← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

ثم دخلت سنة ثنتين وستين وأربعمئة قال ابن الجوزيّ (١): فمن الحوادث فيها: أنّه كان على ثلاث ساعات من يوم الثلاثاء الحادي عشر من جمادى الأولى، وهو الثامن عشر من آذار، كانت زلزلة عظيمة بالرّملة وأعمالها، فذهب أكثرها، وانهدم سورها، وعمّ ذلك بيت المقدس، ونابلس، وانخسفت إيلياء، وانجفل البحر حتى انكشفت أرضه، ومشى ناس فيه، ثمّ عاد، وتغترت إحدى زوايا جامع مصر، وتبعت هذه الزلزلة في ساعتها زلزلتان أخريان. وفيها: توجّه ملك الروم من قسطنطينيّة إلى الشام، في ثلاثمئة ألف، فنزل على منبج، وأحرق القرى ما بين منبج إلى أرض الروم، وقتل رجالهم، وسبى نساءهم، وفزع المسلمون في حلب وغيرها فزعًا عظيمًا، فأقام ستة عشر يومًا، ثمّ رذه اللَّه خاسئًا وهو حسير، ذلك لقفة ما معهم من الميرة، وهلاك أكثر جيشه بالجوع، وللَّه الحمد والمنّة. وفيها: ضاقت يد أمير مكة، فأخذ الذهب من أستار الكعبة، والميزاب، وباب الكعبة، فضرب كلّ ذلك دراهم ودنانير، وكذلك فعل صاحب المدينة بالقناديل التي في المسجد النبوي، على ساكنه أفضل الصلاة والسلام. وفي هذه السنة: كان غلاءٌ شديد وقحط عظيم بديار مصر، بحيث إنَّهم أكلوا الجيف والميتات، فكان يباع الكلب بخمسة دنانير، وماتت الفيلة فأكلت [ميتاتها]، وأفنيت الدواب، فلم يبق لصاحب مصر سوى ثلاثة أفراس بعد [أن كان له العدد] الكثير منها. ونزل الوزير يومًا عن بغلته فغفل الغلام عنها لضعفه من الجوع، فأخذها ثلاثة نفر فذبحوها وأكلوها، فأخذوا، فصُلبوا، فأصبحوا وإذا عظامهم بادية قد أكل الناس لحومهم، فقُتل [وأكل لحمه]. وكانت الأعراب يقدمون بالطعام فيبيعونه ظاهر البلد، لا يتجاسرون يدخلون لئلا يختطف [وينهب] من بين أيديهم، [وكان لا يجسر أحد أن يدفن ميته نهارًا، وإنما يدفنه ليلًا خفية، لئلا يُنبش فيؤكل]، واحتاج صاحب مصر، حتى باع أشياء كثيرة من نفائس ما عنده، من ذلك أحد عشر درعًا. وعشرون ألف سيف محلّى، وثمانون ألف قطعة بلّور كبار، وخمسة وسبعون ألف قطعة من الديباج القيّم، وبيعت ثياب النساء والرجال، وسجف المهود بأرخص الأثمان، وكذلك الأملاك وغيرها. وكان بعض هذه النفائس للخليفة مما نهب من بغداد أيام البساسيري. وفيها: وردت الخلع والتحف والهدايا من الملك ألْب آرسلان إلى الخليفة القائم بأمر اللَّه.

стр. 6022

وفيها: ضُرب اسم وليّ العهد على الدنانير، وسُمي [المضروب عليه] الأميري، ومنع التعامل بغيرها. وفيها: ورد كتاب صاحب مكّة إلى الملك ألب آرسلان، وهو بخراسان يخبره بإقامة الخطبة للقائم بأمر اللَّه، وللسلطان بمكّة، وقُطعت الخطبة للمصريين، فأرسل إليه بثلاثين ألف دينار، وخلع سنيّة، وأجرى له في كلِّ سنة عشرة آلاف دينار. وفيها: تزوج عميد الدولة بن جَهِير بابنة نظام المُلْك بالريّ ثم عاد إلى بغداد، وحجّ بالناس أبو الغنائم العلوي. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن بن علي بن محمد بن باري (١) أبو الجوائز الواسطي. سكن بغداد دهرًا طويلًا، وكان أديبًا شاعرًا ظريفًا، ولد سنة ثنتين وخمسين وثلاثمئة، وتوفي في هذه السنة عن مئة وعشر سنين، ومن مستجاد شره قوله: وَاحَسْرتي مِن قولِها … قد خَانَ عَهْدِي ولَهَا وحَقِّ منْ صيَّرني … وَقْفًا عَلَيها ولَهَا ما خَطَرتْ بخاطري … إلا كَستْني وَلَها محمد بن أحمد بن سهل (٢) المعروف بابن بِشْران النَّحوي الواسِطيّ. ولد سنة ثمانين وثلاثمئة، وكان عالمًا بالأدب، وانتهت إليه الرحلة في اللّغة، وله شر حسن، فمنه قوله: يا شَائِدًا للقصورِ مَهلًا (٣) … أقصِرْ فَقَصْرُ الفتَى المماتُ لم يجتمعْ شَملُ أهلِ قَصْرٍ … إلا وقصراهم (٤) الشّتاتُ وإنّما العيشُ مِثْلُ ظلٍّ … مُنتقلٍ مالهُ ثَبَاتُ

стр. 6023

ومن ذلك أيضًا قوله: ودّعْتُهم ولي الدُّنيا مُودِّعةٌ … ورحتُ مالي سوى ذِكراهُم وطرُ (١) وقلتُ يا لذّتي بيني لبينهمُ … فإنَّ (٢) صفو حياتي بعدهُم كدَرُ لولا تعلّلُ قلبي بالرجاءِ لهمْ … ألفيتُه إذ (٣) حدَوا بالعيسِ ينفطرُ ياليتَ عيسَهُمُ يومَ النَّوى نُحرتْ … أوليتَها للضواري بالفَلا جزرُ يا ساعةَ البينِ أنتِ السّاعةُ اقتربتْ … يا لوعةَ البيْنِ أنتِ النّارُ تستعرُ ومن ذلك قوله أيضًا: طلبتُ صديقًا في البريّةِ كلِّها … فأعيا طلابي أن أصيبَ صديقا بلى من تسمّى بالصديق مجازة … ولم يكُ في معنى الودادِ صَدُوقا فطلّقتُ ودَّ العالمينَ صريمةً (٤) … وأصبحتُ من أسرِ الحفاظِ طليقا ثم دخلت سنة ثلاث وستين وأربعمئة فيها: أقبل ملك الروم أرمانوس في جحافل أمثال الجبال من الروم، والكرج، والفرنج، وعُدد عظيمة، وتجمُّل هائل، معه خمسة وثلاثون ألفًا من البطارقة مع كلّ بطريق ما بين ألفي (٥) فارس إلى خمسمئة فارس، ومعه من الفرنج خمسة وثلاثون ألفًا، ومن الغز الذين يسكنون (٦) وراء القسطنطينية خمسة عشر ألفًا، ومعه مئة ألف نقّاب وحفّار، وألف روزجاري (٧)، ومعه أربعمئة عجلة تحمل النعال والمسامير، وألفا عجلة تحمل السلاح والسروج والعرّادات (٨) والمجانيق، منها منجنيق يمدّه ألف ومئتا رجل، ومن عزمه قبّحه اللَّه تعالى أن يجتثّ الإسلام وأهله، وقد أقطع بطارقته البلاد حتى بغداد.

стр. 6024

واستوصى نائبها بالخليفة خيرًا، قال له: ارفق بذاك الشيخ فإنّه صاحبنا، ثمّ إذا استوثقت ممالك العراق وخراسان لهم مالوا على الشام [وأهله] ميلة واحدة، فاستعادوه من أيدي المسلمين، واستنقذوه فيما يزعمون، والقدر يقول: لعمرك إنَّهم لفي سكرتهم يعمهون. فالتقاه السلطان ألب آرْسلان في جيشه، وهم قريب من عشرين ألفًا بمكان يقال له: الرَّهوة (١)، في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة، وخاف [السلطان] من كثرة [جند] المشركين، فأشار عليه الفقيه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري بأن يكون وقت الوقعة يوم الجمعة بعد الزوال، حين يكون الخطباء يدعون للمجاهدين، فلمّا [كان ذلك الوقت وتواقف الفريقان و] تواجه الفتيان، نزل السلطان عن فرسه، وسجد [للَّه ]، ومرّغ وجهه في التراب، ودعا اللَّه تعالى واستنصره، فأنزل اللَّه نصره على المسلمين، ومنحهم أكتاف المشركين، فقتلوا منهم خلقًا لا يُحصون كثرة، وأسر ملكهم أرمانوس، أسره غلام روميّ، فأمَّره السلطان وأعطاه شيئًا كثيرًا، وقد كان هذا الغلام عُرض على نظام الملك الوزير في جملة تقدمة فلم يقبله، فقال له سيّده: إنّه وإنّه. . -يثني عليه- فردّه وقال كهيئة المستهزئ به: لعلّه يجيئنا بملك الروم أرمانوس أسيرًا؛ فوقع الأمر كما قال، وللَّه الحمد والمنّة، فلمّا وقف أرمانوس بين يدي الملك ألب آرْسَلان ضربه بيده ثلاث مقارع، وقال: لو كنت أنا الأسير بين يديك، ماذا كنت تفعل؟ قال: كلَّ قبيحٍ. قال: فما ظنّك بي؟ قال: [إمّا أن] تقتلني، أو تشهرني في بلادك، وإمّا العفو وأخذ الفداء فتعيدني. فقال: ما عزمت على غير العفو والفداء، فافتدى نفسه منه بألف ألف دينار وخمسمئة دينار، وأن يطلق كلّ أسير في بلاد الروم وعلى هدنة خمسين سنة، يحمل فيها عن كلّ يوم ألف دينار، وقام بين يدي الملك فسقاه شربة، وقبّل الأرض بين يديه، وإلى نحو جهة الخليفة إجلالًا وإكرامًا، فأطلق له الملك عشرة آلاف دينار ليتجهّز بها، وأطلق معه جماعة من البطارقة من أصحابه وشيّعه فرسخًا، وأرسل معه جيشًا يخدمونه ويحوطونه ويحفظونه إلى بلاده، ومعهم راية مكتوب عليها: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه. فلمّا انتهى إلى بلاده وجد الروم قد ملَّكوا عليهم غيره، فأرسل إلى السلطان يعتذر إليه وبعث من الذهب والجوهر ما يقارب ثلاثمئة ألف دينار، وتزهّد ولبس الصوف، ثمّ استضاف ملك الأرمن فأخذه فكحله، وأرسل إلى السلطان فأعلمه بذلك، يتقرّب إليه به. وفيها: خطب صاحب حلب محمود بن صالح بن مِرداس للقائم بأمر اللَّه وللسلطان ألب آرْسَلان معه، فبعث إليه الخليفة بالخلع [والهدايا والتحف] والعهد مع الشريف طِرادٍ الزّينبي. وفيها: حجّ بالناس نور الهدى أبو الغنائم العلوي، وخُطِبَ بمكّة للخليفة القائم بأمر اللَّه، وقطعت

стр. 6025

خطبة المصريين منها، وقد كان يخطب لهم فيها مئة سنة، فانقطع ذلك في هذه السنة، وللَّه الحمد والمنّة. وممن توفي فيها من الأعيان: الحافظ أبو بكر، الخطيب البغدادي (١) أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي. أحد مشاهير الحفّاظ، وصاحب "تاريخ بغداد" وغيره من المصنّفات العديدة المفيدة، نحو من ستين مصنّفًا، ويقال: مئة مصنّف، فاللَّه أعلم. ولد سنة إحدى وتسعين وثلاثمئة، وقيل: سنة ثنتين وتسعين (٢)، وأول سماعه سنة ثلاث وأربعمئة، ولا ببغداد، وتفقه على القاضي أبي الطيب الطبري (٣) وغيره من أصحاب الشيخ أبي حامد [الإسفراييني]، وسمع الحديث الكثير، ورحل إلى البَصرة، ونَيسابور، وأصبهان، وهمَذان، والشام، والحجاز، وسُمي الخطيب لأنَّه كان يخطب بدَرْزيجان (٤)، وسمع بمكة على القاضي أبي عبد اللَّه محمد بن سلامة القُضاعي، وقرأ "صحيح البخاري" على كريمة بنت أحمد في خمسة أيام، ورجع إلى بغداد فحظي عند الوزير أبي القاسم بن المَسْلَمة، ولمّا ادّعى اليهود الخيابرة: أنّ معهم كتابًا نبويًّا فيه إسقاط الجزية عنهم، أوقف [ابن مَسْلَمة] الخطيب [على هذا الكتاب] فقال: هذا كذب. فقيل: ما الدليل على ذلك؟ فقال: لأن فيه شهادة معاوية بن أبي سفيان ولم يكن أسلم يوم خيبر، وقد كانت خيبر في سنة سبع من الهجرة، وإسلام معاوية يوم الفتح، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وقد كان توفي عام الخندق سنة خمس، فأعجب الناس ذلك، وقد سُبِق الخطيب إلى هذا النقد [سبقه محمد بن جرير] كما ذكرت في مصنّف مفرد. ولمّا وقعت فتنة البساسيري ببغداد سنة خمسين خرج منها إلى الشام، فأقام بدمشق في المئذنة الشرقية من جامعها، يقرأ على الناس الحديث النبوي، وكان جهوري الصوت يُسمع صوته من أرجاء الجامع

стр. 6026

كلّها، فاتفق أنّه قرأ يومًا فضائل العبّاس فثار عليه الروافض، وأتباع الفاطميين، وأرادوا قتله، فتشفَّع بالشريف الزَّينبي (١) فأجاره، وكان مسكنه بدار العقيقي. ثم خرج من دمشق فأقام بمدينة صور فكتب شيئًا كثيرًا من مصنفات أبي عبد اللَّه الصوريّ بخطّه، كان يستعيرها من زوجته، فلما يزل مقيمًا بالشام إلى سنة ثنتين وستين، ثمّ عاد إلى بغداد، فحدّث بأشياء من مسموعاته، وقد كان سأل اللَّه تعالى بمكة أن يملك ألف دينار، وأن يحدَث بالتاريخ بجامع المنصور، وأن يموت ببغداد فيدفن إلى جانب بشر الحافي، فيقال: إنه حدَّث بالتاريخ بجامع المنصور، وإنه ملك ذهبًا يقارب ألف دينار، وحين احتضر كان عنده قريب من مئتي دينار، فأوصى بها لأهل الحديث، وسأل السلطان أن يمضي له ذلك، فإنه لم يترك وارثًا، فأجيب إلى ذلك. وله مصنفات كثيرة مفيدة منها: "التاريخ" وكتاب "الكفاية"، و"الجامع"، و"شرف أصحاب الحديث"، و"المتفق والمفترق"، و"السابق واللاحق"، و"تلخيص المتشابه في الرسم"، و"فصل الوصل"، و"رواية الآباء عن الأبناء"، و"رواية الصّحابة عن التابعين"، و"اقتضاء العلم العمل"، وغير ذلك. وقد سردها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في "المنتظم" (٢) قال: ويقال: إنَّ هذه المصنفات أكثرها [لأبي عبد اللَّه الصُّوري أو] ابتدأها أبو عبد اللَّه الصُّوري فتمّمها الخطيب [وجعلها لنفسه] (٣). وقد كان حسن القراءة، فصيح اللَّفظ، عارفًا بالأدب، يقول الشعر، وقد كان أولًا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، فانتقل إلى مذهب الشافعي، ثمّ صار يتكلّم في أصحاب أحمد، ويقدح فيهم ما أمكنه، وله دسائس عجيبة في ذقهم، ثمّ شرع ابن الجوزي ينتصر لأصحابه [ويذكر مثالب الخطيب، ودسائسه، وما كان عليه من محبّة الدنيا والميل إلى أهلها]، بما يطول ذكره، وقد أورد من شعر الخطيب قصيدة نقلها من خطّه، جيّدة المطلع، حسنة المنزع، أولها:

стр. 6027

لعمركَ ما شجاني رسمُ دارٍ … وقفتُ بهِ ولا ذِكر (١) المغاني ولا أثَرُ الخيامِ أراقَ دمْعي … لأجلِ تَذكّري عهدَ الغواني ولا مَلَكَ الهوى يومًا قِيادي … ولا عاصيتُهُ فثنَى عِنَاني عرفتُ فعالَهُ بذوي التّصابي … وما يلقونَ من ذلّ الهوانِ فلم أطمعْهُ فيّ وكمْ قتيلٍ … لهُ في النّاسِ ما يحصى دعاني طلبتُ أخًا صحيحَ الودِّ مخصًا (٢) … سليمَ الغيبِ محفوظ (٣) اللِّسانِ فلم أعرفْ مِنَ الإخوانِ إلا … نِفاقًا في التَّباعدِ والتداني وعالَمُ دهرِنا لا خير فيهِ … ترى صُورًا تروقُ بلا مَعاني ووصفُ جميعهمْ هذا فما أن … أقولَ سوى فلانٍ أو فلانِ ولمّا لم أجدْ حرًّا يواتي … على ما نابَ من صرفِ الزمانِ صبرتُ تكرّمًا لقراعِ دهري … ولم أجزعْ لما منه دهاني ولم أكُ في الشدائدِ مُستكينًا … أقولُ له ألا كُفّي كَفانِي ولكنّي صليبُ العُودِ عودٌ … ربيطُ الجأش مجتمعُ الجنان أبيّ النّفسِ لا أختار رِزقًا … يجيء بغير سيفي أو لساني (٤) فعزٌّ في لظى باغيه يثوي (٥) … ألدُّ من المذلَّةِ في الجِنانِ وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" ترجمة حسنة كعادته، وأورد من شعره قوله: لا تغبطنَّ أخا الدنيا لعيشته (٦) … ولا لِلذَّةِ وقتٍ عَجَّلتْ فَرَحا فالدّهرُ أسرعُ شيءٍ في تقلُّبهِ … وفِعْلُهُ بيّنٌ للخَلق قد وَضَحا كمْ شاربٍ عَسلًا فيه منيّتُه … وكم تقلَّد سيفًا مَنْ به ذُبحا (٧) وقد كانت وفاته يوم الإثنين ضحى السابع من ذي الحجة من هذه السنة، وله ثنتان وسبعون سنة في حجرة كان يسكنها بدرب السلسلة، جوار المدرسة النظاميّة، واحتفل الناس بجنازته، وحمل [نعشه]

стр. 6028

فيمن حمل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، ودفن إلى جانب بشر الحافي، في قبر رجل كان قد أعدَّه لنفسه، فسئل أن يتركه للخطيب، فشحّت به نفسه، حتى قال له بعض الناس: باللَّه عليك لو قُدّمت أنت والخطيب إلى بشر، أيُّكما كان يجلس إلى جانبه؟ فقال: الخطيب، فقيل: فاسمح له به. فوهبه له، فدفن فيه ﵀ وأكرم مثواه، وهو ممن ينشد له قول الشاعر: ما زلتَ تدأبُ في التاريخ مجتهدًا … حتى رأيتُك في التاريخِ مكتُوبا وحكى ابن خلِّكان عن السّمعاني: أنّه توفّي في شوال (١)، وأنّه تصدّق بجميع ماله، وأوقف كتبه، ﵀ (٢). حسّان بن سعيد بن حسّان بن محمد بن أحمد بن عبد اللَّه بن محمد بن مَنِيع بن خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي المَنِيعي (٣). كان في شبابه يجمع بين الزهد والتجارة، حتى ساد أهلَ زمانه، ثمّ ترك ذلك، وأقبل على العبادة، والزهد، والبرّ، والصّلة، والصدقة، والإحسان إلى الخلق، وبناء المساجد والرباطات، وكان السلطان يأتي إليه، ويتبرّك به، ولما وقع الغلاء كان يعمل كل يوم شيئًا كثيرًا من الخبز والطعام فيتصدّق به، وكان يكسو في كلِّ سنة قريبًا من ألف نفس ثيابًا وجبابًا وفِراءً، وكذلك [كان يكسو الأرامل وغيرهن من] النساء، ويجهّز بنات الفقراء الأيتام، وأسقط أشياء كثيرة من المكوس والوظائف السلطانيّة عن نيسابور وقراها، وهو في غاية التبذّل والثياب الأطمار (٤)، ولم يزل كذلك حتى كانت وفاته ببلدة مَرو الرُّوذ في هذه السنة، تغمّده اللَّه برحمته، آمين. محمد بن الحسن بن حمزة (٥) أبو علي الجعفري، فقيه الشّيعة في زمانه. محمد بن وِشاح بن عبد اللَّه (٦) أبو علي، مولى أبي تمّام محمد بن علي بن الحسن الزَّيْنَبي. سمع الحديث، وكان أديبًا شاعرًا، وكتب لنقيب النقباء الكامل، وكان ينسب إلى الاعتزال والرَّفض، ومن شعره:

стр. 6029

حملتُ العصا، لا الضعفُ أوجبَ حملَها … عليّ ولا أني تحنَّيت (١) من كِبَر ولكنني ألزمتُ نفسي بحملها … لأعْلِمَها أنَّ المقيمَ على سفرِ وممن توفي في هذه السنة: الشيخ أبو عمر بن عبد البَرِّ النَّمَريّ (٢) الحافظ. صاحب التَّصانيف [المليحة الهائلة]، منها: "التمهيد" و"الاستذكار" و"الاستيعاب" وغيرها ﵁، ورحمه بمنّه وكرمه. ابن زَيْدُون الشاعر (٣) أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن غالب بن زيدون، أبو الوليد الشاعر الماهر، الأندلسيّ، القرطبي. اتصل بالأمير المعتمد بن عبّاد صاحب إشبيليّة، فحظي عنده، وصار عنده مشاورًا في منزلة الوزير، ووزر له ولده أبو بكر بن أبي وليد، وهو صاحب القصيدة الفراقيّة المشهورة التي يقول فيها (٤): بِنْتُم وَبِنّا فما ابتلّتْ جَوانِحُنا … شَوْقًا إليكُم ولا جَفَّتْ مَآقِينا نَكَادُ حِينَ تُنَاجِيكُمْ ضمائِرُنا … يَقْضِي عَلَيْنا الأسَى لَوْلا تَأَسِّينا حَالَتْ لبعدِكُمُ أيامُنا فَغَدَتْ … سُودًا، وكانتْ بِكُم بيضًا لَيالينا بالأمسِ كنّا ولا يُخشى تفرُّقنا … واليومَ نحنُ ولا يُرجى تلاقينا وهي قصيدة طويلة، فيها صنعة قويّة، مهبِّجة للبكاء لكلّ من قرأها أو سمعها، لأنّه ما من أحد من أبناء الدنيا إلا وقد فقد خِلًّا، أو حبيبًا، أو قريبًا، أو نسيبًا. ومن شعره (٥):

стр. 6030

بيني وبينَكَ ما لو شئتَ لم يضِعِ … سرٌّ إذا ذاعتِ الأسرارُ لم يُذَعِ يا بائعًا حظَّه مني ولو بُذِلتْ … ليَ الحياةُ بحظِّي منه لم أبِعِ تِهْ أحتملْ، واستطلْ أصبرْ، وعِزَّ أهُنْ … وولِّ أقبلْ، وقُلْ أسمعْ، ومُر أطِعِ توفي في رجب من هذه السنة، واستمرّ ولده أبو بكر وزيرًا للمعتمد بن عبّاد، حتى أخذ ابن تاشفين قرطبة من يده في سنة أربع وثمانين فقتل يومئذ، قاله ابن خلّكان في "الوفيات" (١). كريمة بنت أحمد بن محمد بن أبي حاتم المَرْوَزِيَّة (٢). كانت عالمة صالحة، سمعت "صحيح البخاري" على الكُشْمِيهَني، وقرأ عليها الأئمة: كالخطيب، وأبي المظفّر السَّمعاني وغيرهما. ثم دخلت سنة أربع وستين وأربعمئة فيها: قام الشيخ أبو إسحاق الشيرازي مع الحنابلة في الإنكار على المفسدين، والذين يبيعون الخمور، وفي إبطال المواخير (٣) [وفي إبطال المؤَاجرات]، وهنّ البغايا، وكوتب السلطان في ذلك فجاءت كتبه بالإنكار. وفيها: كانت زلزلة عظيمة ببغداد، ارتجّت لها الأرض ستّ مرات. وفيها: كان غلاء شديد، ومُوتان ذريع [في الحيوانات]، بحيث إن بعض الرعاة بخراسان قام وقت الصباح ليسرح بغنمه فإذا هنّ قد متن كلّهنّ، وجاء سيل عظيم، وبَرَد كبار. فأتلف شيئًا كثيرًا من الزروع والثمار بخراسان. وفيها: تزوج الأمير عُدَّة الدين، ولي العهد المقتدي باللَّه، حفيد القائم بأمر اللَّه بابنة السلطان ألْب آرْسلان سفري خاتون، وذلك بنيسابور وكان وكيل السلطان نظام الملك، ووكيل الزوج عميد الدولة ابن جَهير، وحين عقد العقد نثر على الناس جواهر نفيسة، وكان يومًا مشهودًا، زُيِّنت الأفيلة والخيول، وضُربت الدبادب، والبوقات.

стр. 6031

وممن توفي فيها من الأعيان: بكرُ بن محمد بن حِيْد (١) أبو منصور النيسابوري. كان يزعم أَنَّه من سلالة عثمان بن عفان، وروى الحديث عن أبي بكر بن المُذْهب، وكان ثقة، توفي في المحرّم (٢) من هذه السنة [وقد قارب الثمانين]. محمد بن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الصمد بن المهتدي باللَّه أبو الحسن الهاشمي (٣) خطيب جامع المنصور. وكان ممن يلبس القلانس الطوال، حدّث عن ابن زرقويه وغيره، وروى عنه الخطيب. وكان عدلًا ثقة، شهد عند ابن ماكولا. وابن الدامغاني فقبلاه، وتوفي في هذه السنة عن ثمانين سنة، ودفن بقرب قبر بشر الحافي، رحمه اللَّه تعالى. محمد بن أحمد بن شَاده بن جعفر (٤) أبو عبد اللَّه الأصفهاني، القاضي بدُجيل. كان شافعيّ المذهب، وروى المذهب عن أبي عمر (٥) بن مهدي، وكانت وفاته ببغداد، ونقل إلى دُجيل [من عمل واسط]. ثم دخلت سنة خمس وستين وأربعمئة في يوم الخميس حادي عشر المحرّم، حضر إلى الديوان أبو الوفاء علي بن محمد بن عقيل [العقيلي] الحنبلي، وقد كتب على نفسه كتابًا يتضمّن توبته من الاعتزال، ومخالطة أهله، وأنّه رجع عن اعتقاد كون الحلاج من أهل [الحق و] الخير، وقد رجع عن الجزء الذي عمله في ذلك، وأنَّه قد قتل بإجماع علماء عصره [على زندقته]، وقد كانوا مصيبين [في قتله وما رمَوه به] وهو مخطئ، وشهد عليه جماعة من الكُتَّاب، ورجع من الديوان إلى دار الشريف أبي جعفر، فسلّم عليه، وصالحه، واعتذر إليه وعظّمه، وللَّه الحمد والمنّة.

стр. 6032

وفاة السلطان ألْب آرْسَلان وماك ولده ملك شاه من بعده كان السلطان قد سار في أول هذه السنة في مئتي ألف مقاتل يريد غزاة بلاد ما وراء النهر، فاتفق في بعض المنازل أنّه تغضَّب على رجل يقال له: يوسف الخُوارزمي، فأوقف بين يديه، فشرع يعاتبه في أشياء صدرت منه، ثمّ أمر بأن يضرب له أربعة أوتاد، ويُصْلب بينها، فقال للسطان: يا مخنّث أمثلي يقتل هكذا؟ فاحتدّ السلطان، وأمر بإرساله، وأخذ القوس فرماه بسهم فأخطأه، وأقبل يوسف نحو السلطان، فنهض عن السرير [خوفًا منه]، فنزل فعثر فوقع، وأدركه يوسف فضربه بخنجر كان في يده في خاصرة الملك، وأدركه الجيش فقتلوه، وقد جرح السلطان جرحًا منكرًا، فتوفي يوم السبت عاشر ربيع الأول من هذه السنة. ويقال: إن أهل بخاري لما اجتاز بهم، ونهب عامةُ عسكره أشياء كثيرة لهم، دعَوا عليه فهلك. ولما توفي أجلس ولده ملكشاه على سرير الملك، وقام الأمراء بين يديه، فقال له الوزير نظام الملك: تكلَّم أيّها السلطان، فقال: الأكبر منكم أبي، والأوسط أخي، والأصغر ابني، وسأفعل معكم ما لم أسبق إليه. فأمسكوا، فأعاد القول، فأجابوه بالسمع والطاعة، وقام بأعباء أمره الوزير لأبيه نظام الملك، فزاد في أرزاق الجند سبعمئة ألف دينار، وساروا إلى مرو فدفنوا بها السلطان ألب آرْسَلان، وسيأتي ذكر شيء من ترجمته في الوفيات. ولمّا بلغ خبر وفاته بغداد، أقام الناس له العزاء، وغُلِّقت الأسواق، وأظهر الخليفة الجزع عليه، وتسلّبت ابنته الخاتون زوجة الخليفة (١)، وجلست على التراب. وجاءت الكتب من السلطان ملك شاه في رجب إلى الخليفة، يتأسّف فيها على والده، ويسأل أن تقام له الخطبة [بالعراق] ففعل ذلك، وخلع ملك شاه على الوزير نظام الملك خلعًا سنيّة وأعطاه تحفًا كثيرة، من جملة ذلك عشرون ألف دينار، ولقّبه أتابك [الجيوش]، ومعناه: الأمير الكبير الوالد، فسار سيرة حسنة، ولمّا بلغ قارون (٢) بيك موت أخيه ألب آرْسلان، ركب في جيوش كثيرة قاصدًا قتال ابن أخيه ملك شاه، فالتقيا فاقتتلا، فانهزم أصحاب قارون، وأسر هوَ، فأنَّبه ابن أخيه، ثمّ اعتقله [ثمَّ أرسل إليه من قتله]. وفيها: جرت فتنةٌ عظيمة بين أهل الكرخ وباب البصرة والقلائين، فاقتتلوا، فقتل منهم خلق كثير

стр. 6033

واحترق جانب كبير من الكرخ، فانتقم المتولّي لأهل الكرخ من أهل باب البصرة والآخرين، فأخذ من أموالهم شيئًا كثيرًا جناية لهم على ما صنعوا. وفيها: أقيمت الدعوة العباسية ببيت المقدس. وفيها: ملك صاحب سمرقند وهو [محمد] ألتكين مدينة ترمذ، وفيها: حجّ بالناس أبو الغنائم العلوي، واللَّه أعلم. وممن توفي فيها من الأعيان: السلطان ألب آرْسَلان (١) الملقب بسلطان العالم، ابن جغْري بك (٢) داود بن مِيكائيل بن سُلْجوق بن تُقاق (٣) التركيّ، صاحب الممالك المتَّسعة. وقد ملك بعد عمّه طُغْرُلْبَك سبع سنين وستة أشهر وأيامًا. وكان عادلًا يسير في الناس سيرة حسنة، كريمًا رحيمًا، شفوقًا على الرعية، رفيقًا على الفقراء، بارًّا بأهله وأصحابه ومماليكه، كثير الدعاء بدوام ما أُنعم به عليه، كثير الصدقات، يتصدّق في كلّ رمضان بخمسة عشر ألف دينار، ولا يُعرف في زمانه جناية، ولا مصادرة، بل يقنع من الرعايا بالخراج في قسطين، رفقًا بهم، كتب إليه بعض السُّعاة في نظام الملك [وزيره، وذكر ما له في ممالكه]، فاستدعاه، وقال له: إنْ كان هذا صحيحًا؛ فهذّب أخلاقك، وأصلح أحوالك، وإن لم يكن صحيحًا؛ فاغفر لهم زلّتهم بمهمٍّ يَشغلهم عن السعايات بالناس. وكان شديد الحرص على حفظ مال الرعايا، بلغه أن غلامًا من غلمانه أخذ إزارًا لبعض التجار فصلبه، فارتدع سائر المماليك به خوفًا من سطوته. وترك من الأولاد: ملك شاه الذي قام بالأمر من بعده، وإياز، وتكش (٤)، وبوري برس، وآرْسلان، وآرغو، وسارة، وعائشة، وبنتًا أخرى. وكانت وفاته في هذه السنة عن إحدى وأربعين سنة، ودفن عند والده بالريّ، رحمه اللَّه تعالى.

стр. 6034

أبو القاسم القُشَيريّ (١) [صاحب "الرسالة"] عبد الكريم بن هَوازِن بن عبد الملك (٢) بن طلحة. وأمّه من بني سليم، توفي أبوه، وهو طفل، فقرأ الأدب والعربيّة، وصحب الشيخ أبا علي الدّقاق، وأخذ الفقه عن أبي بكر بن محمد الطُّوسي، والكلام عن أبي بكر بن فُورَك، وصنّف الكثير، فله: "التفسير الكبير"، و"الرسالة" التي ترجم فيها جماعة من المشايخ والصالحين، وحجّ صحبة إمام الحرمين وأبي بكر البَيْهَقي الحافظ، وكان يعظ الناس، وتوفي بنيسابور في هذه السنة عن سبعين سنة، ودفن إلى جانب شيخه أبي علي الدّقاق، ولم يدخل أحد من أهل بيته بيت كتبه، إلا بعد سنين احتراما له، وكانت له فرس يركبها، وقد أهديت إليه، فلمّا توفي لم تأكل علفًا حتى نفقت بعده بيسير، فماتت، ذكره ابن الجوزي. وقد أثنى عليه القاضي ابن خلكان في "الوفيات" [ثناءً] كثيرًا، وذكر شيئًا من شعره الرّائق، فمن ذلك قوله: سَقَى اللَّهُ وقتًا كنتُ أخلُو بِوَجْهِكُمْ … وثَغْرُ الهوى في رَوضَةِ الأنْسِ ضاحِكُ أقمنَا (٣) زَمانًا والعيونُ قريرةٌ … وأصْبَحْتُ يومًا والجُفُونُ سَوافِكُ وقوله أيضًا، رحمه اللَّه تعالى: لو كنتَ ساعةَ بيننا ما بينَنا … وشهدتَ حينَ فِراقنا (٤) التوديعا أيقنتَ أنَّ من الدموع محدِّثًا … وعلمتَ أنَّ من الحديثِ دُمُوعا ومن ذلك قوله أيضًا: ومنْ كانَ في طولِ الهوى ذاقَ سَلْوةً … فإنّيَ من ليلى بها (٥) غير ذائقِ وأكبرُ (٦) شيءٍ نلتُه من وِصالِها … أمانيَ لم تصدق كخطفةِ بارِقِ

стр. 6035

ابن صُرّبَعْر الشاعر (١) اسمه علي بن الحسن (٢) بن علي بن الفضل، أبو منصور الكاتب المعروف: بابن صُرّبَعْر. وكان نظام الملك يقول له: أنت صُرَّدُرّ، لا صُرّبَعْر. وهجاه بعضهم فقال: لئن نَبَذ الناسُ قِدمًا أباكَ … فسمّوهُ من شحّه صُرَّبَعْرا (٣) فإنّك تنثر (٤) ما صَرَّهُ … عُقوقًا له، وتسمّيه شِعرا قال ابن الجوزي: وهذا ظلم فاحش، فإن شعره في غاية الحسن، ثمّ أورد له قِطَعًا حسانًا من شعره فمن ذلك قوله: إيهِ أحاديثَ نُعمانَ وسَاكنَهُ … إنَّ الحديثَ عن الأحبابِ مختارُ (٥) أفتِّش الريحَ (٦) عنكم كلَّما نَغَمت … من نحو أرضكمُ مِسْكٌ (٧) ومعطار (٨) قال: وقد حفظ القرآن، وسمع الحديث من ابن بشران (٩) وغيرهما، وحدّث كثيرًا، وركب يومًا دابة فتردّى عنها هو ووالدته [فسقطا بالشُونيزيّة] (١٠) في بئر فماتا، ودفنا في باب أبرز (١١)، وذلك في صفر من هذه السنة. [قال ابن الجوزي (١٢): قرأت بخط ابن عقيل، صُرَّبَعْر: جارنا (١٣) بالرصافة، وكان ينبذ الإلحاد.

стр. 6036

وقد أورد له ابن خلِّكان (١) شيئًا من أشعاره، وأثنى عليه في فنّه، واللَّه أعلم بحاله]. محمد بن علي بن محمد بن عُبيد اللَّه (٢) بن عبد الصمد بن المهتدي باللَّه (٣) أبو الحسين، ويعرف بابن الغريق (٤). ولد سنة سبعين وثلاثمئة، وسمع الدّارقطني، وهو آخر من حدّث عنه في الدنيا، وابن شاهين، وتفرّد عنه وسمع خلقًا آخرين. وكان ثقة ديِّنًا كثير الصلاة والصيام، فكان يقال له: راهب بني هاشم. وكان غزير العلم والعقل، كثير التِّلاوة، رقيق القلب، رحل إليه الطلبة من الآفاق، ثمّ ثَقُل سمعه، فكان يقرأ على الناس، وذهبت إحدى عينيه، خطب وله ست عشرة سنة، وشهد عند الحكام [سنة ست وأربعمئة، وولي الحكم سنة تسع وأربعمئة، وأقام خطيبًا بجامع المنصور وجامع الرصافة ستًا وسبعين سنة وحكم] ستًا وخمسين سنة، وتوفي سلخ ذي القعدة من هذه السنة، وقد جاوز تسعين سنة، وكان يوم جنازته يومًا مشهودًا، ورؤيت له منامات صالحة. ثم دخلت سنة ست وستين وأربعمئة في صفر، جلس الخليفة جلوسًا عامًا [وعلى رأسه حفيده الأمير عدة الدّين، أبو القاسم عبد اللَّه (٥)] وعمره يومئذ ثماني عشرة سنة [وهو في غاية الحسن، وحضر الأمراء والكبراء]، فعقد الخليفة بيده لواء السلطان ملك شاه [وكثر الزحام يومها، وهنَّأ الناس بعضهم بعضًا بالسلامة]، وكان يومًا مشهودًا. صفة غرق بغداد في هذه السنة وفي جمادى الآخرة، جاء مطر عظيم، وسيلٌ قوي كثير، وزادت دجلة حتى غرَّقت جانبًا كبيرًا من بغداد، وحتى خلص ذلك إلى دار الخلافة، فخرجت الجواري حاسرات [عن وجوههن] حتى صرن إلى الجانب الغربي، وهرب الخليفة من مجلسه، فلم يجد طريقًا يسلكه، فحمله بعض الخدم إلى التاج،

стр. 6037

وكان ذلك يومًا عظيمًا، [وأمرًا هائلًا]، وهلك للناس أموال عظيمة جدًا، ومات خلق كثير تحت الردم، من أهل بغداد والقرايا، وجاء على وجه السيل من الأخشاب والوحوش والحيّات شيء كثير جدًا، وسقطت دور كثيرة من الجانبين، وغرقت قبور كثيرة، من ذلك مقبرة الخيزران، ومقبرة الإمام أحمد بن حنبل، ودخل الماء من شبابيك البيمارستان العَضُدي، وأتلف السيل من الموصل شيئًا كثيرًا، وصدم سور سنجار، فهدمه وأخذ بابه من موضعه إلى مسيرة أربعة فراسخ (١). وفي ذي الحجَّة جاءت ريح شديدة بالبصرة، فاجْتُثَّ منها نحو من خمسة (٢) آلاف نخلة. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن أحمد (٣) أبو الحسين السِّمْنانيّ، الأشعري الحنفي، قال ابن الجوزي: وهذا من الغريب. تزوّج قاضي القضاة، أبو عبد اللَّه الدامغاني ابنته، وولاه نيابة القضاء، وكان ثقة نبيلًا، من ذوي الهيئات، جاوز الثمانين. عبد العزيز بن أحمد بن علي بن سليمان أبو محمد الكتَّاني (٤) الحافظ الدمشقي. سمع الكثير، وكتب كثيرًا، وصنّف، فأجاد وأفاد، وله في الفضائل أشياء كثيرة غريبة، وبعض ما يرويه موضوع، ولا ينبّه عليه، مع أنّه كان ثقة ضابطًا، حافظًا، صدوقًا، مستقيم الطريقة والاعتقاد، سلفي المذهب [وقد كان يملي من حفظه]، وقد كتب عنه الحافظ أبو بكر الخطيب. محمد بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن جعفر (٥) أبو بكر العطار، الأصبهاني الحافظ، مستملي أبي نعيم. سمع الكثير، وكان يملي من حفظه، كتب عنه الخطيب حديثًا واحدًا، وكان عظيمًا في بلده ثقة نبيلًا جليلًا، وكانت وفاته في هذه السنة، رحمه اللَّه تعالى.

стр. 6038

الماورديّة: ذكر ابن الجوزي (١) أنّها كانت عجوزًا صالحة، من أهل البصرة، تعظ النساء بها، وكانت تكتب وتقرأ، ومكثت خمسين سنة من عمرها لا تفطر نهارًا، ولا تنام ليلًا، وتقتات بخبز الباقلاء، وتأكل التين اليابس لا الرطب، وشيئًا يسيرًا من العنب والزبيب، وربّما أكلت من اللحم اليسير، وحين توفيت تبع كلّ البلد جنازتها، ودفنت في مقابر الصالحين. ثم دخلت سنة سبع وستين وأربعمئة في صفر منها مرض الخليفة القائم بأمر اللَّه مرضًا شديدًا [انتفخ منها حلقه، وامتنع من الفصد، فلم يزل الوزير فخر الدولة عليه حتى] افتصد، فصلح الحال [وكان الناس قد انزعجوا]، وفرح الناس بعافيته. وجاء في هذا الشهر سيل عظيم، [قاسى الناس منه شدة عظيمة، ولم تكن أكثر أبنية بغداد تكاملت من الغرق الأول، فخرج الناس إلى الصحراء، فجلسوا على رؤوس التلال تحت المطر. ووقع وباءٌ عظيم بالرحبة]، فمات من أهلها قريب من عشرة آلاف، وكذلك وقع بواسط، والبصرة، وخوزستان، وأرض خراسان، وغيرها. صفة موت الخليفة القائم بأمر اللَّه افتصد في آخر يوم من رجب من بواسير كانت تعتاده من عام الغرق، ثمّ نام بعد ذلك فانفجر فصاده فاستيقظ، وقد سقطت قوّته، وحصل الإياس منه، فاستدعى بحفيده، ووليّ عهده من بعده عدّة الدين أبي القاسم عبد اللَّه بن محمد بن القائم، وأحضر إليه القاضي والنقباء، وأشهدهم عليه ثانيًا بولاية العهد له من بعده فشهدوا. ثمّ كانت وفاته في منتصف شعبان عن أربع وسبعين (٢) سنة ونصف، وكانت مدة خلافته أربعًا وأربعين سنة ونصف (٣)، فلم يبلغ أحد من العباسيين قبله هذه المدة، وقد جاوزت خلافة أبيه قبله أربعين سنة، فكان مجموع أيامهما خمسًا وثمانين سنة ونصف، وذلك مقاربًا لدولة بني أميّة كلّها. وقد كان القائم بأمر اللَّه جميلًا مليح الوجه، أبيض، مشربًا [بحمرة] فصيحًا، ورعًا، زاهدًا، أديبًا، كاتبًا، بليغًا، كما تقدّم [شيء من] شعره بحديثةِ عانة سنة خمسين، وكان عادلًا كثير الإحسان إلى الناس، رحمه اللَّه تعالى.

стр. 6039

وغسّله الشريف أبو جعفر بن موسى الحنبلي، عن وصيّة الخليفة بذلك. فعُرض على الشريف أبي جعفر ما هنالك من الأثاث والأموال فلم يقبل منه شيئًا، وصُلِّي على الخليفة، ودفن عند أجداده، ثمّ نقل إلى الرَّصافة، فقبره يزار إلى الآن [وغُلِّقت الأسواق لموته، وعلِّقت المسوح، وناحت عليه نساء الهاشميين وغيرهم، وجلس الوزير ابن جَهِير وابنه للعزاء على الأرض وخرق الناس ثيابهم، وكان يومًا عصيبًا، واستمرّ الحال كذلك ثلاثة أيام]. وقد كان من خيار بني العبّاس، دينًا، واعتقادًا، ودَولةً، وقد امتحن من بينهم بفتنة البساسيري التي اقتضت إخراجه من داره، ومفارقة أهله وأولاده، فأقام بحديثة عانة سنة كاملة، ثمَّ أعاد اللَّه نعمته عليه، وخلافته إليه، كما قال الشاعر: فأصبحوا قد أعاد اللَّه نعمتَهم … إذ هم قريش، وإذْ ما مثلهم بشر [وقد تقدم له في ذلك سلف صالح كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤] وقد ذكرنا ملخّص ما ذكره المفسّرون في سورة "ص"، وبسطنا الكلام عليه في هذه القصّة العباسيّة، والفتنة البساسيرية، في سنة خمسين، وإحدى وخمسين وأربعمئة]. خلافة المقتدي بأمر اللَّه وهو أبو القاسم عدّة الدين عبد اللَّه ابن الأمير ذخيرة الدّين محمد ابن الخليفة القائم بأمر اللَّه عبد اللَّه بن القادر العباسي، وأف أرمنيّة، واسمها أرجوان، وتدعى قرّة العين، أدركت خلافة ولدها هذا، وخلافة ولديه من بعده، المستظهر، والمسترشد، [وقد كان أبوه توفي وهو في الحمل، فحين ولد ذكرًا، فرح به جدُّه والمسلمون فرحًا شديدًا، إذ حفظ اللَّه على المسلمين بقاء الخلافة في البيت القادري، لأن من عداهم كانوا يتبذلون في الأسواق، ويختلطون مع العوام، وكانت القلوب تنفر من تولية أولئك الخلافة على الناس، ونشأ هذا في حجر جدّه القائم بأمر اللَّه، يربِّيه بما يليق بأمثاله، ويدرّبه على أحسن السجايا، وللَّه الحمد]. وكان عمر المقتدي حين ولي الخلافة عشرين سنة، وهو في غاية الجمال خَلفًا وخُلُقًا، وكانت بيعته يوم الجمعة الثالث عشر من شعبان من هذه السنة، جلس في دار الشجرة بقميص أبيض، وعمامة بيضاء [لطيفة، وطرحة قصب أدرية] وجاء الوزراء والأمراء، والأشراف ووجوه الناس، فبايعوه، فكان أول من بايعه الشريف (١) أبو جعفر بن أبي موسى الحنبلي، وأنشده قول الشاعر:

стр. 6040

إذا سَيِّدٌ مِنَّا مضَى قَامَ سَيِّدٌ ثم أرتِجَ عليه، فلم يدر ما بعده؛ فقال الخليفة: قَؤُول بما قالَ الكِرَامُ فَعُولُ وبايعه من شيوخ العلم: الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والشيخ أبو نصر الصبّاغ الشافعيان، والشيخ أبو محمد التميمي الحنبلي، وبرز فصلّى بالناس العصر، ثمّ بعد ساعة أخرج تابوت جده، بسكون ووقار، من غير صراخ، ولا نوح، فصلّى عليه، وحُمل إلى المقبرة. وقد كان المقتدي باللَّه شهمًا، شجاعًا، أيامُه كلُّها مباركة، والرزق دارٌّ، والخلافة معظَّمة جدًا، وتصاغرت الملوك له [وتضاءلوا بين يديه]، وخُطِبَ له بالحرمين، وبيت المقدس، والشاميّات كلّها، واسترجع المسلمون الرُّها، وأنطاكية [من أيدي العدوّ]، وعمّرت بغداد، وغيرها من البلاد، واستوزر ابن جَهير [ثمّ أبا شجاع، ثم أعاد ابن جَهير]، وقاضيه ابن الدامغاني، ثمّ أبو بكر الشاشيّ، وهؤلاء [مِنْ] خيار القضاة والوزراء، وللَّه الحمد. وفي شعبان أخرج المفسدات من الخواطئ وغيرها من بغداد على حُمُراتٍ [وأمرهن أن]، ينادين على أنفسهنّ بالعار والفضيحة، وخرّب [الخمَّارات، ودور الزواني، والمغاني، وأسكنهن الجانب الغربي مع الذلّ والصغار]، وخرّب أبرجة الحمام [ومنع اللعب بها، وأمر الناس باحتراز عوراتهم في الحمّامات، ومنع أصحاب الحمامات] أن يصرفوا فضلاتها إلى دِجلة، وألزمهم بحفر آبار لتلك المياه القذرة، صيانة لماء الشرب. وفي شوّال، وقعت نار في أماكن متعدّدة ببغداد حتى في دار الخلافة، فأحرقت شيئًا كثيرًا من الدور والدكاكين، ووقع في واسط حريق في تسعة أماكن، واحترق فيها أربعة وثمانون دارًا، وستة خانات [وأشياء كثيرة]. وفيها: عمل الرصد للسلطان ملك شاه، اجتمع عليه جماعة من أعيان المنجّمين، وأنفق عليه أموالٌ كثيرة، وبقي الرّصد دائرًا حتى مات السلطان، فبطل (١). وفي ذي الحجّة أعيدت الخطبة بمكة للمصريين، وقُطعت خطبة العباسيين، وذلك لمّا قوي أمر صاحب مصر بعدما كان ضعيفًا بسبب غلاء بلده، فلما رخصت تراجع الناس إليها، وطاب العيش بها، وقد كانت الخطبة العباسيّة بمكّة أربع (٢) سنين وخمسة أشهر، وستعود على ما كانت على ما سيأتي بيانه في موضعه.

стр. 6041

وفي هذا الشهر انجفل أهل السواد من شدَّة الوباء، وقلّة ماء دجلة ونقصها. وحجّ بالناس الشريف أبو طالب الحسين بن محمد الزَّينبي، وأخذ البيعة للخليفة المقتدي [بالحرمين]. وممن توفي فيها من الأعيان: الخليفة القائم بأمر اللَّه (١) وقد ذكرنا شيئًا من ترجمته عند وفاته. الدَّاوودي (٢) راوي "صحيح البخاري"، عبد الرحمن بن محمد بن المظفَّر بن محمد بن داود، أبو الحَسَن (٣) بن أبي طلحة الدّاوودي. ولد سنة أربع وسبعين وثلاثمئة، سمع الكثير، وتفقّه على الشيخ أبي حامد الإسفراييني وأبي بكر القفّال، وصحب أبا علي الّقاق، وأبا عبد الرحمن السُّلَمي، وكتب الكثير، ودرّس وأفتى وصنّف، ووعظ الناس، وكانت له يد طولى في النظم والنثر، وكان مع ذلك كثير الذِّكر، لا يفتر لسانه عن ذكر اللَّه تعالى، دخل عليه الوزير نظام الملك وجلس بين يديه، فقال له الشيخ: إنّ اللَّه قد سلّطك على عباده، فانظر كيف تجيبه إذا سألك عنهم، وكانت وفاته ببوشنج (٤) من هذه السنة، وقد جاوز التسعين، ومن شعره الجيد قوله: كانَ في الاجتماعِ بالناسِ نورٌ … ذهبَ النور وادْلَهَمَّ الظَّلامُ فَسَدَ الناسُ والزمانُ جميعًا … فعَلى الناسِ والزَّمانِ السَّلامُ أبو الحسن، علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيّب البَاخَرْزِي (٥) الشاعر المشهور. اشتغل بالعلم أولًا على أبي محمد الجُويني، ثمّ عدل إلى الكتابة والشعر ففاق أقرانه، وله ديوان شعر في غاية الجودة والصنعة، فمن شعره قوله:

стр. 6042

وإني لأشكو لَسْعَ أصداغك التي … عقاربُها في وَجْنَتيك نجومُ وأبكي لدرِّ الثغرِ منكَ ولي أبٌ … فكيف يُديمُ الضحكَ وهو يتيمُ ثم دخلت سنة ثمان وستين وأربعمئة قال ابن الجوزي (١): جاء جراد في شعبان بعدد الرّمل والحصا، فأكل الغلات، وآذى أكثر الناس، وجاعوا فطحن الناس الخرّوب (٢) بدقيق الدخن فأكلوه، فوقع الوَباء، ثمّ منع اللَّه تعالى الجراد من الفساد، فكان يمرّ ولا يضرّ، فرخصت الأسعار. قال: ووقع غلاء شديد بدمشق، واستمرّ ثلاث سنين. وفيها: ملك نصر بن محمود بن صالح بن مرداس مدينة منبج، وأجلى عنها الروم. وفي هذه السنة: ملك الأقسيس مدينة دمشق، وهزم عنها المعلَّى بن حيدرة نائب المستنصر العُبيدي إلى مدينة نابلس، وخطب فيها للمقتدي، وقطعت خطبة المصريين عنها إلى الآن، وذلك في ذي القعدة في هذه السنة، فاستدعى المستنصر نائبه فحبسه عنده إلى أن مات في السجن، وللَّه الحمد. قلت: الإقسيس هذا هو أتسز بن أوف الخوارزمي، ويلقّب بالملك المعظم، وهو أول من استعاد بلاد الشام من أيدي الفاطميين، وأزال الأذان منها بحيّ على خير العمل، بعد أن كان يؤذَّن به على منابر دمشق، وسائر الشام مئة وست سنين، كان على أبواب الجوامع والمساجد مكتوب لعنة الصحابة ﵃، فأمر المؤذِّنين والخطباء أن يترضَّوا عن الصحابة أجمعين، ونشر العدل وأظهر السنة وهو أول من أسس القلعة بدمشق، ولم يكن فيها قبل ذلك معقل يلتجئ إليه المسلمون من العدوّ، فبناها في محلتها هذه التي هي فيها اليوم، وكان موضعها بباب البلد، يقال له: باب الحديد، وهو تجاه دار رضوان منها، وكان ابتداء ذلك في السنة الآتية، وإنّما أكملها بعده الملك المظفر تتش بن ألْب آرْسلان السلجوقي كما سيأتي بيانه (٣). وحجّ بالناس في هذه السنة مُقْطَع الكوفة، وهو الأمير السكيني ختلغ (٤) التفكين التركي، ويعرف بالطويل، وكان قد شرّد خفاجة في البلاد وقهرهم، ولم يصحب معه سوى ستة عشر تركيًّا، فوصل سالمًا إلى مكّة، ولمّا نزل ببعض دورها كبسه بعض العبيد، فقتل فيهم مقتلة عظيمة، وهزمهم هزيمة شنيعة،

стр. 6043

ثمّ أعيدت الخطبة في ذي الحجّة هذه بمكّة للعباسيين، وقُطعت خطبة المصريين، وللَّه الحمد. وكان ختلغ بعد الوقعة المتقدمة لا ينزل إلا بالزاهر. قاله ابن الساعي في "تاريخه". وممن توفي فيها من الأعيان: محمد بن علي [بن أحمد بن محمد] (١) بن عيسى بن أحمد بن أبي موسى (٢) أبو تمام (٣) بن أبي القاسم ابن القاضي أبي علي الهاشمي نقيب الهاشميين. وهو ابن عم الشريف أبي جعفر بن أبي موسى الفقيه الحنبلي، وروى الحديث، وسمع منه أبو بكر بن عبد الباقي، ودفن بباب حرب، رحمه اللَّه تعالى. محمد بن القاسم بن حبيب بن عَبدوس (٤) أبو بكر الصفّار من أهل نيسابور. سمع الحاكم، وأبا عبد الرحمن السُّلَمي وخلقًا، وتفقَّه على الشيخ أبي محمد الجُويني، وكان يخلفه في حلقته. محمد بن محمد بن عبد اللَّه (٥) أبو الحَسن (٦) البيضاوي الشافعي، ختن أبي الطيب الطبري على ابنته. سمع الحديث، وكان ثقة خيرًا، توفي في شعبان، وتقدّم للصلاة عليه الشيخ أبو نصر بن الصبّاغ، وحضر جنازته أبو عبد اللَّه الدامغاني مأمومًا، ودفن بداره في قطيعة الكرخ. محمد بن نصر بن صالح أمير حلب (٧) وكان قد ملكها في سنة تسع وخمسين، وكان من أحسن الناس شكلًا وفعلًا. مسعود بن المُحَسِّن (٨) بن الحسن بن عبد الرزاق أبو جعفر البَياضي الشاعر.

стр. 6044

ومن شعره قوله: ليسَ لي صاحبٌ مُعِينٌ سوى اللـ … ـــيْلِ إذا تم (١) بالصدودِ عَلَيّا أنا أشكُو بُعْدَ الحبيبِ إليه … وهوَ يشكُو بُعْدَ الصباحِ إليّا ومن شعره الجيد قوله: يا من لبستُ لهجرِهِ ثوبَ الضّنا … حتى خفيت بها (٢) عن العُوّادِ وأنِستُ بالسَّهَرِ (٣) الطويل فأنسيتْ … أجفانُ عيني كيفَ كانَ رُقادي إنْ كانَ يوسُف بالجمالِ مُقطِّع الـ … أيدي، فأنتَ مفتِّتُ الأكبادِ الواحدي المفسّر (٤) أبو الحسن، علي بن أحمد بن متّويه الواحِدي. قال ابن خلِّكان: لا أدري هذه النسبة إلى ماذا (٥)، وهو صاحب التفاسير الثلاثة: "البسيط"، و"الوسيط"، و"الوجيز". قال: ومنه أخذ الغزالي أسماء كتبه، قال: وله: "أسباب النزول"، و"التحبير في شرح أسماء اللَّه الحسنى"، وقد شرح "ديوان" المتنبي، وليس في شروحه مع كثرتها مثله. قال: وقد رُزق السَّعادة في تصانيفه، وأجمع الناس على حسنها، وذكرها المدرّسون في دروسهم، وقد أخذ التفسير عن الثَّعالبي (٦)، وقد مرض الواحدي مدَّة، ثمّ كانت وفاته بنيسابور في جمادى الآخرة من هذه السنة، رحمه اللَّه تعالى. ناصر بن محمّد بن عليّ (٧) أبو منصور التركيّ المضافريّ (٨)، وهو والد الحافظ محمد بن ناصر، قرأ القراءات، وسمع الكثير، وهو الذي تولّى قراءة التاريخ على الخطيب بجامع المنصور، وكان ظريفًا، صبيحًا، مات شابًا دون الثلاثين سنة، في ذي القعدة من هذه السنة، وقد رثاه بعضهم بقصيدة طويلة أوردها كلّها ابن الجوزي في "المنتظم".

стр. 6045

يوسف بن محمد بن يوسف بن الحسن (١) أبو القاسم الهَمَذاني، سمع وجمع وصنّف، وانتشرت عنه الرواية وكان موته في هذه السنة، وقد قارب التسعين، رحمه اللَّه تعالى. ثم دخلت سنة تسع وستين وأربعمئة فيها: كان ابتداء عمارة قلعة دمشق، وذلك أن الملك المعظم أتسِز بن أوق (٢) الخُوارزمي، لما انتزع دمشق من أيدي العُبَيديين في السنة الماضية، شرع في بناء هذا الحصن المنيع بدمشق في هذه السنة، وكان مكان القلعة اليوم أحد أبواب البلد، باب يعرف بباب الحديد، وهو الباب المقابل لدار رضوان منها اليوم، داخل البركة البرانيّة منها، وقد أسسها وارتفع بعض أبرجتها فلم تتكامل حتى انتزع مُلْك البلد منه الملك المظفّر تاج الملوك تتش بن ألْب آرْسلان السلجوقي فأكملها وأحسن عمارتها، وابتنى بها دار رضوان للملك، واستمرت على ذلك البناء في أيام نور الدين محمود بن زنكي، فلما كان الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب جدّد فيها شيئًا، وابتنى له نائبه ابن مقدم فيها دارًا هائلة للمملكة، ثم إن الملك العادل أخا صلاح الدين، اقتسم هو وأولاده أبرجتها، فبنى كل ملك منهم برجًا منها جدده وعلَّاه، ووطده، وأكده. ثمّ جدّد الملك الظاهر بيبرس منها البرج الغربيّ القبلي، ثمّ ابتنى بعده في دولة الملك الأشرف خليل بن المنصور، نائبه الشجاعي، الطارقة الشمالية الغربية، والقبّة الزرقاء وما حولها (٣). وفي المحرم، مرض الخليفة مرضًا شديدًا، فأرجف الناس بموته، فركب حتى رآه الناس جهرة فسكنوا. وفي جمادى الآخرة زادت دجلة زيادة كثيرة جدًّا، إحدى وعشرين ذراعًا ونصفًا، فنقل الناس أموالهم، وخيف على دار الخلافة، فنُقل تابوت القائم بأمر اللَّه، ليلًا إلى التربة بالرُّصافة. وفي شوّال وقعت الفتنة بين الحنابلة والأشعريّة، وذلك أنَّ ابن القشيري (٤) قدم بغداد، فجلس يتكلّم

стр. 6046

في المدرسة النظاميّة وأخذ يذمُّ الحنابلة، وينسبهم إلى التجسيم، وساعده أبو سعد الصّوفي، ومال معه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وكتب إلى نظام الملك يشكو إليه الحنابلة، ويسأله المعونة، وذهب جماعة إلى الشريف أبي جعفر بن أبي موسى شيخ الحنابلة وهو في مسجده، فدافع عنه آخرون، وثارت الفتنة، [واقتتل الناس بسبب ذلك وقُتِل رجلٌ خياط من سوق التبن وجُرح آخرون]، وكتب الشيخ أبو إسحاق وأبو بكر الشاشي إلى نظام الملك، فجاء كتابه إلى فخر الدولة، به يُنكر ما وقع، ويكره [أن ينسب] إلى المدرسة التي بناها شيءٌ من ذلك، وعزم الشيخ أبو إسحاق على الرحلة من بغداد غضبًا مما وقع من الشرّ، فأرسل إليه الخليفة [يُسَكِّنه] ثمّ جمع بينه وبين الشريف أبي جعفر، وأبي سعد الصوفي، وأبي نصر ابن القشيري عند الوزير، فأقبل الوزير على أبي جعفر يعظّمه في الفِعال والمقال، وقام إليه الشيخ أبو إسحاق وقال: أنا ذلك الذي كنت تعرفه وأنا شاب، وهذه كتبي في الأصول، أقول فيها خلافًا للأشعريّة، ثم قبّل رأسه، فقال له: صدقت، إلا أنك لما كنت فقيرًا لم يظهر لنا ما في نفسك، فلما جاء الأعوان والسلطان، وخواجا بُزْرك، يعني نظام المُلك، [وشبعت]، أبديت ما كان مخفيًّا [في نفسك]، وقام الشيخ أبو سعد الصوفي فقبّل رأس الشريف أبي جعفر، وتلطّف به، فالتفت إليه مغضبًا وقال: أيّها الشيخ! أمّا الفقهاء إذا تكلموا في [مسائل] الأصول فلهم فيها مدخل، أمّا أنت فصاحب لهو وسماع، وتعبير، فمن زاحمك [منا] على [باطلك]؟ ثم قال: أيّها الوزير! أنَّى تُصلح بيننا [وكيف يقع بيننا صلح]، ونحن نوجب ما نعتقده، وهم يُحرّمون، أو يكفِّرون، وهذا جَدُّ الخليفة القائم باللَّه، والقادر قد أظهرا اعتقادهما للناس [على رؤوس الأشهاد] على مذهب أهل السنّة والجماعة، والسَّلف، ونحن على ذلك، كما وافق عليه الخراسانيّون، والعراقيّون، وقرئ على الناس في الدواوين كلّها، فأرسل الوزير إلى الخليفة يعلمه بما جرى، فجاء الجواب بشكر الجماعة، وخصوصًا الشريف أبي جعفر ثمّ استدعى [الخليفةُ أبا جعفر] إلى دار الخلافة للسلام عليه، والتبرّك بدعائه. قال ابن الجوزي: وفي ذي القعدة [منها] كثرت الأمراض في الناس ببغداد، وواسط [والسواد]، وورد الخبر بأن الشام كذلك. وفي هذا الشهر، أزيلت المنكرات والبغايا ببغداد، وهرب الفساق منها. وفيها: ملك حلب نصر بن محمود بن مرداس بعد وفاة أبيه. وفيها: تزوج الأمير علي بن أبي منصور بن فرامرز (١) بن علاء الدولة بن كاكويْة الست أرسلان خاتون بنت داود عمّة السلطان ألب آرْسلان، وكانت زوجة القائم بأمر اللَّه.

стр. 6047

فيها: حاصر الأقسيس صاحب دمشق مصر، وضيّق على صاحبها المستنصر باللَّه ثمّ كرّ راجعًا إلى دمشق، وحجّ بالناس في هذه السنة ختلغ التركي مقطع الكوفة. وممن توفي فيها من الأعيان: اسبهدوست بن محمد بن الحسن (١) أبو منصور الدّيلميّ الشاعر. لقي أبا عبد اللَّه بن الحجاج، وعبد العزيز بن نُباتة وغيرَهما من الشعراء. وكان شيعيًّا فتاب، وقال قصيدة في ذلك، منها: وإذا سئلتُ عن اعتقادي قلتُ ما … كانتْ عليه مذاهبُ الأبرارِ وأقولُ خيرُ النّاسِ بعدَ محمّدٍ … صدِّيقُهُ وأنيسُهُ في الغارِ ثمَّ الثلاثةُ بعدَهُ خيرُ الوَرَى … أكرمْ بهمْ من سادةٍ أطْهارِ هذا اعتقادي والذي أرجُو بِهِ … فوزي وعتقِي من عذابِ النّارِ طاهر بن أحمد بن بابشاذ (٢) أبو الحسن البَصرِي النَّحوي، سقط من سطح جامع عمرو بن العاص، الذي بمصر، فمات من ساعته، وذلك في رجب من هذه السنة. قال القاضي ابن خلِّكان: لم يوجد مثله، كان بمصر إمام عصره في النحو، وله المصنفات المفيدة من ذلك "مقدمته" وشرحها و"شرح الجمل" [للزجاجي]. قال: وكانت وظيفته بمصر أنَّه لا تكتب الرسائل في ديوان الإنشاء إلا عُرضت عليه، فيُصْلح منها ما فيه خلل، ثمّ تنفَّذ إلى الجهة التي عيِّنت لها، وكان له على ذلك معلوم، وراتب جيّد، قال: فاتفق أنّه كان يأكل يومًا مع بعض أصحابه طعامًا، فجاءه قطّ، فرموا له شيئًا، فأخذه وذهب سريعًا، ثمّ أقبل فرموا له شيئًا أيضًا، فانطلق به سريعًا، ثمّ جاء، فرموا له شيئًا أيضًا، فعلموا أنّه لا يأكل هذا كلّه، فتتبعوه، فإذا هو يذهب به إلى قط آخر أعمى في سطح هناك، فتعجّبوا من ذلك، فقال الشيخ: يا سبحان اللَّه! هذا حيوان بَهيم، قد ساق اللَّه إليه رزقه على يد غيره، أفلا يرزقني وأنا عبده وأعبده، ثمّ ترك ما كان له من الراتب، وجمع حواشيه [وأقبل على العبادة] والاشتغال

стр. 6048

والملازمة في غرفة في جامع عمرو بن العاص، إلى أن مات كما ذكرنا (١). وقد جمع "تعليقه" في النحو قريبًا من خمسة [عشر] مجلدًا، [فأصحابه: كابن برّي (٢) وغيره، ينقلون منها، وينتفعون بها] ويسمونها "تعليقة الغرفة". عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه بن عمر بن أحمد بن المُجمِّع بن محمد بن بحر بن معبد بن هَزَارْمرد (٣). أبو محمد الصَّرِيفيني، ويعرف بابن المعلّم. أحد مشايخ الحديث المسندين المشهورين، تفرّد عن جماعة من المشايخ لطول عمره، وهو آخر من حدث "بالجعديّات" عن ابن حَبَابة عن أبي القاسم البَغوي، عن علي بن الجَعْد، وهو سماعنا. ورحل إليه الناس بسببه، وسمع عليه جماعة من الحفاظ منهم: الحافظ أبو بكر الخطيب. وكان ثقة محمود الطريقة، توفي بصريفين (٤) في جمادى الأولى من هذه السنة عن خمس وثمانين سنة، رحمه اللَّه تعالى. حيّان بن خلف بن حسين بن حيّان بن وهب بن حيّان (٥) أبو مروان القُرْطبي [مولى بني أميّة]، صاحب "تاريخ المغرب" (٦) في ستين مجلّدًا. أثنى عليه الحافظ أبو علي الغسّاني في فصاحته، وصدقه، وبلاغته، وقال: [وسمعته يقول]: التهنئة بعد ثلاث، استخفاف بالمودّة، والتعزية بعدها إغراء بالمصيبة. قال ابن خلِّكان: توفي في ربيع الأول منها، ورآه بعضهم في النوم [فسأله عن حاله]، فقال: غفر اللَّه لي، وأمّا التاريخ فندمت عليه، لكنّ اللَّه بلطفه أقالني وعفا عني.

стр. 6049

أبو نصر السِّجزِي (١) عُبَيْد اللَّه بن سعيد بن حاتم، أبو نصر السِّجْزي الوائلي، نسبة إلى قرية يقال لها: وائل من قرى سجستان (٢). سمع الكثير، وجَمَع وصنّف [وخرّج]، وأقام بالحرم، وله كتاب "الإبانة في الأصول" وله في الفروع أيضًا، ومن الناس من كان يفضله في الحفظ على الصوريّ، ﵀. محمد بن علي بن الحسين أبو عبد اللَّه الأنْماطي (٣)، المعروف بابن سِكِّيتة، ولد سنة تسعين وثلاثمئة، وكان كثير السماع، وكانت وفاته في هذه السنة عن تسع وسبعين سنة. ثم استهلَّت سنة سبعين وأربعمئة قال ابن الجوزي (٤): في ربيع الأول وقعت صاعقة بمحلّة التوثة (٥) من الجانب الغربي على نخلتين في مسجد فأحرقت أعاليهما، وصعد الناس فاطفؤوا النار، ونزلوا بالسعف وهو يشتعل نارًا. قال: وورد كتاب من نظام الملك إلى الشيخ أبي إسحاق الشيرازي في جوانب كتابه إليه في شأن الحنابلة، ثمّ سرده ابن الجوزي، ومضمونه: أنّه لا يمكن تغيير المذاهب، ولا نقلة أهله عنها، والغالب على أهل تلك [الناحية] هو مذهب الإمام أحمد، ومحلّه معروف عند الأئمة، وقدره معلوم في السنّة، في كلام طويل. قال: وفي شوال وقعت فتنة بين الحنابلة وبين بعض فقهاء النظاميّة، وحمي لكل من الفريقين طائفة من العوام، وقتل بينهم نحو من عشرين قتيلًا [وجرح آخرون]، ثمّ سكنت الفتنة. وفي تاسع عشر من شوال ولد للخليفة المقتدي ولده المستظهر بأمر اللَّه، أبو العباس أحمد، وزين

стр. 6050

البلد، وجلس الوزير للهناء، ثمّ في يوم الأحد السادس والعشرين من (١) هذا الشهر ولد للخليفة ولد آخر أبو محمد هارون. قال ابن الجوزي (٢): وفيها: وَليَ تاج الدولة آرْسَلان الشام، وحاصر حلب، وحجّ بالناس في هذه السنة الأمير مقطع الكوفة ختلغ، وذكر ابن الجوزي: أن ابن جَهير كان عمل منبرًا هائلًا لتقام عليه الخطبة بمكّة، فحين وصل إليها إذ الخطبة قد أعيدت للمصريين، فكُسر ذلك المنبر وحُرق. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن أحمد بن يعقوب بن أحمد أبو بكر [اليَربُوعي] الرزاز المقرئ (٣). آخر من حدَّث عن أبي الحسين بن سمعون، وقد كان ثقة، متعبّدًا حسن الطريقة، كتب عنه الخطيب، وقال: كان صدوقًا. توفي في هذه السنة عن تسع وثمانين سنة، رحمه اللَّه تعالى. أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد اللَّه (٤) أبو الحسين بن النَّقُّور البزاز. أحد المسندين المُعَمَّرين، تفرّد بنسخ كثيرة عن ابن حَبَابة، عن البغوي، عن أشياخه، كنسخة هُدبة، وكامل بن طلحة، وعمر بن زُرارة، وأبي محمد البكري (٥)، وكان مكثرًا متحرِّيًا، وكان يأخذ على إسماع حديث طالوت [بن عَبَّاد] (٦) دينارًا، وقد أفتاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي بجواز أخذ الأجرة على إسماع الحديث، لاشتغاله به عن الكسب، توفي عن تسع وثمانين سنة، رحمه اللَّه تعالى. أحمد بن عبد الملك [بن علي] بن أحمد بن صالح المؤذِّن النيسابوري الحافظ (٧).

стр. 6051

كتب الكثير، وجَمع، وصنّف، وكتب عن ألف شيخ ألف حديث، كان يعظ ويؤذِّن [مات وقد] جاوز الثمانين. عبد اللَّه بن الحسن بن علي بن القاسم بن أبي محمد الخَلال (١) آخر من حدّث عن أبي حفص الكتاني (٢)، وقد سمع الكثير، وروى عنه الخطيب ووثّقه. توفي عن خمس وثمانين سنة، ودفن بباب حرب، ﵀. عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن إبراهيم (٣) أبو القاسم بن أبي عبد اللَّه بن مندة الإمام ابن الإمام. سح أباه وابن مَردوَيه، وخلقًا في أقاليم شتّى سافر إليها، وجمع شيئًا كثيرًا، وكان ذا وقار وسمت حسن، واتّباع للسنّة، وفهمٍ جيّد، كثير الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يخاف في اللَّه لومة لائم. وكان سعد بن محمد الزَّنْجَاني يقول: حفظ اللَّه الإسلام به وبعبد اللَّه الأنصاري الهروي (٤). توفي ابن مَنْده هذا بأصبهان عن سبع وثمانين سنة، وحضر جنازته خلق لا يعلمه إلا اللَّه ، رحمه اللَّه تعالى. عبد الملك بن عبد الغفار (٥) بن محمد بن المظفّر بن علي (٦) أبو القاسم الهَمَذاني. أحد الحفاظ الأولياء الفقهاء وكان يلقب بُنْجِير (٧)، وقد سمع الكثير [وكان يكثر للطلبة ويقرأ لهم]، وكانت وفاته بالريّ في هذه السنة، ودفن إلى جانب إبراهيم الخوّاص.

стр. 6052

الشريف أبو جعفر الحنبلي (١): عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن محمد بن عيسى بن أحمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم (٢) بن عبد اللَّه بن مَعْبَد بن العبّاس بن عبد المطلب الهاشمي، [ابن أبي موسى الحنبلي العباسي] (٣). كان أحد الفقهاء العبّاد العلماء [الزهّاد] المشهورين بالدّيانة والفضل، والعبادة، والقيام في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر [لا تأخذه في اللَّه لومة لائم]. ولد سنة إحدى عشرة وأربعمئة، واشتغل على القاضي أبي يعلى بن الفَرَّاء، وزكّاه شيخه عند ابن الدامغاني فقبله ثمّ ترك الشهادة بعد ذلك. وكان مشهورًا بالصلاح والديانة، وحين احتضر الخليفة، القائم بأمر اللَّه، أوصى أن يغسِّله الشريف أبو جعفر، وأوصى له بشيء [كثير ومال] جزيل فلم يقبل من ذلك شيئًا، [وحين وقعت الفتنة بين الحنابلة والأشعرية بسبب ابن القشيري اعتقل هو في دار الخلافة مكرَّمًا معظَّمًا يدخل عليه الفقهاء وغيرهم، ويقبّلون يده ورأسه، ولم يزل هناك حتى اشتكى فأذن له في المسير إلى أهله] (٤). توفي في [النصف من] صفر (٥) هذه السنة، ودفن إلى جانب الإمام أحمد، وقرئ عنده عشرة آلاف ختمة من كثرة القراءة عليه، رحمه اللَّه تعالى. محمد بن محمد (٦) بن عبد اللَّه أبو الحسن البَيضاوي. أحد الفقهاء الشافعيين، وتولى القضاء بربع الكرخ، ودفن عند والده، رحمه اللَّه تعالى.

стр. 6053

ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وأربعمئة ثم ملك السلطان [الملك المظفر تاج الملوك] (١) تتش بن ألْب آرْسَلان [السلجوقي] (٢) دمشق، وقتل ملكها إقسيس [وذلك أن إقسيس بعث إليه يستنجده على المصريين، فلما وصل إليه لم يركب لتلقّيه، فأمر بقتله، فقتل لساعته، ووجد في خزائنه حجر ياقوت أحمر وزنه سبعة عشر مثقالًا، وستين حبة لؤلؤ، كلّ حبة منها أزيد من مثقال، وعشرة آلاف دينار، ومئتي سرج ذهب وغير ذلك، وقد كان إقسيس هذا هو أتسز بن أوق (٣) الخُوارزمي، وكان يلقب بالملك المعظّم، وكان من خيار الملوك وأجودهم سيرة، وأصحِّهم سريرة، أزال الرفض عن أهل الشام، وأبطل الأذان بحيّ على خير العمل، وأمر بالترضّي عن الصحابة أجمعين. وعمر بدمشق القلعة التي هي معقل الإسلام بالشام المحروس، فرحمه اللَّه، وبلّ بالرحمة ثراه، وجعل جنة الفردوس مأواه. وفيها: عزل الوزير ابن جَهير بإشارة نظام الملك بسبب ممالأته على الشافعيّة، ثمّ كاتب المقتدي نظام الملك في إعادته، [فأعيد ولده، وأطلق هو] (٤). وفيها: قَدِمَ سعد الدولة [جوهر (٥) أميرًا إلى بغداد، وضرب الطبول على بابه في أوقات الصلوات، وأساء الأدب على الخليفة، وضرب طوالات الخيل على باب الفردوس؛ فكوتب السلطان بأمره، فجاء الكتاب من السلطان بالإنكار عليه]. وحجّ بالناس في هذه السنة ختلغ التركي مقطع الكوفة. وممن توفي فيها من الأعيان: سعد بن علي بن محمد بن على بن الحسين أبو القاسم الزَّنْجاني (٦). رحل إلى الآفاق، وسمع الكثير، وكان إمامًا حافظًا، متعبّدًا، ورعًا، انقطع آخر عمره بمكّة، فكان الناس يتبرّكون بتقبيل يده. [قال ابن الجوزي: ويقبّلون يده أكثر مما يقبّلون الحجر الأسود] (٧).

стр. 6054

سليم الحَوْري (١) [نسبة إلى قرية]، من قرى دجيل. كان عابدًا، زاهدًا، يقال: مكث مدّة يتقوّت كلّ يوم بزبيبة، وقد سمع الحديث، وقُرئ عليه، رحمه اللَّه تعالى. عبد اللَّه بن سَبْعون (٢) أبو محمد (٣) الفقيه المالكي القيرواني، توفي ببغداد، ودفن بباب حرب. ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين وأربعمئة فيها: ملك إبراهيم بن محمود بن مسعود بن [محمود بن] سُبُكْتِكين صاحب غزنة قلاعًا كثيرة حصينة، ثم عاد إلى بلاده سالمًا غانمًا. وفيها: ولد الأمير أبو جعفر بن المقتدي بأمر اللَّه، وزُيِّنت له بغداد. وفيها: ملك الموصل سيف الدولة مسلم بن قريش بن بدران [العقيلي] بعد وفاة أبيه. وفيها: ملك منصور بن مروان بلاد ديار بكر بعد أبيه. وفيها: أمر السلطان بتغريق ابن علان اليهودي ضامن البصرة، وأخذ من ذخائره أربعمئة ألف دينار، وضمن خمارتكين البصرة بمئة ألف دينار ومئة فرس في كلّ سنة، وقطعت خطبة المصريين بمكّة، وخطب فيها للمقتدي، والسلطان ملك شاه السلجوقي. [وفيها: فتح عبيد اللَّه بن نظام الملك تكريت. وحجّ بالناس ختلغ التركي] (٤). وممن توفي فيها من الأعيان: عبد الملك بن الحسين (٥) بن أحمد بن خيران (٦) أبو نصر، سمع الكثير، وكان زاهدًا عابدًا يسرد الصوم، ويختم في كلّ ليلة ختمة، ﵀.

стр. 6055

محمّد بن محمّد بن أحمد بن الحسين بن عبد العزيز بن مهران العُكْبَري (١). سمع هلالًا الحفار، وابن رزقويه، والحمامي (٢) وغيرهم، وكان فاضلًا جيّد الشعر، فمن شعره قوله: أطيل تفكّري في أيّ ناسٍ … مضوا قُدُمًا (٣) وفيمن خَلَّفونا همُ الأحياءُ بعد الموت ذِكرًا (٤) … ونحنُ من الخمولِ الميّتُونا توفي في رمضان من هذه السنة، وله تسعون (٥) سنة، رحمه اللَّه تعالى. هَيَّاج بن عُبيد (٦) الحِطِّيني الشامي (٧). سمع الحديث، وكان أوحد زمانه زهدًا وفقهًا واجتهادًا في العبادة، أقام بمكة مدّة يفتي أهلها، ويعتمر في كلّ يوم ثلاث مرات على قدميه، ولم يلبس نعلًا مذ أقام بمكّة، ويزور قبر رسول اللَّه ﷺ مع أهل مكّة ماشيًا حافيًا، وكذلك يزور قبر ابن عباس بالطائف وكان لا يدّخر شيئًا، ولا يلبس إلا قميصًا واحدًا، ضربه بعض أمراء مكّة في بعض فتن الروافض، فتشكّى أيامًا، ومات رحمه اللَّه تعالى، وقد نيّف على الثمانين سنة. ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وأربعمئة وفيها: استولى تكش أخو السلطان ملك شاه على بعض خراسان. وفيها: أذن للوعاظ في الجلوس، وكانوا قد منعوا من وقت فتنة ابن القشيري.

стр. 6056

وفيها: قبض على جماعة من الفتيان كانوا قد جعلوا عليهم رئيسًا يقال له: عبد القادر الهاشمي، وقد كاتبوه من الأقطار، كان الساعي له رجلًا يقال له: ابن رسول، وكانوا يجتمعون عند جامع براثا؛ فخيف من أمرهم أن يكونوا ممالئين للمصريين، فأمر بالقبض عليهم (١). وحجّ بالناس ختلغ في هذه السنة أيضًا. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن عمر بن محمد بن إسماعيل (٢) أبو عبد اللَّه بن الأخضر، المحدّث. سمع [أبا] علي بن شاذان، وكان على مذهب الظاهريّة، وكان كثير التلاوة حسن السيرة، متقللًا من الدنيا، قنوعًا، ﵀. الصُّلَيْحيّ (٣) المتغلّب على اليمن، أبو الحسن، علي بن محمد بن علي الملقّب بالصُّلَيْحيّ، كان أبوه قاضيًا باليمن، وكان سنيًّا، فنشأ هذا، فتعلّم العلم، وبرع في أشياء كثيرة، وكان شيعيًّا على مذهب القرامطة، ثمّ كان يُدِلّ بالحجيج مدّة خمس عشرة سنة، وكان قد اشتهر أمره وذِكره بين الناس أنّه سيملك اليمن، فنجم ببلاد اليمن بعد قتله نجاحًا صاحب تهامة، واستحوذ على بلاد اليمن بكمالها في أقصر مُدّة، واستوثق له الملك بها في سنة خمس وخمسين، وخطب للمستنصر العُبَيدي صاحب مصر، فلما كان في هذا العام خرج للحجّ في ألفي فارس، فاعترضه سعيد بن نجاح بالمهجم في نفر يسير، فقاتلهم فقتل هو وأخوه، واستحوذ سعيد بن نجاح على مملكته وحواصله، ومن شعر الصُّلَيْحي هذا قوله: أنْكَحتُ بيضَ الهندِ سُمْرَ رماحِهِمْ … فَرؤوسُهُمْ عِوَض النِّثَارِ نِثارُ وكذا العُلا لا يُستباح نِكاحُها … إلا بحيثُ تُطلَّقُ الأعمارُ محمد بن الحسين (٤) بن عبد اللَّه بن أحمد بن يوسف بن الشبل (٥) أبو علي الشاعر البغدادي. أسند الحديث، وله الشعر الرائق، فمن ذلك قوله:

стр. 6057

لا تُظْهِرن لعَاذِلٍ أو عاذِرٍ … حَالَيْكَ في السَّرَّاءَ والضّراءِ فَلرحْمةِ المتَوجّعينَ مرارةٌ … في القلبِ مثلُ شماتَةِ الأعداءِ وله أيضًا: يَفْنَى البخيلُ بِجَمْعِ المالِ مُدّتَه … وَلِلحوادِثِ والأيّامِ ما يدعُ كَدُودةِ القَزِّ ما تبنيه يهدمها (١) … وغيرها بالذي تبنيه ينتفع يوسف بن الحسن بن محمد بن الحسن (٢) أبو القاسم التَّفكْريّ (٣)، ومن أهل زِنجان. ولد سنة خمس وتسعين وثلاثمئة، وتفقّه على مذهب الشافعيّ، ودرس الفقه على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وكان من أكبر تلامذته، وكان عابدًا ورعًا، خاشعًا كثير البكاء عند الذكر، مقبلًا على العبادة، وكانت وفاته في هذه السنة وقد قارب الثمانين. ثم دخلت سنة أربع وسبعين وأربعمئة فيها: ولي أبو كامل منصور بن نور الدولة دُبيس ما كان يليه أبوه من الأعمال، وخلع عليه السلطان والخليفة. وفيها: ملك شرف الدولة مسلم بن قريش حرّان، وصالح صاحب الرُّها. وفيها: فتح تتش بن ألب آرْسَلان صاحب دمشق مدينة أنطرطوس. [وفيها: أرسل الخليفة ابن جَهير إلى السلطان ملك شاه يتزوج ابنته فأجابت أمها بذلك، بشرط أن لا يكون له زوجة، ولا سرية سواها، وأن يكون سبعة أيام عندها، فوقع الشرط على ذلك] (٤). وممن توفي فيها من الأعيان: داود بن السلطان ملك شاه (٥). وجد عليه أبوه وجدًا عظيمًا بحيث إنّه كاد أوْ هَمّ أن يقتل نفسه فمنعه الأمراء من ذلك، وانتقل إلى غير ذلك البلد، وأمر النساء بالنوح عليه [ولما وصل الخبر إلى بغداد، جلس وزير الخليفة للعزاء].

стр. 6058

القاضي أبو الوليد الباجي (١) سليمان بن خلف بن سَعد بن أيوب التُّجيبيّ، الأندلسي، الباجي، الفقيه المالكي. أحد الحفاظ المكثرين في الفقه والحديث. سمع الحديث، ورحل إلى بلاد الشرق سنة ست وعشرين وأربعمئة، فسمع هناك كثيرًا، واجتمع بأئمة ذلك الوقت، كالقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وجاور بمكّة ثلاث سنين مع الشيخ أبي ذرّ الهرويّ، وأقام ببغداد ثلاث سنين أيضًا، وبالموصل سنة عند أبي جعفر السِّمناني قاضيها يأخذ عنه الفقه والأصول، وسمع الخطيب البغدادي، وسمع منه الخطيب أيضًا، وروى عنه هذين البيتين الحسنين: إذا كنتُ أعلمُ علمًا يقينًا … بأنّ جميعَ حياتي كساعة (٢) فَلِمْ لا أكونُ ضَنِيْنًا (٣) بِهَا … وأجعلها في صلاحٍ وطاعَهْ ثمّ عاد إلى بلدهِ بعد ثلاث عشرة سنة، وتولّى القضاء هناك، ويقال: إنّه تولّى قضاء حلب أيضًا. قاله ابن خلِّكان. قال: وله مصنفات عديدة، منها: "المنتقى في شرح الموطأ"، و"إحكام الفصول في أحكام الأصول" و"الجرح والتعديل" وغير ذلك. وكان مولده في سنة ثلاث وأربعمئة، وتوفي بالمَريَّة (٤) [ليلة الخميس بين العشاءين] التاسع والعشرين من رجب من هذه السنة. أبو الأغرّ دُبَيْس بن علي بن مَزْيد (٥)، الملقب نور الدين، توفي في هذه السنة عن ثمانين سنة مكث فيها أميرًا نيّفًا وستين سنة، وقام بالأمر من بعده ولده أبو كامل: ولقّب: بهاء الدولة. عبد اللَّه بن أحمد بن رضوان (٦) أبو القاسم البغدادي، كان من الرؤساء، ومرض بالشقيقة ثلاث سنين، فمكث في بيت مظلم لا يرى ضوءًا، ولا يسمع صوتًا.

стр. 6059

ثم دخلت سنة خمس وسبعين وأربعمئة فيها: قدم مؤيد الملك بن نظام الملك، فنزل في مدرسة أبيه، وضربت الطبول على بابه في أوقات الصلوات الثلاث. وفيها: نُفِّذَ الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رسولًا إلى السلطان ملك شاه، والوزير نظام الملك، فكان [أبو إسحاق] كلّما مرّ على بلدة خرج إليه أهلها يتلقَّونه أولادهم ونسائهم، يتبرّكون به، ويتمسَّحون بركابه، وربّما أخذوا من تراب حافر بغلته، ولما وصل إلى ساوَة (١) خرج إليه أهلها، وما مرّ بسوق فيها إلا نثروا عليه من لطيف ما عندهم، حتى اجتاز بسوق الأساقفة، فلم يكن عندهم إلا مداسات الصغار فنثروها عليه، فجعل الشيخ يتعجّب من ذلك. وفيها: جددت الخطبة [من جهة الخليفة] (٢) لبنت السلطان ملك شاه، فطلبت أمها أربعمئة ألف دينار، ثمّ اتفق الحال على أن يكون خمسين ألف دينار للرضاع، وأن يكون الصداق مئة ألف دينار. [وفيه: حارب السلطان أخاه تتش فأسره، ثمّ أطلقه، واستقرت يده على دمشق وأعمالها] (٣) وحج بالناس ختلغ. وممن توفي فيها من الأعيان: عبد الوهّاب بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مَنْدَه (٤) أبو عمرو (٥) الحافظ. من بيت الحديث، رحل إلى الآفاق، وسمع الحديث الكثير، وتوفي بأصبهان فى هذه السنة، رحمه اللَّه تعالى. ابن ماكولا (٦) الأمير أبو نصر، علي ابن الوزير أبي القاسم هِبَة اللَّه بن علي بن جعفر بن علكان بن

стр. 6060

محمد بن دُلف بن أبي دلف التميمي الأمير، سعد الملك، أبو نصر، ابن ماكولا. أحد أئمة الحديث وسادة الأمراء، رحل وطوّف، وسمع الكثير، وصَنّف. له: "الإكمال في المشتبه من أسماء الرجال" وهو كتاب جليل لم يُسبق إليه، ولم يلحق فيه إلا ما استدركه عليه ابن نقطة في كتاب سماه "الاستدراك". قثله مماليكه بكرمان في هذه السنة، وكان مولده في سنة عشرين وأربعمئة، فعاش خمسًا وخمسين سنة. قال ابن خلِّكان: وقيل: إنّه قتل في سنة تسع وسبعين، وقيل: سنة خمس وثمانين، وقيل: سنة ستّ وثمانين (١) قال: وقد كان أبوه وزيرًا للقادر باللَّه (٢)، وعمّه عبد اللَّه بن الحسين ولي قضاء بغداد، قال: ولا أدري لم سمي الأمير؟ إلا أن يكون منسوبًا إلى جدّه الأمير أبي دلف، وأصله من جرباذقان (٣)، وولد في عَكْبُرا في شعبان سنة إحدى وعشرين وأربعمئة، قال: وقد كان الخطيب البغدادي صنّف كتاب "المؤتنف" جمع فيه بين كتابي الدارقطني وعبد الغني بن سعيد في المؤتلف والمختلف، فجاء ابن ماكولا وزاد على كتاب الخطيب وسمّاه "الإكمال"، وهو في غاية الإفادة [ورفع الالتباس والضبط]، ولم يوضع مثله، ولا يحتاج بعده إلى ذِكر فضيلة أخرى، ففيه دلالةٌ على كَثْرةِ اطلاعه، وضبطه وتحريره، وإتقانه. ومن شعره قوله: قَوضْ خِيامَكَ عن أرضٍ تُهانُ بها … وجانبِ الذُّلَّ إن الذُّلَّ يُجتنَبُ وارحلْ إذا كانَ في الأوطانِ منقصةٌ … فالمَنْدلُ (٤) الرَّطْبُ في أوطانِه حَطَبْ (٥) ثم دخلت سنة ست وسبعين وأربعمئة فيها: عزل عميد الدولة بن جَهير عن وزارة الخلافة، فسار بأهله وأولاده إلى السلطان، وقصدوا نظام الملك الوزير، فعقد لولده فخر الدولة على بلاد ديار بكر، فسار إليها بالخلع
следующие страницы →