← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

بسببه الجمع من الصلوات، فتكلم فيه أبو سعد السمعاني وقال: إنه كان يخلّ بالصلوات. وقد ردّ ابن الجوزي (١) على السمعاني بعذر المرض، فالله أعلم. بلغ خمسًا وثمانين سنة. وكانت وفاته بنيسابور في ربيع الآخر، ودفن بمقبرة يحيى بن يحيى، ﵀ (٢). علي (٣) بن أفْلَح، أبو القاسم الكاتب: وقد خَلع عليه المسترشد، ولقبه جمال الملك، وأعطاه أربعة دور، وكانت له دار إلى جانبهن فهدمهن كلَّهن، واتخذ مكانهن دارًا هائلة، طولها ستون ذراعًا في عرض أربعين ذراعًا. وأطلق له الخليفة أخشابًا وآجُرًّا وذهبًا، فبناها وغرِم عليها ابنُ أفلح مالًا جزيلًا، وكتب على أبوابها وطِرازاتها أشعارًا حسنة من نظمه ونظم غيره، فمن ذلك ما هو على باب الدار (٤): إنْ عَجِبَ الرّاؤونَ (٥) من ظاهري … فباطني لَوْ علموا أعجبُ شيَّدني (٦) مَنْ كفُّه مُزْنَةٌ (٧) … يخجلُ (٨) منها العارضُ الصيّبُ ودبَّجَتْ (٩) روضةُ أخلاقِه … فيَّ رياضًا نورُها مُذْهَبُ صدرٌ كسا صدريَ مِنْ نوره … شمسًا على الأيّام لا تَغْرُبُ وعلى الطرز مكتوب: [من مجزوء الكامل] ومِنَ المروءةِ للفتى … ما عاش دارٌ فاخِرَهْ فاقنعْ من الدنيا بها … واعملْ لدار الآخره هاتيك (١٠) وافيةٌ بما … وعدَتْ وهاتي ساخره (١١)

стр. 6232

وفي موضع آخر مكتوب: [من المتقارب] ونادٍ كأنّ جِنانَ الخلودِ (١) … أعارتْه من حسنها رونقا وأعطتْه من حادثاتِ الزما … نِ ألا يُلمّ بها مَوْبِقا (٢) فأضحى يتيهُ على كُلِّ ما … بنى مُغْربًا كان أو مُشْرقا تظلُّ (٣) الوفودُ به عُكَّفًا … وتَمْشي الضيوفُ به طُرَّقا بقيتَ له يا جمالَ الملو … كِ والفضلِ مهما أرَدْت البَقا وسالمَهُ فيكَ ريبُ الزمان … وُوقّيتَ فيه الذي يُتَّقَى فما - والله (٤) - صدقت هذه الأماني، بل عما قريب، [بعد نيلها] (٥)، اتهم الخليفة [ابنَ أفلح] (٦) بأنه يكاتب دُبيسًا، فأمر بتخريب هذه الدار (٧)، فلم يبق فيها جدار، وصارت خرابة (٨) بعد ما كان قد حسن فيها المقام والقرار، وهذه حكمةُ من يقلّب الليل على النهار، وتجري بمشيئته الأقدار (٩)، وهي حكمته في كل دار بنيت بالأشَر والبَطَر، وفي كل لِباس لُبس على التِّيه والكِبْر والأشَر. وقد أورد له ابن الجوزي (١٠) أشياء حسنة من نظمه ونثره، فمن ذلك قوله: [من البسيط] دَعِ الهَوَى لأُناسٍ يُعرفونَ به … قَدْ مارسوا الحُبَّ حتى لانَ أصْعَبُه بلوتَ نفسَكَ فيما لستَ تَخْبُره (١١) … والشيءُ صعبٌ على مَنْ لا يجرّبه اِقْنِ (١٢) اصطبارًا وإن لم تستطع جلدًا … فربَّ مُدركِ أمرٍ (١٣) عزَّ مطلبُه

стр. 6233

أحنى (١) الضلوعَ على قلبٍ يُحَيّرني … في كل يومٍ ويُعييني (٢) تقلُّبُه تناوحُ الريحِ من نَجْدٍ يُهَيّجُه … ولامعُ البرقِ من نعمانَ يطربُه وله أيضًا (٣): [من الرمل] هذِهِ الخَيْفُ وهاتِيكَ مِنَى … فترفَّقْ أيُّها الحادي بنا وَاحْبِسِ الرَّكْبَ عَلَيْنا ساعَةً … نَنْدُبُ الرَّبْعَ وَنَبْكي الدِّمَنا (٤) فلِذا الموقِفِ أَعْدَدْتُ البُكا … ولذا اليومِ الدُّموعُ تُقْتَنَى زَمَنًا (٥) كانَ وَكُنَّا جِيرَة … يا أَعاد (٦) اللهُ ذاكَ الزَّمَنا بَيْنَنَا يَوْمُ أُثيلاتِ التّقا … كان مِنْ غَيْرِ تَراضٍ بَيْنَنا (٧) ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وخمسمئة فيها: حاصر زنكي دمشق، فحصّنها الأتابك معين الدين أُنَر (٨) مملوك طُغْتكين، فاتفق موت ملكها جمال الدين محمد (٩) بن بوري بن طغتكين، فأرسل معين الدين إلى أخيه مجير الدين أبق (١٠)، وهو ببعلبك، فملّكه دمشق، فذهب زنكي إلى بعلبك، فأخذها، واستناب عليها نجم الدين أيوب (١١). وفيها: دخل الخليفة [المقتفي لأمر الله] (١٢) على الخاتون فاطمة أخت (١٣) السلطان مسعود، وأغلقت بغداد أيامًا، وكان وقتًا مشهودًا.

стр. 6234

وفيها: نُودي للصلاة على رجل صالح، فاجتمع الناس بمدرسة الشيخ عبد القادر، ثم اتفق أن الرجل عَطَس فأفاق. وحضرت جنازةُ رجل آخر فصلى عليه [ذلك الجمع الكثير] (١). وفيها: نقصت المياه من سائر الدنيا. وفيها: ولد صاحب حماة تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي (٢). وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن جعفر بن الفرج، أبو العباس الحربي (٣): أحد العبّاد الزهاد. سمع الحديث، وكانت له أحوال صالحة، حتى كان يقال: إنه كان يُرى في بعض السنين بعرفات ولم يكن حج في تلك السنة. عبد السلام بن الفضل أبو (٤) القاسم الجيلي (٥): سمع الحديث، وتفقّه على إلْكِيا الهرّاسي، وبرع في الأصول والفروع وغير ذلك. وولي قضاء البصرة، وكان من خيار القضاة، رحمه (٦) الله. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وخمسمئة فيها: وصلت البُردة والقضيب إلى بغداد، وكانا [قد أُخذا] (٧) من المسترشد سنة تسع وعشرين وخمسمئة (٨)، فحفظهما السلطان سَنْجر عنده حتى ردّهما في هذه السنة.

стр. 6235

وفيها: كملت المدرسة الكمالية ببغداد المنسوبة إلى كمال الدين أبي الفتوح حمزة بن طلحة صاحب المخزن. ودرّس فيها الشيخ أبو الحسن بن الخل (١)، وحضر عنده الأعيان والرؤساء رحمه الله تعالى. وممن توفي فيها من الأعيان: إسماعيل بن محمد بن الفضل علي بن أحمد، أبو القاسم الطلحي الأصبهاني (٢)، سمع الكثير، ورحل، وكتب، وأملى بأصبهان قريبًا من ثلاثة آلاف مجلس، وكان إمامًا في الفقه والحديث والتفسير واللغة، حافظًا متقنًا. توفي ليلة عيد الأضحى، وقد قارب الثمانين، ولما أراد الغاسل تنحية الخِرقة عن فرجه، ردّها بيده، وقيل: إنه وضع يده على فرجه (٣). محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الربيع [بن ثابت] (٤) بن وهب بن مَشْجعة بن الحارث بن عبد الله بن كعب بن مالك (٥) الأنصاري: سمع الحديث، وتفرّد عن جماعة من المشايخ، وأملى الحديث في جامع القصر، وكان مشاركًا في علوم كثيرة. وقد أسر في صغره في أيدي الروم، فأرادوه (٦) أن يتكلم بكلمة الكفر، فلم يفعل، وتعلم منهم خط الروم وكان يقول: من خدم المحابر خدمته المنابر. ومن شعره الذي أورده له ابن الجوزي (٧) عنه وسمعه منه قوله: [من الكامل] احْفَظْ لِسانَكَ لا تَبُحْ بثلاثَةٍ … سنٍّ [ومالٍ - ما استطعتَ - ومَذْهَبِ] (٨) فعلى الثلاثةِ تُبْتَلَى بثلاثةٍ … بمكفّرٍ وبحاسدٍ ومكذّب ومن ذلك قوله: [من الكامل] لي مدةٌ لا بدَّ أبلغُها … فإذا انقضتْ وتصرَّمت مُتُّ

стр. 6236

لو عانَدَتْني الأُسدُ ضاريةً … ما ضرَّني ما لم يجِ الوقتُ ومن ذلك قوله: بَغْدادُ دارٌ لأَهْلِ العِلْمِ طَيِّبةٌ … وللمفاليسِ دارُ الضَّنكِ والضِّيقِ ظللتُ حيرانَ أمشي في أزقَّتها … كأنني مصحفٌ في دارِ زِنديقِ قال ابن الجوزي (١): بلغ من العمر ثلاثًا وتسعين سنة، لم تتغيّر حواسه وعقله. وكانت وفاته في ثاني رجب من هذه السنة، وحضر جنازته الأعيان والناس ودفن قريبًا من قبر بشر. يوسف بن أيوب [بن يوسف] (٢) بن الحسن (٣) بن وَهْرَة (٤)، أبو يعقوب الهمذاني (٥): تفقّه بالشيخ أبي إسحاق، وبرع في الفقه والمناظرة، [ثم ترك ذلك] (٦)، واشتغل بالتعبُّد (٧) وصحب الصالحين، وأقام بالجبال، ثم عاد إلى بغداد، فوعظ بها، وحصل له قبول. وتوفي في ربيع الأول ببعض قرى هراة، ﵀ (٨). ثم دخلت سنة ست وثلاثين وخمسمئة فيها: كانت حروب كثيرة بين السلطان سَنْجر [وبين السلطان] (٩) خوارزم شاه. فاستحوذ خوارزم شاه على مرو بعد هزيمة سنجر، فقَتل (١٠) بها، وأساء التدبير بالنسبة إلى الفقهاء الحنفية الذين بها، وكان جيش خوارزم شاه ثلاثمئة ألف مقاتل. وفيها: كمل عمل بَثْق (١١) النهروان، وخلع بهروز شحنة بغداد (١٢) على الصُّنَّاع جباب الحرير

стр. 6237

الرومي (١). وركب هو والسلطان مسعود في سفينة في ذلك النهر، وفرح السلطان بذلك، وكان قد صرف (٢) على ذلك النهر سبعين ألف دينار. وفيها: حج كمال الدين بن طلحة (٣) صاحب المخزن، وعاد فتزهد، وترك العمل، ولزم داره. وفيها: عقدت الجمعة بمسجد العباسيين بإذن الخليفة. وحج بالناس نظر الخادم (٤). وممن توفي فيها من الأعيان: إسماعيل بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث، أبو القاسم بن أبي بكر السمرقندي (٥) الدمشقي ثم البغدادي: سمع الكثير، وتفرّد بمشايخ، وكان سماعه صحيحًا، وأملى بجامع المنصور مجالس كثيرة نحوًا من ثلاثمئة مجلس [وكانت وفاته في هذه السنة] (٦)، وقد جاوز الثمانين، ﵀. يحيى بن علي بن محمد بن علي، أبو محمد (بن) (٧) الطراح (٨) المُدير (٩): ولد سنة تسع وخمسين (١٠) وأربعمئة، وسمع الكثير، وأسمع. وكان شيخًا حسنًا (١١) مهيبًا، كثير العبادة. توفي في رمضان منها (١٢).

стр. 6238

ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وخمسمئة فيها: ملك عماد الدين زنكي الحديثة، ونقل آل مهارش منها إلى الموصل، ورتَّب فيها نُوَّابًا من جهته (١). ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وخمسمئة فيها: تجهز السلطان مسعود (٢) ليأخذ الموصل والشام من [عماد الدين] (٣) زنكي، فصالحه على مئة ألف دينار، فدفع إليه منها عشرين ألف دينار، وأطلق له الباقي، وسبب ذلك أن ابنه سيف الدين غازي كان لا يزال في خدمة السلطان مسعود. وفيها: ملك [عماد الدين] (٤) زنكي بعض بلاد بكر. وفيها: حصر الملك سَنْجر خوارزم شاه، ثم أخذ منه مالًا وأطلقه. وفيها: وجد رجل يفسق بصبي فأُلقي من رأس منارة. وفي ليلة الثلاثاء الرابع والعشرين من ذي القعدة زلزلت الأرض. وحج بالناس نظر الخادم، [أثابه الله تعالى] (٥). وممن توفي فيها من الأعيان: عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد، أبو البركات الأنماطي (٦) الحافظ: [سمع الكثير، وحدث] (٧). وكان ثقة ديّنًا ورعًا طليق الوجه، سهل الأخلاق. توفي في المحرم عن ست وتسعين سنة.

стр. 6239

علي بن طِرَاد بن محمد بن علي الزَّيْنبي (١)، الوزير العباسي، أبو القاسم نقيب النقباء على الطائفتين (٢) في أيام المستظهر: ووزر للمسترشد [والمقتفي، ثم عزل، وأُعيد، ولم يلِ الوزارة من العباسيين غيرُه. وقد سمع الكثير، وأسمع] (٣). وتوفي في رمضان عن ست وسبعين سنة، [رحمه الله تعالى] (٤). الزمخشري (٥) محمود بن عمر بن محمد بن عمر. أبو القاسم الزمخشري: صاحب "الكشاف" في التفسير، و"المفصّل" في النحو، وغير ذلك من المصنفات المفيدة. وقد سمع الحديث، وطاف البلاد [في طلب العلم] (٦)، وجاور بمكة مدة، وكان يُظهر مذهب الاعتزال ويصرّح بذلك في تفسيره، ويناظر عليه، ثم كانت وفاته بخوارزم ليلة عرفة [من هذه السنة] (٧)، ﵀ ورضي عنه (٨). ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وخمسمئة فيها: أخذ العماد زنكي الرُّها وغيرها من حصون الجزيرة من أيدي الفرنج، وقتل منهم خلقًا كثيرًا، [وسبى نساءً كثيرة] (٩)، وغنم أموالًا جزيلة، وأزاح (١٠) عن المسلمين كُرَبًا شديدة كثيرة (١١)، جزاه الله خيرًا.

стр. 6240

وحجّ بالناس [أمير الجيوش] (١) نظر الخادم، وتنافس هو وأمير مكة فنُهب (٢) الحجيجُ وهم يطوفون. وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن محمد بن منصور بن عمر، أبو البدر (٣) الكرخي (٤): تفقّه بالشيخ أبي إسحاق، وأبي سعد المتولي، حتى صار أوحد زمانه فقهًا وصلاحًا. ومات في هذه السنة. سعد (٥) بن محمد بن (٦) عمر، أبو منصور (٧) بن الرزاز (٨): سمع الحديث، وتففه بالغزالي والشاشي والمتولي وإلْكِيا الهراسي وأسعد الميهني، وولي تدريس النظامية. وكان له سمت حسن ووقار وسكون. وكان يوم جنازته مشهودًا، ودفن عند الشيخ أبي إسحاق. عمر بن إبراهيم بن محمد بن أحمد (٩) بن علي بن الحسين بن علي بن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي العلوي، أبو البركات الكوفي ثم البغدادي (١٠): سمع كثيرًا (١١)، وكتب كثيرًا. وأقام بدمشق مدة، وكانت له معرفة جيدة بالفقه والحديث والتفسير واللغة والأدب. وله تصانيف في النحو. وكان خشن العيش، صابرًا محتسبًا. توفي في شعبان من هذه السنة عن سبع وتسعين سنة، رحمه الله تعالى (١٢).

стр. 6241

ثم دخلت سنة أربعين وخمسمئة فيها: حَصر علي بن دُبيس أخاه محمدًا، ولم يزل يحاصره حتى اقتلع من يده الحلة، وملكها. وفي رجب دخل السلطان مسعود إلى (١) بغداد خوفًا من اجتماع عباس صاحب الرَّيِّ ومحمد شاه بن محمود، ثم خرج منها في رمضان. وحج بالناس قيماز (٢) الأُرجواني مملوك أمير الجيوش نظر، بسبب ما كان وقع بين نظر وأمير مكة في السنة الماضية. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن أحمد بن سليمان، أبو سعد الأصبهاني (٣) ثم البغدادي: سمع الحديث، وكان على طريقة السلف، حلو الشمائل، مطّرح الكلفة. ربما خرج إلى السوق بقميص وقلنسوة. وحجَّ إحدى عشرة حجة، وكان يملي الحديث، ويكثر الصوم. توفي بنهاوند في ربيع الأول من هذه السنة وقد قارب الثمانين. علي بن أحمد بن الحسين بن أحمد، أبو الحسن اليزدي (٤): تفقّه بأبي بكر الشاشي، وسمع الحديث وأسمعه. وكان له ولأخيه قميص واحد، إذا خرج هذا لبسه (٥) وجلس الآخر في البيت (٦) وكذا الآخر (٧). موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر، أبو منصور الجواليقي (٨):

стр. 6242

شيخ اللغة في زمانه، باشر مشيخة اللغة بالنظامية بعد (١) شيخه أبي زكريا التبريزي مدة. وكان يؤمّ بالمقتفي، وربما قرأ عليه الخليفة شيئًا من الكتب. وكان عاقلًا متواضعًا في ملبسه، طويل الصمت، كثير التفكر. وكانت له حلْقة بجامع القصر أيام الجمع. وكانت فيه لُكنة. وكان يجلس إلى جانبه المغربي معبّر المنامات. وكان فاضلًا لكنه كان كثير النعاس في مجلسه، فقال فيه بعض الأدباء (٢): [من الكامل] بَغْدادُ عِنْدي ذَنْبُها لَنْ يُغْفَرا … وعُيُوبُها مَكْشُوفَةٌ لَنْ تُسْتَرا كَوْنُ الجَواليقيِّ فيها مُمْلِيًا … لُغَةً وكَوْنُ المَغْربيِّ مُعَبِّرا مَأْسُورُ لُكْنَتِه يقولُ فَصاحَةً … وَنَؤُوم (٣) يَقْظَتِهِ يُعَبِّرُ في الكَرى ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وخمسمئة في ليلة مستهل (٤) [ربيع الأول منها] (٥) احترق القصر الذي بناه المسترشد. وكان في غاية الحُسن، وكان الخليفة المقتفي قد انتقل بجواريه وحظاياه إليه (٦) ليقيم فيه ثلاثة أيام، فما هو إلا أن ناموا، احترق عليهم القصر، بسبب أنَّ جارية أخذت في يدها شمعة، فعلِق لهبها ببعض الأخشاب، فاحترق القصر، وسلّم الله الخليفة وأهلَه. فأصبح فتصدّق بأشياء كثيرة، وأطلق خلقًا من المُحَبَّسين. وفي رجب منها (٧) وقع بين الخليفة وبين (٨) السلطان مسعود واقع، فبعث الخليفة إلى الجوامع والمساجد، فأُغلقت ثلاثة أيام، حتى اصطلحا. وفي يوم الجمعة المنتصف (٩) من ذي القعدة جلس ابن العبادي (١٠) الواعظ، فتكلم والسلطان مسعود

стр. 6243

حاضر، وكان قد وضع على الناس مكسًا في البغ فاحشًا، فقال في جملة وعظه: يا سلطان العالم أنت تطلق في بعض الأحيان للمغنِّي إذا طربتَ قريبًا مما وضعت على المسلمين من هذا المكس (١)، فهبني مغنيًا وقد طربتَ، فهب لي هذا المكس شكرًا لنعم (٢) الله عليك، وأسقطه عن الناس، فأشار السلطان بيده أن قد فعلتُ، فضجّ الناس بالدعاء له، وكتب بذلك سجلات، ونودي في البلاد بإسقاط ذلك المكس، ففرح الناس بذلك، ولله الحمد والمنة. [وفي هذه السنة] (٣) قلَّ المطرُ جدًّا، وقلَّت مياهُ الأنهار، وانتشر جراد عظيم، وأصاب الناس داءٌ في حلوقهم، فمات بذلك خلائق كثيرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها: قُتل الملك عماد الدين زنكي بن قسيم (٤) الدولة آقسُنْقُر التركي (٥)، صاحب الموصل وحلب وغيرهما من بلاد الشام والجزيرة. وكان محاصرًا قلعة جعبر. وفيها: شهاب الدين سالم بن مالك العقيلي (٦)، فبرطل بعض مماليك زنكي حتى قتلوه في الليلة الخامسة من ربيع الأول من هذه السنة. قال العماد الكاتب: وكان سكرانًا (٧)، والله أعلم. وقد كان زنكي من خيار الملوك، وأحسنهم سيرة وشكلًا. وكان شجاعًا مقدامًا حازمًا، خضعت له ملوك الأطراف، وكان من أشد الناس غيرة على نساء الرعية، وأجود الملوك معاملة، وأرفقهم بالعامة. وملك (٨) من بعده بالموصل ولده [سيف الدين غازي] (٩)، وبحلب ولده نور الدين محمود، فاستعاد الملك نور الدين محمود هذا مدينة الرُّها، وكان أبوه قد فتحها. ثم عصوا فقهرهم. وفيها: ملكت الفرنج - لعنهم الله - مدينة طرابلس الغرب. وفيها: استعاد صاحب دمشق مدينة بعلبك.

стр. 6244

وفيها: جاء (١) الأمير نجم الدين أيوب من جهة زنكي إلى صاحب دمشق، فسلّمه القلعة، وأعطاه إمريه (٢) عنده بدمشق. وفيها: قَتل السلطان مسعود حاجبه عبد الرحمن بن طُغْرلْبَك، وقتل عبَّاسًا صاحب الرَّيّ وألقى برأسه إلى أصحابه، فانزعج الناس، ونهبوا خيام عباس. وقد كان عباس هذا من الشجعان المشهورين، قتلت الباطنية (٣) جوهرًا، فلم يزل يقتل منهم حتى بنى مئذنة من رؤوسهم بمدينة الرَّي. وفيها: مات نقيب النقباء ببغداد محمد بن طِراد الزينبي، فولي (٤) بعده علي (٥) بن طلحة الزينبي. وفيها: سقط جدار على ابنة الخليفة، وكانت قد بلغت مبالغ النساء، فماتت، فحضر جنازتها الأعيان. [وحج في هذه السنة نظام الدين بن جَهير الوزير] (٦). [وممن توفي فيها من الأعيان: زنكي بن آقسُنْقُر: تقدم ذِكر شيء من ترجمته [في الحوادث] (٧)، [وهو أبو نور الدين محمود الشهيد] (٨)، وقد أطنب الشيخ [شهاب الدين] (٩) [أبو شامة] (١٠) في "الروضتين" في ترجمته، وما قيل فيه من نظم ونثر، ﵀. سعد الخير بن محمد بن سهل بن سعد، أبو الحسن المغربي الأندلسي الأنصاري (١١): رحل من الأندلس إلى الصين. وسمع الحديث، وتفقّه بالغزالي، وحصّل كتبًا نفيسة. وروى عنه

стр. 6245

ابن الجوزي (١) وغيره، وقد أوصى عند وفاته ببغداد أن يصلي عليه الغزنوي (٢)، وأن يدفن إلى جانب قبر عبد الله بن الإمام أحمد، وحضر جنازته خلائق من الناس. شافع بن عبد الرشيد بن القاسم، أبو عبد الله الجيلي (٣) الشافعي: تفقه على إلْكِيا الهرّاسي ثم على الغزالي، وكان يسكن الكرخ، وله حلقة بجامع المنصور في الرُّواق. قال ابن الجوزي (٤): وكنت أحضر حلْقته. عبد الله بن علي بن أحمد بن عبد الله، أبو محمد سبط أبي منصور الزاهد (٥): قرأ القراءات، وصنف فيها، وسمع الحديث الكثير، واقتنى الكتب الحسنة، وأمّ في مسجده نيفًا وخمسين (٦) سنة. وختّم (٧) خلقًا كثيرًا. قال ابن الجوزي (٨): وما سمعت أحدًا أحسن (٩) قراءة منه. وحضر جنازته خلق كثير. عباس (١٠) شحنة (١١) الريّ: توصّل إلى أن مَلَكَها، ثم قتله السلطان مسعود، كما ذكرنا. وقد كان كثير الصدقات والإحسان إلى الرعية وقَتل من الباطنية خلقًا وابتنى من رؤوسهم منارة بالرَّيِّ، وتأسف الناس عليه، ﵀. محمد بن طِراد بن محمد الزينبي (١٢)، أبو الحسن نقيب الهاشميين: وهو أخو علي بن طِراد الوزير، سمع الكثير من أبيه وعمه أبي نصر وغيرهما، وقارب السبعين.

стр. 6246

وجيه بن طاهر بن محمد بن محمد، أبو بكر الشَّحَّامي (١)، أخو زاهر: وقد سمع الكثير من الحديث، وكانت له معرفة به. وكان شيخًا حسن الوجه، سريع الدمعة، كثير الذِّكر، صحيح (٢) السماع، صدوق اللهجة (٣). توفي ببغداد من هذه السنة، [رحمه الله تعالى ورضي عنه آمين] (٤). ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين وخمسمئة فيها: ملكت الفرنج عدة حصون من جزيرة الأندلس. وفيها: ملك نور الدين محمود (٥) بن زنكي عدة حصون من أيدي (٦) الفرنج بالسواحل وغيرها (٧). وفيها: خُطب للمستنجد بالله بولاية العهد من بعد أبيه المقتفي. وفيها: ولي عون الدين يحيى بن هبيرة كتابة ديوان الزّمام، وولي زعيم الدين يحيى بن جعفر صدرية المخزن المعمور. وفيها: اشتدّ الغلاء بإفريقية، فهلك بسببه أكثر الناس، حتى خلت المنازل، وأقفرت المعاقل. وفيها: تزوّج سيف الدين غازي بنتَ صاحب ماردين حسام الدين تمرتاش بن أرتق، بعد أن حاصره، فصالحه على ذلك، فحُملت إليه إلى الموصل بعد سنتين، وهو مريض، قد أشرف على الموت، فلم يدخل بها حتى مات. فولي (٨) بعده على الموصل أخوه قطب الدين مودود (٩) فتزوجها. قال ابن الجوزي (١٠): وفي صفر رأى رجل في المنام قائلًا يقول (١١): من زار قبر أحمد بن حنبل غُفر له (١٢). قال: فلم يبق خاصٌّ ولا عام إلا زاره.

стр. 6247

قال ابن الجوزي: وعقدتُ يومئذ ثَمَّ مجلسًا، فاجتمع فيه ألوفٌ من الناس. وممن توفي فيها [من الأعيان] (١): أسعد (٢) بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله، أبو منصور: سمع (٣) الكثير، وكان خيّرًا صالحًا، مُمَتَّعًا بحواسه وقواه إلى حين الوفاة، وقد جاوز المئة بنحو من سبع سنين، ﵀. أبو محمد (٤) عبد الله [بن علي بن عبد الله بن علي] (٥) بن خلف بن أحمد بن عُمر اللخمي الأندلسي الرُّشاطي (٦) الحافظ (٧): صنف كتاب "اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار" وهو من أحسن التصانيف الكبار. قتل شهيدًا صبيحة يوم الجمعة العشرين من جمادى بالمَريَّة (٨). نصر الله بن محمد بن عبد القوي، أبو الفتح اللّاذِقي المِصِّيصي الشافعي (٩): تفقَّه بالشيخ نصر بن إبراهيم المقدسي بصور، وسمع بها منه ومن أبي بكر الخطيب. وسمع ببغداد والأنبار. وكان من (١٠) مشايخ الشام، فقيهًا في الأصول والفروع. [وكانت وفاته في هذه السنة] (١١)، وقد جاوز التسعين بأربع سنين، ﵀.

стр. 6248

هبة الله بن علي [بن محمد] (١) بن حمزة، أبو السعادات الشجري (٢) النحوي (٣): ولد سنة خمسين وأربعمئة. وسمع الحديث، وانتهت إليه رئاسة النحاة. قال الشجري: ما سمعت بيتًا في الذم أبلغ من قول مِسْكويه (٤): [من الطويل] (٥) وَمَا أَنا إلّا المِسْكُ قَدْ ضَاع عِنْدَكُمْ … يَضيعُ وعِنْدَ الأَكثرين يَضُوعُ ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وخمسمئة فيها: استغاث مجير الدين بن أتابك دمشق بالملك نور الدين محمود (٦) صاحب حلب على الفرنج. فركب سريعًا، فالتقاهم (٧) بأرض بُصرى، فهزمهم، ورجع فنزل على الكُسوة. وخرج ملك دمشق مجير الدين أبق (٨) فخدمه واحترمه، وشاهد الدماشقة حرمة نور الدين [حتى تمنَّوه] (٩). وفيها: ملكت الفرنج المهدية (١٠) وهرب منها صاحبها الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس بن منصور بن يوسف بن (١١) بُلُكِّين بن زيري بأهله وما خفّ من أمواله، فتمزّق في البلاد (١٢)، وأكلتهم الأقطار. [وكان آخر ملوك بني باديس] (١٣)، وقد كان ابتداء ملكهم في سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة، فدخل الفرنج إليها وخزائنُها مشحونة بالحواصل والأموال والعدد وغير ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 6249

وفيها: حاصرت الفرنج، وهم في سبعين ألف مقاتل ومعهم ملك الألمان في خلق لا يعلمهم إلا الله ، دمشق، وعليها مجير الدين آبق بن محمد بن بوري بن طُغْتِكين، وأتابكه (١) معين الدين أُنر (٢) مدبِّر المملكة، وذلك يوم السبت سادس ربيع الأول. فخرج إليهم أهلها في مئة ألف (٣) وثلاثين ألفًا، فاقتتلوا معهم قتالًا عظيمًا (٤)، وقتل من المسلمين (٥) في أول يوم نحو المئتين (٦)، ومن الفرنج خلق كثير لا يُحْصَوْن، واستمرّت (٧) الحرب مدة، وأُخرج مصحف عثمان إلى وسط صحن (٨) الجامع. واجتمع الناس (٩) يدعون الله ، والنساء والأطفال مُكَشَّفُو (١٠) الرؤوس، يدعون ويتباكون، والرماد مفروش في البلد. فاستغاث أُنر (١١) بالملك نور الدين محمود صاحب حلب وبأخيه سيف الدين غازي صاحب الموصل، فقصداه سريعًا في نحو من سبعين ألفًا ممن انضاف إليهم من الملوك وغيرهم، فلما سمعت الفرنج، قبّحهم الله، بقدوم الجيش (١٢) نحوهم أجلَوْا (١٣) عن البلد، فلحقهم الجيش، فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا وجمًّا غفيرًا، وقتلوا فيمن قتلوا منهم قسيسًا معهم اسمه إلياس، وهو الذي أغراهم بدمشق، وذلك أنه افترى منامًا عن المسيح (١٤) أنه وعده بفتح دمشق، فقُتل لعنه الله، وقد كادوا (١٥) يأخذون البلد، ولكن حماها الله تعالى (١٦) بحوله وقوته، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠].

стр. 6250

ومدينة دمشق لا سبيل للأعداء من الكفرة عليها، لأنها المحلّة التي أخبر رسول الله ﷺ عنها أنها معقل الإسلام عند الملاحم والفتن، وبها ينزل عيسى ابن مريم، ﵇ (١). وقد كانت الفرنج قتلوا خلقًا كثيرًا من أهل دمشق، وممن قتلوا الفقيه الكبير الملقب حجة الدين شيخ المالكية بها أبو الحجاج يوسف بن دوناس (٢) الفِنْدَلاوي بأرض النيرب، ودفن بمقابر باب الصغير. وقد صالح مجير الدين الفرنج عن دمشق ببانياس، فرحلوا عنها، وتسلّموا بانياس. وفيها: وقع (٣) بين السلطان مسعود وأمرائه، ففارقوه وقصدوا بغداد، فاقتتلوا مع العامة، فقتلوا منهم (٤) خلقًا كثيرًا من الصغار والكبار، ثم إنهم (٥) اجتمعوا قبالة التاج، وقبّلوا الأرض، واعتذروا إلى الخليفة مما وقع، وساروا نحو النَّهروان، فتفرقوا في البلاد، ونهبوا أهلها، فغلت الأسعار بالعراق بسبب ذلك. وفيها: ولي (٦) قضاء القضاة ببغداد أبو الحسن علي بن أحمد بن علي بن الدامغاني بعد وفاة الزَّينبي. وفيها: ملك سُوري بن الحُسين (٧) ملك الغور مدينة غزنة، فذهب صاحبها بهرام شاه بن مسعود بن

стр. 6251

إبراهيم، من أولاد سبكتكين إلى الهند فاستجاش ملكها (١)، فجاء بجيوش عظيمة، فاقتلع غزنة من يد سُوري وأخذه أسيرًا فصلبه، وقد كان كريمًا جوادًا كثير الصدقات. وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن محمد بن نبهان (٢) بن محرز الغنوي الرَّقِّي (٣): سمع الحديث، وتفقّه بالشاشي والغزالي، وكتب شيئًا كثيرًا من مصنّفاته، وقرأها عليه وصحبه كثيرًا. وكان حسنًا مهيبًا كثير الصمت بهي السمت. توفي في ذي الحجة [من هذه السنة] (٤)، وقد جاوز الثمانين. شاهنشاه بن أيوب بن شاذي (٥): استشهد مع نور الدين. وهو والد الست عذراء (٦) واقفة العذراوية، وتقي الدين عمر واقف التقوية وغير ذلك. علي بن الحسين [بن محمد بن علي الزَّينبي (٧)، أبو القاسم الأكمل بن أبي طالب نور الهدى بن أبي الحسن] (٨) نظام الحضرتين ابن نقيب النقباء أبي القاسم ابن القاضي أبي تمام العباسي: قاضي القضاة ببغداد والعراق وغير ذلك. سمع الحديث، وكان فقيهًا رئيسًا وقورًا حسن الهيئة والسمت، قليل الكلام، سافر مع الخليفة الراشد إلى الموصل، وجرت له فصول، ثم عاد إلى بغداد، فمات بها في هذه السنة، وقد جاوز الستين، وكانت جنازته حافلة، ﵀ [رحمة واسعة] (٩).

стр. 6252

أبو الحجاج [يوسف بن دوناس] (١) الفِنْدَلاوي (٢) شيخ المالكية بدمشق: قتل يوم السبت سادس ربيع الأول، قريبًا من الربوة في أرض النيرب، هو والشيخ عبد الرحمن الحلحولي (٣)، أحد الزهاد، قتلا معًا، رحمهما الله تعالى آمين (٤). ثم دخلت سنة أربع وأربعين وخمسمئة فيها: كانت وفاة القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرون (٥) بن موسى بن عياض بن محمد بن موسى بن عياض اليحصبي السَّبتي قاضيها. أحد مشايخ العلماء المالكية، وصاحب المصنَّفات الكثيرة المفيدة الشهيرة (٦)، منها: "الشفا" (٧)، و"شرح (٨) مسلم"، و"مشارق الأنوار" (٩) وغير ذلك (١٠). وله شعر حسن. وكان إمامًا في علوم كثيرة، كالفقه واللغة والحديث والأدب وأيام الناس. ولد سنة ست وستين وأربعمئة. وتوفي في يوم الجمعة في جمادى الآخرة، وقيل: في رمضان، من هذه السنة، بمدينة سبتة، ﵀. وفيها: غزا الملك نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب بلادَ الفرنج، فقتل منهم خلقًا [كثيرًا

стр. 6253

وجمًا غفيرًا] (١)، فكان (٢) فيمن (٣) قتل البرنس ملك (٤) أنطاكية، وفتح شيئًا كثيرًا من قلاعهم، ولله الحمد والمنة. وكان قد استنجد بمعين الدين أُنر أتابك دمشق، فأرسل إليه بفريق من جيشه صحبة الأمير مجاهد الدين بزان بن مامين (٥) نائب صرخد فأبلوا بلاءً حسنًا. وقد قال الشعراء (٦) في هذه الغزوة أشعارًا كثيرة، منهم ابن القيسراني وغيره، وفد سردها الشيخ شهاب الدين أبو شامة في "الروضتين" (٧). وفي يوم الأربعاء ثالث ربيع الآخر استوزر للخلافة أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة ولقب عون الدين، وخلع عليه. وفي رجب قصد ملكشاه بن محمود بغدادَ ومعه خلق من الأمراء، منهم علي بن دُبَيْس وجماعة من التركمان وغيرهم، وطلبوا من الخليفة أن يُخطب له، فامتنع من ذلك، وتكررت المكاتبات، وأرسل الخليفة إلى السلطان مسعود يستحثّه في القدوم، فتمادى عليه، وضاق النطاق، واتسع الخرق على الراقع (٨). وكتب الملك سنجر إلى ابن أخيه مسعود يتوعده إن لم يسرع المشي إلى الخليفة. فما جاء إلا في أواخر السنة، فانقشعت تلك الشرور كلها، وتبدَّلت سرورًا أجمعها. وفي هذه السنة زُلزلت الأرض زلزالًا شديدًا، وتموّجت الأرض عشر مرات، وتقطّع جبل بحلوان، وانهدم الرباط البهروزي (٩)، وهلك خلق كثير بالبرسام (١٠)، لا يتكلم المرضى به حتى يموتوا. وفيها: مات سيف الدين غازي بن زنكي، صاحب الموصل، وملك بعده أخوه قطب الدين مودود بن زنكي، وتزوج بامرأة أخيه التي لم يدخل بها الخاتون بنت تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق صاحب

стр. 6254

ماردين، فولدت له أولادًا، كلهم ملكوا الموصل، وكانت هذه الخاتون (١) تضع خمارها بحضرة (٢) خمسة عشر ملكًا. وفيها سار الملك نور الدين محمود (٣) إلى سنجار ففتحها، فجهز إليه أخوه قطب الدين مودود جيشًا ليرده عنها، ثم اصطلحا، فعوّضه عنها الرحبة وحمص، واستمرت سنجار لقطب الدين، وعاد نور الدين إلى بلده. وغزا في هذه السنة الفرنج (٤) فقتل منهم خلقًا، وأسر البرنس صاحب أنطاكية. فمدحه الشعراء، منهم الفتح القيسراني بقصيدة طنَّانة يقول في أولها (٥): [من البسيط] (٦) هذي العَزائِمُ لا ما تَدَّعي (٧) القُضُبُ … وَذِي المَكارمُ لا ما قالتِ الكتُبُ وهذِهِ الهِمَمُ اللَّاتي مَتَى خَطَبَتْ … تعثَّرتْ خَلْفَها الأشعارُ والخُطبُ صافحتَ يا بْنَ عمادِ الدِّينِ ذِروَتَها … براحةٍ للمساعي دُونَها (٨) تَعَبُ ما زالَ جدُّكَ يبني كُلَّ شاهقةٍ … حتى بنى (٩) قُبَّةً أوتادُها الشُّهبُ وفيها: فتح نور الدين حصن أفامية، وهو قريب من حماة. وفيها: مات صاحب مصر الحافظ (١٠) لدين الله عبد المجيد بن أبي القاسم محمد بن المستنصر، فقام بالأمر من بعده ولده الظافر (١١) إسماعيل. وقد كان أحمد بن الأفضل بن أمير الجيوش قد استحوذ على الحافظ، [وخطب بمصر للقائم آخر الزمان، وأذّن] (١٢) بحيّ على خير العمل. والحافظ هذا هو الذي وضع طبل القولنج الذي إذا ضربه من به القولنج يخرج منه القولنج والرِّيح الذي به (١٣).

стр. 6255

وخرج بالحجيج (١) الأمير نظر الخادم، فمرض بالكوفة، فرجع واستخلف على الحجاج مولاه قايماز (٢). وحين وصوله إلى بغداد، توفي ﵀ بعد أيام، فطمِعت العرب في الحجاج (٣)، فوقفوا لهم في الطريق وهم راجعون، فضعف قايماز عن مقاومتهم، فأخذ لنفسه أمانًا، وهرب وأسلم إليهم الحجيج، فقتلوا أكثرهم، وأخذوا أموال الناس، وقلّ مَنْ سلم فيمن نجا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها: مات معين الدين أُنر (٤) أتابك العساكر بدمشق. وكان أحد ممالك طُغتِكين، ثم كان بعد ذلك أتابك الملوك (٥) بدمشق. وهو والد الست عصمة (٦) الدين خاتون زوجة الملك نور الدين، وهو (٧) واقف المدرسة المعينية داخل باب الفرج، وقبره في قبة قبلي (٨) الشامية البرانية بمحلّة العُوَيْنة عند دار البطيخ. ولما مات معين الدين قويت شوكة الوزير الرئيس مؤيد الدولة علي بن الصوفي وأخيه زين الدولة حيدرة، ووقعت بينهما وبين الملك مجير الدين أبق (٩) وحشة، اقتضت أنهما جَنَّدا (١٠) من العامة والغوغاء ما يقاومة (١١) فاقتتلوا، فقتل خلقٌ من الفريقين. ثم وقع الصلح بعد ذلك، وامتدحه الشعراء. وممن توفي فيها [من الأعيان] (١٢): أحمد بن نظام الملك الحسن بن علي (١٣)، أبو نصر الوزير للمسترشد وللسلطان محمود: وقد سمع الحديث. وكان من خيار الوزراء، ﵀. أحمد بن [محمد بن] (١٤) الحسين الأَرَّجاني (١٥)، قاضي تُسْتَر:

стр. 6256

[روى الحديث] (١)، وكان له شعر حسن رائق، يبتكر (٢) معاني حسنة، فمن ذلك قوله: [من الطويل] (٣) وَلَمَّا بَلَوْتُ النَّاسَ أطلبُ منهم (٤) … أخا ثقةٍ عند اعتراضِ الشدائدِ تطمَّعْتُ في حالَيْ رخاءٍ وشدّةٍ … وناديتُ في الأحياءِ هل من مساعدِ فلم أر فيما ساءني غيْرَ شامتٍ … ولم أر فيما سرّني غيرَ حاسدِ فطلَّقتُ وُدَّ العالمينَ جميعهم … ورحتُ فلا ألوي على غير واحدِ (٥) تَمَتَّعْتُما يا ناظِريّ بنظرةٍ … وأوردتُما قلبي أمرَّ المواردِ أَعينيَّ كُفَّا عن فؤادي فإنَّه … من البغي سَعْيُ اثنين في قتلِ واحدِ القاضي (٦) عياض بن موسى السبتي (٧): صاحب التصانيف المفيدة. ومن شعره قوله: [من البسيط] اللهُ يعلمُ أني منذُ لم أَرَكُمْ … كطائرٍ خانه ريشُ الجناحَيْن ولو قدرتُ ركبتُ البحر نحوكُم … فإنَّ بُعدَكم عني جَنَى حَيْنِي وقد ترجمه ابن خلكان (٨) ترجمة حسنة جدًّا (٩). عيسى بن هبة الله بن عيسى، أبو عبد الله النقاش (١٠): سمع الحديث. ومولده سنة سبع وخمسين وأربعمئة.

стр. 6257

قال ابن الجوزي (١): وكان ظريفًا خفيف الروح. له نوادر حسنة، قد رأى الناس، وعاشر الأكياس، وكان يحضر مجلسي ويكاتبني وأكاتبه. كتبت إليه مرة فعظَّمته في الكتاب (٢)، فكتب إليّ: [مخلع البسيط] قد زِدْتَني في الخطابِ حتَّى … خشيتُ نقصًا من الزيادَة (٣) فاجعل خِطابي خطابَ مثلي … ولا تُغَيّرْ عَلَيَّ عادَة (٤) وله (٥): [من المتقارب] إذا وَجَدَ الشيخُ في نفسِهِ … نشاطًا فذلكَ موتٌ خفي ألستَ تَرَى أنّ ضوءَ السراجِ … له لهَبٌ قبلَ أن ينطفي غازي بن [زنكي بن] (٦) آقسنقر (٧) الملك سيف الدين صاحب الموصل: وهو أخو نور الدين محمود صاحب حلب، ثم دمشق، [فيما بعد] (٨)، وقد كان سيف الدين هذا من خيار الملوك وأحسنهم سيرة، وأجودهم سريرة، وأصبحهم صورة، شجاعًا كريمًا، يذبح كل يوم لجيشه مئة من الغنم، ولمماليكه ثلاثين رأسًا، وفي يوم العيد ألف رأس، سوى البقر والدجاج. وهو أول من حُمِلَ على رأسه سنجق من ملوك الأطراف، وأمر الجند ألا يركبوا إلا بسيف ودبوس. وبنى مدرسة بالموصل، ورباطًا للصوفية. وامتدحه الحيص بيص (٩) فأعطاه ألف دينار عينًا، وخلعة. ولما توفي بالحمى في جمادى الآخرة من هذه السنة، دفن في مدرسته المذكورة، وله من العمر أربعون سنة وكانت مدة ملكه بعد أبيه ثلاث سنين وخمسين يومًا، ﵀. نظر الخادم (١٠) أمير الحاج مدةَ عشرين سنة وأكثر. وسمع الحديث، وقرأ على ابن الزاغوني،

стр. 6258

وكان يحب العلم والصدقة، وكان الحاج معه في غاية الدَّعة والراحة والأمن، وذلك لشجاعته ووجاهته عند الخلفاء والملوك والأمراء. [وكانت وفاته بعد رجوعه] (١) من (٢) طريق الحجاز ليلة الثلاثاء الحادي عشر من ذي القعدة، ودفن بالرُّصافة. ثم دخلت سنة خمس وأربعين خمسمئة فيها: فتح نور الدين محمود حصن أفامية، وهو من أحصن القلاع، [وأمتع البقاع] (٣). وقيل: فتحه (٤) في السنة (٥) التي قبلها. وفيها: قصد دمشق ليأخذها، فلم يتفق له أخذها (٦)، فخلع على ملكها مجير الدين أبق (٧) وعلى وزيره الرئيس ابن الصوفي، وتقررت الخطبة (٨) له بها بعد الخليفة والسلطان، وكذلك السِّكة. وفيها: فتح نور الدين حصن عزاز (٩)، وأسر ابن ملكها ابن جوسلين، ففرح المسلمون بذلك كافة، ثم أُسر بعده والده جوسلين الملك الإفرنجي (١٠)، [فكانت الفرحة أعظم، وفتح بعد أسره من بلاده شيئًا كثيرًا من الحصون، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة] (١١). وفي المحرم منها حضر يوسف الدمشقي تدريس النظامية، وخلع عليه، وحضر عنده (١٢) الأعيان ولمَّا لم يكن ذلك بإذن الخليفة بل بمرسوم السلطان، وابن نظام الملك، منع من ذلك، فلزم بيته، ولم يعد إلى المدرسة بالكلية، وولي بعده الشيخ أبو النجيب بإذن الخليفة ومرسوم السلطان.

стр. 6259

قال ابن الجوزي: وفي هذه السنة وقع باليمن (١) مطر كله دم حتى صبغ ثياب الناس. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن بن ذي النون بن أبي القاسم بن أبي الحسن، أبو المفاخر النيسابوري (٢): قدم بغداد، فوعظ بها، وجعل ينال من الأشعرية (٣)، فأحبته الحنابلة، ثم اختبروه فإذا هو معتزلي ففتر سوقه، وجرت بسببه فتنة ببغداد. وقد سمع منه ابن الجوزي (٤) شيئًا من شعره، من ذلك: [البسيط] ماتَ الكرامُ ومرّوا وانقضوا ومَضَوْا … وماتَ من بعدهم تلك الكراماتُ وخلَّفونيَ في قومٍ ذوي سَفَهٍ … لَوْ أبصروا طيفَ ضيفٍ في الكرى ماتوا عبد الملك بن عبد الوهاب الحنبلي (٥) القاضي، بهاء الدين: كان يعرف مذهبَيْ (٦) أبي حنيفة وأحمد، ويناظر عنهما، ودفن مع أبيه وجده بقبور الشهداء. عبد الملك بن أبي نصر بن عمر (٧)، أبو المعالي الجيلي: كان فقيهًا صالحًا ديّنًا متعبّدًا فقيرًا، ليس له بيت يسكنه، وإنما يبيت بالمساجد المهجورة. وقد خرج مع الحجيج فأقام بمكة يعبد ربه، ويفيد العلم، فكان أهلها يثنون عليه خيرًا. الفقيه (٨) أبو بكر بن العربي المالكي (٩): شارح الترمذي (١٠)

стр. 6260

وكان فقيهًا عالمًا، وزاهدًا عابدًا، وسمع الحديث بعد اشتغاله في الفقه، وصحب الغزالي وأخذ عنه، وكان يتهمه برأي الفلاسفة، ويقول دخل في أجوافهم فلم يخرج منها، والله سبحانه أعلم (١). ثم دخلت سنة ست وأربعين وخمسمائة فيها: أغار جيش (٢) السلطان على بلاد الإسماعيلية، فقتلوا خلقًا، ورجعوا سالمين. وفيها: حاصر نور الدين دمشق [شهورًا، ثم ترحّل عنها إلى حلب] (٣)، وكان الصلح على يدي البرهان البلخي، ﵀. وفيها: اقتتل الفرنج وجيش نور الدين محمود، فانهزم المسلمون، وقُتل منهم خلق، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولما وقع هذا الأمر شقّ ذلك على الملك نور الدين، وترك الترفّه، وهجر اللَّذة (٤)، حتى يأخذ بالثأر. ثم إنّ أمراء التركمان، ومعهم جماعة من أعوانهم (٥) ترصّدوا الملك جوسلين، فلم يزالوا به حتى أسروه في بعض متصيّداته، فأرسل نور الدين، فكبس التركمان، وأخذ منهم جوسلين أسيرًا. وكان من أعيان (٦) الكفرة، [وأعظم الفجرة] (٧)، لعنه الله. فأوقفه نور الدين بين يديه [في أذل حال] (٨)، ثم سجنه. ثم سار نور الدين فملك بلاده كلَّها (٩). وفي ذي الحجة جلس ابن العبادي في جامع (١٠) المنصور، وتكلم وعنده (١١) جماعة من الأعيان، وكادت الحنابلة يُثيرون فتنةً ذلك اليوم، لكونه غير حنبلي، ولكنْ لطف الله وسلم.

стр. 6261

وحج بالناس فيها قايماز (١) الأرجواني. وممن توفي فيها [من الأعيان] (٢): الشيخ برهان الدين، أبو الحسن علي (٣) البلخي، شيخ الحنفية بدمشق: درّس بالبلخية، ثم بالخاتونية البرانية. وكان عالمًا عاملًا (٤)، ورعًا زاهدًا. ودفن بمقابر باب الصغير. ثم دخلت سنة سبع وأربعين وخمسمائة فيها: توفي السلطان مسعود. وقام بالأمر من بعده ابن أخيه ملكشاه بن محمود. ثم جاء السلطان محمد فأخذ الملك، واستقر له. وقتل الأمير خاص بك، وأخذ أمواله، وألقاه للكلاب، [فاختبطت بغداد، واضطربت الأمور، وتغيرت القواعد] (٥). وبلغ الخليفة أن واسط قد تخبَّطت أيضًا، فركب إليها في الجيش في أُبَّهة عظيمة، وأصلح شأنها، وكرّ على الكوفة والحلة، ثم عاد إلى بغداد [مؤيدًا منصورًا] (٦)، فزينت له البلد (٧)، ولله الحمد. وفيها: ملك عبد المؤمن صاحب بلاد (٨) المغرب بِجاية، وهي بلاد بني حماد، فكان آخر ملوكهم يحيى بن عبد العزيز بن حماد. ثم بعث جيشًا (٩) إلى صنهاجة فحاصرها وأخذ أموالها. وفيها: كانت وقعة عظيمة (١٠) بين نور الدين محمود (١١) وبين الفرنج، فكسرهم وقتل منهم خلقًا (١٢) كثيرًا، ولله الحمد والمنة.

стр. 6262

وفيها: اقتتل السلطان سنجر وملك الغور علاء الدين الحسين بن الحُسين (١) أول ملوكهم، فكسره سنجر وأسره، فلما أحضره بين يديه قال له: ماذا كنت تصنع بي لو أسرتني، فأخرج قيدًا من فضة، وقال: كنت أقيدك بهذا. فعفا عنه، وأطلقه إلى بلاده، فسار إلى غزنة فانتزعها من يد صاحبها بهرام شاه السُّبكْتِكِيني، واستخلف عليها أخاه سيف الدين، فغدر به أهل البلد، وسلموه إلى بهرام شاه فصلبه. ومات بهرام شاه قريبًا، فسار إليها علاء الدين، فهرب خسرو بن بهرام شاه عنها، فدخلها علاء الدين، فنهبها ثلاثة أيام، وقتل [من أهلها] (٢) بشرًا كثيرًا، وسخَّر أهلها، فحملوا ترابًا في مخالي (٣) إلى محلة هناك، بعيدة عن البلد، فعمر من ذلك التراب قلعة معروفة إلى الآن، وبذلك انقضت (٤) دولة بني سبكتكين عن بلاد غزنة وغيرها. وكان ابتداء أمرهم في سنة ست وستين وثلاثمائة إلى سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وكانوا من خيار الملوك، وأكثرِهم جهادًا في الكفرة، وأكثرهم أموالًا ونِساءٍ وعَددًا وعُددًا، وقد كسروا الأصنام، وأبادوا الكفار، وجمعوا من الأموال ما لم يجمع غيرهم من الملوك، مع أن بلادهم كانت من أطيب البلاد وأكثرهم ريفًا ومياهًا، ففني جميعه وزال عنهم ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]. ثم ملك الغورُ الهند وخراسان، واتسعت ممالكهم، وعظم سلطانهم. وحكى ابن الجوزي في "المنتظم" (٥) أنّ في هذه السنة باض ديك بيضة واحدة، وباض بازي بيضتين، وباضت نعامة ليس لها ذكر، وهذا شيء عجيب. وممن توفي فيها من الأعيان: المظفر بن أردشير، أبو منصور العَبَّادي (٦) الواعظ: سمع الحديث، ودخل بغداد، فأملى ووعظ، وكان (٧) يكتب ما يعظ الناس به، فاجتمع له من ذلك مجلدات.

стр. 6263

قال ابن الجوزي (١): لا تكاد (٢) تجد في المجلد منها خمس كلمات جيدة. [وتكلم فيه وأطال الحط عليه] (٣) واستحسن من كلامه قوله، وقد سقط مطر، وهو يعظ الناس، ففرَّ (٤) الناس إلى ما تحت الجدران فقال: لا تفرّوا من رشاش ماء رحمة، قطر من سحاب نعمة، ولكن فِزُوا من شرار (٥) نار، اقتدح من زناد الغضب. توفي وقد جاوز الخمسين بقليل. مسعود (٦) السلطان بن (محمد بن) (٧) ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق التركي السلجوقي صاحب العراق (٨) وغيرها: حصل له من التمكُّن والسعادة شيء كثير لم يحصل لغيره، وجرت له خطوب [كثيرة، وحروب] (٩) طويله (١٠)، وقد (١١) أُسر في بعض تلك الحروب الخليفة المسترشد كما تقدم. [وكانت وفاته] (١٢) يوم الأربعاء سلخ جمادى الآخرة [من هذه السنة] (١٣). يعقوب الخطاط الكاتب (١٤): توفي بالنظامية، فجاء ديوان الحشرية (١٥) ليأخذوا (١٦) ميراثه لبيت المال، فمنعهم الفقهاء، فجرت فتنة عظيمة آل الحال إلى عزل مدرِّسها (١٧) الشيخ أبي النجيب، وضربه تعزيرًا بالديوان (١٨).

стр. 6264

ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وخمسمائة فيها: وقعت الحرب بين السلطان سنجر وبين الأتراك [ببلاد بلخ] (١)، فقتل الأتراك من جيشه خلقًا كثيرًا، بحيث صارت القتلى مثل التلال العظيمة (٢)، وأسروا السلطان سَنجر وقتلوا من كان معه من الأمراء صبرًا، ولما أحضروه [قاموا بين يديه] (٣) وقبَّلوا الأرض [بين يديه] (٤)، وقالوا: نحن عبيدك، وكانوا عدة من الأمراء الكبار (٥) من مماليكهم، فأقام عندهم شهرين، ثم جاؤوا معه (٦)، فدخلوا مرو، وهي كرسيّ مملكة خراسان، فسأله بعضهم أن يجعلها له إقطاعًا، فقال سنجر: هذا لا يمكن، هذه كرسيّ المملكة، فضحكوا منه، وأضرط به (٧) بعضهم، فنزل عن سرير المملكة. ودخل خانقاه، وصار فقيرًا من جملة أهلها، وتاب عن الملك، واستحوذ أولئك الأتراك على البلاد، فنهبوها، وتركوها قاعًا صفصفًا، وأفسدوا في الأرض فسادًا عريضًا، وأقاموا سليمان شاه ملكًا، فلم تطل أيامه (٨) حتى عزلوه، وولَّوا ابنَ أخت سَنجر الخاقان محمود بن محمد بن كوخان، وتفرّقت الأمور، واستحوذ كل إنسان منهم على ناحية من تلك الممالك، وصارت الدولة دولًا. وفيها: كانت حروب كثيرة بين عبد المؤمن وبين العرب ببلاد المغرب. وفيها: أخذت الفرنج مدينة عسقلان من السواحل (٩). وفيها: خرج الخليفة إلى واسط في جحفل فأصلح شأنها، وعاد إلى بغداد. وحج بالناس فيها قيماز الأرجواني. وفيها: كانت وفاة الشاعرين القرينين الشهيرين المشبَّهَيْن في الزمان الأخير، بالفرزدق وجرير،

стр. 6265

وهما: أبو الحسين (١) أحمد بن منير الجوني (٢) بحلب، وأبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير ابن القيسراني الحلبي (٣) بدمشق، رحمهما الله. وممن توفي فيها: أحمد (٤) بن منير بن أحمد بن مُفْلح، أبو الحسين الطرابلسي الشاعر الرفاء (٥): قال الحافظ ابن عساكر (٦): كان أبوه ينشد بأسواق طرابلس أشعار العوني (٧)، ويغنِّي. ونشأ أبو الحسين هذا، فقرأ القرآن، وتعلّم العربية والأدب، وصار إلى مذهب الإمامية، فكان رافضيًا خبيثًا، يكثر الهجو والفحش، وقد سجنه بوري بن طُغتِكين بدمشق على سوء طريقته (٨). وأراد قطع لسانه، فاستوهبه منه الحاجب يوسف بن فيروز، فوهبه له ونفاه. وذكر ابن عساكر (٩) من أشعاره طرفًا، فمن ذلك قوله (١٠): [من الكامل] وإذا الكريمُ رأى الخَمُولَ نزيلَهُ … في مَنْزِلٍ فالحَزْمُ أنْ يترحَّلا كالبَدْر لمّا أَنْ تضاءَلَ نورُهُ … طلبَ الكمالَ فحازَهُ مُتَنَقِّلا (١١) وصل الهجيرَ بهجر قومٍ كُلَّما … أَمطرتَهُمْ عَسَلًا جَنَوْا لك حَنْظَلا لله علمي بالزمانِ وأهلِهِ … ذنبُ الفضيلةِ عندهم أن تكملا

стр. 6266

طُبعوا على لؤمِ الطباعِ فخيرهم … إن قلتَ قال وإن سكتَّ تقوّلا ثم روى ابن عساكر (١) بسنده: أنَّ بعضهم رآه بعد وفاته في المنام في شرّ خبيثة، ورائحة قبيحة. فقال: أتدري ما جرى عليَّ من هذه القصائد التي كنت أقولها؟ إن لساني قد طال وثخن، وصار مَدَّ البصر، كلما أنشدت قصيدة منها قد صارت كُلَّابًا يتعلق في لساني. قال الرائي: وسمعت قارئًا يقرأ من فوق رأسه: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] فانتبهت مذعورًا. علي بن السلَّار (٢) الملقب بالعادل، وزير الظافر (٣) صاحب مصر: وهو باني المدرسة بالإسكندرية للشافعية للحافظ أبي طاهر السِّلَفي، ﵀. وقد كان العادل هذا ضد اسمه، كان ظلومًا غشومًا حطومًا. وقد ترجمه ابن خلكان (٤). ثم دخلت سنة تسع وأربعين وخمسمائة فيها: ركب الخليفة المقتفي في جيش كثيف إلى تكريت، فحاصر قلعتها، [ولقي هناك] (٥) جمعًا من الأتراك والتركمان، فأظفره الله (٦) بهم، [وهزمهم له وأعلى كلمته عليهم] (٧)، ثم عاد إلى بغداد [مؤيدًا منصورًا] (٨). [ملك السلطان نور الدين الشهيد بدمشق] (٩) وجاءت الأخبار بأن مصر قد قتل خليفتها الظافر، ولم يبق منهم إلا صبيٌّ صغير ابن خمس (١٠) قد

стр. 6267

وَلَّوْه عليهم، ولقَّبوه الفائز، فكتب الخليفة عهدًا للملك نور الدين محمود بن زنكي بالولاية على البلاد الشامية (١) والديار المصرية، وأرسله إليه (٢). وفيها: هاجت ريح شديدة بعد العِشاء، فيها نار، فخاف الناس أن تكون الساعة. وزلزلت الأرض وتغيّر ماء دِجلة إلى الحمرة. وظهر بأرض واسط في الأرض (٣) دم لا يعرف سببه. وجاءت الأخبار عن الملك سَنْجر أنه في أسر الترك، وهو في غاية الذل والإهانة (٤)، وأنه يبكي على نفسه في كل وقت. وفيها: انتزع الملك نور الدين محمود بن زنكي دمشق [من] يد ملكها مجير الدين (٥) أبق بن محمد ابن بوري بن طُغْتِكين، وذلك لسوء سيرته، وضعف دولته، ومحاصرة العامة له في القلعة غير مرة مع وزيره الرئيس مؤيد الدولة علي بن الصوفي، وتغلب الخادم عطاء على المملكة مع ظلمه وغشمه، فكان الناس يدعون الله ليلًا ونهارًا أن يبدلهم غيره بالملك نور الدين، [فأرسل بين يديه الأمير أسد الدين شيركوه في ألف فارس، في صفة طلب الصلح، فلم يلتفت إليه مجير الدين، ولا عدّه شيئًا، ولا خرج إليه أحد من أعيان أهل البلد، فكتب إلى نور الدين بذلك وما جرى له] (٦). واتفق مع ذلك أن الفرنج أخذوا مدينة عسقلان، فحزن (٧) الملك نور الدين على ذلك، ولا يمكنه الوصول إليهم، لأن دمشق بينهم وبينه (٨)، ويخشى أن يحاصر دمشق بعسف فيبعث ملكها إلى الفرنج فيخذلونه (٩)، كما جرى غير مرة، لأن الفرنج لا يختارون (١٠) أن يملك نور الدين دمشق، لأنه يتقوَّى (١١) بها عليهم، ولا يطيقونه أبدًا. فركب الملك نور الدين في جيشه فنزل عيون الفاسريا (١٢) من أرض

стр. 6268

دمشق، ثم انتقل إلى قريب من الباب الشرقي، ففتحها قهرًا، ودخل البلد من الباب الشرقي (١)، بعد حصار عشرة أيام، وكان دخوله في يوم الأحد عاشر صفر من هذه السنة، وتحضن مجير الدين في القلعة، فأنزله منها، وعوضه مدينة حمص. ودخل نور الدين القلعة، واستقرّت يده على دمشق ولله الحمد، فنادى في البلد بالأمان والبشارة (٢)، ورفع (٣) عنهم المكوس، وقرئت التواقيع بذلك (٤) على المنبر (٥)، ففرح الناس (٦) بذلك، وأكثروا الدعاء له، وكتب ملوك الفرنج إليه يهنئونه بدمشق، ويتقربون إليه ويخضعون له. وممن توفي [فيها من الأعيان] (٧): الرئيس مؤيد الدولة علي بن الصوفي (٨) وزير دمشق لمجير الدين آبق: وقد ثار على الملك غير مرة، ويستفحل (٩) أمره، ثم يقع الصلح بينهما، كما تقدم. وعطاء الخادم (١٠) أحد أمراء دمشق: وقد تغلّب على الأمور أيام (١١) مجير الدين آبق المذكور، وكان ينوب ببعلبك (١٢) في بعض الأحيان. وكان ظالمًا غاشمًا. وهو الذي ينسب إليه مسجد عطاء خارج باب شرقي، والله (١٣) أعلم. ثم دخلت سنة خمسين وخمسمائة فيها: خرج الخليفة [المقتفي لأمر الله] (١٤) في تجمُّل عظيم إلى دقوقاء (١٥)؛ فحاصرها، فخرج إليه

стр. 6269

أهلها، فسألوه أن يرحل (١)؛ فإن أهلها قد هلكوا بين (٢) الجيشين، فأجابهم ورحل (٣) عنهم، وعاد إلى بغداد بعد شهرين ونصف. ثم خرج نحو الحلّة والكوفة والجيش بين يديه. وقال له سليمان شاه: أنا وليّ عهد سنجر، فإن قررت (٤) لي ذلك، وإلا فأنا كأحد الأمراء، فوعده خيرًا، وكان يحمل الغاشية (٥) بين يدي الخليفة على كاهله، فمهّد الأمور وأطَّدها (٦)، وسلّم على مشهد عليّ إشارة بإصبعه (٧)، وكان قد عزم على دخول المشهد، فنهاه الوزير ابن هبيرة عن ذلك، كأنه خاف عليه من غائلة الروافض، [أو أن يعتقد في نفسه من القبر شيئًا، أو غير ذلك] (٨)، والله أعلم. فتح بعلبك بيد نور الدين الشهيد وفيها: افتتح نور الدين بعلبك عَودًا على بَدءٍ، وذلك أن نجم الدين أيوب كان نائبًا (٩) على البلاد والقلعة، فسلمها إلى رجل يقال له الضحَّاك البقاعي، فاستحوذ عليها، وكاتب (١٠) نجم الدين لنور الدين، ولم يزل يتلطف حتى أخذ القلعة أيضًا، واستدعى بنجم الدين أيوب إليه إلى دمشق، فأقطعه إقطاعًا حسنًا، وأكرمه من أجل أخيه أسد الدين، فإنه كانت له اليد الطولى في فتح دمشق للملك العادل نور الدين، وجعل الأمير شمس الدولة توران شاه (١١) بن نجم الدين شحنة دمشق، ثم من بعده جعل أخاه صلاح الدين يوسف هو الشحنة، وجعله من خواصه، لا يفارقه حُضُورًا ولا سفرًا، لأنه كان حسن الشكل، حسن اللعب بالكرة، وكان نور الدين يحب لعب الكرة لتمرين الخيل وتعليمها الكرّ والفر،

стр. 6270

وفي شحنكية (١) صلاح الدين يوسف يقول عرقلة الشاعر: [من المتقارب] (٢) رُوَيْدَكُم يا لُصوصَ الشَّامِ … فإنّي لَكُم ناصحٌ في مَقَالي وإيّاكم وسَمِيَّ النَّبـ … ـيِّ يُوسُفَ رَبَّ الحِجا والكمالِ (٣) فذاك مقطِّعٌ (٤) أيدي النّساء … وهذا مقطّع (٥) أيدي الرِّجالِ وقد ملك أخوه توران شاه هذا بلاد اليمن فيما بعد ذلك، وكان يلقب شمس الدولة. وممن توفي فيها من الأعيان: محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر الحافظ، أبو الفضل البغدادي (٦): ولد ليلة النصف من شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة، وسمع الكثير، وتفرّد بمشايخ، وكان حافظًا مكثرًا، من أهل السنة، كثير الذِّكر، سريع الدمعة، وقد تخرج به جماعة، منهم: الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي، سمع بقراءته مسند الإمام أحمد، وغيره من الكتب الكبار، وكان يثني عليه كثيرًا، وقد رَدَّ على أبي سعد السمعاني في قوله: محمد بن ناصر يحب أن يقع في الناس. قال ابن الجوزي (٧): والكلام في الجرح (٨) والتعديل ليس من هذا القبيل، وإنما ابن السمعاني يحب أن يتعصب على أصحاب الإمام أحمد، نعوذ بالله من سوء القصد والتعصب (٩).
следующие страницы →