← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

وفيها (١): مات ابن صدقة وزير الخليفة [واستنيب في الوزارة] (٢) نقيب النقباء. وفيها: اجتمع السلطان (٣) محمود بعمه سَنْجر، واصطلحا بعد خشونة. وسلّم سَنْجر دُبيسًا إلى السلطان محمود، على أن يسترضي عنه الخليفة، ويعزل زنكي عن الموصل وبلادها، ويسلم ذلك (٤) إلى دُبيس. واشتهر في ربيع الأول ببغداد أن دُبيسًا أقبل إلى بغداد في جيش كثيف، فكتب الخليفة إلى السلطان محمود: لئن لم تكفَّ دُبيْسًا عن القدوم إلى بغداد (٥) وإلا خرجنا إليه، ونقضنا ما بيننا وبينك من العهود والصلح. وفيها: ملك الأتابك زنكي بن آقسنْقر مدينة حلب وما حولها من البلاد. وفيها: ملك تاج الملوك بوري بن طغتكين مدينة دمشق بعد وفاة أبيه، وقد كان أبوه من مماليك تتش بن ألب أرسلان. وكان عاقلًا حازمًا عادلًا خيرًا كثير الجهاد في الفرنج، ﵀. وفيها: عُمل ببغداد مُصَلًّى للعيد ظاهر باب الحلبة، وحُوّط عليه، وجُعِل فيه قبلة. وحج بالناس في هذه السنة الأمير نظر الخادم المتقدم ذِكره، جزاه الله خيرًا. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن بن علي بن صدقة (٦)، أبو علي، وزير المسترشد: توفي في رجب منها. ومن شعره الذي أورده له ابن الجوزي (٧) مما بالغ فيه (٨) قوله: [من الطويل] وَجَدْتُ الوَرَى كَالماءِ طَعْمًا وَرِقَّةً … وأَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنينَ زُلالُه وَصَوَّرْتُ مَعْنَى العَقْلِ شخصًا مُصَوَّرًا … وأَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنينَ مِثالُهُ فَلَوْلَا مَكَانُ (٩) الدِّينِ وَالشَّرْعِ (١٠) وَالتُّقَى … لَقُلْتُ مِن الإعْظامِ ﷻ (١١)

стр. 6197

الحسين بن علي بن أبي القاسم اللَّامِشِي (١): من أهل سمرقند، روى الحديث، وتفقه. وكان يضرب به المثل في المناظرة، وكان خيّرًا ديّنًا على طريقة السلف، مطّرحًا للتكلف، أمّارًا بالمعروف. قدم من عند الخاقان ملك ما وراء النهر في رسالة إلى دار الخلافة، فقيل له: ألا تحجُّ عامك هذا؟ فقال: لا أجعل الحج تبعًا لرسالتهم. فعاد إلى بلده، فمات في رمضان من هذه السنة عن إحدى وثمانين سنة، ﵀. طُغْتِكِين الأتابك (٢)، صاحب دمشق التركي: أحد غلمان تاج الدولة تُتُش بن أَلْب أَرْسَلان السُّلْجُوقي. كان من خيار الملوك وأعدلهم وأكثرهم جهادًا للأعداء، وكانت وفاته في هذا العام، وقام في الملك من بعده ولده تاج الملوك بُورِي. ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وخمسمئة في المحرم منها (٣)، دخل السلطان محمود إلى بغداد، واجتهد في أن يُرْضي (٤) الخليفة عن دُبَيْس وأن يُسَلِّم إليه بلادَ الموصل، فامتنع الخليفة من ذلك، وأبى أشدّ الإباء، [ولم يمكن] (٥) ذلك (٦). هذا وقد تأخر دُبَيْس عن الدخول إلى بغداد، ثم دخلها، وركب بين الناس، فلعنوه وشتموه في وجهه. وقدم عماد الدين زَنْكي [بن آقسنقر] (٧) فبذل للسلطان في كل سنة مئة ألف ديار، وهدايا وتُحفًا، والتزم للخليفة (٨) بمثلها على ألا يولّي دُبيسًا شيئًا، وعلى أن يستمر زَنْكي على عمله بالموصل، فأقرّه

стр. 6198

على ذلك، وخلع عليه، فرجع إلى عمله. وملك في هذه السنة مدينة حلب وحماة، وأسر ملكها سونج (١) ابن تاج الملوك، فافتدى نفسه بخمسين ألف دينار. وفي يوم الإثنين سلخ ربيع الآخر خلع الخليفة على نقيب النقباء بالوزارة استقلالًا، ولا يُعرف أحد من العباسيين باشر الوزارة غيره. وفي رمضان منها جاء دُبيس في جيش إلى الحِلة فملكها، ودخل إليها في أصحابه، وكانوا ثلاثمئة فارس، ثم إنه شرع في جمع الأموال، وأخذ الغلّات من القرى حتى حصّل نحوًا من خمسمئة ألف دينار، واستخدم قريبًا من عشرة آلاف مقاتل، وتفاقم الحال بأمره وبسببه. وبعث إلى الخليفة يسترضيه، فلم يرض عنه، وعرض عليه أموالًا كثيرة جدًّا، فلم يقبلها الخليفة، وكتب الخليفة إلى السلطان (٢)، فبعث إليه جيشًا فانهزم مهم، وذهب إلى البرِّية، لا جمع الله به شملًا، وأغار على البصرة فأخذ منها حواصل السلطان والخليفة. ثم دخل البرِّية فانقطع خبره. وفي هذه السنة قتل صاحب دمشق من الباطنية ستة آلاف وعلّق رأس كبيرهم (٣) على باب القلعة، وأراح الله أهل الشام مهم. وفيها: حاصرت الفرنج مدينة دمشق، فخرج إليهم أهلها، فقاتلوهم قتالًا عظيمًا. وبعث أهل دمشق عبد الوهاب (٤) الواعظ، ومعه جماعة من التجار إلى بغداد يستغيثون بالخليفة، فهمُّوا (٥) بكسر منبر الجامع حتى وعدهم بأنه سيكتب إلى السلطان (٦) ليبعث لهم جيشًا كثيفًا، [نصرةً لأهل الشام] (٧)، فسكنت الأمور، فلم يبعث إليهم جيشًا، حتى نصرهم الله من عنده، [فهزمهم المسلمون] (٨)، وقتلوا مهم عشرة آلاف ولم يفلت منهم سوى أربعين نفسًا، ولله الحمد والمنة. وفيها: قتل بيمند الفرنجي صاحب أنطاكية. وفي هذه السنة تخبَّط الناس في الحج، حتى ضاق الوقت بسبب فتنة دُبيس، قبحه الله، حتى حجّ بهم أحد مماليك يرنقش الزكوي، وكان اسمه بغاجق.

стр. 6199

وممن توفي فيها من الأعيان: أسعد بن أبي نصر المِيْهَني (١)، أبو الفتح: أحد أئمة الشافعية في زمانه، تفقّه على أبي المظفر السمعاني. وساد أهل زمانه وبرع وتفرد من بين أقرانه. وولي تدريس النظامية ببغداد، وحصل له وجاهة عند الخاص والعام، وعلق عنه "تعليقة في الخلاف" ثم عزل عن النظامية فسار إلى همذان. فمات بها في هذه السنة، رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة أربع وعشرين وخمسمئة فيها: كانت زلزلة عظيمة بالعراق، تهدمت (٢) بسببها دور كثيرة ببغداد. ووقع بأرض الموصل مطر عظيم، فسقط بعضه نارًا تأجج، فاحترقت (٣) دور كثيرة من ذلك وتهارب الناس. وفيها: وجد ببغداد عقارب طيَّارة لها شوكتان، فخاف الناس منها خوفًا شديدًا. وفيها: ملك السلطان سَنْجر مدينة سمرقند وكان بها محمد خان (٤). وفيها: ملك عماد الدين زنكي بلادًا كثيرة من الجزيرة [ومن بلاد] (٥) الفرنج. وجرت له معهم حروب طويلة وخطوب جليلة، ونُصر عليهم في تلك المواقف كلها، ولله الحمد والمنة، وقتل خلقًا من جيش الروم حين قدموا إلى الشام، ومدحه الشعراء على ذلك. قتل خليفة مصر الفاطمي وفي ثاني ذي القعدة قتل الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله بن المستعلي، صاحب مصر، قتله (٦) الباطنية، وله من العمر أربع وثلاثون سنة، وكانت مدة خلافته تسعًا وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفًا.

стр. 6200

وكان هذا الرجل هو العاشر من الفاطميين والعاشر من ولد عبيد الله المهدي، ولما قتل الأمير تغلّب على الديار المصرية غلام (١) من غلمان الخليفة أرمني، فاستحوذ على الأمور ثلاثة أيام حتى حضر أبو علي أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي، فأقام الخليفة الحافظ أبا الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم بن المستنصر باللّه، وله من العمر ثمان وخمسون سنة، ولما أقامه استحوذ على الأمور دونه، وحصره في مجلسه، [لا يدخل إليه أحد إلا من يريده] (٢)، ونقل الأموال من القصر إلى داره، ولم يبق للحافظ سوى الاسم فقط. وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن عثمان (٣) بن محمد، أبو إسحاق (٤) الغَزِّي الكَلْبي (٥): من أهل غزة. جاوز الثمانين. وله شعر جيد. ومن شعره في الأتراك قوله: [من البسيط] (٦) في فتية مِنْ جُيُوشِ التُركِ ما تَرَكتْ … للرَّعْدِ كَرَّاتُهم (٧) صَوْتًا وَلا صِيتا قَوْمٌ إذا قُوبلوا (٨) كانُوا مَلائِكَةً … حُسْنًا وإن قُوتلوا كانُوا عَفَارِيتا وله: [من الكامل] لَيْتَ الذي بالعِشْقِ دُونَكَ خَصَّني … يا ظالمي قَسَمَ المَحَبَّة بَيْنَنَا أَلْقَى الهِزَبْرَ فَلا أَخَافُ وُثُوبَهُ … وَيرُوعُني نَظَرُ الغَزال إِذا رَنَا وله: [من الخفيف] إنَّما هذِهِ الحياةُ متاعٌ … والسَّفيهُ الغَوِيُّ مَنْ يَصْطَفيها ما مَضَى فاتَ والمُؤَمّلُ غَيْبٌ … وَلَكَ السَّاعَةُ التي أَنْتَ فيها وله أيضًا (٩): [من الكامل]

стр. 6201

قَالوا هَجَرْتَ الشِّعْرَ (١) قُلْتُ ضَرورَةً … بابُ البَوَاعِثِ والدَّوَاعي (٢) مُغْلَقُ خَلَتِ البِلاد (٣) فَلا كَرِيمٌ يُرْتَجَى … مِنْهُ النَّوالُ وَلا مَليحٌ يُعْشَقُ وَمِنَ العَجَائِبِ أَنَّهُ لا يُشْتَرى … ويُخَان (٤) فيه مَعَ الكَسَادِ ويُسْرَقُ ومما أنشده ابن خلكان في "الوفيات" من شعره الرائق قوله: [من البسيط] إشَارةٌ مِنْكَ تكفينا وأَحْسَنُ ما … رُدَّ السَّلامُ غَدَاةَ البَيْنِ بالعَنَمِ حَتَّى إذا طاحَ عَنْها المِرْطُ مِنْ دَهَشٍ … وَانْحَلَّ بالضَّمِّ سِلْكُ العِقْدِ في الظُّلَمِ تَبَسَّمَتْ فَأَضَاءَ اللَّيْلُ فَالتَقَطَتْ … حَبَّاتِ مُنْتَثِرٍ في ضَوْءِ مُنْتَظِمِ وكانت وفاته في هذه السنة ببلاد بلخ، ودفن (٥) فيها، [﵀] (٦). الحسين بن محمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن الحسين بن عبد الله (٧) بن القاسم (٨) بن (عبد الله) بن سليمان بن وهب الدباس، أبو عبد الله الشاعر المعروف بالبارع (٩): قرأ القراءات، وسمع الحديث، وكان عارفًا بالنحو واللغة والأدب، وله شعر رائق، وكانت وفاته في هذه السنة، وقد جاوز الثمانين، ﵀. محمد بن سعدون بن مرجّى، أبو عامر العبدري (١٠) القرشي الحافظ: أصله من ميورقة (١١) من بلاد المغرب، ودخل بغداد، وسمع (١٢) بها على طِراد الزينبي والحُميدي وغير واحد. وكانت له معرفة

стр. 6202

بالحديث جيدة (١)، وكان يذهب بالفروع مذهب الظاهرية. توفي ببغداد في ربيع الآخر (٢)، ﵀ (٣). ثم دخلت سنة خمس وعشرين وخمسمئة فيها: ضَلَّ دُبَيْسٌ عن الطريق في البرِّيَّة، فأسره بعض أمراء الأعراب بأرض الشام، وحمله إلى ملك دمشق بوري بن طُغْتِكين، فباعه من زنكي بن آقسُنْقر، صاحب الموصل بخمسين ألف دينار، فلما حصل في يده لم يشك دبيس (٤) أنه سيهلكه، لما بينهما من العداوة، فأكرمه زنكي، وأعطاه أموالًا جزيلة، وقدّمه واحترمه، ثم جاءت رسل الخليفة في طلبه، فبعثه معهم، فلما وصل إلى الموصل حبس في قلعتها. وفيها: وقع بين الأخوين محمود ومسعود، فتواجها للقتال، ثم اصطلحا. وفيها: كانت وفاة الملك محمود بن [محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان] (٥)، فأقيم في الملك مكانه ابنه (٦) داود، وجعل له أتابكُ، وزير أبيه، وخطب له بأكثر البلاد (٧). وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد (٨) بن عبد القاهر (٩)، أبو نصر الطواسي: سمع الحديث، وتفقّه بالشيخ أبي إسحاق الشيرازي. وكان شيخًا لطيفًا عليه نور. قال ابن الجوزي (١٠): أنشدني: [من الطويل] عَلَى كُلِّ حالٍ فَاجْعَلِ الحَزْمَ عُدَّةً … تُقَدِّمُه (١١) بَيْنَ النَّوائب والدَّهْرِ

стр. 6203

فإنْ نِلْتَ خَيْرًا نِلْتَهُ بعزيمة … وَإنْ قَصُرَتْ عَنْكَ الخُطوبُ فَعَنْ عُذْرِ قال (١): وأنشدني أيضًا: [من البسيط] لَبِسْتُ ثَوْبَ الرَّجا والنّاسُ قَدْ رَقَدوا … وقُمْتُ أَشْكُو إلى مَوْلَايَ ما أَجِدُ وَقُلْتُ يا عُدَّتي في كُلِّ نائِبةٍ … وَمَنْ عَلَيْهِ لكَشْفِ الضُّرّ أَعْتَمِدُ وَقَدْ مَدَدْتُ يَدي والضُّرُ مُشْتَمِلُ (٢) … إِلَيْكَ يا خَيْرَ مَنْ مُدَّتْ إلَيْهِ يَدُ فَلا تَرُدَّنَها يا رَبِّ خَائِبَةً … فَبَحْرُ جُودِك يَرْوي كُلَّ (٣) مَنْ يَرِدُ الحسن (٤) بن سلمان (٥) بن عبد الله بن الفَتَى (٦) أبو علي الفقيه: مدرس النظامية. وقد وعظ بجامع القصر، وكان يقول: أنا في الفقه منتهي، وفي الوعظ مبتدي (٧). وقد توفي في هذه السنة، وغسّله القاضي أبو العباس بن الرطبي، ودفن عند أبي إسحاق. حماد بن مسلم الرَّحَبي الدباس (٨): كان يذكر له أحوال ومكاشفات، واطلاع على مغيَّبات (٩)، وغير ذلك من المقامات. ورأيت ابن الجوزي (١٠) يتكلم فيه ويقول: كان عريًّا من العلوم الشرعية، وإنما ينفُق على الجهال. وذكر عن ابن عقيل أنه كان ينفِّر الناس عنه؛ وكان حماد الدباس يقول: ابن عقيل عَدُوّي. قال ابن الجوزي (١١): وكان الناس ينذرون له فيقبل ذلك، ثم ترك ذلك، وصار يأخذ من المنامات، وينفق على أصحابه. وكانت وفاته في رمضان، ودفن في الشونيزية (١٢).

стр. 6204

علي (١) بن المستظهر باللّه، أخو الخليفة المسترشد: توفي في رجب [من هذه السنة] (٢)، وله من العمر إحدى وعشرون سنة، فترك ضرب الطبول وجلس الناس للعزاء أيامًا. محمد (٣) بن أحمد بن أبي الفضل الماهِياني، أحد أئمة الشافعية: تفقه بإمام الحرمين وغيره. ورحل في طلب العلم والحديث إلى بلاد شتى. ودرّس وأفتى وناظر. وتوفي [في هذه السنة] (٤)، [وقد قارب التسعين] (٥). ودفن بقرية ماهِيان (٦) من بلاد مرو، ﵀. محمود (٧) السلطان بن السلطان محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق: كان من خيار الملوك، وكان فيه حلم وأناة، [وبِرٌّ وصِلات] (٨)، وجلس لعزائه ثلاثة أيام، سامحه الله. هبة الله (٩) بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن العباس بن الحُصَيْن (١٠)، أبو القاسم الشيباني: راوي المسند [عن أبي علي بن المُذْهب] (١١)، عن أبي بكر بن مالك، عن عبد الله [بن أحمد] (١٢)

стр. 6205

عن أبيه. وقد سمع قديمًا، لأنه ولد في سنة ثنتين وثلاثين وأربعمئة، وباكر به أبوه فأسمعه ومعه أخوه عبد الواحد على جماعة من عِلْيَة المشايخ، وقد روى عنه ابن الجوزي وغير واحد. وكان ثقة ثبتًا صحيح السماع. توفي بين الظهر والعصر يوم الأربعاء [رابع شوال من هذه السنة] (١)، وله ثلاث وتسعون سنة رحمه الله تعالى (٢). ثم دخلت سنة ست وعشرين وخمسمئة فيها: قدم مسعود بن محمد [بن ملكشاه] (٣)، وقدمها قراجا الساقي، ومعه (٤) سلجوق شاه بن محمد، وكل منهما يطلب المُلْكَ لنفسه، وقدم عماد الدين زنكي بن آقسُنقر لينضم إليهما، فتلقاه قراجا الساقي، فهزمه، فهرب منه إلى تكريت، فخدمه نائب قلعتها نجم الدين أيوب [والد الملك صلاح الدين يوسف] (٥) الذي [فتح القدس فيما بعد، فكان هذا هو السبب في مصير نجم الدين] (٦) أيوب إليه، وهو بحلب، فخدم عنده، ثم كان من الأمور ما سيأتي بيانه مما قدَّره الله تعالى (٧). ثم إن الملك (٨) مسعودًا وسلجوق شاه اجتمعا، فاصطلحا، وركبا إلى الملك سَنجر، فاقتتلا (٩) معه، فكان، جيشه مئة وستين ألفًا، وكان جيشهما قريبًا من ثلاثين ألفًا، فكان (١٠) جملة من قتل بينهم أربعين ألفًا، وأَسر جيشُ سَنجر قراجا الساقي فقتله صبرًا بين يديه، وأجلس (١١) طُغْرل بن محمد على سرير الملك، وخطب له على المنابر، ورجع سنجر إلى بلاده، وكتب طُغْرُل إلى دُبيس وزنكي ليذهبا إلى بغداد ليأخذاها (١٢)، فأقبلا في جيش كثيف، فبرز إليهم الخليفة، فهزمهما، وقتل خلقًا من أصحابهما، وأزاح الله شرهما عنه، وللّه الحمد.

стр. 6206

وفيها: قتل أبو علي (١) بن الأفضل بن بدر الجمالي وزير الحافظ الفاطمي (٢)، فنقل الحافظ الأموال التي كان أخذها إلى داره، واستوزر بعده أبا الفتح يانس الحافظي، ولقَّبه أمير الجيوش، ثم احتال له فقتله واستوزر الحافظ ولده حسنًا وخطب له بولاية العهد. وفيها: عزل المسترشد وزيره علي بن طِراد الزينبي واستوزر أنوشروان بن خالد بعد تمنّع. وفيها: ملك دمشق شمس الملوك إسماعيل بن بوري بن طُغْتِكِين بعد وفاة أبيه، واستوزر يوسف ابن فيروز، وكان خيّرًا، فملك بلادًا كثيرة، وأطاعه إخوته (٣). وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن محمد بن أحمد بن حمدان بن عمر بن عيسى بن إبراهيم بن سعد (٤) بن عتبة بن فرقد (٥) السلمي، ويعرف بابن كادش العكبَري (٦)، أبو العز البغدادي: سمع الحديث الكثير، وكان يفهمه ويرويه (٧)، وهو آخر من روى عن الماوردي، وقد أثنى عليه غير واحد، منهم أبو محمد بن الخشاب، وكان محمد بن ناصر يتهمه ويرميه بأنه اعترف بوضع الحديث، فالله أعلم. وقال عبد الوهاب الأنماطي (٨): كان مخلِّطًا. توفي في جمادى الأولى [من هذه السنة] (٩). محمد بن محمد بن الحسين [بن محمد، أبو الحسين] (١٠) بن القاضي أبي يعلى بن الفراء (١١) الحنبلي: ولد في شعبان من سنة إحدى وخمسين وأربعمئة. سمع أباه وغيره، وتفقه وناظر وأفتى ودرّس. وكان له

стр. 6207

بيت فيه مال فعُدِيَ عليه من الليل فقتل وأخذ ماله، ثم أظهر الله قاتليه فقُتِلوا (١)، رحمه الله تعالى (٢). ثم دخلت سنة سبع وعشرين وخمسمئة في صفر منها (٣) دخل السلطان مسعود إلى بغداد، فخُطب له [على منابرها] (٤)، وخَلَع عليه الخليفة وولَّاه السلطنة، [ولما ذُكر على المنابر] (٥) نُثرت (٦) الدنانير والذهب على الناس، وخُلِعَ أيضًا على الملك (٧) داود بن محمود. وفيها: جمع دُبيس جمعًا كثيرًا بواسط، وانضم إليه جماعة، فأرسل إليه السلطان جيشًا فكسروه وفرّقوا شمله. ثم إن (٨) الخليفة عزم على الخروج إلى الموصل ليأخذها من يد زنكي، فخرج في جيش كثيف وخلقٍ من الأمراء والأكابر والوزراء، فلما اقترب منها بعث إليه عماد الدين زنكي يعرض عليه (٩) من الأموال الجزيلة والتحف شيئًا كثيرًا ليرجع (١٠) عنه، فلم يقبل. ثم بلغه أن السلطان مسعودًا قد اصطلح مع دبيس، وخلع عليه، فكرَّ راجعًا سريعًا إلى بغداد سالمًا معظَّمًا. وفيها: مات ابن الرزَّاغوني أحد أئمة الحنابلة، فطلب حلقته ابن الجوزي، وكان شابًا، فحصلت لغيره، ولكن أذن له الوزير أنوشروان في الوعظ، فتكلم في هذه السنة على الناس بأماكن متعددة من بغداد، وكثرت مجالسه، وازدحم الناس عليه (١١). وفيها: ملك شمس الملوك إسماعيل، صاحب دمشق مدينة حماة، وكانت بيد زنكي. وفي ذي الحجة نهب التركمان مدينة طرابلس، فخرج (١٢) إليهم القومص (١٣)، لعنه الله، الفرنجي،

стр. 6208

فهزموه وقتلوا خلقًا من أصحابه، وحاصروه بها (١) مدة طويلة، حتى طال عليهم الحصار، فانصرفوا. وفيها: ولي (٢) مكة قاسم بن أبي فُلَيْتَة بعد أبيه. وفيها: قتل شمس الملوك أخاه سونج. وفيها: اشترى الباطنية (٣) قلعة حصن القدموس بالشام، فسكنوها (٤)، وحاربوا مَنْ جاورهم من المسلمين والفرنج. وفيها: اقتتلت الفرنج فيما بينهم قتالًا شديدًا (٥)، فمحق الله بسبب ذلك منهم خلقًا كثيرًا، وغزاهم فيها أيضًا عماد الدين زنكي، فقتل منهم ألف قتيل، وغنم أموالًا جزيلة، ويقال لها غزاة (٦) أسوار. وحج بالناس في هذه السنة الأمير نظر الخادم وكذا في التي بعدها وقبلها (٧). وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن سلامة (٨) بن عبيد الله بن مَخْلد بن إبراهيم، أبو العباس بن الرُّطَبي: تفقّه على أبي إسحاق وابن الصباغ ببغداد، وبأصبهان على محمد بن ثابت الخُجَنْدي، ثم ولي الحكم ببغداد بالحريم والحسبة (٩). وكان يؤدَّب أولاد الخليفة. وتوفي في رجب [من هذه السنة] (١٠)، ودفن عند الشيخ أبي إسحاق. أسعد (١١) بن أبي نصر بن أبي الفضل، أبو الفتح (١٢) المِيْهَني، مجد الدين. أحد أئمة الشافعية، وصاحب الطريقة في الخلاف المطروقة. وقد درّس بالنظامية ببغداد في سنة سبع

стр. 6209

عشرة (١) وخمسمئة إلى سنة ثلاث وعشرين (٢). فعزل عنها. واشتهر (٣) أصحابه هنالك، وبَعُد صِيته، ثم كانت وفاته فيما ذكره ابن خلكان في هذه السنة ﵀ (٤). الحسن (٥) بن محمد بن إبراهيم [بن أحمد بن علي، أبو نصر] (٦) اليُونارتي (٧): من قرى أصبهان. سمع الحديث، ورحل وخرّج. وله (٨) تاريخ، وكان يكتب حسنًا، ويقرأ فصيحًا (٩). توفي بأصبهان في هذه السنة. ابن الزاغوني (١٠) علي (١١) بن عبيد الله بن نصر بن السري الزاغوني الإمام الشهير (١٢): قرأ القراءات، وسمع الحديث، واشتغل بالفقه والنحو واللغة. وله المصنفات الكثيرة في الأصول والفروع. وله يد في الوعظ، واجتمع الناس في جنازته [خلقًا كثيرًا] (١٣)، [وكانت حافلة جدًّا] (١٤). على (١٥) بن يعلى بن عوض، أبو القاسم العلوي الهروي: سمع مسند أحمد من ابن (١٦) الحُصَيْن، والتّرمذي من أبي عامر الأزدي. وكان يعظ الناس

стр. 6210

بنيسابور، ثم قدم بغداد، فوعظ بها، فحصل له القبول التام من أهل بغداد، وجمع أموالًا وكتبًا. قال ابن (١) الجوزي: وهو أول من سَلَّكني في الوعظ، وتكلمت بين يديه، وأنا صغير، وتكلمت على الناس عند انصرافه. محمد بن أحمد بن يحيى، أبو عبد الله العثماني الدّيباجي (٢): وكان ببغداد يعرف بالمقدسي. تفقه وكان أشعريَّ الاعتقاد، ووعظ الناس ببغداد. قال ابن [الجوزي] (٣): سمعته ينشد في مجلسه: [من الخفيف] دَعْ جفُوني (٤) يَحِقُّ لي أَنْ أَنُوحا … لم تَدَعْ لي الذُّنُوبُ قَلْبًا صَحِيحا أَخْلَقَتْ مُهْجَتي أَكفُّ المعاصِي … ونَعاني المَشِيبُ نَعْيًا فَصِيحا كُلَّما قُلْتُ قَدْ بَرَى جُرْحُ قَلْبي … عَادَ قَلْبي من الذُّنوبِ جَريحا إنَّما الفَوْزُ والنّعيمُ لِعَبْدٍ … جَاءَ في الحَشْرِ آمِنًا مُسْتَريحا محمد (٥) بن محمد بن الحسين بن محمد بن أحمد بن خلف، أبو خازم (٦) بن أبي يعلى بن الفراء الفقيه ابن الفقيه: ولد سنة سبع وخمسين وأربعمئة، وسمع الحديث. وكان من الفقهاء الزاهدين الأخيار. توفي في صفر منها. أبو محمد (٧) عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حَمْديس الأزدي الصقلي الشاعر المشهور: أورد له ابن خلكان (٨) أشعارًا رائقة، فمنها (٩) قوله (١٠): [من السريع]

стр. 6211

قُمْ هَاتِها مِنْ كَفِّ ذاتِ الوِشاح … فَقَدْ نَعَى اللَّيْلَ بَشيرُ الصَّباح باكِرْ إلى اللَّذاتِ وَارْكَبْ لَهَا … سَوَابِق اللَّهْوِ ذَواتِ المراح مِنْ قَبْلِ أنْ ترشفَ شَمْسُ الضُّحَى … رِيقَ الغَوادي من ثُغورِ الأقاح وله أيضًا (١): زَادَتْ عَلَى كُحْلِ الجُفُونِ تَكَحُّلًا … وَتَسُمُّ نَصْلَ السَّهْمِ وَهْوَ قَتُول ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وخمسمئة فيها: اصطلح الخليفة وزنكي. وفيها: فتح زنكي قلاعًا كثيرة، وقتل خلقًا من الفرنج. وفيها فتح شمس الملوك الشقيف (٢) وبيروت ونهب بلاد الفرنج. وفيها: قدم سُلْجوق شاه بغداد، فنزل بدار المملكة، وأكرمه الخليفة، وأرسل إليه الخليفة (٣) عشرة آلاف دينار، ثم قدم السلطان مسعود وأكثر أصحابه ركاب على الجمال (٤) لقلة الخيل. وفيها: ولي إمرة (٥) بني عُقَيْل أولاد سليمان بن مهارش العُقيلي إكرامًا لجدهم. وفيها: أُعيد ابن طِراد إلى الوزارة. وفيها: خُلِعَ على إقبال المُسترشدي خلع الملوك، ولُقِّب ملك العرب، سيف الدولة، وركب في الخلع وحضر الديوان كذلك. وفيها: قوي أمر الملك طُغْرُل، وضعف أمر الملك مسعود. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن علي بن إبراهيم، أبو الوفاء الفيروزآبادي (٦):

стр. 6212

أحد مشايخ الصوفية. سكن رباط الزوزني، وكان كلامه مُسْتَحلى (١)، وكان يحفظ من سير الصوفية وأخبارهم وأشعارهم (٢) شيئًا كثيرًا. أبو علي الفارقي (٣)، الحسن بن إبراهيم بن بَرْهون، أبو علي الفارقي: ولد سنة ثلاث وثلاثين وأربعمئة، وتفقّه بها على أبي عبد الله محمد بن بيان الكازروني صاحب المحاملي، ثم بالشيخ (٤) أبي إسحاق وابن الصباغ. وسمع الحديث. وكان يكرِّر على "المهذَّب" (٥) و"الشامل". ثم ولي القضاء بواسط. وكان حسن السيرة، جيّد السريرة، مُمَتَّعًا بعقله وحواسه (٦) إلى أن توفي في محرم هذه السنة عن ست وتسعين (٧) سنة. عبد الله (٨) بن محمد بن أحمد بن الحسين، أبو محمد بن أبي بكر الشاشي: سمع الحديث، وتفقّه على أبيه، وناظر، وأفتى. وكان فاضلًا واعظًا فصيحًا مفوّهًا. شكر ابن الجوزي من وعظه وحسن نظمه ونثره ولفظه. توفي في المحرم وقد قارب الخمسين، ﵀، ودفن عند أبيه. محمد بن أحمد بن علي، أبو بكر (٩) القطان (١٠) ويعرف بابن الحلاج البغدادي: سمع الحديث، وقرأ القرآن. وكان خيرًا زاهدًا عابدًا. يُتَبَرَّك بدعائه، ويزار، ﵀. محمد (١١) بن عبد الواحد الشافعي، أبو رشيد: من أهل طبرستان.

стр. 6213

ولد سنة سبع (١) وثلاثين وأربعمئة. وحج وأقام بمكة مدة. وسمع الحديث (٢) وروى (٣) شيئًا يسيرًا. وكان زاهدًا منقطعًا عن الناس مشتغلًا بنفسه (٤). ركب مرّة مع تجار في البحر، فأوفوا على جزيرة، فقال: دعوني في هذه أعبد الله تعالى (٥) فيها، فمانعوه، فأبى إلا المقام بها، فتركوه وساروا، فردّتهم الريح إليه، [فراودوه على المسير معهم، فامتنع، فساروا، فردّتهم الريح إليه] (٦)، فقالوا: إنه لا يمكن المسير (٧) إلا بك، وإذا أردت المقام بها فارجع إليها. فسار معهم، ثم رجع إليها فأقام بها مدة، ثم ترحل عنها. [ويقال: إنه كان يقتات في تلك الجزيرة بأشياء موجودة فيها] (٨). ويقال: إنه كان بها ثعبان يبتلع الإنسان، وبها عين ماءٍ كان يشرب منها ويتوضأ. ثم رجع إلى بلده آمل (٩) فمات بها في هذا العام وقبره مشهور ويزار، ﵀. أم (١٠) الخليفة المسترشد: توفيت ليلة الإثنين بعد العتمة تاسع شوال [من هذه السنة] (١١)، والله سبحانه أعلم (١٢). ثم دخلت سنة تسع وعشرين وخمسمئة فيها: كانت وفاة المسترشد وولاية الراشد. وكان سبب ذلك أنه كان بين السلطان مسعود وبين الخليفة واقع كبير، اقتضى الحال أنّ الخليفة أراد

стр. 6214

قطع خطبته (١) من بغداد، فاتفق موت أخيه طُغْرُل بن محمد بن ملكشاه، فسار إلى البلاد فملكها، وقوي جأشه، ثم شرع بجمع العساكر، ليأخذ بغداد من يد (٢) الخليفة، فلما علم الخليفة بذلك انزعج، واستعدّ لذلك، ففرّ (٣) جماعة من رؤوس الأمراء إلى الخليفة خوفًا على أنفسهم من سطوة الملك مسعود (٤). وركب الخليفة من بغداد في جحافل كثيرة، فيهم القضاة ورؤوس الدولة من جميع الأصناف، فمشوا بين يديه أول منزلة، حتى وصل إلى السرادق، وبعث بين يديه مقدمة، وأرسل الملك مسعود [على مقدمته] (٥) دبيس بن صدقة بن منصور، الذي كان صاحب الحلة، فجرت خطوب كثيرة، [وحروب كبيرة] (٦). وحاصل الأمر أن الجيشين التقيا في عاشر رمضان يوم الإثنين، فاقتتلوا قتالًا شديدًا (٧)، ولم يُقتَل من الصفين سوى خمسة أنفس. ثم حمل الخليفة على جيش الملك مسعود، فهزمهم، ثم تراجعوا، فحملوا على جيش الخليفة، فهزموهم، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وأسروا الخليفة، ثم نُهبت (٨) أمواله وحواصله (٩)، من جملة ذلك: أربعة آلاف ألف دينار، وغير ذلك من الثياب والخلع والأثاث والقماش والماعون (١٠)، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وطار الخبر في الأقاليم بذلك، وحين بلغ الخبر إلى بغداد انزعج الناس لذلك، وزُلزلوا زلزالًا شديدًا، صورةً ومعنى. وجاءت العامة إلى المنابر فكسروها، وامتنعوا عن حضور الجماعات، وخرج النساء من البلد حاسرات ينحن على الخليفة وما جرى عليه من الأسر، وتأسَّى بأهل بغداد في ذلك خلق كثير من أهل البلاد، وتمّت فتنة كبيرة، وانتشرت في الأقاليم، واستمر (١١) الحال على ذلك إلى مستهل شهر ذي القعدة، والشناعة في الأقاليم منتشرة، فكتب الملك سَنْجَر إلى ابن أخيه مسعود يحذِّره غبَّ (١٢)

стр. 6215

ذلك ويبصِّره بما (١) وقع فيه من الأمر العظيم والخطب الجسيم، ويأمره أن يعيد الخليفة [إلى مستقرّ عزّه] (٢) ودار خلافته، فامتثل الملك مسعود ذلك، وضُرب للخليفة سرادق عظيم، ونُصب له قبة عظيمة، وتحتها سرير هائل، وأُلبس السواد على عادته (٣)، وأُركب بعض ما كان يركبه من مراكبه. وجاء الملك مسعود، فقبَّل الأرض بين يديه، وأمسك لجام الفرس، ومشى (٤) في خدمته، والجيش كلُّهم مشاة، فمشى الملك حتى أجلس الخليفة على سريره، ووقف الملك مسعود، [فقبَّل الأرض] (٥) بين يديه، وخلع الخليفة عليه. وجيء بدُبيس مكتوفًا (٦)، وعلى يمينه أميران، وعن يساره أميران، وسيف مسلول، ونسعة بيضاء، فطرح بين يدي الخليفة ماذا يرسم فيه تطييبًا لقلبه. فأقبل السلطان يشفع (٧) في دبيس وهو ملقى يقول: العفو يا أمير المؤمنين، أنا أخطأت، والعفو عند المقدرة، فأمر الخليفة بإطلاقه، وهو يقول: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] فنهض قائمًا، والتمس أن يقبّل يد الخليفة، فأذن له فقبّلها، وأمرّها على وجهه (٨) وصدره. وسأل العفو عنه عما كان منه (٩). واستقر الأمر على ما ذكرنا (١٠)، وطار هذا الخبر في (١١) الآفاق، وفرح الناس بذلك، واطمأنت (١٢) قلوبهم. فلما كان مستهلّ ذي الحجة جاءت الرسل من جهة الملك سنجر إلى ابن أخيه يستحثه على الإحسان إلى الخليفة، [وأن يبادر إلى سرعة ردّه إلى وطنه، وأرسل مع الرسل جيشًا ليكونوا في خدمة الخليفة] (١٣) إلى بغداد، فصحب الجيش عشرة من الباطنية، فقيل: من حيث لا يشعرون، وقيل: بل مجهزين، فالله أعلم. إلا أنهم حالة [وصولهم إلى هناك حملوا على الخليفة في خيمته فقتلوه فيها

стр. 6216

وقطعوه قطعًا] (١). ولم (٢) يلحق الناس منه إلا الرسوم، وقتلوا معه جماعة من أصحابه، منهم أبو عبد الله (٣) بن سُكينة. فأُخذ أولئك الرهط فحرّقوا، قبحهم الله (٤). وسارت (٥) بذلك الركبان في البلدان، فما من أهل بلدة إلا وهم أشدّ حزنًا على الخليفة المسترشد من الأخرى، لا سيّما أهل بغداد، خرجت النساء في الطرقات ينحن عليه ويندبنه. وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي (٦) ما كنّ يقلنه من النياحة على الخليفة ﵀. [وكان مقتله] (٧) على باب مراغة في يوم الخميس سابع عشر ذي القعدة، فحمل إلى بغداد (٨). ولما استقر خبر موته ببغداد عُمل العزاء له ثلاثة أيام بعدما بويع لولده الراشد. ذكر شيء من ترجمة (٩) المسترشد كان، ﵀، شجاعًا مقدامًا بعيد الهمة فصيحًا بليغًا، عذب الكلام حسن الإيراد، مليح الخط، [سديد العبارة] (١٠)، محبَّبًا إلى العامة والخاصة. وهو آخر خليفة رؤي خطيبًا. قتل، ﵀، وعمره ثلاث (١١) وأربعون سنة وثلاثة أشهر، وكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة وستة أشهر وعشرين يومًا. وكانت أمه أم ولد من الأتراك، ﵀.

стр. 6217

خلافة الراشد (١) أبي جعفر منصور بن المسترشد (٢) كان أبوه قد أخذ له العهد، ثم أراد أن يخلعه، فلم يقدر على ذلك [لأنه لم يغدر] (٣)، فلما قتل أبوه بباب مراغة في يوم الخميس السابع عشر من ذي القعدة من سنة تسع وعشرين وخمسمئة كما ذكرنا، [كان هو ببغداد، فلما جاء خبره إليها] (٤) بايعه الأمراء (٥) والأعيان، وخُطب له على المنابر ببغداد وسائر البلاد، وكان إذ ذاك كبيرًا له أولاد. وكان أبيض جسيمًا، حسن اللون. فلما كان يوم عرفة من هذه السنة جيء بالمسترشد، قد نقل من هناك إلى بغداد، فصلّي عليه ببيت النوبة، وكثر الزحام، وخرج الناس لصلاة العيد من الغد، وهم في حزن شديد على المسترشد، ﵀، وقد ظهر الرفض قليلًا في أول أيام الراشد. وممن توفي فيها (٦) من الأعيان: أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر، أبو المظفر، بن أبي بكر الشاشي (٧): تفقّه بأبيه، واخترمته المنية بعد أخيه، ولم يبلغ سن (٨) الرواية (٩) .. إسماعيل بن عبد الملك بن علي، أبو القاسم (١٠) الحاكمي (١١): تفقّه بإمام الحرمين، وكان رفيق الغزالي في الاشتغال وأسن منه، فلهذا (١٢) كان الغزالي يحترمه ويكرمه. وكان فقيهًا بارعًا وعابدًا ورعًا. [وكانت وفاته في هذه السنة بطوس] (١٣)، ودفن إلى جانب الغزالي رحمهما الله.

стр. 6218

دُبَيْس بن صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مَزْيَد، أبو الأغر (١) الأسدي (٢) الأمير ابن الأمير من بيت الإمرة وسادة الأعراب: كان شجاعًا بطلًا، فعل الأفاعيل، وتمزّق في البلاد من خوفه من الخليفة، ثم استُرضي عنه الخليفة المسترشد كما ذكرنا، فلما قُتل الخليفة عاش بعده أربعة وثلاثين يومًا، ثم اتّهم عند السلطان مسعود بأنه قد كاتب زنكي ينهاه عن القدوم إلى (٣) السلطان، [ويحذره منه] (٤) ويأمره أن ينجو بنفسه، فبعث إليه السلطان غلامًا أرمنيًا، فوجده منكسًا (٥) رأسه، يفكر في أمره (٦)، فما كلمه حتى شهر سيفه وضربه، فأبان رأسه عن جثته. ويقال: بل استدعاه السلطان إليه (٧)، فقتله صبرًا بين يديه، فالله أعلم. طُغْرُل السلطان بن السلطان محمد بن ملكشاه (٨): توفي بهمذان يوم الأربعاء ثالث المحرم من هذه السنة. علي (٩) بن الحسن بن الدَّرْزِيجاني (١٠): كان عابدًا زاهدًا. حكى ابن الجوزي (١١) عنه أنه كان يقول: بأن القدرة تتعلق بالمستحيل (١٢)، ثم أنكر عليه (١٣) ذللك (١٤) [أبو الحسن الزاغوني] (١٥)، وعذره لجهله وعدم تعقله (١٦) لما يقول.

стр. 6219

الفضل (١) أبو منصور، أمير المؤمنين المسترشد بالله (٢): كان من خيار الخلقاء العباسيين، شهمًا (٣) شجاعًا، يباشر الحروب بنفسه، وقد أسلفنا ذلك فيما تقدم. قتله الباطنية بباب مراغة يوم الخميس السابع عشر من ذي القعدة من هذه السنة، ثم نقل إلى بغداد فدفن بها، ﵀، وبلّ بالرحمة ثراه، وجعل الجنة منزلته (٤) ومأواه. ثم دخلت سنة ثلاثين وخمسمئة فيها: وقع بين الخليفة الراشد وبين السلطان مسعود، بسبب أنه أرسل إلى الخليفة يطلب منه ما كان كتب له والده المسترشد حين أسره، التزم له (٥) بأربعمئة ألف دينار، فامتنع من أداء (٦) ذلك، وقال: ليس بيننا وبينكم إلا السيف، فوقع بينهما الخُلْفُ، فاستجاش السلطان بالعساكر، واستنهض الخليفة الأمراء، وأرسل إلى عماد الدين زنكي (٧) فجاء والتف عليه (٨) خلائق. وجاء في غضون (٩) ذلك السلطان داود بن محمود بن محمد بن ملكشاه، فخطب له الخليفة ببغداد، وخلع عليه، وبايعه (١٠) على الملك، فتأكدت الوحشة بين السلطان والخليفة جدًّا، وبرز الخليفة إلى ظاهر بغداد، ومشى الجيش بين يديه، كما كانوا يعاملون به (١١) [أباه قبله] (١٢)، وذلك يوم الأربعاء سلخ شعبان، وخرج السلطان داود من جانب آخر، فلما بلغهم كثرة الجيوش مع السلطان مسعود (١٣) حَسَّنَ عماد الدين زنكي للخليفة أن يذهب معه (١٤) [إلى بلاد الموصل. واتّفق دخول السلطان] (١٥) مسعود إلى بغداد في غيبتهم في (١٦) يوم الإثنين

стр. 6220

رابع شوال، فاستحوذ على دار الخلافة بما فيها جميعه حتى استخلص من نساء الخليفة وحظاياه الحلي والمصاغ والثياب التي للزينة وغير ذلك، وجمع القضاة والفقهاء، وأبرز لهم خط الراشد أنه متى خرج من بغداد لقتال السلطان، فقد خلع نفسه من الخلافة، فأفتى من أفتى من الفقهاء بخلعه، فخُلع في يوم الإثنين سادس عشر شهر (١) [ذي القعدة بحكم الحاكم وفتيا أكبر الفقهاء وكانت خلافته أحد عشر شهرًا وأحد عشر يومًا. واستدعى السلطان] (٢) بعمه المقتفي بن المستظهر فبويع بالخلافة عوضًا عن أخيه الراشد بالله. خلافة المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله وأمه صفراء تسمى نسيمًا (٣)، ويقال لها: ست السَّادة، وله من العمر يومئذ أربعون سنة، بويع بالخلافة بعد خلع الراشد بيومين، وخُطب له على المنابر يوم الجمعة العشرين [من ذي القعد (٤)]. ولُقِّب بالمقتفي لأنه يقال: إنه رأى النبي (٥) ﷺ ، في (٦) المنام وهو يقول: (سيصل هذا الأمر إليك). فاقتفِ بي، فصار إليه بعد ستة أيام فلقب بذلك لذلك. فائدة حسنة ينبغي التنبيه (٧) عليها (٨) ولي المقتفي والمسترشد الخلافة وكانا أخوين. وكذلك السفاح والمنصور. وكذلك الهادي والرشيد ابنا المهدي. وكذلك الواثق والمتوكل ابنا المعتصم أخوان. وأما ثلاثة أخوة: فالأمين والمأمون والمعتصم بنو الرشيد. والمنتصر والمعتز والمعتمد بنو المتوكل.

стр. 6221

والمكتفي والمقتدر والقاهر بنو المعتضد. والراضي والمتقي (١) والمطيع بنو المقتدر. وأما أربعة إخوة فلم يكن إلا في بني أمية وهم: الوليد وسليمان ويزيد وهشام بنو عبد الملك بن مروان. ولما استقرّ (٢) المقتفي بالخلافة استمرّ الراشد ذاهبًا إلى الموصل صحبة صاحبها عماد الدين زنكي، فدخلها في ذي الحجة من هذه السنة. وممن توفي فيها من الأعيان: محمد بن حَمُّويه (٣) بن محمد بن حَمُّويه، أبو عبد الله الجويني (٤): روى الحديث، وكان صدوقًا مشهورًا بالعلم والزهد. وله كرامات. ودخل إلى بلد فلما ودّعهم (٥) أنشدهم (٦): [من الطويل] لَئِنْ كانَ لي مِنْ بَعْد عَوْدٍ إلَيْكُمُ … قَضَيْتُ لَباناتِ الفُؤادِ لَدَيْكُمُ (٧) وإنْ تكُنِ الأُخْرَى وفي الغَيْبِ عِبْرةٌ … وَحَالَ قَضَاءٌ فَالسَّلامُ عَلَيْكُمُ [محمد (٨) بن عبد الله بن أحمد بن حبيب، أبو بكر العامري] (٩) المعروف بابن الخبّازة (١٠): سمع الحديث، ورحل في طلبه. [وكانت له معرفة بالفقه والحديث، وقد شرح كتاب الشهاب] (١١). وكان يعظ الناس على طريقة التصوف. وكان ابن الجوزي (١٢) ممن (١٣) تأدّب به،

стр. 6222

وقد أثنى عليه. وقد أنشد (١) عنه (٢): [من البسيط] كَيْفَ احْتِيالي وهذا في الهَوَى حَالي … والشَّوْقُ أَمْلَكُ بي (٣) من عَذْل عُذّالي وَكَيْفَ أَسْلُو (٤) وفي حُبّي لَهُ شُغُلٌ … يَحُولُ بَيْنَ مهمَّاتي وأَشْغالي وقد ابتنى رباطًا فكان فيه (٥) جماعة من المتعبدين والزهّاد، ولما احتُضر أوصاهم بتقوى الله والإخلاص [لله والدين] (٦). فلما فرع شرع في النزع، وعَرِقَ جبينُه، فمدّ يده ثم قال (٧): [من الكامل] (٨) ها قَدْ بَسَطْتُ (٩) يَدي إِلَيْكَ فرُدَّها … بالفَضْلِ لا بِشَماتَةِ الأَعداءِ ثم قال: أرى المشايخ بين أيديهم الأطباق وهم ينتظرونني. ثم مات (١٠)، وذلك ليلة الأربعاء نصف رمضان، ودفن برباطه، ثم غرق رباطه وقبره في سنة [أربع وخمسين وخمسمئة، ﵀] (١١). محمد بن الفضل بن أحمد [بن محمد] (١٢) بن أبي العباس، أبو عبد الله الصاعدي الفُراوي (١٣): كان أبوه [من أهل ثغر فُراوة، فسكن نيسابور، فولد بها محمد هذا. وقد سمع الحديث الكثير على جماعة] (١٤) من المشايخ في الآفاق (١٥). وتفقه وأفتى وناظر ووعظ. وكان ظريفًا حسن الوجه، جميل المعاشرة، كثير التبسّم. وأملى أكثر من ألف مجلس، ورحل إليه الطلبة من الآفاق، حتى كان يقال:

стр. 6223

للفراوي ألف راوٍ، وقيل: إن ذلك كان مكتوبًا في خاتمه. وقد أسمع صحيح مسلم قريبًا من عشرين مرة. توفي في شوال من هذه السنة عن تسعين سنة، ﵀ (١). ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وخمسمئة فيها: كثر موت الفجأة ببلاد أصبهان، فمات ألوف من الناس، وأغلقت دور كثيرة، [﵏] (٢). وفيها: تزوج الخليفة بالخاتون فاطمة بنت محمد بن ملكشاه على صداق مئة ألف دينار، فحضر أخوها السلطان مسعود العقد وجماعة من أعيان الدولة والوزراء والأمراء، ونُثر على الناس أنواع النثار. وفيها: صام أهل بغداد رمضان ثلاثين يومًا، ولم يروا الهلال ليلة إحدى وثلاثين، مع كون السماء كانت مصحية. قال ابن الجوزي (٣): وهذا شيء لم يقع مثله. وفيها: هرب وزير صاحب مصر، وهو تاج الدولة بهرام النصراني، وقد كان تمكَّن في البلاد وأساء السيرة، فتطلَّبه الخليفة الحافظ حتى أخذه، فسجنه، ثم أطلقه، فترهّب وترك (٤) العمل، فاستوزر بعده رضوان بن الوَلَخْشي (٥)، ولقبه الملك الأفضل، ولم يلقب وزير بذلك قبله (٦). ثم وقع بينه وبين الخليفة (٧) الحافظ، فلم يزل به الخليفة الحافظ حتى (٨) قتله، واستقلّ بتدبير أموره وحده. وفيها: ملك عماد الدين زنكي عدة بلاد (٩). وفيها: ظهر (١٠) بالشام سحاب أسود أظلمت له الدنيا، ثم ظهر بعده سحاب أحمر كأنه نار أضاءت له الدنيا، ثم جاءت ريح عاصف فألقت أشجارًا كثيرة، ثم وقع [مطر شديد، وسقط برَد كبار.

стр. 6224

وفيها: قصد ملك الروم بلاد الشام فأخذ بلدانًا كثيرة] (١) من أيدي الفرنج وأطاعه اليون بن ملك الأرمن (٢). وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن ثابت [بن الحسن] (٣)، أبو سعد الخُجَنْدي (٤): تفقه على والده الإمام أبي بكر الخجندي الأصبهاني، وولي [التدريس بالمدرسة النظامية] (٥) ببغداد مرارًا، ويعزل عنها، وقد سمع الحديث ووعظ، وتوفي في غرة شعبان من هذه السنة وقد قارب التسعين. هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري (٦)، ويعرف بابن الطَّبَر: سمع الكثير. وهو آخر من روى عن أبي الحسن ابن زوج الحرة، وقد حدث عنه (٧) أبو بكر (٨) الخطيب. وكان ثبتًا صحيح السماع، كثير الذِّكر والتلاوة، مُمَتَّعًا بحواسه وقواه إلى أن توفي في جمادى الأولى من هذه السنة عن ست وتسعين سنة، (٩) ﵀ رحمة واسعة ورضي عنه. ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين وخمسمئة فيها: قُتل الخليفة الراشد المخلوع، وذلك أنه اجتمع معه الملك داود وجماعة من كبار الأمراء، فقصدوا قتال السلطان (١٠) مسعود بأرض مراغة، فهزمهم، وبدّد شملهم، وقتل منهم خلقًا صبرًا [بين يديه] (١١)، منهم صدقة بن دُبَيْس، وولى أخاه محمدًا (١٢) مكانه على الحلة، وهرب الخليفة المخلوع

стр. 6225

الراشد، فدخل أصبهان، فقتله رجل (١) ممن كان يخدمه من الخراسانية، وكان قد برأ من وجع أصابه، فقتلوه في الخامس والعشرين من رمضان، ودفن بشهرستان ظاهر أصبهان. وقد كان حسن اللون، مليح الوجه، شديد القوة، مهيبًا. أمه أم ولد، رحمه الله تعالى. وفيها: كسا الكعبةَ رجلٌ من التجار يقال له: راست (٢) الفارسي بثمانية عشر ألف دينار وذلك لأنه لم تأتها كسوة في هذا العام لأجل اختلاف الملوك (٣). وفيها: كانت زلزلة عظيمة ببلاد الشام والجزيرة والعراق، فانهدم شيء كثير من البيوت، ومات [تحت الهدم] (٤) خلق كثير وجم غفير. وفيها: كان بخراسان غلاءٌ شديد حتى أكلوا الكلاب (٥). وفيها: أخذ الملك عماد الدين زنكي مدينة حمص في المحرم. وتزوج في رمضان بالست زمرد خاتون، أم صاحب دمشق، وهي التي تنسب إليها الخاتونية البرانية. وفيها: ملك صاحب الروم مدينة بزاعة (٦)، وهي على ستة فراسخ من حلب، فجاء أهلها الذين نجوا من القتل والسبي يستغيثون بالمسلمين ببغداد، فمُنعت الخطبة ببغداد وجرت فتن طويلة. [وفيها: ولد السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي بقلعة تكريت] (٧). وفيها: حجّ بالناس الأمير نظر الخادم، وكذا في السنوات التي قبلها، أثابه الله تعالى. وفيها: تزوج السلطان مسعود بسفرى بنت دُبَيْس بن صدقة، وزُيّنت لذلك بغداد سبعة أيام. قال ابن الجوزي (٨): فحصل بسبب ذلك فساد طويل عريض (٩) منتشر. ثم تزوج ابنة عمه فزُينت بغداد ثلاثة أيام أيضًا.

стр. 6226

وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن أحمد، أبو بكر بن أبي الفتح الدينوري (١) الحنبلي. سمع الحديث، وتفقه (٢) على أبي الخطاب الكلوذاني، وأفتى ودرّس وناظر. كان أسعد الميهني يقول: ما اعترض أبو بكر الدينوري على دليل أحد إلا ثلمه. وقد تخرّج به الشيخ أبو الفرج بن الجوزي (٣)، وأنشد عنه قوله: [من الطويل] (٤) تَمَنَّيْتَ أن تُمْسي (٥) فقيهًا مناظرًا … بِغَيْر عَنَاءٍ فالجُنونُ فُنونُ فَلَيْسَ اكتسابُ المالِ دونَ مَشَقَّةٍ … تلقَّيْتَهَا فالعلمُ كيف يكونُ عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن، أبو المظفر القشيري (٦)، آخر من بقي منهم (٧). سمع أباه وأبا بكر البيهقي وغيرهما. وسمع منه (٨) عبد الوهاب الأنماطي وأجاز ابن الجوزي (٩)، وقارب التسعين (١٠). محمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر (١١)، أبو الحسن الكَرَجي (١٢)، سمع الكثير في بلاد شتى، وكان فقيهًا شافعيًا (١٣). تفقّه بأبي إسحاق وغيره من أئمة (١٤) الشافعية. وكان أديبًا (١٥) شاعرًا فصيحًا. وله مصنفات كثيرة، منها "الفصول في اعتقاد الأئمة الفحول" يذكر فيه مذاهب السلف في باب

стр. 6227

الاعتقاد، ويحكي فيه أشياء غريبة حسنة. وله: "تفسير" وكتاب في "الفقه". وكان لا يقنت في الفجر ويقول: لم يصح ذلك في حديث (١)، وقد كان إمامنا الشافعي يقول: إذا صح الحديث (٢) فاضربوا بقولي هذا الحائط. وقد كان حسن الصورة جميل المعاشرة. ومن شعره (٣): [من الوافر] (٤) تَنَاءَتْ دَارُهُ عَنّي وَلَكِنْ … خَيالُ جَمَالِهِ في القَلْبِ سَاكِنْ إِذَا امتَلأَ الفُؤَادُ به فماذا … يَضُرُّ إذا خَلَتْ منهُ الأَماكنْ [توفي ﵀ وقد قارب التسعين] (٥). الخليفة الراشد منصور بن المسترشد: ولي الخلافة بعد أبيه، ثم خُلع، فذهب مع العماد زنكي إلى أرض الموصل، ثم جمع جموعًا فاقتتل مع الملك مسعود في هذه السنة، فهزمهم، فذهب إلى أصبهان، فقُتل بها بعد مرض أصابه، فقيل: إنه سُمّ، وقيل (٦): قتلته الباطنية، وقيل: بل [قتله الفرَّاشون الذين كانوا يلون] (٧) أمره، فالله أعلم. وقد حكى ابن الجوزي (٨) عن أبي بكر الصولي أنه قال: الناس يقولون: كل سادس يقوم بأمر الناس منذ أول (٩) الإسلام لا بد وأن يُخْلَع. قال ابن الجوزي: فتأملت ذلك فرأيته عجبًا.

стр. 6228

قام (١) رسول الله ﷺ ، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم الحسن فخُلع (٢). ثم معاوية، ويزيد، ومعاوية بن يزيد، ومروان، وعبد الملك، ثم عبد الله بن الزبير فخلع (٣)، وقتل. ثم الوليد وسليمان، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد، وهشام، ثم الوليد بن يزيد فخلع، وقتل. ولم ينتظم بعده لبني (٤) أمية أمر حتى قام السفاح العباسي، ثم أخوه المنصور، ثم المهدي ثم الهادي، ثم الرشيد، ثم الأمين فخلع وقتل. ثم المأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل، والمنتصر، ثم المستعين فخلع وقتل. ثم المعتز، والمهتدي، والمعتمد، والمعتضد، والمكتفي، ثم المقتدر (٥) فخلع ثم أعيد فقتل. ثم القاهر، والراضي، والمتقي، والمستكفي، والمطيع، ثم الطائع فخلع. ثم القادر، والقائم، والمقتدي، والمستظهر، والمسترشد، ثم الراشد فخلع وقتل (٦). أنوشروان (٧) بن خالد بن محمد القاشاني (٨) القيني (٩): وهو (١٠) من قرية قين من قاشان، الوزير أبو نصر. وزر للسلطان محمود وللخليفة المسترشد. وكان عاقلًا مهيبًا عظيم الخلقة، وهو الذي ألزم أبا

стр. 6229

محمد الحريري بتكميل المقامات، وكان سبب ذلك أن أبا محمد كان جالسًا [ذات يوم] (١) في مسجد بني حرام في محلة من محال البصرة، فدخل عليهم شيخ ذو طمرين، فقالوا: مَنْ أنتَ؟ قال: أنا رجل من سروج، يقال لي أبو زيد. فعمل الحريري المقامة الحرامية، واشتهرت في الناس، فلما طالعها الوزير أنوشروان أُعجب بها، وكلَّف أبا محمد الحريري أن يزيد عليها غيرها، فعمل معها تمام الخمسين مقامة، فهي هذه المشهورة المتداولة بين الناس. وقد كان الوزير أنوشروان كريمًا [ممدَّحًا غير أنه كان يُنسب إلى التشيع] (٢)، وقد مدحه الحريري صاحب المقامات: [من الطويل] ألا ليتَ شِعري والتَّمنّي تَعلَّةٌ (٣) … وإنْ كانَ فيه راحَةٌ لأخي الكَرْبِ أتَدْرونَ أَنّي مُذْ تناءتْ ديارُكُمْ … وشَطَّ اقترابي (٤) من جنابِكم الرَّحْبِ أكابدُ شَوْقًا ما يزالُ أُوارُه (٥) … يقلّبني في الليلِ جنبًا على جَنْبِ وأَذْكرُ أيامَ التّلاقي فأنثني (٦) … لتَذْكَارها بادي الأسى طائرَ اللُّبِّ ولي حنَّةٌ في كلِّ وقت إليكُمْ … ولا حنّةُ الصّادي إلى البارد العذبِ (٧) فوالله لَوْ أنّي كتمتُ هواكمُ … لما كان مكتومًا بشرقٍ ولا غربِ ومما شجا قلبي المعنّى وشَفَّه … رضاكم بإهمالِ الإجابةِ عن كتبي وقد كنتُ لا أخشى مع الذنب جفوةً … فقد صرتُ أخشاها وما ليَ من ذنبِ ولمّا سرى الوَفْدُ العراقيُّ نحوكم … وأعوزني المسرى إليكم مع الركبِ جعلتُ كتابي نائبًا عن ضرورةٍ … ومَنْ لم يجدْ ماءً تيمَّمَ بالتُّربِ وَنَفَّذْتُ (٨) أيضًا بضعةً من جوارحي … لتُنْبئكم (٩) [عن شر] (١٠) حالي وتَسْتَنْبي ولستُ أرى تذكارَكُم بَعْدَ خُبْرِكم (١١) … بمكرُمةٍ حَسْبي اعْتذارُكم (١٢) حَسْبي

стр. 6230

ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وخمسمئة فيها: كانت زلزلة عظيمة (١) بمدينة جنزة (٢)، فمات (٣) بسببها مئتا ألف وثلاثون ألفًا، وصار مكانها ماءٌ أسود، عشرة فراسخ في مثلها. وزُلزل أهل حلب في ليلة واحدة ثمانين مرة. وفيها: وضع السلطان مسعود (٤) مكوسًا كثيرة عن الناس، وكثرت الأدعية له (٥). وفيها: كانت وقعة عظيمة بين السلطان سنجر وخوارزم شاه، فهزمه سنجر، وقتل في المعركة ولده (٦)، فحزن عليه والده حزنًا شديدًا. وفيها: قُتل صاحب دمشق شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري بن طغتكين قتله (٧) ثلاثة من خواصه ليلًا، وهربوا من القلعة، فأُدرك اثنان فصُلبا، وأُفلت واحد. [وملك بعده أخوه كمال الدين محمد بن تاج الملوك، وكان ببعلبك قبل ذلك، فهلك بعده ببعلبك عماد الدين زنكي، واستناب عليها الأمير نجم الدين أيوب والد الملك صلاح الدين والملك العادل أبي بكر وذريتهما] (٨). وفيها: صُرف (٩) اليهود والنصارى عن المباشرات (١٠)، ثم أُعيدوا قبل شهر (١١). وحج بالناس فيها نظر الخادم، أثابه الله. وممن توفي فيها من الأعيان: زاهر (١٢) بن طاهر (١٣) بن محمد، أبو القاسم بن أبي عبد الرحمن بن أبي بكر الشَّحَّامي، المحدث المكثر الرحّال الجوّال، سمع الكثير، وأملى بجامع نيسابور ألف مجلس، ويقال: إنه كان به مرض يُكثر

стр. 6231

بسببه الجمع من الصلوات، فتكلم فيه أبو سعد السمعاني وقال: إنه كان يخلّ بالصلوات. وقد ردّ ابن الجوزي (١) على السمعاني بعذر المرض، فالله أعلم. بلغ خمسًا وثمانين سنة. وكانت وفاته بنيسابور في ربيع الآخر، ودفن بمقبرة يحيى بن يحيى، ﵀ (٢). علي (٣) بن أفْلَح، أبو القاسم الكاتب: وقد خَلع عليه المسترشد، ولقبه جمال الملك، وأعطاه أربعة دور، وكانت له دار إلى جانبهن فهدمهن كلَّهن، واتخذ مكانهن دارًا هائلة، طولها ستون ذراعًا في عرض أربعين ذراعًا. وأطلق له الخليفة أخشابًا وآجُرًّا وذهبًا، فبناها وغرِم عليها ابنُ أفلح مالًا جزيلًا، وكتب على أبوابها وطِرازاتها أشعارًا حسنة من نظمه ونظم غيره، فمن ذلك ما هو على باب الدار (٤): إنْ عَجِبَ الرّاؤونَ (٥) من ظاهري … فباطني لَوْ علموا أعجبُ شيَّدني (٦) مَنْ كفُّه مُزْنَةٌ (٧) … يخجلُ (٨) منها العارضُ الصيّبُ ودبَّجَتْ (٩) روضةُ أخلاقِه … فيَّ رياضًا نورُها مُذْهَبُ صدرٌ كسا صدريَ مِنْ نوره … شمسًا على الأيّام لا تَغْرُبُ وعلى الطرز مكتوب: [من مجزوء الكامل] ومِنَ المروءةِ للفتى … ما عاش دارٌ فاخِرَهْ فاقنعْ من الدنيا بها … واعملْ لدار الآخره هاتيك (١٠) وافيةٌ بما … وعدَتْ وهاتي ساخره (١١)

стр. 6232

وفي موضع آخر مكتوب: [من المتقارب] ونادٍ كأنّ جِنانَ الخلودِ (١) … أعارتْه من حسنها رونقا وأعطتْه من حادثاتِ الزما … نِ ألا يُلمّ بها مَوْبِقا (٢) فأضحى يتيهُ على كُلِّ ما … بنى مُغْربًا كان أو مُشْرقا تظلُّ (٣) الوفودُ به عُكَّفًا … وتَمْشي الضيوفُ به طُرَّقا بقيتَ له يا جمالَ الملو … كِ والفضلِ مهما أرَدْت البَقا وسالمَهُ فيكَ ريبُ الزمان … وُوقّيتَ فيه الذي يُتَّقَى فما - والله (٤) - صدقت هذه الأماني، بل عما قريب، [بعد نيلها] (٥)، اتهم الخليفة [ابنَ أفلح] (٦) بأنه يكاتب دُبيسًا، فأمر بتخريب هذه الدار (٧)، فلم يبق فيها جدار، وصارت خرابة (٨) بعد ما كان قد حسن فيها المقام والقرار، وهذه حكمةُ من يقلّب الليل على النهار، وتجري بمشيئته الأقدار (٩)، وهي حكمته في كل دار بنيت بالأشَر والبَطَر، وفي كل لِباس لُبس على التِّيه والكِبْر والأشَر. وقد أورد له ابن الجوزي (١٠) أشياء حسنة من نظمه ونثره، فمن ذلك قوله: [من البسيط] دَعِ الهَوَى لأُناسٍ يُعرفونَ به … قَدْ مارسوا الحُبَّ حتى لانَ أصْعَبُه بلوتَ نفسَكَ فيما لستَ تَخْبُره (١١) … والشيءُ صعبٌ على مَنْ لا يجرّبه اِقْنِ (١٢) اصطبارًا وإن لم تستطع جلدًا … فربَّ مُدركِ أمرٍ (١٣) عزَّ مطلبُه

стр. 6233

أحنى (١) الضلوعَ على قلبٍ يُحَيّرني … في كل يومٍ ويُعييني (٢) تقلُّبُه تناوحُ الريحِ من نَجْدٍ يُهَيّجُه … ولامعُ البرقِ من نعمانَ يطربُه وله أيضًا (٣): [من الرمل] هذِهِ الخَيْفُ وهاتِيكَ مِنَى … فترفَّقْ أيُّها الحادي بنا وَاحْبِسِ الرَّكْبَ عَلَيْنا ساعَةً … نَنْدُبُ الرَّبْعَ وَنَبْكي الدِّمَنا (٤) فلِذا الموقِفِ أَعْدَدْتُ البُكا … ولذا اليومِ الدُّموعُ تُقْتَنَى زَمَنًا (٥) كانَ وَكُنَّا جِيرَة … يا أَعاد (٦) اللهُ ذاكَ الزَّمَنا بَيْنَنَا يَوْمُ أُثيلاتِ التّقا … كان مِنْ غَيْرِ تَراضٍ بَيْنَنا (٧) ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وخمسمئة فيها: حاصر زنكي دمشق، فحصّنها الأتابك معين الدين أُنَر (٨) مملوك طُغْتكين، فاتفق موت ملكها جمال الدين محمد (٩) بن بوري بن طغتكين، فأرسل معين الدين إلى أخيه مجير الدين أبق (١٠)، وهو ببعلبك، فملّكه دمشق، فذهب زنكي إلى بعلبك، فأخذها، واستناب عليها نجم الدين أيوب (١١). وفيها: دخل الخليفة [المقتفي لأمر الله] (١٢) على الخاتون فاطمة أخت (١٣) السلطان مسعود، وأغلقت بغداد أيامًا، وكان وقتًا مشهودًا.

стр. 6234

وفيها: نُودي للصلاة على رجل صالح، فاجتمع الناس بمدرسة الشيخ عبد القادر، ثم اتفق أن الرجل عَطَس فأفاق. وحضرت جنازةُ رجل آخر فصلى عليه [ذلك الجمع الكثير] (١). وفيها: نقصت المياه من سائر الدنيا. وفيها: ولد صاحب حماة تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي (٢). وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن جعفر بن الفرج، أبو العباس الحربي (٣): أحد العبّاد الزهاد. سمع الحديث، وكانت له أحوال صالحة، حتى كان يقال: إنه كان يُرى في بعض السنين بعرفات ولم يكن حج في تلك السنة. عبد السلام بن الفضل أبو (٤) القاسم الجيلي (٥): سمع الحديث، وتفقّه على إلْكِيا الهرّاسي، وبرع في الأصول والفروع وغير ذلك. وولي قضاء البصرة، وكان من خيار القضاة، رحمه (٦) الله. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وخمسمئة فيها: وصلت البُردة والقضيب إلى بغداد، وكانا [قد أُخذا] (٧) من المسترشد سنة تسع وعشرين وخمسمئة (٨)، فحفظهما السلطان سَنْجر عنده حتى ردّهما في هذه السنة.

стр. 6235

وفيها: كملت المدرسة الكمالية ببغداد المنسوبة إلى كمال الدين أبي الفتوح حمزة بن طلحة صاحب المخزن. ودرّس فيها الشيخ أبو الحسن بن الخل (١)، وحضر عنده الأعيان والرؤساء رحمه الله تعالى. وممن توفي فيها من الأعيان: إسماعيل بن محمد بن الفضل علي بن أحمد، أبو القاسم الطلحي الأصبهاني (٢)، سمع الكثير، ورحل، وكتب، وأملى بأصبهان قريبًا من ثلاثة آلاف مجلس، وكان إمامًا في الفقه والحديث والتفسير واللغة، حافظًا متقنًا. توفي ليلة عيد الأضحى، وقد قارب الثمانين، ولما أراد الغاسل تنحية الخِرقة عن فرجه، ردّها بيده، وقيل: إنه وضع يده على فرجه (٣). محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الربيع [بن ثابت] (٤) بن وهب بن مَشْجعة بن الحارث بن عبد الله بن كعب بن مالك (٥) الأنصاري: سمع الحديث، وتفرّد عن جماعة من المشايخ، وأملى الحديث في جامع القصر، وكان مشاركًا في علوم كثيرة. وقد أسر في صغره في أيدي الروم، فأرادوه (٦) أن يتكلم بكلمة الكفر، فلم يفعل، وتعلم منهم خط الروم وكان يقول: من خدم المحابر خدمته المنابر. ومن شعره الذي أورده له ابن الجوزي (٧) عنه وسمعه منه قوله: [من الكامل] احْفَظْ لِسانَكَ لا تَبُحْ بثلاثَةٍ … سنٍّ [ومالٍ - ما استطعتَ - ومَذْهَبِ] (٨) فعلى الثلاثةِ تُبْتَلَى بثلاثةٍ … بمكفّرٍ وبحاسدٍ ومكذّب ومن ذلك قوله: [من الكامل] لي مدةٌ لا بدَّ أبلغُها … فإذا انقضتْ وتصرَّمت مُتُّ
следующие страницы →