← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

تفقه أولًا على الشيخ أبي علي السِّنْجِي، وعلَّق عن إمام الحرمين في الأصول، وناظر بحضرته فاستجاده، وولّي قضاء بلدة مدة طويلة، ثم ترك ذلك كلّه، وأقبل على التعبّد [وتلاوة القرآن]. قال ابن خلِّكان (١): وبنى للصوفية رباطًا من ماله، ولزم التعبّد إلى أن مات [في مستهل المحرم من هذ السنة] (٢). محمد بن أحمد بن علي بن عبد الرزّاق (٣) أبو منصور الخيّاط (٤). أحد القرّاء والصُّلحاء، ختم ألوفًا من الختَمات، وختم عليه ألوف من الناس، وسمع الحديث الكثير، وحين توفي اجتمع العالم في جنازته اجتماعًا لم يعهد مثله في جنازة [ولم يعهد له نظير] بتلك الأزمان، وكان عمره يوم توفي سبعًا وتسعين سنة، ﵀ [وقد رثاه الشعراء] وقد رآه بعضهم في المنام فقال: ما فعل بك ربّك؟ فقال: غفر لي بتعليمي الصّبيان الفاتحة. محمد بن عُبيد اللّه بن الحسن بن الحسين (٥) أبو الفرج البَصْري، قاضيها. سمع أبا الطَّيب الطَّبري والماوردي وغيرهما، ورحل في طلب الحديث، وكان عابدًا خاشعًا عند الذِّكر، رحمه اللّه تعالى. مُهارِش بن مُجلِّي (٦) أمير العرب بحديثة عانة. وهو الذي أودع عنده الخليفة القائم بأمر اللّه حين كانت فتنة البساسيري (٧) ببغداد [فأكرم الخليفة حين ورد عليه، ثم جازاه الخليفة الجزاء الأوفى] (٨) وكان الأمير مُهارش كثير الصلاة والصَّدقة، توفي في هذه السنة عن ثمانين سنة.

стр. 6127

ثم استهلت سنة خمسمئة من الهجرة النبوية قال أبو داود في "سننه": [حَدَّثَنَا موسى بن سهل] (١) حَدَّثَنَا حجَّاج بن إبراهيم، حَدَّثَنَا [ابن] وهب، حدّثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول اللّه ﷺ :"لن يَعجِزَ اللهُ هذه الأمة من نصف يوم". حَدَّثَنَا عمرو بن عثمان (٢)، حَدَّثَنَا أبو المغيرة، حدَّثني صفوان، عن شُريح بن عُبَيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن النَّبِيّ ﷺ : أنه قال (٣): "إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربِّها أن يؤخّرها نصف يوم". قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمسمئة سنة (٤). وهذا من دلائل النبوّة، وذكر هذه المدة لا ينفي زيادة عليها، كما هو الواقع، لأنه ﷺ ذكر شيئًا من أشراط الساعة لا بدّ من وقوعها، كما أخبر سواء بسواءٍ، وسيأتي ذِكرها في بعد زماننا، وبالله التوفيق [وباللّه المستعان، ولا حول ولا قوة إِلَّا باللّه]. ومما وقع في هذه السنة من الحوادث: أنّ السلطان محمد بن ملك شاه حاصر في هذه السنة قلاعًا كثيرة من حصون الباطنية، فافتتح منها أماكن كثيرة، وقتل منهم خلقًا كثيرًا، وجمعًا كبيرًا، وجمًّا غفيرًا، وكان من جملة ما افتتح من ذلك قلعة حصينة كان أبوه قد بناها بالقرب من أصبهان، في رأس جبل منيع [هناك، وكان سبب بنائه أنّه كان مرّة في بعض صيوده فهرب منه كلب، فاتبعه إلى رأس الجبل فوجده، وكان معه رجل من رسل الروم، فقال الرومي: لو كان هذا الجبل ببلادنا لاتّخذنا عليه قلعة، فحدا هذا الكلام السلطان إلى أن ابتنى في رأسه قلعة] (٥). وكان قد صرف بالبناء ألف ألف دينار ومئتي ألف دينار، فاستحوذ عليها بعد ذلك رجل من الباطنية يقال له: أحمد بن عبد الله بن عَطَاش (٦)، فتعب المسلمون بسببها، وحاصرها السلطان محمد سنة حتى افتتحها، وسلخ هذا الرجل، وحشا جلده تِبنًا، وقطع رأسه فطيف به في الأقاليم، ثمّ نقض هذه القلعة حجرًا حجرًا، [وألقت امرأته نفسها من أعلى القلعة فتلِفت، وهلك ما كان معها من الجواهر

стр. 6128

النفيسة، وكان الناس يتشاءمون بهذه القلعة. ويقولون: كان دليلها كلبًا، والمشير بها كافرًا، والمتحصّن بها زِنديقًا] (١). وفيها: كانت حروب كثيرة بين بني خفاجة وبين بني عُبادة، فقهرت عُبادة خفاجة، وأخذت بثأرها [المتقدّم منها]. وفيها: استحوذ سيف الدولة صدقة بن منصور الأسدي على مدينة تكريت بعد قتال كثير. [وفيها: أرسل السلطان محمد الأمير جاولي سقاوو إلى الموصل وأقطعه إيّاها، فذهب فانتزعها من الأمير جكرمش بعدما قاتله وهزم أصحابه وأسره، ثمّ قتله بعد ذلك، وقد كان جكرمش من خيار الأمراء سيرة وعدلًا وإحسانًا، ثمّ أقبل قلج أرسلان بن قتلمش فحاصر الموصل، فانتزعها من جاولي، فصار جاولي إلى الرّحبة، فأخذها، ثمّ أقبل إلى قتال قلج فكسره، وألقى قلج نفسه في نهر الخابور فهلك] (٢). وفيها: نشأت حروب كثيرة بين الروم والفرنج فاقتتلوا قتالًا عظيمًا، وقتل من الفريقين ألوف، ثمّ كانت الهزيمة بعد كل حساب على الفرنج. [والحمد للّه رب العالمين] (٣). وفي يوم عاشوراء قتل فخر الملك بن نظام الملك، وكان أكبر أولاده، وهو وزير السلطان سنجر بنيسابور، وكان صائمًا، قتله باطني، وكان قد رأى في تلك الليلة الحسين بن علي ﵄، وهو يقول له: عجّل إلينا، وأفطِر عندنا اللّيلة، فأصبح متعجّبًا، فنوى الصوم ذلك النهار، وأشار عليه بعض أصحابه أن لا يخرج ذلك اليوم من منزله، فما خرج إِلَّا في آخر النهار، فرأى شابًا يتظلّم وبيده رقعة فقال: ما شأنك؟ فناوله الرقعة، فبينما هو يقرؤها إذ ضربه بخنجر في يده فقتله، [فأخذ الباطني فرُفِعَ إلى السلطان فقرّره، فأقرّ على جماعة من أصحاب الوزير أنَّهم أمروه بذلك، وكان كاذبًا، فقتل، وقتلوا أيضًا] (٤). [وفي رابع عشر] من صفر عزل الخليفة الوزير [أبا القاسم علي] بن جَهير، وخرّب داره التي كان قد بناها أبوه، [من خراب] بيوت الناس، وكان في ذلك عبرة وموعظة لذوي البصائر [والنُّهى] واستنيب في الوزارة القاضي أبو الحسن بن الدّامغاني [ومعه آخر] (٥).

стр. 6129

وحج بالناس في هذه السنة أمير تركماني [واسمه أليرن] من جهة السلطان محمد بن ملك شاه. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن المظفَّر (١) أبو المظفَّر الخَوَافي الفقيه الشافعي. قال ابن خلِّكان: كان أنظر أهل زمانه، تفقّه على إمام الحرمين، وصار أوجه تلامذته، ولي القضاء بطوس ونواحيها، فكان مشهورًا بين العلماء بحسن المناظرة وإفحام الخصوم. قال: والخَوَافي، بفتح الخاء والواو، نسبة إلى خَوَاف، ناحية من نواحي نيسابور، رحمه الله تعالى. جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد السَّرَّاج (٢) أبو محمد القارئ [البغدادي]. ولد سنة ست عشرة وأربعمئة (٣)، وقرأ القرآن بالروايات، وسمع الكثير من الأحاديث النبويات من المشايخ والشَّيخات، في بلدان متباينات، وقد خرج له الحافظ أبو بكر الخطيب أجزاء من مسموعاته، وكان صحيح الثبت، جيد الذهن، أديبًا، شاعرًا، حسن النظم، نظم كتاب "المبتدأ" (٤) وكتاب "التنبيه" (٥) والخِرَقي (٦)، وغير ذلك" وله كتاب "مصارع العشّاق" وغير ذلك، وكان حافظًا مبرِّزًا على أقرانه من نُجباء أبناء زمانه، سمع منه الحافظ السِّلَفي، وكان يفتخر برؤيته، ومن شعره قوله: قلْ لِلَّذينَ بجهلهمْ .... أضْحَوا يعيبونَ المحابرْ والحاملينَ لَها من الـ … ـأيْدي بمجتمعِ الأساورْ لولا المحابرُ والمقا .... لمُ والصحائفُ والدفاترْ والحافظونُ شريعةَ الـ … ـمبعوثِ من خيرِ العشائرْ والناقلونَ حديثَه … عن كابرٍ ثَبْتٍ فكَابِرْ لرأيتَ مِن بَشعِ الضّلا ....... لِ عساكرًا تتلو عساكرْ كلٌّ يقولُ بجهلهِ … واللهُ للمظلومِ ناصرْ

стр. 6130

سمّيتَهُم أهلَ الحديـ … ــث أولي النُّهى وأولي البَصائرْ حَشَويةً أفٍّ لكم … وَلمَنْ بنقصهمُ يُجاهرْ (١) هم حَشوُ جَنَّاتِ النَّعيـ … ـم على الأسرَّةِ والمنابرْ رفقاءُ أحمَد كلُّهمْ … عن حوضهِ ريَّانُ صادرْ ومن شعره: ومُدَّعٍ شرخَ الشَّباب وقدْ … عمَّمَهُ الشَّيبُ على وَفْرَتهْ يخضبُ بالوشمةِ عُثنونَهُ … يكفيهِ أنْ يكذبَ في لحيتهْ ذكر القاضي ابن خلِّكان (٢) قطعة من أشعاره المستحسنة، وأرّخ وفاته في هذه السنة، وقد جاوز الثمانين، ﵀. عبد الوهَّاب بن محمد بن عبد الوهَّاب بن عبد الواحد أبو محمد (٣) الشيرازي الفارسيى (٤). سمع الحديث الكثير، وتفقّه، وولاه نظام الملك تدريس النظاميّة ببغداد، في سنة ثلاث وثمانين، فدرّس بها مدّة، وكان يملي الأحاديث، وكان كثير التصحيف، روى مرة حديث:"صلاةٌ في إثر صلاة كتاب في عليين" (٥)، فقال: كَنَارٍ في غَلَس، ثمّ فسّر ذلك بأنَّه أكثر لإضاءتها. محمد بن إبراهيم بن عبد الله الأسدي الشاعر (٦). لقي أبا الحسن التّهامي، وكان مغرمًا بما يعارض شعره، وقد أقام باليمن وبالعراق، ثم بالحجاز، ثم خراسان، ومن شعره: قلتُ: ثَقَّلتُ إذ أتيتُ مِرارًا … قَالَ ثَقَّلْتَ غاربي (٧) بالأيادي قلتُ طوَّلْتُ قال بل تطوَّلت (٨) … قلتُ مزَّقْتُ قالَ: حبلَ الوِدادِ

стр. 6131

يوسف بن علي (١) أبو القاسم الزَّنْجاني الفقيه. كان من أهل الدِّيانة، حكى عن الشيخ أبي إسحاق [الشيرازي]، عن القاضي أبي الطيّب، قال: كنّا يومًا بجامع المنصور في حلْقة، فجاء شاب خراساني، فذكر حديث أبي هريرة في المُصَرَّاة (٢)، فقال الشاب: هذا الحديث غير مقبول، فما استتم كلامه حتى سقطت من سقف المسجد حيّة، فنهض الناس هاربين، فتبعتْ ذلك الشابّ من بينهم، فقيل له: تبْ، تبْ، فقال: تُبْتُ، فذهبتْ تلك الحيّة، فلا يُدري أين ذهبت، رواها ابن الجوزي عن شيخه أبي معمر الأنصاري عن أبي القاسم هذا. * * *

стр. 6132

البداية والنهاية «٥٠١ هـ - ٦٠٠ هـ» تأليف الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير [٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ] حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه د. رياض عبد الحميد مراد راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف الجزء الرابع عشر

стр. 6133

ثم دخلت سنة إحدى وخمسمئة • وفيها: جدَّد الخليفة الخلعَ على وزيره الجديد أبي المعالي، هبة [الله بن محمد بن المطلب] (١) وأكرمه وعظّمه. وفي ربيع الآخر منها دخل السلطان محمد إلى بغداد، فتلقاه الوزير والأعيان، وأحسن إلى أهلها، ولم يتعرّض أحد من جيشه إلى شيء. • وغضب (٢) السلطان غياث الدِّين محمد (٣) بن السلطان عَلَى صدقةَ بن منصور الأسدي صاحب الحلة وتكريت، بسبب أنه آوى (٤) رجلًا من أعدائه، يقال له: أبو دلف سَرْخاب الديلمي (٥)، صاحب ساوة، وبعث إليه ليرسله، فلم يفعل، فأرسل إليه جيشًا، فهزموا جيشه، وقد كان جيشه عشرين ألف فارس وثلاثين ألف راجل، وقُتل صدقة في المعركة، وأُسرت جماعة من رؤوس أصحابه، وأُخذ من زوجته خمسمئة ألف دينار وجواهر نفيسة. قال ابن الجوزي: وظهر في هذه السنة صبيّة عمياء تتكلم على أسرار الناس، وبالغ (٦) الناس في الحيل ليعلموا حالها فلم يعلموا. قال ابن عقيل (٧): وأشكل أمرها على العلماء والخواص والعوام، حتَّى إنها كانت تُسأل عن نقوش الخواتيم وألوان الفصوص وصفات الأشخاص، وما في داخل البيادق من الشمع والطين والحَبّ المختلف والخرز. وبالغ أحدهم حتَّى ترك يده على ذكَره، فقيل: ما الذي في يده؟ فقالت: يحمله إلى أهله وعياله (٨). • وفيها: قدم القاضي فخر الملك أبو علي بن عمَار (٩) صاحب طرابلس إلى بغداد، يستنفر المسلمين

стр. 6134

على الفرنج، فأكرمه السلطان غياث الدِّين محمد، وخلع عليه، وبعث معه الجيوش الكثيرة لقتال الفرنج (١). وممن توفي فيها من الأعيان: تميم بن المعز بن باديس (٢)، صاحب إفريقية. كان من خيار الملوك خُلُقًا وكرمًا وإحسانًا، ملك ستًا وأربعين سنة، وعُمِّر تسعًا وسبعين سنة، وترك من البنين أزيد من مئة، ومن البنات ستين بنتًا، وملك من بعده ولدُه يحيى. ومن أحسن ما مُدح به الأميرُ تميم قول الشاعر: [من الطويل] (٣): [أَصَحُّ وَأَعْلَى ما سَمِعْنَاهُ في النَّدَى .... مِنَ الخَبَرِ المَرْوي مُنْذُ قَدِيمِ أَحَادِيثُ تَرْويها السُّيُول عَنِ الحيا .... عَنِ البَحْرِ عن كَفِّ الأَميرِ تَمِيمِ] (٤) صدقة (٥) بن منصور بن دُبَيْس بن مَزْيَد الأَسدي الأمير سيف الدولة صاحب الحِلَّة وتكريت وواسط وغيرها من البلاد. كان كريمًا عفيفًا ذا ذِمام، ملجأً لكل خائف، يأمن في بلاده، وكان يقرأ (٦) الكتب المُشَكَّلة ولا يحسن الكتابة، وقد اقتنى كتبًا كثيرة جدًّا نفيسة، وكان لا يتزوج على امرأة قط، ولا يتسرّى على سريَّة حفظًا للذمم، لئلا يكسر قلب أحد، وقد مُدح بأوصاف جميلة كثيرة جدًّا، قتل في بعض الحروب (٧)، قتله غلام اسمه بزغش (٨)، وكان له من العمر تسع وخمسون (٩) سنة، ولي منها الإمارة إحدى وعشرين سنة، ﵀.

стр. 6135

ثم دخلت سنة ثنتين وخمسمئة * في شعبان تزوّج الخليفة المستظهر بالله بالخاتون بنت ملك شاه أخت السلطان محمد؛ على صَداق مئة ألف دينار، ونثر الذهبَ، وكُتِب (١) العقد بأصبهان. * وفيها: كانت حروب كثيرة بين الأتابك طُغْتكين صاحب دمشق وبين الفرنج، لعنهم اللّه. * [وفيها: ملك سعيد بن حُمَيد العمري الحِلَّة السيفية] (٢). * وفيها: زادت دجلة، فغرقت الغلّات، وزاد غلاء الأسعار. * وحجّ بالناس الأمير قيماز. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن العلوي (٣) أبو هاشم، ابن رئيس هَمَذَان. وكان ذا مال جزيل، صادره السلطان بتسعمئة (٤) ألف دينار، فلم يبع فيها عقارًا ولا غيره. الحسين بن علي (٥)، أبو الفواريس، ابن الخازن الكاتب المشهور بالخط المنسوب. كانت وفاته في ذي الحجة منها. قال ابن خلكان: كتب بيده خمسمئة ختمة (٦)، وكانت وفاته فجأةً، رحمه الله تعالى. عبد الواحد بن إسماعيل (٧) بن أحمد بن محمد، أبو المحاسن الرُّوياني (٨):

стр. 6136

من أهل طبرستان، أحد أئمة الشافعية. ولد سنة خمس عشرة وأربعمئة، ورحل إلى الآفاق، حتَّى بلغ ما وراء النهر، وحصّل علومًا جَمَّة، وسمع الحديث الكثير، وصنّف كتبًا في المذهب، من ذلك: "البحر" في الفروع، وهو كتاب حافل شامل للغرائب، وغيرها، وفي المثل: حدِّث عن البحر ولا حرج (١)، وكان يقول: لو احترقت كتب الشافعي أمليتُها من حفظي. قتل ظلمًا يوم الجمعة (٢)، وهو يوم عاشوراء في الجامع من آمل طبرستان. قال ابن خلِّكان (٣): وقد أخذ الفقه عن ناصر المروزي، وعلَّق عنه، وكان للرُّوياني الجاه العظيم والحرمة الوافرة في تلك الديار، وكان نظام الملك كثير التعظيم له، وقد صنَّف في أصول الفقه والفروع، منها: "بحر المذهب"، وكتاب "مَنَاصيص (٤) الإمام الشافعي"، وكتاب "الكافي"، و"حلية المؤمن" (٥)، وله في الخلاف أيضًا رحمه الله تعالى. يحيى بن علي (٦) بن محمد بن الحسن بن بسطام الشيباني التبريزي، أبو زكريا: أحد أئمة اللغة والنحو (٧). قرأ على أبي العلاء المعري وغيره، وتخرّج به جماعة، منهم أبو منصور بن الجواليقي. قال ابن ناصر: وكان ثقة في النقل، وله المصنفات الكثيرة. وقال ابن خيرون: لم يكن مرضيَّ الطريقة. توفي في جمادى الآخرة، ودفن إلى جانب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي (٨) بباب أبرز (٩)، والله أعلم.

стр. 6137

ثم دخلت سنة ثلاث وخمسمئة * فيها: أخذت الفرنج، [لعنهم الله] (١)، مدينة طرابلس، وقتلوا مَنْ فيها من الرجال، وسَبَوْا الحريم والأطفال، وغنموا الأمتعة والأموال، ثم أخذوا مدينة جبيل (٢) بعدها بعشر ليالٍ، [فلا حول ولا قوة إلَّا بالله الكبير المتعال] (٣). وقد هرب منهم فخر الملك بن عمار (٤)، فقصد صاحب دمشق طُغْتكين، فأكرمه، وأقطعه بلادًا كثيرة. * وفيها: وثب (٥) بعض الباطنية على الوزير أبي نصر أحمد (٦) بن نظام الملك [فجرحوه، فأُخذ الجارح فسُقي الخمر، فاعترف] (٧) على جماعة من الباطنية فأُخذوا فقُتلوا. * وحجَّ بالناس الأمير قيماز. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن علي (٨) بن أحمد، أبو بكر العُلْبي (٩). كان يعمل في تجصيص الحيطان، ولا ينقش صورة، ولا يأخذ من أحد شيئًا، وكانت له أملاك يبيع منها ويتقوّت. وقد سمع الحديث من القاضي أبي يعلى، وتفقه عليه بشيء (١٠) من الفقه. وكان إذا حج يزور القبور بمكة، فإذا وصل إلى قبر الشيخ الفُضَيْل (١١) بن عياض يخطّ إلى جانبه خطًّا بعصاه، ويقول:

стр. 6138

يا ربّ هاهنا، فقُدّر أنه حجَّ في هذه السنة، فوقف بعرفات محرِمًا، فتوفي بها في آخر ذلك اليوم، فغُسّل وكُفّن وطيف به حول الكعبة (١)، ثم دفن إلى جانب الفُضَيْل بن عياض، في ذلك المكان الذي كان يخطّه بعصاه. وبلغ الناسَ وفاتُه ببغداد، فاجتمعوا للصلاة عليه صلاة الغائب، حتّى لو مات بين أظهرهم لم يكن عندهم مزيد على ذلك الجمع (٢)، رحمه الله تعالى. عمر بن عبد الكريم (٣) بن سعدويه، أبو الفتيان الدِّهِسْتَاني (٤): رحل في طلب الحديث، ودار الدُّنيا، وخرّج وانتخب، وكان له فهم بهذا الشأن (٥)، وكان ثقة، وقد صحّح عليه أبو حامد الغزالي (٦) "الصحيحين" (٧). وكانت وفاته بسرخس (٨) في هذه السنة. محمد (٩) ويعرف بأخي حماد (١٠). أحد (١١) الصلحاء الكبار. كان به مرض مزمن فرأى النَّبِيّ ﷺ [في المنام] (١٢) فعوفي، فلزم مسجدًا له أربعين سنة، لا يخرج إلّا إلى الجمعة، وانقطع عن مخالطة الناس. وكانت وفاته في هذه السنة، ودفن في زاوية بالقرب من مشهد (١٣) أبي حنيفة.

стр. 6139

ثم دخلت سنة أربع وخمسمئة * في أوائل هذه السنة (١) تجهَّز جماعة [من البغاددة] (٢) من الفقهاء وغيرهم، وفيهم (٣) ابن الزاغوني (٤) للخروج إلى الشام لأجل الجهاد ليقاتلوا (٥) الفرنج، وذلك حين بلغهم أنهم فتحوا مدائن عديدة، من ذلك مدينة صيدا في ربيع الأول، وكذا غيرها من المدائن، ثم رجع (٦) كثير منهم حين بلغهم كثرة الفرنج. * وفيها: قدمت الخاتون بنت ملك شاه زوجة الخليفة إلى بغداد، [مع تجمّل عظيم] (٧)، فنزلت في دار أخيها السلطان محمد، ثم حمل جَهَازها على مئة واثنين وستين جملًا، وسبعة وعشرين بغلًا، وزينت بغداد لقدومها، وكان دخولها على الخليفة في الليلة العاشرة من رمضان، وكانت ليلة مشهودة. * وفي شعبان درّس أبو بكر الشاشي (٨) بالنظامية مع التاجية، وحضر في مجلسه الوزراء والأعيان من الدولة وغيرهم. * وحجّ بالناس الأمير قيماز، ولم يتمكن الخراسانيون من الحج من كثرة العطش وقلة الماء. وممن توفي فيها الأعيان: إدريس بن حمزة (٩)، أبو الحسن الشافعي الرملي العثماني: أحد فحول المناظرين عن مذهب الشافعي، تفقَّه أولًا على نصر بن إبراهيم (١٠)، ثم على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي (١١). ودخل خراسان حتى وصل إلى ما وراء النهر، وأقام بسمرقند، ودرّس بمدرستها إلى أن توفي بها في هذه السنة رحمه اللّه تعالى.

стр. 6140

علي بن محمد (١) بن علي، عماد الدين (٢)، أبو الحسن الطبري، ويعرف بإلْكِيا الهَرَّاسي: أحد الفقهاء الكبار من رؤوس الشافعية. ولد سنة خمسين وأربعمئة. واشتغل على إمام الحرمين (٣)، وكان هو والغزالي أكبر التلامذة، وقد ولي كل منهما تدريس النظامية ببغداد. وكان [أبو الحسن هذا فصيحًا جَهْوَرِيَّ الصوت] (٤) جميلًا. وكان يكرِّر الدرس (٥) على كل مرقاة من مراقي النظامية بنيسابور سبع مرات، وكانت المراقي سبعين مرقاةً. وقد سمع الحديث الكثير، وناظر وأفتى ودرّس، وكان من أكابر العلماء (٦) وسادات الفقهاء. وله كتاب يردّ فيه على ما انفرد به الإمام أحمد بن حنبل في مجلد، وله غيره من المصنفات. ولقد اتُّهِم في وقت بأنه يمالئ الباطنية، فنزع منه التدريس، ثم شهد جماعة من العلماء ببراءته من ذلك، منهم ابن عقيل، فأُعيد إليه. وكانت وفاته (٧) مستهلّ المحرم من هذه السنة عن أربع وخمسين سنة، ودفن إلى جانب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، رحمهما الله. وذكر القاضي ابن خلكان (٨) أنه كان يحفظ الحديث، ويناظر به، وهو القائل: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح طارت رؤوس المقاييس في مهابِّ الرياح. وحكى السِّلفي (٩) عنه أنه استُفتي في كَتَبَةِ الحديث هل يدخلون في الوصية للفقهاء؟ فأجاب: نعم، لقوله ﷺ : "مَنْ حفظَ على أُمّتي أربعين حديثًا بعثَهُ اللّهُ فقيهًا عالمًا" (١٠).

стр. 6141

وأنّه استُفتيَ في يزيد بن معاوية، فذكر عنه ثلبًا (١) وفسقًا وسوَّع (٢) شتمه. وأما الغزالي (٣) فإنه خالف في ذلك، ومنع من شَتْمه ولَعْنِهِ لأنه مسلم، ولم يثبت أنه رضي بقتل الحسين، ولو ثبت لم يكن ذلك مسوّغًا للعنه، لأن القاتل لا يلعن، ولا سيما وباب التوبة مفتوح ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]. قال: وأما الترحُّم عليه فجائز، بل مستحب، بل نحن نترحم عليه في جملة المؤمنين والمسلمين عمومًا في الصلوات (٤)؛ ذكره ابن خلِّكان مبسوطًا بلفظه في ترجمة إلكيا الهرّاسي هذا. قال: وإلكيا معناه كبير القدر والمقدّم المعظّم، رحمه اللّه تعالى. ثم دخلت سنة خمس وخمسمئة * فيها: بعث السلطان غياث الدين محمد جيشًا كثيفًا صحبةَ الأمير مودود بن زنكي (٥) صاحب الموصل، [في جملة أمراء ونواب، منهم] (٦) سكمان (٧) القطبي صاحب تبريز، وأحمديل (٨) صاحب مراغة، والأمير إيلغازي صاحب ماردين، والمُقَدَّم على الجميع الأمير مودود صاحب الموصل، لقتال الفرنج بالشام، فانتزعوا من أيدي الفرنج حصونًا كثيرة، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وللّه الحمد. ولما دخلوا إلى دمشق دخل الأمير مودود إلى جامع بني أمية ليصلي فيه، فجاءه باطني في زي سائل يطلب (٩) منه شيئًا فأعطاه، فلما اقترب منه ضربه في فؤاده، فمات من ساعته، فلعنة اللّه على هذا الباطني. وَوُجد رجلٌ أعمى في سطح الجامع ببغداد، ومعه سكِّين مسمومة، فقيل: إنه كان يريد قتل الخليفة. • وفي هذه السنة ولد للخليفة من بنت السلطان ولد ذَكَر فضربت الدبادب والبوقات، وجلس الوزير بباب الفردوس للهناء (١٠).

стр. 6142

• وفيها: توفي أخو (١) الخليفة، فقطع الطبل أيامًا، وجلس الوزير بباب الفردوس للعزاء، وهكذا الدنيا قرض بوفاء (٢)، هناء بعزاء، وعزاء بهناء. • وفي رمضان عزل الوزير أحمد بن النظام (٣)، وكانت مدة وزارته أربع سنين، وأحد عشر شهرًا (٤). • وفيها: حاصرت الفرنج مدينة صور، وكانت بأيدي المصريين، عليها الأعز بن جهضم (٥)، فقاتلهم قتالًا عظيمًا، ومنعها منعًا جيدًا حتى فني ما عنده من النشَّاب والعُدَد، فأمدّه صاحب دمشق طغتكين وأرسل إليه (٦) العُدَد والآلات، وترحلت عنه الفرنج في شوال من هذه السنة. • وحجّ بالناس أمير الجيوش نظر (٧) الخادم. وكانت سنة مخصبة. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو حامد الغَزَالي (٨): محمد بن محمد بن محمد، أبو حامد الغزالي. ولد سنة خمسين وأربعمئة. وتفقه على إمام الحرمين (٩)، وبرع في علوم كثيرة، وله مصنفات منتشرة في فنون متعددة، وكان من أذكياء العالم في كل ما يتكلّم فيه، وساد في شبيبته، حتى إنّه درّس بالنظامية ببغداد في سنة أربع وثمانين، وله أربع وثلاثون سنة، فحضر عنده رؤوس العلماء [في ذلك الوقت] (١٠)، فكان ممن حضر عنده:

стр. 6143

ابن عقيل (١) وأبو الخطاب (٢)، من رؤوس الحنابلة، فتعجّبوا من فصاحته واطّلاعه (٣). قال ابن الجوزي: وكتبوا كلامه في مصنفاتهم، ثم إنه خرج عن الدنيا بالكليّة، وأقبل على العبادة (٤) وأعمال الآخرة، فكان يرتزق من النسخ، ورحل إلى الشام، فأقام (٥) بدمشق وبيت المقدس مدة ثم إنه صنَّف في هذه المدة كتابه "إحياء علوم الدِّين" وهو كتاب عجيب، يشتمل على علوم كثيرة [من الشرعيات وممزوج بأشياء لطيفة من التصوف وإعمال القلوب، ولكن فيه أحاديث] (٦) كثيرة غرائب ومنكرات، ومنها ما هو موضوع، كما يوجد في غيره من كتب الفروع التي يُستدل بها على الحرام والحلال. فالكتاب الموضوع للرقائق والترهيب والترغيب أسهل أمرًا من غيره في هذا. وقد شنّع عليه أبو الفرج بن الجوزي، ثم ابن الصلاح في ذلك تشنيعًا كثيرًا. وأراد المازِري (٧) أن يحرق كتابه "إحياء علوم الدِّين" وكذلك غيره من المغاربة. وقالوا: هذا كتاب إحياء علوم دينه، وأما ديننا فإحياء علومه كتاب اللّه وسنة رسوله. كما قد حكيت كلامه في ترجمته من "طبقات الشافعية". وقد زيّف ابنُ شُكْرٍ مواضع [في] (٨) إحياء علوم الدين، وبيّن زيفها في مصنف مفيد (٩). وقد كان الغزالي يقول: أنا مُزْجى البضاعة في الحديث. ويقال: إنه مال في آخر عمره إلى سماع الأحاديث والتحفظ للصحيحين. وقد صنَّف ابن الجوزي كتابًا على الإحياء وسماه: "إعلام (١٠) الأحياء بأغاليط الأحياء".

стр. 6144

قال ابن الجوزي (١): ثم ألزمه بعض الوزراء بالخروج إلى نيسابور، فدرّس بنظاميتها، ثم عاد إلى بلده طوس، فأقام بها، وابتنى بها رباطًا، واتخذ دارًا حسنة، وغرس فيها بستانًا أنيقًا. وأقبل على تلاوة القرآن وحفظ الأحاديث الصحاح. وكانت وفاته في يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن بطوس رحمه الله تعالى. وقد كان سأله بعض أصحابه، وهو في السياق (٢)، فقال: أوصني!! فقال: عليك بالإخلاص. ولم يزل يكررها حتى مات، ﵀. ثم دخلت سنة ست وخمسمئة * في جماى الآخرة (٣) جلس ابن الطبري مدرّسًا بالنظامية، وعزل عنها الشاشي (٤). * وفيها: دخل الشيخ الصالح أحد العُبَّاد يوسف بن أيوب (٥) إلى بغداد، فوعظ الناس، وكان له القبول التام (٦)، وكان فقيهًا (٧) شافعيًا، تفقّه بالشيخ أبي إسحاق الشيرازي (٨)، ثم اشتغل بالعبادة والزهادة، وكانت له أحوال صالحة. ماراه مرةً رجلٌ (٩) يقال له: ابنُ السَّقّاء في مسألة. فقال له: اسكت، فإني أجد في كلامك رائحة الكفر، ولعلك أن تموت على غير دين الإسلام، فاتفق بعد مدة (١٠) أن خرج ابنُ السَّقَّاء إلى بلاد الروم في حاجة، فتنصّر هنالك (١١). فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل، على اللّه توكلنا.

стр. 6145

وقام إليه مرةً، وهو (١) يعِظ الناس ابنا أبي بكر الشاشي، [فقالا له: إن كنتَ تتكلم على مذهب الأشعري، وإلا فاسكت، فقال: لا مُتِّعتُما بشبابكما، فماتا شابين] (٢) ولم يبلغا سنَّ الكهولة. • وحجّ بالناس، [في هذه السنة] (٣)، أمير الجيوش نظر (٤) الخادم، ونالهم عطش شديد. وممن توفي فيها من الأعيان: صاعد بن منصور بن إسماعيل بن صاعد، أبو العلاء الخطيب النيسابوري (٥): سمع الحديث الكثير، وولي الخطابة بعد أبيه والتدريس والتذكير. وكان أبو (٦) المعالي الجويني (٧) يثني عليه، وقد ولي قضاء خوارزم. محمد بن موسى بن عبد اللّه، أبو عبد اللّه البَلاسَاغُوني (٨) التركي (٩) الحنفي، ويعرف باللامشي (١٠): أورد عنه ابن عساكر حديثًا، وذكر أنه ولي قضاء بيت المقدس، فشكوا منه، فعزل عنه. ثم ولي قضاء دمشق. وكان غاليًا في مذهب أبي حنيفة، وهو الذي رتّب الإمامة مثنى. قال: إلى أن أزال اللّه ذلك بدولة الملك صلاح الدين. قال: وكان قد عزم على نصب إمام حنفي بالجامع، فامتنع أهل دمشق من ذلك، وامتنعوا من الصلاة خلفه، وصلّوا بأجمعهم في دار الخيل، وهي التي قبلي الجامع، مكان المدرسة الأمينية وما يجاورها، وحدّها الطرقات الأربعة. وكان يقول: لو كانت لي ولاية لأخذت من الشافعية (١١) الجزية، وكان مبغضًا لأصحاب مالك أيضًا. قال: ولم تكن سيرته في القضاء محمودة.

стр. 6146

وكانت وفاته يوم الجمعة الثالث عشر من جمادى الآخرة سنة ست وخمسمئة، وقد شهدتُ جنازته وأنا صغير في الجامع (١). المعمَّر [بن عليّ] (٢) بن المعمَّر، أبو سعد بن أبي عمامة (٣) الواعظ (٤): كان فصيحًا بليغًا ماجنًا ظريفًا ذكيًا. له كلمات في الوعظ حسنة، ورسائل مسموعة مستحسنة. توفي في ربيع الأول [من هذه السنة] (٥)، ودفن بباب حرب (٦). أبو علي المغربي (٧): كان زاهدًا عابدًا، وربما (٨) يتقوّت بأدنى شيء، ثم عنّ له أن يشتغل بعلم الكيمياء، فأُخذ إلى دار الخلافة، فلم يظهر له خبر بعد ذلك. نزهة، أم والد الخليفة المستظهر بالله (٩): وكانت سوداء محتشمة كريمة النفس. توفيت يوم الجمعة ثاني شوال من هذه السنة (١٠).

стр. 6147

ثم دخلت سنة سبع وخمسمئة * فيها: كانت وقعة عظيمة بين المسلمين والفرنج في أرض طبرية، كان فيها ملك دمشق الأتابك طُغْتِكين (١)، وفي خدمته (٢) صاحب سنجار، وصاحب ماردين، وصاحب الموصل، فهزموا الفرنج هزيمة فاضحة، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وغنموا منهم أموالًا جزيلة، وملكوا تلك النواحي [كلها، ولله الحمد والمنة] (٣) ثم رجعوا إلى دمشق. فذكر ابن الساعي في "تاريخه" مقتل الملك مودود صاحب الموصل في هذه السنة؛ قال: صلّى هو والأتابك (٤) طغتكين يوم الجمعة بالجامع، ثم خرجا إلى الصحن، ويد كل واحد منهما في يد الآخر، فطفز (٥) باطني على مودود فقتله، ﵀، ويقال: إن طغتكين هو الذي كان قد مالأ (٦) عليه، فالله أعلم. وجاء في كتاب من الفرنج إلى المسلمين وفيه: إنَّ أمةً قتلت عميدها (٧) في يوم عيدها في بيت معبودها، فحقيق على الله أن يبيدها. • وفيها: ملك حلب ألب أرسلان بن رضوان بن تُتُش بعد أبيه وقام بأمر السلطنة (٨) بين يديه (٩) لؤلؤ الخادم، فلم يبق معه سوى الرسم. • وفيها: فُتح المارستان الذي ابتناه (١٠) كمشتكين الخادم ببغداد. • وحج بالناس زنكي بن برسق (١١).

стр. 6148

وممن توفي فيها من الأعيان: إسماعيل بن الحافظ أبي بكر أحمد (١) بن الحسين البيهقيّ (٢): سمع الكثير وتنقّل في البلاد، ودرّس بمدينة خوارزم. وكان فاضلًا من أهل الحديث، مرضيَّ الطريقة. وكانت وفاته ببلدة بيهق في هذه السنة. شجاع بن أبي شجاع فارس بن الحسين بن فارس، أبو غالب الذهلي الحافظ (٣): سمع الحديث (٤) الكثير، وكان فاضلًا في هذا الشأن، شرع في تتميم التاريخ للخطيب، ثم غسله. وكان يكثر من الاستغفار والتوبة، لأنه كتب شعر ابن الحجاج سبع مرّات. توفي في هذا العام عن سبع وسبعين سنة. محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن الحسين بن منصور بن معاوية بن محمد بن عثمان بن عُتْبَة بن عَنْبَسَة بن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب الأُموي، أبو المظفر بن أبي العباس الأَبِيوَرْدِي (٥) الشاعر: وكان عالمًا باللغة والأنساب. وسمع الكثير. وصنف "تاريخ أبيورد"، و "أنساب العرب". وله كتاب في المؤتلف والمختلف، وغير ذلك. وكان ينسب إلى الكِبْر والتِّيه الزائد، حتى إنه (٦) كان يدعو في صلاته فيقول (٧): اللَّهُمَّ ملِّكْني مشارق الأرض ومغاربها. وكتب مرة إلى الخليفة: "الخادم المعاوي" فكشط الخليفة الميم فبقيت: "العاوي". ومن شعر (٨) [من الطويل]:

стр. 6149

تنكَّرَ لي دَهْري وَلَمْ يَدْرِ أَنَّني … أَعزُّ وَأَحْداثُ الزَّمانِ تَهُونُ وَظَلَّ يُريني الدَّهْرُ كَيْفَ اعْتِداؤُه (١) .... وَبِتُّ أُريهِ الصَّبْرَ كَيْفَ يَكُونُ محمد بن طاهر (٢) بن علي بن أحمد، أبو الفضل المقدسي (٣) الحافظ: ولد سنة ثمانٍ وأربعين وأربعمئة. وأول سماعه سنة ستين. وسافر في طلب الحديث إلى بلاد كثيرة، وسمع كثيرًا. وكانت (٤) له معرفة جيدة بهذه الصناعة. وصنّف كتبًا مفيدة، غير أنه صنف كتابًا في إباحة السماع، وفي التصوف، وساق (٥) فيه أحاديث منكرة جدًّا، وأورد أحاديث صحيحة في غير (٦). وقد أثنى على حفظه غير واحد من الأئمة. وذكر ابن الجوزي (٧) هذا الذي سمَّاه (صفة التصوّف) وقال: يضحك منه مَنْ رآه. قال: وكان داووديَّ المذهب، فمن أثنى عليه فلأجل (٨) حفظه للحديث، وإلَّا فما يُجَرَّح (٩) به أولى. قال: وذكره أبو سعد السمعاني، وانتصر له بغير حجة، بعد أن قال: سألت عنه شيخنا إسماعيل بن أحمد الطلحي (١٠) فأساء (١١) الثناء عليه، وكان يسي (١٢) الرأي فيه. قال: وسمعنا أبا الفضل بن ناصر (١٣) يقول: محمد بن طاهر لا يحتج به، صنف في جواز

стр. 6150

النظر للأمرد. وكان يذهب مذهب الإباحية (١). ثم أورد له من شعره قوله: [من البسيط] دَعِ التَّصَوُّفَ والزُّهْدَ الذي اشْتَغَلَتْ … به جَوارحُ (٢) أَقْوَامٍ مِنَ النَّاسِ وَعُجْ عَلَى دَيْرِ دَارَتا فإنَّ بهِ ...... الرُّهْبَانَ ما بين قِسِّيسٍ وشَمّاسِ وَاشْرَبْ مُعَتَّقَةً مِنْ كَفِّ كافِرَةٍ … تَسْقِيكَ خَمْرَيْنِ من لَحْظٍ ومن كاسِ ثُمَّ اسْتَمعْ رَنَّةَ الأَوْتَارِ مِنْ رَشأٍ .... مُهَفْهَفٍ طَرْفُهُ أَمْضَى مِنَ الماسِ غَنَّى بشعر امرئَ في النَّاسِ مُشْتَهِرِ … مُدَوَّنٍ عِنْدَهُم فِي صَدْرِ قِرْطاسِ (لَوْلَا نَسِيمٌ بَدَا مِنْكُمْ يُرَوِّحُنِي … لكُنْتُ مُحْتَرِقًا (٣) مِنْ حَرِّ أَنْفَاسي) ثم قال السمعاني: لعله قد تاب عن هذا كله. قال ابن الجوزي: وهذا غير مرضي أن يذكر جرح الأئمة فيه ثم يعتذر عن ذلك باحتمال توبته (٤). وذكر ابن الجوزي: أنه لما احتُضِر جعل يردّد هذا البيت ويقول (٥): [من المتقارب] وَمَا كُنْتُمُ تَعْرِفُونَ الجَفَا … فَمِمَّنْ تُرى قَدْ تَعَلَّمْتُمُ ثم كانت وفاته بالجانب الغربي من بغداد [في ربيع الأول] (٦) من هذه السنة. أبو بكر الشاشي (٧) صاحب المستظهري محمد بن أحمد بن الحسين بن [عمر، أبو بكر] (٨) الشاشي: أحد أئمة الشافعية في زمانه. ولد في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمئة. وسمع الحديث على أبي يعلى بن الفراء، وأبي بكر الخطيب، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وتفقه عليه وعلى غيره، وقرأ "الشامل" على مصنفه ابن الصباغ (٩)، واختصره في كتابه الذي جمعه للمستظهر بالله، وسماه (حلية

стр. 6151

العلماء بمعرفة مذاهب الفقهاء) ويعرف بالمستظهري. وقد درّس بالنظامية (١) ببغداد، ثم عزل عنها. وكان ينشد: [من الوافر] تَعَلَّمْ يا فَتَى والعُودُ غَضٌّ … وطِينُكَ لَيّنٌ والطَّبْعُ قابِلْ فَحَسْبُكَ يا فَتىً شَرَفًا وَفَخْرًا … سُكُوتُ الحَاضِرينَ وأَنْتَ قَائِلْ توفي سَحَرَ يوم السبت الحادي عشر من شوال من هذه السنة، ودفن إلى جانب الشيخ أبي إسحاق بباب أبرز. المؤتمن بن أحمد بن علي بن الحسين بن عُبيد اللّه، أبو نصر الساجي المقدسي (٢): سمع الحديث الكثير، وخرّج، وكان ثقة (٣) صحيح النقل، حسن الخطّ، مشكور السيرة، لطيف (٤) النفس. اشتغل في الفقه على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي مدة، ورحل إلى أصبهان وغيره [من البلاد] (٥)، وهو معدود من جملة الحفّاظ، ولا سيما المتون. وقد تكلّم فيه محمد بن طاهر. قال ابن الجوزي (٦): وهو أحق منه بذلك، وأين الثُّريَّا من الثَّرى. وكانت وفاة (٧) المؤتمن يوم السبت ثامن (٨) عشر صفر [من هذه السنة] (٩)، ودفن بباب حرب.

стр. 6152

ثم دخلت سنة ثمانٍ وخمسمئة فيها: وقع حريق عظيم ببغداد. وفيها (١): كانت زلزلة هائلة بأرض الجزيرة، سقط (٢) منها ثلاثة عشر برجًا من الرُّها (٣)، وبعض سور حرّان (٤)، ودور كثيرة في بلاد شتى، فهلك من أهلها نحوٌ من مئة ألف، ومن بالس (٥) نحوٌ من مئة دار، وقلب بنصف قلعتها، وسلم نصفها. وخسف بمدينة سُمَيْساط (٦)، وهلك تحت الردم خلق كثير، [فإنّا لله وإنّا إليه راجعون] (٧). وفيها: قتل (٨) صاحب حلب تاج الدولة أَلْب أَرْسلان (٩) بن رضوان بن تُتُش، قتله غلمانه، وقام من بعده أخوه سلطان شاه بن رضوان. وفيها: ملك السلطان سنجر بن ملكشاه بلاد غَزْنَة (١٠)، وخطب له فيها بعد مقاتلة عظيمة وأخذ منها أموالًا كثيرة، لم يُرَ مثلُها، من ذلك: خمسة تيجان، قيمة كل تاج منها ألف ألفِ دينار، وسبعة عشر سريرًا من ذهب وفضة، وألف وثلاثمئة قطعة مصاغ مرصعة. فأقام بها أربعين يومًا، وقُرِّر في ملكها بَهْرام شاه رجل من بيت بني سُبُكْتِكين، ولم يُخْطَب بغزنة قبل السلطان سنجر من السلجوقية لأحد، [وإنما كان لها ملوك سادة أهل جهاد وسنة، لا يجسر أحد من الملوك عليهم، ولا يطيق أحد مقاومتهم، وهم بنو سُبُكْتِكين] (١١).

стр. 6153

وفيها: ولي السلطان محمد للأمير آقسُنْقُر البُرْسُقي (١) الموصل وأعمالَها، وأمره بمقاتلة الفرنج، فقاتلهم في أواخر هذه السنة، فأخذ منهم الرُّها وخرّبها (٢) وسَرُوج (٣) وسُمَيْسَاط ونهب مَارِدِين (٤)، وأسر ابن ملكها إياز إيلغازي. فأرسل السلطان محمد إليه [مَنْ يتهدّده، ففرّ منه إلى طُغْتِكين صاحب دمشق، واتفقا على عصيان السلطان محمد] (٥)، فجرت بينهما وبين نائب حمص قراخان (٦) بن قراجة حروب (٧) كثيرة ثم اصطلحوا. وفيها: ملكت زوجة [صاحب] (٨) مَرْعَش (٩) الإفرنجية بعد وفاة زوجها، لعنهما الله. وحجَّ بالناس فيها أمير الجيوش أبو الخير يُمْن الخادم، وشكر الناس حجَّهم معه. ثم دخلت سنة تسع وخمسمئة فيها: جهَّز السلطان غياث الدين محمد [بن ملكشاه] (١٠) صاحب العراق جيشًا كثيفًا مع الأمير بُرْسُق [بن بُرْسُق] (١١) إلى إيلغازي صاحب ماردين، وإلى طُغْتِكِين صاحب دمشق (١٢)، ليقاتلهما على عصيان (١٣) السلطان وقطع خُطبته، وإذا فرغ من ذلك صمد (١٤) لقتال الفرنج. فلما اقترب الجيش من بلاد الشام هرب صاحب ماردين وصاحب دمشق وتحيزا إلى الفرنج، وجاء الأمير بُرْسُق إلى كَفَرْطاب ففتحها عَنوة، وأخذ ما كان فيها من النساء والذرية.

стр. 6154

وجاء صاحب أنْطاكية (١) في خمسمئة فارس وألفي راجل، فكبس المسلمين، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وأخذ أموالًا كثيرة (٢) جزيلة. وهرب بُرْسُق في طائفة قليلة (٣) من الناس، وتمزّق الجيش الذي كان معه شذَر مذَر، فإنا للّه وإنا إليه راجعون. وفي ذي القَعدة منها قدم [الملك غياث الدين] (٤) محمد إلى بغداد، وجاء إليه طُغْتكين صاحب دمشق معتذرًا إليه، فخلع علية (٥)، ورضي عنه، ورده إلى عمله. وممن توفي فيها من الأعيان: إسماعيل بن محمد بن أحمد بن مَلَّة (٦)، أبو عثمان الأصبهاني (٧): أحد الرَّحَّالين في طلب الحديث. وقد وعظ في جامع المنصور ثلاثين مجلسًا. واستملى عليه محمد بن ناصر. توفي بأصبهان. مُنْجِب بن عبد اللّه المستظهري (٨)، أبو الحسن الخادم: كان كثير الصلاح والعبادة. وقد أثنى عليه محمد بن ناصر، وقال: وقف على أصحاب الحديث [كتبًا منها مسند الإمام أحمد بن حنبل] (٩). هبة (١٠) اللّه بن المبارك بن موسى، أبو البركات السَّقَطي (١١): سمع الكثير، ورحل فيه (١٢)، وكان فاضلًا عارفًا باللغة. ودفن بباب حرب.

стр. 6155

يحيى بن تميم (١) بن المُعِزّ بن باديس، صاحب إفريقية: كان من خيار الملوك، عارفًا، حسن السيرة، محبًّا للفقراء والعلماء، له عليهم (٢) أرزاق. وكان عمره ثنتين وخمسين سنة (٣). وترك ثلاثين ولدًا. وقام بالأمر من بعده ولده علي رحمه اللّه تعالى آمين. ثم دخلت سنة عشر وخمسمئة فيها: وقع حريق عظيم (٤) ببغداد، احترقت فيه دور كثيرة، منها دار نور الهدى الزَّينبي (٥) ورباط بِهْروز (٦) ودار الكتب النظامية، وسلمت الكتب لأن الفقهاء نقلوها. وفيها: قتل صاحب مَراغة في مجلس السلطان محمد، قتلته الباطنية. وفي يوم عاشوراء وقعت فتنة عظيمة بين الروافض والسنة بمشهد علي بن موسى الرضا بمدينة طوس، فقتل فيها خلق كثير. وفيها: سار السلطان إلى فارس بعد موت نائبها، خوفًا عليها من صاحب كَرْمان. وحج بالناس أمير الجيوش أبو الحسن نظر الخادم، وكانت سنة مخصبة آمنة، ولله الحمد. وممن توفي فيها من الأعيان: البغوي (٧) المفسّر (٨) المحدّث الفقيه: وقيل: في سنة ست عشرة، كما سيأتي، والله أعلم.

стр. 6156

علي بن أحمد بن محمد (١) بن بَيَان (٢) الرَّزاز (٣): آخر من حدث عن ابن مَخْلد بجزء (٤) الحسن بن عرفة، وتفرّد بأشياء غيره أيضًا. وتوفي في هذه السنة عن سبع وتسعين سنة. عقيل بن الإمام أبي الوفاء علي (٥) بن عقيل الحنبلي (٦): كان شابًا قد برع وحفظ القرآن، وكتب مليحًا، وفهم المعاني جيدًا، ولما توفي تصبَّر أبوه (٧) عليه وتشكَّر، وأظهر التجلد، فقرأ قارئ في العزاء: ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ [يوسف: ٧٨] الآية، فبكى ابن عقيل بكاءً شديدًا. محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار، أبو بكر السمعاني (٨): سمع الحديث (٩)، وحدّث، ووعظ بالنظامية ببغداد، وأملى بمرو مئة وأربعين مجلسًا. وكانت له معرفة تامة بالحديث. وكان أديبًا شاعرًا فاضلًا، له قبول عظيم. توفي بمرو عن ثلاث وأربعين سنة. محمد بن علي بن محمد، أبو بكر النَّسوي الفقيه الشافعي (١٠): سمع الحديث، وكانت إليه تزكية الشهود ببغداد. وكان فاضلًا دينًا ورعًا. محمد بن أحمد بن طاهر بن حَمْد (١١) أبو منصور (١٢) الخازن (١٣): فقيه الإمامية ومفتيهم بالكرخ، وقد سمع الحديث من التنوخي وابن غيلان. وكانت وفاته في رمضان.

стр. 6157

محفوظ بن أحمد بن الحسن، أبو الخطاب الكَلوذَاني (١): أحد أئمة الحنابلة ومصنفيهم. سمع الكثير. وتفقه بالقاضي أبي يعلى. وقرأ الفرائض على الوَنّي (٢). ودرّس وأفتى وناظر، وصنف في الأصول والفروع. وله شعر حسن. وجمع قصيدة (٣) يذكر فيها اعتقاده ومذهبه يقول فيها: [من الكامل] دع عَنْكَ تَذْكَارَ الخَلِيطِ المُنْجِدِ .... وَالشَّوْقَ نَحْوَ الآنِساتِ الخُرَّدِ وَالنَّوْحَ في تَذْكارِ (٤) سُعْدَى إنَّما … تَذْكارُ سُعْدَى شُغْلُ مَنْ لَمْ يَسْعَدِ وَاسمَعْ مَقَالي إنْ أَرَدْتَ تَخَلُّصًا .... يَوْمَ الحِسابِ وَخُذْ بَهَدْيِي (٥) تَهْتَدِ وذكر تمامها (٦)، وهي طويلة. وكانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة عن ثمان وسبعين سنة، وصُلي عليه بجامع القصر وجامع المنصور ودفن بالقرب من الإمام أحمد (٧). ثم دخلت سنة إحدى عشرة وخمسمئة وفي رابع عشر (٨) صفر منها انكسف القمر كسوفًا كليًا. وفي تلك الليلة هجم الفرنج على أرضي (٩) حماة، فقتلوا خلقًا كثيرًا، ورجعوا - لعنهم اللّه - إلى بلادهم (١٠). وفيها: كانت زلزلة عظيمة ببغداد سقطت منها دور كثيرة بالجانب الغربي، وغلت الغلّات ببغداد في هذه السنة جدًّا.

стр. 6158

وفيها: قُتل لؤلؤ (١) الخادم الذي كان قد استحوذ على مملكة حلب، بعد موت أستاذه رضوان بن تُتُش، قتله جماعة من الأتراك، وكان قد خرج من حلب متوجهًا إلى جَعْبَر، فتنادى جماعة من مماليكه وغيرهم في أثناء الطريق: أرنب أرنب، فرموه بالسهام (٢)، موهمين أنهم يصيدون أرنبًا (٣)، فقتلوه. وفيها: كانت وفاة السلطان غياث الدين (٤) محمد بن ملكشاه بن أَلْب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق ملك بلاد العراق وخراسان وغير ذلك من البلاد الشاسعة والأقاليم الواسعة، وكان من خيار الملوك، وأحسنهم سيرة، عادلًا رحيم القلب، سهل الأخلاق، محمود العشرة، ﵀. لما حضرته الوفاة استدعى ولده محمودًا، وضمّه إليه، وبكى كل منهما، ثم أمره بالجلوس على سرير المملكة، وعمره [إذ ذاك] (٥) أربع عشرة سنة، فجلس وعليه التاج والسواران، وحكم. ولما توفي أبوه صرف الخزائن إلى العساكر، وكان فيها أحد عشر (٦) ألف ألف دينار. واستقر المُلْكُ له (٧)، وخُطب له ببغداد وغيرها من البلاد، [وقد كان عمر أبيه السلطان محمد تسعا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وأيامًا، وقد كان يُخطب له ببغداد عدة مرات، ونازعه أخوه بَرْكَيَارُوق ثم استقر المُلْك له إلى هذه السنة ﵀ وأكرم مثواه] (٨). وفيها: ولد (٩) الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بن آقْسنقر، صاحب حلب ودمشق. وممن توفي فيها من الأعيان: القاضي المرتضى (١٠): أبو محمد عبد الله بن القاسم بن المظفر بن علي بن القاسم الشَّهْرزوري والد القاضي جمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري قاضي دمشق، إمام نور الدين. اشتغل ببغداد، وتفقّه بها. وكان شافعيَّ المذهب بارعًا ديّنًا أديبًا، حسن النظم. ثم عاد إلى بلده،

стр. 6159

فكان يعظ، ويتكلم على القلوب. وله قصيدة بارعة في علم التصوف، أوردها (١) القاضي ابن خلكان بتمامها لحسنها وفصاحتها، وأولها (٢): [من الخفيف] لمعت نارهم وقد عسعس الليـ … ـل وملَّ (٣) الحادي وحار الدليل فتأمَّلتها وفكري من البيـ … ـن عليل ولحظ عيني كليل وفؤادي ذاك الفؤاد المعنّى … وغرامي ذاك الغرام الدَّخيل ومن شعره (٤): [من السريع] يا ليل ما إن جئتكم زائرًا … إِلَّا وجدت الأرض تُطوى لي ولا ثنيت (٥) العزم عن بابكم … إِلَّا تعثَّرت (٦) بأذيالي ومن شعره [ذو بيت]: يا قلب إلام لا يفيد النصح … دع مزحك كم جنى عليك المزح ما جارحة منك غذاها جرح ..... ما تشعر بالخمار حتى تصحو كانت وفاته في هذه السنة. قال ابن خلكان (٧): وزعم العماد في الخريدة (٨) أنه توفي بعد العشرين، فاللّه أعلم (٩). محمد بن سعيد بن نبهان، أبو علي الكاتب (١٠): سمع الحديث، وروى. وعُمِّر مئة سنة، وتغيّر قبل موته. وله شعر حسن، فمن ذلك قوله في قصيدة (١١): [من السريع]

стр. 6160

لي أجل قدّره الله … نِعَم ورزقٌ أتوقَّاه حتى إذا استوفيت منه الذي … قد تم لي لا أتعدّاه قال كرام كنت أغشاهم … في مجلس قد (١) كنت أغشاه صار ابن نبهان إلى ربه … يرحمنا الله وإياه أمير الحاج يُمْن بن عبد الله، أبو الخير المستظهري (٢): كان جوادًا كريمًا مُمَدَّحًا ذا رأي وفطنة (٣) ثاقبة، وقد سمع الحديث من أبي عبد الله الحسين بن طلحة النعالي بإفادة أبي نصر الأصبهاني. وكان يؤمُّ به في الصلوات. ولما قدم رسولًا إلى أصبهان حدث بها. واتفقت (٤) وفاته في ربيع الآخر من هذه السنة. ودفن هناك رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة ثنتى عشرة وخمسمئة فيها: خُطب للسلطان محمود بن محمد بن ملكشاه بأمر الخليفة المستظهر بالله. وفيها: سأل دُبَيْس بن صدقة بن منصور الأسدي من السلطان محمود أن يردّه إلى الحِلَّة وغيرها مما كان أبوه يتولاه من (٥) الأعمال، فأجابه إلى ذلك، [وولَّاه ما كان أبوه يتولاه من ذلك] (٦)، فعظم وارتفع شأنه. وفاة الخليفة المستظهر باللّه وهو أبو العباس أحمد بن [أمير المؤمنين] (٧) المقتدي بأمر الله. وكان خيرًا فاضلًا ذكيًا بارعًا، كتب الخط المنسوب. وكانت أيامه ببغداد كأنها الأعياد، وكان راغبًا في البر والخيرات، مسارعًا إلى ذلك، لا يردّ سائلًا. وكان جميل المعاشر (٨)، لا يصغي إلى أقوال الوشاة في الناس، ولا يثق بالمباشرين.

стр. 6161

قد ضبط أمور الخلافة جيدًا وأحكمها وعرفها وعلمها، ولديه علم كثير وفضل كبير. وله شعر حسن، قد ذكرناه أولًا عند ذكر خلافته (١) بعد والده. وقد ولي غسله الإمام ابن عقيل (٢) وابن السَّيبي (٣)، وصلى عليه ولده أبو منصور الفضل، وكبَّر أربعًا، ودفن في حجرة كان يسكنها. ومن العجب أنه لما مات السلطان ألب أرسلان مات بعده الخليفة القائم بأمر الله. ثم لما مات السلطان ملكشاه توفي بعده الخليفة المقتدي بأمر الله. ولما مات السلطان محمد مات بعده الخليفة المستظهر [بالله، ﵏. وكانت وفاة المستظهر باللّه] (٤) في سادسَ عشر ربيع الآخر (٥) من هذه السنة، وله من العمر إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يومًا. خلافة المسترشد (٦) باللّه أمير المؤمنين، أبو منصور الفضل بن المستظهر. لما توفي أبوه، كما ذكرنا، بويع له بالخلافة، وخُطب له على المنابر. وقد كان ولي العهد من مدة ثلاث وعشرين سنة. وكان الذي أخذ البيعة له قاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني (٧). ولما استقرّت البيعة للمسترشد (٨) هرب أخوه أبو الحسن في سفينة، ومعه ثلاثة أنفار، وقصد دُبَيْس بن صدقة بن منصور بن دُبَيس بن علي بن مَزْيَد الأسدي بالحلّة، فأكرمه وأحسن إليه، فقلق أخوه الخليفة المسترشد باللّه (٩) [من ذلك، فراسل دُبَيْسًا في] (١٠) ذلك مع نقيب النقباء الزَّينبي، فهرب أخو الخليفة من دُبَيْس، فأرسل إليه جيشًا فألجؤوه إلى البرِّيّة فلحقه عطش شديد، فلقيه بدويّان، فسقياه ماءٍ، وحملاه إلى بغداد، فأحضره أخوه إليه، فاعتنقا وتباكيا، وأنزله الخليفة دارًا كان يسكنها قبل الخلافة،

стр. 6162

وأحسن إليه، وطيّب نفسه. وكانت مدة غيبته عن بغداد أحد (١) عشر شهرًا. واستقرّت الخلافة بلا منازعة للمسترشد. [وفي هذه السنة] (٢) كان غلاءٌ شديد ببغداد، وانقطع الغيث، وعدمت الأقوات، وتفاقم أمر العيّارين ببغداد، ونهبوا الدور (٣) نهارًا جهارًا. ولم يستطع الشرط (٤) لذلك تغييرًا ولا إنكارًا (٥). وحج بالناس في هذه السنة نَظَر الخادم. وممن توفي فيها من الأعيان: الإمام (٦) الخليفة المستظهر (٧) باللّه [أبو العباس أحمد] (٨): كما تقدم ذكر ذلك آنفًا في هذا العام. [أُرْجوان الأرمنية] (٩): وتوفيت بعده جدته أم أبيه المقتدي بأمر الله أُرْجُوان الأرمنية، وتدعى قرة العين. وكان لها بِرٌّ كثير، ومعروف، وصدقات. وقد حجت ثلاث حجات، أدركت خلافة ابنها المقتدي بأمر الله، وخلافة ابنها المستظهر، وخلافة ابنه المسترشد، ورأت للمسترشد ولدًا. وكانت وفاتها في هذه السنة، رحمها الله تعالى. بكر ين محمد بن علي بن الفضل، أبو الفضل الأنصاري (١٠): روى الحديث. وكان يضرب به المثل في حفظ مذهب أبي حنيفة. وكان قد تفقه على عبد العزيز بن أحمد (١١) الحَلْوائي (١٢)، وكان يذكر الدرس (١٣) في أي موضع سُئل من غير مطالعة ولا مراجعة، وربما

стр. 6163

كان في ابتداء طلبه يكرر على المسألة أربعمئة مرة. [وكانت وفاته] (١) في شعبان من هذه السنة. الحسين بن محمد بن علي بن الحَسَن (٢) بن محمد، بن عبد الوهاب الزَّينبي (٣): قرأ القرآن، وسمع الحديث، وتفقه على أبي عبد الله بن الدامغاني، فبرع وأفتى ودرّس بمشهد أبي حنيفة، ونظر في أوقافها، وانتهت إليه رئاسة مذهب أبي حنيفة، ولقبه نور الهدى، وسار في الرَّسِيلة إلى الملوك. وولي نقابة [الطالبيين والعباسيين، ثم استعفى بعد شهور، فولي أخوه طِرَادٌ نقابة] (٤) العباسيين. وكانت وفاته في يوم الإثنين الحادي عشر من صفر، وله من العمر ثنتان وتسعون سنة، وصلَّى عليه ابنُه أبو القاسم علي. وحضرت جنازته (٥) الأعيانُ والعلماءُ، ودفن عند قبر أبي حنيفة، داخل القبة، ﵀. يوسف بن أحمد (٦)، أبو طاهر، ويعرف بابن الخرزي (٧): صاحب المخزن في أيام المستظهر، وكان لا يوفّي المسترشد حقّه من التعظيم، وهو ولي عهد، فلما صارت إليه الخلافة صادره بمئة ألف دينار، ثم استقرَّ (٨) غلامًا له فأومأ إلى بيت، فوجد فيه أربعمئة ألف دينار، فأخذها الخليفة ثم كانت وفاته بعد هذا بقليل في هذا العام. أبو الفضل بن الخازن (٩): كان أديبًا لطيفًا، شاعرًا فاضلًا، فمن شعره (١٠) قوله: وافَيْتُ مَنْزِلَهُ فَلَمْ أَرَ حَاجِبًا (١١) إلا تَلَقّاني بوَجْهٍ ضاحِكِ والبِشْرُ فِي وَجْهِ الغُلامِ نَتيجةٌ … لمُقَدِّماتِ ضِياءِ (١٢) وَجْهِ المالِكِ ودَخَلْتُ جَنَّتَه، وزُرْتُ جحيمَه … فَشَكَرْتُ رِضْوانًا، ورَأْفَةَ مالكِ

стр. 6164

ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وخمسمئة فيها: كانت الحروب (١) الشديدة بين السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه وبين عمه السلطان سَنْجَر بن ملكشاه. وكان النصر فيها لسَنْجَر، فخُطب له ببغداد في سادس عشر جمادى الأولى من هذه السنة. وقُطعت خبطة [السلطان محمود ثم وقع الصلح بينهما] ورسم السلطان سَنْجَر أن يُخطب (٢) لابن أخيه محمود (٣) في سائر أعماله بعده (٤). وفيها: سارت الفرنج إلى مدينة حلب ففتحوها عنوة وملكوها، [وقتلوا من أهلها خلقًا] (٥)، فسار إليهم صاحب ماردين إيلغازي بن أُرْتُق في جيش كثيف (٦)، فهزمهم عنها، ولحقهم إلى جبل قد تحصّنوا فيه فقتلهم هنالك (٧) مقتلة عظيمة، وللّه الحمد والمنة، ولم (٨) يفلت منهم إلا اليسير، وأسر من مُقدَّميهم نيّفًا (٩) وسبعين (١٠) رجلًا. وقتل فيمن قتل سرجال صاحب (١١) أنطاكية، وحمل رأسه، لعنه الله، فقال بعض الشعراء في ذلك، وقد بالغ مبالغة فاحشة: [من الكامل] قُلْ ما تشاءُ فَقَوْلُكَ المَقْبولُ … وَعَلَيْكَ بَعْدَ الخَالِقِ التَّعْوِيلُ وَاسْتَبْشَرَ القُرْآنُ حِينَ نَصَرْتَهُ … وَبَكَى لِفَقْدِ رِجالِهِ الإِنْجِيلُ (١٢) وفيها: قتل الأمير منكوبرس شحنة بغداد، وكان ظالمًا غاشمًا، سيّء السيرة، قتله الملك محمود بن محمد بن ملكشاه صبرًا بين يديه لأمور (١٣)؛ منها: أنه تزوج سرية لأبيه قبل انقضاء عدتها، ونعم

стр. 6165

ما فعل، وقد أراح الله المسلمين منه قبحه الله، فما كان أظلمه وأغشمه. وفيها: تولّى قضاء قضاة بغداد الأكمل أبو القاسم علي بن أبي طالب الحسين بن محمد الزَّينبي وخلع عليه بعد موت أبي الحسن الدامغاني وستأتي ترجمته (١). [وفيها: ظهر قبر الخليل إبراهيم، وقبر إسحاق ويعقوب، ﵈، وشاهد ذلك الناس] (٢)، ولم تَبْلَ أجسادهم، وعندهم قناديلُ من ذهب وفضة. ذكر ذلك ابن الخازن في "تاريخه" وأظنه نقله من "المنتظم" (٣) لابن الجوزي، والله أعلم بالصواب. وممن توفي فيها من الأعيان: ابن عَقِيل (٤): علي بن عَفِيل بن محمد بن عَقِيل، أبو الوفاء، شيخ الحنابلة ببغداد، صاحب "الفنون" (٥) وغيره من التصانيف المفيدة. ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمئة. وقرأ القراءات (٦) على ابن شيطا. سمع الحديث الكثير. وتفقه بالقاضي أبي يعلى بن الفراء. وقرأ الأدب على ابن برهان (٧)، والفرائض على عبد الملك الهمذاني، والوعظ على أبي طاهر بن العلاف، صاحب ابن سمعون، والأصول على أبي الوليد المعتزلي. وكان يجتمع بجميع العلماء من كل مذهب، وربما لامه بعض أصحابه، فلا يلوي عليهم، فلهذا برز على أقرانه، وبذّ أهل زمانه في فنون كثيرة، مع صيانة وديانة وحسن مروءة، وكثرة اشتغال. وقد وعظ في بعض الأحيان، فوقعت فتنة فترك ذلك، [وقد متعه الله] (٨) بجميع حواسه، إلى حين موته. [وكانت
следующие страницы →