرى الأمر عليه، وكان كذلك. خرج من دار الخلافة في ذي القعدة من هذه السنة ورجع إليها في ذي القعدة من السنة المقبلة. وقد قال الخليفة في مقامه بالحديثة شعرًا يذكر فيه حاله، فمنه قوله:
خَابت (٢) ظنُوني فيمنْ كنتُ آملُهُ … ولم يجلُ (٣) ذِكرُ من واليتُ في خَلَدِي
تَعلّموا من صروفِ الدهرِ كلّهمُ … فما أرى أحدًا يحنو على أحد
ومن ذلك أيضًا قوله:
ما لي مِنَ الأيامِ إلا موعدٌ … فمتى أرى ظَفَرًا بذاكَ الموعدِ
يومي يمرُّ وكلَّما قضَّيته … علّلت نفسي بالحديثِ إلى غدِ
أحيا (٤) بنفسٍ تستريحُ إلى المُنى … وعلى مطامِعِها تروحُ وتغتَدِي
وأمّا البساسيري، وما اعتمده في بغداد؛ فإنَّه ركب يوم الأضحى، وألبس الخطباء والمؤذِّنين البياض، وعليه هو وأصحابه كذلك، وعلى رأسه الألوية المستنصرية والمطارد المصريّة، وخطب للمستنصر الفاطمي صاحب مصر. والروافض في غاية السرور، والأذان في سائر بلاد العراق بحيّ على خير العمل، وانتقم البساسيري من أعيان أهل بغداد انتقامًا عظيمًا، وغرّق خلقًا ممن كان يعاديه، وبسط على آخرين الأرزاق والعطايا [ممن كان يحبّه ويواليه] وأظهر العدل.
стр. 5990
ولمّا كان يوم الإثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجّة أحضر إلى بين يديه الوزير أبو القاسم بن المَسْلَمة الملقّب برئيس الرؤساء، وعليه جبّة صوف، وطرطور من لبد أحمر، وفي رقبته مخنقة من جلود كالتعاويذ، فأركب حمارًا (١)، وطيف به في البلد، وخلفه من يصفعه بقطعة من جلد، حتى اجتاز بالكرخ، فنثروا عليه خُلْقان المداسات، وبصقوا في وجهه ولعنوه وسبّوه، وأوقف بإزاء دار الخلافة وهو في ذلك كلّه يتلو قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
ثمّ لما فُرغ من التطواف به في محالّ البلد، وأعيد إلى المعسكر، ألبس جلد ثور بقرنيه وعلّق بكلوب في شدقيه، ورفع إلى الخشبة حيّا، فجعل يضطرب إلى آخر النهار، فمات رحمه اللَّه تعالى، وكان آخر كلامه أن قال: الحمد للَّه الذي أحياني سعيدًا وأماتني شهيدًا (٢).
وفي هذه السنة: وقع بَرد بارض العراق، أهلك كثيرًا من الغلات، وقتل بعض الفلاحين، وزادت دجلة زيادة عظيمة، وزلزلت [بغداد في هذه السنة] في شوال قبل الفتنة بشهر، زلزالًا شديدًا، فتهدّمت دور كثيرة، ووردت الأخبار أنَّها اتصلت من بغداد إلى هَمَذان، وواسط، وعانة، وتكريت، وذكر أن الطواحين وقفت من شدّة الزلزال.
وفي هذه السنة: كثر النهب ببغداد حتى كانت العمائم تخطف [عن الرؤوس] جهرة، حتّى إن الشيخ أبا نصر بن الصبّاغ خُطفت عمامته وطيلسانه وهو ذاهب إلى الصلاة يوم الجمعة.
وفي أواخر السنة خرج السلطان طُغْرُلْبَك من هَمَذان فقاتل أخاه وانتصر عليه، فتباشر الناس بذلك، وكثر سرورهم وفرحهم، ولم يُظهروا ذلك خوفًا من البساسيري، واستنجد طُغْرُلْبَك بأولاد أخيه داود -وكان قد مات- ومن معهم من الجنود على أخيه إبراهيم، فغلبوه له، وأسروه، وذلك في أوائل سنة إحدى وخمسين واجتمعوا على عمّهم طُغْرُلْبَك فسار بهم نحو العراق فكان من أمرهم ما سيأتي ذكره في السنة الآتية إن شاء اللَّه تعالى.
وممن مات في هذه السنة من الأعيان:
الحسين بن محمد أبو عبد اللَّه الفرضي [الوَنّي] (٣).
стр. 5991
وهو شيخ الحربي، وكان شافعيّ المذهب قُتل ببغداد في فتنة البساسيري، ودُفن يوم الجمعة يوم عرفة من هذه السنة، ﵀.
داود أخو طُغْرُلْبَك الأكبر (١) كان مقيمًا ببلخ بإزاء أولاد محمود بن سُبُكْتِكِين توفي في هذه السنة، وقام أولاده مقامه في الملك.
طاهر بن عبد اللَّه بن طاهر بن عمر أبو الطيِّب الطبري (٢)، الفقيه، شيخ الشافعيّة.
ولد بآمُل طبرستان سنة ثمان وأربعين وثلاثمئة، وسمع الحديث بجرجان من أبي أحمد الغِطْريفي، وبنيسابور من أبي الحسن الماسَرْجسِي، وعليه درس الفقه، وتفقّه أيضًا على أبي على الزَّجَاجي، وأبي القاسم بن كَجّ، ثمَّ اشتغل ببغداد على الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وشرح "المختصر" و"فروع" ابن الحداد، وصنف في الأصولِ والجدلِ وغير ذلك من العلوم الكثيرة النافعة، وسمع ببغداد من الدّارقطني وغيره، وولي القضاء برُبع الكَرخ بعد موت أبي عبد اللَّه الصَّيْمَري، وكان ثقة دينًا عالمًا بأصول الفقه وفروعه، وله المصنَّفات الباهرة في ذلك، [حسن الخلق]، سليم الصدر، مواظبًا على تعليم العلم ليلًا ونهارًا، وقد ذكرت ترجمته في "الطبقات" (٣) بما فيه الكفاية.
وحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي (٤) عنه وكان شيخه، وقد أجلسه بعده فى الحلقة: أنّ [أبا الطيب] أسلم خفًّا له [وكان متقللًا من الدنيا فقيرًا] عند خفّاف ليصلحه له فأبطأ عليه، وكان كلّما مرّ عليه غمسه في الماء وقال: [أيها الشيخ] الساعة، الساعة، أصلحه، فقال له الشيخ: إنّما أسلمته لك لتصلحه، ولم أسلمه لتعلِّمه السباحة.
وحكى ابن خلِّكان (٥): أنّه كان له ولأخيه عمامة واحدة وقميص واحد، إذا لبسهما هذا جلس الآخر في البيت، [وإذا غسلاهما جلسا في البيت إلى أن يجفا] وقد قال في ذلك القاضي أبو الطيّب:
стр. 5992
قومٌ إذا غسلوا الثيابَ رأَيتَهم (١) … لبسوا البيوتَ إلى فراغ الغاسل
وكان قد بلغ من العمر مئة سنة وسنتين، وهو صحيح العقل والفهم والأعضاء يفتي ويشتغل إلى أن مات في هذه السنة، رحمه اللَّه تعالى. [وقد ركب مرّة سفينة فلما خرج منها قفز قفزة لا يستطيعها الشباب، فقيل له: ما هذا يا أبا الطيّب، فقال: هذه أعضاء حفظناها في الشبيبة تنفعنا في الكِبَر].
[القاضي الماوردي صاحب "الحاوي الكبير"] (٢) علي بن محمد بن حبيب، أبو الحسن المَاوَرْدي البصري.
شيخ الشافعيين، صاحب التصانيف الكثيرة في الأصول، والفروع، والتفسير، والأحكام السلطانية، وأدب الدين والدنيا. قال: بسّطت الفقه في أربعة آلاف ورقة، يعني: "الحاوي الكبير"، واختصرته في أربعين ورقة، يعني: "الإقناع". وقد ولي الحكم في بلاب كثيرة، وكان حليمًا وقورًا أديبًا، لم ير أصحابه ذراعه يومًا من الدهر من شدّة تحرّزه وأدبه، وقد استقصيت ترجمته في "الطبقات". كانت وفاته في هذه السنة عن ست وثمانين سنة، ودفن بباب حرب. وقد أنشد له ابن خلِّكان أشعارًا منها قوله:
جرَى قلمُ القضاءِ بما يكونُ … فَسِيَّان التَّحرّكُ والسُّكونُ (٣)
جنونٌ منكَ أنْ تسعَى لرزقٍ … ويُرزقُ في غِشاوتِهِ الجنينُ
رئيس الرؤساء أبو القاسم بن المُسلمة (٤)، عليّ بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عمر أبو القاسم وزير القائم بأمر اللَّه.
كان أولًا قد سمع الحديث من أبي أحمد الفَرَضي وغيره، ثمّ كان أحد المعدَّلين، ثم استكتبه الخليفة القائم بامر اللَّه، واستوزره، ولقَّبه رئيس الرؤساء، شرف الوزراء، جمال الورى. وكان متضلِّعًا بعلوم شتّى، مع سداد رأي، ووفور عقل، وقد مكث في الوزارة ثنتي عشرة سنة وشهرًا، حتى قتله البساسيري
стр. 5993
بعدما شهره، ثمّ صلبه معلّقًا بشدقيه كما قدّمنا ذلك. [وله من العمر ثنتان وخمسون سنة وخمسة أشهر] (١).
عبد اللَّه بن أحمد بن شيطا (٢) المسند للحديث.
وكان ثقة بصيرًا بالعربية ووجوه القراءات ومذاهب القراء، بلغ الثمانين. وله كتاب في التجويد، رحمه اللَّه تعالى.
منصور بن الحسين أبو الفوارس الأسدي (٣)، صاحب الجزيرة.
كانت وفاته في هذه السنة فاجتمعت العشيرة على إقامة ولده صدقة من بعده، واللَّه أعلم بالصواب.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وأربعمئة
استهلت [هذه السنة] وبغداد في قبضة البساسيري يخطب فيها للمستنصر الفاطمي [صاحب مصر] والقائم [الخليفة العباسي] قاعد بحديثة عانة. ثمّ لما كان يوم الإثنين ثاني عشر صفر أحضر البساسيري قاضي القضاة أبا عبد اللَّه الدّامغاني وجماعة من الوجوه والأعيان من العلويين والعباسيين وأخذ عليهم البيعة للمستنصر الفاطمي [صاحب مصر]، ثمّ دخل دار الخلافة وهؤلاء المذكورون معه، وأمر بنقض تاج دار الخلافة؛ فنقضت بعض الشراريف، ثم قيل له: إن القبح في هذا أكثر من المصلحة فتركه، ثمّ ركب إلى زيارة المشهد بالكوفة (٤)، وعزم على حفر نهر يساق إلى الحائر (٥) لوفاء نذر ما كان عليه. وأمر بأن تنقل جثة ابن المُسلمة إلى ما يقارب الحريم الطاهري وأن ينصب على دجلة، وكتبت أثم الخليفة -وكانت عجوزًا كبيرة قد بلغت السبعين (٦) - وهي مختفية في مكان إلى البساسيري، تشكو إليه الحاجة والفقر وضيق الحال؛ فأرسل إليها ونقلها إلى الحريم، وأخدمها جاريتين، ورتب لها كلّ يوم اثني عشر رطلًا من الخبز وأربعة أرطال لحم، ولا يفي هذا قيراطًا مما فعله بولدها وبأهل السنّة.
стр. 5994
فصل
ولما تخلّص السلطان طُغْرُلْبَك أيده اللَّه من حِصاره بهَمَذان، وقاتل أخاه إبراهيم وأسره وقتله، وتمكّن من أمره، وطابت نفسه، واستقرّ حاله، ولم يبق له في تلك البلاد منازع، كتب إلى قريش بن بدران أمير الأعراب يأمره بأن يعاد الخليفة إلى [وطنه و] داره على ما كان عليه، وتوعّده على ترك ذلك ببأس شديد؛ فكتب إليه قريش يتلطّف به ويسالمه ويقول: أنا معك على البساسيري بكلِّ ما أقدر عليه حتى يمكِّن اللَّه منه، ولكن أخشى أن أتسرع في أمر يكون فيه على الخليفة مفسدة، أو يبادر إليه أحد بأذيّة [يكون عليّ عارها] ولكنّي سأعمل لما أمرتني بكلّ ما يمكنني، وأمر بردّ امرأة الخليفة الخاتون المعظَّمة أرسلان خاتون إلى دارها وقرارها. ثم إنَّه راسل البساسيري، وأشار عليه بعود الخليفة إلى داره، وخوّفه من جهة الملك طُغْرُلْبك، وقال له فيما قال: إنّك دعوتنا إلى طاعة المستنصر صاحب مصر، وبيننا وبينه ستمئة فرسخ، ولم يأتنا من جهته رسول ولا أحد [من عنده]، ولم يفكر في شيء مما أرسلنا إليه، وهذا الملك من ورائنا بالمرصاد [قريب منا].
وقد جاءني كتاب من الملك طُغْرُلْبَك عنوانه: إلى الأمير الجليل علم الدين أبي المعالي قريش بن بدران، مولى أمير المؤمنين، من شاهنشاه المعظَّم ملك المشرق والمغرب طُغْرُلْبَك أبي طالب محمد بن ميكائيل بن سُلجوق. وعلى رأس الكتاب العلامة السلطانية بخط السلطان حسبي اللَّه [ونعم الوكيل]. وكان في الكتاب: والآن فقد شرقت بنا المقادير إلى قتال كلّ عدوّ للدين والملك، ولم يبق علينا من المهمات إلا خِدمة سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين القائم بأمر اللَّه، واطلاع أبَّهة إمامته على سرير عزّه، فإنّ الذي يلزمنا ذلك، ولا فسحة في التضييع (١) فيه ساعة من الزمان، وقد أقبلنا بخيول وجنود المشرق إلى هذا المهم العظيم، ونريد من الأمير الجليل علم الدين إتمام السعي في ذلك، إذ هو السعي النجيح الذي وفق له، وتفرّد به، وهو أن يتمم وفاءه من أمانته وخدمته في باب سيدنا ومولانا الإمام القائم بأمر اللَّه أمير المؤمنين من أحد الوجهين: إمّا أن يُقْبِل به إلى وكر عزِّه، ومثوى إمامته، وموقف خلافته من مدينة السلام، وينتدب بين يديه متوليًا أمره، ومنفِّذًا حكمه، وشاهرًا سيفه وقلمه، وذلك المراد، وهو خليفتنا في تلك الخدمة المفروضة [وتلك الخدمة بعض ما يجب له]، وتوليه العراق بأسرها، وتصفو له مشارع برّها وبحرها، لا تطأ حوافر خيل من خيول العجم والعرب شبرًا من أراضي تلك المملكة إلا بالتماسه لمعاونته ومظاهرته، وإمّا أن يحافظ على شخصه الغالي بتحويله من القلعة إلى حلّته، أو في القلعة إلى حين لحاقنا بخدمته؛ فتتكفّل بإعادته، ويكون الأمير الجليل مخيّرًا بين أن يكتفي بنا أو يقيم
стр. 5995
حيث شاء. فنولِّيه العراق ونستخلفه في الخدمة الإماميّة، ونصرف أعنّتنا إلى الممالك الشرقيّة، فهمتنا لا تقتضي إلا هذا الغرض المفترض، ولا تشفّ إلى مملكة من تلك المماليك. بل الهمّة دينيّة، وهو أدام اللَّه تمكينه يتيقّن ما ذكرنا، ويعلم أن توجّهنا إثر هذا الكتاب لهذا الغرض المعلوم، ولا غرض سواه، فلا تستشعرن قلوب عشائره رهبته، فإنّهم كلّهم إخواننا، وفي ذفتنا وعهدنا، وعلينا به عهد اللَّه وميثاقه ما داموا موافقين للأمير الأجل في موالاتنا، ومن اتصل به من سائر العرب والعجم والأكراد، فإنَّهم آمنون في جملته، وداخلون في عهدنا وذمتنا، وعهده وذمته، ولكل مجترم في العراق عفونا وأمننا مما بدر منه، إلَّا البساسيري، فإنه لا عهد له ولا أمان منا، وهو موكول إلى الشيطان وتساويله، فقد ارتكب في دين اللَّه عظيمًا، وهو إن شاء اللَّه مأخوذ حيث وجد، ومعذّب على ما عمل، فقد سعى في دماء خلق كثير بسوء دخيلته، ودلّت أفعاله على سوء عقيدته.
وكتب في رمضان سنة إحدى وخمسين وأربعمئة، وبعث بهذا الكتاب مع رسولين من أهل العلم، وبعث معهما بتحفٍ عظيمةٍ للخليفة وأمرهما أن يخدما الخليفة نيابة عنه. جزاه اللَّه عن الإسلام خيرًا.
ولما وصل الكتاب إلى قريش بن بدران، استعلم أخبار الملك طُغْرُلْبَك من الرسل وغيرهم، فإذا معه جنود عظيمة، فخاف من ذلك خوفًا شديدًا، وبعث إلى البريّة فأمر بحفر أماكن الماء، وتجهيز علوفات كثيرة إلى هناك. ونفذ الكتاب والأخبار إلى البَسَاسيري، فانزعج لذلك البساسيري، قبحه اللَّه، وخارت قوّته، وضعف أمره، وبعث إلى أهله فنقلهم عن بغداد، وأرصد له إقامات عظيمة بواسط، وجعلها دار مقرَّته، ووافق على عود الخليفة إلى بغداد، ولكن اشترط شروطًا كثيرةً ليذهب خجله، ولما انتقل أهل البساسيري من بغداد، وصحبتهم أهل الكرخ والروافض، قبحهم اللَّه تعالى، وانحدروا في دجلة إلى واسط، كان خروجهم عن بغداد في سادس ذي القعدة من هذه السنة، وفي مثله من العام الماضي دخلوا بغداد، وعند ذلك ثار الهاشميون وأهل السّنة من باب البصرة إلى الكرخ، فنهبوه، وأحرقوا منه محال كثيرة جدًا، واحترق من جملة ذلك دار العلم التي كان وقفها الوزير أزدشير من مدة سبعين سنة، وفيها من الكتب شيء كثير، وكان في جملة ما احترق درب الزعفران وفيه ألف ومئتا دار، لكلّ منها قيمة جليلة عظيمة، وترحّل قريش بن بدران إلى أرض الموصل (١)، وبعث إلى حديثة عانة يقول لأميرها مهارش بن مجلّي الذي سلّم إليه الخليفة: المصلحة تقتضي أن الخليفة تحوّله إليّ حتى نستأمن لأنفسنا بسببه ولا تسلّمه حتى تستأمن لنا، وتأخذ أمانًا في يدك دون يدي فامتنع عليه مهارش وقال: قد غزر بي البساسيري، ووعدني بأشياء فلم أرها، ولست بمرسله إليك أبدًا، وله في عنقي أيمان أكيدة لا أغدرها. وكان مهارش رجلًا صالحًا ثقة أمينًا ﵀.
стр. 5996
وقال الأمير محيي الدين أبو الحارث مهارش بن مجلّي العقيلي صاحب عانة والحديثة للخليفة: من المصلحة أن نسير إلى بلد بدر بن مهلهل، وننظر ما يكون من أمر السلطان طُغْرُلْبَك، فإن ظهر دخلنا بغداد، وإن كانت الأخرى نظرنا لأنفسنا، فإنّا نخشى من البَسَاسيري أن يعود فيحصرنا في بغداد. فقال له الخليفة: افعل ما فيه المصلحة، فسارا في الحادي والعشرين من ذي القعدة إلى أن حصلا بقلعة تل عُكْبَرا (١)، فلقيته رسل الملك طُغْرُلْبَك بالهدايا والتحف التي كان أنفذها إليه، وهو متشوق إليه كثيرًا، وجاءت الأخَبار بأن السلطان طُغْرُلْبَك دخل بغداد، وكان يومًا مشهودًا، غير أن الجيش نهبوا البلد سوى دار الخلافة، وصودر خلق كثير من التجار، وأُخِذت منهم أموال كثيرة وشرعوا في عمارة دار الملك، وأرسل السلطان إلى الخليفة مراكب كثيرة من أنواع الخيول وغيرها، وسرادق عظيمة وملابس سنيّة، وما يليق بالخليفة في السفر، وأرسل ذلك مع [الوزير] عميد الملك الكُنْدري، ولما انتهوا إليه أرسلوا بتلك الآلات قبل أن يصلوا إليه وقال لمن حوله: اضربوا السرادق، وليلبس الخليفة ما يليق به، ثم نجيء نحن فنستأذن عليه. فلا يأذن لنا إلا بعد ساعة طويلة، فلما دخل الوزير ومن معه قبّلوا الأرض، وأخبروه بسرور السلطان بما حصل من العود إلى بغداد، واشتياقه إليه جدًا، وأخبروا مهارشًا بشكر السلطان له، ونيته له بما ينبغي لمثله من الإكرام (٢). وكتب عميد الملك كتابًا إلى الملك يعلمه بصفة ما جرى الأمر عليه، وأحبّ أن يأخذ خطّ الخليفة في أعلى الكتاب ليكون أقرّ لعين الملك، فلم تكن عند الخليفة دواة، فأحضر الوزير دواته ومعها سيف، وقال: هذه خدمة السيف والقلم، فأُعجب الخليفة بذلك، وترحّلوا من منزلهم ذلك بعد يومين. فلمّا وصلوا إلى النّهروان خرج السلطان طُغْرُلْبَك من بغداد لتلقّيه، فلما انتهى إلى السرادق قبّل الأرض بين يدي الخليفة سبع مرات، فأخذ الخليفة مخدّة فوضعها بين يديه، فأخذها الملك فقبّلها، ثمّ جلس عليها كما أشار أمير المؤمنين، وقدَّم إلى الخليفة الحبل الياقوت الأحمر الذي كان لبني بُويه، فوضعه بين يدي الخليفة، وأخرج اثنتي عشرة حبّة من لؤلؤ كبار جدًا. وقال: أرسلان خاتون -يعني زوجة الملك- تخدم الخليفة، وتسأله أن يُسبِّح بهذه السبحة، وجعل يعتذر من تأخره عن الحضرة بسبب عصيان أخيه إبراهيم، فقتلته، واتفق موت أخي الأكبر داود، فاشتغلت بترتيب أولاده من بعده، وكنت عزمت على أن أصعد إلى الحديثة لأصون المهجة الشريفة، ولكن لمّا بلغني بحمد اللَّه أمر مولاي أمير المؤمنين الخليفة فرحت بذلك، وأنا شاكر لمهارش بما كان منه من خدمة أمير المؤمنين، وأنا إن شاء اللَّه تعالى أمضي وراء هذا الكلب البساسيري، وأقتنصه، وأعود إلى الشام، وأفعل بصاحب مصر ما ينبغي أن يجازى به من سوء المقابلة، بما كان من فعل البساسيري هاهنا؛ فدعا له الخليفة، وشكره على ذلك. كلّ ذلك بترجمة عميد المُلك بين الخليفة والملك طُغْرُلْبَك.
стр. 5997
وأعطى الخليفة للملك سيفًا كان معه، لم يبق معه من أمور الخلافة سواه، واستأذن الملك لبقيّة الجيش أن يخدموا الخليفة، فرُفعت الأستار عن جوانب الخركاه (١) فلما شاهد الأتراك الخليفة قبّلوا الأرض.
ودخل الخليفة بغداد يوم الإثنين لخمس بقين من ذي القعدة، وكان ذلك يومًا مشهودًا، الجيش كلّه معه، والقضاة والأعيان بين يديه، والملك طُغْرُلْبَك آخذٌ بلجام بغلته حتى وصل إلى باب الحجرة، ولما وصل الخليفة إلى دار ملكه، ومقرّ خلافته، استأذنه السلطان طُغْرُلْبَك في الخروج وراء البساسيري، فأذن له، وكان قد عزم على أن يمضي معه، فقال: يا أمير المؤمنين أنا أكفيك ذلك إن شاء اللَّه، وأطلق الملك لمهارش عشرة آلاف دينار فلم يرض، وشرع السلطان في ترتيب الجيوش للمسير وراء البساسيري. فأرسل جيشًا من ناحية الكوفة ليمنعوه من الدخول إلى الشام، وخرج هو في التاسع والعشرين من الشهر في بقيَّة الجيش، وأمّا البساسيري فإنَّه مقيم بواسط في جمع غلات وتمور يهيئها لقتال أهل بغداد ومن فيها من الغز (٢)، وعنده أن الملك طُغْرُلْبَك ومن معه ليسوا بشيء يُخاف منهم، وذلك لما يريده اللَّه تعالى من إهلاكه على يدي الملك طُغْرُلْبَك، جزاه اللَّه عن الإسلام خيرًا، آمين.
صفة أخذ البساسيري قبّحه اللَّه تعالى (٣)
لما سار السلطان نحوه، وصلت إليه السريّة الأولى، فلقوه بأرض واسط ومعه ابن مَزْيَد، فاقتتلوا هنالك، فانهزم أصحابه، ونجا البساسيري بنفسه على فرس، فتبعه بعض الغلمان فرمى فرسه بنشَّابة فألقته إلى الأرض، وجاء [الغلام] فضربه على وجهه ولم يعرفه، وأسره واحد منهم يقال له: كمشتكين (٤) فحزّ رأسه وحمله إلى السلطان، وأخذت الأتراك من جيش البساسيري من الأموال ما عجزوا عن حمله، ولما وصل الرأي إلى السلطان أمر أن يُذهب به إلى بغداد، وأن يُرفع على قناة، وأن يُطاف به في المحالّ و [أن يطوف معه] الدبادب، والبوقات، والنفَّاطون. وأن يخرج الناس والنساء للفرجة عليه، ففُعل ذلك، ثمّ نُصب على الطيار تجاه دار الخلافة، وللَّه الحمد والمنة.
وقد كان مع البساسيري خلق من البَغاددة خرجوا معه ظانّين أنَّه سيعود إليها محبّة فيه، فهلكوا، ونهبت أموالهم كلّها، ولم ينج من أصحابه إلا القليل، وفرَّ ابن مَزْيَد في ناس قليل إلى البطيحة، وفيمن
стр. 5998
معه أولاد البساسيري وأُمُّهم، وقد سلبتهم الأعراب، فلم يتركوا لهم شيئًا؛ فوردوا البطيحة مسلوبين محزونين، ثمّ استُؤمن لابن مَزْيَد من السلطان، ودخل معه بغداد، وقد نهبت العساكر السلطانية ما بين واسط والبصرة والأهواز، وذلك لكثرة الجيش، وانتشاره وكثافته.
وأمّا الخليفة فإنّه لما عاد إلى دار الخلافة جعل للَّه عليه عهدًا أن لا ينام على وطأ، ولا يأتيه أحد بطعامه إذا كان صائمًا، ولا يخدمه في وضوئه وغسله [أحد]، بل يتولّى ذلك بنفسه لنفسه، وعاهد اللَّه أن لا يؤذي أحدًا ممن آذاه، وأن يصفح عمن ظلمه، وكان يقول: ما عاقبت من عصى اللَّه فيك بأكثر من أن تطيع اللَّه فيه.
وفيها: ولي الملك ألب أرْسَلان بن داود جَغْريبَك بن ميكائيل بن سُلجوق بلاد خراسان (١) بعد وفاة أبيه بتقرير عمه الملك طُغْرُلْبَك، وكان له من الإخوة ثلاثة: سليمان، وقارون، وياقوت (٢)، فتزوّج طُغْرُلْبَك بام سليمان هذا، وأوصى له بالملك من بعده.
وكان في هذه السنّة بمكة رخص لم يسمع بمثله، إذ بيع البرّ والتمر كلّ مئتي رطل بدينار.
ولم يحجّ أحد من أهل العراق في هذه السنة.
وممن توفي فيها من الأعيان والمشاهير:
أرْسلان، أبو الحارث البَسَاسِيريّ التركي (٣) كان من مماليك بهاء الدولة بن عَضُدِ الدولة، وكان أولًا مملوكًا لرجل من أهل مدينة بسا فنسب إليه، فقيل له البساسيري ويلقب بالمظفَّر، ثمّ كان مقدّمًا كبيرًا عند الخليفة القائم بأمر اللَّه، لا يقطع أمرًا دونه، وخطب له على منابر العراق كلّها، ثمّ طغى وبغى وتمرّد وعتا، وخرج على الخليفة بل وعلى المسلمين، ودعا إلى خلافة الفاطميين، فتمّ له ما رامه من الأمل الفاسد، واستدرج (٤)، ثمَّ كان أجله في هذه السنة، على ما ذكرنا، وللَّه الحمد. كان دخوله بأهله إلى بغداد في سادس ذي القعدة من سنة خمسين وأربعمئة، ثمّ اتفق خروجهم منها في سادس ذي القعدة من سنة إحدى وخمسين بعد سنة هلالية كاملة. ثمّ كان خروج الخليفة من بغداد في يوم الثلاثاء الثامن عشر من
стр. 5999
كانون الأول. واتفق قتل البساسيري في يوم الثلاثاء الثامن عشر من كانون الأول بعد سنة شمسيّة، وذلك في ذي الحجة من هذه السنة.
الحسن بن أبي الفضل (١) أبو علي الشَّرْمَقَاني، المؤدَّب، المقرئ، الحافظ [للقرآن] والقراءات واختلافها.
كان ضيّق الحال فرآه شيخه ابن العلاف ذات يوم وهو يأخذ أوراق الخسّ من دجلة فيأكلها؛ فأعلم ابن المُسلمة [بحاله] فأمر غلامًا له أن يذهب إلى الخزانة التي بمسجده ليتخذ لها مفتاحًا غير مفتاحه، ثمّ كان يضع فيها كلّ يوم ثلاثة أرطال من خبز السميد، ودجاجة، وحلاوة سكر؛ فظن أبو علي الشَّرْمَقَاني أنَّ ذلك كرامة [أكرمه اللَّه بها]، وأنَّ هذا الطعام [الذي يجده في خزانته] من الجنَّة؛ فكتمه زمانًا، وجعل ينشد في غالب أوقاته:
مَنْ أطْلَعُوهُ عَلى سِرٍّ فباحَ بهِ … لمْ يَأْمَنُوهُ على الأسرارِ ما عَاشَا
[وأبْعَدُوهُ فلم يَظْفَرْ بِقُرْبِهِمُ … وأبْدَلُوهُ فكانَ الأنسُ إيحاشا]
فلما كان في بعض الأيام، ذاكره ابن العلاف في أمره، وقال [فيما قال] له: أراك قد سمنت، فما هذا الأمر وأنت رجل فقير! فجعل يلوّح ولا يصرّح، ويُكنّي ولا يُفصح، ثم [ألحّ عليه] فأخبره بأنّه يجد كلّ يوم في خزانته من طعام الجنّة ما يكفيه [وأن هذا كرامة أكرمه اللَّه بها]، فقال له: ادعُ لابن المُسلمة، فإنَّه الذي يفعل معك ذلك. وشرح له صورة الحال، فانكسر، ولم يعجبه ذلك.
علي بن محمود بن إبراهيم (٢) بن ماحُرَّة (٣) أبو الحسن الرَّوْزَني.
شيخ الصوفية، وإليه ينسب رباط الروزني، وقد كان بُني لأبي الحسن الحُصْريّ شيخه، وقد صحب أبا عبد الرحمن السُّلَميّ، وقال: صحبت ألف شيخ، وأحفظ عن كل شيخ حكاية. توفي في رمضان عن خمس وثمانين سنة.
محمد بن علي بن الفتح بن محمد بن علي (٤) أبو طالب الحَرْبيّ، المعروف بالعُشَاري، وإنَّما قيل له ذلك لطول جدّه (٥).
стр. 6000
وقد سمع الدَّارقطنيّ وغيره، وكان ثقة ديّنًا صالحًا، وكانت وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة وقد نيف على الثمانين.
الوَنّي الفرضي (١) الحسين بن محمد، أبو عبد اللَّه الوَنّي، نسبة إلى وَنّ، قرية من أعمال قهستان (٢)، الفَرَضي، شيخ الخبري -وهو أبو حكيم عبد اللَّه بن إبراهيم- كان الونّي إمامًا في الحساب والفرائض، وانتفع الناس به، توفي في هذه السنة ببغداد شهيدًا في فتنة البساسيري.
ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين وأربعمئة
في يوم الخميس السابع عشر من صفر، دخل السلطان إلى بغداد، مرجعه من واسط بعد قتل البَسَاسيري.
وفي يوم الحادي والعشرين منه جلس الخليفة بدار الخلافة وحضر الملك طُغْرُلْبَك، ومدَّ سِماطًا عظيمًا بين يديه فأكل الأمراء منه والعامّة.
ثمّ في يوم الخميس ثاني ربيع الأول، عمل الملك طُغْرُلْبَك سماطًا عظيمًا [للناس] أيضًا.
وفي يوم الثلاثاء تاسع جمادى الآخرة؛ ورد الأمير عدّة الدين أبو القاسم عبد اللَّه بن ذخيرة الدّين بن أمير المؤمنين القائم بأمر اللَّه، وجدّته وعمته وله من العمر يومئذ أربع سنين صحبة أبي الغنائم بن المحلبان؛ فتلقّاه الناس إجلالًا لجدِّه، وقد ولي هو الخلافة بعد ذلك، وهو المقتدي بأمر اللَّه.
وفي رجب وقف أبو الحسن محمد بن هلال العتَّابي دار كتب بشارع ابن أبي عوف من غربي مدينة السلام، ونقل إليها ألف كتاب عوضًا عن دار كتب أزدشير التي احترقت بالكرخ.
وفي شعبان ملك محمود بن نصر حلب وقلعتها، فامتدحه الشعراء.
وملك عطيّة بن صالح بن مرداس الرحبة، وذلك كلّه يُنْتَزَعُ من أيدي الفاطميين.
وفيها: عاد الملك طُغْرُلْبَك إلى الجبل، وعقد بغداد على العميد بمئة ألف ديار في السنة، ولسنتين بعدها بثلاثمئة ألف دينار، فشرع العميد في عمارة الكرخ وأسواقه.
стр. 6001
ولم يحجّ أحد من أهل العراق في هذه السنة، غير أن جماعة اجتمعوا إلى الكوفة وذهبوا مع طائفة من الخفر.
وممن توفي فيها من الأعيان:
باي بن جعفر بن باي أبو منصور الجيْلي (١).
من تلامذة الشيخ أبي حامد، ولي القضاء بباب الطاق، وبحريم دار الخلافة، وسمع الحديث من جماعة.
قال الخطيب (٢): وكتبنا عنه، وكان ثقة رحمه اللَّه تعالى.
الحسن بن محمد بن أبي الفضل (٣) أبو محمد النَّسَوي (٤) الوالي.
سمع الحديث، وكان ذكيًا في صناعة الولاية (٥) ومعرفة التُّهَم [والمتهومين] من بين الغرماء بلطف من الصنيع، كما نُقل عنه أنه وقف بين يدي جماعة اتهموا بسرقة، فأتي بكوز ليشرب منه فرمى به، فانزعج الواقفون إلا واحدًا، فأمر به أن يقرر، وقال: السارق يكون جريئًا قويًا فوجد الأمر كذلك. وقد قتل مرةً واحدًا، وضرب بين يديه، فادُّعي عليه عند القاضي أبي الطيِّب الطبري فحكم عليه بالقصاص، ثمّ فادى عن نفسه بمال جزيل حتى خلص من القتل.
محمد بن عُبيد اللَّه بن أحمد بن محمد بن عُمْروس (٦) أبو الفضل البزار.
انتهت إليه رئاسة الفقهاء المالكيين ببغداد، وكان من القرّاء المجوّدين، وأهل الحديث المُسندين، سمع ابن حَبابة، والمُخَلِّص، وابن شاهين. وقد قبل شهادته أبو عبد اللَّه الدّامغاني، فكان أحد المعدَّلين.
стр. 6002
قَطْرُ النَّدَى (١) ويقال: بَدْرُ الدُّجى، ويقال: علم، أمُّ الخليفة القائم بأمر اللَّه، كانت عجوزًا كبيرة، وقد بلغت التسعين سنة، وكانت أرمنية، وفد احتاجت في زمان البساسيري، وألجأتها الحاجة، حتى كتبت إليه رقعة تشكو فقرها وحاجتها، فأجرى عليها رزقًا، وأخدمها جاريتين، وهذا كان من أحسن ما صنع، ثمّ لم تمت حتى أقرّ اللَّه عينها بولدها، وأهله، ورجوعهم إلى دار الخلافة على ما كانوا عليه، ثمّ توفيت في رجب من هذه السنة، فحضر الخليفة جنازتها، وكانت حافلة جدًا. رحمها اللَّه تعالى وأكرم مثواها.
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وأربعمئة
فيها: خطب الملك طُغْرُلْبَك ابنة الخليفة، فانزعج من ذلك، وقال: هذا شيءٌ لم تجر العادة بمثله. ثمّ طلب أشياء كثيرة، كهيئة المُبْعِدِ له من ذلك. وهو ما كان لزوجته التي توفيت من الإقطاعات بأرض واسط، وصداق ثلاثمئة ألف دينار، وأن يقيم الملك ببغداد لا يترحّل عنها، ولا يحيد عنها يومًا أبدًا، فوقع الاتفاق على بعض ذلك، وأرسل إليها بمئة ألف دينار مع ابنة أخيه داود، زوجة الخليفة أرسلان خاتون، وأشياء كثيرة من آلات الذهب والفضة، والنثار، والجواري، والكراع، ومن الجواهر ألفان ومئتا قطعة، من ذلك سبعمئة وعشرون قطعة من جوهر، وزن كلّ واحدة ما بين الثلاثة مثاقيل إلى المثقال، وأشياء كثيرة، فتمنّع الخليفة لفوات بعض الشروط، فغضب عميد الملك [الوزير] الكُنْدري لمخدومه [السلطان]، وجرت شرور طويلة اقتضت أن أرسل السلطان كتابًا يأمر فيه بانتزاع ابنة أخيه السيدة أرسلان خاتون، ونقلها من دار الخلافة إلى دار الملك حتى تنفصل هذه القضيّة، وعزم الخليفة على النقلة من بغداد، وأصلح الطيّار، فانزعج الناص لذلك، وجاء كتاب السلطان إلى [رئيس] شحنة بغداد برشق (٢) يأمره بعدم المراقبة، وكثرة العسف في مقابلة ردّ أصحابنا بالحرمان، وعزم على نقلة الخاتون إلى دار المملكة ليرسل من يحملها إلى البلدة التي هو فيها، وكلّ ذلك غضب على الخليفة؛ فإنّا للَّه وإنا إليه راجعون.
قال ابن الجوزي (٣): وفي رمضان رأى إنسان من الزّمنى رسول اللَّه ﷺ في المنام وهو قائم، ومعه ثلاثة أنفس، فجاء إليه أحدهم فقال له: ألا تقوم. فقال: لا أستطيع، أنا رجل مقعد. فأخذ بيده وقال: قم، فقام، وانتبه؛ فإذا هو بريء، وأصبح يمشي في حوائجه.
стр. 6003
وفي ربيع الآخر استوزر الخليفة أبا الفتح منصور بن أحمد بن دارست الأهوازي، وخلع عليه، وجلس في مجلس الوزارة.
وفي جمادى الآخرة لليلتين بقيتا منه، كسفت الشمس كسوفًا عظيمًا، جميع القرص غاب فمكثت أربع ساعات، حتى بدت النجوم، وآوت الطيور إلى أوكارها وتركت الطيران وذلك لشدة الظّلمة.
وفيها: وَلِيَ [أبو تميم] إبراهيم بن معزّ (١) بن باديس بلاد إفريقية بعد وفاة أبيه صاحبها.
وفيها: ولي نصر بن نصر الدولة أحمد بن مروان الكردي ديار بكر بعد أبيه أيضًا.
وفيها: ولي سيف الدولة بن قريش بن بدران بلاد الموصل ونصيبين بعد أبيه.
وفيها: خُلع على طِراد بن محمد الزَّيْنَبي الملقَّب بالكامل، وولي نقابة العباسيين، وخُلع على أسامة بن أبي عبد اللَّه بن علي، وقلّد نقابة (٢) الطالبيين، ولقِّب بالمرتضى.
وفيها: ضمن أبو إسحاق إبراهيم بن علان اليهودي ضياع الخليفة من صرصر إلى أوانا، كلّ سنة بستة وثمانين ألف دينار، وسبعة عشر ألف كُرٍّ من غلّة.
ولم يحجّ أحدٌ من أهل العراق في هذه السنة.
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان:
أحمد بن مروان (٣) أبو نصر الكردي، صاحب بلاد بكر، وميّافارِقين، لقبه القادر باللَّه نصر الدولة.
ملك هذه البلاد ثنتين وخمسين سنة، وتنعّم تنعّمًا لم يقع لأحد من أهل زمانه ولا أدركه فيه أحد من بعده [من أقرانه]. كان عنده خمسمئة سرِّيّة، سوى من يخدمهن، وعنده خمسمئة خادم. وعنده من المغنّيات شيءٌ كثير، كل واحدة مشتراها خمسة آلاف دينار وأكثر، وكان يحضر في مجلسه من الآلات والأواني ما يساوي مئتي ألف دينار، وتزوّج بعدة من بنات الملوك.
وكان كثير المهادنة للملوك، إذا قصده عدوّ أرسل إليه بمقدار ما يغرمه على حربه، ويصالحه بذلك، فيرجع عنه.
وقد أرسل إلى الملك طُغْرُلْبَك بهديّة عظيمة حين ملك العراق، من ذلك جَبَل (٤) من ياقوت كان يكون
стр. 6004
لبني بويه، اشتراه بمقدار عظيم، وبعث إليه بمئة ألف دينار عينًا، وغير ذلك. وزر له أبو القاسم المغربي مرتين، ووزر له أيضًا أبو نصر محمد بن محمد بن جَهِيْر فخر الملك، وكانت بلاده من آمن البلاد وأطيبها، وأكثرها عدلًا. وقد بلغه أن الطيور تتنجع في الشتاء [فتخرج] من الجبال إلى القرى فيصطادها الناس، فأمر بفتح الأهراء (١) وإلقاء ما يكفيها من الغلات مدّة الشتاء. فكانت تكون في ضيافته طول [الشتاء مدة] عمره، وكانت وفاته في هذه السّنة وقد قارب الثمانين أو جاوزها.
وقال ابن خلِّكان (٢): قال ابن الأزرق في "تاريخه": إنّه لم يصادر أحدًا من رعيته سوى رجل واحد، ولم تفته صلاة مع كثرة مباشرة اللّذات، كانت له ثلاثمئة وستون حظيّة يبيت عند كلِّ واحدة ليلة من السّنة، وخلّف أولادًا كثيرة، ولم يزل على ذلك الحال إلى أن توفي في التاسع والعشرين من شوال هذه السنة، رحمه اللَّه تعالى.
ثم دخلت سنة أربع وخمسين وأربعمئة
فيها: وردت الكتب الكثيرة من الملك طُغْرُلْبَك تشكو قلّة إنصاف الخليفة، وعدم موافاته بما أسداه إليه من الخدم والنّعم إلى الملوك بالأطراف، وقاضي القضاة ابن الدّامغاني؛ فلمّا رأى الخليفة ذلك، وأن الملك قد أرسل إلى نوّابه بالحوطة على أملاك الخليفة، وقد انزعج لذلك، كتب إلى الملك طُغْرُلْبَك يجيبه إلى ما سأل، فلما وصل ذلك إلى طُغْرُلْبَك فرح بذلك فرحًا شديدًا، وأرسل إلى نوّابه أن يطلقوا الأملاك الخليفيّة، فلما انتهت الركابية بذلك إلى بغداد، دقت البشائر بدار الخلافة، وطيف بالركابيّة بين أيديهم الدبادب والبوقات، وفرح الناس بإجابة الخليفة إلى ذلك (٣)، واتفقت الكلمة [بعد أن كادت تتفرق]، فوكل الخليفة في العقد، وكتب بذلك وكالة، ثمّ وفع العقد بمدينة تبريز بخضرة الملك طُغْرُلْبَك، وعمل سماطًا عظيمًا، ولما جيء بالوكالة قام لها الملك، وقبَّل الأرض عند رؤيتها [ودعا للخليفة دعاءً كثيرًا]، ثمّ أوجب العقد على صداق أربعمئة ألف دينار، وكثر دعاء الناس للخليفة، وذلك في يوم الخميس الثالث عشر من شعبان من هذه السنة. ثم بعثت ابنة أخيه الخاتون أرسلان زوجة الخليفة في شوال بتحف عظيمة، وذهب كثير، وجواهر عديدة ثمينة، وهدايا عظيمة، لأمّ العروس وأهلها كلِّهم، وقال الملك للناس جهرة: أنا عبدٌ قِنّ للخليفة ما بقيت، لا أملك شيئًا سوى ما عليّ من الثياب.
стр. 6005
وفيها: عزل الخليفة وزيره، واستوزر أبا نصر محمد بن محمد بن جَهِير، استقدمه من ميَّافارقين.
وفيها: عمَّ الرخص جميع الأرض، حتى بيع بالبصرة كل ألف رطل تمر بثمان قراريط [ولم يحجّ فيها أحد]. واللَّه أعلم.
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان:
ثِمال بن صالح (١) معزّ الدولة صاحب حلب.
كان كريمًا حليمًا وقورًا. ذكر ابن الجوزي: أنّ الفرّاش تقدّم إليه ليغسل يده فصدمت بلبلة الإبريق ثنيته فسقطت في الطست، فعفا عنه، رحمه اللَّه تعالى.
الحسن بن علي بن محمد (٢) [أبو محمد]، الجوهري.
ولد في شعبان سنة ثلاث وستين وثلاثمئة، وسمع الحديث على جماعة، وتفرّد بمشايخ كثيرة منهم: أبو بكر بن مالك القطيعي، وكان آخر من حدّث عنه، توفي في ذي القعدَة منها.
الحسين بن أبي زيد (٣) أبو علي الدَّباغ قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول اللَّه: ادعُ اللَّه أن يحييني على الإسلام، فقال: وعلى السنة، وعلى السنّة، وعلى السنّة، رحمه اللَّه تعالى.
سعد بن محمد بن منصور (٤) أبو المحاسن الجُولَكى (٥)، كان من الرؤساء القدماء، وجّه رسولًا إلى الملك محمود بن سُبُكْتكين في حدود سنة عشر، وكان من الفقهاء العلماء تخرّج به جماعة، وروى عن جماعة الحديث. وعقد له مجلس النظر ببلدان كثيرة، وقُتل ظلمًا بإستراباذ في رجب من هذه السنة، رحمه اللَّه تعالى وإيّانا بمنّه وكرمه.
ثم دخلت سنة خمس وخمسين وأربعمئة
فيها: دخل السلطان طُغْرُلْبَك بغداد، وعزم الخليفة على تلقّيه، ثمّ ترك ذلك، وأرسل وزيره أبا نصر عوضًا عنه، وكان من جش الملك أذيّة كثيرة للناس في الطريق، وتعرّض للحريم،
стр. 6006
حتى أنّهم هجموا على النساء في الحمامات، فخلصهنّ منهم العامّة بعد جهد جهيد.
دخول الملك طُغْرُلْبَك على بنت الخليفة
لما استقرّ الملك طُغْرُلْبَك ببغداد، أرسل وزيره عميد الملك إلى الخليفة يطالبه بنقل السيدة من الدار العزيزة النبويّة إلى دار المملكة، فتمنّع الخليفة من ذلك وقال: إنّكم إنّما سألتم أن يعقد العقد فقط لحصول التشريف، والتزمتم لنا بعدم المطالبة بها، فتردد [الناس] في ذلك، بين الخليفة والملك، وأرسل الملك زيادة على النقد مئة ألف دينار، وخمسين ألف درهم (١)، وتحفًا أخر، وأشياء لطيفة، فلما كان ليلة الإثنين الخامس عشر من صفر من هذه السنة زُفّت السيدة ابنة الخليفة إلى دار المملكة، فضربت لها السرادقات من دجلة إلى دار المملكة، وضربت الدبادب والبوقات عند دخولها دار المملكة، وكانت ساعة عظيمة، [فلما دخلت] جلست على سرير مكلّل بالذهب، وعلى وجهها برقع، ودخل الملك طُغْرُلْبَك فوقف بين يديها، وقبّل الأرض ولم تقم له [ولم تره] ولم يجلس حتى انصرف إلى صحن الدار، والحجَّاب والأتراك يرقصون هناك فرحًا وسرورًا، وبعث لها مع الخاتون أرسلان ابنة أخيه زوجة الخليفة عقدين فاخرين، وقطعة ياقوت حمراء كبيرة هائلة، ودخل من الغد فقبّل الأرض، وجلس على سرير مكلّل بالفضة بإزائها ساعة ثمّ خرج، وأرسل إليها جواهر كثيرة ثمينة، وفرجيّة (٢) نسيج مكلّلة باللؤلؤ، وما زال كذلك كلّ يوم يدخل، ويقبّل الأرض، ويجلس على السرير بإزائها، لمّ يخرج فيبعث التحف والهدايا، ولم يكن منه إليها شيء، ويمدّ في كلّ يوم من هذه الأيام السبعة سماطًا عظيمًا، وخلع يوم السابع على جميع الأمراء. ثمّ عرض له سفر، واعتراه مرض، فاستأذن الخليفة في الانصراف بالسيدة معه إلى تلك البلاد مدّة قريبة، ثمّ يعود بها، فأذن بها الخليفة بعد تمنّع شديد، وحزن عظيم، فخرج بها معه، وليس معها من دار الخلافة سوى ثلاث نسوة برسم خدمتها، وتألَّمت والدتها لفقدها ألمًا عظيمًا جدًا لا يُعبَّر عنه، وخرج السلطان وهو مريض مدنف مأيوس منه، مثقل لا ترجى منه العافية.
فلمّا كانت ليلة الأحد الرابع والعشرين من رمضان جاء الخبر بأن الملك طُغْرُلْبَك توفي في ثامن الشهر رحمه اللَّه تعالى. فثارت العيّارون بهمَذان، فقتلوا العميد والشحنة وسبعمئة من أصحابه، ونهبوا الأموال، وجعلوا يأكلون ويشربون على القتلى نهارًا حتى انسلخ الشهر لعنهم اللَّه وقبّحهم. وأخذت البيعة بعده لولد أخيه سليمان بن داود، وكان طُغْرُلْبَك قد نصّ عليه، وأوصى إليه، لأنّه كان تزوّج بأمّه بعد أبيه، واتفقت الكلمة [عليه] وأنفقت في الأمراء والأتراك الأموال والخلع، ولم يبق عليهم خوف إلا من
стр. 6007
جهة أخي سليمان وهو الملك عضد الدولة ألب آرسلان محمد بن داود، فإن الجيش كانوا يميلون إليه، ويقبلون عليه، وقد خطب له أهل الجبل ومعه لنظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق وزيره، ولما رأى الكُنْدري قوة أمره خطب له بالريّ، ثمّ من بعده لأخيه سليمان بن داود. وقد كان الملك طُغْرُلْبَك عاقلًا حليمًا، كثير الاحتمال، شديد الكتمان للسرّ، محافظًا على الصلوات، وعلى صوم الإثنين والخميس، مواظبًا على لبس البياض، وكان عمره يوم مات سبعين سنة، ولم يترك ولدًا، وكان مدة ملكه بحضرة القائم بأمر اللَّه سبع سنين وأحد عشر شهرًا واثني عشر يومًا، ولما مات اضطربت الأحوال وانتفضت الأمور بعده جدًا، وعاثت الأعراب في سواد بغداد وأرض العراق ينهبون الأموال ويشلّحون الرجال، وتعذّرت الزراعة إلا على المخاطرة، فانزعج لذلك الناس.
وفيها: كانت زلزلة عظيمة بواسط وأرض الشام، فهدمت قطعة من سور طرابلس.
وفيها: وقع مُوتان بالجدريّ والفجأة، ووقع بمصر وباءٌ شديد، كان يخرج منها في كلّ يوم ألف جنازة.
وفيها: ملك الصُّلَيحي صاحب اليمن مكّة، وجلب الأقوات إليها، وأحسن إلى أهلها.
وفي أوائل هذه السنة طلبت الست أرسلان خاتون زوجة الخليفة النقلة من عنده إلى عمّها، وذلك لمّا هجرها بالكليّة وبارت عنده، فبعثها الخليفة مع الوزير الكُنْدَري، فلمَّا وصلت إلى عمّها كان مريضًا مدنفًا مثقلًا، فأرسل إلى الخليفة يعتب عليه في تهاونه بها، فكتب إليه الخليفة يقول ارتجالًا:
ذهبتْ شِدَّتي وولّى الغرامُ … وارتجاعُ الشّبابِ مَا لا يُرامُ
أذهبَتْ مني اللّيالي جَديدًا … واللّيالي يَضعُفْن والأيامُ
فَعَلى ما عَهدتُهُ من شبابي … وعلى الغَانياتِ منّي السلامُ
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان:
زهير بن الحسن بن علي (١) بن خدام أبو نصر الخِدامي (٢).
ورد بغداد، فتفقّه على الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وسمع بالبصرة "سنن أبي داود" على القاضي أبي عمر، وحدّث بالكثير، وكان يُرجع إليه في الفتاوى وحلّ المشكلات. كانت وفاته بسرخس في هذه السنة.
стр. 6008
سعيد بن مروان صاحب آمد (١).
يقال: إنّه سُمّ، فانتقم سعيد صاحب ميّافارقين ممن سمّه، فقطّعه قطعًا.
الملك الكبير أبو طالب محمد بن ميكائيل بن سُلْجوق بن تقاق (٢)، الملقب طُغْرُلْبَك (٣).
وكان أول ملوك السَّلاجقة، وكان خيِّرًا مُصلّيًا محافظًا على الصلوات في أوقاتها يديم صيام الإثنين والخميس، حليمًا عمن أساء إليه، كتومًا للأسرار، سعيدًا في حركاته وتقلّباته، ملك في أيام محمود بن سُبُكْتِكين عامة بلاد خراسان، واستناب أخاه داود، وأخاه لأمّه إبراهيم ينّال، وأولاد إخوته على كثير من البلاد، ثمّ استدعاه الخليفة لملك العراق حين فسد الحال ببغداد من البساسيري، وضعف الملك الرحيم؛ فقدمها، وجلس له الخليفة، وخَلَعَ عليه سبع خلع، ولقّبه بملك المشرق والمغرب، ثمّ اشتغل بقتال أخيه إبراهيم حين كان من أمر البساسيري ما ذكرناه، ثمّ ظفر بأخيه إبراهيم فقتله، ثمّ عاد إلى بغداد فاستعادها وأعاد الخليفة من حديثة عانة إلى دار خلافته، ومقرّ سعادته، ثمّ سعى في التزويج ببنت الخليفة فتزوجها بعد تمنّع من الخليفة، ودخل بها في هذه السنة، ففرح كما ذكرنا، ولكنه لم يمتع بها، فإنّه عرض له مرض متلف، واستمر به حتى كانت وفاته في ثامن شهر رمضان من هذه السنة، وله من العمر سبعون سنة، وكان له في الملك مدة ثلاثين سنة، منها في مملكة العراق ثماني سنين إلا ثمانية عشر يومًا.
ثم دخلت سنة ست وخمسين وأربعمئة
فيها: قبض السلطان ألْب آرسلان على وزير عمّه عميد الملك الكُنْدري، وسجنه في بعض القلاع سنة، ثمّ أرسل إليه من قتله، واعتمد في الوزارة على نظام الملك، وكان وزير صدق، يكرم العلماء والفقراء. ولما عصى الملك شهاب الدولة قتلمش، وخرج عن الطاعة، وطمع في أخذ الملك من ألب
стр. 6009
أرسلان، وكان من بني عم طُغْرُلْبَك، فجمع وحشد واحتفل له، وخاف منه ألب أرسلان؛ قال له الوزير: أيها الملك لا تخف، فإني قد استخدمت لك جندًا ليليًّا [ما بارزوا عسكرًا إلا كسروه كائنًا ما كان. فقال له الملك: من هم؟ قال: جند] يدعون لك وينصرونك بالتوجّه في صلواتهم وخلواتهم، وهم العلماء [والفقراء] والصلحاء، فطابت نفسه بذلك، وحين التقى مع قتلمش لم ينتظره أن كسره، وقتل خلقًا من جنوده، وقتل قتلمش في المعركة، واجتمعت الكلمة على ألب أرْسلان.
وفيها: أرسل ولده ملك شاه، ووزيره نظام الملك هذا في جنود عظيمة إلى بلاد الكَرَج (١) ففتحوا حصونًا كثيرة، وغنموا أموالًا جزيلة جدًا، وفرح المسلمون بنصرهم، وكتب كتاب ولده على ابنة الخان الأعظم صاحب ما وراء النهر، وزفت إليه، وزوج ولده بابنة صاحب غزنة، واجتمع شمل البيتين السلجوقيّ والمحمودي.
وفيها: أذن ألْب أرْسلان للسيدة ابنة الخليفة في الرجوع إلى بغداد، وأرسل معها بعض القضاة والأمراء، فدخلت بغداد في تجمّل عظيم، وخرج الناس للنظر إليها، فدخلت ليلًا في أبَّهة عظيمة، ففرح الخليفة وأهلها بذلك، وأمر الخليفة بالدعاء للملك ألبْ أرْسلان على المنابر في الخطب. فقيل في الدعاء: اللهمّ وأصلح السلطان المعظّم عَضُد الدولة، وتاج الملّة أرْسَلان أبا شجاع محمد بن داود. وجلس الخليفة للناس جلوسًا عامًا، وبايعهم للملك ألْب أرْسَلان، وأرسل إليه بالخلع والتقليد مع الشريف نقيب العباسيين طِراد بن محمد الزَّيْنَبي، وأبي محمد التميمي، وموفق الخادم، ولقب الوزير نظام المُلْك: قِوامُ الدين والدولة رضى أمير المؤمنين، وإئما كان يقال له قبل ذلك: خواجه بررك. وأرسل الملك ألْب أرْسَلان بالهدايا العظيمة، والتحف النفيسة المفتخرة، واستقرّ أمره على بغداد وجميع بلاد العراق.
قال ابن الجوزي (٢): وفي ربيع الأول شاع ببغداد أن قومًا من الأكراد خرجوا يتصيدون، فرأوا في البريَّة خيمًا سودًا، وسمعوا فيها لطمًا شديدًا، وعويلًا كثيرًا، وقائلًا يقول: قد مات سيدوك (٣) ملك الجنْ، وأيّ بلد لم يلطم به عليه، ولم يقم له مأتم فيه، قلع أصله، وأهلك أهله. قال: فخرج النساء العواهر من حريم بغداد إلى المقابر يلطمن ثلاثة أيام، ويخرّقن ثيابهن، وينشرن شعورهن، وخرج رجال من السّفهاء يفعلون ذلك. وفُعل هذا في واسط وخوزستان وغيرها من البلاد، قال: وكان هذا من الحمق لم ينقل مثله.
стр. 6010
قال ابن الجوزي (١): في يوم الجمعة ثاني عشر شعبان هجم قوم من أصحاب عبد الصمد على أبي علي [بن الوليد] المدرّس للمعتزلة، فسبّوه، وشتموه لامتناعه من الصلاة في الجامع، وتدريسه لهذا المذهب، وأهانوه، وجزوه، ولُعنت المعتزلة بجامع المنصور، وجلس أبو سعد بن أبي عمامة (٢) فلعن المعتزلة قبَّحهم اللَّه تعالى.
وفي شوال ورد الخبر بأن السلطان غزا بلدًا عظيمًا فيه سبعمئة ألف دار، وألف بيعة [ودير] وقتل منهم خلقًا كثيرًا، وأسر خمسمئة [ألف] إنسان.
وفي ذي القعدة حدث وباء عظيم ببغداد وغيرها من بلاد العراق، وغلت أسعار الأدوية التي يُتداوى بها، وعدم الشيرخشك (٣)، وقل التمرهندي، وزاد الحرّ في تشارين، وفسد الهواء.
وفي هذا الشهر خلع على أبي الغنائم المعمّر بن محمد بن عبيد اللَّه العلوي في بيت النوبة بنقابة الطالبيين و [ولاية] الحجِّ والمظالم، ولقّب بالطاهر ذي المناقب، وقرئ تقليده بالموكب، وحجّ بالناس في هذه السنة.
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان:
الإمام الحافظ العلامة أبو محمّد (٤) علي بن أحمد بن سعيد بن حَزْم بن غالب بن صالح بن خلف بن مَعْدان (٥) بن سفيان بن يزيد مولى يزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموي.
أصل جدِّه يزيد هذا فارسيّ أسلم. وخلفٌ المذكور أول من دخل منهم بلاد المغرب، وكانت بلدتهم قرطبة، فولد ابن حَزْم هذا بها في سلخ رمضان من سنة أربع وثمانين وثلاثمئة، فقرأ القرآن، واشتغل بالعلوم [النافعة] الشرعية، فبرّز فيها، وفاق أهل زمانه، وصنّف الكتب المفيدة الشهيرة، فيقال: إنه صنف أربعمئة مجلّد من تصنيفه في قريب من ثمانين ألف ورقة.
стр. 6011
وكان أديبًا، طبيبًا، شاعرًا، فصيحًا، له في الطب والمنطق اليد العالية. وكان من بيت وزارة ورياسة، ووجاهة ومال وثروة، وكان مصاحبًا للشيخ أبي عمرو بن عبد البَرّ النمري، ومناوئًا للشيخ أبي الوليد سُليمان بن خَلَف الباجي، وقد جرت بينهما مناظرات يطول شرحها. وكان أبو محمد بن حزم كثير الوقيعة في العلماء الذين يخالفون الأحاديث الصحيحة بلسانه وقلمه أيضًا، فأورثه ذلك حقدًا في قلوب أهل زمانه، فما زالوا به حتى بغّضوه إلى ملوكهم، فطردوه عن بلاده، حتى كانت وفاته في قرية له في ثاني شعبان من هذه السنة، وقد جاوز السبعين (١)، والعجب كلّ العجب أنه كان ظاهريًا [حائرًا] في الفروع، لا يقول بشيء من الأقيسة لا الجليّة ولا غيرها، [وهذا الذي وضعه عند العلماء، وأدخل عليه خطأ كبيرًا في نظره وتصرّفه]، وكان مع هذا من أشدّ الناس تاويلًا في باب الأصول [وآيات الصفات، وأحاديث الصفات]، لأنّه كان قد تضلّع أولًا من علم المنطق، أخذه عن محمد بن الحسن المَذْحِجي الكتاني القرطبي، ذكره ابن ماكولا وابن خلِّكان [ففسد بذلك حاله في باب الصفات]، رحمه اللَّه تعالى.
عبد الواحد بن علي بن بَرْهان [بن] علي بن هانئ أبو القاسم النحويّ (٢).
كان شرس الأخلاق جدًا، ولم يلبس سراويل قط، ولا غطّى رأسه، ولم يقبل عطاء لأحد، وذُكر عنه: أنَّه كان يقبّل المرد في غير ريبة.
قال ابن عقيل: وكان يختار مذهب مرجئة المعتزلة، وينفي خلود الكفار [في النار] ويقول: دوام العقاب في حقّ من لا يجوز عليه التشفي لا وجه له مع ما وصف اللَّه به نفسه من الرحمة، ويتأوّل قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٩] أيّ أبدًا من الآباد.
قال ابن الجوزي (٣): وقد كان ابن بَرْهان يقدح في أصحاب أحمد، ويخالف اعتقاده اعتقاد المسلمين، لأنّه قد خالف الإجماع في عدم خلود الكفار، فكيف يُقبل كلامه، توفي هذا العام وقد نيف على الثمانين.
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وأربعمئة
فيها: سار جماعة [من العراق] للحج بخفارة، فلم يمكنهم المسير، فعدلوا إلى الكوفة، ورجعوا.
стр. 6012
وفي ذي الحجة فيها: شرع في بناء المدرسة النظامية ببغداد، ونقض لأجلها دور كثيرة بين مشرعة الزوايا وباب البصرة.
وفيها: كانت حروب كثيرة بين تميم بن المعز بن باديس وأولاد حمّاد، والعرب، والمغاربة، بصنهاجة وزناتة.
وحجّ بالناس من بغداد النقيب أبو الغنائم.
وفيها: كان مقتل عميد الملك الكُنْدري (١)، وهو منصور بن محمد (٢) أبو نصر وزير طُغْرُلْبَك، وقد كان مسجونًا سنة تامة، ولمّا قُتِل حُمِل فدفن عند أبيه بقرية كُنْدُر من عمل طُرَيْثيث، وليست بكندر التي بالقرب من قزوين (٣)، واستحوذ السلطان على أمواله وحواصله، وقد كان ذكيًّا فصيحًا شاعرًا، لديه فضائل جمّة، حاضر الجواب، سريعه، ولما أرسل الملك طُغْرُلْبَك إلى الخليفة يخطب إليه ابنته، امتنع الخليفة من ذلك أشدّ الامتناع، وأنشد متمثلًا بقول المتنبي:
ما كل ما يتمنى المرءُ يُدْركه
فتمَّمه الوزير:
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
فسكت الخليفة وأطرق. وكان عمر الكُنْدُري حين قُتل نيّفًا وأربعين سنة. ومن شعره الجيّد قوله:
إنْ كان بالناس ضِيقٌ عن مُنَافَستي … فالموتُ قد وسَّعَ الدُّنيا على النَّاسِ
مضيتُ والشَّامتُ المغبونُ يَتْبَعُني … كُلٌّ لكاسِ المنَايا شاربٌ حاسِي
وقد كان الملك طُغْرُلْبَك بعثه مرة ليخطب له امرأة خوارزم شاه، فتزوّجها هو؛ فخصاه وأقرّه على عمله، فدفن ذكره بخوارزم، وتسفّح دمه حين قتل بمرو الرّوذ، ودفن جسده بكُنْدُر، وحمل رأسه فدفن بنيسابور، ونقل قحف رأسه إلى كرمان. [وأنا أشهد أن اللَّه جامع الخلائق إلى ميقات يوم معلوم، أين كانوا وحيث كانوا، وعلى أيّ صفة كانوا، ].
стр. 6013
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وأربعمئة
في يوم عاشوراء أغلق أهل الكرخ دكاكينهم، وأحضروا نساءً فَنُحنَ على الحسين كما جرت به سالف عادات بدعهم المتقدمة [المخالفة]، فحين وقع ذلك أنكرته العامة، وطلب الخليفة أبا الغنائم نقيب الطالبيين، وأنكر ذلك عليه، فاعتذر بأنَّه لم يعلم بذلك، وأنّه حين علم به أزاله، وتردد أهل الكرخ إلى الديوان يعتذرون من ذلك، ويتنصَّلون منه، وخرج التوقيع بكفر من يسبّ الصحابة، ويظهر البدع.
قال ابن الجوزي (١): وفي ربيع الأول ولد بباب الأزَجّ صبيّة لها رأسان ووجهان ورقبتان وأربع أيدي على بدن كامل ثمّ ماتت.
قال: وفي جمادي الآخرة كانت زلزلة بخراسان لبثت أيامًا ثم تصدّعت منها الجبال، وأهلكت جماعة، وخسفت بِعدَّة قرى، وخرج الناس إلى الصحراء، وأقاموا هنالك.
ووقع حريق بنهر مُعَلّى من بغداد، فأحرق مئة دكان وثلاث دور، وذهب للنّاس شيء كثير، ونهب الناس بعضهم بعضًا.
قال ابن الجوزي: وفي شعبان وقع قتال في دمشق، فضربوا دارًا كانت مجاورة للجامع بالنار، فاحترق جامع دمشق. كذا قال ابن الجوزي. والمشهور أن حريق جامع دمشق، إنّما كان [في ليلة النصف من شعبان] في سنة إحدى وستين وأربعمئة بعد ثلاث سنين. وأن غلمان الفاطميين اقتتلوا مع غلمان العباسيين فألقيت نار بدار الإمارة -وهي الخضراء- فاحترقت وتعدّى حريقها إلى أن وصل إلى الجامع فسقطت سقوفه و [بادت] زخرفته و [تلف] رخامه، ولقي كأنّه خرابة، وبادت الخضراء فصارت كومًا من تراب بعدما كانت في غاية الإحكام والإتقان، وطيب الغناء و [نزهة المجالس] وحسن البناء [والمنظر]، فهي إلى يومنا هذا لا يسكنها لرداءة مكانها إلا سفلة الناس وسُقَّاطهم بعدما كانت دار [الخلافة و] الملك والإمارة منذ أسسها معاوية بن أبي سفيان رحمه اللَّه تعالى، وأمّا الجامع [الأموي] فإنّه لم يكن على وجه الأرض بناءٌ أحسن منه إلى أن احترق فبقي خرابًا مدة طويلة، ثمّ شرع الملوك في تجديده وترميمه، حتى بُلِّط في زمان العادل أبي بكر [بن أيوب]، ولم يزالوا في تحسيبن معالمه إلى زماننا هذا، فتماثل حاله وهو بالنسبة إلى حاله الأول [كلا شيء] ولا زال التحسين فيه إلى هذه الأيام التي وليها الأمير سيف الدين تنكُز عبد اللَّه النّاصري، في حدود سنة ثلاثين وسبعمئة وما قبلها وما بعدها بيسير، ﵀.
стр. 6014
وفيها: رخصت الأسعار ببغداد رخصًا بيِّنًا، ونقصت دجلة نقصانًا ظاهرًا.
وفيها: أخذ الملك ألْب آرْسلان العهد من بعده لولده، ومشى بين يديه بالغاشية، والأمراء بين يديه يتماشون بالخلع، وكان يومًا مشهودًا. وحجّ بالناس في هذه السنة نور الهدى أبو طالب الحسين بن نظام الحضرتين أبي الحسن محمد بن الزَّيْنَبي، وجاور بمكة هذه السنة.
وممن توفي فيها من الأعيان:
الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد اللَّه بن موسى البَيْهقيّ (١).
أحد الحفاظ الكبار، ومن له التصانيف التي سارت بها الركبان في سائر الأمصار والأقطار. ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمئة. وكان واحد زمانه في الإتقان والحفظ والتصنيف، فقيهًا، محدِّثًا، أصوليًا، أخذ العلم عن الحاكم أبي عبد اللَّه النيسابوري، وسمع على غيره شيئًا كثيرًا، وجمع أشياء كثيرة نافعة جدًا، لم يُسبَق إلى مثلها، ولا يدرك فيها، من ذلك كتاب "السنن الكبير"، و"نصوص الشافعي" كلٌّ في عشرة مجلدات. و"السنن والآثار" و"المدخل" و"الآداب"، و"شعب الإيمان" و"الخلافيات"، و"دلائل النبوة" أو "البعث والنشور"، وغير ذلك من المصنّفات الكبار والصغار المفيدة التي لا تسامى ولا تدانى، وكان زاهدًا متقللًا، كثير العبادة والورع، رحمه اللَّه تعالى، وكانت وفاته بنيسابور، ونقل تابوته إلى بَيْهق في جمادى الأولى من هذه السنة.
الحسن بن غالب (٢) بن علي بن غالب بن منصور بن صعلوك أبو علي التميمي، ويعرف بابن المبارك المقرئ.
صحب ابن سمعون، وأقرأ القرآن على حروف أنكرت عليه، وجُرّب عليه الكذب إمّا عمدًا أو خطأً، واتّهم في روايات كثيرة، وكان أبو الحسن (٣) القزويني ممن ينكر عليه، وكتب عليه محضر، وألزم بعدم الإقراء بالحروف المنكرة.
قال أبو محمد بن السمرقندي: كان كذابًا، وكانت وفاته في هذه السنة عن اثنتين وثمانين سنة، ودفن عند إبراهيم الحربي.
стр. 6015
قال ابن خلكان: وأخذ الفقه عن أبي الفتح ناصر (١) بن محمد العمري المروزي، ثمّ غلب عليه الحديث، واشتهر به، ورحل في طلبه.
محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفرّاء (٢) القاضي أبو يعلى، شيخ الحنابلة، ومُمهّد مذهبهم في الفروع.
ولد في محرم سنة ثمانين وثلاثمئة، وسمع الحديث الكثير، وحدّث عن ابن حَبَابة.
قال ابن الجوزي: وكان من سادات [العلماء] الثقات، وشهد عند ابن ماكولا وابن الدّامغاني فقبلاه، وتولّى النظر في الحكم بحريم دار الخلافة، وكان إمامًا في الفقه، له التصانيف الحسان الكثيرة في مذهب أحمد، ودرّس وأفتى سنين، وانتهى إليه المذهب، وانتشرت تصانيفه وأصحابه، وجمع الأمانة، والصدق، والعفّة، وحسن الخلق، والتعبّد، والتقشف، والخشوع، وحسن السّمت، والصّمت عمّا لا يعنيه، وكانت وفاته في العشرين من رمضان هذه السنة عن ثمان وسبعين سنة، واجتمع في جنازته القضاة والأعيان من الفقهاء والشهود، وكان يومًا حارًّا، فأفطر بعض من اتّبع جنازته ذلك اليوم، وترك من البنين عبيد اللَّه أبا القاسم، وأبا حازم، وأبا الحسين.
ورآه بعضهم في المنام، فقال له: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: رحمني، وعزّني، ورفع منزلتي، وأكرمني. وجعل يعدّد ذلك بأصابعه فقال: أَبِالعلم؟ قال: بالصدق، رحمه اللَّه تعالى.
ابن سِيْدَه اللُّغوي (٣) هو أبو الحسن، علي بن إسماعيل المُرسي.
كان إمامًا حافظًا للّغة، وكان ضرير البصر، أخذ علم اللغة والعربيّة عن أبيه، وكان ضريرًا أيضًا، ثمّ اشتغل على أبي العلاء صاعد البغدادي، وله: "المحكم" في مجلدات عديدة، وله "شرح الحماسة" في ست مجلدات، وغير ذلك. وقرأ على الشيخ أبي عمر المالكي [الطَّلَمَنْكي] كتاب "الغريب المصنّف" لأبي عُبَيد سردًا من حفظه، والشيخ يقابل نسخته بما يقرأ، فسمع الناس قراءته من حفظه، وتعجّبوا لذلك، وكانت وفاته في ربيع الآخر من هذه السنة وله ستون سنة، وقيل: إنّه توفي في سنة ثمان وأربعين، والأوَّل أصحّ، واللَّه أعلم.
стр. 6016
ثم دخلت سنة تسع وخمسين وأربعمئة
فيها: بنى أبو سعد المستوفي الملقب بشرف الملك مشهد الإمام أبي حنيفة النعمان ببغداد، وعقد عليه قبَّة، وعمل بإزائها مدرسة، وأنزلها المدرسين والفقهاء، فدخل أبو جعفر بن البياضي زائرًا [لأبي حنيفة] فأنشد ارتجالًا:
ألمْ ترَ أنّ العلمَ كان مُضيَّعًا … فجمّعَهُ هذا المُغَيَّبُ في اللَّحدِ
كذلكَ كانتْ هذه الأرضُ ميْتةً … فأنشرَها جودُ العميدِ أبي السَّعدِ
وفي شعبان هبّت ريح حارّة فمات بسببها خلق كثير، ودواب ببغداد، وأتلفت شجرًا من الليمون والأترجّ ببغداد.
وفيها: احترق قبر معروف الكرخي، وكان سبب ذلك: أنّ القيم طبخ له ماء الشعير لمرضه، فتعدّت النار إلى الأخشاب، فاحترق المشهد بكماله.
وفيها: وقع غلاءٌ وفناءٌ كثير بدمشق، وحلب، وحرَّان، و [أعمال] خراسان بكمالها، ووقع الفناء في الدوابّ تنتفخ رؤوسها وأعينها، حتى كانوا يأخذون حمر الوحش بالأيدي ولكن يأنفون من أكلها.
قال ابن الجوزي في "المنتظم" (١): وفي يوم السبت عاشر ذي القعدة جمع العميد أبو سَعْد (٢) القاضي الناس لحضور الدرس بالنظاميّة ببغداد، وعُيِّن [لتدريسها و] لمشيختها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، فلما تكامل اجتماع الناس، وذهب [أبو إسحاق] إليهم ليدرِّس، فلقيه فقيه شاب، فقال: يا سيدي تدرّس في مكان مغصوب، فامتنع [أبو إسحاق] من المسير (٣) ورجع إلى بيته، فأقيم الشيخ أبو نصر بن الصبَّاغ فدرّس، فلما بلغ نظام الملك ذلك تغيّظ على العميد، وأرسل إلى الشيخ أبي إسحاق فردّه إلى التدريس بالنظامية في ذي الحجة من هذه السنة، وكان لا يصلّي فيها مكتوبة بل يخرج إلى بعض المساجد فيؤدي المكتوبة، لما ذكر من كونها في بعض أرضها غصب، وكانت مدة تدريس ابن الصباغ عشرين يومًا، ثمّ عاد الشيخ أبو إسحاق إليها.
وفي ذي القعدة من هذه السنة قُتل الصُّلَيحي أمير اليمن وصاحب مكة، قتله بعض أمراء اليمن، وخطب بها للقائم بأمر اللَّه العباسي (٤)، وحجّ بالناس في هذه السنة أبو الغنائم النقيب.
стр. 6017
وممن توفي فيها من الأعيان:
محمد بن إسماعيل بن محمد أبو علي الطَّرَسُوسيّ (١)، ويقال له: العراقي لظرفه وطول مقامه بها.
سمع الحديث من أبي طاهر المخلّص، وتفقّه على أبي محمد الباقي، ثمّ على الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وولي قضاء بلدة طَرَسُوس، وكان من الفقهاء الفضلاء المبرِّزين، رحمه اللَّه تعالى.
ثم استهلَّت سنة ستين وأربعمئة من الهجرة النبويَّة
قال ابن الجوزي (٢): وفي جمادى الأولى كانت زلزلة شديدة بأرض فلسطين أهلكت بلد الرّملة، ورمت شُرافتين من مسجد رسول اللَّه ﷺ ، ولحقت وادي الصفر وخيبر، وانشقت الأرض عن كنوز كثيرة من المال، وبلغ حسّها الرحبة والكوفة، وجاء كتاب بعض التجار في ذكر هذه الزلزلة ويقول: إنّها خسفت الرّملة جميعًا حتى لم يسلم منها إلا داران فقط، وهلك منها خمسة عشر ألف نسمة، وانشقت الصخرة التي ببيت المقدس، ثمّ عادت فالتأمت بقدرة اللَّه تعالى. وغار البحر مسيرة يوم وساح في البرّ، وخرّب الدنيا [وظهر في مكان الماء أشياء من جواهر وغيرها]، ودخل الناس إلى أرضه يلتقطون، فرجع فأهلك خلقًا كثيرًا منهم [أو أكثرهم]. هذا لفظة (٣).
وفي يوم السبت النصف من جمادى الآخرة قرئ الاعتقاد القادري الذي فيه مذاهب أهل السنّة والجماعة، والإنكار على أهل البدعة، وقرأ أبو مسلم الليثي البخاري المحدّث كتاب "التوحيد" لابن خزيمة على الجماعة الحاضرين، وذلك بمحضر الوزير ابن جَهِير، وجماعة الأعيان من الفقهاء وأهل الكلام، واعترفوا بالموافقة، ثمّ قرئ الاعتقاد القادري على الشريف أبي جعفر بن المقتدي باللَّه بباب البصرة، وذلك بسماعه له من الخليفة القادر باللَّه مصنّفه.
وفيها: عزل الخليفة وزيره أبا نصر محمد بن محمد بن جَهِير الملقب فخر الدولة، وبعث إليه يعاتبه في أشياء كثيرة، فاعتذر منها، وأخذ في الترقق والتذلّل، فأجيب بأن يترحّل إلى أيّ الجهات شاء، فاختار حلّة ابن مَزْيَد، فباع أصحابه أموالهم وأملاكهم، وطلّقوا نساءهم، وأخذ أولاده وأهله، وجاء ليركب في سميريّة (٤) لينحدر منها إلى الحلّة، والناس حوله يتباكون لبكائه، فلما اجتاز بدار الخلافة قبّل
стр. 6018
الأرض دفعات، والخليفة في الشبّاك، والوزير يقول: يا أمير المؤمنين أرحم شيبتي، وغربتي، وأولادي، وعيالي، فأعيد إلى الوزارة بشفاعة دُبَيْس بن مَزْيَد في السنة الآتية، وامتدحه الشعراء، وفرح الناس برجوعه إلى الوزارة، كان يوم دخوله بغداد يومًا مشهودًا بكثرة الناس وتباكيهم فرحًا بقدومه.
وممن توفي فيها من الأعيان:
عبد الملك بن محمد بن يوسف (١) أبو منصور الملقب بالشيخ [الأجلّ].
كان أوحد زمانه في القيام بالمعروف [والنهي عن المنكر]، والمبادرة إلى فعل الخيرات، واصطناع الأيادي عند أهلها من أهل السنّة، وفي شدّة القيام على أهل البدع وقمعهم، وافتقاد المستورين بالبرّ، والصدقة على المحاويج، وإخفاء ذلك جهده وطاقته، ومن غريب ما وقع له أنّه كان يبز إنسانًا في كلّ سنة بعشرة دنانير، يكتب له بها على رجل يقال له: ابن رضوان، فلمّا توفي الشيخ جاء الرجل إلى ابن رضوان يطلب منه ما كان يصرفه إليه، فقال له ابن رضوان: إنّ الذي كان يكتب لك عليّ قد مات، ولا أقدر أن أصرف لك شيئًا، فذهب الرجل إلى قبرِ الشيخ الأجلّ فقرأ شيئًا من القرآن، وترحَّم عليه، ثمّ التفت فإذا هو بكاغد فيه عشرة دنانير (٢)، فاخذَها وجاء بها إلى ابن رضوان، فذكر له ذلك، فقال له ابن رضوان: هذه يا أخي سقطت مني اليوم فخذها، ولك عليّ مثلها في كلّ عام، وكانت وفاته في المنتصف من محرم هذه السنة عن خمس وستين سنة، وكان يومًا مشهودًا حضره خلق من الناس لا يعلم عددهم إلا اللَّه ، فرحمه اللَّه وأكرم مثواه.
أبو جعفر، محمد بن الحسن الطوسيّ (٣) فقيه الشيعة.
توفي في هذه السنة، ودفن بمشهد علي، وقد كان مجاورًا به من حين احترقت داره بالكرخ، وكتبه في سنة ثمان وأربعين إلى المحرم من هذه السنة، فتوفي، ودفن هناك.
خديجة بنت محمد بن علي بن عبد اللَّه (٤) الواعظة، المعروف بالشَّاهجَانيّة.
ولدت سنة أربع وسبعين [وثلاثمئة]، ودفنت إلى جانب ابن سمعون (٥).
стр. 6019
ثم دخلت سنة إحدي وستين وأربعمئة
في ليلة النصف من شعبان كان حريق جامع دمشق، وكان سببه: أنّ غلمان الفاطميين والعباسيين اختصموا فيما بينهم، فألقيت نار بدار الملك، وهي الخضراء المتاخمة للجامع من جهة القبلة، فاحترقت، وسرى حريقها إلى الجامع فسقطت سقوفه، وتناثرت فصوصه المذهَّبة التي على جدرانه، وتقلّعت الفسيفساء التي كانت في أرضه [وعلى جدرانه]، وتغيرت معالمه ومحاسنه، وتبدّلت بهجته بضدّها، وقد كانت سقوفه مذهّبة مبطّنة كلّها، والجملونات من فوقها، وجدرانه بالفصوص المذهبة والملوّنة، مصوّر فيه جميع بلاد الدنيا [بحيث إن الإنسان إذا أراد أن يتفرج في إقليم أو بلد وجده في الجامع مصوّرًا كهيئته، فلا يسافر إليه، ولا يُعنَّى في طلبه]، الكعبة ومكّة في المحراب، والبلاد كلها شرقًا وغربًا، كلّ [إقليم] في مكانه اللائق به، و [مصوّر] فيه كلّ شجرة مثمرة وغير مثمرة، مشكّل مصوّر في بلدانه وأوطانه، والستور مرخاة على أبوابه النافذة إلى الصحن، وعلى أصول الحيطان إلى مقدار الثلث منها ستور، وباقي الجدران بالفصوص الملوّنة، وأرضه كلّها بالفصوص والرُّخام والفسيفساء [ليس فيها بلاط]، ولم يكن في الدنيا بناءٌ أحسن منه، لا قصور الملك، ولا دور الخلفاء، فضلًا عن غيرهم، ثمّ لما وقع [الحريق فيه] تبدّل الحال الكامل بضده، وصارت أرضه طينًا في زمن الشتاء، وغبارًا في زمن الصيف، محفّر، مجوّر، ولم يزل كذلك حتى بلط أرضه في زمن العادل أبي بكر بن أيوب بعد الستمئة [من الهجرة]، وكان جميع ما سقط من الرخام وغيره من الأخشاب [والفصوص] مودعة في المشاهد الأربعة شرقيّة وغربيّة، حتى فرغها من ذلك القاضي كمال الدين بن الشهرزوري في زمن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي حين ولاه نظره مع القضاء، ونظر الأوقاف كلّها، ونظر دار الضرب وغير ذلك، ولم تزل الملوك تجدّد في محاسنه وإلى زماننا هذا؛ فتقارب حاله في زمن الأمير سيف الدين تنكز بن عبد اللَّه الناصري نائب الشام، أثابه اللَّه تعالى.
وقد أرّخ الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في "المنتظم" (١) هذا الحريق في سنة ثمان وخمسين، وتبعه ابن السّاعي في "تاريخه" (٢)، والصواب أنّه في هذه السنة كما ذكره ابن الساعي أيضًا في هذه السنة، وشيخنا الحافظ أبو عبد اللَّه الذَّهبي مؤرخ الإسلام في "تاريخه" (٣)، وغير واحد، واللَّه أعلم.
стр. 6020
وفيها: نقمت الحنابلة على الشيخ أبي الوفاء بن عَقيل، وهو من كبرائهم بتردده على أبي علي بن الوليد المتكلّم المعتزليّ، واتّهموه بالاعتزال، ولا شكّ أنّه لم يكن يتردد إليه إلا ليحيط علمًا بمذهبه، ولكن شرقه الهوى [شرقة كادت روحه تخرج معها]، وصارت فيه نزعة منه، وجرت بينه وبينهم فتنة طويلة، وتأذّى بسببها جماعة منهم، وما سكنت الفتنة بينهم إلى سنة خمس وستين، ثمّ اصطلحوا فيما بينهم بعد اختصام كبير.
وفيها: زادت دجلة على إحدى وعشرين ذراعًا، حتى دخل [الماء] مشهد أبي حنيفة، ومشهد النذور (١).
وفيها: ورد الخبر بأن الأفشين دخل بلاد الروم حتى انتهى إلى عمّورية (٢)، فقتل خلقًا وغنم أموالًا كثيرة.
وفيها: كان رخص عظيم بالكوفة، حتى بيع السمك كلّ أربعين رطلًا بحبّة. وحجّ بالناس في هذه السنة أبو الغنائم العلوي.
وممن توفي فيها من الأعيان:
أبو القاسم، عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فُوران، الفُوراني (٣)، المروزيّ.
أحد أئمة الشّافعيّة، مصنّف "الإبانة" التي فيها من النقول الغريبة والأقوال والأوجه التي لا توجد إلّا فيها، وكان بصيرًا بالأصول والفروع، أخذ الفقه عن أبي بكر القفّال، وحضر إمام الحرمين عنده وهو صغير فلم يلتفت إليه، فصار في نفسه منه، فهو يخطئه كثيرًا في "النهاية".
قال القاضي ابن خلِّكان: فمتى قال في "النهاية": وقال بعض المصنفين: كذا، وشرع في تخطئته، فمراده الفُوراني.
وكانت وفاته في رمضان من هذه السنة بمرو، عن ثلاث وسبعين سنة، وقد كتب تلميذه أبو سعد عبد الرحمن بن محمد بن المأمون المقرئ، مدرّس النظاميّة بعد الشيخ أبي إسحاق، وقبل ابن الصبّاغ وبعده أيضًا كتابًا على "الإبانة" سمّاه "تتمة الإبانة" انتهى إلى كتاب الحدود، ومات قبل إتمامه، فتمم عليه أسعد العِجْلي وغيره، فلم يلحقوا شأوه، وسمّوه: "تتمة التتمة" رحمهم اللَّه تعالى.
стр. 6021
ثم دخلت سنة ثنتين وستين وأربعمئة
قال ابن الجوزيّ (١): فمن الحوادث فيها: أنّه كان على ثلاث ساعات من يوم الثلاثاء الحادي عشر من جمادى الأولى، وهو الثامن عشر من آذار، كانت زلزلة عظيمة بالرّملة وأعمالها، فذهب أكثرها، وانهدم سورها، وعمّ ذلك بيت المقدس، ونابلس، وانخسفت إيلياء، وانجفل البحر حتى انكشفت أرضه، ومشى ناس فيه، ثمّ عاد، وتغترت إحدى زوايا جامع مصر، وتبعت هذه الزلزلة في ساعتها زلزلتان أخريان.
وفيها: توجّه ملك الروم من قسطنطينيّة إلى الشام، في ثلاثمئة ألف، فنزل على منبج، وأحرق القرى ما بين منبج إلى أرض الروم، وقتل رجالهم، وسبى نساءهم، وفزع المسلمون في حلب وغيرها فزعًا عظيمًا، فأقام ستة عشر يومًا، ثمّ رذه اللَّه خاسئًا وهو حسير، ذلك لقفة ما معهم من الميرة، وهلاك أكثر جيشه بالجوع، وللَّه الحمد والمنّة.
وفيها: ضاقت يد أمير مكة، فأخذ الذهب من أستار الكعبة، والميزاب، وباب الكعبة، فضرب كلّ ذلك دراهم ودنانير، وكذلك فعل صاحب المدينة بالقناديل التي في المسجد النبوي، على ساكنه أفضل الصلاة والسلام.
وفي هذه السنة: كان غلاءٌ شديد وقحط عظيم بديار مصر، بحيث إنَّهم أكلوا الجيف والميتات، فكان يباع الكلب بخمسة دنانير، وماتت الفيلة فأكلت [ميتاتها]، وأفنيت الدواب، فلم يبق لصاحب مصر سوى ثلاثة أفراس بعد [أن كان له العدد] الكثير منها. ونزل الوزير يومًا عن بغلته فغفل الغلام عنها لضعفه من الجوع، فأخذها ثلاثة نفر فذبحوها وأكلوها، فأخذوا، فصُلبوا، فأصبحوا وإذا عظامهم بادية قد أكل الناس لحومهم، فقُتل [وأكل لحمه]. وكانت الأعراب يقدمون بالطعام فيبيعونه ظاهر البلد، لا يتجاسرون يدخلون لئلا يختطف [وينهب] من بين أيديهم، [وكان لا يجسر أحد أن يدفن ميته نهارًا، وإنما يدفنه ليلًا خفية، لئلا يُنبش فيؤكل]، واحتاج صاحب مصر، حتى باع أشياء كثيرة من نفائس ما عنده، من ذلك أحد عشر درعًا. وعشرون ألف سيف محلّى، وثمانون ألف قطعة بلّور كبار، وخمسة وسبعون ألف قطعة من الديباج القيّم، وبيعت ثياب النساء والرجال، وسجف المهود بأرخص الأثمان، وكذلك الأملاك وغيرها. وكان بعض هذه النفائس للخليفة مما نهب من بغداد أيام البساسيري.
وفيها: وردت الخلع والتحف والهدايا من الملك ألْب آرسلان إلى الخليفة القائم بأمر اللَّه.
стр. 6022
وفيها: ضُرب اسم وليّ العهد على الدنانير، وسُمي [المضروب عليه] الأميري، ومنع التعامل بغيرها.
وفيها: ورد كتاب صاحب مكّة إلى الملك ألب آرسلان، وهو بخراسان يخبره بإقامة الخطبة للقائم بأمر اللَّه، وللسلطان بمكّة، وقُطعت الخطبة للمصريين، فأرسل إليه بثلاثين ألف دينار، وخلع سنيّة، وأجرى له في كلِّ سنة عشرة آلاف دينار.
وفيها: تزوج عميد الدولة بن جَهِير بابنة نظام المُلْك بالريّ ثم عاد إلى بغداد، وحجّ بالناس أبو الغنائم العلوي.
وممن توفي فيها من الأعيان:
الحسن بن علي بن محمد بن باري (١) أبو الجوائز الواسطي.
سكن بغداد دهرًا طويلًا، وكان أديبًا شاعرًا ظريفًا، ولد سنة ثنتين وخمسين وثلاثمئة، وتوفي في هذه السنة عن مئة وعشر سنين، ومن مستجاد شره قوله:
وَاحَسْرتي مِن قولِها … قد خَانَ عَهْدِي ولَهَا
وحَقِّ منْ صيَّرني … وَقْفًا عَلَيها ولَهَا
ما خَطَرتْ بخاطري … إلا كَستْني وَلَها
محمد بن أحمد بن سهل (٢) المعروف بابن بِشْران النَّحوي الواسِطيّ.
ولد سنة ثمانين وثلاثمئة، وكان عالمًا بالأدب، وانتهت إليه الرحلة في اللّغة، وله شر حسن، فمنه قوله:
يا شَائِدًا للقصورِ مَهلًا (٣) … أقصِرْ فَقَصْرُ الفتَى المماتُ
لم يجتمعْ شَملُ أهلِ قَصْرٍ … إلا وقصراهم (٤) الشّتاتُ
وإنّما العيشُ مِثْلُ ظلٍّ … مُنتقلٍ مالهُ ثَبَاتُ
стр. 6023
ومن ذلك أيضًا قوله:
ودّعْتُهم ولي الدُّنيا مُودِّعةٌ … ورحتُ مالي سوى ذِكراهُم وطرُ (١)
وقلتُ يا لذّتي بيني لبينهمُ … فإنَّ (٢) صفو حياتي بعدهُم كدَرُ
لولا تعلّلُ قلبي بالرجاءِ لهمْ … ألفيتُه إذ (٣) حدَوا بالعيسِ ينفطرُ
ياليتَ عيسَهُمُ يومَ النَّوى نُحرتْ … أوليتَها للضواري بالفَلا جزرُ
يا ساعةَ البينِ أنتِ السّاعةُ اقتربتْ … يا لوعةَ البيْنِ أنتِ النّارُ تستعرُ
ومن ذلك قوله أيضًا:
طلبتُ صديقًا في البريّةِ كلِّها … فأعيا طلابي أن أصيبَ صديقا
بلى من تسمّى بالصديق مجازة … ولم يكُ في معنى الودادِ صَدُوقا
فطلّقتُ ودَّ العالمينَ صريمةً (٤) … وأصبحتُ من أسرِ الحفاظِ طليقا
ثم دخلت سنة ثلاث وستين وأربعمئة
فيها: أقبل ملك الروم أرمانوس في جحافل أمثال الجبال من الروم، والكرج، والفرنج، وعُدد عظيمة، وتجمُّل هائل، معه خمسة وثلاثون ألفًا من البطارقة مع كلّ بطريق ما بين ألفي (٥) فارس إلى خمسمئة فارس، ومعه من الفرنج خمسة وثلاثون ألفًا، ومن الغز الذين يسكنون (٦) وراء القسطنطينية خمسة عشر ألفًا، ومعه مئة ألف نقّاب وحفّار، وألف روزجاري (٧)، ومعه أربعمئة عجلة تحمل النعال والمسامير، وألفا عجلة تحمل السلاح والسروج والعرّادات (٨) والمجانيق، منها منجنيق يمدّه ألف ومئتا رجل، ومن عزمه قبّحه اللَّه تعالى أن يجتثّ الإسلام وأهله، وقد أقطع بطارقته البلاد حتى بغداد.
стр. 6024
واستوصى نائبها بالخليفة خيرًا، قال له: ارفق بذاك الشيخ فإنّه صاحبنا، ثمّ إذا استوثقت ممالك العراق وخراسان لهم مالوا على الشام [وأهله] ميلة واحدة، فاستعادوه من أيدي المسلمين، واستنقذوه فيما يزعمون، والقدر يقول: لعمرك إنَّهم لفي سكرتهم يعمهون. فالتقاه السلطان ألب آرْسلان في جيشه، وهم قريب من عشرين ألفًا بمكان يقال له: الرَّهوة (١)، في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة، وخاف [السلطان] من كثرة [جند] المشركين، فأشار عليه الفقيه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري بأن يكون وقت الوقعة يوم الجمعة بعد الزوال، حين يكون الخطباء يدعون للمجاهدين، فلمّا [كان ذلك الوقت وتواقف الفريقان و] تواجه الفتيان، نزل السلطان عن فرسه، وسجد [للَّه ]، ومرّغ وجهه في التراب، ودعا اللَّه تعالى واستنصره، فأنزل اللَّه نصره على المسلمين، ومنحهم أكتاف المشركين، فقتلوا منهم خلقًا لا يُحصون كثرة، وأسر ملكهم أرمانوس، أسره غلام روميّ، فأمَّره السلطان وأعطاه شيئًا كثيرًا، وقد كان هذا الغلام عُرض على نظام الملك الوزير في جملة تقدمة فلم يقبله، فقال له سيّده: إنّه وإنّه. . -يثني عليه- فردّه وقال كهيئة المستهزئ به: لعلّه يجيئنا بملك الروم أرمانوس أسيرًا؛ فوقع الأمر كما قال، وللَّه الحمد والمنّة، فلمّا وقف أرمانوس بين يدي الملك ألب آرْسَلان ضربه بيده ثلاث مقارع، وقال: لو كنت أنا الأسير بين يديك، ماذا كنت تفعل؟ قال: كلَّ قبيحٍ. قال: فما ظنّك بي؟ قال: [إمّا أن] تقتلني، أو تشهرني في بلادك، وإمّا العفو وأخذ الفداء فتعيدني. فقال: ما عزمت على غير العفو والفداء، فافتدى نفسه منه بألف ألف دينار وخمسمئة دينار، وأن يطلق كلّ أسير في بلاد الروم وعلى هدنة خمسين سنة، يحمل فيها عن كلّ يوم ألف دينار، وقام بين يدي الملك فسقاه شربة، وقبّل الأرض بين يديه، وإلى نحو جهة الخليفة إجلالًا وإكرامًا، فأطلق له الملك عشرة آلاف دينار ليتجهّز بها، وأطلق معه جماعة من البطارقة من أصحابه وشيّعه فرسخًا، وأرسل معه جيشًا يخدمونه ويحوطونه ويحفظونه إلى بلاده، ومعهم راية مكتوب عليها: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه. فلمّا انتهى إلى بلاده وجد الروم قد ملَّكوا عليهم غيره، فأرسل إلى السلطان يعتذر إليه وبعث من الذهب والجوهر ما يقارب ثلاثمئة ألف دينار، وتزهّد ولبس الصوف، ثمّ استضاف ملك الأرمن فأخذه فكحله، وأرسل إلى السلطان فأعلمه بذلك، يتقرّب إليه به.
وفيها: خطب صاحب حلب محمود بن صالح بن مِرداس للقائم بأمر اللَّه وللسلطان ألب آرْسَلان معه، فبعث إليه الخليفة بالخلع [والهدايا والتحف] والعهد مع الشريف طِرادٍ الزّينبي.
وفيها: حجّ بالناس نور الهدى أبو الغنائم العلوي، وخُطِبَ بمكّة للخليفة القائم بأمر اللَّه، وقطعت
стр. 6025
خطبة المصريين منها، وقد كان يخطب لهم فيها مئة سنة، فانقطع ذلك في هذه السنة، وللَّه الحمد والمنّة.
وممن توفي فيها من الأعيان:
الحافظ أبو بكر، الخطيب البغدادي (١) أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي.
أحد مشاهير الحفّاظ، وصاحب "تاريخ بغداد" وغيره من المصنّفات العديدة المفيدة، نحو من ستين مصنّفًا، ويقال: مئة مصنّف، فاللَّه أعلم.
ولد سنة إحدى وتسعين وثلاثمئة، وقيل: سنة ثنتين وتسعين (٢)، وأول سماعه سنة ثلاث وأربعمئة، ولا ببغداد، وتفقه على القاضي أبي الطيب الطبري (٣) وغيره من أصحاب الشيخ أبي حامد [الإسفراييني]، وسمع الحديث الكثير، ورحل إلى البَصرة، ونَيسابور، وأصبهان، وهمَذان، والشام، والحجاز، وسُمي الخطيب لأنَّه كان يخطب بدَرْزيجان (٤)، وسمع بمكة على القاضي أبي عبد اللَّه محمد بن سلامة القُضاعي، وقرأ "صحيح البخاري" على كريمة بنت أحمد في خمسة أيام، ورجع إلى بغداد فحظي عند الوزير أبي القاسم بن المَسْلَمة، ولمّا ادّعى اليهود الخيابرة: أنّ معهم كتابًا نبويًّا فيه إسقاط الجزية عنهم، أوقف [ابن مَسْلَمة] الخطيب [على هذا الكتاب] فقال: هذا كذب. فقيل: ما الدليل على ذلك؟ فقال: لأن فيه شهادة معاوية بن أبي سفيان ولم يكن أسلم يوم خيبر، وقد كانت خيبر في سنة سبع من الهجرة، وإسلام معاوية يوم الفتح، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وقد كان توفي عام الخندق سنة خمس، فأعجب الناس ذلك، وقد سُبِق الخطيب إلى هذا النقد [سبقه محمد بن جرير] كما ذكرت في مصنّف مفرد.
ولمّا وقعت فتنة البساسيري ببغداد سنة خمسين خرج منها إلى الشام، فأقام بدمشق في المئذنة الشرقية من جامعها، يقرأ على الناس الحديث النبوي، وكان جهوري الصوت يُسمع صوته من أرجاء الجامع