← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

طُبعوا على لؤمِ الطباعِ فخيرهم … إن قلتَ قال وإن سكتَّ تقوّلا ثم روى ابن عساكر (١) بسنده: أنَّ بعضهم رآه بعد وفاته في المنام في شرّ خبيثة، ورائحة قبيحة. فقال: أتدري ما جرى عليَّ من هذه القصائد التي كنت أقولها؟ إن لساني قد طال وثخن، وصار مَدَّ البصر، كلما أنشدت قصيدة منها قد صارت كُلَّابًا يتعلق في لساني. قال الرائي: وسمعت قارئًا يقرأ من فوق رأسه: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] فانتبهت مذعورًا. علي بن السلَّار (٢) الملقب بالعادل، وزير الظافر (٣) صاحب مصر: وهو باني المدرسة بالإسكندرية للشافعية للحافظ أبي طاهر السِّلَفي، ﵀. وقد كان العادل هذا ضد اسمه، كان ظلومًا غشومًا حطومًا. وقد ترجمه ابن خلكان (٤). ثم دخلت سنة تسع وأربعين وخمسمائة فيها: ركب الخليفة المقتفي في جيش كثيف إلى تكريت، فحاصر قلعتها، [ولقي هناك] (٥) جمعًا من الأتراك والتركمان، فأظفره الله (٦) بهم، [وهزمهم له وأعلى كلمته عليهم] (٧)، ثم عاد إلى بغداد [مؤيدًا منصورًا] (٨). [ملك السلطان نور الدين الشهيد بدمشق] (٩) وجاءت الأخبار بأن مصر قد قتل خليفتها الظافر، ولم يبق منهم إلا صبيٌّ صغير ابن خمس (١٠) قد

стр. 6267

وَلَّوْه عليهم، ولقَّبوه الفائز، فكتب الخليفة عهدًا للملك نور الدين محمود بن زنكي بالولاية على البلاد الشامية (١) والديار المصرية، وأرسله إليه (٢). وفيها: هاجت ريح شديدة بعد العِشاء، فيها نار، فخاف الناس أن تكون الساعة. وزلزلت الأرض وتغيّر ماء دِجلة إلى الحمرة. وظهر بأرض واسط في الأرض (٣) دم لا يعرف سببه. وجاءت الأخبار عن الملك سَنْجر أنه في أسر الترك، وهو في غاية الذل والإهانة (٤)، وأنه يبكي على نفسه في كل وقت. وفيها: انتزع الملك نور الدين محمود بن زنكي دمشق [من] يد ملكها مجير الدين (٥) أبق بن محمد ابن بوري بن طُغْتِكين، وذلك لسوء سيرته، وضعف دولته، ومحاصرة العامة له في القلعة غير مرة مع وزيره الرئيس مؤيد الدولة علي بن الصوفي، وتغلب الخادم عطاء على المملكة مع ظلمه وغشمه، فكان الناس يدعون الله ليلًا ونهارًا أن يبدلهم غيره بالملك نور الدين، [فأرسل بين يديه الأمير أسد الدين شيركوه في ألف فارس، في صفة طلب الصلح، فلم يلتفت إليه مجير الدين، ولا عدّه شيئًا، ولا خرج إليه أحد من أعيان أهل البلد، فكتب إلى نور الدين بذلك وما جرى له] (٦). واتفق مع ذلك أن الفرنج أخذوا مدينة عسقلان، فحزن (٧) الملك نور الدين على ذلك، ولا يمكنه الوصول إليهم، لأن دمشق بينهم وبينه (٨)، ويخشى أن يحاصر دمشق بعسف فيبعث ملكها إلى الفرنج فيخذلونه (٩)، كما جرى غير مرة، لأن الفرنج لا يختارون (١٠) أن يملك نور الدين دمشق، لأنه يتقوَّى (١١) بها عليهم، ولا يطيقونه أبدًا. فركب الملك نور الدين في جيشه فنزل عيون الفاسريا (١٢) من أرض

стр. 6268

دمشق، ثم انتقل إلى قريب من الباب الشرقي، ففتحها قهرًا، ودخل البلد من الباب الشرقي (١)، بعد حصار عشرة أيام، وكان دخوله في يوم الأحد عاشر صفر من هذه السنة، وتحضن مجير الدين في القلعة، فأنزله منها، وعوضه مدينة حمص. ودخل نور الدين القلعة، واستقرّت يده على دمشق ولله الحمد، فنادى في البلد بالأمان والبشارة (٢)، ورفع (٣) عنهم المكوس، وقرئت التواقيع بذلك (٤) على المنبر (٥)، ففرح الناس (٦) بذلك، وأكثروا الدعاء له، وكتب ملوك الفرنج إليه يهنئونه بدمشق، ويتقربون إليه ويخضعون له. وممن توفي [فيها من الأعيان] (٧): الرئيس مؤيد الدولة علي بن الصوفي (٨) وزير دمشق لمجير الدين آبق: وقد ثار على الملك غير مرة، ويستفحل (٩) أمره، ثم يقع الصلح بينهما، كما تقدم. وعطاء الخادم (١٠) أحد أمراء دمشق: وقد تغلّب على الأمور أيام (١١) مجير الدين آبق المذكور، وكان ينوب ببعلبك (١٢) في بعض الأحيان. وكان ظالمًا غاشمًا. وهو الذي ينسب إليه مسجد عطاء خارج باب شرقي، والله (١٣) أعلم. ثم دخلت سنة خمسين وخمسمائة فيها: خرج الخليفة [المقتفي لأمر الله] (١٤) في تجمُّل عظيم إلى دقوقاء (١٥)؛ فحاصرها، فخرج إليه

стр. 6269

أهلها، فسألوه أن يرحل (١)؛ فإن أهلها قد هلكوا بين (٢) الجيشين، فأجابهم ورحل (٣) عنهم، وعاد إلى بغداد بعد شهرين ونصف. ثم خرج نحو الحلّة والكوفة والجيش بين يديه. وقال له سليمان شاه: أنا وليّ عهد سنجر، فإن قررت (٤) لي ذلك، وإلا فأنا كأحد الأمراء، فوعده خيرًا، وكان يحمل الغاشية (٥) بين يدي الخليفة على كاهله، فمهّد الأمور وأطَّدها (٦)، وسلّم على مشهد عليّ إشارة بإصبعه (٧)، وكان قد عزم على دخول المشهد، فنهاه الوزير ابن هبيرة عن ذلك، كأنه خاف عليه من غائلة الروافض، [أو أن يعتقد في نفسه من القبر شيئًا، أو غير ذلك] (٨)، والله أعلم. فتح بعلبك بيد نور الدين الشهيد وفيها: افتتح نور الدين بعلبك عَودًا على بَدءٍ، وذلك أن نجم الدين أيوب كان نائبًا (٩) على البلاد والقلعة، فسلمها إلى رجل يقال له الضحَّاك البقاعي، فاستحوذ عليها، وكاتب (١٠) نجم الدين لنور الدين، ولم يزل يتلطف حتى أخذ القلعة أيضًا، واستدعى بنجم الدين أيوب إليه إلى دمشق، فأقطعه إقطاعًا حسنًا، وأكرمه من أجل أخيه أسد الدين، فإنه كانت له اليد الطولى في فتح دمشق للملك العادل نور الدين، وجعل الأمير شمس الدولة توران شاه (١١) بن نجم الدين شحنة دمشق، ثم من بعده جعل أخاه صلاح الدين يوسف هو الشحنة، وجعله من خواصه، لا يفارقه حُضُورًا ولا سفرًا، لأنه كان حسن الشكل، حسن اللعب بالكرة، وكان نور الدين يحب لعب الكرة لتمرين الخيل وتعليمها الكرّ والفر،

стр. 6270

وفي شحنكية (١) صلاح الدين يوسف يقول عرقلة الشاعر: [من المتقارب] (٢) رُوَيْدَكُم يا لُصوصَ الشَّامِ … فإنّي لَكُم ناصحٌ في مَقَالي وإيّاكم وسَمِيَّ النَّبـ … ـيِّ يُوسُفَ رَبَّ الحِجا والكمالِ (٣) فذاك مقطِّعٌ (٤) أيدي النّساء … وهذا مقطّع (٥) أيدي الرِّجالِ وقد ملك أخوه توران شاه هذا بلاد اليمن فيما بعد ذلك، وكان يلقب شمس الدولة. وممن توفي فيها من الأعيان: محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر الحافظ، أبو الفضل البغدادي (٦): ولد ليلة النصف من شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة، وسمع الكثير، وتفرّد بمشايخ، وكان حافظًا مكثرًا، من أهل السنة، كثير الذِّكر، سريع الدمعة، وقد تخرج به جماعة، منهم: الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي، سمع بقراءته مسند الإمام أحمد، وغيره من الكتب الكبار، وكان يثني عليه كثيرًا، وقد رَدَّ على أبي سعد السمعاني في قوله: محمد بن ناصر يحب أن يقع في الناس. قال ابن الجوزي (٧): والكلام في الجرح (٨) والتعديل ليس من هذا القبيل، وإنما ابن السمعاني يحب أن يتعصب على أصحاب الإمام أحمد، نعوذ بالله من سوء القصد والتعصب (٩).

стр. 6271

[وكانت وفاة] (١) محمد بن ناصر ليلة الثلاثاء الثامن عشر من شعبان [من هذه السنة] (٢)، عن ثلاث وثمانين سنة، وصلّي عليه مرات، ودفن بباب حرب ﵀. مُجَلِّي (٣) بن جُمَيع بن نجا، أبو المعالي المخزومي الأرسوفي ثم المصري (٤)، قاضيها: الفقيه الشافعي. مصنف "الذخائر" في المذاهب، وفيها غرائب كثيرة، وهي من الكتب المفيدة، ﵀ (٥). ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وخمسمائة في المحرم منها (٦) دخل السلطان سليمان شاه بن محمد بن ملكشاه [بن ألب أرسلان السلجوقي] (٧) إلى بغداد، وعلى رأسه الشمسة (٨)، فتلقاه الوزير ابن هبيرة، وأدخله على الخليفة، فقبّل الأرض، وحلّفه (٩) على الطاعة، وصفاء النية والمناصحة والمودة، وخلع عليه خلع الملوك، وتقرّر أن للخليفة

стр. 6272

العراق، ولسليمان شاه ما يغتنمه من خراسان، ثم خطب له ببغداد بعد الملك سَنجر، ثم خرج منها في ربيع الأول، فاقتتل هو والسلطان محمد بن محمود بن ملكشاه، فهزمه محمد (١)، وهزم عسكره، فذهب هاربًا (٢)، فتلقاه نائب قطب الدين مودود بن زنكي، صاحب الموصل، فأسره وحبسه بقلعة الموصل، وأكرمه مدة حبسه، وخدمه، وهذا من أغرب الاتفاقات. وفيها: ملكت الفرنج المهدية من بلاد المغرب بعد حصار شديد. وفيها: فتح نور الدين محمود بن زنكي قلعة تل حارم، واقتلعها من أيدي الفرنج، وكانت من أحصن القلاع، وأمنع البقاع، وذلك بعد قتال عظيم، ووقعة هائلة، كانت من أكبر الفتوحات وقد امتدحه الشعراء (٣) عند ذلك. وفيها: هرب الملك سَنجر [من أسر الغز] (٤) وعاد إلى ملكه بمرو، وكان له في أيديهم نحو من خمس سنين. وفيها: استعمل عبد المؤمن ملك المغرب أولاده على بلاده، استناب كل واحد منهم على (٥) بلد كبير. ذكر حصار بغداد وسبب ذلك أن السلطان محمد بن محمود بن محمد بن ملكشاه أرسل إلى الخليفة المقتفي بأمر الله وطلب (٦) منه أن يخطب له ببغداد، فلم يجبه إلى ذلك، فسار من همذان إلى بغداد ليحاصرها، فانجفل الناس، وحصّن الخليفة البلد، وجاء السلطان محمد فحصر بغداد، ووقف تجاه التاج من دار الخلافة في جحفل عظيم، ورموا نحوه بالنشاب (٧)، وقاتلت العامة مع الخليفة قتالًا شديدًا بالنِّفط وغيره، واستمر القتال مدة (٨)، فبينما هم كذلك [إذ بلغ السلطان أن أخاه] (٩) قد خلفه في همذان، [فانشمر عن بغداد

стр. 6273

راحلًا إلى همذان في ربيع] (١) الأول من سنة ثنتين وخمسين، وتفرقت عنه العساكر الذين كانوا معه في البلاد، وأصاب الناس بعد هذا (٢) القتال مرض شديد، وموت ذريع، واحترقت محال كثيرة من بغداد، واستمر ذلك فيها مدة شهرين. وفيها: أُطلِقَ أبو البدر (٣) بن الوزير ابن هبيرة من قلعة تكريت، وكان معتقلًا فيها من مدة ثلاث سنين، فتلقاه الناس إلى أثناء الطريق، وامتدحه الشعراء، وكان من جملتهم الأبله (٤) الشاعر، أنشد الوزير قصيدة يقول في أولها: [الطويل] بأيِّ لِسانٍ للوُشاةٍ أُلامُ … وَقَدْ عَلِموا أَنّي سَهِرْتُ وَناموا إلى أن قال: وَيَسْتَكْثِرونَ الوَصْلَ لي مِنْكَ لَيْلَةً … وَقَدْ مَرَّ عَامٌ بالصُّدودِ وَعَامُ فطرب الوزير عند ذلك، وخلع عليه ثيابه، وأطلق له خمسين دينارًا. وحجّ بالناس قيماز. وممن توفي فيها من الأعيان: علي بن الحسين، أبو الحسن الغَزْنوي (٥) الواعظ: كان له قبول كثير من العامة. وبنت له الخاتون زوجة المستظهر رباطًا بباب الأزَج، ووقف عليه أوقافًا كثيرة، وحصل له جاه عريض. وزاره السلطان. وكان حسن الإيراد، مليح الوعظ، يحضر مجلسه خلق كثير، وجَمٌّ غفير من أصناف الناس.

стр. 6274

وقد ذكر ابن الجوزي (١) أشياء من وعظه. قال: وسمعته يومًا يقول: حزمة حزن خير من أعدال أعمال، ثم أنشد: [من مجزوء الرجز] كَمْ حَسْرةٍ لي في الحَشَا … مِنْ وَلَدٍ إذا نشا أمَّلْتُ فِيهِ رُشْدَهُ … فما نشا كما نشا قال: وسمعته يومًا ينشد قوله: [من السريع] يَحْسدُني قَوْمِي على صَنْعَتي … لأَنَّني في صَنْعَتى فارِسُ سَهرتُ في لَيْليَ وَاستَنْعَسُوا … هَلْ يَسْتَوي السَّاهِرُ والنّاعِسُ قال: وكان يقول: تولون اليهود والنصارى، فيسبّون نبيَّكم في يوم عيدهم، ويصبحون يجلسون إلى جانبكم. ثم يقول: ألا هل بلَّغت!. قال: وكان يتشيّع، ثم سُعِيَ في منعه من الوعظ، ثم أُذن له، ولكن ظهر للناس ابن العبادي فكان كثير من الناس يميلون إليه. وقد كان السلطان مسعود يعظِّمه، ويحضر مجلسه. فلما مات السلطان مسعود ذل الغزنوي بعده، وأُهين إهانة بالغة، فمرض ومات في المحرم من هذه السنة. قال ابن الجوزي: وبلغني أنه كان يعرق في نزعه، ثم يُفيق، وهو يقول: رضًى وتسليم. ولما مات دفن في رباطه الذي كان فيه. محمود بن إسماعيل بن قادوس، أبو الفتح الدمياطي (٢): كاتب الإنشاء بالديار المصرية. وهو شيخ القاضي الفاضل، وكان يسميه ذا البلاغتين. وذكره العماد الكاتب في "الخريدة" (٣) وأثنى عليه. ومن شعره فيمن يكرر التكبير [ويوسوس في نية الصلاة في أولها] (٤): [من السريع] (٥) وَفَاتِرِ النِّيَّةِ عِنّينها … مع كَثْرةِ الرعْدَةِ والهزةِ (٦) يُكَبِّرُ السَّبْعينَ في مَرَّةٍ … كأنَّهُ صَلَّى علي حَمْزَةِ (٧)

стр. 6275

الشيخ أبو البيان نبأ بن محمد المعروف بابن الحوراني (١) الفقيه الزاهد العابد الناسك (٢) الخاشع [قدس الله روحه] (٣): قرأ القرآن، وكتاب "التنبيه" على مذهب الشافعي. وكان حسن المعرفة باللغة، كثير المطالعة، وله كلام يؤثَر عنه. ورأيت له كتابًا بخطه، فيه النظائم التى (٤) يقولها أصحابه وأتباعه بلهجة غريبة. وقد كان من نشأته إلى أن توفي على طريقة صالحة. وقد زاره الملك نور الدين محمود (٥) في رباطه (٦) داخل درب الحجر، ووقف عليه شيئًا، وكانت وفاته في يوم الثلاثاء (٧) الثالث من ربيع الأول من هذه السنة، ودفن بمقابر باب الصغير، وكان يومًا مشهودًا. وقد ذكرته في "طبقات الشافعية" ﵀. عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر (٨) بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد بن سعيد الفارسي (٩) الحافظ (١٠): تفقّه بإمام الحرمين، وسمع الكثير على جده لأمه أبي القاسم القشيري، ورحل إلى البلاد (١١)،

стр. 6276

وأسمع الكثير، وصنف "المفهم في غريب مسلم" وغيره (١). وولي خطابة نيسابور. وكان فاضلًا بارعًا ديّنًا حافظًا، ﵀. ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين وخمسمائة استُهلَّت هذه السنة ومحمد شاه بن محمود محاصر بغداد، والعامة والجند من جهة الخليفة المقتفي يقاتلون أشدّ القتال، والجمعة لا تقام لعذر القتال، والفتنة كبيرة (٢)، ثم يسَّر الله بذهاب السلطان، كما تقدّم [ذكر ذلك] (٣) في السنة التي قبلها. وقد بسط ذلك ابن الجوزي (٤) في هذه السنة، فطوّل. وفيها: كانت زلزلة عظيمة بالشام، هلك بسببها خلق كثير لا يعلمهم إلا الله، وتهدّم أكثر حلب وحماة وشيزر وحمص وكفر طاب وحصن الأكراد واللاذقية والمعرَّة وفامِية (٥) وأنطاكية وطرابلس. قال ابن الجوزي (٦): وأما شيزر فلم يسلم منها (٧) إلا امرأة وخادم لها، وهلك الباقون، وأما كفر طاب فلم يسلم منها (٨) أحد، وأفامية ساخت (٩) قلعتها، وتلّ حران انقسم نصفين فأبدى نواويس وبيوتًا كثيرة في وسطه. قال: وهلك من مدائن الفرنج (١٠) شيء كثير، وتهدّم أسوار أكثر مدن الشام، حتى إن مكتبًا بحماة (١١) انهدم على الصبيان (١٢)، فهلكوا عن آخرهم، فلم يأت (١٣) أحد يسأل عن أحد منهم.

стр. 6277

وقد ذكر هذا الفصل الشيخ أبو شامة في كتاب الروضتين (١) مستقصى، وذكر ما قاله الشعراء (٢) [من القصائد] (٣) في ذلك. وفيها: ملك السلطان محمود بن محمد بعد خاله سنجر جميع بلاده. وفيها: فتح السلطان محمود بن زنكي حصن شيزر بعد حصار شديد، وأخذ مدينة بعلبك، وكان بها الضحاك البقاعي، وقد قيل: إن ذلك كان في سنة خمسين، كما تقدم، والله (٤) أعلم، وقد تقدم ذلك. وفيها: مرض نور الدين، فمرض الشام لمرضه (٥)، ثم عوفي (٦)، ففرح المسلمون بذلك (٧) فرحًا شديدًا، واستولى أخوه قطب الدين مودود صاحب الموصل على جزيرة ابن عُمَر. وفيها: عمل الخليفة بابًا للكعبة مصفحًا بالذهب، وأخذ بابه الأول، فجعله لنفسه تابوتًا. وفيها: أغارت الإسماعيلية على حجاج خراسان، فلم يُبْقُوا منهم على أحد، لا زاهد ولا عالم (٨). وفيها: كان غلاء شديد بخراسان، حتى أكلوا الحشرات، وذبح إنسان منهم (٩) رجلًا علويًا، فطبخه وباعه في السوق، فحين ظهر عليه قُتل. وذكر (١٠) أبو شامة: إن فتح بانياس كان في هذه السنة على يد (١١) الملك نور الدين بنفسه. وقد كان معين الدين أرسله إلى الفرنج صلحًا عن دمشق حين حاصروها، فقتل ملكها الهنفري (١٢)، وغنم شيئًا كثيرًا (١٣). ولله الحمد (١٤) والمنة.

стр. 6278

وفيها: قدم الشيخ أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب (١) السِّجْزي، فسمعوا (٢) عليه البخاري في دار الوزير. وحجَّ بالناس قيماز. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن عمر (٣) بن محمد بن أحمد بن إسماعيل، أبو الليث النسفي (٤): من أهل سمرقند. سمع الحديث، وتفقّه ووعظ، وكان حسن السمت. قدم بغداد فوعظ الناس (٥) ثم عاد إلى بلده، فقتله قُطّاع الطريق، ﵀. أحمد بن بختيار بن علي بن محمد، أبو العباس الماندائي (٦) الواسطي قاضيها: سمع الحديث، وكانت له معرفة تامة بالأدب واللغة، وصنف كتبًا في التاريخ وغير ذلك. وكان ثقة صدوقًا. توفي ببغداد، وصُلِّي عليه بالنظامية. السلطان سَنْجَر بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سُلجوق (٧)، أبو الحارث واسمه أحمد، ولقب بسَنْجَر. مولده في رجب سنة تسع وسبعين (٨) وأربعمائة، وأقام في الملك نيّفًا وستين سنة، من ذلك استقلالًا إحدى وأربعين سنة (٩)، وقد أسره الغزُّ نحوًا من خمس سنين، ثم هرب منهم، فعاد إلى ملكه بمرو، [ثم كانت وفاته] (١٠) في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن في قُبة بناها، سمّاها دار الآخرة، ﵀. محمد بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت، أبو بكر الخُجَنْدي (١١) الفقيه الشافعي:

стр. 6279

ولي تدريس النظامية ببغداد، وكان يناظر حسنًا، ويعظ الناس وحوله السيوف مسلَّلة. قال ابن الجوزي (١): ولم يكن ماهرًا بالوعظ. [وكانت حاله] (٢) أشبه بالوزراء من العلماء، وتقدّم عند السلاطين، حتى كانوا يَصْدُرُون عن رأيه. توفي بأصبهان فجأة [من هذه السنة] (٣). محمد بن المبارك بن محمد بن الخَلِّ (٤)، أبو الحسن بن أبي البقاء. سمع الحديث، وتفقّه على الشاشي، ودرّس وأفتى. وتوفي في محرم هذه السنة. وتوفي: أخوه الشيخ أبو الحسين بن الخَلِّ (٥) الشاعر: في ذي القعدة منها. يحيى بن عيسى بن إدريس، أبو البركات الأنباري (٦) الواعظ: قرأ القرآن، وسمع الحديث، وتفقه، ووعظ الناس على طريقة الصالحين، وكان يبكي من أول صعوده إلى حين نزوله. وكان زاهدًا عابدًا (٧) ورعًا، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر. ورُزق أولادًا صالحين سمّاهم بأسماء الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي (٨)، وحفّظهم القرآن كلَّهم بنفسه (٩)، وختّم خلقًا كثيرًا. وكان هو وزوجته يصومان الدهر، ويقومان الليل، ولا يفطران إلا بعد العشاء (١٠). وكانت له كرامات ومنامات صالحة. ولما مات قالت زوجته: اللهم لا تحييني بعده.

стр. 6280

فماتت بعده بخمسة عشر يومًا. وكانت من الصالحات، رحمهما الله تعالى وأرضاهم (١). ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة فيها: كثر فساد (٢) التركمان من أصحاب ابن برجم الإيوائي (٣). فجهز إليهم الخليفة (٤) منكورس (٥) المسترشدي في جيش كثيف، فالتقوا معهم، [فهزموهم أقبح هزيمة وجاؤوا] (٦) بالأسارى والرؤوس إلى بغداد. وفيها: كانت وقعة عظيمة بين الغزّ والملك محمود (٧)، [فكسروه وقتلوا من أصحابه وغيرهم خلقًا كثيرًا] (٨)، ونهبوا البلاد، وأقاموا بمرو، ثم إنهم طلبوه إليهم، فخاف على نفسه، فأرسل ولده بين يديه، فأكرموه، ثم قدم السلطان إليهم (٩)، فاجتمعوا عليه وعظَّموه. وفيها: وقعت فتنة كبيرة بمرو بين فقيه الشافعية المؤيد بن الحسين وبين نقيب العلويين بها أبي القاسم زيد بن الحسن، فقتل منهم خلق عظيم، واحترقت (١٠) المساجد والمدارس والأسواق، وانهزم المؤيد إلى بعض القلاع. وفيها: ولد الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله. وفيها: خرج المقتفي نحو الأنبار متصيّدًا، وعبر الفرات، وزار الحسين، ومضى إلى واسط، وعاد إلى بغداد، ولم يكن معه الوزير. وفيها: كَسر جيشُ مصر الفرنجَ بأرض عسقلان كسرة فظيعة (١١)، صحبة الملك الصالح (١٢)

стр. 6281

أبي (١) الغارات فارس الدين طلائع بن رُزِّيك، وامتدحه الشعراء. وفيها: قدم الملك نور الدين من حلب إلى دمشق، وقد شفي من المرض، ففرح به المسلمون، وخرج إلى قتال الفرنج، فانهزم جيشه، وبقي هو في شرذمة قليلة من أصحابه في نحر العدو (٢)، فرمَوهم بالسهام الكثيرة. ثم خاف (٣) الفرنج أن يكون وقوفه في هذه الشرذمة القليلة خديعة ليجيء (٤) كمين إليهم، ففرُّوا منهزمين، ولله الحمد. وحج (٥) بالناس فيها (٦) قيماز الأرجواني. وممن توفي فيها من الأعيان: عبد الأول بن عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق، أبو الوقت السِّجْزِي الصُّوفي الهَرَوي (٧): راوي البخاري ومسند الدارمي والمنتخب من مسند عبد بن حميد. قدم بغداد، فسمع عليه الناس هذه الكتب. وكان من خيار المشايخ وأحسنهم سمتًا (٨)، وأصبرهم على قراءة الحديث. قال ابن الجوزي: أخبرني أبو عبد الله محمد بن الحسين التكريتي الصوفي قال: أسندته إليَّ [في مرضه] فمات، فكان آخر ما تكلَّم به (٩) أن قال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦ - ٢٧] [ودفن بالشونيزية]. نصر بن منصور بن الحسين بن أحمد بن عبد الخالق العطّار، أبو القاسم الحرّاني (١٠): كان كثير المال، يعمل من صدقاته المعروف الكثير من أنواع الفربات الحسنة، ويكثر من تلاوة القرآن، ويحافظ على الصلوات (١١) في الجماعة، ورؤيت له منامات صالحة، وقارب الثمانين.

стр. 6282

يحيى بن سلامة بن [الحسين بن محمد] (١)، أبو الفضل الشافعي الحَصْكَفي (٢): نسبة إلى حصن كيفا، كان إمامًا في علوم كثيرة من الفقه والأدب، ناظمًا وناثرًا، غير أنه ينسب إلى الغلوّ في التشيّع. وقد أورد له ابن الجوزي [قطعة من نظمه] (٣)، فمن ذلك قوله في جملة قصيدة (٤): [من الرجز] (٥) تَقَاسَمُوا (٦) يَوْمَ الوَداعِ كبدي … فَلَيْسَ لي مُنْذُ تَوَلَّوْا كبدُ عَلَى الجُفُونِ (٧) رَحَلُوا وفي الحَشَا … نَزَلُوا (٨) وَمَاءَ عَيْني وَرَدُوا وَأَدْمُعي مَسْفُوحَةٌ وَكَبِدي … مَقْرُوحَةٌ وَغُلَّتي ما تَبْردُ (٩) وَصَبْوَتي دائِمَةٌ وَمُقْلَتي … دامِيَةٌ ونَوْمُها مُشَرَّدٌ (١٠) تَيَمَّني مِنْهُمْ غَزالٌ أَغْيَدٌ … يا حَبَّذا ذاكَ الغَزالُ الأَغْيَدُ حُسامُهُ مُجَرَّدٌ وَصَرْحُهُ … مُمَرَّدٌ وَخَدُّهُ مُوَرَّدُ وصُدْغُهُ فَوْقَ احْمرارِ خَدِّهِ … مُبَلْبَلٌ مُعَقْرَبٌ مُجَعَّدُ كَأَنَّما نَكْهَتُهُ وَرِيقُهُ … مِسْكٌ وخَمْرٌ والثَّنايا بَرَدُ (١١) يُقْعِدُهُ (١٢) عِنْدَ القِيامِ رِدْفُهُ … وفي الحَشَا مِنْهُ المُقيمُ المُقْعِدُ لَهُ قَوامٌ كَقَضِيبِ بانَةٍ … يَهْتَزُّ قَصْدًا لَيْس فيه أَودُ وهي طويلة جدًا، ثم خرج من هذا التغزل إلى مدح أهل البيت والأئمة الاثني عشر، [﵏] (١٣) حيث يقول:

стр. 6283

وَسَائِلي عَنْ حُبِّ أهل البَيْتِ هَلْ (١) … أُقِرُّ إعْلانًا بِهِ أَمْ أَجْمَدُ هَيْهَاتَ مَمْزُوجٌ بَلحْمي وَدَمي … حُبُّهُمُ وَهُوَ الهُدَى والرَّشَدُ حَيْدَرةٌ والحَسَنَانِ بَعْدَه … ثُمَّ عَلِيٌّ وَابْنُهُ مُحَمَّدُ وَجَعْفَرُ الصَّادِقُ وَابْنُ جَعْفَرٍ … مُوسَى ويَتْلُوهُ عَلِيٌّ السَّيِّدُ أَعْني الرِّضَا ثُمَّ ابنُهُ مُحَمَدٌ … ثُمَّ عليٌّ وابْنُهُ المُسَدَّدُ والحَسَنُ التّالي (٢) وَيَتْلُو تِلْوَهُ … مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ المُفْتَقَدُ فإنَّهُمْ أئِمَّتي وسادتي … وَإِنْ لَحَاني مَعْشَرٌ وفَنَّدوا أئِمَّةٌ أَكْرِمْ بِهِمْ أَئمَّةً … أَسْماؤُهُمْ مَسْرودَةٌ تَطَّرِدُ هُمْ حُجَجُ اللهِ على عِبادِهِ … وَهُمْ إلَيْهِ مَنْهَجٌ ومَقْصَدُ قَوْمٌ لَهُمْ فَضْلٌ وَمَجْدٌ باذخٌ … يَعْرِفُهُ المُشْرِكُ والمُوَحِّدُ قَوْمٌ لهم في كُلِّ أرضِ مَشْهَدٌ … لا بَلْ لَهُمْ في كُلِّ قَلْبٍ مَشْهَدُ (٣) قَوْمٌ مِنَيً والمَشْعَرانِ لَهُمُ … والمَرْوتانِ لَهُمُ والمَسْجِدُ قَوْمٌ لهم مَكَّةُ والأَبْطَح والـ … ـخَيفُ وَجمعٌ والبَقيعُ الغَرْقَدُ ثم ذكر مقتل الحسين بالطَّفِّ، إلى أن قال: يا أَهْلَ بَيْتِ المُصْطَفَى يا عُدَّتي (٤) … ومَنْ (٥) عَلَى حُبِّهِمُ أَعْتَمِدُ أَنْتُمْ إلى الله غَدًا وَسيلَتي … وَكَيْفَ أَخْشَى وبِكُمْ أَعْتَضِدُ وَلِيُّكُمْ في الخُلْدِ حَيٌّ خَالدٌ … والضِّدُّ في نارِ لَظَى مُخَلَّدُ وَلَسْتُ أَهْوَاكُم بِبُغْضِ غَيْرِكم … إني إذًا أَشْقَى بكُمْ لا أَسْعَدُ فَلَا يَظُنُّ رافِضِيٌّ أَنَّني … وافَقْتُهُ أو خارجيٌّ مُفْسِدُ مُحَمَّدٌ والخُلَفاءُ بَعْدَه … أَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ فيما أجِدُ هُمْ أَسَّسُوا قَواعِدَ الدِّينِ لَنا … وَهُمْ بَنَوْا أَرْكَانَهُ وشَيَّدُوا وَمَنْ يَخُنْ أَحْمَدَ في أصْحابِهِ … فَخَصْمُهُ يَوْمَ المَعَادِ أَحْمَدُ هذا اعْتِقادي فَالزَمُوهُ تُفْلِحوا … هذا طَريقي فاسْلُكوهُ تَهْتَدوا

стр. 6284

والشّافِعيُّ مَذْهَبِي مَذْهَبُهُ … لأَنَّهُ في قَوْلِهِ مُؤيَّدُ أَتْبَعُهُ في الأَصْلِ والفَرْعِ معًا … فَلْيَتَّبِعْنِي (١) الطالبُ المُسْتَرْشِدُ (٢) إنِّي بِإذْنِ الله ناجٍ سابقٌ … إِذا وَنَى الظَّالِمُ والمُقْتَصِدُ (٣) وله (٤): [من الطويل] إِذَا قَلَّ مَالي لَمْ تَجِدْني ضَارعًا (٥) … كَثيرَ الأَسَى مُغْرًى بِعَضِّ الأَنَامِلِ ولا بَطِرًا إنْ جَدَّدَ اللهُ نِعْمَةً … وَلَوْ أنَّ ما أُوتي جميعُ النَّاسِ لي (٦) توفي (٧) ﵀ في ربيع الأول من هذه السنة بميّافارِقين (٨). ثم دخلت سنة أربع وخمسين وخمسمائة فيها: مرض الخليفة المقتفي مرضًا شديدًا، ثم عُوفي منه، فزينت له (٩) بغداد أيامًا، وتصدّق بصدقات عظيمة (١٠) كثيرة. وفيها: استعاد عبد المؤمن مدينة المهدية من أيدي الفرنج، وقد كانوا أخذوها من المسلمين في سنة ثلاث وأربعين. وفيها: قاتل عبد المؤمن خلقًا كثيرًا (١١) ببلاد المغرب (١٢)، حتى صارت (١٣) عظام القتلى هنالك (١٤) كالتل العظيم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 6285

وفي صفر منها سقط بَرَدٌ بالعراق كبار، زنة البَرَدَةِ قريبٌ من خمسة أرطال، ومنها ما هو تسعة أرطال بالبغدادي، فهلك بذلك شيء كثير من الغلات. وخرج الخليفة إلى واسط، فاجتاز بسوقها، ورأى جامعها، وسقط عن فرسه فشُجَّ جبينه، ثم عوفي. وفي ربيعٍ الآخر زادت دجلة زيادة عظيمة، فغرقت (١) بسبب ذلك محالٌ كثيرة من بغداد، حتى صار أكثر الدور بها تلولًا، وغرقت تربة الإمام أحمد، وخسفت (٢) هنالك القبور، وطفت الموتى على وجه الماء. قال ابن الجوزي: وفي هذه السنة كثر المرض والموت. وفيها: أقبل ملك الروم في جحافل كثيرة قاصدًا بلاد الشام فردّه الله خائبًا خاسرًا خاسئًا (٣) وذلك لضيق حالهم من الميرة، وأسر المسلمون ابنَ أخته، ولله الحمد والمنة (٤). وحج بالناس [في هذه السنة] (٥) قيماز الأرجواني، أثابه الله تعالى. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن معالي بن بركة الحربي (٦): تففّه بأبي الخطاب الكَلْوَذاني الحنبلي، وبرع في النظر (٧)، ودرّس وأفتى، ثم صار بعد ذلك شافعيًا، ثم عاد حنبليًا، ووعظ ببغداد، وتوفي في هذه السنة، وذلك أنه دخلت به دابته (٨) في مكان ضيق، فدخل قربوس سرجه في صدره (٩)، فمات، ﵀. السلطان محمد شاه (١٠) بن [محمود بن محمد] (١١) بن ملكشاه بن ألب أرسلان (١٢): لما رجع من محاصرة بغداد إلى همذان أصابه مرض السلّ، فلم ينج منه، بل توفي في ذي الحجة

стр. 6286

[من هذه السنة] (١)، وقبل وفاته بأيام أمر أن يعرض عليه جميع ما يملكه ويقدر عليه، وهو جالس في المنظرة، فركب الجيش بكماله، وأُحضرت أمواله كلها، ومماليكه حتى جواريه وحظاياه، فجعل يبكي ويقول: هذه العساكر لا يدفعون عني مثقال ذرة (٢)، ولا يزيدون في عمري لحظة، ثم ندم وتأسّف على ما كان منه إلى الخليفة المقتفي وأهل بغداد، وحصارهم وأذيّتهم. ثم قال: وهذه الخزائن والأموال والجواهر لو قبلهم ملك الموت مني فداءً لجدتُ بذلك جميعه له، وهذه الحظايا والجواري الحسان والمماليك لو قبلهم فداءً مني لكنت بذلك سمحًا له. ثم قال: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ (٣) [الحاقة: ٢٨ - ٢٩]. ثم فرَّق شيئًا كثيرًا (٤) من (٥) تلك الحواصل والأموال (٦). وتوفي عن ولد صغير، ﵀. واجتمعت العساكر والأمراء على عمه سليمان شاه بن محمد بن ملكشاه، وكان (٧) مسجونًا بالموصل، فأُفرج (٨) عنه، وانعقدت السلطنة له (٩)، وخُطب له على منابر تلك البلاد سوى بغداد والعراق، والله (١٠) سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة خمس وخمسين وخمسمائة [ذكر وفاة الخليفة المقتفي (١١) وخلافة المستنجد] (١٢) فيها: كانت [وفاة أمير المؤمنين] (١٣) الخليفة المقتفي بأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله،

стр. 6287

[وأمه نسيم، المدعوَّة ست السَّادة (١)، سمراء من خيار الجواري] (٢). مرض بالتراقي، وقيل: بدمَّل خرج (٣) في حلقه، فمات ليلة الأحد ثاني ربيع الأول [من هذه السنة] (٤) عن ست وستين سنة إلا ثمانية وعشرين يومًا. وكانت خلافته أربعًا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وستة عشر (٥) يومًا، ودفن (٦) بدار الخلافة، ثم نقل إلى التُّرَبِ (٧). وقد كان شهمًا شجاعًا مقدامًا، يباشر الأمور بنفسه، ويشاهد الحروب، ويبذل الأموال الكثيرة لأصحاب الأخبار. وهو أول (٨) من استبد بالعراق منفردًا عن السلاطين (٩)، من أول أيام الديلم إلى أيامه، وتمكن في الخلافة، وحكم على العسكر والأمراء. وقد وافق أباه في أشياء: من ذلك مرضه بالتراقي. وموته في ربيع الأول، وتقدم موت السلطان محمد شاه قبله بثلاثة أشهر، وكذلك [أبوه المستظهر مات قبله السلطان] (١٠) محمود بثلاثة أشهر (١١). [ومات المقتفي] (١٢) بعد غرق بغداد بسنة، وكذا الآخر (١٣). قال عفيف الناسخ: رأيت في المنام قائلًا يقول: إذا اجتمعت ثلاث خاءات مات المقتفي، يعني سنة خمس وخمسين وخمسمائة. خلافة المستنجد (١٤) بالله أبي المظفر يوسف بن المقتفي لما توفي أبوه، كما ذكرنا، بويع هو بالخلافة في صبيحة يوم الأحد ثاني ربيع الأول من هذه السنة.

стр. 6288

بايعه أشراف بني العباس، ثم الوزير والقضاة والعلماء والأمراء. وعمره يومئذ خمس وأربعون سنة. وكان رجلًا صالحًا. وكان (١) ولي عهد أبيه من مدة متطاولة. ثم عمل عزاء أبيه، ولما خُطب له يوم الجمعة (٢) نُثرت الدراهم والدنانير على الناس، وفرح المسلمون به بعد أبيه. وأقرّ الوزيرَ ابن هبيرة على منصبه، ووعده بذلك إلى الممات. وعزل قاضي القضاة ابن الدامغاني وولّى مكانه أبا جعفر عبد (٣) الواحد بن الثقفي، وكان شيخًا كبيرًا، له سماع بالحديث، وباشر الحكم بالكوفة مدة (٤). ثم توفي (٥) في ذي الحجة [من هذه السنة] (٦) فولّي مكانه ولده (٧) جعفر المذكور. وفي شوال من هذه السنة اتفق الأتراك بباب همذان على خلع (٨) سليمان شاه. وخطبوا لأرسلان شاه ابن طغرل. وفيها توفي الفائز بنصر الله الفاطمي صاحب مصر (٩): وهو أبو القاسم عيسى بن إسماعيل الظافر. [وكانت وفاته] (١٠) في صفر [منها] (١١)، وعمره يومئذ إحدى عشرة سنة، ومدة ولايته من ذلك ست سنين وشهران، وكان مدبّر دولته أبو الغارات (١٢). ثم قام بعده العاضد (١٣) آخر خلفائهم، وهو أبو محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ، ولم يكن أبوه خليفة، وكان يومئذ قد ناهز (١٤) الاحتلام، فقام بتدبير مملكته الملك الصالح طلائع بن رُزِّيك الوزير، أخذ له البيعة وزوّجه بابنته، وجهّزها بأمر (١٥) عظيم

стр. 6289

يعجز عنه الوصف، وقد (١) عُمِّرت بعد زوجها العاضد، ورأت زوال دولة الفاطميين على يد الملك [صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي] (٢) في سنة أربع وستين، كما سيأتي مفصلًا إن شاء الله تعالى. وفيها: كانت وفاة السلطان الكبير صاحب غزنة خسرو شاه (٣) بن بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين من بيت مُلك (٤) ورئاسة باذخة يرثونها كابرًا عن كابر، وكان من سادات الملوك وأحسنهم سيرة، يحب العلم وأهله. وكانت وفاته في رجب من هذه السنة. وقام من بعده ولده ملكشاه، فسار إليه علاء الدين الحسين بن ملك الغور (٥)، فحاصر غزنة مدة، فلم يقدر عليها فرجع خائبًا وفيها: مات السلطان ملكشاه (٦) بن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي بأصبهان مسمومًا، فيقال: إن الوزير عون الدين بن هبيرة دسّ إليه من سقاه إياه، والله أعلم. وفيها: مات أمير الحاج قايماز (٧) بن عبد الله الأُرجواني (٨). سقط عن (٩) فرسه، وهو يلعب بالكرة بميدان الخليفة، فسال دماغه من أذنه، فمات من ساعته، ﵀. وقد كان من خيار الأمراء، فتأسّف الناس عليه، وحضر جنازته خلق كثير. مات (١٠) في شعبان من هذه السنة، فحجَّ بالناس فيها الأمير بزغش مقطِّع الكوفة. وحج في هذه السنة الأمير الكبير شيركوه بن شاذي، مقدم عساكر الملك نور الدين [محمود بن زنكي] (١١)، وتصدّق بأموال كثيرة. وفيها: استعفى القاضي زكي الدين (١٢) أبو الحسن علي بن [محمد بن يحيى بن علي القرشي من

стр. 6290

القضاء بدمشق، فأعفاه الملك] (١) نور الدين، وولّى مكانه القاضي كمال الدين محمد بن] (٢) عبد الله الشهرزوري. وكان من خيار القضاة، وأكثرهم صدقة، وله صدقات جارية بعده، وكان عالمًا بارعًا، وإليه ينسب الشبَّاك الكمالي الذي [يجلس فيه الحكام بعد صلاة الجمعة من المشهد الغربي بالجامع الأموي] (٣). وممن توفي فيها من الأعيان: الأمير مجاهد الدين بُزان بن مامين الكردي (٤): أحد مقدمي جيش الشام، قبل الملك نور الدين وبعده. وقد ناب في مدينة صرخد مدة. وكان شهمًا شجاعًا كثير البِرِّ والصدقات والصِّلات، وهو واقف المدرسة المجاهدية (٥) بالقرب من النورية (٦)، جوار الخيميين. وله أيضًا المدرسة المجاهدية التي داخل باب الفراديس البرَّاني، وبها قبره. وله السبع المجاهدي داخل باب الزيادة من الجامع بمقصورة الخضر. [وكانت وفاته بداره في صفر من هذه السنة] (٧)، فحُمل إلى الجامع، وصُلِّيَ عليه، ثم أعيد إلى مدرسته، فدفن بها داخل باب الفراديس. وتأسَّفَ الناس عليه، ﵀ ورضي الله تعالى عنه. الشيخ عدي بن مسافر بن إسماعيل بن موسى بن مروان بن الحسن بن مروان، الهكاري شيخ الطائفة العدوية (٨): أصله من البقاع غربي دمشق من قرية بيت

стр. 6291

فار (١)، ثم رحل (٢) إلى بغداد، فاجتمع فيها بالشيخ عبد القادر [الجيلاني] والشيخ حمّاد الدبّاس، والشيخ عقيل المنبجي وأبي الوفاء الحلواني، وأبىِ النجيب السهروردي وغيرهم. ثم انفرد عن الناس بجبل هكّار، وبني له هنالك (٣) زاوية. [واعتقد فيه] (٤) أهل تلك الناحية اعتقادًا بليغًا، حتى إن منهم من يغلو فيه غلوًّا كثيرًا (٥) منكرًا، ومنهم من يجعله إلهًا أو شريكًا، وهذا اعتقاد فاحش يؤدِّي إلى الخروج من الدين جملة. ثم كانت وفاته (٦) في هذه السنة بزاويته وله تسعون (٧) سنة، [﵀] (٨). عبد الواحد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حمزة، أبو جعفر الثقفي (٩): قاضي قضاة بغداد، وليها بعد عزل أبي الحسن بن الدامغاني في أول هذه السنة. وكان قاضيًا بالكوفة قبل ذلك. [ثم كانت وفاته في ذي الحجة من هذه السنة] (١٠)، وقد ناهز الثمانين، وولي بعده ابنه جعفر. الفائز صاحب مصر: [تقدم في الحوادث] (١١). قيماز الأُرجواني: تقدم أيضًا. الخليفة المقتفي أبو عبد الله محمد بن أبي العباس أحمد المستظهر: تقدمت ترجمته عند ذكر وفاته.

стр. 6292

محمد بن يحيى بن علي بن مسلم، أبو عبد الله الزَّبِيدي (١): مولده (٢) بمدينة زَبِيد باليمن تقريبًا (٣) سنة ثمانين. وقدم بغداد سنة تسع وخمسمائة فوعظ. وكانت له معرفة بالنحو والأدب، وكان صبورًا على الفقر لا يشكو حاله إلى أحد، وكانت له أحوال صالحة، ﵀، والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة ست وخمسين وخمسمائة فيها: قُتل السلطان سليمان شاه (٤) بن محمد بن ملكشاه، وكان عنده تهوّر (٥) وقِلَّة مبالاة بالدِّين، يدمن (٦) شرب الخمر حتى في رمضان، فثار عليه مدبّر مملكته كردَبازو (٧) الخادم، فقتله، وبايع بعده السلطان أرسلان شاه بن طُغْرُل بن محمد بن ملكشاه. وفيها: قتل الملك الصالح فارس الدين أبو الغارات طلائع بن رُزِّيك (٨) الأرمني، [وزير العاضد صاحب مصر ووالد زوجته، وكان قد حجر على العاضد لصغره] (٩)، واستحوذ على الأمور، فقتلته الحاشية ووزَر بعده ولده رُزّيك، ولقب بالعادل، وقد كان أبوه الصالح كريمًا أديبًا، يحب أهل العلم، ويحسن إليهم. كان (١٠) من خيار الملوك والوزراء. وقد امتدحه غير واحد من الشعراء والأدباء. قال القاضي ابن خَلّكان (١١): كان أولًا متوليًا بمنية بني خصيب، ثم آل به الحال إلى أن وزَر للفائز (١٢) وذهبت له وزارة عباس في سنة تسع وأربعين، ثم لما هلك في هذه السنة قام في الوزارة بعده ولده العادل رُزّيك بن طلائع، فلم يزل فيها حتى انتزعها منه شاور كما سيأتي.

стр. 6293

قال (١): والصالح هذا هو باني الجامع (٢) عند باب زويلة ظاهر القاهرة. قال (٣): ومن العجائب أنه ولي الوزارة في تاسع عشر شهر، وقتل في تاسع عشر شهر، ونقل من دار الوزارة إلى القرافة في تاسع عشر شهر آخر (٤)، وزالت دولتهم في تاسع عشر شهر آخر. قال (٥): ومن شعره مما رواه عنه الواعظ زين الدين علي بن نجا (٦) الحنبلي، وهو قوله (٧): [من الوافر] مَشيبُكَ قَدْ نَضَا (٨) صبْغَ الشَّبابِ … وَحَلَّ البازُ في وَكْرِ الغُرابِ تَنامُ وَمُقْلَةُ الحدَثانِ يَقْظى … وَما نابَ النَّوائب عنك نابي وَكَيْفَ بَقاءُ عُمْرِكَ وَهْوَ كَنْزٌ … وَقَدْ أنْفَقْتَ منه بلا حِسابِ وقوله (٩): [من الكامل] (١٠) كَمْ ذا يُرينا الدَّهْرُ مِنْ أَحْداثِهِ … عِبَرًا وفينا الصَّدُّ والإعْراضُ نَنْسَى (١١) المماتَ وَلَيْسَ يَجْرِي ذِكْرُهُ … فينا فَتُذْكِرنا به الأَمْراضُ ومن شعره الجيّد أيضًا قوله (١٢): [من الطويل]

стр. 6294

أبى اللهُ إلا أَنْ يَدينَ لنا الدَّهْرُ … وَيَخْدِمُنا في مُلْكِنا النَّهْيُ والأَمْرُ (١) عَلِمْنا بأنَّ المالَ تَفْنَى أُلوفُهُ … وَيَبْقَى لَنا مِنْ بَعْدِهِ الأَجْرُ والذِّكْرُ خلطنا النَّدى بالبأس (٢) حَتَّى كَأَنّنا … سَحابٌ لَدَيْهِ البَرْقُ والرَّعْدُ والقَطْرُ (٣) وله أيضًا، مما نظمه قبل موته بثلاث ليالٍ (٤): [من الخفيف] نَحْنُ في غَفْلَةٍ وَنَوْمٍ وَلِلْمَوْ … تِ عُيونٌ يَقْظَانَةٌ لا تنامُ قَدْ رَحَلْنا إلى الحِمامِ سِنينا … لَيْتَ شِعْري مَتَى يكونُ الحِمامُ ثم قتله غلمان العاضد في النهار غِيلة، وله إحدى وستون سنة، وخلع على ولده العادل بالوزارة. ورثاه عُمارة اليمني (٥) بقصائد (٦) حسان. ويوم (٧) نُقل [من الوزارة] (٨) إلى تربته بالقرافة سار العاضد معه حتى وصل إلى قبره فدفنه في التابوت. قال القاضي ابن خلكان: فعمل الفقيه عُمارة في ذلك قصيدة (٩) طويلة أجاد فيها، فمن ذلك في صفة التابوت قوله: [من الكامل] (١٠) وَكَأَنَّهُ تابوتُ مُوسَى أُودِعَتْ … في جانِبَيْه سَكِينَةٌ وَوَقارُ [وفيها: أوقعت بنو خفاجة بأهل الكوفة وقعة عظيمة، فقتلوا خلقًا] (١١)، منهم الأمير قيصر، وجرحوا أمير الحاج بزغش جراحات. فنهض إليهم وزير الخلافة عون الدين ابن هبيرة في جيش، فتبعهم حتى أوغل خلفهم في البرية، في جيش كثيف، فبعثوا يطلبون العفو.

стр. 6295

وفيها: ولي مكة الشريف عيسى بن قاسم بن أبي هاشم (١)، -وقيل: قاسم- بن فليتَة (٢) بن قاسم ابن أبي هاشم. وفيها: أمر الخليفة المستنجد بإزالة الدكاكين التي تضيِّق الطرقات، وألا يجلس أحد من الباعة في عرض الطريق (٣) لئلا يضرّ ذلك بالمارة (٤). وفيها: وقع رخص عظيم ببغداد جدًا. وفيها: فتحت المدرسة التي بناها ابن الشَّمَحْل في المأمونية، ودرس فيها أبو حكيم إبراهيم بن دينار النهرواني الحنبلي (٥)، وقد توفي في آخر هذه السنة، ودرّس فيها بعده الشيخ أبو الفرج بن الجوزي، وقد كان عنده معيدًا، ونزل له عن تدريسٍ آخر بباب الأزَج عند موته. وممن توفي فيها من الأعيان: حمزة بن علي بن طلحة، أبو الفتوح الحاجب (٦): وكان خصيصًا عند المسترشد والمقتفي أيضًا. وقد بنى مدرسة إلى جانب داره. وحج فرجع متزهِّدًا، ولزم (٧) بيته معظَّمًا نحوًا من عشرين سنة. وكانت وفاته في هذه السنة. وقد امتدحه بعضهم (٨) فقال: [من السريع] (٩) يا عَضدَ الإِسْلامِ يا مَنْ سَمَتْ … إلى العُلَا هِمّضتُهُ الفاخِرَهْ كانَتْ لَكَ الدُّنْيا فَلَمْ تَرْضَها … مُلْكًا فَأَخْلَدْتَ إِلَى الآخِرَهْ ثم دخلت سنة سبع وخمسين وخمسمائة فيها: دخلت الكرج بلاد المسلمين، فقتلوا خلقًا من الرجال، وأسروا من الذراري أممًا، [فاجتمع

стр. 6296

لحربهم] (١) ملوك تلك الناحية: ايلدكز صاحب أذربيجان، وابن مسكمان صاحب خلاط، وابن قراسنقر (٢) صاحب مراغة. وساروا إلى بلادهم في السنة الآتية فنهبوها، وأسروا ذراريهم، والتقوا معهم، فكسروهم كسرة ذريعة فظيعة منكرة، مكثوا يقتلون فيهم، ويأسرون ثلاثة أيام. وفي رجب أُعيد يوسف الدمشقي إلى تدريس النظامية بعد عزل ابن نظام الملك بسبب أن امرأة ادّعت أنه تزوّجها فأنكر، ثم اعترف، فعزل عن التدريس. وفيها: كملت المدرسة التي بناها الوزير ابن هبيرة بباب البصرة، ورتَّب فيها (٣) مدرِّسًا وفقيهًا. وحجَّ بالناس أمير الكوفة بزغش. وممن توفي فيها من الأعيان: شجاع (٤) شيخ (٥) الحنفية بمشهد أبي حنيفة: [ودفن عند المشهد. وكان شيخ الحنفية بمشهد أبي حنيفة] (٦). وكان جيد الكلام في النظر. أخذ عنه الحنفية. ودفن عند المشهد. صدقة بن وزير الواسطي (٧): دخل بغداد ووعظ بها، وأظهر تقشفًا زائدًا. وكان يميل إلى التشيّع وعلم الكلام، ومع هذا كله راج عند العوام وبعض الأمراء، وحصل له فتوح كثير. ابتنى منه رباطًا، ودفن فيه، سامحه الله. زمرد (٨) خاتون بنت جاولي أخت الملك دُقاق (٩) بن تُتُش لأمه: وهي بانية الخاتونية البرَّانية (١٠) بدمشق ظاهرها عند قرية صنعاء (١١) بمكان يقال له: تل الثعالب غربي

стр. 6297

دمشق على جانب الشرف (١) القبلي بصنعاء الشام، وهي قرية معروفة قديمًا. وأوقفتها على الشيخ برهان الدين علي بن محمد البلخي الحنفي المتقدم ذِكره. وكانت زوجة الملك بوري بن طُغْتكين، فولدت له ابنيه شمس الملوك إسماعيل المذكور وقد تملك (٢) بعد أبيه، فساءت سيرته، وصادر الناس، ومالأ الفرنج على المسلمين، وهمّ بتسليم [البلد والأموال] (٣) إليهم فقتلوه. وتملك أخوه، وذلك بعد مراجعتها ومساعدتها. وقد كانت قرأت القرآن العظيم، وسمعت الحديث، وكانت حنفية المذهب، تحب العلماء والصالحين. وقد تزوجها الأتابك زنكي صاحب حلب، طمعًا في أن يأخذ بسببها دمشق، فلم يظفر بطائل (٤)، بل ذهبت إليه إلى حلب، ثم عادت إلى دمشق بعد وفاته. وقد دخلت بغداد، وسارت من هناك إلى الحجاز الشريف، وجاورت بمكة سنة، ثم عادت (٥) فأقامت بالمدينة النبوية حتى ماتت بها، ودفنت بالبقيع في هذه السنة. وقد كانت كثيرة البر والصدقات والصلات والصوم والصلوات. قال السبط: ولم تمت حتى قلّ ما بيدها. وكانت تغربل القمح والشعير، وتتقوت بأجرتها (٦)، وهذا من تمام الخير والسعادة وحسن الخاتمة رحمها الله تعالى، والله أعلم (٧). ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وخمسمائة فيها: مات صاحب المغرب عبد المؤمن بن علي، [تلميذ ابن التومرت وخليفته من بعده بمدينة سَلا. فصبَّره ابنه يوسف وحمله إلى مراكش في صفة أنه مريض] (٨). فلما وصلها أظهر موته فعزّاه الناس وبايعوه على الملك من بعده، ولقبوه أمير المؤمنين.

стр. 6298

وقد كان عبد المؤمن حازمًا شجاعًا جوادًا معظِّمًا للشريعة. وكان (١) [من لا يحافظ على الصلوات في زمانه يُقتل. [وكان إذا أذّن المؤذن، وقبل الأذان يزدحم الخلق في المساجد. وكان حسن الصلاة ذا طمأنينة فيها، كثير الخشوع، ولكن] (٢) كان سفّاكًا للدماء حتى على الذنب الصغير، فأمره إلى الله يحكم فيه بما يشاء. وفيها: قُتل الملك سيف الدين (٣) محمد بن علاء الدين الغوري، قتله الغز وكان عادلًا. وفيها: كبست الفرنج نور الدين وجيشه، فانهزم المسلمون، لا يلوي أحد على أحد. ونهض الملك نور الدين، فركب فرسه والشبحة (٤) في رجله، فنزل رجل كردي، فقطعها حتى سار (٥) السلطان نور الدين فنجا، وأدركت الفرنج ذلك الكرديَّ، فقتلوه، ﵀. فأحسن نور الدين إلى ذريّته، وكان لا ينسى ذلك له. وفيها: أمر الخليفة بإجلاء بني أسد عن الحلَّة، وقتل مَنْ تخلّف منهم، وذلك لإفسادهم ومكاتبتهم السلطان محمد شاه، وتحريضهم له على حصار بغداد، فقتل من بني أسد أربعة آلاف، وخرج الباقون منها، وتسلّم نواب الخليفة الحلة المزيدية. وحجّ بالناس في هذه السنة الأمير بزغش الكبير (٦). وممن توفي فيها من الأعيان: السلطان الكبير أبو محمد عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي (٧)، تلميذ ابن تومرت (٨): كان أبوه يعمل في الطين فاعلًا (٩)، فحين وقع نظر ابن التومرت عليه أحبّه، وتفرّس فيه أنه شجاع سعيد، فاستصحبه فعظم في شأنه، والتفّت (١٠) عليه العساكر التي جمعها ابن التومرت من المصامدة وغيرهم،

стр. 6299

وحاربوا صاحب مراكش علي بن يوسف بن تاشفين، ملك الملثّمين، فاستحوذ (١) عبد المؤمن على وهران وتلمسان وفاس وسَلَا وسبتة، ثم حاصر مراكش أحد عشر شهرًا، فافتتحها في سنة ثنتين وأربعين وخمسمائة، وتمهدت له الممالك هناك، وصفا له الوقت. وكان عاقلًا حازمًا (٢) وقورًا شكلًا حسنًا محبًا للخير. [وكانت وفاته في سنة ثمان وخمسين، وله في الملك ثلاث وثلاثون سنة] (٣). وكان يسمي نفسه أمير المؤمنين. طلحة بن علي بن طراد، أبو أحمد الزينبي، نقيب النقباء (٤): مات فجأةً ﵀، وولي من بعده النقابة ولده أبو الحسن (٥) علي وكان أمرد، فعزل [في هذه السنة، وصودر] (٦). محمد بن عبد الكريم بن إبراهيم [بن عبد الكريم] (٧)، أبو عبد الله المعروف (٨) بابن الأنباري (٩): كاتب الإنشاء ببغداد، وكان شيخًا حسنًا ظريفًا. وانفرد بصناعة الإنشاء وبُعث رسولًا إلى الملك سَنجر وغيره، وخدم الملوك والخلفاء. وقارب التسعين. ومن شعره [في محبي الدنيا والصور] (١٠) قوله: [من مخلع البسيط] (١١) يا مَنْ هَجَرْتِ فما (١٢) تبالي … هَلْ ترجعُ دَوْلَةُ الوصالِ ما أَطْمَعُ (١٣) يا عَذابَ قَلْبي … أَنْ يَنْعَمَ في هَواكِ بَالي الطَّرْفُ كما عَهِدت باكٍ … والجِسْمُ كما تَرَيْنَ بالي (١٤)

стр. 6300

ما ضَرَّكِ أن تُعَلِّليني … في الوَصْل (١) بمَوْعدٍ مُحالِ أهواكِ وأنتِ حظُّ غيري … يا قاتِلَتي (٢) فما احْتِيالي أيام عناي فيك (٣) سود … ما أشبههن بالليالي العذّلُ فيكِ يعذلوني … عن حبّك ما لهم ومالي يا ملزمتي السلوَّ عنها … الصّبُّ أنا وأنت سالي والقول بتركها صوابٌ … ما أحسنهُ لو استوى لي (٤) طلّقتُ تجلّدي ثلاثًا … والصَّبْوةُ بعدُ في خيالي (٥) ثم دخلت سنة تسع وخمسين وخمسمائة فيها: قدم شاوَر بن مُجير (٦)، أبو شُجاع السَّعدي الملقب بأمير الجيوش، وهو إذ ذاك وزير الديار المصرية بعد آل رُزِّيك. لما قتل الناصر رُزّيك [بن طلائع] (٧)، وقام بالوزارة بعده، واستفحل أمره فيها، ثار عليه أمير يقال له الضرغام بن سوَّار (٨)، وجمع له جموعًا كثيرة، واستظهر عليه، وقتل ولديه طَيًّا (٩) وسليمان، وأسر الثالث، وهو الكامل بن شاور، فسجنه ولم يقتله ليدٍ كانت لأبيه عنده. واستوزر ضرغام بعده، ولقّب بالمنصور، فخرج شاوَر من الديار المصرية هاربًا من العاضد وضرغام، ملتجئًا إلى نور الدين محمود، [فأمر له نور الدين بجوسق الميدان الأخضر، وأحسن ضيافته وكرامته] (١٠)، وطلب منه شاور عسكرًا ليكونوا معه ليفتح بهم الديار المصرية،

стр. 6301

ويكون (١) لنور الدين ثلث مغلّها. فأرسل معه جيشًا عليهم أسد الدين شيركوه بن شاذي. فلما دخلوا بلاد مصر خرج إليهم الجيش الذي بها، فاقتتلوا أشدّ القتال، فهزمهم أسد الدين، وقتل منهم [خلقًا، وقتل] (٢) ضرغام بن سوَّار، وطيف (٣) برأسه في البلاد. واستقرّ أمر شاور في الوزارة، وتمهّد حاله. ثم اصطلح العاضد وشاور على أسد الدين، ورجع شاور (٤) عما كان عاهد عليه نور الدين، وأمر أسد الدين بالرجوع، فلم يقبل منه، وعاث في البلاد وأخذ أموالًا كثيرة، وافتتح بلدانًا كثيرة من الشرقية وغيرها، فاستعان شاور عليهم بملك الفرنج الذي بعسقلان، واسمه مري، فأقبل إليه (٥) في خلق كثير، فتحوّل أسد الدين إلى بلبيس، وقد حصَّنها وشحنها بالعُدَد والآلات وغير ذلك، فحصروه فيها ثمانية أشهر. وامتنع أسد الدين وأصحابه أشدّ الامتناع. فبينما هم على ذلك، إذ جاءت الأخبار بأن الملك نور الدين قد اغتنم غيبة الفرنج فسارت (٦) العساكر إلى بلادهم، فقتل منهم خلقًا كثيرًا. وفتح حارم، وقتل من الفرنج خلقًا. وسار إلى بانياس، [فضعف أمر الفرنج بديار مصر عند ذلك، وطلبوا] (٧) من أسد الدين المصالحة (٨)، فأجابهم إلى ذلك، وقبض من شاور ستين ألف دينار، وخرج أسد الدين وجيشه فساروا (٩) إلى الشام في ذي الحجة منها. وقعة حارم [وكان فتح حارم] (١٠) في رمضان من هذه السنة، وذلك أن نور الدين استغاث (١١) بعساكر المسلمين، فجاؤوه من كل فج عميق (١٢) ليأخذ بثأره من الفرنج، فالتقى معهم بتل حارم، فكسرهم كسرة عظيمة، وأسر البرنس بيمنذ (١٣) صاحب أنطاكية، والقومص صاحب طرابلس،

стр. 6302

والدوك مقدم (١) الروم، وابن جوسلين، وقتل منهم عشرة آلاف، وقيل: عشرين ألفًا. وفي ذي الحجة منها فتح نور الدين مدينة بانياس، وقيل: إنما كان فتحه لها في سنة ستين (٢)، فالله أعلم. وكان معه أخوه نصرة الدين أمير أميران (٣)، فأصابه سهم في إحدى عينيه، فأذهبها، فقال له الملك نور الدين: لو نظرت إلى ما (٤) أعدّ الله لك من الأجر في الآخرة لأحببت أن تذهب الأخرى. وقال لابن معين الدين (٥): اليوم قد بردت (٦) جلدة والدك من نار جهنم، لأنه كان قد سلّمها إلى الفرنج (٧) صلحًا عن دمشق. وفي شهر ذي الحجة [من هذه السنة] (٨) احترق (٩) قصر جيرون حريقًا عظيمًا. فحضر في تلك الليلة الأمير (١٠) أسد الدين شيركوه بعد رجوعه من الديار المصرية (١١)، وسعى سعيًا عظيمًا في كف (١٢) هذه النار وصون حوزة الجامع منها، [جزاه الله خيرًا وأثابه دار القرار] (١٣). وممن توفي فيها من الأعيان: الجمال وزير صاحب الموصل (١٤): محمد بن علي بن أبي منصور، أبو جعفر الأصبهاني، الملقب بالجَوَاد (١٥)، وزير صاحب الموصل قطب الدين مودود بن زنكي.

стр. 6303

كان كثير المعروف والصدقات، وقد أثر آثارًا حسنة بمكة والمدينة، من ذلك: أنه ساق عينًا إلى عرفات، وعمل هناك مصانع، وبنى مسجد عرفات ودرجه، وأحكم أبواب الحرم، وبنى مسجد الخيف، وبنى الحجر، وزخرف الكعبة، وأذهبها وعملها بالرخام، وبنى على المدينة النبوية سورًا، وبنى جسرًا على دجلة عند جزيرة ابن عمر بالحجر المنحوت والحديد والرصاص، وبنى الربط الكثيرة وكان يتصدّق كل يوم على بابه بمئة دينار، ويفتدي من الأسارى في كل سنة بعشرة آلاف دينار، ولا تزال صدقاته وافدة إلى الفقهاء والفقراء حيث كانوا من بغداد وغيرها من البلاد. وقد حبس في سنة ثمان وخمسين. فذكر ابن الساعي في "تاريخه" عن شخص كان معه في السجن أنه نزل إليه طائر أبيض قبل موته، فلم يزل عنده، وهو يذكر الله ، حتى توفي في شعبان من هذه السنة، ثم طار عنه، ودفن في رباط بناه لنفسه بالموصل، وقد كان بينه وبين أسد الدين شيركوه بن شاذي مواخاة وعهد، أيهما مات قبل الآخر أن يحمله إلى المدينة النبوية (١)، [فاستأجر له أسد الدين شيركوه رجالًا فنقلوه إلى المدينة] (٢)، فما مروا به في بلدة إلا صلوا عليه، وترحموا عليه، وأثنوا عليه خيرًا (٣). فصلّوا عليه بالموصل وتكريت وبغداد والحلة والكوفة وفيد ومكة، وطيف به حول الكعبة. ثم نقل (٤) إلى المدينة النبوية، فدفن برباط بناه شرقي المسجد النبوي (٥). قال ابن الجوزي (٦) وابن الساعي: [ليس بينه وبين حرم رسول الله ﷺ وقبره سوى خمسة عشر ذراعًا. قال ابن الساعي: -رسول الله ﷺ ] (٧) - ولما صلوا عليه بالحلة صعد شاب على نشز فأنشد (٨) يقول (٩): [من الطويل] (١٠) سَرَى نَعْشُهُ فَوْقَ الرّقابِ وَطالَما … سَرَى جُودُهُ فَوْقَ الرِّكابِ ونائِلُهْ يمُرُّ على الوادي فتُثْني رِمالُهُ … عَلَيْهِ وبالنّادِي فتُثْني أرامِلُهْ

стр. 6304

وممن توفي فيها بعد الخمسين: ابن الخازن الكتب (١): أحمد بن محمد بن الفضل بن عبد الخالق، أبو الفضل المعروف بابن الخازن الكاتب البغدادي الشاعر. كان يكتب جيدًا فائقًا، اعتنى بكتابة الختمات، وأكثر ابنه أبو الفتح نصر الله من كتابة المقامات، وجمع لأبيه ديوان شعر، وأورد منه ابن خلكان قطعة (٢) كبيرة. [ثم دخلت] (٣) سنة ستين (٤) وخمسمائة في صفر منها وقعت بأصبهان فتنة عظيمة بين الفقهاء بسبب المذاهب، دامت أيامًا، وقتل فيها خلق كثير. وفيها: كان حريق عظيم ببغداد، فاحترقت محالٌّ كثيرة جدًا (٥). وذكر ابن الجوزيّ (٦) أن في هذه السنة ولدت امرأة ببغداد أربع بنات في بطن واحد. وحجّ بالناس [في هذه السنة] (٧) الأمير بزغش الكبير، [أثابه الله تعالى] (٨). وممن توفي فيها من الأعيان: عمر بن بهليقا الطحان (٩): الذي جدّد جامع العقبة ببغداد، واستأذن الخليفة في أن تقام فيه جمعة، فأذن في ذلك. وكان قد اشترى ما حوله من القبور، فأضاف إليه ذلك (١٠)، ونبشت (١١)،

стр. 6305

فقيّض الله له من نبشه من قبره بعد دفنه، جزاءً وفاقًا، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. محمد بن عبد الله بن العباس بن عبد الحميد، أبو عبد الله الحرّاني (١): كان آخر من بقي من الشهود المقبولين عند أبي الحسن الدامغاني، وقد سمع الحديث، وكان لطيفًا ظريفًا. جمع كتابًا سمّاه (روضة الأدباء) فيه نتف حسنة. قال ابن الجوزي (٢): زرته يومًا، فأطلت الجلوس عنده، فقلت: أقوم فقد ثقَّلت، فأنشدني (٣): [وافر] لئن سَمَّيْتَ إِبْرامًا وَثِقْلًا … زياراتٍ رَفَعْتَ بهنَّ قَدْري فَما أَبْرَمْتَ إلّا حَبْلَ ودّي … ولا ثَقَّلْتَ إلا ظَهْرَ شُكري مرجان الخادم (٤): كان يقرأ القرآن (٥)، وتفقّه لمذهب الشافعي، وكان يتعصّب على الحنابلة، ويكرههم، ويعادي الوزير ابن هبيرة وابن الجوزي [معاداة شديدة] (٦)، ويقول لابن الجوزي: مقصودي [قلع مذهبكم، وقطع ذِكركم] (٧). ولما توفي (٨) ابن هبيرة في هذه السنة، قوي أمره (٩) على ابن الجوزي وخافه ابن الجوزي، فلما توفي في هذه السنة فرح بذلك فرحًا شديدًا. [وكانت وفاته] (١٠) في ذي القعدة منها. ابن التلميذ (١١) الطبيب الحاذق الماهر (١٢): اسمه هبة الله بن صاعد. [كانت وفاته في هذه السنة] (١٣) عن خمس وتسعين سنة، وكان موسَّعًا عليه في الدنيا، وله عند
следующие страницы →