← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

قد ضبط أمور الخلافة جيدًا وأحكمها وعرفها وعلمها، ولديه علم كثير وفضل كبير. وله شعر حسن، قد ذكرناه أولًا عند ذكر خلافته (١) بعد والده. وقد ولي غسله الإمام ابن عقيل (٢) وابن السَّيبي (٣)، وصلى عليه ولده أبو منصور الفضل، وكبَّر أربعًا، ودفن في حجرة كان يسكنها. ومن العجب أنه لما مات السلطان ألب أرسلان مات بعده الخليفة القائم بأمر الله. ثم لما مات السلطان ملكشاه توفي بعده الخليفة المقتدي بأمر الله. ولما مات السلطان محمد مات بعده الخليفة المستظهر [بالله، ﵏. وكانت وفاة المستظهر باللّه] (٤) في سادسَ عشر ربيع الآخر (٥) من هذه السنة، وله من العمر إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يومًا. خلافة المسترشد (٦) باللّه أمير المؤمنين، أبو منصور الفضل بن المستظهر. لما توفي أبوه، كما ذكرنا، بويع له بالخلافة، وخُطب له على المنابر. وقد كان ولي العهد من مدة ثلاث وعشرين سنة. وكان الذي أخذ البيعة له قاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني (٧). ولما استقرّت البيعة للمسترشد (٨) هرب أخوه أبو الحسن في سفينة، ومعه ثلاثة أنفار، وقصد دُبَيْس بن صدقة بن منصور بن دُبَيس بن علي بن مَزْيَد الأسدي بالحلّة، فأكرمه وأحسن إليه، فقلق أخوه الخليفة المسترشد باللّه (٩) [من ذلك، فراسل دُبَيْسًا في] (١٠) ذلك مع نقيب النقباء الزَّينبي، فهرب أخو الخليفة من دُبَيْس، فأرسل إليه جيشًا فألجؤوه إلى البرِّيّة فلحقه عطش شديد، فلقيه بدويّان، فسقياه ماءٍ، وحملاه إلى بغداد، فأحضره أخوه إليه، فاعتنقا وتباكيا، وأنزله الخليفة دارًا كان يسكنها قبل الخلافة،

стр. 6162

وأحسن إليه، وطيّب نفسه. وكانت مدة غيبته عن بغداد أحد (١) عشر شهرًا. واستقرّت الخلافة بلا منازعة للمسترشد. [وفي هذه السنة] (٢) كان غلاءٌ شديد ببغداد، وانقطع الغيث، وعدمت الأقوات، وتفاقم أمر العيّارين ببغداد، ونهبوا الدور (٣) نهارًا جهارًا. ولم يستطع الشرط (٤) لذلك تغييرًا ولا إنكارًا (٥). وحج بالناس في هذه السنة نَظَر الخادم. وممن توفي فيها من الأعيان: الإمام (٦) الخليفة المستظهر (٧) باللّه [أبو العباس أحمد] (٨): كما تقدم ذكر ذلك آنفًا في هذا العام. [أُرْجوان الأرمنية] (٩): وتوفيت بعده جدته أم أبيه المقتدي بأمر الله أُرْجُوان الأرمنية، وتدعى قرة العين. وكان لها بِرٌّ كثير، ومعروف، وصدقات. وقد حجت ثلاث حجات، أدركت خلافة ابنها المقتدي بأمر الله، وخلافة ابنها المستظهر، وخلافة ابنه المسترشد، ورأت للمسترشد ولدًا. وكانت وفاتها في هذه السنة، رحمها الله تعالى. بكر ين محمد بن علي بن الفضل، أبو الفضل الأنصاري (١٠): روى الحديث. وكان يضرب به المثل في حفظ مذهب أبي حنيفة. وكان قد تفقه على عبد العزيز بن أحمد (١١) الحَلْوائي (١٢)، وكان يذكر الدرس (١٣) في أي موضع سُئل من غير مطالعة ولا مراجعة، وربما

стр. 6163

كان في ابتداء طلبه يكرر على المسألة أربعمئة مرة. [وكانت وفاته] (١) في شعبان من هذه السنة. الحسين بن محمد بن علي بن الحَسَن (٢) بن محمد، بن عبد الوهاب الزَّينبي (٣): قرأ القرآن، وسمع الحديث، وتفقه على أبي عبد الله بن الدامغاني، فبرع وأفتى ودرّس بمشهد أبي حنيفة، ونظر في أوقافها، وانتهت إليه رئاسة مذهب أبي حنيفة، ولقبه نور الهدى، وسار في الرَّسِيلة إلى الملوك. وولي نقابة [الطالبيين والعباسيين، ثم استعفى بعد شهور، فولي أخوه طِرَادٌ نقابة] (٤) العباسيين. وكانت وفاته في يوم الإثنين الحادي عشر من صفر، وله من العمر ثنتان وتسعون سنة، وصلَّى عليه ابنُه أبو القاسم علي. وحضرت جنازته (٥) الأعيانُ والعلماءُ، ودفن عند قبر أبي حنيفة، داخل القبة، ﵀. يوسف بن أحمد (٦)، أبو طاهر، ويعرف بابن الخرزي (٧): صاحب المخزن في أيام المستظهر، وكان لا يوفّي المسترشد حقّه من التعظيم، وهو ولي عهد، فلما صارت إليه الخلافة صادره بمئة ألف دينار، ثم استقرَّ (٨) غلامًا له فأومأ إلى بيت، فوجد فيه أربعمئة ألف دينار، فأخذها الخليفة ثم كانت وفاته بعد هذا بقليل في هذا العام. أبو الفضل بن الخازن (٩): كان أديبًا لطيفًا، شاعرًا فاضلًا، فمن شعره (١٠) قوله: وافَيْتُ مَنْزِلَهُ فَلَمْ أَرَ حَاجِبًا (١١) إلا تَلَقّاني بوَجْهٍ ضاحِكِ والبِشْرُ فِي وَجْهِ الغُلامِ نَتيجةٌ … لمُقَدِّماتِ ضِياءِ (١٢) وَجْهِ المالِكِ ودَخَلْتُ جَنَّتَه، وزُرْتُ جحيمَه … فَشَكَرْتُ رِضْوانًا، ورَأْفَةَ مالكِ

стр. 6164

ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وخمسمئة فيها: كانت الحروب (١) الشديدة بين السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه وبين عمه السلطان سَنْجَر بن ملكشاه. وكان النصر فيها لسَنْجَر، فخُطب له ببغداد في سادس عشر جمادى الأولى من هذه السنة. وقُطعت خبطة [السلطان محمود ثم وقع الصلح بينهما] ورسم السلطان سَنْجَر أن يُخطب (٢) لابن أخيه محمود (٣) في سائر أعماله بعده (٤). وفيها: سارت الفرنج إلى مدينة حلب ففتحوها عنوة وملكوها، [وقتلوا من أهلها خلقًا] (٥)، فسار إليهم صاحب ماردين إيلغازي بن أُرْتُق في جيش كثيف (٦)، فهزمهم عنها، ولحقهم إلى جبل قد تحصّنوا فيه فقتلهم هنالك (٧) مقتلة عظيمة، وللّه الحمد والمنة، ولم (٨) يفلت منهم إلا اليسير، وأسر من مُقدَّميهم نيّفًا (٩) وسبعين (١٠) رجلًا. وقتل فيمن قتل سرجال صاحب (١١) أنطاكية، وحمل رأسه، لعنه الله، فقال بعض الشعراء في ذلك، وقد بالغ مبالغة فاحشة: [من الكامل] قُلْ ما تشاءُ فَقَوْلُكَ المَقْبولُ … وَعَلَيْكَ بَعْدَ الخَالِقِ التَّعْوِيلُ وَاسْتَبْشَرَ القُرْآنُ حِينَ نَصَرْتَهُ … وَبَكَى لِفَقْدِ رِجالِهِ الإِنْجِيلُ (١٢) وفيها: قتل الأمير منكوبرس شحنة بغداد، وكان ظالمًا غاشمًا، سيّء السيرة، قتله الملك محمود بن محمد بن ملكشاه صبرًا بين يديه لأمور (١٣)؛ منها: أنه تزوج سرية لأبيه قبل انقضاء عدتها، ونعم

стр. 6165

ما فعل، وقد أراح الله المسلمين منه قبحه الله، فما كان أظلمه وأغشمه. وفيها: تولّى قضاء قضاة بغداد الأكمل أبو القاسم علي بن أبي طالب الحسين بن محمد الزَّينبي وخلع عليه بعد موت أبي الحسن الدامغاني وستأتي ترجمته (١). [وفيها: ظهر قبر الخليل إبراهيم، وقبر إسحاق ويعقوب، ﵈، وشاهد ذلك الناس] (٢)، ولم تَبْلَ أجسادهم، وعندهم قناديلُ من ذهب وفضة. ذكر ذلك ابن الخازن في "تاريخه" وأظنه نقله من "المنتظم" (٣) لابن الجوزي، والله أعلم بالصواب. وممن توفي فيها من الأعيان: ابن عَقِيل (٤): علي بن عَفِيل بن محمد بن عَقِيل، أبو الوفاء، شيخ الحنابلة ببغداد، صاحب "الفنون" (٥) وغيره من التصانيف المفيدة. ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمئة. وقرأ القراءات (٦) على ابن شيطا. سمع الحديث الكثير. وتفقه بالقاضي أبي يعلى بن الفراء. وقرأ الأدب على ابن برهان (٧)، والفرائض على عبد الملك الهمذاني، والوعظ على أبي طاهر بن العلاف، صاحب ابن سمعون، والأصول على أبي الوليد المعتزلي. وكان يجتمع بجميع العلماء من كل مذهب، وربما لامه بعض أصحابه، فلا يلوي عليهم، فلهذا برز على أقرانه، وبذّ أهل زمانه في فنون كثيرة، مع صيانة وديانة وحسن مروءة، وكثرة اشتغال. وقد وعظ في بعض الأحيان، فوقعت فتنة فترك ذلك، [وقد متعه الله] (٨) بجميع حواسه، إلى حين موته. [وكانت

стр. 6166

وفاته] (١) في بكرة الجمعة ثاني جمادى الأولى من هذه السنة، وقد جاوز الثمانين. وكانت جنازته حافلة، ودفن قريبًا من قبر الإمام أحمد إلى جانب الخادم مخلص، ﵀. أبو الحسن [بن الدامغاني] (٢) رحمه الله تعالى (٣): علي بن محمد بن علي بن محمد بن الحسين بن عبد الملك بن عبد الوهاب بن حفويه، أبو الحسن الدامغاني، قاضي القضاة ابن قاضي القضاة. ولد في رجب سنة تسع وأربعين وأربعمئة (٤)، واشتغل وبرع، وتولى قضاء القضاة بعد أبيه، ثم عزل بأبي بكر الشامي، ثم أعيد إلى الحكم. [وولي القضاء بباب الطاق من بغداد وله من العمر ست عشرة سنة] (٥). قال ابن الجوزي: ولا يعرف حاكم ولي الحكم أصغر سنًا منه - يعني ببغداد - من قضاة القضاء. قال: ولا يعرف حاكم [ولي الحكم] (٦) لأربعة من الخلفاء غيره وغير (٧) شريح [إلا أبا طاهر محمد بن أحمد بن الكرخي قد رأيناه ولي القضاء لخمسة خلفاء وإن كان مستنابًا - المستظهر، والمسترشد، والراشد، والمقتفي، والمستنجد] (٨). ثم ذكر من أمانته وديانته وصيانتة (٩) ما يدل على تحرّيه وتوقّيه (١٠) وقوته، ﵀. [وقد ولي] (١١) الحكم أربعًا وعشرين سنة كذلك وكانت وفاته في المحرم من هذه السنة عن ثلاث وستين سنة وستة أشهر، وقبره عند مشهد أبي حنيفة، ﵀. المبارك بن علي بن الحسين، أبو سعد المُخرِّمي (١٢):

стр. 6167

سمع الحديث، وتفقَّه على مذهب الإمام أحمد، وناظر وأفتى، ودرّس وجمع كتبًا كثيرة، لم يُسبق إلى مثلها، وناب في القضاء. وكان حسنَ السيرة، جميل الطريقة، سديد الأقضية. وقد بنى مدرسة بباب الأَزجِ، وهي المنسوبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلي (١)، ثم عُزل عن القضاء وصُودر بأموال جزيلة، وذلك في سنة إحدى عشرة. وكانت وفاته في المحرم من هذه السنة. ودفن إلى جانب أبي بكر الخلّال عند قبر أحمد. ثم دخلت سنة أربع عشرة وخمسمئة في المنتصف من ربيع الأول كانت وقعة عظيمة بين الأخوين السلطانين محمود ومسعود ابني محمد بن ملكشاه عند عقبة أَسْدَاباذ. فانهزم عسكر مسعود، وأُسر وزيره الأستاذ أبو إسماعيل (٢) وجماعة من أمرائه. فأمر السلطان محمود بقتل الوزير أبي إسماعيل فقتل وله نيف [وستون سنة، وله تصانيف] (٣) في صناعة الكيمياء. ثم أرسل (٤) إلى أخيه مسعود الأمان، واستقدمه عليه، فلما اجتمعا (٥) اعتنقا (٦) وبكيا واصطلحا. وفيها: نهب دُبَيْس [بن صدقة] (٧) صاحب الحِلَّة البلاد، وركب بنفسه إلى بغداد، ونصب خيمة بإزاء دار الخلافة، وأظهر ما في نفسه من الضغائن، وذكر كيف طيف برأس أبيه في البلاد، وتهدّد المسترشد. فأرسل إليه الخليفة يسكن جأشه، ويعده أن سيصلح بينه وبين السلطان محمود. فلما قدم السلطان بغداد أرسل دبيس يستأمن، فأمّنه، وأجراه على عادته، ثم إنه نهب جيش (٨) السلطان، فركب السلطان محمود بنفسه لقتاله، واستصحب معه ألف سفينة [ليعبر بها إلى الحِلَّة] (٩). [فهرب دبيس من بين يديه، والتجأ إلى إيلغازي، فأقام عنده سنة، ثم عاد إلى الحِلّة] (١٠)، وأرسل إلى الخليفة والسلطان

стр. 6168

يعتذر إليهما [مما كان منه] (١). فلم يقبلا منه، وجهز السلطان إليه (٢) جيشًا فحاصروه وضيّقوا عليه قريبًا من سنة، [وهو في منيع بلاده، لا يتمكن الجيش من الوصول إليه في تلك الأماكن] (٣). وفيها: كانت الوقعة العظيمة بين الكرج والمسلمين بالقرب من تفليس، [ومع الكرج كفار القَفْجاق (٤) فقتلوا من المسلمين خلقا كثيرًا، وغنموا أموالًا جزيلة، وأسروا نحوًا من أربعة آلاف أسير، فإنا لله وإنا إليه راجعون] (٥). ونهب الكرج تلك النواحي، وفعلوا أشياء منكرة، وحاصروا تفليس مدة ثم ملكوها عنوة، بعدما أحرقوا القاضي والخطيب حين جاءا لهم (٦) من أهل البلد يطلبون منهم الأمان، وقتلوا عامة أهلها، وسَبَوْا الذرية، واستحوذوا على الأموال فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم. وفيها: أغار جوسكين (٧) الفرنجي صاحب الرُّها على خلق من العرب والتركمان فقتلهم وغنم (٨) أموالهم. وفيها: تمرّد العيّارون (٩) ببغداد، وأخذوا الدور جهارًا ليلًا ونهارًا، فحسبنا الله ونعم الوكيل. [وفي هذه السنة] (١٠) كان ابتداء ملك محمد بن التومرت ببلاد المغرب كان ابتداء أمر هذا الرجل أنه قدم في حداثة سنة من بلاد المغرب إلى بغداد، فسكن النظامية ببغداد (١١)، واشتغل بالعلم، فحصَّل منه جانبًا جيدًا من الفروع والأصول على الغزالي وغيره. وكان يظهر التعبُّد والزهد والورع، [وربما كان ينكر] (١٢) على الغزالي حسن ملابسه، ولا سيما حين

стр. 6169

لبس خلعة التدريس (١) بالنظامية، أظهر عليه الإنكار جدًّا، وكذلك على غيره. ثم حجَّ وعاد (٢) إلى بلاده فكان يأمر بالمعروف وينهى على المنكر، ويقرئ الناس القرآن، ويشغلهم في الفقه، فطار ذِكره في الناس. واجتمع به يحيى بن تميم بن المعز بن (٣) باديس صاحب بلاد إفريقية، فعظمه وأكرمه، وسأله الدعاء، فاشتهر أيضًا [بذلك وبعُدَ صيته] (٤)، وليس معه إلا ركوة وعصا، ولا يسكن إلا المساجد. ثم كان (٥) ينتقل من بلد إلى بلد حتى دخل مراكش، ومعه تلميذه عبد المؤمن بن علي، وقد كان توسم فيه النجابة والشهامة (٦)، فرأى [في مراكش] (٧) من المنكرات أضعاف ما رأى في غيرها. من ذلك أن الرجال يتلثّمون، والنساء يمشين حاسرات عن وجوههن، فأخذ في إنكار ذلك. حتى إنه اجتازت (٨) به في بعض الأيام أخت أمير المسلمين علي بن يوسف [بن تاشفين] (٩) ملك مراكش وما حولها، ومعها نساء (١٠) راكبات حاسرات وجههن مثلها، فشرع هو وأصحابه ينكرون (١١) عليهن، وجعلوا يضربون وجوه الدواب، فسقطت أخت الملك عن دابتها، فأحضره الملك، وأحضر الفقهاء، فظهر عليهم بالحجة، وأخذ يعظ الملك في خاصة نفسه، حتى أبكاه، ومع هذا نفاه الملك ابن تاشفين (١٢) عن بلده، فشرع يشنع عليه، ويدعو الناس إلى قتاله، فاتبعه على ذلك خلق كثير، فجهز إليه [ابن تاشفين] (١٣) جيشًا كثيفًا فهزمهم ابن التومرت، فعظم شأنه، وارتفع أمره، وقويت شوكته (١٤)، وتَسَمَّى بالمهدي، وسمَّى جيشه جيش الموحّدين. وألف كتابًا في التوحيد، وعقيدة تسمى المرشدة.

стр. 6170

ثم كانت له وقعات (١) مع جيوش [ابن تاشفين] (٢) صاحب مراكش، فقتل منهم في بعض الأيام نحوًا من سبعين ألفًا، وذلك بإشارة أبي عبد الله الونشريشي (٣). وكان ذكر أنه نزل إليه مَلَكٌ، وعلَّمه القرآن و "الموطَّأ" وله بذلك ملائكة يشهدون به، في بئر سماه، فلما اجتاز به، وكان قد أرصد فيه رجالًا، فلما سألهم عن ذلك والناس يسمعون شهدوا له بذلك، فأمر حينئد بطم (٤) البئر عليهم، فهلكوا (٥) عن آخرهم، ولهذا يقال: مَنْ أعان ظالمًا سُلط عليه (٦). ثم جهز ابن التومرت، الذي لقَّب نفسه بالمهدي، جيشًا عليهم أبو عبد الله الونشريشي وعبد المؤمن، لمحاصرة مراكش، فخرج إليهم أهلها، فاقتتلوا قتالًا عظيمًا (٧)، فكان ممن قتل أبو عبد الله الونشريشي، هذا الذي زعم أن الملائكة تخاطبه، فلما افتقدوه في القتلى فلم يجدوه قالوا: رفعته الملائكة، وقد كان عبد المؤمن دفنه، والناس في المعركة. وقتل (٨) من أصحاب المهدي خلق كثير. وقد كان حين جهز الجيش مريضًا مدنفًا، فلما جاء به الخبر ازداد مرضًا إلى مرضه، وساءه قتل أبي عبد الله الونشريشي، وجعل الأمر من بعده لعبد المؤمن [بن علي] (٩)، ولقَّبَهُ أمير المؤمنين. وقد كان شابًّا حسنًا حازمًا عاقلًا. [ثم مات ابن التومرت، وقد أتت عليه إحدى وخمسون سنة، ومدة ملكه] (١٠) عشر سنين (١١).

стр. 6171

وحين صار الأمر (١) إلى عبد المؤمن بن علي أَحسن إلى الرعايا، وظهرت منه (٢) سيرة جيدة، فأحبه الناس، واتسعت ممالكه، وكثرت جيوشه ورعيته، ونصب العداوة لابن (٣) تاشفين صاحب مراكش ولم تزل الحرب بينهما إلى سنة خمس وثلاثين، فمات ابن (٤) تاشفين، فقام ولده تاشفين من بعده، فمات في سنة تسع وثلاثين ليلة سبع وعشرين من رمضان. فولي (٥) أخوه إسحاق بن علي بن يوسف بن تاشفين، فسار إليه عبد المؤمن، فملك تلك النواحي وفتح مدينة مراكش، فقتل هنالك أُممًا لا يعلم عددَهم إلا اللهُ ، وقَتل ملكها إسحاق، وكان صغير السن، في سنة ثنتين وأربعين. وكان (٦) إسحاق هذا آخر ملوك المرابطين، وكان مدة ملكهم سبعين سنة، والذين ملكوا منهم أربعة: علي، وولده يوسف، وولداه: تاشِفينَ (٧) وإسحاق، ابنا علي المذكور. فاستوطن عبد المؤمن مدينة مراكش، واستقرّ ملكه بتلك النواحي (٨)، وظفر في سنة ثلاث وأربعين بدَكَّاله (٩)، وهي قبيلة عظيمة في (١٠) مئتي ألف راجل وعشرين ألف فارس (١١) مقاتل من الشجعان الأبطال، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وجمًا غفيرًا، وسبى ذراريهم، وغنم أموالهم، حتى إنه بيعت (١٢) الجارية الحسناء بدراهم معدودة. وقد رأيت لبعضهم في سيرة ابن التومرت هذا مجلدًا في أحكامه [وإمامته وما كان في] (١٣) أيامه وكيف

стр. 6172

تملّك بلاد المغرب، وما كان يتعاطاه من الأشياء التي توهم أنها أحوال برَّة، وهي محال لا تصدر إلا عن فجرة، وما قتل من الناس وأُزهق من الأنفس (١). وممن توفي فيها -[أعني سنة أربع عشرة وخمسمئة] (٢) - من الأعيان: أحمد بن عبد الوهاب بن السِّيْبي (٣)، أبو البركات: أسند الحديث. وكان يعلّم أولاد الخليفة المستظهر، فلما صارت الخلافة إلى المسترشد ولاه المخزن. وكان كثير الأموال والصدقات يتعهّد (٤) أهل العلم. وخلَّف مالًا كثيرًا، حزر بمئة (٥) ألف دينار، أوصى من ذلك (٦) بثلاثين ألف دينار لمكة والمدينة. وكانت وفاته في هذه السنة عن ست وخمسين سنة وثلاثة أشهر، وصلَّى عليه الوزير أبو علي بن صدقة (٧) و [أرباب] (٨) الدولة. ودفن بباب حرب .. عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن، أبو نصر القُشيري (٩): قرأ على أبيه وإمام الحرمين. وروى الحديث عن جماعة، وكان ذا ذكاء وفطنة، وله خاطر حاضر جريء، ولسان ماهر (١٠) فصيح. وقد دخل بغداد، فوعظ بها، فوقع بسببه فتنة بين الحنابلة والشافعية، فحبس بسببها الشريف أبو جعفر بن أبي موسى، [وأُمر ابن القُشيري بالخروج] (١١) من بغداد لإطفاء الفتنة، فعاد إلى بلده، [وكانت وفاته] (١٢) في هذه السنة. عبد العزيز بن علي بن عمر (١٣)، أبو حامد الدَّينَوري (١٤):

стр. 6173

كان كثير المال والصدقات، ذا حِشمة ومروءة ووجاهة عند الخليفة، وقد روى الحديث، ووعظ. وكان مليح الإيراد، حلو المنطق. وكانت وفاته بالرَّيِّ [في هذه السنة] (١)، واللّه أعلم. ثم دخلت سنة خمس عشرة وخمسمئة فيها: أقطعَ السلطانُ الأميرَ محمود إيلغازي مدينة مَيَّافارقين فبقيت في يد أولاده إلى أن أخذها صلاح الدين يوسف بن أيوب في سنة ثمانين [وخمسمئة] (٢). وفيها: أقطع أيضًا (٣) آقْسُنقُر البُرْسُقي مدينة الموصل، وأمر (٤) بقتال (٥) الفرنج. وفيها: حاصر ملك بن بهرام، وهو ابن أخي إيلغازي مدينة الرُّها، فأسر ملكها جوسكين (٦) الفرنجي وجماعة من رؤوس أصحابه وسجنهم بقلعة خرتبرت. وفيها: هبّت ريح سوداء بمصر [فاستمرت ثلاثة أيام، فأهلكت خلقًا كثيرًا من الناس والدواب والأنعام] (٧). وفيها: كانت زلزلة عظيمة بالحجاز فتضعضع (٨) بسببها الركن اليماني، زاده الله شرفًا، وتهدم بعضه، وتهدّم شيء من حرم رسول الله ﷺ ، [بأبي هو وأمي] (٩)، بالمدينة المنورة. وفيها: ظهر رجل علوي بمكة كان قد اشتغل بالنظامية في الفقه وغيره، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فاتّبعه ناس كثير (١٠)، فنفاه صاحبها ابن أبي هاشم إلى (١١) البحرين. وفيها: احترقت دار السلطان بأصبهان، فلم يبق فيها شيء من [الأثاث والفراش] (١٢) والجواهر والذهب والفضة سوى الياقوت الأحمر، فإنا للّه وإنا إليه راجعون.

стр. 6174

وقبل ذلك بأسبوع (١) احترق الجامع بأصبهان أيضًا، وكان جامعًا عظيمًا، فيه أخشاب تساوي ألف ألف دينار (٢). وفي جملة ما احترق فيه خمسمئة مصحف (٣)، منها مصحف بخط أُبَيّ بن كعب، ﵁، وإنا (٤) للّه وإنا إليه راجعون. وفي شعبان جلس الخليفة المسترشد بالله في دار الخلافة في أُبَّهة الخلافة، البُردة على كتفيه، والقضيب بين يديه، وجاء الأخوان الملكان (٥) محمود ومسعود، فوقفا (٦) بين يديه، وقبَّلا الأرض. فخلع على محمود سبع خلع وطوقًا وسوارين وتاجًا، وأُجلس على كرسي، ووعظه الخليفة، وتلا عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] وأمره بالإحسان إلى الرعايا، وعقد له الخليفة اللواء بين يديه (٧). وقلّده المُلْك، وخرجا من بين يديه مُطَاعَيْن مُعَظَمَيْن، والجيش بين أيديهما إلى دارهما في أُبَّهة عظيمة جدًّا. وحج بالناس نظر الخادم. وقد توفي فيها: ابن القَطَّاع اللغوي (٨)، أبو القاسم علي بن جعفر بن علي بن محمد بن عبد الله بن الحسين بن أحمد بن محمد بن زيادة الله بن محمد بن الأغلب السَّعْدي (٩) الصِّقِلّي ثم المصري اللغوي: مصنف كتاب الأفعال الذي برّز فيه على ابن القوطية. وله مصنفات كثيرة. وقد قدم مصر في حدود سنة خمسمئة، لما أشرفت الفرنج على أخذ صقلية، فأكرمه المصريون، وبالغوا في أمره (١٠). وكان

стр. 6175

ينسب إلى التساهل [في الدين] (١). وله شعر جيد قوي، أورد له القاضي ابن خلكان منه قطعة جيدة. مات (٢) وقد جاوز الثمانين. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو القاسم شاهِنْشاه الأفضل بن أمير (٣) الجيوش بدر الجمالي (٤): مدبّر دولة الفاطميين بمصر. [وإلى أبيه] (٥) تنسب قيسارية أمير الجيوش، والعامة يقولون (٦): مرجوش (٧). وأبوه باني الجامع الذي بثغر الإسكندرية بسوق العطارين، ومشهد الرأس بعسقلان أيضًا. وكان أبوه نائب المستنصر على مدينة صور، وقيل: عكا. ثم استدعاه إليه في فصل الشتاء، فركب في البحر، فاستنابه على ديار مصر، فسدَّد الأمور بعد فسادها. ومات في سنة ثمان وثمانين وأربعمئة. وقام في الوزارة بعده ولده الأفضل هذا، وكان كأبيه في الشهامة والصرامة. ولما مات المستنصر أقام المستعلي، واستمرت الأمور على يديه، وكان عادلًا، حسن السيرة، موصوفًا بجودة السريرة، فالله أعلم. ضربه فداويٌّ وهو راكب، فقتله في رمضان، من هذه السنة، عن سبع وخمسين سنة. وكانت إمارته من ذلك بعد أبيه ثماني (٨) وعشرين سنة. وكانت داره دار الوكالة اليوم بمصر، وقد وجد (٩) له أموال عظيمة (١٠) جدًّا تفوق العد (١١) والإحصاء من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث والجواهر النفائس، فانتقل ذلك كله إلى الخليفة الفاطمي [إلى حواصله وخزائنه] (١٢). واعتاض عنه الخليفة بأبي عبد الله البطائحي ولقبه المأمون.

стр. 6176

قال القاضي ابن خلكان (١): ترك الأفضل من الذهب العين ستمئة ألف ألف دينار مكررة (٢)، ومن الدراهم مئتين وخمسين إردبًّا (٣)، وسبعين ألف ثوب ديباج أطلس، وثلاثين راحلة أحقاق ذهب عراقي، ودواة ذهب فيها جوهر باثني عشر ألف دينار، ومئة مسمار ذهب، زنة كل مسمار (٤) مئة مثقال، في عشرة مجالس كان يجلس فيها، على كل مسمار منديل مشدود بذهب، كل منديل على لون من الألوان من ملابسه، وخمسمئة صندوق كسوة للبس بدنه. قال: وخلَّف من الرقيق والخيل والبغال والمراكب والمسك والطيب والحلى ما لا يعلم قدره إلا الله . وخفف من البقر والجواميس والغنم ما يُستحيى من ذِكر عدِّه (٥)، وبلغ ضمان ألبانها في السنة (٦) ثلاثين ألف دينار. وترك صندوقين كبيرين فيهما إبر ذهب برسم النساء. عبد الرزاق بن عبد الله بن علي بن إسحاق الطوسي (٧)، ابن أخي نظام الملك: تفقّه بإمام الحرمين، وأفتى ودرّس وناظر، ووزَر للملك سَنْجَر، وتوفي في هذه السنة. خاتون السّفرية (٨)، حظيّة السلطان ملكشاه: وهي أم السلطانين محمد وسَنْجر. وكانت كثيرة الصدقة والإحسان إلى الناس، لها في كل سنة سبيل يخرج مع الحجاج، وفيها دين وخير، ولم تزل تبحث حتى عرفت مكان أمها وأهلها، فبعثت الأموال الجزيلة حتى استحضرتهم، ولما قدمت عليها أمّها كان لها عنها أربعين سنة لم ترها، فأحبت أن تستعلم فهمها، فجلست بِن جواريها، فلما سمعت أمّها كلامها عرفتها، ففامت إليها، فاعتنقتا وبكتا، ثم أسلمت أُمها على يديها، جزاها الله خيرًا، وأحسن إليها، وقد تفرّدت بولادة ملكين [من ملوك] (٩) المسلمين، في دولة الأتراك والعجم، ولا يعرف لهذا (١٠) نظير في ذلك إلا اليسير؛ من ذلك ولّادة (١١) بنت العباس، وَلَدت لعبد الملك الوليدَ

стр. 6177

وسُليمان. وشاهوند (١) قد ولدت للوليد يزيد وإبراهيم، وقد وليا الخلافة أيضًا، والخَيْزُران ولَدت للمهدي: الهادي والرشيد، ﵏. الطُّغْرَائي (٢) ناظم لامية العجم الحسين بن علي بن عبد الصمد، مؤيد الدين الأصبهاني، العميد، فخر الكتاب المنشئ (٣) الشاعر المعروف بالطُّغْرائي: وقد ولي الوزارة بإرْبِل مدة. أورد له القاضي ابن خَلِّكان قصيدته اللامية التي ألّفها في سنة خمس وخمسمئة ببغداد يشرح فيها أحواله وأموره، وتعرف بلامية العجم، أوّلها: [من البسيط] أَصالَةُ الرَّأْيِ صَانَتْني عَنِ الخَطَل … وَحِلْيَةُ الفَضْلِ زَانَتْني لَدَى العَطَلِ مَجْدي أَخِيرًا وَمَجْدي (٤) أَوَّلًا شَرَعٌ … والشَّمْسُ رَأْدَ الضُّحَى كالشَّمْسِ في الطَّفَلِ فِيم الإِقَامَةُ بالزَّوْرَاءِ لا سَكَنِي … بِهَا وَلَا نَاقَتِي فيها وَلَا جَمَلي وقد سردها القاضي ابن خَلكان بكمالها (٥)، وأورد له غير ذلك من الشعر أيضًا. [ثم دخلت سنة ست عشرة وخمسمئة] (٦) في المحرم منها رجع السلطان طُغْرُلْبَك إلى طاعة أخيه محمود، بعدما كان قد (٧) خرج عنها، وأخذ بلاد أَذْرَبيجان (٨). وفيها: أقطع السلطان محمود مدينة واسط وأعمالها (٩) لآقْسُنْقُر، مضافًا إلى الموصل، فسيَّر إليها عماد الدين زنكي بن آفْسُنْقُر، فوليها وأحسن السيرة (١٠) بها، وأبان عن حزم وكفاية.

стр. 6178

وفي صفر منها قُتل وزير السلطان محمود أبو طالب السُّمَيْرمي، قتله باطني، وكان قد برز للمسير إلى هَمَذان، وكانت قد خرجت زوجته في مئة جارية بمراكب الذهب، فلما بلغهن قتله رجعن حافيات حاسرات (١) عن وجوههن، قد هُنّ بعد العز. واستوزر السلطان بعد شمس الملك (٢) عثمان بن نظام الملك. وفيها: التقى آقسنقر البُرْسُقي ودُبَيس بن صدقة، فهزمه دُبيس، وقتل خلقًا من جيشه، فأوثق السلطان منصور بن صدقة أخا دُبَيس (٣) وولده، ورفعهما إلى القلعة، فعند ذلك آذى دبيس تلك الناحية، ونهب البلاد، وجز شعره، ولبس السواد، ونهب أموال الخليفة أيضا من البلاد، فنودي في بغداد للخروج لقتاله، وبرز الخليفة في الجيش وعليه قباء أسود وعمامة سوداء وطرحة، وعلى كتفيه البردة، وبيده القضيب، وفي وسطه مِنْطَفة حرير صيني (٤)، ومعه وزيره نظام الدين أحمد بن نظام الملك، ونقيب النقباء علي بن طِراد (٥) الزينبي، وشيخ الشيوخ صدر الدين إسماعيل. وتلقاه آقْسُنقر البُرْسقي، ومعه الجيش، فقبَّلوا الأرض، ورتب البُرْسقي الجيش، ووقف القُراء بين يدي الخليفة، وأقبل دُبيس، وبين يديه الإماء يضربن بالدفوف والمخانيث بالملاهي. والتقى الفريقان، وقد شهر الخليفة سيفَه وكبّر واقترب من المعركة، فحمل عُنيز بن أبي العسكر (٦) على ميمنة الخليفة، فكسرها، وقتل أميرها، ثم حمل مرة ثانية، فكشفهم كالأولى، فحمل عليه عماد الدين زنكي بن آقسنقر، فأسر عُنيزًا وأسر معه بريك (٧) بن زائدة، فانهزم عسكر دُبيس، وألقوا أنفسهم في الماء، فغرق كثير منهم، فأمر الخليفة بضرب أعناق الأَسارى، صبرًا بين يديه، وحصلت نساء دُبيس وسراريه [في السبي] (٨). وعاد الخليفة إلى بغداد، فدخلها في يوم عاشوراء من السنة الآتية، وكان يومًا مشهودًا، وكانت غيبته عن بغداد ستة عشر يومًا.

стр. 6179

فأما دُبيس فإنه نجا بنفسه، وقصد غَزِيَّة (١)، ثم إلى المُنْتفِق، فصحبهم (٢) إلى البصرة، فدخلها ونهبها (٣)، وقتل أميرها، ثم خاف من البُرسقي، فخرج منها، وسار إلى البرِّية، والتحق بالفرنج، وحضر معهم حصار حلب (٤)، ثم فارقهم والتحق بالملك طُغْرُل أخي السلطان محمود. وفيها: ملك السلطان حسام الدين تمرتاش (٥) بن إيلغازي بن أرتق قلعة ماردين بعد وفاة أبيه وملك أخوه سليمان ميَّافارقين. وفيها: ظهر معدن نحاس بديار بكر قريبًا من قلعة ذي القرنين. وفيها: دخل جماعة من الوعَّاظ إلى بغداد فوعظوا بها، وحصل لهم قبول تام من العوام. وحجَّ بالناس في هذه السنة نظر الخادم. وممن توفي فيها من الأعيان: عبد الله بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث، أبو محمد السمرقندي (٦)، أخو أبي القاسم: وكان [أبو محمد هذا أحد] (٧) حفاظ (٨) الحديث. وقد زعم أن عنده ما ليس عند أبي زرعة الرازي (٩) وقد (١٠) صحب الخطيب مدة، وجمع وألف وصنّف ورحل (١١) إلى الآفاق. وكانت وفاته يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول [من هذه السنة] (١٢) عن ثمانين (١٣) سنة. علي بن أحمد، أبو طالب السُّمَيْرمي (١٤)، نسبة إلى قرية بأصبهان.

стр. 6180

كان وزير السلطان محمود، وكان مجاهرًا بالظلم والفسق، وأحدث على الناس مكوسًا (١)، وجددها بعدما كانت قد أُزيلت من مدة متطاولة، وكان يقول: قد استحييتُ من كثرة الظلم لمن لا ناصر له، وكثرة (٢) ما أحدثتُ من السنن السيئة، ولما عزم على الخروج إلى همذان أحضر المنجمين، فضربوا له تخت رمل لساعة خروجه [لتكون أسرع لعوده] (٣)، فخرج في تلك الساعة وبين يديه السيوف المسلولة (٤)، والمماليك بالعدد الباهرة. [فما أغنى عنه ذلك شيئًا، بل جاءه باطني] (٥)، فضربه فقتله [في الساعة الراهنة بعدما ضربه غير ما مرة في مقاتله، ثم ذبحه كما تذبح الشاة، والمماليك يضربونه بالسيوف والنبال في ظهره، ولا يبالي بشيء من ذلك حتى قتله، ثم مات بعده] (٦). ورجع نساؤه حاسرات عن وجوههن، وقد أبدلهن الله [الذِّلة بعد العِزة] (٧)، والخوف بعد الأمن، والحزن بعد السرور والفرح، جزاءً وفاقًا، وكان ذلك يوم الثلاثاء سلخ صفر، وما أشبه حالهن بقول أبي العتاهية في الخيزران وجواريها حين مات المهدي: [من مجزوء الرمل] رُحْنَ في الوَشْيِ وأَصْبَحْـ … ـنَ عَلَيْهِنَّ المُسُوحُ [كُلُّ نَطَّاحٍ مِنَ الدَّهـ … ـر لَهُ يَوْمٌ يطوحْ] (٨) لتَمُوتَنَّ ولو عُمِّـ … ـرْتَ ما عُمِّرَ نُوحْ فَعَلَى نَفْسِكَ نُحْ إنْ … كُنْتَ لا بُدَّ تَنُوحْ الحريري (٩) صاحب المقامات القاسم بن علي بن محمد (١٠) بن عثمان، فخر الدين، أبو محمد الحريري البصري: مؤلف "المقامات" التي سارت بفصاحتها الركبان، وكاد يربو فيها على سَحبان، [ولم يسبق إلى

стр. 6181

مثلها ولا يلحق] (١). ولد سنة ست وأربعين وأربعمئة. وسمع الحديث، واشتغل باللغة والنحو، وصنّف في ذلك كله، وفاق أهل زمانه، وبرَّز على أقرانه (٢). وأقام ببغداد، وعمل صناعة الإنشاء مع الكتّاب في باب الخليفة، ولم يكن ممن تُنكر بديهته ولا تتعكَّر فكرته. قال ابن الجوزي (٣): سمع الحديث، وقرأ الأدب (٤) واللغة، وفاق أهل زمانه بالذكاء والفطنة، والفصاحة وحسن العبارة، وصنف (٥) المقامات المعروفة التي من تأملها عرف قدر منشئها (٦). توفي في هذه السنة بالبصرة. وقد قيل: إن أبا زيد والحارث بن همام (٧) لا وجود لهما، وإنما جعل هذه المقامات من باب الأمثال. ومنهم من يقول: أبو زيد المطهر (٨) بن سلام السروجي كان له وجود، وكان فاضلًا، له علم ومعرفة باللغة، فاللّه أعلم. وذكر القاضي ابن خَلِّكان أن أبا زيد كان اسمه المطهر بن سلام (٩)، وكان بصريًا فاضلًا في النحو واللغة، وكان يشتغل على (١٠) الحريري بالبصرة، وأما الحارث بن همام فإنه غني بنفسه (١١) لما جاء في الحديث: "كلكم حارث وكلكم همام" (١٢).

стр. 6182

كذا قال القاضي (١) وإنما اللفظ المحفوظ (أصدق الأسماء حارث وهمام) (٢) لأن كل أحد إما حارث وهو الفاعل، أو همام من الهمة (٣) وهو العزم والخاطر (٤). وذكر أن أول مقامة عملها الثامنة والأربعون، وهي الحرامية، وكان سببها أنه دخل عليهم مسجد البصرة رجل ذو طمرين، فصيح اللسان، فاستسموه، فقال: أبو زيد السروجي، فعمل فيه هذه المقامة. فأشار عليه وزير الخليفة (٥) المسترشد وهو جلال الدين عميد الدولة أبو علي الحسن بن أبي العز (٦) علي بن صدقة أن يكمل عليها تمام خمسين مقامة. قال ابن خَلكان (٧): كذا رأيته في نسخة بخط المصنف (٨)، على حاشيتها: وهذا أصح من قول من قال: هو الوزير شرف الدين أبو نصر أنوشروان بن خالد بن محمد (٩) القاشاني، وهو وزير المسترشد أيضًا، ويقال: إن الحريري كان قد عملها أربعين مقامة، فلما قدم بغداد لم يصدَّق في ذلك [لعجز الناس عن مثلها] (١٠)، فامتحنه (١١) بعض الوزراء أن يعمل مقامة فجلس ناحية، وأخذ دواة (١٢) وقرطاسًا فلم يتيسّر له شيء. فلما عاد إلى بلده عمل عشرًا أخرى فأتمها [خمسين مقامة] (١٣). وقد قال فيه أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر، وكان من جملة المكذِّبين له (١٤): [من المسرح] شَيْخٌ لنَا مِنْ رَبيعةِ الفَرَسِ … يَنْتِفُ عُثْنُونَهُ من الهَوَسِ أَنْطَقَهُ اللهُ بالمَشَان وَقَدْ … رَمَاهُ وَسْطَ العِراقِ بالخَرَسِ (١٥)

стр. 6183

ومعنى قوله: (بالمشان) هو مكان بالبصرة. [ويذكر أنه كان صدر] (١) ديوان المشان، ويقال: إنه كان دميم الخَلْق، فاتفق أن رجلًا رحل إليه، فلما رآه ازدراه، ففهم الحريريّ ذلك، فأنشأ يقول: [من البسيط] ما أَنْتَ أَوَّلُ سَارٍ غَرَّهُ قَمَرٌ … أَوْ رائدٌ (٢) أَعْجَبَتْهُ خُضْرَةُ الدِّمَنِ فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ غَيْري إنَّني رَجُلٌ … مِثْلُ المُعَيْديِّ فَاسْمَعْ بي ولا تَرَنى (٣) يقال: إن المعيدي اسم حصان جواد كان في العرب دميم الخلق (٤). واللّه أعلم. البغوي (٥) المفسر الحسين بن مسعود بن محمد، [أبو محمد] البغوي: صاحب "التفسير"، و "شرح السنة"، و "التهذيب في الفقه" (٦)، و "الجمع بين الصحيحين"، و "المصابيح في الصحاح والحسان" وغير ذلك. اشتغل على القاضي حسين (٧)، وبرع في هذه العلوم، وكان علّامة زمانه فيها. وكان ديّنًا ورعًا زاهدًا عابدًا صالحًا. توفي في شوال [من هذه السنة] (٨)، وقيل: في سنة عشر، فالله أعلم. ودفن مع شيخه القاضي حسين بالطالَقَان. واللّه أعلم. ثم دخلت سنة سبع عشرة وخمسمئة في يوم عاشوراء منها (٩) عاد الخليفة من الحِلة [بعد كسر جيش] (١٠) دُبيس، ومزّق شمله، وقطع وصله، في أول هذا الشهر، ثم عاد] (١١) إلى بلده ببغداد مؤيَّدًا منصورًا، [ورجع إلى أهله مسرورًا] (١٢).

стр. 6184

وفيها: عزم الخليفة على طهور أولاده وأولاد أخيه، وكانوا اثني عشر ذكرًا، فزيّنت بغداد سبعة أيام بزينة لم يُر مثلها، [وأظهر الناس من الحليّ والمصاغ والثياب ما لم يُر مثلها] (١). وفي شعبان منها قدم أسعد المِيْهَني مدرسًا للنظامية ببغداد، وناظرًا عليها، وصرف الباقرحي (٢) عنها، فوقع (٣) بينه وبين بعض الفقهاء فتنة بسبب أنه قطع منهم جماعة، واكتفى بثمانين طالبًا منهم، فلم يهن ذلك على كثير منهم. وفيها: سار السلطان محمود إلى بلاد الكرج، وقد وقع بينهم وبين القفجاق خلف فقتلهم فهزمهم، ولله الحمد. ثم عاد إلى همذان مؤيدًا منصورًا. وفيها: ملك طُغْتِكين صاحبُ دمشق مدينة حماة بعد وفاة صاحبها محمود بن قراجا، [وقد كان ظالمًا غاشمًا. وفيها عُزل نقيب العلويين، وهدمت دار علي] (٤) بن أفلح لأنهما كانا عينًا لدُبيس (٥) وأضيف إلى علي بن طراد الزينبي نقابة العلويين مع نقابة العباسيين. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة التغلبي المعروف بابن الخياط (٦) الشاعر الدمشقي الكاتب الماهر: له ديوان (٧) مشهور؛ قال الحافظ ابن عساكر (٨): ختم به ديوان الشعراء بدمشق، وكان شاعرًا ماهرًا محسنًا مجيدًا مكثرًا حفظة لأشعار المتقدمين وأخبارهم.

стр. 6185

وأورد له القاضي ابن خلكان (١) من شعره الرائق قطعًا، من ذلك (٢) قصيدته التي لو لم يكن له سواها لكفته، وهي التي يقول في أولها: [من الطويل] خُذا مِنْ صَبَا نَجْدٍ أمانًا لِقَلْبه … فَقَدْ كادَ ريّاها يَطيرُ بِلُبِّهِ وَإِيّاكُما ذاك النَّسِيمَ فإنَّهُ … مَتَى هَبَّ كانَ الوَجْدُ أَيْسَرَ خَطْبِهِ خَليليَّ لَوْ أَحْبَبْتُما لَعَلِمْتُما … مَحَلَّ الهَوَى من مُغْرَمِ القَلْبِ صبِّهِ (٣) أَتَذْكُرُ والذِّكْرى تَشُوفُ وذُو الهَوَى … يَتُوقُ وَمَنْ يَعْلَقْ به الحُبُّ يُصْبِهِ غَرامٌ على يَأْسِ الهَوَى وَرَجَائِهِ … وَشَوْقٌ على بُعْدِ المَزَارِ وقُرْبِهِ وفي الرّكْبِ مَطْوِيُّ الضلُوعِ على جَوَى … مَتَى يَدْعُهُ دَاعِي الغَرامِ يُلَبِّهِ إِذا خَطَرتْ مِنْ جَانِبِ الرَّمْلِ نَفْحَةٌ … تَضَمَّنَ منها دَاؤُهُ دُونَ صَحْبِهِ ومُحْتَجِبٍ بَيْنَ الأَسِنَّةِ مُعْرِضٌ … وَفي القَلْبِ من إعْراضِهِ (٤) مِثلُ حَجْبِهِ أَغَارُ إِذا آنَسْتُ في الحَيِّ أَنَّةً … حذارًا وَخَوْفًا أنْ تكون لحبِّهِ وقد كانت وفاته في رمضان عن سبع وستين (٥) سنة بدمشق. ثم دخلت سنة ثماني عشرة وخمسمئة فيها: ظهرت الباطنية بآمِد، فقاتلهم أهلها، فقتلوا منهم سبعمئة، [وللّه الحمد] (٦). وفيها: رُدَّت الشحنكية ببغداد إلى سعد الدولة يرنقش الزكوي، وسلم إليه منصور بن صدقة، أخو دُبَيْس، ليسلمه إلى دار الخلافة. وورد الخبر بأن دُبيسًا قد التجأ إلى طُغْرُلْبَك، وقد اتفقا على أخذ بغداد، فأخذ الناس بالتأهُّب (٧) لقتالهما (٨). وأمر آقْسُنْقُر التركي بالعود إلى الموصل، فاستناب على البصرة عماد الدين زنكي بن آقسنقر.

стр. 6186

وفي ربيع الأول دخل الملك حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق مدينة (١) حلب، وقد ملكها بعد ملكها بلك بن بهرام بن أُرْتُق، وكان قد حاصر قلعة منبج، فجاءه سهم في حلقه فمات. فاستناب تمرتاش بحلب، ثم عاد إلى ماردين، فأُخذت منه بعد ذلك، أخذها آقسنقر البُرْسُقي مضافة إلى الموصل. وفيها: أرسل الخليفة القاضي أبا سعد الهروي ليخطب له ابنة السلطان سَنْجَر، وشرع الخليفة في بناء دار على حافة دجلة لأجل العروس، وكمل بناء المثمَّنة في هذه السنة. وحج بالناس في هذه السنة جمال الدولة إقبال المسترشدي. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن علي بن بَرْهان (٢)، أبو الفتح، ويعرف بابن الحَمَّامي: تفقه على أبي الوفاء بن عقيل، وبرع في مذهب الإمام أحمد [بن حنبل] (٣). ثم نقم عليه أصحابه أشياء، فحمله ذلك على الانتقال إلى المذهب الشافعي (٤)، فاشتغل على الغزالي والشاشي، وبرع وساد وشهد عند القاضي الزينبي (٥) ودرّس في النظامية شهرًا. وتوفي في جمادى الأولى، ودفن بباب أبرز. [عبد الله بن محمد بن علي بن محمد، أبو جعفر] (٦) الدامغاني: (٧) سمع الحديث وشهد عند أبيه، وناب في ربع الكرخ عن أخيه، ثم ترك ذلك كله، وولي حجابة باب النوبي، ثم عزل، ثم أعيد، [وكان دمث الأخلاق، وكانت وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة] (٨). أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو الفضل الميداني (٩): صاحب كتاب الأمثال، ولم يُعلم مثله في بابه. وله شعر جيد. قال ابن خلكان: وتوفي يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر رمضان من هذه السنة.

стр. 6187

ثم دخلت سنة تسع عشرة وخمسمئة فيها: قصد دُبَيْس والسلطان طُغْرُل بغداد ليأخذاها من يد الخليفة، فلما اقتربا منها برز إليهما الخليفة في جحفل عظيم، والناس مشاة بين يديه [وعليه السواد والبرد وبيده القضيب] (١) إلى أول منزلة. ثم ركب الناس بعد ذلك، فلما أمست الليلة التي يقتتلون في صبيحتها، ومن عزمهم أن ينهبوا بغداد، أرسل الله مطرًا عظيمًا، ومرض السلطان طُغْرُل في تلك الليلة، فتفرقت تلك الجموع، ورجعوا على أعقابهم خائفين خائبين (٢). والتجأ دبيس، قبّحه الله، وطُغْرُل إلى الملك سَنْجَر، وسألاه الأمان من الخليفة، والسلطان محمود، فحبس دُبَيْسًا في قلعة، ووشى واشٍ إلى الملك سنجر أن الخليفة يريد أن يستاثر بالملك، وقد خرج من بغداد إلى (٣) اللان لقتال (٤) الأعداء، فوقع في نفس السلطان سنجر من ذلك شيء، وأضمر سوءًا (٥)، مع أنه قد زوج ابنته من الخليفة. وفيها: قُتل القاضي أبو سعد محمد (٦) بن نصر بن منصور (٧) الهروي بهمذان، قتله (٨) [الباطنية، وكان قد أرسله الخليفة إلى السلطان سنجر يخطب] (٩) ابنة السلطان] (١٠). وحج بالناس نظر الخادم. وممن توفي فيها من الأعيان: آقسُنْقُر البُرْسُقي (١١): صاحب حلب (١٢).

стр. 6188

قتلته الباطنية، [وهم الفداوية] (١)، في مقصورة جامعها يوم الجمعة (٢). وقد كان، ﵀، تركيًا جيد السيرة، صحيح السريرة، محافظًا على الصلوات في أوقاتها، كثير البِرِّ والصدقات إلى الفقراء والإحسان (٣) إلى الرعايا. ولما توفي قام في الملك بعده ولده السلطان عز الدين مسعود، وأقره السلطان محمود على عمله. هلال (٤) بن عبد الرحمن بن شريح بن عمر بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سليمان بن بلال بن رباح مؤذن رسول الله ﷺ (٥): رحل وجال في البلاد. وكان شيخًا جهوري الصوت، حسن القراءة، طيب النغمة، توفي في هذه السنة بسمرقند، رحمه الله تعالى. القاضي أبو سعد الهروي (٦)، محمد (٧) بن نصر بن منصور، أبو سعد الهروي (٨): أحد مشاهير الفقهاء، والسادة الكبراء، قتلته الباطنية بهمذان (٩)، حين ذهب في الرسِيلة عن الخليفة إلى السلطان سَنْجَر في خطبة ابنته. [ثم دخلت سنة] (١٠) عشرين وخمسمئة من الهجرة فيها: تراسل السلطان محمود والخليفة على السلطان سَنْجَر أن (١١) يكونا عليه، فلما علم بذلك السلطان (١٢) سنجر، كتب إلى ابن أخيه محمود ينهاه عن ذلك، ويستميله إليه، ويحذّره من الخليفة، [وأنه لا تُؤمَن غائلته] (١٣)، وأنه متى فرغ منه تفرَّغ له، ووثب عليه (١٤). فأصغى إلى قول عمه، ورجع

стр. 6189

عن عزمه، وأقبل يقصد بغداد ليدخلها (١) عامه ذلك (٢). فكتب إليه الخليفة ينهاه عن ذلك لقلة الأقوات بها، فلم يقبل منه، وأقبل إليه، فلما أزف قدومه خرج الخليفة من داره وتجهز إلى الجانب الغربي، فشقّ ذلك عليه وعلى الناس (٣). ودخل عيد الأضحى فخطب الخليفة الناس بنفسه خطبة عظيمة بليغة فصيحة جدًّا، وكبّر وراءه خطباء الجوامع، وكان يومًا مشهودًا. وقد سردها ابن الجوزي [في المنتظم] (٤) بطولها. ورواها عمن حضرها عن الخليفة، مع قاضي القضاة أبي القاسم الزينبي وجماعة من العدول. ولما (٥) أراد الخليفة أن ينزل عن المنبر ابتدره أبو المظفر محمد بن أحمد بن عبد العزيز (٦) الهاشمي فأنشده: [من الطويل] عَلَيْكَ سَلَامُ اللّهِ يا خَيْرَ مَنْ عَلَا … عَلَى (٧) مِنْبَرٍ قَدْ حَفَّ أَعْلَامَهُ النَّصْرُ وَأَفْضَلُ مَنْ أَمَّ الأَنَامَ وَعَمَّهُمْ … بِسِيرتِهِ الحُسْنَى وَكَانَ لَهُ الأَمْرُ لَقَدْ شَنَّفَتْ (٨) أَسْمَاعَنَا مِنْكَ خُطْبَةٌ … وَمَوْعِظَةٌ فَصْلٌ (٩) يَلِينُ لَها الصَّخْرُ مَلأْتَ بها كُلَّ القُلوبِ مَهَابَةً … فَقَدْ رَجَفَتْ مِنْ خَوْفِ تَخْوِيفِها مِصْرُ سَمَا لَفْظُها فَضْلًا عَلَى كُلِّ قَائِلٍ … وَجَلَّ عُلاها أَنْ يلمَّ بها حَصْرُ (١٠) أَشَدْتَ بها شَأْنَ المَنَابِرِ رِفْعَةً … تَقَاصَرَ عن إدْراكها الأَنْجُمُ الزُّهر وزِدْتَ بها عَدْنانَ مَجْدًا مُؤَثَّلًا … فَأَضْحَى لَهَا بَيْنَ الأَنَام (١١) بِكَ الفَخْرُ (١٢)

стр. 6190

فَلِلَّهِ عَصْرٌ أَنْتَ فيه إمامُهُ … وللهِ دينٌ أنْتَ فيه لنا الصَّدْرُ تقِيتَ على الإنامِ والمُلْكِ كُلَّما … تَقَادَمَ عَصْرٌ أَنْتَ فيه أَتَى عَصْرُ وأَصْبَحْتَ بالعِيدِ السَّعِيدِ مُهَنَّأً … يُشَرِّفُنا فيه صلاتُكَ والنَّحْرُ ولما نزل الخليفة عن المنبر ذبح البدنة بيده، ودخل السرادق، وتباكى الناس، ودعَوا للخليفة بالتوفيق والنصر. ثم دخل السلطان محمود إلى بغداد يوم الثلاثاء الثامن عشر من ذي الحجة، فنزلوا في بيوت الناس وحصل للناس منهم أذى كثير في حريمهم، [ثم إن السلطان راسل الخليفة] (١) في الصلح، فأبى ذلك الخليفة. وركب في جيشه، وقاتل الأتراك، ومعه شرذمة قليلة من المقاتلة، ولكن العامة كلهم معه. فقتل من الأتراك خلق كثير. ثم جاء عماد الدين زنكي في جيش كثيف من واسط في السفن (٢) إلى السلطان نجدةً. فلما استشعر الخليفة ذلك دعا إلى الصلح. فوَقَعَ (٣) الصلحُ بين الملك (٤) والخليفة، وأخذ الملك يستبشر بذلك جدًّا، ويعتذر إلى الخليفة مما وقع، ثم خرج في أول السنة (٥) الآتية إلى همذان لمرض حصل له. وفيها -[أي هذه السنة] (٦) - كان أول مجلس تكلم فيه ابن الجوزي على المنبر يعظ الناس، وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة، حضره الشيخ أبو القاسم علي بن يعلى العلوي البلخي، وكان سُنِّيًا (٧)، علّمه كلماتٍ ثم أصعده المنبر فقالها، وكان يومًا مشهودًا. قال ابن الجوزي (٨): وحزر الجمع يومئذ بخمسين ألفًا. [والله أعلم] (٩). وفيها: اقتتل طُغْتِكين صاحب دمشق وأعداؤه من الفرنج، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وغنم منهم أموالًا جزيلة، ولله الحمد والمنة.

стр. 6191

وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن محمد، أبو الفتوح (١) الطُّوسي الغزالي (٢) الواعظ أخو أبي حامد الغزالي: كان واعظًا مفوَّهًا ذا حظ من الكلام والزهد وحسن التأتي (٣)، وله نكت جيدة. ووعظ مرة في دار الملك محمود، فأطلق له ألف دينار، وخرج فإذا على الباب فرس الوزير بسرجها المذهّب، وسلاسلها، وما عليها من الحلي، فركبها. فبلغ ذلك الوزير، فقال: دعوه، ولا تُرَدُّ عليَّ الفرس. فأخذها الغزالي. وسمع مرة ناعورة تئنّ، فألقى عليها رداءه، فتمزق قطعًا قطعًا. قال ابن الجوزي (٤): وقد كانت له نكت، إلا أن الغالب على كلامه التخليط، ورواية الأحاديث المصنوعة، والحكايات الفارغة، والمعاني الفاسدة. ثم أورد ابن الجوزي أشياء منكرة من كلامه، والله أعلم؛ من ذلك: أنه كلما أشكل عليه شيء رأى رسول الله ﷺ في اليقظة فسأله عن ذلك فدلَّه على الصواب. قال: وكان يتعصّب لإبليس ويعتذر له. وتكلّم فيه ابن الجوزي بكلام طويل كثير. قال: ونسب إلى محبة المردان، والقول بالمشاهدة، فاللّه أعلم بصحة ذلك. قال ابن خَلّكان (٥): كان واعظًا مليح الوعظ، حسن المنظر، صاحب كرامات وإشارات. وكان من الفقهاء، غير أنه مال إلى الوعظ فغلب عليه. ودرَّس بالنظامية نيابة عن أخيه لما تزهّد وتركها. واختصر "إحياء علوم الدين" في مجلد سماه "لباب الإحياء" وله "الذخيرة في علم البصيرة". وطاف البلاد وخدم الصوفية بنفسه. وكان مائلًا إلى الانقطاع والعزلة. أحمد بن علي بن محمد الوكيل (٦)، المعروف بابن بَرْهان، أبو الفتح الفقيه الشافعي:

стр. 6192

تفقّه على الغزالي وإلْكيا الهرّاسي (١) وأبي بكر (٢) الشاشي. وكان بارعًا في الأصول، له فيه كتاب "الوجيز (٣) في أصول الفقه". وكانت له فنون جيدة يتقنها جيدًا (٤)، وولي تدريس النظامية ببغداد دون شهر. [وكانت وفاته في هذه السنة كما ذكره ابن خلكان، ﵀] (٥). بَهْرام بن بَهْرام، أبو شجاع البَيِّع (٦): سمع الحديث، وبنى مدرسة لأصحاب الإمام أحمد بكَلْواذَى (٧)، ووقف قطعة من أملاكه على الفقهاء. صاعد بن سَيّار (٨) بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم، أبو العلاء (٩) الإسحاقي الهروي الحافظ، أحد المتقنين، سمع الكثير وحدَّث. وتوفي بغورج قرية على باب هراره (١٠) في هذه السنة. ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وخمسمئة استُهلّت هذه السنة والخليفة والسلطان محمود يتحاربان، والخليفة في السرادق في الجانب الغربي، فلما كان يوم الأربعاء رابع المحرم توصل جماعة من جند السلطان إلى دار الخلافة، فحصل فيها ألف مقاتل عليهم السلاح، فنهبوا الأموال، وخرج الجواري وهن حاسرات يستغثن حتى دخلن (١١) دار خاتون. قال ابن الجوزي (١٢): وأنا رأيتهن كذلك.

стр. 6193

فلما وقع ذلك ركب الخليفة في جيشه، وجيء بالسفن [فركب فيها الجيش] (١)، وانقلبت بغداد بالصراخ حتى كأنّ الدنيا قد زلزلت، وثارت العامة مع جيش الخليفة، فكسروا جيش السلطان وقتلوا خلقًا من الأمراء، وأسروا آخرين، ونهبوا دار السلطان ودار وزيره ودار طبيبه أبي البركات، وأخذوا ما كان في داره من الودائع، وجرت (٢) خبطة (٣) عظيمة جدًّا، حتى أنّهم (٤) نهبوا الصوفية برباط بِهْرُوز (٥). وجرت أمور طويلة، وخطوب جليلة، ونالت العامة من السلطان، وجعلوا يقولون له: يا باطني، تترك قتال الفرنج والروم، وتقاتل الخليفة. ثم إن الخليفة انتقل إلى داره في سابع المحرم، فلما كان يوم (٦) عاشوراء تماثل الحال، وطلب السلطان من الخليفة الأمان والصلح، فلان الخليفة إلى ذلك، وتباشر الناس بالصلح، فأرسل الخليفة إليه (٧) نقيب النقباء وقاضي القضاة وشيخ الشيوخ وبضعًا وثلاثين شاهدًا، فاحتبسهم السلطان عنده ستة (٨) أيام، فساء ذلك الناس، وخافوا من فتنة أخرى (٩) أشدّ من الأولى، وكان يرنقش الزكوي شحنة بغداد يغري السلطان بأهل بغداد لينهب أموالهم، فلم يقبل منه، ثم أذن لأولئك الجماعة، فدخلوا (١٠) عليه وقت المغرب فصلى به (١١) القاضي، وقرؤوا عليه كتاب الخليفة، فقام قائمًا، فأجاب الخليفة إلى جميع ما اقترح عليه، ووقع الصلح والتحليف، ودخل جيش السلطان [إلى بغداد] (١٢)، وهم في غاية الجهد من قلة الطعام عندهم في العسكر. وقالوا: لو لم نصالح (١٣) لمتنا جوعًا (١٤)، وظهر من السلطان حلم كثير عن العوام، ولله الحمد. [وأمر الخليفة بردّ ما نهب من دور الجند، وأن من كتم منه شيئًا أبيح دمه] (١٥).

стр. 6194

وبعث الخليفة عليّ بن طراد الزينبي النقيب إلى السلطان سَنْجَر ليُبعد عن بابه دُبيسًا، وأرسل معه الخِلع والألوية (١)، فأكرم السلطان سَنجر الرسول، وأمر (٢) بضرب الطبول على بابه في ثلاثة أوقات، وظهرت منه طاعة كبيرة (٣). ثم مرض السلطان محمود ببغداد، فأمره الطبيب بالانتقال عنها إلى همذان، فسار في ربيع الآخر، وفوّض شحنكية بغداد إلى عماد الدين زنكي، فلما وصل السلطان همذان بعث على شحنكية بغداد مجاهد الدين بِهْرُوز، [وجعل إليه الحِلَّة] (٤)، وبعث عماد الدين زنكي إلى الموصل وأعمالها. وفيها: درَّس الحسن (٥) بن سلمان (٦) بالنظامية ببغداد. وفيها: ورد أبو الفتوح الإسفراييني، فوعظ ببغداد، فأورد أحاديث كثيرة منكرة جدًّا فاستتيب منها، وأمر بالانتقال عنها إلى غيرها، فشدّ معه جماعة من الأكابر، وردّوه إلى ما كان عليه، فوقع بسببه فتن كثيرة بين الناس، حتى رجمه بعض العامة [في الأسواق] وذلك لأنه كان يطلق عبارات لا يحتاج إلى إيرادها، فنفرت منه قلوب العامة] (٧)، وأبغضوه. وجلس الشيخ عبد القادر الجيلي، فتكلم على الناس فأعجبهم (٨)، وأحبوه، وتركوا ذاك. وفيها: قَتل السلطان سَنْجر من الباطنية [نحوًا من اثني] (٩) عشر ألفًا. وحج بالناس نظر الخادم. وممن توفي فيها من الأعيان: محمد بن عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد، أبو الحسن (١٠) بن أبي الفضل الهمذاني (١١) الفرضي، صاحب التاريخ.

стр. 6195

من بيت الحديث والأئمة (١). وذكر ابن الجوزيّ (٢) عن شيخه عبد الوهاب: أنه طُعِن فيه. توفي فجأة في شوال من هذه السنة. ودفن إلى جانب ابن سريج (٣). فاطمة (٤) بنت الحسن بن الحسن بن فضلويه (٥): سمعت الخطيب وابن المُسلمة وغيرهما. وكانت واعظة، لها رباط تجتمع فيه الزاهدات. وقد سمع عليها ابن الجوزي (٦) مسند الشافعي وغيره. أبو محمد عبد الله بن محمد بن السِّيْد البَطلْيَوْسي (٧). ثم البَلَنْسِي (٨): صاحب المصنفات في اللغة وغيرها. جمع "المُثَلَّث" في مجلدين، وزاد فيه علىّ قُطْرب شيئًا كثيرًا. وله شرح "سقط الزند" لأبي العلاء، أحسن من شرح المصنف، وله شرح "أدب الكاتب" لابن قتيبة. ومن شعره الذي أورده القاضي ابن خلكان (٩): [من الطويل] أَخُو العِلْمِ حَيٌّ خَالِدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ … وَأَوْصَالُهُ تَحْتَ التُّرابِ رَمِيمُ وَذُو الجَهْلِ مَيْتٌ وَهوَ مَاشٍ على الثَّرى … يُظَنُّ مِنَ الأَحْيَاءِ وَهْوَ عديمُ ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين وخمسمئة في أولها قدم رسول من (١٠) سَنْجر إلى الخليفة يسأل منه أن يُخْطَب له على المنابر ببغداد (١١) يُخطب له كل جمعة في جامع (١٢).

стр. 6196

وفيها (١): مات ابن صدقة وزير الخليفة [واستنيب في الوزارة] (٢) نقيب النقباء. وفيها: اجتمع السلطان (٣) محمود بعمه سَنْجر، واصطلحا بعد خشونة. وسلّم سَنْجر دُبيسًا إلى السلطان محمود، على أن يسترضي عنه الخليفة، ويعزل زنكي عن الموصل وبلادها، ويسلم ذلك (٤) إلى دُبيس. واشتهر في ربيع الأول ببغداد أن دُبيسًا أقبل إلى بغداد في جيش كثيف، فكتب الخليفة إلى السلطان محمود: لئن لم تكفَّ دُبيْسًا عن القدوم إلى بغداد (٥) وإلا خرجنا إليه، ونقضنا ما بيننا وبينك من العهود والصلح. وفيها: ملك الأتابك زنكي بن آقسنْقر مدينة حلب وما حولها من البلاد. وفيها: ملك تاج الملوك بوري بن طغتكين مدينة دمشق بعد وفاة أبيه، وقد كان أبوه من مماليك تتش بن ألب أرسلان. وكان عاقلًا حازمًا عادلًا خيرًا كثير الجهاد في الفرنج، ﵀. وفيها: عُمل ببغداد مُصَلًّى للعيد ظاهر باب الحلبة، وحُوّط عليه، وجُعِل فيه قبلة. وحج بالناس في هذه السنة الأمير نظر الخادم المتقدم ذِكره، جزاه الله خيرًا. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن بن علي بن صدقة (٦)، أبو علي، وزير المسترشد: توفي في رجب منها. ومن شعره الذي أورده له ابن الجوزي (٧) مما بالغ فيه (٨) قوله: [من الطويل] وَجَدْتُ الوَرَى كَالماءِ طَعْمًا وَرِقَّةً … وأَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنينَ زُلالُه وَصَوَّرْتُ مَعْنَى العَقْلِ شخصًا مُصَوَّرًا … وأَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنينَ مِثالُهُ فَلَوْلَا مَكَانُ (٩) الدِّينِ وَالشَّرْعِ (١٠) وَالتُّقَى … لَقُلْتُ مِن الإعْظامِ ﷻ (١١)

стр. 6197

الحسين بن علي بن أبي القاسم اللَّامِشِي (١): من أهل سمرقند، روى الحديث، وتفقه. وكان يضرب به المثل في المناظرة، وكان خيّرًا ديّنًا على طريقة السلف، مطّرحًا للتكلف، أمّارًا بالمعروف. قدم من عند الخاقان ملك ما وراء النهر في رسالة إلى دار الخلافة، فقيل له: ألا تحجُّ عامك هذا؟ فقال: لا أجعل الحج تبعًا لرسالتهم. فعاد إلى بلده، فمات في رمضان من هذه السنة عن إحدى وثمانين سنة، ﵀. طُغْتِكِين الأتابك (٢)، صاحب دمشق التركي: أحد غلمان تاج الدولة تُتُش بن أَلْب أَرْسَلان السُّلْجُوقي. كان من خيار الملوك وأعدلهم وأكثرهم جهادًا للأعداء، وكانت وفاته في هذا العام، وقام في الملك من بعده ولده تاج الملوك بُورِي. ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وخمسمئة في المحرم منها (٣)، دخل السلطان محمود إلى بغداد، واجتهد في أن يُرْضي (٤) الخليفة عن دُبَيْس وأن يُسَلِّم إليه بلادَ الموصل، فامتنع الخليفة من ذلك، وأبى أشدّ الإباء، [ولم يمكن] (٥) ذلك (٦). هذا وقد تأخر دُبَيْس عن الدخول إلى بغداد، ثم دخلها، وركب بين الناس، فلعنوه وشتموه في وجهه. وقدم عماد الدين زَنْكي [بن آقسنقر] (٧) فبذل للسلطان في كل سنة مئة ألف ديار، وهدايا وتُحفًا، والتزم للخليفة (٨) بمثلها على ألا يولّي دُبيسًا شيئًا، وعلى أن يستمر زَنْكي على عمله بالموصل، فأقرّه

стр. 6198

على ذلك، وخلع عليه، فرجع إلى عمله. وملك في هذه السنة مدينة حلب وحماة، وأسر ملكها سونج (١) ابن تاج الملوك، فافتدى نفسه بخمسين ألف دينار. وفي يوم الإثنين سلخ ربيع الآخر خلع الخليفة على نقيب النقباء بالوزارة استقلالًا، ولا يُعرف أحد من العباسيين باشر الوزارة غيره. وفي رمضان منها جاء دُبيس في جيش إلى الحِلة فملكها، ودخل إليها في أصحابه، وكانوا ثلاثمئة فارس، ثم إنه شرع في جمع الأموال، وأخذ الغلّات من القرى حتى حصّل نحوًا من خمسمئة ألف دينار، واستخدم قريبًا من عشرة آلاف مقاتل، وتفاقم الحال بأمره وبسببه. وبعث إلى الخليفة يسترضيه، فلم يرض عنه، وعرض عليه أموالًا كثيرة جدًّا، فلم يقبلها الخليفة، وكتب الخليفة إلى السلطان (٢)، فبعث إليه جيشًا فانهزم مهم، وذهب إلى البرِّية، لا جمع الله به شملًا، وأغار على البصرة فأخذ منها حواصل السلطان والخليفة. ثم دخل البرِّية فانقطع خبره. وفي هذه السنة قتل صاحب دمشق من الباطنية ستة آلاف وعلّق رأس كبيرهم (٣) على باب القلعة، وأراح الله أهل الشام مهم. وفيها: حاصرت الفرنج مدينة دمشق، فخرج إليهم أهلها، فقاتلوهم قتالًا عظيمًا. وبعث أهل دمشق عبد الوهاب (٤) الواعظ، ومعه جماعة من التجار إلى بغداد يستغيثون بالخليفة، فهمُّوا (٥) بكسر منبر الجامع حتى وعدهم بأنه سيكتب إلى السلطان (٦) ليبعث لهم جيشًا كثيفًا، [نصرةً لأهل الشام] (٧)، فسكنت الأمور، فلم يبعث إليهم جيشًا، حتى نصرهم الله من عنده، [فهزمهم المسلمون] (٨)، وقتلوا مهم عشرة آلاف ولم يفلت منهم سوى أربعين نفسًا، ولله الحمد والمنة. وفيها: قتل بيمند الفرنجي صاحب أنطاكية. وفي هذه السنة تخبَّط الناس في الحج، حتى ضاق الوقت بسبب فتنة دُبيس، قبحه الله، حتى حجّ بهم أحد مماليك يرنقش الزكوي، وكان اسمه بغاجق.

стр. 6199

وممن توفي فيها من الأعيان: أسعد بن أبي نصر المِيْهَني (١)، أبو الفتح: أحد أئمة الشافعية في زمانه، تفقّه على أبي المظفر السمعاني. وساد أهل زمانه وبرع وتفرد من بين أقرانه. وولي تدريس النظامية ببغداد، وحصل له وجاهة عند الخاص والعام، وعلق عنه "تعليقة في الخلاف" ثم عزل عن النظامية فسار إلى همذان. فمات بها في هذه السنة، رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة أربع وعشرين وخمسمئة فيها: كانت زلزلة عظيمة بالعراق، تهدمت (٢) بسببها دور كثيرة ببغداد. ووقع بأرض الموصل مطر عظيم، فسقط بعضه نارًا تأجج، فاحترقت (٣) دور كثيرة من ذلك وتهارب الناس. وفيها: وجد ببغداد عقارب طيَّارة لها شوكتان، فخاف الناس منها خوفًا شديدًا. وفيها: ملك السلطان سَنْجر مدينة سمرقند وكان بها محمد خان (٤). وفيها: ملك عماد الدين زنكي بلادًا كثيرة من الجزيرة [ومن بلاد] (٥) الفرنج. وجرت له معهم حروب طويلة وخطوب جليلة، ونُصر عليهم في تلك المواقف كلها، ولله الحمد والمنة، وقتل خلقًا من جيش الروم حين قدموا إلى الشام، ومدحه الشعراء على ذلك. قتل خليفة مصر الفاطمي وفي ثاني ذي القعدة قتل الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله بن المستعلي، صاحب مصر، قتله (٦) الباطنية، وله من العمر أربع وثلاثون سنة، وكانت مدة خلافته تسعًا وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفًا.

стр. 6200

وكان هذا الرجل هو العاشر من الفاطميين والعاشر من ولد عبيد الله المهدي، ولما قتل الأمير تغلّب على الديار المصرية غلام (١) من غلمان الخليفة أرمني، فاستحوذ على الأمور ثلاثة أيام حتى حضر أبو علي أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي، فأقام الخليفة الحافظ أبا الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم بن المستنصر باللّه، وله من العمر ثمان وخمسون سنة، ولما أقامه استحوذ على الأمور دونه، وحصره في مجلسه، [لا يدخل إليه أحد إلا من يريده] (٢)، ونقل الأموال من القصر إلى داره، ولم يبق للحافظ سوى الاسم فقط. وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن عثمان (٣) بن محمد، أبو إسحاق (٤) الغَزِّي الكَلْبي (٥): من أهل غزة. جاوز الثمانين. وله شعر جيد. ومن شعره في الأتراك قوله: [من البسيط] (٦) في فتية مِنْ جُيُوشِ التُركِ ما تَرَكتْ … للرَّعْدِ كَرَّاتُهم (٧) صَوْتًا وَلا صِيتا قَوْمٌ إذا قُوبلوا (٨) كانُوا مَلائِكَةً … حُسْنًا وإن قُوتلوا كانُوا عَفَارِيتا وله: [من الكامل] لَيْتَ الذي بالعِشْقِ دُونَكَ خَصَّني … يا ظالمي قَسَمَ المَحَبَّة بَيْنَنَا أَلْقَى الهِزَبْرَ فَلا أَخَافُ وُثُوبَهُ … وَيرُوعُني نَظَرُ الغَزال إِذا رَنَا وله: [من الخفيف] إنَّما هذِهِ الحياةُ متاعٌ … والسَّفيهُ الغَوِيُّ مَنْ يَصْطَفيها ما مَضَى فاتَ والمُؤَمّلُ غَيْبٌ … وَلَكَ السَّاعَةُ التي أَنْتَ فيها وله أيضًا (٩): [من الكامل]
следующие страницы →