← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

وفيها: قبض على جماعة من الفتيان كانوا قد جعلوا عليهم رئيسًا يقال له: عبد القادر الهاشمي، وقد كاتبوه من الأقطار، كان الساعي له رجلًا يقال له: ابن رسول، وكانوا يجتمعون عند جامع براثا؛ فخيف من أمرهم أن يكونوا ممالئين للمصريين، فأمر بالقبض عليهم (١). وحجّ بالناس ختلغ في هذه السنة أيضًا. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن عمر بن محمد بن إسماعيل (٢) أبو عبد اللَّه بن الأخضر، المحدّث. سمع [أبا] علي بن شاذان، وكان على مذهب الظاهريّة، وكان كثير التلاوة حسن السيرة، متقللًا من الدنيا، قنوعًا، ﵀. الصُّلَيْحيّ (٣) المتغلّب على اليمن، أبو الحسن، علي بن محمد بن علي الملقّب بالصُّلَيْحيّ، كان أبوه قاضيًا باليمن، وكان سنيًّا، فنشأ هذا، فتعلّم العلم، وبرع في أشياء كثيرة، وكان شيعيًّا على مذهب القرامطة، ثمّ كان يُدِلّ بالحجيج مدّة خمس عشرة سنة، وكان قد اشتهر أمره وذِكره بين الناس أنّه سيملك اليمن، فنجم ببلاد اليمن بعد قتله نجاحًا صاحب تهامة، واستحوذ على بلاد اليمن بكمالها في أقصر مُدّة، واستوثق له الملك بها في سنة خمس وخمسين، وخطب للمستنصر العُبَيدي صاحب مصر، فلما كان في هذا العام خرج للحجّ في ألفي فارس، فاعترضه سعيد بن نجاح بالمهجم في نفر يسير، فقاتلهم فقتل هو وأخوه، واستحوذ سعيد بن نجاح على مملكته وحواصله، ومن شعر الصُّلَيْحي هذا قوله: أنْكَحتُ بيضَ الهندِ سُمْرَ رماحِهِمْ … فَرؤوسُهُمْ عِوَض النِّثَارِ نِثارُ وكذا العُلا لا يُستباح نِكاحُها … إلا بحيثُ تُطلَّقُ الأعمارُ محمد بن الحسين (٤) بن عبد اللَّه بن أحمد بن يوسف بن الشبل (٥) أبو علي الشاعر البغدادي. أسند الحديث، وله الشعر الرائق، فمن ذلك قوله:

стр. 6057

لا تُظْهِرن لعَاذِلٍ أو عاذِرٍ … حَالَيْكَ في السَّرَّاءَ والضّراءِ فَلرحْمةِ المتَوجّعينَ مرارةٌ … في القلبِ مثلُ شماتَةِ الأعداءِ وله أيضًا: يَفْنَى البخيلُ بِجَمْعِ المالِ مُدّتَه … وَلِلحوادِثِ والأيّامِ ما يدعُ كَدُودةِ القَزِّ ما تبنيه يهدمها (١) … وغيرها بالذي تبنيه ينتفع يوسف بن الحسن بن محمد بن الحسن (٢) أبو القاسم التَّفكْريّ (٣)، ومن أهل زِنجان. ولد سنة خمس وتسعين وثلاثمئة، وتفقّه على مذهب الشافعيّ، ودرس الفقه على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وكان من أكبر تلامذته، وكان عابدًا ورعًا، خاشعًا كثير البكاء عند الذكر، مقبلًا على العبادة، وكانت وفاته في هذه السنة وقد قارب الثمانين. ثم دخلت سنة أربع وسبعين وأربعمئة فيها: ولي أبو كامل منصور بن نور الدولة دُبيس ما كان يليه أبوه من الأعمال، وخلع عليه السلطان والخليفة. وفيها: ملك شرف الدولة مسلم بن قريش حرّان، وصالح صاحب الرُّها. وفيها: فتح تتش بن ألب آرْسَلان صاحب دمشق مدينة أنطرطوس. [وفيها: أرسل الخليفة ابن جَهير إلى السلطان ملك شاه يتزوج ابنته فأجابت أمها بذلك، بشرط أن لا يكون له زوجة، ولا سرية سواها، وأن يكون سبعة أيام عندها، فوقع الشرط على ذلك] (٤). وممن توفي فيها من الأعيان: داود بن السلطان ملك شاه (٥). وجد عليه أبوه وجدًا عظيمًا بحيث إنّه كاد أوْ هَمّ أن يقتل نفسه فمنعه الأمراء من ذلك، وانتقل إلى غير ذلك البلد، وأمر النساء بالنوح عليه [ولما وصل الخبر إلى بغداد، جلس وزير الخليفة للعزاء].

стр. 6058

القاضي أبو الوليد الباجي (١) سليمان بن خلف بن سَعد بن أيوب التُّجيبيّ، الأندلسي، الباجي، الفقيه المالكي. أحد الحفاظ المكثرين في الفقه والحديث. سمع الحديث، ورحل إلى بلاد الشرق سنة ست وعشرين وأربعمئة، فسمع هناك كثيرًا، واجتمع بأئمة ذلك الوقت، كالقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وجاور بمكّة ثلاث سنين مع الشيخ أبي ذرّ الهرويّ، وأقام ببغداد ثلاث سنين أيضًا، وبالموصل سنة عند أبي جعفر السِّمناني قاضيها يأخذ عنه الفقه والأصول، وسمع الخطيب البغدادي، وسمع منه الخطيب أيضًا، وروى عنه هذين البيتين الحسنين: إذا كنتُ أعلمُ علمًا يقينًا … بأنّ جميعَ حياتي كساعة (٢) فَلِمْ لا أكونُ ضَنِيْنًا (٣) بِهَا … وأجعلها في صلاحٍ وطاعَهْ ثمّ عاد إلى بلدهِ بعد ثلاث عشرة سنة، وتولّى القضاء هناك، ويقال: إنّه تولّى قضاء حلب أيضًا. قاله ابن خلِّكان. قال: وله مصنفات عديدة، منها: "المنتقى في شرح الموطأ"، و"إحكام الفصول في أحكام الأصول" و"الجرح والتعديل" وغير ذلك. وكان مولده في سنة ثلاث وأربعمئة، وتوفي بالمَريَّة (٤) [ليلة الخميس بين العشاءين] التاسع والعشرين من رجب من هذه السنة. أبو الأغرّ دُبَيْس بن علي بن مَزْيد (٥)، الملقب نور الدين، توفي في هذه السنة عن ثمانين سنة مكث فيها أميرًا نيّفًا وستين سنة، وقام بالأمر من بعده ولده أبو كامل: ولقّب: بهاء الدولة. عبد اللَّه بن أحمد بن رضوان (٦) أبو القاسم البغدادي، كان من الرؤساء، ومرض بالشقيقة ثلاث سنين، فمكث في بيت مظلم لا يرى ضوءًا، ولا يسمع صوتًا.

стр. 6059

ثم دخلت سنة خمس وسبعين وأربعمئة فيها: قدم مؤيد الملك بن نظام الملك، فنزل في مدرسة أبيه، وضربت الطبول على بابه في أوقات الصلوات الثلاث. وفيها: نُفِّذَ الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رسولًا إلى السلطان ملك شاه، والوزير نظام الملك، فكان [أبو إسحاق] كلّما مرّ على بلدة خرج إليه أهلها يتلقَّونه أولادهم ونسائهم، يتبرّكون به، ويتمسَّحون بركابه، وربّما أخذوا من تراب حافر بغلته، ولما وصل إلى ساوَة (١) خرج إليه أهلها، وما مرّ بسوق فيها إلا نثروا عليه من لطيف ما عندهم، حتى اجتاز بسوق الأساقفة، فلم يكن عندهم إلا مداسات الصغار فنثروها عليه، فجعل الشيخ يتعجّب من ذلك. وفيها: جددت الخطبة [من جهة الخليفة] (٢) لبنت السلطان ملك شاه، فطلبت أمها أربعمئة ألف دينار، ثمّ اتفق الحال على أن يكون خمسين ألف دينار للرضاع، وأن يكون الصداق مئة ألف دينار. [وفيه: حارب السلطان أخاه تتش فأسره، ثمّ أطلقه، واستقرت يده على دمشق وأعمالها] (٣) وحج بالناس ختلغ. وممن توفي فيها من الأعيان: عبد الوهّاب بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مَنْدَه (٤) أبو عمرو (٥) الحافظ. من بيت الحديث، رحل إلى الآفاق، وسمع الحديث الكثير، وتوفي بأصبهان فى هذه السنة، رحمه اللَّه تعالى. ابن ماكولا (٦) الأمير أبو نصر، علي ابن الوزير أبي القاسم هِبَة اللَّه بن علي بن جعفر بن علكان بن

стр. 6060

محمد بن دُلف بن أبي دلف التميمي الأمير، سعد الملك، أبو نصر، ابن ماكولا. أحد أئمة الحديث وسادة الأمراء، رحل وطوّف، وسمع الكثير، وصَنّف. له: "الإكمال في المشتبه من أسماء الرجال" وهو كتاب جليل لم يُسبق إليه، ولم يلحق فيه إلا ما استدركه عليه ابن نقطة في كتاب سماه "الاستدراك". قثله مماليكه بكرمان في هذه السنة، وكان مولده في سنة عشرين وأربعمئة، فعاش خمسًا وخمسين سنة. قال ابن خلِّكان: وقيل: إنّه قتل في سنة تسع وسبعين، وقيل: سنة خمس وثمانين، وقيل: سنة ستّ وثمانين (١) قال: وقد كان أبوه وزيرًا للقادر باللَّه (٢)، وعمّه عبد اللَّه بن الحسين ولي قضاء بغداد، قال: ولا أدري لم سمي الأمير؟ إلا أن يكون منسوبًا إلى جدّه الأمير أبي دلف، وأصله من جرباذقان (٣)، وولد في عَكْبُرا في شعبان سنة إحدى وعشرين وأربعمئة، قال: وقد كان الخطيب البغدادي صنّف كتاب "المؤتنف" جمع فيه بين كتابي الدارقطني وعبد الغني بن سعيد في المؤتلف والمختلف، فجاء ابن ماكولا وزاد على كتاب الخطيب وسمّاه "الإكمال"، وهو في غاية الإفادة [ورفع الالتباس والضبط]، ولم يوضع مثله، ولا يحتاج بعده إلى ذِكر فضيلة أخرى، ففيه دلالةٌ على كَثْرةِ اطلاعه، وضبطه وتحريره، وإتقانه. ومن شعره قوله: قَوضْ خِيامَكَ عن أرضٍ تُهانُ بها … وجانبِ الذُّلَّ إن الذُّلَّ يُجتنَبُ وارحلْ إذا كانَ في الأوطانِ منقصةٌ … فالمَنْدلُ (٤) الرَّطْبُ في أوطانِه حَطَبْ (٥) ثم دخلت سنة ست وسبعين وأربعمئة فيها: عزل عميد الدولة بن جَهير عن وزارة الخلافة، فسار بأهله وأولاده إلى السلطان، وقصدوا نظام الملك الوزير، فعقد لولده فخر الدولة على بلاد ديار بكر، فسار إليها بالخلع

стр. 6061

والكوسات (١) والعساكر، وأمر أن ينتزعها من يزيد بن مروان، وأن يخطب لنفسه، وأن يكتب اسمه على السكة، فما زال حتى انتزعها من أيديهم، وباد ملكهم على يديه كما سيأتي بيانه، وسدّ وزارة الخلافة أبو الفتح المظفر ابن رئيس الرؤساء، ثمّ عزل في شعبان، واستوزر أبا شجاع محمد بن الحسين، ولقب: ظهير الدين. وفي جمادى الأولى (٢) وَلَّى مؤيد الملك أبا سعيد عبد الرحمن بن المأمون المتولّي تدريس النظامية، بعد وفاة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، ﵀. وفيها: عصا أهل حرَّان (٣) على شرف الدولة مسلم بن قريش، فحاصرها ففتحها وهدم سورها، وصلب قاضيها ابن جَلَبة (٤)، وأثبته على السور. وفي شوال قُتل أبو المحاسن بن أبي الرضا، وذلك لأنّه وشى إلى السلطان في نظام الملك، وقال: سلمهم إليّ حتى أخفص لك منهم ألف ألف دينار، فعمل نظام الملك سماطًا هائلًا، واستحضر غلمانه، وكانوا ألوفًا وشرع يقول للسلطان: هذا كلّه من أموالك، وما أوقفته من المدارس والربط فكلُّه شكره لك في الدنيا، وأجره لك في الآخرة [وأموالي وجميع ما أملكه بين يديك، وأنا أقنع بمرقَّعة وزاوية]، فعند ذلك أمر السلطان بقتل أبي المحاسن، وكان حضيًّا عنده، وخصيصًا به، وجيهًا لديه (٥). وعزل أباه عن كتابة الطغراء، وولاها مؤيد الملك بن نظام الملك. وحجّ بالناس في هذه السنة الأمير ختلغ التركي، مُقطع الكوفة. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ أبو إسحاق الشيرازي (٦) إبراهيم بن علي الشيرازي الفيروزآباذي، وهي قرية من قرى فارس، وقيل: هي مدينة جور (٧).

стр. 6062

شيخ الشافعية، ومدرّس النظامية، ولد سنة ثلاث وتسعين وثلاثمئة وتفقّه بفارس على أبي عبد اللَّه البيضاوي، ثمّ قدم بغداد سنة خمس عشرة وأربعمئة، فتفقّه على القاضي أبي الطيّب الطبري، وسمع الحديث من ابن شاذان، والبَرْقاني. وكان زاهدًا، عابدًا، ورعًا، كبير القدر، معظّمًا، محترمًا، إمامًا في الفقه، والأصول والحديث، وفنون كثيرة، وله المصنّفات الكثيرة النافعة. كـ "المهذّب" [في المذهب]، و"التنبيه"، و"النكت"، و"الخلاف"، و"اللمع في أصول الفقه"، و"التبصرة"، و"المعونة"، و"طبقات الفقهاء" وغير ذلك. قلت: وقد ذكرت ترجمته مستقصاة في أول "شرح التنبيه"، وقد كانت وفاته في جمادى الآخرة في دار أبي المظفّر ابن رئيس الرؤساء، وغسّله أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي، وصُلِّيَ عليه بباب الفردوس من دار الخلافة، وشهد الصلاة عليه المقتدي بأمر اللَّه، وتقدّم للصلاة عليه أبو الفتح المظفر بن رئيس الرؤساء -وكان نائب الوزارة- ثم صُلّي عليه مرة ثانية بجامع القصر، ودفن بباب أبرز، في تربة مجاورة للتاجيّة، ﵀. وقد امتدحه الشعراء في حياته وبعد وفاته، وكان هو في نفسه له شعر رائق، فمما أنشده ابن خلِّكان من شعره قوله: سألتُ النَّاسَ عن خِلٍّ وفيٍّ … فَقالُوا: ما إلى هذا سبيلُ تمسَّكْ إنْ ظَفِرتَ بودٍّ (١) حرٍّ … فإنّ الحرَّ في الدنيا قليلُ قال ابن خلِّكان: ولمّا مات عمل الففهاء عزاءه بالمدرسة النظاميّة، وعين مؤيد الملك أبا سعد المتولي مكانه، فلمّا بلغ الخبر إلى نظام الملك كتب يقول: كان من الواجب أن تغلق المدرسة سنة لأجله، وأمر أن يدرس الشيخ أبو نصر بن الصبّاغ. طاهر بن الحسين بن أحمد بن عبد اللَّه القَوَّاس (٢). قرأ القرآن وسمع الحديث، وتفقّه على القاضي أبي الطيّب الطبري، وأفتى ودرّس، وكانت له حلقة بجامع المنصور للمناظرة والفتوى، وكان ثقة، ورعًا، زاهدًا، لازم مسجده خمسين سنة، وكانت وفاته في هذه السنة عن ست وثمانين سنة، ودُفن قريبًا من الإمام أحمد، ﵀. محمّد بن أحمد بن محمّد بن إسماعيل (٣) أبو طاهر الأنْبَاري، الخطيب، وكان يعرف بابن أبي الصقر.

стр. 6063

طاف البلاد، وسمع الكثير، وكان ثقةً، صالحًا، فاضلًا، عابدًا، وقد سمع منه الخطيب البغدادي، وروى عنه مصنّفاته، وتوفي بالأنبار في جمادى الآخرة عن نحو من مئة سنة. محمد بن أحمد بن الحسين بن جَرْدة (١) أحد كبار الرؤساء ببغداد من ذوي الثروة والمروءة، وكان ماله يحزر بثلاثمئة ألف دينار، وكان أصله من عكبرا، فسكن بغداد [وكانت له بها] دار عظيمة [تشتمل على ثلاثين مسكنًا مستقلًا] (٢) فيها حمام وبستان، ولها بابان، وفي كلّ باب مسجد، إذا أذن في أحدهما لا يسمع من في الآخر لاتساعها [وفد كانت زوجة الخليفة القائم حين وقعت فتنة البساسيري في سنة خمسين وأربعمئة، نزلت عنده في جواره، فبعث إلى الأمير قريش بن بدران أمير العرب بعشرة آلاف دينار، ليحمي له داره جزاه الله خيرًا، وهو الذي بنى المسجد المعروف به ببغداد] وقد ختم فيه القرآن ألوف من الناس، وكان لا يفارق زي التجّار، وكانت وفاته في عاشر ذي القعدة من هذه السنة ودفن في التربة المجاورة لتربة القزويني، ﵀. ثم دخلت سنة سبع وسبعين وأربعمئة فيها: كانت الحرب بين فخر الدولة بن جَهير وبين ابن مروان صاحب ديار بكر، فاستولى ابن جَهير على ملك العرب، وسبى حريمهم، وأخذ البلاد ومعه سيف الدولة صَدقة بن منصور بن دُبَيْس بن علي بن مَزْيَد الأسدي، فافتدى خلقًا من العرب، فشكره الناس على ذلك، وامتدحه الشعراء عليه. وفيها: بعث السلطان عميد الدولة بن جَهير في جيش كثيف، معه قسيم الدولة آقسنقر جدّ بني أتابك ملوك الشام والموصل، [فسارا] إلى الموصل فملكوها. وفي شعبان ملك سليمان بن قتلمش أنطاكية، فأراد شرف الدولة مسلم بن قريش أن يستنقذها منه فهزمه سليمان وقتله، وكان مسلم هذا من خيار الملوك، له سيرة حسنة، وله في كلِّ قرية والٍ وقاض وصاحب خبر [وكان يملك من السِّنْديَّة (٣) إلى منبج، وولي بعده أخوه إبراهيم بن قريش، وكان مسجونًا من سنين فأطلق، ومَلَك] (٤). وفيها: ولد السلطان سَنْجَر بن ملكشاه في العشرين من رجب بسنجار.

стр. 6064

[وفيها: عصا تكش أخو السلطان فأخذه السلطان فسمله وسجنه] (١). وحجّ بالناس في هذه السنة الأمير خمارتكين الجستاني (٢) وذلك لشكوى الناس من شدّة سير ختلغ التركي بهم، وأخذ المكوسات منهم، سار مرة من الكوفة إلى مكة في تسعة عشر يومًا. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن دُوست (٣) أبو سعد النيسابوري شيخ الصوفية. له رباط بمدينة نيسابور يدخل من بابه الجمل براكبه، وحجّ مرات على التجريد، وحين انقطعت طريق مكّة كان يأخذ جماعة من الفقراء، ويتوصّل من قبائل العرب حتى يصل إلى مكة، [توفي في هذه السنة وقد جاوز التسعين] ﵀ [وأوصى أن يخلفه ولده إسماعيل، فأجلس في مشيخة الرباط] (٤). ابن الصَّبَّاع (٥) صاحب "الشامل"، عبد السيّد بن محمّد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر، الإمام أبو نصر بن الصَّبَّاغ. ولد سنة أربعمئة وتفقّه ببغداد على أبي الطيِّب الطبري، حتى فاق الشافعية بالعراق، وصنّف المصنفات المفيدة، منها كتابه "الشامل في المذهب" [وهو أول من درّس بالنظامية]، وكانت وفاته في هذه السنة، ودفن بداره في الكرخ، ثمّ نقل إلى باب حرب. قال ابن خلِّكان: كان فقيه العراقيين، وكان يقاس بالشيخ أبي إسحاق، وكان ابن الصَّبَّاغ أعلم منه بالمذهب، وإليه الرحلة، وقد صنّف "الشامل في الفقه"، و"العدة في أصول الفقه"، وتولّى تدريس النظامية أولًا، ثمّ عزل بعد عشرين يومًا، [واستبدل] بالشيخ أبي إسحاق، فلما مات الشيخ أبو إسحاق تولاها أبو سعد المتولّي، ثم عزل بابن الصبّاغ، وكان ثقةً حجةً صالحًا، وأضرّ في آخر عمره ﵀.

стр. 6065

مسعود بن ناصر بن عبد الله بن أحمد بن إسماعيل (١) أبو سعد السِّجْزِي (٢)، الحافظ. رحل في الحديث، وسمع الكثير، وجمع الكتب النفيسة، وكان حسن الخطّ صحيح النقل، حافظًا، ضابطًا، رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وأربعمئة في المحرم منها زلزلت أرَّجان؛ فهلك خلق كثير من الناس ومواشيهم. وفيها: كَثُرت الأمراض بالحمّى والطاعون بالعراق والحجاز والشام، وتعقّب ذلك موت الفجأة، ثمّ ماتت الوحوش في البريّة، ثمّ تلاهاموت البهائم، حتّى عزّت الألبان واللّحمان، ومع هذا كلّه وقعت فتنة عظيمة بين الروافض والسنّة، فقتل خلق كثير. وفي ربيع الأول هاجت ريح سوداء، وسفت رملًا، وتساقطت أشجار كثيرة من النخيل وغيرها، ووقعت صواعق في البلاد حتى ظن الناس أن القيامة قد قامت، ثمّ انجلى ذلك، ولله الحمد. وفيها: ولد للخليفة ولده أبو عبد الله الحسين، وزُيِّنت بغداد، وضُربت الطبول والبوقات وكثرت الصدقات. وفيها: استولى فخر الدولة بن جَهير على بلاد كثيرة منها: آمد ومئافارقين، وجزيرة ابن عمر، وانقرضت دولة بني مروان على يده في هذه السنة. [وفي ثاني عشر، رمضان منها: قلّد أبو بكر محمد بن المظفّر الشامي (٣) قضاء القضاة ببغداد بعد وفاة أبي عبد الله الدامغاني [وخلع عليه في الديوان]. وحجّ بالناس الأمير ختلغ التركي [وزار النبي ﷺ ذاهبًا وآيبًا، قال: أظن أنّها آخر حجّتي، وكان كذلك. وفيها: خرج توقيع الخليفة المقتدي بأمر الله بتجديد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كلّ محلّة، وإلزام أهل الذمّة بلبس الغيار، وكسر آلات الملاهي، وإراقة الخمور، وإخراج أهل الفساد من البلاد.

стр. 6066

وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن إبراهيم (١) [بن أبي أيوب]، أبو بكر الفَوْرَكي، سبط [الأستاذ] أبي بكر بن فُورَك. استوطن بغداد، وكان متكلِّمًا يعظ الناس في النظامية، فوقعت بسببه فتنة بين أهل المذاهب. قال ابن الجوزي: وكان مؤثرًا للدنيا على الآخرة، لا يتحاشى من لبس الحرير، وذكر أنّه كان يأخذ مكس الفحم [ويوقع العداوة بين الحنابلة والأشاعرة] وكانت وفاته في هذه السنة، وله نيّف وستون سنة، ودفن إلى جانب قبر الأشعري بمشرعة الروايا (٢). الحُسين (٣) بن علي (٤) أبو عبد الله المَرْدُوسي. كان رئيس أهل زمانه، وأكملهم مروءة، وكان قد خدم في أيام بني بُوَيه، وتأخّر إلى هذا الحين، وكانت الملوك تكاتبه وتعظّمه بعبده وخادمه (٥) وكان كثير الصدقة والصِّلات والبِرِّ، وبلغ من العمر خمسًا وتسعين سنة [وأعد لنفسه قبرًا وكَفَنًا قبل موته بخمس سنين]، ﵀. أبو سعد المتولِّي (٦) عبد الرحمن بن المأمون بن علي، أبو سعد المتولِّي. مصنّف "التتمة" (٧)، ومدرّس النظاميّة، بعد الشيخ أبي إسحاق الشِّيرازي. وكان فصيحًا بليغًا، ماهرًا بعلوم كثيرة. كانت وفاته في شوال من هذه السنة عن ثنتين وخمسين سنة، ﵀، وصلّى عليه القاضي أبو بكر الشاشي ودفن بباب أبرز. [إمام الحرمين] (٨) عبد الملك ابن [الشيخ أبي محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن

стр. 6067

محمد، بن حَيّويه، أبو المعالي الجُويْني، وجُوين: من قرى نَيْسابور، الملقّب بمامام الحرمين لمجاورته مكّة أربع سنين. كان مولده في سنة تسع عشرة وأربعمئة. سمع الحديث وتفقه على والده الشيخ أبي محمد الجويني، ودرّس بعده في حلقته، وتفقّه على القاضي حسين، ودخل [بغداد وتفقّه] بها، وروى بها الحديث، وخرج إلى مكّة فجاور فيها [أربع سنين]، ثمّ عاد إلى نَيسابور فسُلِّم إليه التدريس والخطابة والوعظ، وصنّف "نهاية المطلب في دراية المذهب"، و"البرهان في أصول الفقه" وغير ذلك في علوم شتّى، واشتغل عليه الطَّلبة، ورحلوا إليه في الأمصار، وكان يحضر مجلسه ثلاثمئة متفقّه، وقد استقصيت ترجمته في "الطبقات". وكانت وفاته في الخامس والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة عن سبع وخمسين سنة، ودفن بداره ثمّ نقل إلى جانب والده، رحمه الله تعالى. قال ابن خلِّكان: كانت أمُّه جارية اشتراها أبوه من كسب يده من النسخ وأمرها أن [لا تدع أحدًا] يرضعه غيرها، واتفق أن امرأة دخلت عليهم فأرضعته مرة، فأخذه الشيخ أبو محمّد [فنكسه] فوضع يده على بطنه، [ووضع أصبعه في حلقه] ولم يزل به حتى استقاء كلّ ما كان في بطنه من لبنها. قال: ربّما حصل لإمام الحرمين في بعض مجالس المناظرة فتور [ووقفة] فيقول: هذا من آثار تلك الرضعة. قال: ولما عاد من الحجاز إلى بلده نيسابور سلّم إليه المحراب والمنبر والخطابة والتدريس، ومجلس التذكير يوم الجمعة، وبقي ثلاثين سنة غير مزاحم ولا مدافع، وصنّف في كلّ فن، من ذلك "النهاية" التي ما صنّف في الإسلام مثلها. قال أبو جعفر الحافظ (١): سمعت الشيخ أبا إسحاق الفيروزآبادي يقول لإمام الحرمين: يا مفيد [أهل] المشرق والمغرب، أنت اليوم إمام الأئِمّةِ. ومن تصانيفه: "الشامل في أصول الدين"، و"تلخيص التقريب"، و"الإرشاد" و"العقيدة النظامية"، و"غياث الأمم"، و"غياث الخلق" وغير ذلك مما أتمّه، ومما سمّاه ولم يتمّه، قال: ولما مات في ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمئة صلّى عليه ولده أبو القاسم، وغلقت الأسواق؛ وكسّر تلاميذه أقلامهم ومحابرهم - وكانوا أربعمئة - ومكثوا كذلك سنة. وقد رثي بمراثٍ كثيرة، فمن ذلك قول بعضهم: قلوبُ العالمينَ على المقَالي … وأيامُ الورى مثلُ (٢) الليالي

стр. 6068

أيثمر غصنُ أهلِ العلمِ يومًا … وقد ماتَ الإمامُ أبو المعالي محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد (١) [أبو علي] ابن الوليد. شيخ المعتزلة، كان يدرِّس لهم، فأنكر ذلك أهل السنَّة عليهم، فلزم بيته خمسين سنة، إلى أن توفي في ذي الحجة من هذه السنة، ودفن في مقبرة الشونيزية، وهذا هو الذي تناظر هو والشيخ أبو يوسف القزويني المعتزلي المفسّر في إباحة الولدان في الجنّة، [وأن يباح لأهل الجنة وطء الولدان في أدبارهم]، كما حكى ذلك ابن عقيل عنهما، وكان حاضرهما. فمال هذا إلى إباحة ذلك لكونه مأمون المفسدة هنالك، وقال أبو يوسف: إن هذا لا يكون لهم [لا في الدنيا ولا في الآخرة] ومن أين لك أن يكون لهم أدبار؟ وهذا العضو إنما خلق في الدنيا مخرجًا للأذى [لحاجة العباد إليه] وليس في الجنة شيء من ذلك [وإنما فضلات أكلهم عرق يفيض من جلودهم، فإذا هم ضمر فلا يحتاجون أن يكون لهم أدبار] فلا يكون لهذه المسألة صورة بالكلّية، وقد روى هذا الرجل حديثًا واحدًا عن شيخه أبي الحسين البصري بسنده المتقدم، من طريق شعبة، عن منصور، عن رِبْعي بن حِراش، عن أبي مسعود البدري: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت" (٢). وقدرواه القَعْنبي، عن شعبة، ولم يرو عنه سواه. فقيل: لأنّه لما رحل. إليه دخل عليه، وهو يبول على البالوعة، فسأله أن يحدِّثه، فروى له هذا الحديث كالواعظ له، والتزم أن [لا] يحدثه بغيره، وقيل: لأن شعبة مرّ على القَعْنبي قبل أن يشتغل بعلم الحديث، وكان إذ ذاك يعاني الشراب، فسأله أن يحدثه فامتنع، فسلّ سكِّينا، وقال: إن لم تحدثني، وإلا قتلتك، فحدّثه، فتاب وأناب ولزم مالكًا، ثم فاته السماع من شعبة، فلم يتفق له غير هذا الحديث. أبو عبد الله الدّامَغَانيّ (٣) [القاضي]، محمد بن علي (بن محمد) (٤) بن الحسين بن عبد الملك بن

стр. 6069

عبد الوهاب بن حموية (١) الدّامغاني، الحنفي، قاضي القضاة ببغداد. مولده في سنة ثمان وتسعين وثلاثمئة، وتفقّه ببلده، ثمّ قدم بغداد في سنة ثماني عشرة وأربعمئة، فتفقّه بها على أبي عبد الله الصَّيمَري، وأبي الحسن القُدوري، وسمع الحديث منهما ومن ابن النقور والخطيب وغيرهم. وبرع في الفقه، وكان له عقل وافر، وتواضع زائد، وانتهت إليه رئاسة الففهاء، وكان فَصيح العبارة، وكان فقيرًا في ابتداء طلبه [عليه أطمار رثَّة] ثم صارت إليه الرئاسة والقضاء بعد ابن ماكولا في سنة تسع وأربعين، وكان القائم بأمر الله يكرمه، والسلطان طُغْرُلْبَك يعظِّمه، وباشر الحكم ثلاثين سنة في غاية السيرة الحسنة، والأمانة والديانة ومرض أيامًا يسيرة، ثمّ توفي في الرابع والعشرين من رجب من هذه السنة وقد ناهز الثمانين، ودفن بداره بدرب القلايين (٢)، ثمّ نقل إلى مشهد أبي حنيفة، رحمه الله تعالى. محمد بن علي بن المطَّلب (٣) أبو سعد الأديب. كان قد قرأ النحو واللّغة والأدب والسير وأخبار النّاس، ثمّ أقلع عن ذلك كلِّه، وأقبل على كثرة الصَّلاة والصَّدقة والصوم إلى أن توفي في هذه السنة عن ست وثمانين سنة، رحمه الله تعالى. محمد بن أبي طاهر العبّاسي (٤) يعرف بابن الرجيحي (٥)، تفقه على ابن الصبّاغ، وناب في الحكم، وكان محمود الطريقة، شهد أولًا عند ابن الدامغاني فقبله. مَنْصور بن دُبَيْس بن علي بن مَزْيَد (٦) أبو كامل، الأمير بعد سيف الدولة صدقة. [كان كثير الصلاة والصدقة]، توفي في رجب هذه السنة، وقد كان له شعر وأدب وفضيلة، فمن شعره قوله: إذا (٧) أنا لم أحْمل عظيمًا ولم أقُدْ … لُهامًا ولم أصبر على كلِّ معظَمِ

стр. 6070

ولم أحجزِ الجاني وأمنعْ جَورَه (١) … غداةَ أنادي للفخارِ وأنتمي فلا نهضت بي همّةٌ عربيةٌ … إلى المجدِ ترقى بي ذرا كلِّ مخدم (٢) هِبةُ الله بن أحمد بن السِّيْبي (٣) مؤدّب الخليفة المقتدي بأمر الله، سمع الحديث، وتوفي في محرم هذه السنة وقد جاوز الثمانين، وله شعر جيد، فمنه قوله: رجوتُ الثمانينَ من خالقي … لِما جاءَ فيها عنِ المصطفى فَبَلَّغَنِيها فشكرًا لَهُ … وزادَ ثلاثًا بها أرْدَفا وإني (٤) لمنتظرٌ وَعْدَهُ … لينجزَهُ فهو أهلُ الوَفا ثم دخلت سنة تسع وسبعين وأربعمئة (٥) وفيها: كانت الوقعة بين تتش صاحب دمشق وبين سليمان بن قتلمش صاحب حلب وأنطاكية وتلك الناحية، فانهزم أصحاب سليمان، وقتل هو نفسه بخنجر كانت معه، فسار السلطان ملك شاه من أصبهان إلى حلب فملكها، وملك ما بين ذلك من البلاد التي مرّ بها، هي حزان، والرُّها، وقلعة جعبر، وكان جعبر شيخًا كبيرًا قد عمي، وله ولدان، وكان قطاع الطريق يلجؤون إليها فيتحصّنون بها، [فراسل السلطان سابق بن جعبر في تسليمها، فامتنع عليه، فنصب عليه المجانيق والعرّادات ففتحها، وأمر بقتل سابق، فقالت زوجته: لا تقتله حتى تقتلني معه، فألفاه من رأسها فتكسر، ثمّ أمر بتوسيطه بعد ذلك] (٦). فألقت زوجته نفسها وراءه فسَلِمت، فلامها بعض الناس في ذلك، فقالت: كرهت أن يصل إليّ التركي، فيبقى ذلك عارًا عليّ، فاستحسن منها ذلك. واستناب السلطان على حلب قسيم الدولة آقسنقر التركي، وهو جد نور الدين الشهيد، واستناب على الرحبة، وحرّان، والرقّة، وسروج، والخابور محمد بن شرف الدولة مسلم، وزوجه بأخته زليخا خاتون، وعزل فخر الدولة بن جَهير عن ديار

стр. 6071

بَكَر، وسلّمها إلى العميد أبي علي البلخي، وخلع على سيف الدولة صَدقة بن دبيس الأسدي، وأقرّه على عمل أبيه، ودخل بغداد في ذي القعدة من هذه السنة، وهي أول دخلة دخلها، فزار المشاهد والقبور، ودخل على الخليفة فقبّل يده، ووضعها على عينيه، وخلع عليه الخليفة خلعَة سنيّة، وفوّض إليه أمور الناس، واستعرض الخليفة أمراءه، ونظام الملك واقف بين يدي الخليفة يعرّفه بالأمراء واحدًا [بعد واحد] باسمه، وكمِّ جيشه وإقطاعه، ثم خرج السلطان فنزل بمدرسة النظامية [ولم يكن رآها قبل ذلك] فاستحسنها، إلا أنّه استصغرها، واستحسن أهلها [ومن بها، وحمد الله، وسأل الله أن يجعل ذلك خالصًا لوجهه الكريم] (١)، ونزل بخزانة كتبها، وأملى جزءًا من مسموعاته، فسمعه المحدثون منه، وورد الشيخ أبو القاسم علي بن أبي الحسين الحسيني الدَّبوسي (٢) إلى بغداد في تجمّل عظيم، فرتّبه مدرسًا بالنظامية بعد أبي سَعْد (٣) المتولّي. [وفي ربيع الآخر فرغت المنارة بجامع القصر وأذِّن فيها (٤)]. وفي هذه السنة: كانت زلازل [هائلة] بالعراق والجزيرة والشام فهدمت شيئًا كثيرًا من العمران [وخرج أكثر الناس إلى الصحراء ثمّ عادوا]. وحجّ بالناس الأمير خمارتكين الجستاني (٥)، وقطعت خطبة المصريين من مكة والمدينة، وقلعت الصفائح التي على باب الكعبة التي عليها ذكر [الخليفة] المصري وجدّد غيرها عليها [وكتب عليها] اسم المقتدي. قال ابن الجوزي (٦): وظهر رجل بين السندية وواسط. يفطع الطريق وهو مقطوع اليد اليسرى، يسرع بفتح الأقفال في أسرع مدّة، ويغوص دجلة في غوصتين، ويقفز القفزة خمسة وعشرين ذراعًا، ويتسلّق الحيطان الملس ولا يقدر عليه أحد، وخرج من العراف سالمًا. قال: وفيها توفي فقير يسأل الناس في جامع المنصور، فوجد في مرقعته ستمئة دينار مغربيّة. قال: وفيها: عمل سيف الدولة صدقة، سماطًا للسلطان [جلال الدولة أبي الفتح] ملكشاه،

стр. 6072

اشتمل على ألف رأس من الغنم، ومئة من الجمال والخيل، وعشرين ألف دجاجة، ودخله [عشرون] ألف منٍّ من السكر [وجعل عليه] من أصناف الطيور والوحوش من السكر شيء كثير، فتناول السلطان [بيده منه] شيئًا يسيرًا، ثمَّ أشار فانتهب عن آخره، ثمّ انتقل من ذلك المكان إلى سرادق عظيم له لم ير مثله من الحرير، وفيه خمسمئة قطعة من فضة وذهب وألوان من تماثيل الندّ والمسك والعنبر وغير ذلك، فمدّ فيه سماطًا خاصًا، فأكل السلطان حينئذ، وحمل إليه عشرين ألف دينار، وقدم له ذلك السرادق بكماله فانصرف. وممن توفي فيها من الأعيان: الأمير جَعْبَر بن سابق القُشيريّ (١) الملقب بسابق الدين. كان قد تملك قلعة جعبر مدة طويلة فنسبت إليه [وإنما كان يقال لها قبل ذلك الدُّوسرية، نسبة إلى غلام النعمان بن المنذر، ثمّ إن هذا الأمير كبر وعمي] (٢). وكان له ولدان يقطعان الطريق فاجتاز السلطان ملكشاه بن ألْب آرْسَلان السلجوقي وهو ذاهب إلى حلب فاستنزله منها، وقتله، وأخذها منهم. الأمير ختلغ (٣) أمير الحاج. [كان مُقْطَعًا للكوفة]، وله وقَعات مع العرب، أعربت عن شجاعته، وأرعبت قلوبهم وشرّدتهم في البلاد شذر مذر، وقد كان حسن السيرة، محافظًا على الصلوات، كثير التلاوة، وله آثار حسنة في طريق مكّة، في إصلاح المصانع والأماكن التي يحتاج إليها [الحجاج وغيرهم [وله] مدرسة على الحنفية بمشهد يونس بالكوفة، وبنى مسجدًا بالجانب الغربي من بغداد على دجلة بمشرعة الكرخ، وكانت وفاته [في جمادى الأولى] من هذه السنة، رحمه الله تعالى. ولما بلغ نظام الملك وفاته قال: مات ألف رجل. علي بن فَضَّالٍ المُجَاشعيّ (٤) أبو على (٥) النحوي المغربي.

стр. 6073

له المصنّفات الدالّة على علمه وغزارة فهمه، [وأسند الحديث، توفي في ربيع الأول من هذه السنة ودفن بباب أبرز] (١)، ﵀. علي بن أحمد التُّستَري (٢) كان مقدّم أهل البصرة في المال [والجاه] وله مراكب تعمل في البحر، قرأ القرآن، وسمع الحديث، وتفرّد برواية "سنن" أبي داود، وكانت وفاته في رجب من هذه السنة. يحيى بن (الحسين) (٣) إسماعيل الحسيني (٤). كان فقيهًا على مذهب زيد بن علي بن الحسين، وعنده معرفة بالأصول والحديث. ثم استهلَّت سنة ثمانين وأربعمئة في المحرم منها نقل جهاز [ابنة] السلطان ملكشاه إلى دار الخلافة المكرمة على مئة وثلاثين جملًا مجلّلة بالديباج الرومي عليها أواني الذهب والفضّة، وعلى أربع وسبعين بغلًا مجفلة بأنواع الديباج الملكي [وأجراسها وقلائدها من الذهب والفضّة] وكان على ستة منها اثنا عشر صندوقًا من فضة فيها [أنواع من] الجواهر والحليّ، وبين يدي البغال ثلاث وثلاثون فرسًا عليها مراكب الذهب مرصعة بأنواع الجواهر، ومَهْد عظيم مجلّل بالديباج الملكي عليه صفائح الذهب مرصع بالجواهر، [وبعث الخليفة لتلقِّيهم الوزير أبا شجاع، وبين يديه نحو من ثلاثمئة موكبيّة غير المشاعل لخدمة الست خاتون امرأة السلطان، تركان خاتون (٥) حماة الخليفة، وسألها أن تحمل الوديعة الشريفة إلى دار الخلافة، فأجابت إلى ذلك، فحضر الوزير نظام الملك وأعيان الأمراء] (٦) وبين أيديهم من الشموع والمشاعل ما لا يحصى [وجاءت نساء الأمراء، كل واحدة في جماعتها وجواريها] ثمّ جاءت الخاتون ابنة السلطان زوجة الخليفة بعد الجميع في محفّة مجلّلة، وعليها من الذَّهب والجواهر ما لا يُحصى قيمته (٧)، [وقد أحاط بالمحفّة مئتا جارية تركية

стр. 6074

بالمراكب المزيَّنة العجيبة مما يبهرن الأبصار]، فدخلت دار الخلافة على هذه الصفة، وكانت ليلة مشهودة هائلة جدًّا. [وقد زُيّن الحريم الطاهري وأشعلت فيه الشموع] (١) فلما كان من الغد أحضر الخليفة أمراء السلطان، ومدّ سماطًا لم يُرَ مثله عمَّ الحاضرين والغائبين، وخلع على الخاتون زوجة السلطان [أم العروس] وكان يومًا مشهودًا. [وكان السلطان متغيبًا في الصيد ثمّ قدم بعد أيام، وكان الدخول بها في أول السنة] (٢)، فولدت من الخليفة [في ذي القعدة] ولدًا ذكرًا زيَّنت له بغداد (٣). وفي هذه السنة: ولد للسلطان ملكشاه ولد سماه: محمودًا، وهو الذي ملك بعده. وفيها: جعل السلطان ولده أبا شجاع أحمد وليًّا للعهد من بعده، ولقبه ملك الملوك، عضد الدولة، تاج الملّة، عدة أمير المؤمنين، وخطب له بذلك على منابر بغداد وغيرها، ونثر الذهب على الخطباء عند ذكر اسمه. وفيها: شرع في بناء التاجية بباب أبرز [وعملت بستان وغرست النخيل والفواكه هنالك] وعمل سور بأمر السلطان ملكشاه. وحجّ بالناس في هذه السنة نجم الدولة خمارتكين. وممن توفي في هذه السنة: إسماعيل بن عبد الله (٤) بن موسى بن سعيد (٥) أبو القاسم النيسابوري، رحل في طلب الحديث إلى الآفاق حتى جاوز ما وراء النهر، وكان له حظ وافر في علم الأدب ومعرفة العربثة، توفي بنيسابور في [جمادى الأولى] من هذه السنة. طاهر بن الحسين البَنْدَنِيْجي (٦) أبو الوفاء، الشاعر المبرّز، له قصيدتان في مدح نظام الملك إحداهما معجمة، والأخرى غير منقوطة أولها: لامُوا ولو علمُوا ما اللّومُ ما لامُوا … ورَدّ لومهُمُ هَمٌّ وآلامُ وكانت وفاته ببلده في رمضان عن نيف وسبعين سنة، رحمه الله تعالى.

стр. 6075

محمد بن أمير المؤمنين المقتدي بأمر الله (١) عَرَض له جدري فمات وله تسع سنين، فحزن والده والناس، [وجلسوا للعزاء فأرسل إليهم] يقول: إنّ لنا في رسول الله أسوة حسنة حين توفي ابنه إبراهيم. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] ثم [عزم] على الناس فانصرفوا إلى منازلهم. محمد بن محمد بن زيد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (٢)، أبو الحسن الحسيني، الملقب بالمرتضى ذي الشرفين. ولد سنة خمس وأربعمئة ببغداد ونشأ بها، وسمع الحديث الكثير، وقرأ بنفسه على الشيوخ، وصحب الحافظ أبا بكر الخطيب، فصارت له معرفة جيدة بالحديث، وسمع عليه الخطيب شيئًا من مرويّاته، ثمّ انتقل إلى سمرقند، وأملى الحديث بأصبهان [وغيرها]، وكان يرجع إلى عقلٍ كاملٍ، وفضل ومروءةٍ، وكانت له أموالٌ جزيلةٌ، وأملاك متَّسعةٌ، ونعمةٌ وافرةٌ. يقال: إنَّه ملك أربعين قرية، وكان كثير الصدقات [والبرّ والصلة] للعلماء والفقراء، وبلغت زكاة ماله الصامت عشرة آلاف دينار غير زكاة العشور، وكان له بستان ليس لملك مثله، فطلبه منه ملك ما وراء النهر واسمه الخضر بن إبراهيم، عارية ليتنزّه فيه، فأبى عليه وقال: أعيره إيّاه ليشرب فيه الخمر بعدما كان مأوى أهل العلم والدين والحديث، فأعرض عنه [السلطان] وحقد عليه، ثمّ استدعاه إليه ليستشيره في بعض الأمور على العادة، فلما حصل عنده، قبض عليه، وسجنه في قلعته، واستحوذ على جميع أملاكه وأمواله وحواصله، فكان يقول: ما تحققت صحّة نسبي إلا بهذه المصادرة، فإني رُبِّيتُ في النَّعيم، فكنت أقول: إن مثلي لا بُدَّ أن يُبتلى. ثم منعوه الطعام والشراب حتى مات ﵀ في القلعة، فأخرجوه فدفنوه هناك، فقبره يزار، أكرم الله مثواه. محمد بن هلال بن المُحَسِّن (٣) بن إبراهيم (٤) أبو الحسن الصابئ، الملقب بغَرْسِ النعمة. سمع أباه وأبا علي بن شاذان، وكانت له صدقة [كثيرة] ومعروف، وقد ذيّل على تاريخ أبيه الذي ذيّله على تاريخ ثابت بن سنان الذي ذيّله على تاريخ ابن جرير الطبري. وقد أنشأ دارًا ببغداد، وقف فيها أربعة آلاف مجلّد في فنون من العلم، وترك حين مات سبعين ألف دينار، ودفن بمشهد علي ﵁ ورحمه.

стр. 6076

هبة الله بن علي بن محمد بن أحمد بن المُجْلي (١) أبو نصر. جمع خطبًا ووعظًا، وسمع الحديث على خلق من المشايخ، وتوفي شابًا قبل أوان الرواية، ﵀. أبو بكر بن عمر أمير الملثّمين (٢). كان في أرض غانة (٣) اتفق له من الناموس ما لم يتفق لغيره من الملوك، وكان يركب معه إذا سار لقتال العدوّ خمسمئة ألف مقاتل، كلّ يعتقد طاعته، وكان يقيم الحدود، ويحفظ محارم الإسلام [ويحوط الدين] ويسير في الناس سيرة شرعية مع صحّة معتقده [ودينه] وموالاة الدولة العباسية، أصابته نشَّابة في بعض حروبه، فجاءته في حلقه فقتلته في هذه السنة. فاطمة بنت علي المؤدِّبة الكاتبة (٤) وتُعرف ببنت الأقرع. سمعت الحديث من أبي عمر بن مَهدي وغيره، وكانت تكتب الخطّ المنسوب على طريقة ابن البواب (٥)، ويكتب الناس عليها، وبخطّها كانت الهدنة من الديوان إلى ملك الروم، وكتبت مرة إلى عميد الملك الكُنْدُري رقعة فأعطاها ألف دينار، توفيت في [المحرم] ببغداد في هذه السنة ودفنت بباب أبرز. ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وأربعمئة فيها: كانت فتن عظيمة ببغداد بين الروافض والسنّة، وجرت خطوب كثيرة. وفي [ربيع الأول] أخرجت الأتراك من حريم الخلافة، وهذا فيه قوة للخلافة. وفيها: ملك مسعود بن الملك المؤيد بن إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سُبُكْتِكِين بلاد غزنة بعد أبيه.

стр. 6077

وفيها: فتح ملكشاه مدينة سمرقند، وحج بالناس الأمير خمارتكين، وممن حجّ فيها الوزير أبو شجاع واستناب ولده أبا منصور وطِراد بن محمد [الزَّيْنبي]. وممن توفي فيها من الأعيان: اْحمد بن السلطان ملكشاه (١) كان ولي عهد أبيه، توفي وعمره إحدى عشرة سنة، فمكث الناس في العزاء سبعة أيام [لم يركب أحد فرسًا]، والنساء ينحن في الأسواق عليه، [وسوّد أهل البلاد التي لأبيه أبوابهم]. عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن جعفر (٢) [أبو إسماعيل]، الأنصاري الهرويّ، روى الحديث وصنّف، وكان كثير السّهر باللّيل، وكانت وفاته بهراة في ذي الحجة عن ست وثمانين سنة. ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين وأربعمئة في المحرم درّس أبو بكر الشاشي في المدرسة التاجيّة بباب أبرز، وكان قد أنشأها الصاحب تاج الملك (٣) أبو الغنائم على الشافعيّة. وفيها: كانت فتنة عظيمة بين الروافض والسنّة، ورفعوا المصاحف وجرت حروب طويلة وقتل خلق كثير. نقل ابن الجوزي في "المنتظم" (٤) من خطّ ابن عقيل: أنه قتل في هذه الفتنة قريب من مئتي رجل، قال: وسبّ أهل الكرخ الصحابة وأزواج رسول الله ﷺ ، وارتفعوا إلى سبِّ رسول الله ﷺ - فلعنة الله على أهل الكرخ الذين فعلوا ذلك - وإنما حكيت هذا ليعلم الواقف عليه ما في طوايا الروافض من الخبث والبغض لدين الإسلام وأهله والعداوة الكافية في قلوبهم لله ولرسوله ولشريعته. وفيها: ملك السلطان ملكشاه ما وراء النهر وطائفة كثيرة من تلك الناحية بعد حروب عظيمة ووقعات هائلة. وفيها: استولى جيش المصريين على عدة من بلاد الشام. [وفيها: عمرت منارة جامع حلب.

стр. 6078

وفيها: أرسلت الخاتون بنت السلطان امرأة الخليفة تشكو إلى أبيها إعراض الخليفة عنها، فبعث إليها أبوها الطواشي صواب والأمير مران ليرجعاها إليه، فأجاب الخليفة إلى ذلك، وبعث معها بالنقيب وجماعة من أعيان الأمراء، وخرج ابن الخليفة أبو الفضل والوزير فشيعاها إلى النهروان، وذلك في ربيع الأول، فلما وصلت إلى أبيها توفيت في شوال من هذه السنة بأصبهان، فعمل عزاؤها ببغداد سبعة أيام، وأرسل الخليفة إلى السلطان أميرين لتعزيته فيها] (١). وحجّ بالناس في هذه السنة خمارتكين. وممن توفي فيها من الأعيان: عبد الصمد بن أحمد بن علي المعروف بظاهر (٢) النيسابوري الحافظ. رحل وسمع الكثير، وخرّج، عاجله الموت في هذه السنة بهمَذان وهو شاب، رحمه الله تعالى. علي بن أبي يعلى بن زيد (٣) أبو القاسم الدبوسيّ، مدرس النظامية بعد المتولي. وقد سمع شيئًا من الحديث، وكان فقيهًا ماهرًا، وجدليًا باهرًا. عاصم بن الحَسَن (٤) بن محمد بن علي بن عاصم بن مهران (٥) أبو الحسين العاصِميّ. وهو من أهل الكَرْخ، سكن باب الشعير [ولد] سنة سبع وتسعين [وثلاثمئة] وكان من أهل الفضل والأدب، وسمع الحديث من الخطيب وغيره، وكان ثقة حافظًا، ومن شعره الجيد قوله: لَهفي على قومِ بكاظمةٍ … ودّعتُهم والركبُ مُعتَرضُ لم تترك العبراتُ مذ بعدوا … لي مقلةً ترنُو وتغتمضُ رحلوا فدمعي واكفٌ هطلٌ (٦) … جار وقلبي حشوهُ مَرضُ وتعوّضوا لاذقتُ فقدهمُ … عنّي ومالي عنهم عِوَضُ

стр. 6079

أقرضتُهم قلبي على ثقةٍ … منهم فما ردُّوا الذي اقترضوا محمد بن أحمد بن حامد بن عُبيد (١) أبو جعفر البخاري، المتكلّم، المعتزلي، أقام ببغداد، ويعرف بقاضي حلب. وكان حنفي المذهب في الفروع، معتزليًا في الأصول، مات ببغداد في هذه السنة، ودفن بباب حرب. محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل الأصفهاني (٢) المعروف [بابن] سَمْكُوية (٣). أحد الحفّاظ الجوّالين الرحّالين، سمع الكثير، وجمع الكتب، وأقام بهراة، وكان رجلًا صالحًا، كثير العبادة، توفي ﵀ بنيسابور في ذي الحجّة من هذه السنة. ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وأربعمئة في المحرم ورد [إلى] الفقيه أبي عبد الله الطبري منشور نظام المُلْك بتدريس النظاميّة ببغداد، فدرّس بها، ثمّ في ربيع الأول. ورد الفقيه أبو محمد عبد الوهاب الشيرازي بمنشور آخر منه بتدريسها، فاتفق الحال على أن يدرِّس هذا يومًا وهذا يومًا. وفي جمادى الأولى دهم أهلَ البصرة رجل اسمه تِلْيا (٤) كان ينظر في النجوم، فاستغوى خلقًا من أهلها، وزعم أنَّه المهدي، وأحرف من البصرة شيئًا كثيرًا، من ذلك دار كانت أول دار كتبٍ وقفت في الإسلام [لم يُرَ في الإسلام مثلها] وأتلف شيئًا كثيرًا من الدواليب والمصانع وغير ذلك. وفيها: خلع على أبي القاسم علي بن طِراد الزَّينبي بنقابة العباسيين بعد أبيه. وفيها: استفتي على معلمي الصبيان أن يمنعوا من المساجد صيانة لها [فأفتوا بمنعهم] ولم يستثن منهم سوى رجل كان فقيهًا شافعيًا، يدري كيف تصان المساجد، واستدلّ المفتي بقوله ﵇: "سدّوا كلّ خوخة إلا خوخة أبي بكر" (٥).

стр. 6080

وحجّ بالناس فيها خمارتكين على العادة. وممن توفي فيها من الأعيان: الوزير أبو نصر بن جَهِير بن محمد بن محمد بن جهير (١) عميد الملك (٢). أحد مشاهير الوزراء، وزر للقائم، ثمّ لولده المقتدي، ثمّ عزله السلطان ملكشاه، وولاه ولده فخر الدولة ديار بكر وغيرها، مات بالموصل في هذه السنة وهي البلدة التي ولد بها. [وفيها: كان مقتل صاحب اليمن الصُّلَيحي وقد تقدم ذكره] (٣). ثم دخلت سنة أربع وثمانين وأربعمئة في المحرم منها كثب المنجّم الذي أحرق البصرة إلى أهل واسط يدعوهم إلى طاعته، ويذكر في كتابه: أنّه المهديّ، صاحب الزمان، الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويهدي الخلق إلى الحقّ، فإن أطعتم أمنتم من العذاب، وإن عدلتم عن الحقّ خُسِفَ بكم، فآمنوا بالله وبالإمام المهدي. وفيها: ألْزِم أهل الذمّة [بلبس] الغيار وشدّ الزنّار، وكذلك نساؤهم في الحمِّامات وغيرها. وفي جمادى الأولى قدم الشيخ أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي من أصبهان إلى بغداد على تدريس النظاميّة بها، ولقّبه نظام الملك: زين الدين، شرف الأئمة. قال ابن الجوزي (٤): كان كلامه معسولًا، وذكاؤه شديدًا. وفي رمضان منها عزل الوزير أبو شجاع عن وزارة الخلافة فأنشد عند عزله متمثلًا: تولاها وليسَ له عدوٌّ … وفارقَها وليسَ له صديقُ ثم جاء كتاب نظام المُلْك بأن يخرج من بغداد، فخرج [منها إلى عدة أماكن، فلم تطب له] فعزم على الحجّ [ثم طابت نفس النظام عليه فبعث عليه يسأله أن يكون عديله في ذلك] (٥) وناب ابن

стр. 6081

الموصلايا في الوزارة (١)، وقد كان أسلم قبل هذه المباشرة، في أول هذه السنة. وفي رمضان منها دخل السلطان ملكشاه بغداد ومعه الوزير نظام المُلْك، وقد خرج لتلقّيه قاضي القضاة أبو بكر الشاشي وابن الموصلايا المسلماني، وجاءت ملوك الأطراف للسلام عليه، منهم أخوه تاج الدولة تتش صاحب دمشق، وأتابكه قسيم الدولة آقسنقر صاحب حلب. وفي ذي القعدة خرج ملك شاه وابنه وابن ابنته من الخليفة في خلق كثير إلى الكوفة. وفيها: استُوزر أبو منصور بن جَهير، وهي النوبة الثانية لوزارته للمقتدي، وخلع عليه، وركب إليه نظام المُلْك، فهناه في داره [بباب العامة]. وفي ذي الحجة عمل السلطان الميلاد في دجلة. وأشعلت نيران عظيمة، وأوقدت شموع كثيرة [وجمعت المطربات في السميريات] وكانت ليلة مشهودة [عجيبة] جدًّا، وقد نظم الشعراء فيها شعرًا، فلما أصبح النهار من هذه الليلة، جيء [بالخبيث المنجم الذي حرق البصرة] الداعية المدّعي أنّه المهدي تِلْيا المنجم محمولًا على جمل ببغداد [وجعل] يسبّ الناس والناس يلعنونه، وعلى رأسه طُرطُورٌ بودع، والدرّة تأخذه من كلّ جانب [فطافوا به بغداد]، ثمّ صُلِب بعد ذلك. وفيها: أمر السلطان ملك شاه جلال الدولة بعمارة جامعه المنسوب إليه بظاهر السور. وفي هذه السنة: ملك أمير المؤمنين يوسف بن تاشفين صاحب بلاد المغرب كثيرًا من الأندلس (٢)، وأسر صاحبها المعتمد بن عباد وسجنه وأهله بأغمات (٣)، وقد كان المعتمد هذا موصوفًا بالكرم، والأدب والعلم، والحلم وحسن السيرة والعشرة، والإحسان إلى الرعيّة والرفق بهم، فحزن الناس عليه، [وقال في مصابه الشعراء فأكثروا] (٤). وفيها: ملكت الفرنج [مدينة]، صِقلِّية من بلاد المغرب، ومات (٥) ملكهم، فقام من بعده ولده، فسار في الناس سيرة ملوك المسلمين وأحسن إليهم وكأنه منهم [لما ظهر منه من الإحسان إلى المسلمين].

стр. 6082

وفيها: كانت زلازل كثيرة بالشام وغيرها، فهدَّمت بنيانًا كثيرًا، وكان من جملة ذلك تسعون برجًا من سور أنطاكية، وهلك تحت الهدم خلق كثير. وحجّ بالناس فيها خمارتكين. وممن توفي فيها من الأعيان: عبد الرحمن بن أحمد بن عَلَّك (١) أبو طاهر. ولد بأصبهان، وتفقّه بسمرقند، وهو الذي كان سبب فتحها على يدي السلطان ملك شاه، وكان من رؤساء الشافعيّة، وقد سمع الحديث الكثير. قال عبد الوهّاب بن مَنْده: لم نرَ فقيهًا في وقتنا أنصف منه ولا أعلم، وكان فصيح اللَّهجة، كثير المروءة، غزير النعمة، وكانت وفاته ببغداد، فمشى الرؤساء والوزراء في جنازته، غير أن نظام المُلْك ركب واعتذر بكبر السنّ، ودفن إلى جانب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وكان يومًا مشهودًا، وجاء السلطان ملك شاه إلى التربة. [قال ابن عقيل: جلست بكرة العزاء إلى جانب نظام المُلْك، والملوك قيام بين يديه، اجترأت على ذلك بالعلم، حكاه ابن الجوزي] (٢). محمد بن أحمد بن علي (٣) أبو نصر المَرْوزيّ. كان إمامًا في القراءات، وله فيها المصنّفات، وسافر في ذلك كثيرًا، واتفق أنّه غرق في البحر في بعض أسفاره، فبينما الموج يرفعه ويضعه، إذ نظر إلى الشمس قد زالت، فنوى الوضوء وانغمس في الماء ثمّ صعد، فإذا خشبة، فركبها وصلّى عليها، ورزقه الله السلامة ببركة الصلاة. [وامتثاله للأمر، واجتهاده على العمل] وعاش بعد ذلك دهرًا، وتوفي في هذه السنة، وله نيّف وتسعون سنة، ﵀. محمد بن عبد الله بن الحسين (٤) أبو بكر الناصحي، الفقيه الحنفي المناظر، المتكلّم، المعتزلي. وقد ولي القضاء بنيسابور، ثمّ عزل عنها لجنايته، وكلامه، وأخذه الرشا، وولي قضاء الريّ، وقد سمع الحديث، وكان من أكابر العلماء، توفي في رجب.

стр. 6083

أرتق بن أكسب (١) التُّركماني (٢) جدّ الملوك الأرتقيّة الذين هم اليوم ملوك ماردين، كان شهمًا شجاعًا، عالي الهمّة، تغلّب على بلاد كثيرة، وقد ترجمه ابن خلّكان، وأرّخ وفاته في هذه السنة. ثم دخلت سنة خمس وثمانين وأربعمئة فيها: أمر السلطان ملك شاه ببناء [سور] سوق المدينة المعروفة بطُغْرُلْبَك، إلى جانب دار الملك، وجدّد خاناتها وأسواقها، ودورها، وأمر بتجديد الجامع الذي تمّ على يد هارون الخادم في سنة أربع وعشرين وخمسمئة، ووقف على نصب قبلته بنفسه، ومنجّمه إبراهيم حاضر، ونقلت إليه أخشاب جامع سامرّاء، وشرع نظام المُلْك في بناء دار هائلة له أيضًا [وكذلك تاج الملوك أبو الغنائم، شرع في بناء دار هائلة أيضًا] (٣)، واستوطنوا البلد فطابت لهم بغداد. وفي جمادى الأولى وقع حريق عظيم ببغداد في أماكن شتّى، فما أطفئ حتى هلك للناس شيء كثير، فما عمروا بقدر ما حرق وما غرموا. وفي ربيع الأول خرج السلطان إلى أصبهان، ومعه ولد الخليفة أبو الفضل جعفر، [فبينما هو في الطريق يوم عاشوراء عدا صبيّ من الدّيلم على الوزير نظام الملك بعد أن أفطر، فضربه بسكين فقضى عليه بعد ساعة، وأخذ الصبيّ الدّيلمي فقتل، وكان من كبار الوزراء وخيار الأمراء، وسنذكر شيئًا من سيرته عند ذكر ترجمته] (٤). ثمّ عاد إلى بغداد في رمضان بنيّة غير صالحة، فلقاه الله في نفسه ما يتمناه لأعدائه، وذلك أنّه لما استقرّ ركابه ببغداد وجاء الناس للسلام عليه والتهنئة بقدومه [وأرسل إليه الخليفة يهنئه] (٥) فبعث إلى الخليفة يقول له: لا بدّ أن تترك لي بغداد، وتتحول إلى أيّ بلاد شئت؛ فأرسل إليه الخليفة يستنظره شهرًا، فقال: ولا ساعة واحدة، فأرسل يتوسّل إليه في إنظاره عشرة أيام، فأجاب إلى ذلك بعد تمنّع شديد [فما استتم الأجل حتى] (٦) خرج السلطان يوم عيد الفطر إلى الصيد، فأصابته حمّى شديدة، فافتصد، فما قام منها حتى مات قبل العشرة أيام، ولله الحمد، فاستحوذت زوجته زبيدة خاتون على

стр. 6084

الجيش، وضبطت [الأموال] والأحوال جيدًا، وأرسلت إلى الخليفة تسأل منه أن يكون ولدها محمود ملكًا بعد أبيه، وأن يخطب له على المنابر، فأجابها إلى ذلك. [وأرسل إليه بالخلع، وبعث يعزِّيها ويهنئها مع وزيره عميد الدولة ابن جَهير] (١) وكان عمر الملك محمود [يومئذ] خمس سنين، ثمّ سارت به نحو أصبهان لتوطّد له الملك، فدخلوها فتمّ لهم مرادهم، وخُطِبَ له في جميع البلدان حتى في الحرمين، واستُوزر له تاج الملك أبو الغنائم المرزبان بن [خسرو]، وأرسلت أم الملك محمود تسأل له من الخليفة أن يجعل ولايات العمال إليه [فامتنع الخليفة، ووافقه الغزالي] وقال: هذا لا يسيغه الشرع [وأفتى العلماء بجواز ذلك منهم المتطيب بن محمد الحنفي، فلم يعمل إلا بقول الغزالي. وانحاز أكثر جيش السلطان إلى ابنه الآخر بركياروق فبايعوه وخطبوا له بالريّ [وانفردت الخاتون وولدها ومعهم شرذمة قليلة من الجيش والخاصكية] (٢) فأنفقت الخاتون ثلاثين ألف ألف دينار لقتال بركياروق بن ملك شاه فالتقوا في ذي الحجة، فكانت الخاتون هي المنهزمة، ومعها ولدها، وقد ثبت في "صحيح البخاري" (٣): "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة". وفيها: جاء بَرَدٌ شديد بالبصرة وزن البرَدة الواحدة منه خمسة أرطال إلى ثلاثة عشر رطلًا، فأتلفت شيئًا كثيرًا من الأشجار، وجاء ريح عاصف قاصف فألقى عشرات الألوف من النخيل أيضًا ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. [وفي ذي القعدة اعترضت بنو خفاجة للحجيج، فقاتلهم من في الحجيج من الجند مع الأمير خمارتكين فهزموهم، ونهبت أموال الأعراب، فلِلَّه الحمد والمنّة]. وفي هذه السنة: ملك تاج الدولة تتش صاحب دمشق مدينة حمص، وقلعة عَرْقَة، وقلعة أفامية، معه قسيم الدولة آقسنفر، [وكان السلطان قد جهز سريّة إلى اليمن صحبة سعد الدولة كوهرائين، وأمير آخر من التركمان، فدخلاها وأساءا فيها السيرة، فتوفي سعد الدولة كوهرائين يوم دخوله إليها في مدينة عدن، ولله الحمد والمنّة] (٤). وممن توفي فيها من الأعيان: جعفر بن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن (٥) أبو الفضل التميمي المعروف

стр. 6085

بالحَكَاك (١) المكّي. رحل في طلب الحديث إلى الشام والعراق وأصبهان، وغير ذلك من البلاد، وسمع الكثير [وخرّج الأجزاء]، وكان حافظًا، متقنًا، ثقة، ضابطًا، صدوقًا، [أديبًا]، خيّرًا، وكان يراسل صاحب مكة، وكان من ذوي الهيئات والمروءات، قارب الثمانين، ﵀. نظام المُلْك الوزير (٢) هو الحسن بن علي بن إسحاق بن العبَّاس، أبو علي الوزير. وزير الملك ألب آرْسلان، وولده ملك شاه ثلاثين سنة. وكان من خيار الوزراء، ولد بطوس سنة ثمان وأربعمئة، وكان أبوه ممن يخدم أصحاب محمود بن سُبُكْتِكين [وكان من الدَّهاقين] (٣) فاشتغل ولده هذا فقرأ القرآن [وله إحدى عشرة سنة] وأشغله بعلم القراءات، والتفقّه على مذهب الشافعي، وسماع الحديث واللّغة والنحو، وكان عالي الهمّة [فحصّل من ذلك طرفًا صالحًا] ثمّ ترقى في المراتب حتى وزر [للسلطان ألب آرْسَلان بن داود بن ميكائيل بن سُلجوق، ثمّ من بعده لملك شاه تسعًا وعشرين سنة، لم ينكب في شيء منها] (٤). وبنى المدارس النظاميات (٥) في بغداد ونيسابور وغيرهما، وكان مجلسه عامرًا بالفقهاء والعلماء، بحيث يقضي معهم عامة أوقاته، فقيل له: هؤلاء قد شغلوك عن كثير من المصالح، فقال: هؤلاء جمال الدنيا والآخرة، ولو أجلستهم على رأسي ما استكثرت ذلك، وكان إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري، وأبو المعالي الجُويني، قام لهما وأجلسهما في المسند، فإذا دخل عليه أبو علي الفَارمَذيّ (٦) قام وأجلسه مكانه، وجلس بين يديه، فعوتب في ذلك، فقال: إنهما إذا دخلا على فقالا: أنت وأنت [يطروني ويعظّموني ويقولون فيّ ما ليس فيّ، فازداد بهما ما هو مركوز في نفس البشر] وإذا دخل أبو علي الفارمَذيّ ذكّرني عيوبي وظلمي فأنكسر وأرجع عن كثير من الذي أنا فيه. وكان

стр. 6086

محافظًا على الصلوات في أول الوقت [لا يشغله بعد الأذان شغل عنها] (١) ويواظب على صوم الإثنين والخميس، وله [الأوقاف الدارّة] والصدقات البارَّة. وكان يعظّم الصوفيّة تعظيمًا زائدًا، فعوتب في ذلك فقال: إني كنت أخدم بعض الأمراء فجاء بي يومًا إنسان فقال: اخدم من ينفعك خدمته، إلى متى تخدم من تأكله الكلاب غدًا، فلم أفهم ما يقول. فاتفق أن ذلك الأمير سكر تلك الليلة، وخرج في أثناء الليل وهو ثمل، وكانت له كلاب تفترس الغرباء باللّيل، فلم تعرفه فمزّقته، فأصبح وقد أكلته الكلاب، قال: فأنا أطلب مثل ذلك الشيخ. وقد سمع الحديث في أماكن شتى ببغداد وغيرها، وكان يقول: [إني لأعلم] أني لست بأهلٍ للرواية، ولكن أحب أن أربط في قطار نَقَلَةِ حديث رسول الله ﷺ . وقال أيضًا: رأيت [ليلة] في المنام إبليس فقلت له: ويحك! خلقك الله وأمرك بالسجود له مشافهةً، فأبيت، وأنا لم يأمرني بالسجود له مشافهة، وأنا أسجد له في كلِّ يوم مرات، وأنشأ يقول: منْ لمْ يكُنْ للوِصَالِ أهْلًا … فكُلُّ إحسانِه ذُنُوبُ [وقد أجلسه المقتدي مرة بين يديه وقال له: يا حسن، رضي الله عنك برضا أمير المؤمنين عنك. وقد ملك ألوفًا من الترك] (٢)، وكان له بنون كثرِة، وَزَرَ منهم خمسة، وزر ابنه أحمد للسلطان محمد بن ملك شاه، ولأمير المؤمنين المسترشد بالله. وخرج نظام المُلْك مع السلطان من أصبهان قاصدًا بغداد، في مستهلّ رمضان من هذه السنة، فلما كان اليوم العاشر اجتاز في بعض طريقه بقرية بالقرب من نَهاوند، [وهو يسايره في محفّة] فقال: قد قتل هاهنا خلق من الصحابة زمن عمر ﵁، فطوبى لمن يكون عندهم، فاتفق أنّه لما أفطر جاءه صبيّ في هيئة مستغيث ومعه قصّة، فلما انتهى إليه ضربة بسكِّين في فؤاده وهرب، فعثر بطنب الخيمة، فأُخذ فقتل، ومكث نظام المُلْك ساعة، وجاءه السلطان يعوده، فمات وهو عنده ﵀ [وقد اتُّهم السلطان في أمره أنّه هو الذي مالأ عليه، فلم تطل مدته بعده سوى خمسة وثلاثين يومًا فكان في ذلك عبرة لأولي الألباب. [وكان قد عزم على إخراج الخليفة أيضًا من بغداد، فما تمّ له ما عزم عليه، ولما بلغ أهل بغداد موت النظام حزنوا عليه، وجلس الوزير والرؤساء للعزاء ثلاثة أيام] ورثاه الشعراء بقصائد، منهم مقاتل بن عطيّة: كانَ الوزيرُ نظامُ المُلْكِ لؤلؤةً … يتيمةً صاغَها الرحمنُ من شَرَفِ عزَّتْ فلم تعرِفِ الأيامُ قيمتَها … فردَّها غَيْرةً منهُ إلى الصَّدَفِ

стр. 6087

وأثنى عليه غير واحد، حتى ابن عقيل وابن الجوزي وغيرهما (١)، ﵀. عبد الباقي بن محمد بن الحسين بن داود بن ناقيا (٢) أبو القاسم الشاعر، من أهل الحريم الطاهريّ. ولد سنة عشر وأربعمئة، وكان أديبًا، شاعرًا، ماهرًا، غير أنّه رماه بعضهم برأي الأوائل، وأنكر أن يكون في السماء نهر من ماءٍ، أو نهر من لبن، أو نهر من خمر، أو نهر من عسل، يعني في الجنة، وما يسقط من ذلك قطرة إلا هذا الذي يخرّب ويهدّم السقوف، وهذا الكلام كفر من قائله لعنه الله، نفله ابن الجوزي في "المنتظم"، وحكى بعضهم أنّه وجد في كفّه مكتوبًا حين مات هذين البيتين: نزلت بجارٍ لا يُخيِّبُ ضَيْفَهُ … أرَجِّي نجاتي من عذابِ جَهَنَّمِ وإنّي على خوفي من اللهِ واثقٌ .... بإنعامِه والله أكرمُ مُنْعمِ مالك بن أحمد بن علي بن إبراهيم (٣) أبو عبد الله البانياسيّ الشاميّ. [وقد كان له اسم آخر سمّته به أمّه: علي، أبو الحسن، فغلب عليه ما سمّاه به أبوه به]، وسمع الحديث على مشايخ كثيرة، وكان آخر من حدّث عن أبي الحسن بن الصَّلْت، هلك في سوق الرَّيحانيين (٤)، وله ثمانون سنة، وكان ثقة عند المحدِّثين. السلطان ملك شاه (٥) جلال الدين والدولة، أبو الفثح ملك شاه بن أبي شجاع ألْب آرْسَلان بن داود بن ميكائيل بن سُلجوق بن تُقَاق التركي. ملك من أقصى بلاد الترك إلى أقصى بلاد اليمن، وراسله الملوك من سائر الأقاليم والأقطار، حتى ملك الروم، والخزر، واللان. وكانت دولته صارمة، والطرقات في أيامه آمنة، وكان مع عظمته يقف للمسكين والمرأة والضعيف [فيقضي حوائجهم] وعفر العمارات الهائلة، وبنى القناطر، وأسقط

стр. 6088

المكوس والضرائب، وحفر الأنهار الكبار، وبنى مدرسة أبي حنيفة [والسوق، وبنى الجامع الذي يقال له: جامع السلطان ببغداد] (١) وبنى الجوامع، وبنى منارة القرون من صيوده بالكوفة، ومثلها فيما وراء النهر، وضبط ما صاده بنفسه في صيوده، فكان نحوًا من عشرة آلات صيد، فتصدّق بعشرة آلاف درهم وقال: إني خائف من الله تعالى أن أكون أزهقت نفسَ حيوان لغير مأكلة. وقد كانت له أفعال حسنة، وسيرة صالحة، من ذلك: أن فلاحًا أنهى إليه أن غلمانًا أخذوا له حمل بطيخ، وهو رأس ماله، فقال: اليوم أردّ عليك حملك، ثمّ قال لقيّمه: أريد أن تأتوني اليوم ببطيخ، ففتشوا فإذا في خيمة الحاجب بطيخ، فحملوه إليه، فاستدعى الحاجب فقال: من أين لك هذا البطيخ؟ قال: جاء به الغلمان، فقال: أحضرهم، فذهب فهزمهم، فأرسل إليه فأحضره، وسلَّمه للفلاح، وقال: خذ بيده فإنّه مملوكي ومملوك أبي، وإياك أن تفارقه، فردّ عليه حمله، فخرج الفلاح بحمله، وفي يده الحاجب فاستنقذ [الحاجب] نفسه [من الفلاح] بثلاثمئة دينار. ولما توجّه لقتال أخيه تتش اجتاز بطوس، فدخل لزيارة قبر علي بن موسى الزَضا، ومعه نظام المُلْك، فلما خرجا قال للنظام: بم دعوت الله؟ قال: دعوت الله أن يُظْفِرَكَ على أخيك، فقال: لكني قلت: اللهمّ إن كان أخي أصْلَحَ مني للمسلمين فظفِّره بي، وإن كنتُ أصْلَحَ لهم فظفّرني به. وقد سار ملك شاه هذا بعسكره من أصبهان إلى أنطاكية، فما عرف أن أحدًا من جيشه ظلم أحدًا من رعيته، [وكانوا مئين ألوف]. واستعدى إليه تركماني: أنَّ رجلًا افتضّ بكارة ابنته، وهو يريد أن يمكنه من قتله، فقال: يا هذا، إن ابنتك لو شاءت ما مكَّنته من نفسها، فإن كنت لابدّ فاعلًا فاقتلها معه، فسكت الرجل. ثمّ قال الملك: أو خير من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أن تزوجها منه، فزوّجها من ذلك الرجل، وأنا أمْهرهما من بيت [المال] كفايتهما، [ففعل]. وحكى له بعض الوعاظ أن كسرى اجتاز يومًا في بعض أسفاره بقرية منفردًا من جيشه فوقف على باب دار فاستسقى، فأخرجت إليه جارية إناءً فيه ماءُ قصب السكر بالثلج، فشرب منه فأعجبه، فقال: كيف تصنعون هذا؟ فقالت: إنّه سهل علينا، اعتصاره على أيدينا، فطلب منها شربة أخرى، فذهبت لتأتيه بها، فوقع في نفسه أن يأخذ هذا المكان منهم ويعوّضهم عنه غيره. فأبطأت عليه، ثمّ خرجت وليس معها شيء، فقال: ما لكِ؟ فقالت: كأن نيّة سلطاننا تغيرت علينا، فتعسّر عليّ اعتصاره، وهي لا تعرف أنّه السلطان. فقال اذهبي فإنّك الآن تقدرين، وغير نيّته إلى غيرها، فذهبت، وجاءته بشربة أخرى سريعًا، فشربها وانصرف. فقال له السلطان ملك شاه: هذه تصلح لي، ولكن قصّ على الرعية حكاية كسرى الأخرى حين اجتاز ببستان فطلب من ناطوره عنقودًا من حصرم، فإنّه قد أصابته صفراء [في رأسه]

стр. 6089

وعطش، فقال الناطور: إنّ السلطان لم يأخذ حقّه منه، فلا أقدر أن أعطيك منه شيئًا، قال: فعجب الناس من ذكاء الملك، وحسن استحضاره هذه في مقابلة تلك. واستعداه رجلان من الفلاحين على الأمير خمارتكين: أنّه أخذ منهما مالًا كثيرًا، وكسر ثنيتهما، وقالا: سمعنا بعدلك في العالم، فإن أنقذتنا منه كما أمرك الله، والا استعدينا عليك الله يوم القيامة، وأخذا بركابه، فنزل عن فرسه، وقال: خذا بكمِّي فاسحباني إلى دار نظام المُلْك، فهابا ذلك، فعزم عليهما، ففعلا ما أمرهما به، فلما بلغ النظام [مجيء السلطان] إليه خرج مسرعًا من خيمته، فقال له الملك: إني قلّدتك الأمر لتنصف المظلوم ممن ظلمه، فكتب من فوره بعزل خمارتكين، وحلّ إقطاعه. وأن يرد إليهما أموالهما، وأن يقلعا ثنيتيه إن قامت عليه البيِّنة، وأمر لهما الملك من عنده بمئة دينار. وأسقط مرّة بعض المكوس، فقال له رجل من المستوفين: يا سلطان العالم: إن هذا [الذي أسقطته] يعدل ستمئة ألف دينار وأكثر، فقال: ويحكّ! إنّ المال مال الله، والعباد عبيده، والبلاد بلاده، وإنّما [أردت أن] يبقى هذا لي [عند الله] ومن نازعني هذا ضربت عنقه. وغنّته امرأة حسناء، فطرب، وتاقت نفسه إليها، فهمّ بها، فقالت: أيها الملك إني أغار على هذا الوجه الجميل من النار، وبين الحلال والحرام كلمة واحدة، فاستدعى القاضي فزوّجه بها. وقد ذكر ابن الجوزي (١)، عن ابن عقيل: أنَّ السلطان ملك شاه، كان قد فسدت عقيدته بسبب معاشرته لبعض الباطنيّة، ثمّ تنصّل من ذلك وراجع الحقّ. وذكر ابن عقيل: أنَّه كتب له شيئًا في إثبات الصانع. [وقد ذكرنا أنّه لما رجع آخر مرة إلى بغداد فعزم على الخليفة أن يخرج منها، فاستنظره عشرة أيام، فمرض السلطان: ومات قبل انقضاء العشرة أيام] (٢). وكانت وفاة السلطان في ليلة الجمعة النصف من شوال عن سبع وثلاثين سنة ونصف، وكانت مدة ملكه من ذلك تسع عشرة سنة ونصف، ودفن بالشونيزية (٣)، ولم يصلّ عليه أحد لكتمان الأمر، وكان مرضه بالحمّى، وقيل: إنّه سُمّ، والله أعلم. المَرْزُبان بن خُسرو (٤) تاج المُلْك، الوزير أبو الغنائم، باني التاجية التي درّس بها أبو بكر الشَّاشي،

стр. 6090

وبنى تربة الشيخ أبي إسحاق، وقد كان السلطان ملك شاه أراد أن يستوزره بعد نظام المُلْك فمات سريعًا، فاستوزر لولده محمود، فلما قهره أخوه بركياروق، قتله غلمان نظام المُلْك، وقطعوه إربًا إربًا في ذي الحجّة من هذه السنة. هبة الله بن عبد الوارث بن علي بن أحمد بن برزة (١) أبو القاسم الشيرازي. أحد الرجّالين الجوّالين في الآفاق، وكان حافظًا، ثقة، دينًا، ورعًا، حسن الاعتقاد، والسيرة، له تاريخ حسن (٢)، رحل إليه الطلبة من بغداد وغيرها، والله أعلم، ﵀. ثم دخلت سنة ست وثمانين وأربعمئة وفيها: قدم إلى بغداد رجل يقال له: أردشير (٣) بن منصور، أبو الحسين العَبّادي، مرجعه من الحجّ، فنزل النظاميّة، فوعظ الناس، وحضر مجلسه الغزالي، وازدحم النّاس في مجلس وعظه [وكثروا في المجالس بعد ذلك، وترك كثير من الناس من معايشهم] (٤) وكان يحضر المجلس في بعض الأحيان قريب من ثلاثين ألف من الرجال والنساء، وتاب كثير من الناس، ولزموا المساجد، وأريقت الخمور، وكُسِّرت الملاهي، [وكان الرجل في نفسه صالحًا] له عبادات، وفيه زهد وافرٌ [وله أحوال صالحة] وكان [الناس] يزدحمون على فضل وضوئه، وربما أخذوا من البِرْكةِ التي يتوضأ بها للبركة. ونقل ابن الجوزي (٥): أنّه اشتهى على بعض أصحابه توتًا شاميًا وثلجًا، فطاف البلد [بكماله] فلم يجده، فرجع فوجد الشيخ في خلوته؛ فسأل: هل جاء اليوم [إلى الشيخ] أحد؟ فقيل له: جاءت امرأة، فقالت: إني قد غزلت بيدي غزلًا وبعته، وأنا أحبّ أن أشتري للشيخ به طرفة، فامتنع من ذلك، فبكت، فرحمها، وقال: اذهبي فاشتري، فقالت: ماذا أشتري؟ فقال: ما شئت، [فذهبت] فأتته بتوت شامي وثلج، فأكله. [وقال بعضهم: دخلتُ عليه وهو يشرب مرقًا، فقلت في نفسي: ليته أعطاني فضله لأشربه لحفظ

стр. 6091

القرآن، فناولني فضله فقال: اشربها على تلك النيّة، قال: فرزقني الله حفظ القرآن] (١). وكانت له عبادات ومجاهدات. ثمّ اتفق أنَّه تكلّم في بيع القراضة بالصحيح فمنع من الجلوس وأخرج من البلد. وفي هذه السنة: خطب تش بن ألْب آرْسَلان صاحب دمشق لنفسه بالسلطنة، وطلب من الخليفة أن يخطب له بالعراق، فحصل التوقّف في ذلك بسبب ابن أخيه بركياروق بن ملك شاه، فسار إلى الرحبة وفي صحبته وطاعته آقسنقر صاحب حلب، وبوران صاحب الرُّها، ففتح الرحبة [ثم سار إلى الموصل، فأخذها من يد صاحبها إبراهيم بن قريش بن بدران، وهزم جيوشه من بني عقيل] (٢) وقتل خلقًا من الأمراء [صبرًا] وكذلك أخذ ديار بكر [واستوزر الكافي بن فخر الدولة بن جَهير] (٣) وكذلك أخذ هَمذان وخِلاط، وفتح أذربيجان واستفحل أمره، ثمّ فارقه الأميران آقسنقر وبوران فسار إلى الملك بركياروق [وبقي تتش وحده فطمع فيه أخوه بركياروق، فرجع تتش فلحقه قسيم الدولة آقسنقر وبوران بباب حلب فكسرهما] (٤) وأسر بوران وآقسنقر فصلبهما [وبعث برأس بوران فطيف به في حران والرُّها، وملكها من بعده] (٥). وفيها: وقعت الفتنة بين الروافض والسنّة وانتشرت بينهما شرور كثيرة. وفي [ثاني] شعبان ولد للخليفة ولده المسترشد بالله، أبو منصور، الفضل بن أبي العباس أحمد المستظهر بالله بن المقتدي، ففرح الخليفة وولي عهده بالولد السعيد. وفي ذي القعدة دخل السلطان بركياروق بغداد [وخرج إليه الوزير أبو منصور بن جَهير، وهنأه عن الخليفة بالقدوم] (٦). وفيها: أخذ المستنصر العبيدي مدينة صور من أرض الشام، ولم يحج أحد من أهل العراق في هذه السنة. وممن توفي فيها من الأعيان: جعفر بن المقتدي بالله (٧) من الخاتون بنت السلطان، ملك شاه [في جمادى الأولى] وجلس الوزير للعزاء ثلاثة أيام.

стр. 6092

سليمان بن إبراهيم بن محمد بن سليمان (١) أبو مسعود الأصبهاني. سمع الكثير، وصنّف [وخرّج على الصحيحين، وكانت له معرفة جيدة بالحديث] (٢)، وسمع ابن مردويه وأبا نعيم، والبَرْقاني، وكتب عنه الخطيب (٣) وغيره، وكانت وفاته في ذي القعدة عن تسع وثمانين سنة. عبد الواحد بن أحمد بن المُحَسِّن (٤) الدَّسْكري (٥) أبو سعد الفقيه الشافعي. صحب أبا إسحاق الشيرازي، وروى الحديث [وكان مألفًا (٦) لأهل العلم]، وكان يقول: ما عصا بدني هذا في لذة قط، توفي في رجب من هذه السنة، ودفن بباب حرب، ﵀. علي بن أحمد بن يوسف بن جعفر (٧) أبو الحسن الهَكَّاري (٨). قدم بغداد ونزل برباط الزَّوزني (٩) وكانت له أربطة قد ابتناها، سمع الحديث، وروى عنه غير [واحد] من الحفّاظ، وكان يقول: رأيت رسول الله ﷺ في المنام في الروضة، فقلت: يا رسول الله! أوصني، فقال: عليك باعتقاد أحمد بن حنبل، ومذهب الشافعي، وإياك ومجالسة أهل البدع. وكانت وفاته في المحرم من هذه السنة. علي بن محمد بن محمد (١٠) أبو الحسن الخطيب الأنْباري، المعروف بابن الأخضر. سمع أبا أحمد الفرضي (١١)، وهو آخر من حدّث عنه، وكانت وفاته في شوال عن خمس وتسعين سنة، ﵀.

стр. 6093

أبو نصر بن ماكُولا (١) علي بن هبة الله بن علي (٢) بن جعفر بن علي (٣) بن محمد بن دُلف بن أبي دلف الأمير. ولد سنة ثنتين وأربعمئة، وسمع الكثير، وكان من الحفّاظ، وله كتاب "الإكمال في المؤتلف والمختلف" (٤)، جمع بين كتاب عبد الغني بن سعيد، وكتاب الدارقطني وغيرهما، وزاد عليهما أشياء كثيرة مهمّة حسنة، نافعة، وكان نحويًّا مبرّزًا، فصيح العبارة، حسن الشعر، قال ابن الجوزي (٥): وسمعت شيخنا عبد الوهّاب يطعن في دينه ويقول: العلم يحتاج إلى دين (٦). وقُتل في خوزستان في هذه السنة [أو التي بعدها]، وقد جاوز الثمانين، كذا ذكر ابن الجوزي. ثم دخلت سنة سبع وثمانين وأربعمئة فيها: كانت وفاة الخليفة المقتدي، وخلافة ولده المستظهر بالله. [صفة موته: لما قدم السلطان بركياروق بغداد، سأل من الخليفة أن يكتب له بالسلطنة كتابًا فيه العهد إليه، فكتب ذلك، وهيئت الخلع، وعرضت على الخليفة، وكان الكتاب يوم الجمعة الرابع عشر من المحرم ثم قُدِّم إليه الطعام، فتناول منه على العادة، وهو في غاية الصحّة، ثمّ غسل يديه، وجلس ينظر في العهد بعدما وقّع عليه، وعنده قهرمانة تسمى شمس النهار، قالت: فنظر إليّ وقال: من هؤلاء الأشخاص الذين قد دخلوا علينا بغير إذن؟ قالت: فالتفتُّ فلم أر أحدًا، ورأيته قد تغيّرت حالته، واسترخت يداه ورجلاه، وانحلَّت قواه، وسقط إلى الأرض، قالت: فظننت أنّه غُشي عليه، فحللت

стр. 6094

أزرار ثيابه، فإذا هو لا يجيب داعيًا، فأغْلقتُ عليه الباب، وخرجتُ فأعلمت ولي العهد بذلك، وجاء الأمراء ورؤوس الدولة يعزّونه بأبيه ويهنئونه بالخلافة، فبايعوه. ذكر ترجمة المقتدي بأمر الله، ﵀ هو أمير المؤمنين، المقتدي بأمر الله، أبو القاسم عبد الله بن (١) الذخيرة، الأمير ولي العهد، أبو العباس محمد (٢) بن أمير المؤمنين القائم بأمر الله بن القادر بالله العباسي، أمّه أم ولد، اسمها أرجوان، أرمنيّة أدركت خلافة ولدها، وخلافة ولده المستظهر، وولد ولده المسترشد أيضًا] (٣). وكان المقتدي أبيض حلو الشمائل، تامّ القامة؛ عمرت في أيامه محال كثيرة ببغداد، ونفى عنها المغنيَّات وأرباب الملاهي [والمعاصي]، وكان غيورًا على حريم الناس، أمّارًا بالمعروف، نهّاءً عن المنكر، حسن السيرة والسريرة، تغمده الله برحمته. وكانت وفاته يوم الجمعة منتصف المحرم من هذه السنة، وله من العمر ثمان وثلاثون سنة [وثماني شهور وتسعة أيام] (٤)، وخلافته من ذلك تسع عشرة سنة [وثمان شهور إلا يومين، وأخفي موته ثلاثة أيام (٥)، حتى توطّدت البيعة لابنه المستظهر، ثمّ صلي عليه ودفن في تربتهم. خلافة المستظهر بأمر الله أبي العباس أحمد ولما توفي أبوه [يوم الجمعة] أحضروه وله من العمر ست عشرة سنة وشهران، فبويع له بالخلافة، وكان أول من بايعه الوزير أبو منصور بن جَهير، ثمّ أخذت البيعة له من الملك ركن الدولة بركياروق بن السلطان ملك شاه، ثمّ من الأمراء والرؤساء، [وتمت البيعة تؤخذ له إلى ثلاثة أيام، ثمّ أظهر التابوت يوم الثلاثاء الثامن عشر من المحرم، وصلّى عليه ولده الخليفة، وحضر الناس، ولم يحضر السلطان بل كبراء أمرائه] (٦) وصلى عليه الأمراء والوزراء، ومن العلماء: الغزالي، والشاشي، وابن عقيل [وبايعوه يوم ذلك].

стр. 6095

وقد كان المستظهر بالله كريم الأخلاق، حافظًا للقرآن الكريم، فصيحًا، بليغًا، شاعرًا [منطقيًا]، ومن لطيف شعره قوله: أذابَ حرُّ الجوى في القلبِ ما جَمَدا … يومًا مددتُ على رسمِ الوداعِ يدَا (١) فكيفَ أسلكُ نهجَ الاصطبارِ وقدْ … أرى طرائقَ من يهوى الهوى قِددَا (٢) قد أخلفَ الوعدَ بدرٌ قد شُغِفتُ بِهِ … من بعدِما قد وَفَى دهرًا بما وعَدا (٣) إن كنتُ أنقضُ عَهْدَ الحبِّ في خَلَدي … من بعدِ هذا فلا عاينتُهُ أبَدَا وفوّض المستظهر أمور الخلافة إلى الوزير أبي منصور عميد الدولة بن جَهير، فدبّرها له أحسن تدبير، ومهّد له الأمور أتمّ تمهيد [وساس الرعايا، وكان من خيار الوزراء. وفي ثالث عشر] (٤) شعبان عزل الخليفة أبا بكر الشاشي (٥) عن القضاء، وفوّضه إلى أبي الحسن بن الدّامغاني. وفيها: وقعت فتنة بين السنّة والروافض، فأحرقت محال كثيرة، وقُتل ناس كثيرون، ولم يحج أحد في هذه السنة لاختلاف السلاطين. وكانت الخطبة للسلطان بركياروق [ركن الدولة يوم الجمعة الرابع عشر من المحرم، وهو اليوم الذي توفي فيه الخليفة المقتدي بعدما علّم على توقيعه] (٦). وممن توفي فيها من الأعيان: آقسنقر الأتابك الملقب قَسِيْم الدولة السلجوقي (٧)، ويعرف بالحاجب، صاحب حلب وديار بكر والجزيرة. وهو جدّ الملك نور الدين الشهيد محمود بن زنكي بن آقسنقر.
следующие страницы →