← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

القرآن، فناولني فضله فقال: اشربها على تلك النيّة، قال: فرزقني الله حفظ القرآن] (١). وكانت له عبادات ومجاهدات. ثمّ اتفق أنَّه تكلّم في بيع القراضة بالصحيح فمنع من الجلوس وأخرج من البلد. وفي هذه السنة: خطب تش بن ألْب آرْسَلان صاحب دمشق لنفسه بالسلطنة، وطلب من الخليفة أن يخطب له بالعراق، فحصل التوقّف في ذلك بسبب ابن أخيه بركياروق بن ملك شاه، فسار إلى الرحبة وفي صحبته وطاعته آقسنقر صاحب حلب، وبوران صاحب الرُّها، ففتح الرحبة [ثم سار إلى الموصل، فأخذها من يد صاحبها إبراهيم بن قريش بن بدران، وهزم جيوشه من بني عقيل] (٢) وقتل خلقًا من الأمراء [صبرًا] وكذلك أخذ ديار بكر [واستوزر الكافي بن فخر الدولة بن جَهير] (٣) وكذلك أخذ هَمذان وخِلاط، وفتح أذربيجان واستفحل أمره، ثمّ فارقه الأميران آقسنقر وبوران فسار إلى الملك بركياروق [وبقي تتش وحده فطمع فيه أخوه بركياروق، فرجع تتش فلحقه قسيم الدولة آقسنقر وبوران بباب حلب فكسرهما] (٤) وأسر بوران وآقسنقر فصلبهما [وبعث برأس بوران فطيف به في حران والرُّها، وملكها من بعده] (٥). وفيها: وقعت الفتنة بين الروافض والسنّة وانتشرت بينهما شرور كثيرة. وفي [ثاني] شعبان ولد للخليفة ولده المسترشد بالله، أبو منصور، الفضل بن أبي العباس أحمد المستظهر بالله بن المقتدي، ففرح الخليفة وولي عهده بالولد السعيد. وفي ذي القعدة دخل السلطان بركياروق بغداد [وخرج إليه الوزير أبو منصور بن جَهير، وهنأه عن الخليفة بالقدوم] (٦). وفيها: أخذ المستنصر العبيدي مدينة صور من أرض الشام، ولم يحج أحد من أهل العراق في هذه السنة. وممن توفي فيها من الأعيان: جعفر بن المقتدي بالله (٧) من الخاتون بنت السلطان، ملك شاه [في جمادى الأولى] وجلس الوزير للعزاء ثلاثة أيام.

стр. 6092

سليمان بن إبراهيم بن محمد بن سليمان (١) أبو مسعود الأصبهاني. سمع الكثير، وصنّف [وخرّج على الصحيحين، وكانت له معرفة جيدة بالحديث] (٢)، وسمع ابن مردويه وأبا نعيم، والبَرْقاني، وكتب عنه الخطيب (٣) وغيره، وكانت وفاته في ذي القعدة عن تسع وثمانين سنة. عبد الواحد بن أحمد بن المُحَسِّن (٤) الدَّسْكري (٥) أبو سعد الفقيه الشافعي. صحب أبا إسحاق الشيرازي، وروى الحديث [وكان مألفًا (٦) لأهل العلم]، وكان يقول: ما عصا بدني هذا في لذة قط، توفي في رجب من هذه السنة، ودفن بباب حرب، ﵀. علي بن أحمد بن يوسف بن جعفر (٧) أبو الحسن الهَكَّاري (٨). قدم بغداد ونزل برباط الزَّوزني (٩) وكانت له أربطة قد ابتناها، سمع الحديث، وروى عنه غير [واحد] من الحفّاظ، وكان يقول: رأيت رسول الله ﷺ في المنام في الروضة، فقلت: يا رسول الله! أوصني، فقال: عليك باعتقاد أحمد بن حنبل، ومذهب الشافعي، وإياك ومجالسة أهل البدع. وكانت وفاته في المحرم من هذه السنة. علي بن محمد بن محمد (١٠) أبو الحسن الخطيب الأنْباري، المعروف بابن الأخضر. سمع أبا أحمد الفرضي (١١)، وهو آخر من حدّث عنه، وكانت وفاته في شوال عن خمس وتسعين سنة، ﵀.

стр. 6093

أبو نصر بن ماكُولا (١) علي بن هبة الله بن علي (٢) بن جعفر بن علي (٣) بن محمد بن دُلف بن أبي دلف الأمير. ولد سنة ثنتين وأربعمئة، وسمع الكثير، وكان من الحفّاظ، وله كتاب "الإكمال في المؤتلف والمختلف" (٤)، جمع بين كتاب عبد الغني بن سعيد، وكتاب الدارقطني وغيرهما، وزاد عليهما أشياء كثيرة مهمّة حسنة، نافعة، وكان نحويًّا مبرّزًا، فصيح العبارة، حسن الشعر، قال ابن الجوزي (٥): وسمعت شيخنا عبد الوهّاب يطعن في دينه ويقول: العلم يحتاج إلى دين (٦). وقُتل في خوزستان في هذه السنة [أو التي بعدها]، وقد جاوز الثمانين، كذا ذكر ابن الجوزي. ثم دخلت سنة سبع وثمانين وأربعمئة فيها: كانت وفاة الخليفة المقتدي، وخلافة ولده المستظهر بالله. [صفة موته: لما قدم السلطان بركياروق بغداد، سأل من الخليفة أن يكتب له بالسلطنة كتابًا فيه العهد إليه، فكتب ذلك، وهيئت الخلع، وعرضت على الخليفة، وكان الكتاب يوم الجمعة الرابع عشر من المحرم ثم قُدِّم إليه الطعام، فتناول منه على العادة، وهو في غاية الصحّة، ثمّ غسل يديه، وجلس ينظر في العهد بعدما وقّع عليه، وعنده قهرمانة تسمى شمس النهار، قالت: فنظر إليّ وقال: من هؤلاء الأشخاص الذين قد دخلوا علينا بغير إذن؟ قالت: فالتفتُّ فلم أر أحدًا، ورأيته قد تغيّرت حالته، واسترخت يداه ورجلاه، وانحلَّت قواه، وسقط إلى الأرض، قالت: فظننت أنّه غُشي عليه، فحللت

стр. 6094

أزرار ثيابه، فإذا هو لا يجيب داعيًا، فأغْلقتُ عليه الباب، وخرجتُ فأعلمت ولي العهد بذلك، وجاء الأمراء ورؤوس الدولة يعزّونه بأبيه ويهنئونه بالخلافة، فبايعوه. ذكر ترجمة المقتدي بأمر الله، ﵀ هو أمير المؤمنين، المقتدي بأمر الله، أبو القاسم عبد الله بن (١) الذخيرة، الأمير ولي العهد، أبو العباس محمد (٢) بن أمير المؤمنين القائم بأمر الله بن القادر بالله العباسي، أمّه أم ولد، اسمها أرجوان، أرمنيّة أدركت خلافة ولدها، وخلافة ولده المستظهر، وولد ولده المسترشد أيضًا] (٣). وكان المقتدي أبيض حلو الشمائل، تامّ القامة؛ عمرت في أيامه محال كثيرة ببغداد، ونفى عنها المغنيَّات وأرباب الملاهي [والمعاصي]، وكان غيورًا على حريم الناس، أمّارًا بالمعروف، نهّاءً عن المنكر، حسن السيرة والسريرة، تغمده الله برحمته. وكانت وفاته يوم الجمعة منتصف المحرم من هذه السنة، وله من العمر ثمان وثلاثون سنة [وثماني شهور وتسعة أيام] (٤)، وخلافته من ذلك تسع عشرة سنة [وثمان شهور إلا يومين، وأخفي موته ثلاثة أيام (٥)، حتى توطّدت البيعة لابنه المستظهر، ثمّ صلي عليه ودفن في تربتهم. خلافة المستظهر بأمر الله أبي العباس أحمد ولما توفي أبوه [يوم الجمعة] أحضروه وله من العمر ست عشرة سنة وشهران، فبويع له بالخلافة، وكان أول من بايعه الوزير أبو منصور بن جَهير، ثمّ أخذت البيعة له من الملك ركن الدولة بركياروق بن السلطان ملك شاه، ثمّ من الأمراء والرؤساء، [وتمت البيعة تؤخذ له إلى ثلاثة أيام، ثمّ أظهر التابوت يوم الثلاثاء الثامن عشر من المحرم، وصلّى عليه ولده الخليفة، وحضر الناس، ولم يحضر السلطان بل كبراء أمرائه] (٦) وصلى عليه الأمراء والوزراء، ومن العلماء: الغزالي، والشاشي، وابن عقيل [وبايعوه يوم ذلك].

стр. 6095

وقد كان المستظهر بالله كريم الأخلاق، حافظًا للقرآن الكريم، فصيحًا، بليغًا، شاعرًا [منطقيًا]، ومن لطيف شعره قوله: أذابَ حرُّ الجوى في القلبِ ما جَمَدا … يومًا مددتُ على رسمِ الوداعِ يدَا (١) فكيفَ أسلكُ نهجَ الاصطبارِ وقدْ … أرى طرائقَ من يهوى الهوى قِددَا (٢) قد أخلفَ الوعدَ بدرٌ قد شُغِفتُ بِهِ … من بعدِما قد وَفَى دهرًا بما وعَدا (٣) إن كنتُ أنقضُ عَهْدَ الحبِّ في خَلَدي … من بعدِ هذا فلا عاينتُهُ أبَدَا وفوّض المستظهر أمور الخلافة إلى الوزير أبي منصور عميد الدولة بن جَهير، فدبّرها له أحسن تدبير، ومهّد له الأمور أتمّ تمهيد [وساس الرعايا، وكان من خيار الوزراء. وفي ثالث عشر] (٤) شعبان عزل الخليفة أبا بكر الشاشي (٥) عن القضاء، وفوّضه إلى أبي الحسن بن الدّامغاني. وفيها: وقعت فتنة بين السنّة والروافض، فأحرقت محال كثيرة، وقُتل ناس كثيرون، ولم يحج أحد في هذه السنة لاختلاف السلاطين. وكانت الخطبة للسلطان بركياروق [ركن الدولة يوم الجمعة الرابع عشر من المحرم، وهو اليوم الذي توفي فيه الخليفة المقتدي بعدما علّم على توقيعه] (٦). وممن توفي فيها من الأعيان: آقسنقر الأتابك الملقب قَسِيْم الدولة السلجوقي (٧)، ويعرف بالحاجب، صاحب حلب وديار بكر والجزيرة. وهو جدّ الملك نور الدين الشهيد محمود بن زنكي بن آقسنقر.

стр. 6096

وكان أولًا من أخصّ أصحاب السلطان ملك شاه [بن ألب آرْسَلان السلجوقي، ثمّ ترقّت منزلته عنده حتى أعطاه حلب وأعمالها بإشارة الوزير نظام الملك، وكان من أحسن الملوك سيرة وأجودهم سريرة، وكانت الرعيّة معه في أمن ورخص وعدل، ثمّ كان موته على يد السلطان تاج الدولة تتش صاحب دمشق، وذلك: أنه استعان به، وبصاحب حرّان والرّها على قتال ابن أخيه بركياروق بن ملكشاه، ففرّا عنه وتركاه، فهرب إلى دمشق، فلما تمكن قاتلهما بباب حلب، فقتلهما، وأخذ بلادهما إلا حلب فإنها استقرت لولد آقسنقر زنكي فيما بعد، وذلك في سنة ثلاث وعشرين وخمسمئة كما سيأتي بيانه. وذكر ابن خلِّكان أنّه كان مملوكًا للسلطان ملك شاه هو وبوزان (١) صاحب الرّها، فلما ملك تتش حلب استنابه بها، فعصا عليه، فقصده، وكان قد ملك دمشق أيضًا، فقاتله، فقتله في هذه السنة في جمادى الأولى منها] (٢) فلما قتل دفنه ولده عماد الدين زنكي بحلب، أدخله إليها من فوق السور بالمدرسة الزجاجيّة. بدر الجمَالي (٣) صاحب الجيوش بمصر، ومدبّر الممالك الفاطميّة. كان عاقلًا، كريمًا، محبًّا للعلماء، ولهم عليه رسوم دارّة، تمكّنَ في أيام المستنصر تمكنًا عظيمًا [ودارت أزِمَّةُ الأمور على آرائه، وفتح بلادًا كثيرة، وامتدت حياته وأيامه [وبعد صيته] وامتدحه الشعراء، ثمّ كان موته [في ذي القعدة منها] وقام بالأمور من بعده ولده الأفضل. الخليفة المقتدي بأمر الله (٤) عبد الله ابن ولي العهد، ذخيرة الدِّين أبي العباس، أحمد ابن أمير المؤمنين الخليفة القائم بأمر الله بن القادر، وقد ذكرنا شيئًا من ترجمته عند موت الخليفة (٥). الخليفة المستنصر الفاطمي (٦)، معدّ أبو تميم بن أبي الحسن علي بن الحاكم. استمرت أيامه ستين سنة، ولم يتفق هذا لخليفة قبله ولا بعده، وكان قد عهد [بالأمر] لولده نزار، فخلعه الأفضل بن بدر الجمالي بعد موت أبيه [وأمر الناس] فبايعوا أبا القاسم أحمد بن المستنصر

стр. 6097

[أخاه] ولقّبه بالمستعلي، فهرب نزار إلى الإسكندرية، فجمع الناس عليه فبايعوه، وتولّى جلال الدين بن عمار، فقصده الأفضل [فحاصره] فقاتله نزار فهزمهم الأفضل، وأسر القاضي ونزارًا، فقتل القاضي، وحبس نزارًا [بين حيطين] حتى مات واستقرّ المستعلي في الخلافة وعمره إحدى وعشرون سنة. محمد بن أبي هاشم أمير مكّة (١). كانت وفاته في هذه السنة عن نيف وتسعين سنة. محمود بن السلطان ملك شاة (٢). [كانت أمه قد عقدت له الملك، وأنفقت بسببه الأموال الجزيلة] (٣) فنازعه أخوه بركياروق فقهره وكسره، ولزم بلدة أصبهان، فمات بها في هذه السنة، وحمل إلى بغداد، فدفن بالتربة النظاميّة، وكان من أحسن الناس وجهًا، وأظرفهم شكلًا [توفي في شوال منها]. وقد توفيت أمّه الخاتون تركان شاه في رمضان هذه السنة [فانحلّ نظامه، وكانت قد جمعت عليه العساكر، وأسندت أزِمّة أمور المملكة إليه، وملكت عشرة آلاف مملوك تركي، وأنفقت في ذلك قريبًا من ثلاثة آلاف ألف دينار، فانحلّ النظام، ولم تحصل على طائل، والله سبحانه أعلم] (٤). ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وأربعمئة فيها: ورد يوسف بن أبق (٥) التركماني من جهة تاج الدولة أبي سعيد تتش بن ألب آرْسَلان صاحب دمشق، لإقامة الدعوة له ببغداد، وكان تتش قد توجه لقتال ابن أخيه بناحية الريّ، فلما دخل رسوله إلى بغداد هابوه، وخافوه، واستدعاه الخليفة فقرّبه، وقبّل الأرض بين يدي الخليفة، وتأهب أهل بغداد له، وخافوا أن ينهبهم، فبينما هو كذلك إذ قدم عليه [رسول ابن] أخيه فأخبره أن تتش [قتل في أول من قتل في الوقعة، وكانت وفاته في سابع عشر صفر من هذه السنة] (٦) فاستفحل أمر بَرْكياروق، واستقلّ

стр. 6098

بالأمور، وكان دقاق بن تتش مع أبيه حين قتل، فسار إلى دمشق فتسلمها من الأمير ساوتكين (١) الذي استنابه أبوه، واستوزر أبا القاسم الخوارزمي، وملك عبد الله بن تتش مدينة حلب، ودبّر أمر مملكته جناح الدولة الحسين بن إيتكين، ورضوان بن تتش صاحب مدينة حماة، وإليه تنسب بنو رضوان بها. [وفي يوم الجمعة التاسع عشر] من ربيع الأول خطب لولي العهد أبي منصور الفضل بن المستظهر، ولقّب بذخيرة الدين. وفي ربيع الآخر خرج الوزير عميد المُلك بن جَهير، فاختطّ سورًا على الحريم، وأذن للعوام في العمل والتفرّج، فأظهروا منكرات كثيرة، وسخافات عقول ضعيفة، وعملوا أشياء منكرة سخيفة، وبعث إليه ابن عقيل رقعة فيها كلام غليظ، وإنكار بغيض (٢). [وفي رمضان خرج السلطان بَرْكياروق فعدا عليه فداويّ (٣)، فلم يتمكن منه، فمسك فعوقب فأقرّ على آخرين، فلم يقرّا، فقتل الثلاثة، وجاء الطواشي من جهة الخليفة مُهنئًا له بالسلامة] (٤). وفي ذي القعدة خرج أبو حامد الغزالي [من بغداد] متوجهًا إلى بيت المقدس تاركًا التدريس في النظاميّة، زاهدًا [في الدنيا]، لابسًا خشن الثياب [بعد ناعمها]، وناب عنه أخوه في التدريس، وعاد في السنة الثانية إلى الحج، ثمّ رجع إلى بلده، وقد صنف كتاب "الإحياء" في هذه المدة، وكان يجتمع إليه الخلق الكثير كلّ يوم في الرباط فيسمعونه. وفي يوم عرفة خُلع على الفاضي أبي الفرج عبد الوهاب بن هبة الله السِّيبي (٥) ولقّب بشرف القضاة، وردّ إلى ولاية القضاء بالحريم وغيره. وفي هذه السنة اصطلح أهل الكرخ (٦) مع بقيّة المحال، وتزاوروا [وتواصلوا] وتواكلوا، وتشاربوا، وكان هذا من العجائب.

стр. 6099

وفيها: قتل أحمد بن خاقان صاحب سمرقند، وسببه أنّه شُهد عليه بالزندقة فخنق وولّي مكانه ابن عمّه مسعود. وفيها: دخل الأتراك إفريقية وغدروا بيحيى بن تميم بن المعزّ بن باديس، وقبضوا عليه، وملكوا بلاده، وقتلوا خلقًا، بعدما جرت بينهم وبينه حروب شديدة، وكان مقدمهم رجل يقال له: شاه ملك (١)، وكان من أولاد بعض أمراء المشرق، فقدم مصر، وخدم بها، ثمّ هرب إلى المغرب [ومعه جماعة] ففعل ما ذكر. ولم يحج أحد من أهل العراق في هذه السنة. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن الحسن بن أحمد بن خَيرون (٢) أبو الفضل المعروف بابن الباقِلاني. سمع الكثير، وكتب عنه الخطيب [وكانت له معرفة جيدة] وهو من الثقات، وشهد عند أبي عبد الله الدامغاني، ثمّ صار أمينًا له، ثمّ ولّي بعده إشراف خزانة الغلّات، توفي في رجب عن ثنتين وثمانين سنة. تتش أبو المظفر (٣) تاج الدولة بن ألْب آرْسَلان، بن داود بن ميكال بن سُلجوق، صاحب دمشق وغيرها من البلاد. وقد تزوّج امرأة علي بن أخيه بَرْكياروق بن ملكشاه بن ألْب آرْسَلان ولكن قدّر الله وما شاء فعل، وقال المتنبي: وللهِ سِرٌّ في علاكَ وإنَّما … كلامُ العِدا ضربٌ من الهذَيانِ قال ابن خلِّكان: كان صاحب البلاد [الشرقية] فاستنجده أتسز (٤) في محاربة أمير الجيوش (٥) [من

стр. 6100

جهة] صاحب مصر فلما قدم دمشق لنجدته، وخرج إليه أتسز، أمر بمسكه وقتله، واستحوذ هو على دمشق وأعمالها في سنة إحدى وسبعين، ثم تحارب هو وأخوه بَرْكياروق ببلاد الري، فكسره أخوه وقتل هو في المعركة، وتملك ابنه رضوان حلب، [وإليه تنسب بنو رضوان بها، وكان ملكه عليها] إلى سنة سبع وخمسمئة (١)، سمّته أمّه في عنقود عنب، فقام بالأمر من بعده مملوك أبيه وزوج أمّه، إلى سنة ثنتين وعشرين وخمسمئة، فقام من بعده ولده تاج الملوك بوري أربع سنين، ثم ابنه الآخر شمس الملوك إسماعيل ثلاث سنين فقتلته أمه أيضًا، وهي زمرّد خاتون بنت جاولي (٢)، ثم أجلست أخاه شهاب الدين محمود بن بوري، فملك أربع سنين، ثم ملك أخوه الآخر [محمد بن بوري بن طغتكين (٣)] سنة، ثم ملك مجير الدين (٤) بن أبق (٥) من سنة أربع وثلاثين إلى أن انتزع الملك منه نور الدين محمود بن زنكي - كما سيأتي - وكان أتابك العسكر بدمشق أيام أبق (٦) معين الدين (٧) الذي تنسب إليه [المعينية] بالغور، والمدرسة المعينيّة بدمشق. رزق الله بن عبد الوهّاب بن عبد العزيز (٨) أبو محمد التميمي. أحد أئمة القراء والفقهاء، على مذهب أحمد [وأئمة] الحديث، وكان له مجلس للوعظ، وحلقة للفتوى بجامع المنصور، ثمّ بجامع القصر. وكان حسن الشكل محبَّبًا إلى العامة، له شعر حسن (٩)، وكان كثير العبادة [فصيح العبارة]، حسن المناظرة، وقد روى عن آبائه حديثًا مسلسلًا إلى علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، أنّه قال: هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا رحل. وقد كان ذا وجاهة عند الخليفة، بعثه في مهام الرسل إلى السلطان، وكانت وفاته في يوم الثلاثاء

стр. 6101

النصف من جمادى الأولى من هذه السنة عن ثمان وثمانين سنة، ودفن بداره بباب المراتب بإذن الخليفة، وصلّى عليه ابنه أبو الفضل، ﵀. أبو يوسف القَزويني (١) عبد السّلام بن محمد بن يوسف بن بُنْدار، شيخ المعتزلة. قرأ على عبد الجبّار بن أحمد الهَمَذاني، ورحل إلى مصر، فأقام بها أربعين سنة، وحصّل كتبًا كثيرة، وصنّف تفسيرًا في سبعمئة مجلّد. قال ابن الجوزي (٢): جمع فيه العجب، وتكلّم فيه على قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في مجلد كامل. وقال ابن عقيل: كان طويل اللّسان بالعلم تارة، وبالشعر أخرى، وقد سمع الحديث من أبي عمر بن مهدي وغيره، ومات ببغداد عن سث وتسعين سنة، وما تزوج إلَّا في آخر عمره. أبو شجاع الوَزير (٣) محمد بن الحسين بن عبد الله بن إبراهيم، أبو شجاع، الملقب ظَهير. الدّين [الرُّوذْرَاوَريّ (٤) الأصل، الأهوازي المولد]. كان من خيار الوزراء، كثير الصدقة والإحسان إلى العلماء والفقهاء، وسمع الحديث من الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وغيره، وصنف كتبًا، منها كتابه الذي ذيّله على "تجارب الأمم"، ووزر للخليفة المقتدي بأمر الله، وكان يملك ستمئة ألف دينار، فأنفقها في سبيل الخيرات والصدقات، ووقف الوقوف الحسنة، وبنى المشاهد، وأكثر الإنعام على الأرامل والأيتام. قال له رجل: إلى جانبنا امرأة لَها أربعة أيتام، وهم عراة جياع، فبعث إليهم مع واحد من خاصته نفقة، وكسوة، وطعامًا، ونزع عنه ثيابه في البرد الشديد وقال: والله لا ألبسها حتى ترجع إليّ بخبرهم، فذهب الرجل مسرعًا، فقضى حاجته، وأوصل لهم ذلك الإحسان، ثمّ عاد - والوزير يرتعش من البرد -[إليه فأخبره أتهم فرحوا بذلك، ودعوا للوزير] فلما أخبره بما سرَّه لبس ثيابه. وجيء إليه مرة بقطائف سكرية فلما وضعت بين يديه تنغَّص عليه ذِكر من لا يقدر عليها، فأرسلها كلّها إلى المساجد [وكانت كثيرة جدًّا] فأطعمها الفقراء والعميان، ففرِّقت عليهم.

стр. 6102

وكان لا يجلس في الديوان إلا وعنده الفقهاء، فإذا وقع له أمر مشكل يسألهم فيه، فحكم بما يفتونه به، وكان كثير التواضع مع الناس، خاصَّتِهم وعامَّتِهم. ثمّ إنه عزل عن الوزارة فسار إلى الحج، وجاور بالمدينة النبويّة [ثمّ مرض] فلما ثقل في المرض جاء إلى الحجرة النبويّة فقال: يا رسول الله، قال الله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] وها أنا [قد جئتك] أستغفر الله من ذنوبي، وأرجو شفاعتك فيها يوم القيامة. ثمّ مات من يومه ذلك، فدفن بالبقيع، رحمه الله تعالى. القاضي أبو بكر الشاميُّ (١) محمد بن المظفر بن بكران الحَمَوي، أبو بكر الشامي. ولد سنة أربعمئة، وتفقّه ببلده (٢)، ثم حجّ في سنة سبع عشرة، وقدم بغداد فَتَفقه على الشيخ أبي الطيّب الطَّبَري، وسمع بها الحديث، وشهد عند ابن الدّامغاني فقبله، ولازم مسجده خمسًا وخمسين سنة، يُقرئ الناس ويُفَقِّههم، ولما مات أبو عبد الله الدّامغاني، أشار به أبو شجاع الوزير، فولاه الخليفة المقتدي القضاء، وكان من أنزه الناس وأعفّهم، فلم يقبل من سلطان عطيّة، ولا من صاحب هديّة، ولم يغيّر ملبسه، ولا مأكله، ولم يأخذ على القضاء أجرًا، ولم يستنب أحدًا، بل كان يباشر القضاء بنفسه، ولم يحاب مخلوقًا، وقد كان يضرب بعض المنكرين حيث لا بيّنة، إذا قامت عنده قرائن التهمة، حتى يقرّوا، ويذكر أن في كلام الشافعي ما يدلّ على هذا، وقد صئف أبو بكر الشاشي كتابًا في الردّ عليه في ذلك (٣)، ونصره ابن عقيل فيما كان يتعاطاه من الحكم بالقرائن، واستشهد له بقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦]. وشهد عنده رجل من كبار الفقهاء والمناظرين، يقال له: [المشطب] (٤) بن محمد بن أسامة الفَرَغَاني، فلم يقبله، لما [رأى] عليه من الحرير، وخاتم الذَّهب، فقال له المدَّعي: إنّ السلطان ووزيره نظام المُلْك، يلبسان الحرير والذهب! فقال القاضي الشامي: [والله] لو شهدا عندي على باقة بقل ما قبلت شهادتهما، [ولرددت شهادتهما. وشهد عنده مرّةً فقيه فاضل، من أهل مذهبه فلم يقبله، فقال: لأي شيءٍ تردّ شهادتي، وهي جائزة

стр. 6103

عند كلّ حاكم إلا أنت؟ فقال له: لا أقبل لك شهادة، فإني رأيتك تغتسل في الحمام عُريانا غير مستور العورة فلا أقبلك]. توفي ﵀ [يوم الثلاثاء] (١) عاشر شعبان من هذه السنة عن ثمان وثمانين سنة ودفن بالقرب من ابن سُرَيْج (٢). أبو عبد الله الحُمَيْدي (٣) محمد بن أبي نصر [فتوح] بن عبد الله بن فتوح بن حُميد، الحُميدي، الأندلسي، من جزيرة يقال لها: مَيُورقة (٤)، قريبة من الأندلس. قدم بغداد فسمع بها الحديث، وكان حافظًا مُكثرًا، ديِّنًا، ماهرًا، عفيفًا نَزهًا، وهو صاحب "الجمع بين الصحيحين" وغير ذلك من المصنّفات، [وقد كتب مصنفات ابن حزم والخطيب] (٥) وكانت وفاته [ليلة الثلاثاء] منتصف ذي الحجّة، وقد جاوز السّبعين، وقبره قريب من قبر بشر الحافي. هبة الله ابن الشيخ أبي الوفاء بن عقيل. كان قد حفظ القرآن، وتفقّه، وظهرت نجابته، ثم مرض فأنفق عليه أبوه أموالًا جزيلة فلم يفد شيئًا، فقال له ابنه ذات يوم: يا أبه! إنّك قد أكثرت الأدوية والأدعية، ولله فيَّ اختيار، فدعني واختيار الله فيّ. [فعلمت أنّه لم يوفق لهذا الكلام، إلا وقد اختير للحظوة] (٦)، ﵀. ثم دخلت سنة تسع وثمانين وأربعمئة قال ابن الجوزي في "المنتظم" (٧): في هذه السّنة حكم جهلة المنجّمين، بأنه سيكون فيها طوفان [قريب من طوفان نوح، وشاع الكلام بذلك بين العوام وخافوا، فاستدعى الخليفة المستظهر ابن عيشون (٨) المنجم فسأله عن هذا الكلام] (٩) فقال: إن طوفان نوح اجتمع في برج الحوت الطوالع

стр. 6104

السبعة، والآن فقد اجتمع فيه ستة، ولم يجتمع معها زحل، فلابدّ من وقوع طوفان في بعض البلاد، والأقرب أنها بغداد، [فتقدم الخليفة إلى وزيره بإصلاح المسيلات والمواضع التي يخشى انفجار الماء منها] (١) وجعل النّاس ينتظرون ذلك، فجاء الخبر بأن الحُجّاج حُصِروا في وادي المناقب بعد نخلة، فأتاهم سيل عظيم فنجا منهم من تعلّق برؤوس الجبال، وأذهب الماء الرِّجال، والرِّحال (٢)، فخلع الخليفة على ذلك المنجم، وأجرى له جراية. وفيها: ملك الأمير قوام الدولة أبو سعد كربوقا مدينة الموصل، وقتل شرف الدولة محمد بن مسلم بن قريش، وغرَّقه بعد حصار سبعة أشهر. وفيها: ملك تميم بن المعزّ بن باديس مدينة قابس، وأخرج منها أخاه عمرًا، فقال خطيب سوسة في ذلك: ضحِكَ الزّمانُ وكَان يُلْفَى عَابِسًا (٣) … لمّا فَتَحْتَ بِحَدِّ سَيْفِكَ قَابِسَا وَأتَيْتَها بِكرًا وَمَا أمْهَرْتَها … إلا قَنًا وَصَوارِمًا وفَوَارِسَا الله يَعْلَم ما جَنَيْتَ ثِمَارَها (٤) … إلا وَكَان أبوكُ قَبْلكَ غَارِسَا (٥) مَنْ كان مِن زُرْقِ الأسنَّة حَاطِبًا … كانتْ لهُ قُلَلُ البِلادِ عَرائِسَا وفي صفر درّس الشيخ أبو عبد الله الطبري بالنّظاميّة، ولاه إياها فخر المُلْك بن نظام المُلْك، وزير بَرى روق بن ملك شاه. وفيها: أغارت خفاجة على بلاد سيف الدَّولة صَدَقة بن مَزْيَد بن منصور بن دُبَيْس، وقصدوا مشهد الحسين بالحائر، وتظاهروا فيه بالمنكرات والفساد، فكبسهم الأمير صدقة المذكور، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، حتى عند الضريح [ومن العجائب، أن أحدهم ألقى نفسه وفرسه من فوق السور فسلم وسلمت فرسه] (٦). وحجّ بالناس في هذه السنة الأمير خمارتكين الجَسْتاني.

стр. 6105

وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله (١) أبو حكيم الخَبْري (٢)، وخَبْر: إحدى بلاد فارس. سمع الحديث، وتفقّه على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وكانت له معرفة بالفرائض، وله معرفة بالأدب واللّغة، وكانت له مصنّفات، وكان مرضيَّ الطَّريقة، وكان يكتب المصاحف بالأجرة، فبينما هو يومًا يكتب، وضع القلم من يده، واستند وقال: والله لئن كان هذا موتًا إنَّه لطيّثب، ثمّ مات، ﵀. عبد المحسن بن علي بن أحمد الشِّيْحي التاجر (٣) ويُعرف بابن شُهْدانْكة (٤). بغدادي، سمع الحديث الكثير، ورحل، وأكثر عن الخطيب وهو بصور، وهو الذي حمله إلى العراق، فلهذا أهدى إليه "تاريخ بغداد" بخطه، وقد روى عنه في مصنفاته، وكان يسميه عبد الله، وكان ثقة. عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد (٥) أبو الفضل الهَمَذَاني. تفقّه على الماورديّ، وكانت له يد طولى في العلوم الشرعية، وفي الحساب، وغير ذلك، وكان يحفظ "غريب الحديث" لأبي عُبَيد، و "المجمل" لابن فارس، وكان عفيفًا زاهدًا، طَلَبه المقتدي ليولّيه قضاء القُضاة، فأبى أشدّ الإباء، واعتذر له بالعجز وعلوِّ السنِّ، وكان ظريفًا، لطيفًا. قال (٦): كان أبي إذا أراد أن يؤدِّبني أخذ العَصَا بيده ثمَّ يقول: نويت أن أضرب ولدي تأديبًا، كما أمر الله، ثمّ

стр. 6106

يضربني. قال: وإلى أن ينوي ويتمّ النيّة، كنت أهرب، توفي في رجب من هذه السنة، ودفن عند قبر ابن سُرَيج (١). محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن مَنْصور (٢) أبو بكر الدَّقَّاق، ويعرف بابن الخاضِبَة (٣). كان معروفًا بالإفادة، وجودة القراءة، وحسن الخطّ، وصحّة النقل، وجمع بين علم القرآن والحديث، وأكثر عن أبي بكر الخطيب، وأصحاب المخلِّص. قال: لمّا غرقت بغداد غرقت داري وكتبي، فلم يبق لي شيء، فاحتجت إلى النسخ، فكتبت "صحيح مسلم" في تلك السّنة سبع مرّات، فنمت ذات ليلة فرأيت كأن القيامة قد قامت، وقائل يقول لي: أين ابن الخاضِبَة؟ فجئت، فأدخلت الجنّة، فلما دخلتها استلقيت على قَفاي، ووضعت إحدى رجلي على الأخرى، وقلت: استرحت من النسخ، ثمّ استيقظت والقلم في يدي والنسخ بين يدي، رحمه الله تعالى. أبو المظفر السَّمعاني (٤) منصور بن محمد بن عبد الجَبّار بن أحمد بن محمد، أبو المظفّر السَّمعاني الحافظ، من أهل مرو. تفقّه أولًا على أبيه في مذهب أبي حنيفة، ثمّ انتقل إلى مذهب الشافعي، وقد أخذ عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وابن الصّباغ، [وكانت له يد طولى في فنون كثيرة] (٥) وصنّف "التفسير" وكتابه "الانتصار في الحديث"، و "البرهان"، و"القواطع في أصول الفقه"، و "الاصطلام" (٦) وغير ذلك. ووعظ في مدينة نيسابور، وكان يقول: ما حفظتُ شيئًا فنسيته، وسُئِل عن أخبار الصفات فقال: عليكم بدين العجائز، [وصبيان الكتاتيب]، وسُئِلَ عن الاستواء فقال: جِئْتُما لتعلَما سِرَّ سُعدى … تجداني بسرِّ سُعدى شَحيحَا إنَّ سُعدى لَمُنيَة المتمنّي … جمعتْ عِفّةً وَوَجهًا صَبيحا توفي ﵀ في هذه السنة، ودفن في مقبرة باب حرب.

стр. 6107

ثم استهلَّت سنة تسعين وأربعمئة فيها: كان ابتداء ملك الخُوارزميّة، وذلك أنّ السلطان بركياروق ملك فيها بلاد خراسان بعد مقتل عمه آرْسلان أرغون بن ألْب آرْسلان، وسلّمها إلى أخيه أحمد المعروف بالملك سنجر، وجعل أتابكه الأمير قماج، ووزيره [أبو الفتح] علي بن الحسين الطغرائي، واستعمل على خراسان الأمير حبشي بن التونتاق (١)، فولّى مدينة خُوارزم شابًا يقال له: محمد بن أنوشتكين وكان أبوه من مماليك أمراء السَّلاجقة، ونشأ هو في أدب وفضيلة، وحسن سيرة، ولما وُلي خُوارزم، لقِّب خُوارزم شاه، فكان أوّل ملوكهم، فأحسن السيرة وعامل النّاس بالجميل وحين مات قام من بعده على خوارزم ولده [أتسزجرى] على سنن أبيه، وأظهر العدل، فحظي عند السلطان سنجر، وأحبّه الناس، وارتفعت منزلته. وفيها: خطب الملك رضوان بن تاج الدولة تتش للخليفة المستعلي الفاطمي. [وفي شوال قُتل رجل باطني عند باب النوبي كان قد شهد عليه عدلان أحدهما ابن عقيل: أنّه دعاهما إلى مذهبه، فجعل يقول: أتقتلونني؟ وأنا أقول: لا إله إلا الله، فقال ابن عقيل: قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤ الآية وما بعدها]. وفي رمضان قتل بُرْسُق أحد أكابر الأمراء، وكان أوّل من تولّى شحنة بغداد. وحج بالناس في هذه السنة خمارتكين الجَسْتاني. وفي يوم عاشوراء كبست دار بهاء الدولة أبو نصر بن جلال الدولة أبي طاهر بن بُوَيْه لأمور ثبتَت عليه عند القاضي، فأُريق دَمُهُ، ونُقِضَتْ داره، وعُمِلَ مكانها مسجدان للحنفيّة والشافعيّة. وكان [السلطان] ملك شاه قد أقطعه المدائن ودير عاقول وغيرهما. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن زكريا بن دينار (٢) أبو يَعلى العَبْدي البصري، ويعرف بابن الصوّاف. ولد سنة أربعمئة، سمع الحديث، وكان زاهدًا متصوّفًا، وفقيهًا مدرّسًا، ذا سمت، ووقار، وسكينة، [ودين]، وكان علّامة في عشرة علوم، توفي في رمضان من هذه السّنة عن تسعين [سنة]، رحمه الله تعالى.

стр. 6108

المعمّر بن محمد بن المعمّر بن أحمد بن محمد (١) أبو الغنائم الحُسيني، النقيب للطالبيين. سمع الحديث وكان حسن الصورة، كريم الأخلاق، كثير التعبّد، لا يُعرف أنّه آذى مسلمًا، ولا شتم صاحبًا، توفي عن نيّف وستين سنة، كان منها نقيبًا ثنتين وثلاثين سنة، وكان من سادات قريش، وتولّى بعده ولده أبو الفتوح حيدرة، ولُقِّب بالرضيّ ذي الفخرين، وقد رثاه الشعراء بأبيات ذكرها ابن الجوزي (٢). يحيى بن أحمد بن محمد بن علي السِّيبي (٣). سمع الحديث، ورحل إليه الطَّلبة، وكان ثقةً، صالحًا، [صدوقًا أديبًا] عُمِّر مئة سنة وثنتي عشرة سنة ونصف، وهو مع ذلك صحيح الحواس يُقْرأ عليه القرآن والحديث، رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وأربعمئة في جمادى الأولى [منها] ملك الفرنج مدينة أنطاكية بعد حصار شديد، بمواطأة من بعض المستحفظين على بعض الأبراج، وهرب صاحبها ياغي سِيان (٤) في نفر يسير وترك [بها] أهله وماله، ثمّ أخذه في أثناء الطريق نَدَمٌ شديد على ما فعل، بحيث إنّه غُشي عليه، وسقط عن فرسه، فتركه أصحابه وذهبوا، فجاء راعي غنم فقطع رأسه، وذهب به إلى ملك الفرنج، ولما بلغ الخبر إلى الأمير كربوقا صاحب الموصل، جمع عساكر كثيرة، واجتمع إليه دُقاق بن تتش صاحب دمشق [وجناح الدولة] صاحب حمص وغيرهما، وساروا إلى الفرنج، فالتقوا معهم بأرض أنطاكية فهزمهم الفرنج، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وأخذوا منهم أموالًا كثيرة، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. ثمّ سارت الفرنج إلى معرّة النعمان فحاصروها وأخذوها أيضًا، فلا حول ولا قوة إلا بالله. ولما بلغ هذا [الأمر الفظيع إلى الملك بركياروق، شقّ عليه ذلك، وكتب إلى الأمراء ببغداد أن يتجهزوا صحبة الوزير ابن جَهير لقتال الفرنج،

стр. 6109

فبرز بعض الجيش إلى ظاهر البلد بالجانب الغربي] (١) ثمّ انفسخت هذه العزيمة لأته بلغهم: أن الفرنج في ألف ألف مقاتل، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وحجّ بالناس فيها خمارتكين. وممن توفي فيها من الأعيان: طِرَاد بن محمد بن علي (٢) بن الحسن بن محمد بن عبد الوهّاب بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، أبو الفوارس بن أبي الحسن بن أبي تمام. من ولد زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، [وهي أم ولده عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن عبد الله بن عباس] (٣). سمع الحديث الكثير والكتب الكبار، وتفرّد [بالرواية] عن جماعة من المشايخ، ورُحِل إليه في الآفاق، وأملى الحديث في بلدان شتّى، وكان يحضر مجلسه العلماء والسادات، وحضر أبو عبد الله الدامغاني مجلسه، وباشر نقابة العباسيين مدة طويلة، توفي عن نيّف وتسعين سنة في هذه السنة ودفن في مقابر الشهداء (٤)، رحمه الله تعالى. المظفّر بن رئيس الرُّؤساء (٥) أبي القاسم بن المُسْلِمة، أبو الفتح. كانت داره مجمعًا لأهل العلم والدين والأدب، وبها توفي الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، ولما توفي أبو الفتح دفن عند الشيخ أبي إسحاق في تربته، رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين وأربعمئة فيها: أخذت الفرنج خذلهم الله تعالى بيت المقدس، لما كان ضحى يوم الجمعة [لسبع بقين] من آخر شعبان سنة ثنتين وتسعين وأربعمئة، استحوذ الفرنج لعنهم الله وهم في نحو ألف ألف مقاتل على بيت المقدس شرفه الله تعالى، فقتلوا في وسطه أزيد من سبعين (٦) ألف قتيل [من المسلمين] ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٥]، ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧]. قال ابن الجوزي (٧):

стр. 6110

وأخذوا من حول الصخرة اثنين وأربعين قنديلًا من فضة، زنة كلِّ قنديل ثلاثة آلاف وستمئة [درهم]. [وأخذوا] تنُّورًا من فضة زنته أربعون رِطلًا بالشامي، وثلاثة وعشرين قنديلًا من ذهب، وذهب الناس على وجوههم هاربين من الشام إلى العراق مستغيثين على الفرنج إلى الخليفة والسلطان، ومنهم القاضي بدمشق أبو سعد الهَرَوي، فلما سمع الناس ببغداد هذا الأمر الفظيع هالهم ذلك، وتباكَوا، وقد نظم أبو سعد الهروي كلامًا قرئ في الديوان وعلى المنابر، فجهش الناس بالبكاء، وقد ندب الخليفة الفقهاء إلى الخروج، ليحرِّضوا الملوك على الجهاد، فخرج ابن عقيل وغير واحد من أعيان الفقهاء فساروا في الناس فلم يفد ذلك شيئًا، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فقال في ذلك أبو المظفَّر الأبِيوَرْدي: مزجنا دماءً (١) بالدُّموع السواجمِ … فلم يَبْقَ منا (٢) عُرضةٌ للمراجِم وشرُّ سلاحِ المرءِ دمعٌ يُفيضه (٣) … إذا الحربُ شبَّتْ نارُها بالصوارِم فإيهًا بَني الإسلامِ إنَّ وراءَكُم … وقائعَ يُلْحِقْنَ الذُّرا بالمناسم وكيفَ تنامُ العينُ ملءَ جفونِها … على هَفَواتٍ أيْقَظَتْ كلَّ نائم وإخوانُكمْ بالشّام يُضْحي مَقيلُهم … ظهورَ المذاكي أو بطونَ القَشاعم تسومُهُمُ الرُّومُ الهوانَ وأنتُمُ … تجرُّونَ ذيلَ الخفضِ فعلَ المُسالِم وبينَ اختلاسِ الضربِ والطعن وقعةٌ … يظلُّ لها الولدانُ شيبَ القَوادم وتلكَ حروبٌ من يَغِبْ عن غِمارِها … ليسلَمَ يقرَعْ بعدها سنَّ نادم سللنَ بأيدي المشركينَ قواضبًا … سَتُغْمَدُ منهمْ في الكِلَى والجماجم يكادُ لهنَّ المستجير بِطَيبةٍ … يُنادي بأعلى الصوتِ يا آل هاشم أرى أُمَّتي لا يُشرِعونَ إلى العِدا … رماحَهُمُ والدينُ واهي الدّعائم ويجتنبونَ النارَ خوفًا من الرَّدى … ولا يحسبونَ العارَ ضربةَ لازمِ أيرضى صَناديدُ الأعارِبِ (٤) بالأذَى … ويُغضي على ذلٍّ حماةُ (٥) الأعاجم فَلَيْتَهُمُ إذْ لم يذودُوا حَميَّةً … عن الدِّينِ ذادوا غيرةً للمحارمِ وإنْ زَهِدوا في الأجر إذ هَمَس الوغى … فهلا أتوهُ رغبةً في المغانم (٦)

стр. 6111

وفيها: كان ابتداء أمر السلطان محمد بن ملك شاه، وهو أخو السلطان سنجر لأبيه وأمّه، واستفحل أمره إلى أن صار من أمره أن خطب له ببغداد في ذي الحجّة من هذه السّنة. وفيها: سار إلى الريّ فوجد زُبيدة خاتون أم أخيه بركياروق فأمر بخنقها، وكان عمرها إذ ذاك ثنتين وأربعين سنة. وفي ذي الحجّة من هذه السنة كانت له مع بركياروق خمس وقَعات هائلة. وفي هذه السنة غلت الأسعار ببغداد، حتى مات كثير من الناس جوعًا، وأصابهم وباءٌ شديد حتى عجزوا عن دفن الموتى لكثرثهم. وممن توفي فيها من الأعيان: السلطان إبراهيم بن السلطان مسعود (١) ابن السلطان محمود بن سُبُكْتِكين (٢)، صاحب غزنة، وأطراف الهند، وغير ذلك. كانت له حرمة تامة، وأُبَّهةٌ عظيمة جدًّا، حكى إلْكيا الهرَّاسيّ حين بعثه السلطان بركياروق إليه في رسالته عمّا شاهده عنده من أمور السلطنة، في ملبسه ومجلسه، وما عنده [من الأموال] من السعادة الدنيويّة [قال: رأيت] شيئًا عجيبًا، وقد وعظه بحديث: "لَمناديل سعد بن معاذ في الجنّة أحسن من هذا" (٣) فبكى. قال: وكان لا يبني لنفسه منزلًا حتى يبني قبله مسجدًا، أو مدرسةً، أو رباطًا، توفي رحمه الله تعالى في رجب من هذه السنة، وقد جاوز التسعين، ومدّة ملكه ثنتان وأربعون سنة. عبد الباقي بن يُوسف بن علي بن صالح (٤) أبو تراب المَرَاغي (٥).

стр. 6112

ولد سنة إحدى وأربعمئة وتفقّه على القاضي أبي الطيِّب الطبري، وسمع الحديث عليه وعلى غيره من المشايخ ببلدان شتّى، ثمّ أقام بنيسابور، وكان يحفظ شيئًا كثيرًا من مسائل الخلاف نحوًا من أربعة آلاف مسألة بأدلّتها والمناظرة عليها، وغير ذلك من الحكايات والملح والآداب. وكان صبورًا متقلّلًا [من الدنيا] على طريقة السَّلف، جاءه منشور بقضاء همذان فقال: أنا منتظر منشورًا من الله [ ] على يدي ملك الموت بالقدوم عليه، والله لجلوس ساعة في هذا المسجد على راحة القلب أحب إليّ من ملك العراقين، وتعليم مسألة لطالب أحبّ إليّ من الثقلين (١). حكاه ابن الجوزي في المنتظم" (٢)، توفي في ذي القعدة من هذه السنة عن ثلاث وتسعين سنة. أبو القاسم بن إمام الحرمين (٣) قتله بعض الباطنية بنيسابور، ﵀ ورحم أباه بمنّه وكرمه. ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وأربعمئة في صفر منها دخل السلطان بركياروق إلى بغداد [ونزل بدار الملك] وأعيدت له الخطبة ببغداد، وقطعت خطبة أخيه محمد بن ملكشاه، وبعث إليه الخليفة الهدية الهائلة، وفرح به العوام والنساء، ولكنه في ضيق من أمر أخيه محمد، لإقبال الدولة عليه، واجتماعهم إليه، وقلّة ما معه من الأموال، ومطالبة الجند له بأرزاقهم [فعزم على مصادرة الوزير ابن جَهير، فالتجأ إلى الخليفة فمنعه من ذلك، ثمّ اتفق الحال على المصالحة عنه] (٤) وأخذ من الوزير ابن جَهير مئة ألف دينار وستين ألف دينار، ثمّ التقى هو وأخوه السلطان محمد بمكان قريب من همذان فهزمه أخوه محمد، ونجا بنفسه في خمسين فارسًا، وقُتل في هذه الوقعة سعد الدولة كوهرائين الخادم. وكان قديم الهجرة في الدولة، وقد ولي شحنة بغداد، وكان حليمًا حسن السيرة، ولم يتعمد ظلمًا، [ولم ير خادم ما رأى من الحشمة، والحرمة، وكثرة الخدم] (٥) وقد كان يكثر الصلاة باللّيل، ولا يجلس إلا على وضوء، ولم يمرض مدة حياته ولم يصدع قطّ. ولما جرى ما جرى من هذه الوقعة ضعف أمر السلطان بركياروق، ثمّ تراجع إليه جيشه، وانضاف إليه الأمير داذحبشي (٦) في عشرين ألفًا، فالتقى مع أخيه سنجر فهزمه سنجر أيضًا [وهرب في

стр. 6113

شرذمة قليلة] وأسر [الأمير] داذ المذكور في هذه الوقعة فقتله الأمير بزغش، أحد أمراء سنجر فتقهقر حاله، وتفرّقت عنه رجاله، وقطعت خطبته من بغداد في [رابع عشر من] رجب وأعيدت خطبة السلطان محمد. وفي رمضان قبض على الوزير عميد الدولة بن جَهير، وعلى أخويه: زعيم الرؤساء أبي القاسم، وأبي البركات الملقّب بالكافي، وأخذت منه أموال كثيرة، وحُبس بدار الخلافة حتى مات في شوال من هذه السنة، وفي اللّيلة السابعة والعشرين منه قتل [الأمير بلكابك سرمز] شحنة أصبهان، ضربه باطني بسكين في خاصرته [وقد كان يتحرّز منهم كثيرًا، وكان يدَّرع تحت ثيابه سوى هذه اللّيلة] (١) ومات من أولاده في هذه اللّيلة جماعة، فخرج من داره خمس جنائز من صبيحتها. وفي هذه السنة أقبل ملك الفرنج في ثلاثمئة ألف مقاتل فالتقى مع كمشتكين الملقَّب بالدانشمنذ (٢) طايلو، أتابك الجيوش بدمشق [الذي يقال له أمين الدولة، وواقف الأمينيّة] (٣) بدمشق وببصرى، لا التي ببعلبَكَّ، فهزم الأفرنج وقتل منهم خلفًا كثيرًا، بحيث لم ينج منهم سوى ثلاثة آلاف وأكثرهم جرحى، وذلك في ذي القعدة من هذه السنة، ولحقهم إلى ملطية، فملكها، وأسر ملكها [ولله الحمد]. وحجّ بالناس الأمير التونتاش التركي، وكان شافعيّ المذهب. وممن توفي فيها من الأعيان: عبد الرزاق الصّوفي الغَزْنوي (٤). شيخ رباط عَتّاب، حجّ مرات على التجريد، ومات في هذه السنة وله نحو مئة سنة، ولم يترك كفنًا، وقد قالت له امرأته وهو في الاحتضار: إنّك ستفضح اليوم [قال: لم؟ قالت له: لأنه] لا يوجد لك كفن، فقال لها: لو تركتُ كفنًا لافتضحت. رحمه الله تعالى، وعكسه أبو الحسن البسطامي شيخ رباط ابن المحلبان، كان لا يلبس إِلَّا صوفًا شتاءً وصيفًا، ويظهر الزهد، وحين توفي وجد له أربعة آلاف دينار مدفونة، فتعجب الناس من تفاوت حاليهما، واتفاق موتهما في هذه السنة رحم الله الأول، وسامح الثاني.

стр. 6114

الوزير عميد الدولة ابن جَهْير (١) محمد بن أبي نصر محمد بن محمد بن جَهير، الوزير الكبير، أبو منصور، الملقب عميد الدولة. أحد رؤساء الوزراء، وسادات الكبراء، خدم ثلاثة من الخلفاء، ووزر لاثنين منهم، وكان حليمًا قليل العَجَلة، إِلَّا أنَّه كان يُتكلَّم فيه بسبب الكِبْر، وقد ولي الوزارة مرات، يُعزل ثُمَّ يُعاد، ثمّ كان آخرها هذه المرّة، حُبِس بدار الخلافة فلم يخرج من السجن، إِلَّا ميتًا في شوال من هذه السنة. ابن جَزْلَة (٢) يحيى بن عيسى بن جزلة، الطبيب، صاحب "المنهاج" (٣) في الطب. كان نصرانيًا، وكان يتردد إلى الشيخ أبي علي بن الوليد المعتزلي (٤) يشتغل عليه في المنطق، فكان يدعوه إلى الإسلام، ويوضِّح له الدّلالات، حتى أسلم وحسن إسلامه، حتى استخلفه أبو عبد اللّه الدامغاني قاضي القضاة في كتب السجلات، ثمّ كان يطبِّب الناس بعد ذلك بلا أجر، وربّما ركّب لهم الأدوية من ماله تبرّعًا، وقد أوصى بكتبه أن تكون وقفًا في مشهد الإمام أبي حنيفة، ﵀. ثم دخلت سنة أربع وتسعين وأربعمئة فيها: عَظُم الخطب بأصبهان ونواحيها بالباطنيّة، فقتل السلطان منهم خلقًا كثيرًا، وأبيحت دِماؤهم وأموالهم للعامّة [ونودي فيهم: إن كلّ من قدرتم عليه منهم فاقتلوه وخذوا ماله] (٥) وكانوا قد استحوذوا على قِلاع كثيرة، وأوّل قلعةٍ ملكوها في سنة ثلاث وثمانين، وكان الذي ملكها الحسن بن الصبّاح أحد دعاتهم، وكان قد دخل مصر وتعلّم من الزنادقة الذين كانوا بها، ثمّ صار إلى تلك النواحي ببلاد أصبهان، فكان لا يدعو إِلَّا غبيًّا [جاهلًا] لا يعرف يمينه من شماله، ثمّ يطعمه العسل بالجوز والشونيز، حتى يحترق مزاجه، ويفسد دماغه، ثمّ يذكر له شيئًا من أخبار أهل البيت، ويكذب له من كذبات الرَّوافض الضُّلال، أنَّهم ظُلِموا، ومُنِعوا حقَّهم [الذي أوجبه لهم اللّه ورسوله] ثم يقول له: فإذا كانت الخوارج تقاتل مع بني أميّة لعلي، فأنت أحق أن تقاتل في نصرة إمامك علي بن أبي طالب، ولا

стр. 6115

يزال يسقيه من [العسل] وأمثاله حتى يستجيب له، ويصير أطوع له من أبيه وأمّه. ويُظهر له أشياء كثيرة من المخرقة والنيرنجيات والحيل التي لا تروج إِلَّا على الجهّال، حتى التفّ عليه بشر كثير وجمّ غفير، وقد بعث إليه الملك ملك شاه يتهدَّده ويتوغده وينهاه (عن بعثة الفداويّة إلى العلماء) [وبعث إليه بفتاوى العلماء] فلما قرأ الكتاب بحضرة الرسول قال لمن حضره من الشباب: إني أريد أن أرسل منكم رسولًا إلى مولاه، فاشرأبَّت وجوه الحاضرين منهم، ثُمَّ قال لشاب منهم: اقتل نفسك، فأخرج سكّينًا فضرب بها غلصمته، فسقط ميتًا، وقال لآخر منهم: ألْقِ نفسك من هذا الموضع، فرمى بنفسه من رأس القلعة إلى أسفل خندقها فتقطّعه، فقال لرسول [السلطان]: هذا الجواب، فمنها امتنع السلطان من مراسلته، هكذا أورده ابن الجوزي (١)، وسيأتي: أن الملك صلاح الدين [يوسف بن أيوب] فاتح بيت المقدس جرى له مع سنان (٢) صاحب قلاع الألموت (٣) مثل هذا. وفي شهر رمضان أمر الخليفة المستظهر باللّه بفتح جامع القصر، وأن يُبيَّضَ، وأن يُصلّى فيه التراويح، وأن يُجهر بالبسملة، وأن يُمنع النِّساء من الخروج ليلًا للفرجة. وفي أول هذه السَّنة دخل السلطان بركياروق إلى بغداد، ثمّ لحقه أخواه محمد وسنجر، فدخلاها وهو مريض، فعبرا إلى الجانب الغربي، فقطعت خطبته، وخُطبَ لهما بها، وهرب بركيارودق إلى واسط، ونهب جيشه ما اجتازوا من البلاد والأراضي، فنهاه بعض العلماء عن ذلك ووعظه فلم يُفد شيئًا. وفي هذه السنة ملكت الفرنج قلاعًا كثيرة منها: قيساريّة (٤)، وسَرُوج (٥)، وسار ملك الفرنج - وهو الذي أخذ بيت المقدس - كندبري (٦) إلى عكا فحاصرها، فجاءه سهم في عنقه فمات من فوره. ألا لعنة اللّه عليه وعلى أجناده.

стр. 6116

وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن عبد الواحد بن الصبَّاع (١) أبو منصور. سمع الحديث وتفقّه على أبي الطيب الطَّبري، ثمّ على ابن عمه أبي نصر الصبّاغ، وكان فقيهًا، فاضلًا، كثير الصلاة، يصوم الدهر، وقد ولي القضاء بربع الكرخ، والحسبة بالجانب الغربي، رحمه اللّه تعالى. عبد اللّه بن الحسن بن أبي منصور (٢) أبو محمد الطَّبَسي. رحل إليه العلماء، وجمع، وصنّف، وكان أحد الحفاظ المكثرين، ثقة، صدوقًا، عارفًا بالحديث، ورعًا، حسن الخلق، ﵀. عبد الرحمن بن أحمد بن محمد (٣) أبو محمد الزَّاز (٤) السرخسي. نزل مرو، وسمع الحديث، وأملى، ورحل إليه العلماء، وكان حافظًا لمذهب الشافعي متديّنًا ورعًا، ﵀. عُزَيزي بن عبد الملك بن منصور (٥) أبو المعالي الجِيْلي، القاضي، الملقّب: شَيْذَلة (٦). كان شافعيًا في الفروع، أشعريًا في الأصول. وكان حاكمًا بباب الأزج، وكان بينه وبين أهل باب الأزج من الحنابلة شنآن كبير، سمع رجلًا ينادي على حمار له ضائع، فقال: يدخل باب الأزج ويأخذ بيده من شاء، وقال يومًا للنقيب طِراد الزَّيْنَبي: لو حلف إنسان أنَّه لا يرى إنسانًا، فرأى أهل باب الأزج لم يحنث، فقال له الشريف: من عاشر قومًا أربعين يومًا فهو منهم، لهذا لمّا مات فرحوا

стр. 6117

بموته كثيرًا، رحمه الله تعالى. محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن الحسن بن محمد بن طَوْق (١) أبو الفضائل الرَّبَعي الموصلي. تفقَّه على الشيخ أبي إسحاق الشِّيرازي، وسمع الحديث من القاضي أبي الطيِّب الطَّبري، وكان ثقةً صالحًا، كتب الكثير. محمد بن الحسن (٢) أبو عبد الله الرّاذاني (٣). نزل أوانا، وكان مقرئًا، فقيهًا، صالحًا، له أحوال، وكرامات، ومكاشفات، أخذ عن القاضي أبي يعلى بن الفرّاء الحديث وغيره. قال ابن الجوزي: بلغني أنَّ ابنًا صغيرًا له طلب منه غزالًا وألحّ عليه، فقال: يا بنيّ غدًا تأتيك غزال، فلمّا كان الغد، أتت غزال، فجعلت تنطح الباب بقرنيها حتى يفتحه، فقال له أبوه: يا بنيّ! أتتك الغزال، رحمه اللّه تعالى. محمد بن علي بن عُبيد الله بن [أحمد] بن صالح بن سُلَيمان بن وَدْعان (٤) أبو نصر الموصلي القاضي. قدم بغداد سنة ثلاث وتسعين، وحدّث عن عمّه بالأربعين الوَدْعانيّة، وقد سرقها عمه أبو الفتح بن ودعان من زيد بن رِفاعة الهاشمي، فركّب لها أسانيد إلى من بعد زيد بن رِفاعة وهي موضوعة كلُّها، وإن كان في بعضها معانٍ صحيحة (٥)، والله أعلم. محمد بن منصور (٦) أبو سعد المُستوفي، شرف المُلْك الخُوارزمي. جليل القدر، وكان متعصّبًا لأصحاب أبي حنيفة، ووقف لهم مدرسة بمرو، ووقف فيها كتبًا

стр. 6118

كثيرة، وبنى مدرسة ببغداد عند باب الطاق، وبنى القبّة على قبر أبي حنيفة، وبنى أربطة في المفاوز، وعمل خيرًا كثيرًا، وكان من أطيب الناس مأكلًا ومشربًا، وأحسنهم ملبسًا، وأكثرهم مالًا، ثمّ ترك العمالة بعد هذا كلّه، وأقبل على العبادة والاشتغال بنفسه إلى أن مات، رحمه الله تعالى. محمد بن منصور القشيري (١) المعروف بعميد خراسان. قدم بغداد أيام طُغْرُلْبَك، وحدّث عن أبي حفص عمر بن أحمد بن مسرور، كان كثير الرغبة في الخير، وقف بمرو مدرسة على أبي بكر بن أبي المظفّر السمعاني وذرّيته [قال ابن الجوزي]: وهم يتولّونها إلى الآن، وبنى بنيسابور مدرسة وفيها تربته، وكانت وفاته في شوال من هذه السنة، ﵀. نصر بن أحمد بن عبد الله بن البَطِر (٢) أبو الخطّاب [الخطابي] البزّاز القارئ. ولد سنة ثمان وتسعين وثلاثمئة، وسمع الكثير، وتفرّد عن ابن زِرقويه وغيره، وطال عمره، ورُحل إليه من الآفاق، وكان رحمه الله تعالى صحيح السماع. ثم دخلت سنة خمس وتسعين وأربعمئة في ثالث المحرم [منها] قُبض على أبي الحسن علي بن محمد المعروف بـ: إلكيا الهَرَّاسي، وعُزل عن تدريس النظاميّة، وذلك لأنّه رماه بعضهم عند السلطان بأنَّه باطني، فشهد له جماعة من العلماء - منهم ابن عقيل - ببراءته من ذلك، وجاءت الرسالة من دار الخلافة [يوم الثلاثاء] بخلاصه. [وفي يوم الثلاثاء الحادي عشر من المحرم] (٣) جلس الخليفة المستظهر بالله بدار الخلافة، وجاء الملكان الأخوان محمد وسنجر ابنا السلطان ملك شاه فقبّلا الأرض، فخلع عليهما الخلع السلطانيّة: على محمد سيفًا وطوقًا وسوارًا ولواءً وأفراسًا من مراكبه، ولسنجر دون ذلك، وولّى الخليفة السلطان محمد المُلْكَ، واستنابه في جميع ما يتعلّق بأمر الخلافة [دون ما أغلق عليه الخليفة بابه] (٤) ثم خرج السلطان محمد [في تاسع عشر من الشهر] فأرجف الناس بقدوم بركياروق، ثُمَّ اصطلحوا على أمور، فركب السلطان محمد، فالتقوا، وجرت حروب كثيرة، وانهزم محمّد، وجرى عليه مكروه شديد، كما سيأتي بيانه.

стр. 6119

وفي رجب قبل القاضي أبو الحسن بن الدامغاني شهادة أبي الحسين، وأبي حازم ابني القاضي أبي يعلى بن الفرّاء. وفيها: قدم عيسى بن عبد الله الغزنوي [القونوي] فوعظ الناس وكان شافعيًّا، أشعريًا، فوقعت فتنة بين الحنابلة والأشعريّة [ببغداد]. وفيها: وقع حريق عظيم ببغداد، وحجّ بالناس حُميد العُمري صاحب سيف الدولة صدقة بن منصور بن دُبيس صاحب الحلّة. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو القاسم صاحب مصر (١) الملَّقب بالمستعلي، كانت وفاته في ذي الحجَّة من هذه السنة، وقام بالأمر من بعده ابنه أبو علي، وله تسع سنين (٢)، ولقِّب: الآمر بأحكام اللّه. محمد بن هبة اللّه (٣) أبو نصر الضرير [القاضي البَنْدَنيجي]، الفقيه الشافعي. أخذ عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، ثمّ جاوز بمكة أربعين سنة يفتي ويدرِّس، ويروي الحديث، كان من نوادر الزَّمان، ومن شعره: عدمتُكِ نفسي ما تملِّي تطالبي (٤) … وقد مرَّ إخواني (٥) وأهْلُ مودَّتي أعاهدُ ربِّي ثمَّ أنقضُ عَهْدَهُ … وأتركُ عزمي حينَ تَعرِضُ شهوتي وزادي قليلٌ ما أراه مُبلِّغي … من الزَّاد أبكي أمْ لطول مسافتي (٦) ثم دخلت سنة ست وتسعين وأربعمئة فيها حاصر السلطان بركياروق أخاه محمدًا بأصبهان، فضاقت على أهلها الأرزاق، واشتدّ الغلاء عندهم جدًّا، وأخذ السلطان محمد أهلها بالمصادرة، والحصار حولهم من خارج البلد، فاجتمع عليهم

стр. 6120

الخوف والجوع، والنقص من الأموال، والأنفس، والثمرات، ثمّ خرج السلطان محمد من أصبهان هاربًا فأرسل أخوه في إثره مملوكه إياز، فلم يتمكن من القبض عليه، ونجا بنفسه سالمًا. [قال ابن الجوزي (١): وفي صفر منها: زِيد في ألقاب قاضي القضاة أبي الحسن بن الدَّامغاني: تاج الإسلام] (٢). وفي ربيع الأول قُطِعت الخطبة للسلاطين ببغداد، واقتصر على [ذكر الخليفة فيها] والدُّعاء له [ثم التقى الأخوان بركياروق ومحمد، فانهزم محمد أيضًا ثُمَّ اصطلحا] (٣). وفيها: ملك الملك دقاق بن تتش بن ملك شاه صاحب دمشق مدينة الرحبة. وفيها: قتل أبو المظفّر الخُجَنْدي (٤)، الواعظ بالريّ، وكان من كبار العلماء في المذهب الشافعي، كان محدِّثًا فقيهًا، مدرِّسًا، قتله رافضيٌّ علَوي في الفتنة، [وكان عالمًا فاضلًا] (٥) كان نظام المُلْكِ يزوره ويعظِّمه. وحجّ بالناس خمارتكين. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن علي [بن عبيد الله] بن سِوَار (٦) أبو طاهر المقرئ، صاحب المصنَّفات في علوم القراءات. كان ثقةً ثبتًا مأمونًا، عالمًا بهذا الشأن، وقد جاوز الثمانين، رحمه الله تعالى. أبو المعالي (٧) أحدُ الصُّلحاء الزهّاد ذوي الكرامات والمكاشفات، وكان كثير العبادات متقلّلًا من الدنيا، لا يلبس صيفًا ولا شتاء إِلَّا قميصًا واحدًا، فإذا اشتدّ البرد وضع على كتفه مئزرًا، وذكر أنّه أصابه

стр. 6121

فاقة شديدة في شهر رمضان، فعزم على الذهاب إلى أحد الأصحاب ليستقرض منه شيئًا، قال: فبينما أنا أريده إذا بطائر قد سقط على كتفي وقال: يا أبا المعالي! أنا الملك الفلاني، لا تمض إليه، نحن نأتيك به. [قال: فبكّر إليَّ الرجل] (١) رواه ابن الجوزي في منتظمه [من طرق عدة]. كانت وفاته في هذه السنة، ودفن قريبًا من قبر أحمد. السيدة بنت القائم بأمر الله أمير المؤمنين (٢) التي تزوجها طُغْرُلْبَك، توفيت في هذه السنة ودفنت بالرصافة، وكانت كثيرة الصدقة والإيثار، [وجلس لعزائها في بيت النوبة الوزير] (٣). ثم دخلت سنة سبع وتسعين وأربعمئة فيها: قصد الفرنج لعنهم الله الشام، فقابلهم المسلمون فقتلوا [من الفرنج] اثني عشر ألفًا، وردّ الله الذين كفروا بغيظهم، لم ينالوا خيرًا، وقد أسر في هذه الوقعة بردويل صاحب الرها. وفي هذه السنة: سقطت منارة واسط [وقد كانت من أحسن المنائر وكان أهل] (٤) البلد يفتخرون بها وبقبّة الحجَّاج، [فلما سقطت سُمع لأهل البلد بكاءٌ وعويل لم يُسمع بمثله، ومع هذا لم يهلك بسببها أحد] (٥)، وكان بناؤها في سنة أربع وثلاثمئة في زمن المقتدر. وفي هذه السنة: تأكّد الصلح بين السلطانين الأخوين محمد وبركياروق، واقتسما البلاد فقطعت الخطبة ببغداد لمحمد، واستمرت للملك بركياروق [وبعث إليه بالخلع والى الأمير إياز]. وفي هذه السنة: أخذت الفرنج مدينة عكا وغيرها من السواحل. [وفيها: استولى الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور صاحب الحقة على مدينة واسط] (٦). وفيها: توفي الملك دُقاق بن تتش صاحب دمشق، فأقام مملوكه طغتكين، ولدًا له صغيرًا مكانه، وأخذ البيعة له، وصار هو أتابكه، فدبّر الملك بدمشق مدّة. وفيها: عزل السلطان سنجر وزيره أبا الفتح الطُّغْرائي، ونفاه إلى غزنة.

стр. 6122

وفيها: ولي أبو نصر نظام الحضريين ديوان الإنشاء، بعد وفاة خاله أبي سعيد العلاء بن الحسن ابن المُوصِلايا. وفيها: قُتِل الطبيب الماهر الحاذق أبو نعيم (١)، وكانت له إصابات عجيبة جدًّا. وحجّ بالناس في هذه السنة الأمير خمارتكين. وممن توفي فيها من الأعيان: أردشير بن منصور (٢) أبو الحسن العبّادي (٣) الواعظ، قدم بغداد [فوعظ بها] فأحبته العامة في سنة ست وثمانين، [وكانت له أحوال جيدة فيما يظهر، والله أعلم] (٤). إسماعيل بن محمد بن عثمان بن أحمد (٥) أبو الفرج القومساني (٦)، من أهل همذان. سمع من أبيه وجدّه وجماعة، وكان حافظًا، حسن المعرفة بالرِّجال والمتون [وأنواع الفنون] ثقة مأمونًا، رحمه اللّه تعالى. العلاء بن الحسين بن وهب بن المُوصلايا (٧) سعد الدولة، كاتب الإنشاء ببغداد. كان نصرانيًا فأسلم في سنة أربع وثمانين، ومكث في الرئاسة مدّة طويلة، نحوًا من خمس وستين سنة، وكان فصيح العبارة، كثير الصدقة توفي في هذه السنة عن عمر طويل، رحمه اللّه تعالى. محمد بن أحمد بن عمر (٨) أبو عمر النَّهاوندي، قاضي البصرة مدة طويلة، وكان فقيهًا عالمًا، سمع الحديث من أبي الحسن الماوردي وغيره، مولده في سنة [سبع وقيل: تسع] وأربعمئة.

стр. 6123

ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وأربعمئة فيها: توفي السلطان بركياروق، وعهد إلى ولده الصغير ملك شاه، وعمره أربع سنين ونصف، وخُطب له ببغداد، ولُقِّب جلال الدولة [ونُثر عند ذكره الدنانير والدراهم] (١) وجعل أتابكه الأمير إياز، ثم جاء السلطان محمد بن ملك شاه إلى بغداد فخرج إليه [أهل] الدولة لتلقّيه وصالحوه، وكان الذي [أخذ البيعة] في الصلح إلكيا الهرّاسي، مدرِّس النِّظامية، وخُطب له بالجانب الغربي ولابن أخيه بالجانب الشرقي، ثم قُتل الأمير إياز. [ومضى ابن جهير في الموكب فخلع على السلطان محمد وقصد دار وزيره سعد الملك وحمل إليه من دار الخليفة الدست والدواة والخلع] (٢). [وحضر الوزير سعد المُلك (٣) عند إلكيا الهرَّاسي في درس النِّظامية ليرغِّب الناس في العلم. وفي ثامن رجب منها أزيل الغيار عن أهل الذمّة الذين كانوا ألزموه في سنة أربع وثمانين وأربعمئة ولا يعرف ما سبب ذلك] (٤). وفيها: كانت حروب كثيرة بين المصريين والفرنج، فقتلوا من الفرنج خلقًا كثيرًا، [ثم أديل عليهم الفرنج فقتلوا منهم خلقًا أيضًا] (٥). وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: السلطان بركياروق (٦) [ابن مَلِك شاه، ركن الدين (٧) السَّلجوقي. جرت له خطوب طويلة وحروب هائلة] (٨) خُطب له ببغداد ست مرات، وعُزل عنها ستَّ مرات،

стр. 6124

[ثمّ تنقطع الخطبة له ثمّ تُعاد] وكان عمره يوم مات أربعًا وعشرين سنة [وشهورًا] وقام بعده ولده ملك شاه، فلم يتمّ أمره بسبب منازعة عمّه محمد له. عيسى بن عبد اللّه بن القاسم (١) أبو المؤيد (٢) الغَزْنَوي (٣)، وكان واعظًا كاتبًا شاعرًا، ورد بغداد فوعظ بها، فنفق على أهلها، وكان أشعريّ المذهب، متعصِّبًا له، خرج من بغداد قاصدًا بلده، فتوفي بأسفرايين. محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سِلفَة الأصبهاني (٤) أبو أحمد، كان شيخًا عفيفًا ثقة، سمع الكثير وهو والد الحافظ أبي طاهر السِّلَفي، رحمه اللّه تعالى. الحافظ أبو علي الجيّاني (٥) الحسين بن محمد بن أحمد الغسَّاني الأندلسي. مصنّف "تقييد المهمَل على ألفاظ الصحيحين" (٦)، وهو كتاب مفيد كثير النَّفع. وكان حسن الخط، عالمًا باللّغة، والشعر، والأدب، وكان يُسمع في جامع قرطبة، توفي ليلة الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان هذه السنة عن إحدى وسبعين سنة، ﵀. محمد بن علي بن الحسن بن أبي الصَّقْر (٧) أبو الحسن الواسطيّ. سمع الحديث، وتفقّه بالشيخ أبي إسحاق الشِّيرازي، وقرأ الأدب، وقال الشعر [من ذلك قوله]: مَنْ قالَ لي جاهٌ ولي حِشمةٌ … ولي قَبولٌ عندَ مولانا

стр. 6125

ولم يَعُدْ ذاك بنفع على .... صديقِهِ لا كانَ مَنْ كانا ثم دخلت سنة تسع وتسعين وأربعمئة في المحرّم منها ادّعى رجل النبوَّة بنواحي نَهاوند، وسمّى أربعة من أصحابه [بأسماء الخلفاء الأربعة]: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًا، فاتَّبعه على ضلالته هذه خلق من الجهلة الرَّعاع، وباعوا أملاكهم، ورفعوا أثمانها إليه، وكان كريمًا يعطي مَنْ قَصَدَه ما عنده، ثُمَّ إنَّه قُتل بتلك الناحية لعنه الله، ورام رجل من ولد ألْب آرْسَلان بتلك الناحية الملك، فلم يتمّ له أمره، فقبض عليه في أقلّ من شهرين، فكانوا يقولون: ادّعى رجل النبوّة، وآخر الملك، فما كان بأسرع من زوال [دولتهما] (١). [وفي رجب منها زادت دجلة زيادة عظيمة فاتلفت شيئًا كثيرًا من الغلات، وغرقت دور كثيرة ببغداد] (٢). وفيها: كسر طغتكين أتابك العساكر بدمشق الفرنج، [وعاد مؤيَّدًا منصورًا إلى دمشق، وزيِّنت البلد زينًة عجيبًة مليحة، سرورًا بكسره الفرنج] (٣). وفي رمضان منها حاصر الملك رضوان بن تتش صاحب حلب مدينة نصيبين. وفيها: وَرَدَ بغدادَ ملكٌ من ملوك الملثَّمين، وصحبته رجل يقال له: الفقيه، فوعظ النّاس وهو في جامع القصر، وهو ملثّم، ثُمَّ عاد إلى مصر، وله حروب كثيرة مع الفرنج استُشهد في بعضها. وحجّ بالناس من العراق رجل من أقرباء سيف الدولة صدقة. وممن توفي فيها من الأعيان: سهل بن أحمد بن علي الأرْغِياني (٤) أبو الفتح الحاكم. سمع الحديث من البَيْهقي وغيره، وعلَّق عن القاضي حسين طريقته، وشكره في ذلك، وكان قد

стр. 6126

تفقه أولًا على الشيخ أبي علي السِّنْجِي، وعلَّق عن إمام الحرمين في الأصول، وناظر بحضرته فاستجاده، وولّي قضاء بلدة مدة طويلة، ثم ترك ذلك كلّه، وأقبل على التعبّد [وتلاوة القرآن]. قال ابن خلِّكان (١): وبنى للصوفية رباطًا من ماله، ولزم التعبّد إلى أن مات [في مستهل المحرم من هذ السنة] (٢). محمد بن أحمد بن علي بن عبد الرزّاق (٣) أبو منصور الخيّاط (٤). أحد القرّاء والصُّلحاء، ختم ألوفًا من الختَمات، وختم عليه ألوف من الناس، وسمع الحديث الكثير، وحين توفي اجتمع العالم في جنازته اجتماعًا لم يعهد مثله في جنازة [ولم يعهد له نظير] بتلك الأزمان، وكان عمره يوم توفي سبعًا وتسعين سنة، ﵀ [وقد رثاه الشعراء] وقد رآه بعضهم في المنام فقال: ما فعل بك ربّك؟ فقال: غفر لي بتعليمي الصّبيان الفاتحة. محمد بن عُبيد اللّه بن الحسن بن الحسين (٥) أبو الفرج البَصْري، قاضيها. سمع أبا الطَّيب الطَّبري والماوردي وغيرهما، ورحل في طلب الحديث، وكان عابدًا خاشعًا عند الذِّكر، رحمه اللّه تعالى. مُهارِش بن مُجلِّي (٦) أمير العرب بحديثة عانة. وهو الذي أودع عنده الخليفة القائم بأمر اللّه حين كانت فتنة البساسيري (٧) ببغداد [فأكرم الخليفة حين ورد عليه، ثم جازاه الخليفة الجزاء الأوفى] (٨) وكان الأمير مُهارش كثير الصلاة والصَّدقة، توفي في هذه السنة عن ثمانين سنة.

стр. 6127

ثم استهلت سنة خمسمئة من الهجرة النبوية قال أبو داود في "سننه": [حَدَّثَنَا موسى بن سهل] (١) حَدَّثَنَا حجَّاج بن إبراهيم، حَدَّثَنَا [ابن] وهب، حدّثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول اللّه ﷺ :"لن يَعجِزَ اللهُ هذه الأمة من نصف يوم". حَدَّثَنَا عمرو بن عثمان (٢)، حَدَّثَنَا أبو المغيرة، حدَّثني صفوان، عن شُريح بن عُبَيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن النَّبِيّ ﷺ : أنه قال (٣): "إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربِّها أن يؤخّرها نصف يوم". قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمسمئة سنة (٤). وهذا من دلائل النبوّة، وذكر هذه المدة لا ينفي زيادة عليها، كما هو الواقع، لأنه ﷺ ذكر شيئًا من أشراط الساعة لا بدّ من وقوعها، كما أخبر سواء بسواءٍ، وسيأتي ذِكرها في بعد زماننا، وبالله التوفيق [وباللّه المستعان، ولا حول ولا قوة إِلَّا باللّه]. ومما وقع في هذه السنة من الحوادث: أنّ السلطان محمد بن ملك شاه حاصر في هذه السنة قلاعًا كثيرة من حصون الباطنية، فافتتح منها أماكن كثيرة، وقتل منهم خلقًا كثيرًا، وجمعًا كبيرًا، وجمًّا غفيرًا، وكان من جملة ما افتتح من ذلك قلعة حصينة كان أبوه قد بناها بالقرب من أصبهان، في رأس جبل منيع [هناك، وكان سبب بنائه أنّه كان مرّة في بعض صيوده فهرب منه كلب، فاتبعه إلى رأس الجبل فوجده، وكان معه رجل من رسل الروم، فقال الرومي: لو كان هذا الجبل ببلادنا لاتّخذنا عليه قلعة، فحدا هذا الكلام السلطان إلى أن ابتنى في رأسه قلعة] (٥). وكان قد صرف بالبناء ألف ألف دينار ومئتي ألف دينار، فاستحوذ عليها بعد ذلك رجل من الباطنية يقال له: أحمد بن عبد الله بن عَطَاش (٦)، فتعب المسلمون بسببها، وحاصرها السلطان محمد سنة حتى افتتحها، وسلخ هذا الرجل، وحشا جلده تِبنًا، وقطع رأسه فطيف به في الأقاليم، ثمّ نقض هذه القلعة حجرًا حجرًا، [وألقت امرأته نفسها من أعلى القلعة فتلِفت، وهلك ما كان معها من الجواهر

стр. 6128

النفيسة، وكان الناس يتشاءمون بهذه القلعة. ويقولون: كان دليلها كلبًا، والمشير بها كافرًا، والمتحصّن بها زِنديقًا] (١). وفيها: كانت حروب كثيرة بين بني خفاجة وبين بني عُبادة، فقهرت عُبادة خفاجة، وأخذت بثأرها [المتقدّم منها]. وفيها: استحوذ سيف الدولة صدقة بن منصور الأسدي على مدينة تكريت بعد قتال كثير. [وفيها: أرسل السلطان محمد الأمير جاولي سقاوو إلى الموصل وأقطعه إيّاها، فذهب فانتزعها من الأمير جكرمش بعدما قاتله وهزم أصحابه وأسره، ثمّ قتله بعد ذلك، وقد كان جكرمش من خيار الأمراء سيرة وعدلًا وإحسانًا، ثمّ أقبل قلج أرسلان بن قتلمش فحاصر الموصل، فانتزعها من جاولي، فصار جاولي إلى الرّحبة، فأخذها، ثمّ أقبل إلى قتال قلج فكسره، وألقى قلج نفسه في نهر الخابور فهلك] (٢). وفيها: نشأت حروب كثيرة بين الروم والفرنج فاقتتلوا قتالًا عظيمًا، وقتل من الفريقين ألوف، ثمّ كانت الهزيمة بعد كل حساب على الفرنج. [والحمد للّه رب العالمين] (٣). وفي يوم عاشوراء قتل فخر الملك بن نظام الملك، وكان أكبر أولاده، وهو وزير السلطان سنجر بنيسابور، وكان صائمًا، قتله باطني، وكان قد رأى في تلك الليلة الحسين بن علي ﵄، وهو يقول له: عجّل إلينا، وأفطِر عندنا اللّيلة، فأصبح متعجّبًا، فنوى الصوم ذلك النهار، وأشار عليه بعض أصحابه أن لا يخرج ذلك اليوم من منزله، فما خرج إِلَّا في آخر النهار، فرأى شابًا يتظلّم وبيده رقعة فقال: ما شأنك؟ فناوله الرقعة، فبينما هو يقرؤها إذ ضربه بخنجر في يده فقتله، [فأخذ الباطني فرُفِعَ إلى السلطان فقرّره، فأقرّ على جماعة من أصحاب الوزير أنَّهم أمروه بذلك، وكان كاذبًا، فقتل، وقتلوا أيضًا] (٤). [وفي رابع عشر] من صفر عزل الخليفة الوزير [أبا القاسم علي] بن جَهير، وخرّب داره التي كان قد بناها أبوه، [من خراب] بيوت الناس، وكان في ذلك عبرة وموعظة لذوي البصائر [والنُّهى] واستنيب في الوزارة القاضي أبو الحسن بن الدّامغاني [ومعه آخر] (٥).

стр. 6129

وحج بالناس في هذه السنة أمير تركماني [واسمه أليرن] من جهة السلطان محمد بن ملك شاه. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن المظفَّر (١) أبو المظفَّر الخَوَافي الفقيه الشافعي. قال ابن خلِّكان: كان أنظر أهل زمانه، تفقّه على إمام الحرمين، وصار أوجه تلامذته، ولي القضاء بطوس ونواحيها، فكان مشهورًا بين العلماء بحسن المناظرة وإفحام الخصوم. قال: والخَوَافي، بفتح الخاء والواو، نسبة إلى خَوَاف، ناحية من نواحي نيسابور، رحمه الله تعالى. جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد السَّرَّاج (٢) أبو محمد القارئ [البغدادي]. ولد سنة ست عشرة وأربعمئة (٣)، وقرأ القرآن بالروايات، وسمع الكثير من الأحاديث النبويات من المشايخ والشَّيخات، في بلدان متباينات، وقد خرج له الحافظ أبو بكر الخطيب أجزاء من مسموعاته، وكان صحيح الثبت، جيد الذهن، أديبًا، شاعرًا، حسن النظم، نظم كتاب "المبتدأ" (٤) وكتاب "التنبيه" (٥) والخِرَقي (٦)، وغير ذلك" وله كتاب "مصارع العشّاق" وغير ذلك، وكان حافظًا مبرِّزًا على أقرانه من نُجباء أبناء زمانه، سمع منه الحافظ السِّلَفي، وكان يفتخر برؤيته، ومن شعره قوله: قلْ لِلَّذينَ بجهلهمْ .... أضْحَوا يعيبونَ المحابرْ والحاملينَ لَها من الـ … ـأيْدي بمجتمعِ الأساورْ لولا المحابرُ والمقا .... لمُ والصحائفُ والدفاترْ والحافظونُ شريعةَ الـ … ـمبعوثِ من خيرِ العشائرْ والناقلونَ حديثَه … عن كابرٍ ثَبْتٍ فكَابِرْ لرأيتَ مِن بَشعِ الضّلا ....... لِ عساكرًا تتلو عساكرْ كلٌّ يقولُ بجهلهِ … واللهُ للمظلومِ ناصرْ

стр. 6130

سمّيتَهُم أهلَ الحديـ … ــث أولي النُّهى وأولي البَصائرْ حَشَويةً أفٍّ لكم … وَلمَنْ بنقصهمُ يُجاهرْ (١) هم حَشوُ جَنَّاتِ النَّعيـ … ـم على الأسرَّةِ والمنابرْ رفقاءُ أحمَد كلُّهمْ … عن حوضهِ ريَّانُ صادرْ ومن شعره: ومُدَّعٍ شرخَ الشَّباب وقدْ … عمَّمَهُ الشَّيبُ على وَفْرَتهْ يخضبُ بالوشمةِ عُثنونَهُ … يكفيهِ أنْ يكذبَ في لحيتهْ ذكر القاضي ابن خلِّكان (٢) قطعة من أشعاره المستحسنة، وأرّخ وفاته في هذه السنة، وقد جاوز الثمانين، ﵀. عبد الوهَّاب بن محمد بن عبد الوهَّاب بن عبد الواحد أبو محمد (٣) الشيرازي الفارسيى (٤). سمع الحديث الكثير، وتفقّه، وولاه نظام الملك تدريس النظاميّة ببغداد، في سنة ثلاث وثمانين، فدرّس بها مدّة، وكان يملي الأحاديث، وكان كثير التصحيف، روى مرة حديث:"صلاةٌ في إثر صلاة كتاب في عليين" (٥)، فقال: كَنَارٍ في غَلَس، ثمّ فسّر ذلك بأنَّه أكثر لإضاءتها. محمد بن إبراهيم بن عبد الله الأسدي الشاعر (٦). لقي أبا الحسن التّهامي، وكان مغرمًا بما يعارض شعره، وقد أقام باليمن وبالعراق، ثم بالحجاز، ثم خراسان، ومن شعره: قلتُ: ثَقَّلتُ إذ أتيتُ مِرارًا … قَالَ ثَقَّلْتَ غاربي (٧) بالأيادي قلتُ طوَّلْتُ قال بل تطوَّلت (٨) … قلتُ مزَّقْتُ قالَ: حبلَ الوِدادِ
следующие страницы →