← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

ويكون (١) لنور الدين ثلث مغلّها. فأرسل معه جيشًا عليهم أسد الدين شيركوه بن شاذي. فلما دخلوا بلاد مصر خرج إليهم الجيش الذي بها، فاقتتلوا أشدّ القتال، فهزمهم أسد الدين، وقتل منهم [خلقًا، وقتل] (٢) ضرغام بن سوَّار، وطيف (٣) برأسه في البلاد. واستقرّ أمر شاور في الوزارة، وتمهّد حاله. ثم اصطلح العاضد وشاور على أسد الدين، ورجع شاور (٤) عما كان عاهد عليه نور الدين، وأمر أسد الدين بالرجوع، فلم يقبل منه، وعاث في البلاد وأخذ أموالًا كثيرة، وافتتح بلدانًا كثيرة من الشرقية وغيرها، فاستعان شاور عليهم بملك الفرنج الذي بعسقلان، واسمه مري، فأقبل إليه (٥) في خلق كثير، فتحوّل أسد الدين إلى بلبيس، وقد حصَّنها وشحنها بالعُدَد والآلات وغير ذلك، فحصروه فيها ثمانية أشهر. وامتنع أسد الدين وأصحابه أشدّ الامتناع. فبينما هم على ذلك، إذ جاءت الأخبار بأن الملك نور الدين قد اغتنم غيبة الفرنج فسارت (٦) العساكر إلى بلادهم، فقتل منهم خلقًا كثيرًا. وفتح حارم، وقتل من الفرنج خلقًا. وسار إلى بانياس، [فضعف أمر الفرنج بديار مصر عند ذلك، وطلبوا] (٧) من أسد الدين المصالحة (٨)، فأجابهم إلى ذلك، وقبض من شاور ستين ألف دينار، وخرج أسد الدين وجيشه فساروا (٩) إلى الشام في ذي الحجة منها. وقعة حارم [وكان فتح حارم] (١٠) في رمضان من هذه السنة، وذلك أن نور الدين استغاث (١١) بعساكر المسلمين، فجاؤوه من كل فج عميق (١٢) ليأخذ بثأره من الفرنج، فالتقى معهم بتل حارم، فكسرهم كسرة عظيمة، وأسر البرنس بيمنذ (١٣) صاحب أنطاكية، والقومص صاحب طرابلس،

стр. 6302

والدوك مقدم (١) الروم، وابن جوسلين، وقتل منهم عشرة آلاف، وقيل: عشرين ألفًا. وفي ذي الحجة منها فتح نور الدين مدينة بانياس، وقيل: إنما كان فتحه لها في سنة ستين (٢)، فالله أعلم. وكان معه أخوه نصرة الدين أمير أميران (٣)، فأصابه سهم في إحدى عينيه، فأذهبها، فقال له الملك نور الدين: لو نظرت إلى ما (٤) أعدّ الله لك من الأجر في الآخرة لأحببت أن تذهب الأخرى. وقال لابن معين الدين (٥): اليوم قد بردت (٦) جلدة والدك من نار جهنم، لأنه كان قد سلّمها إلى الفرنج (٧) صلحًا عن دمشق. وفي شهر ذي الحجة [من هذه السنة] (٨) احترق (٩) قصر جيرون حريقًا عظيمًا. فحضر في تلك الليلة الأمير (١٠) أسد الدين شيركوه بعد رجوعه من الديار المصرية (١١)، وسعى سعيًا عظيمًا في كف (١٢) هذه النار وصون حوزة الجامع منها، [جزاه الله خيرًا وأثابه دار القرار] (١٣). وممن توفي فيها من الأعيان: الجمال وزير صاحب الموصل (١٤): محمد بن علي بن أبي منصور، أبو جعفر الأصبهاني، الملقب بالجَوَاد (١٥)، وزير صاحب الموصل قطب الدين مودود بن زنكي.

стр. 6303

كان كثير المعروف والصدقات، وقد أثر آثارًا حسنة بمكة والمدينة، من ذلك: أنه ساق عينًا إلى عرفات، وعمل هناك مصانع، وبنى مسجد عرفات ودرجه، وأحكم أبواب الحرم، وبنى مسجد الخيف، وبنى الحجر، وزخرف الكعبة، وأذهبها وعملها بالرخام، وبنى على المدينة النبوية سورًا، وبنى جسرًا على دجلة عند جزيرة ابن عمر بالحجر المنحوت والحديد والرصاص، وبنى الربط الكثيرة وكان يتصدّق كل يوم على بابه بمئة دينار، ويفتدي من الأسارى في كل سنة بعشرة آلاف دينار، ولا تزال صدقاته وافدة إلى الفقهاء والفقراء حيث كانوا من بغداد وغيرها من البلاد. وقد حبس في سنة ثمان وخمسين. فذكر ابن الساعي في "تاريخه" عن شخص كان معه في السجن أنه نزل إليه طائر أبيض قبل موته، فلم يزل عنده، وهو يذكر الله ، حتى توفي في شعبان من هذه السنة، ثم طار عنه، ودفن في رباط بناه لنفسه بالموصل، وقد كان بينه وبين أسد الدين شيركوه بن شاذي مواخاة وعهد، أيهما مات قبل الآخر أن يحمله إلى المدينة النبوية (١)، [فاستأجر له أسد الدين شيركوه رجالًا فنقلوه إلى المدينة] (٢)، فما مروا به في بلدة إلا صلوا عليه، وترحموا عليه، وأثنوا عليه خيرًا (٣). فصلّوا عليه بالموصل وتكريت وبغداد والحلة والكوفة وفيد ومكة، وطيف به حول الكعبة. ثم نقل (٤) إلى المدينة النبوية، فدفن برباط بناه شرقي المسجد النبوي (٥). قال ابن الجوزي (٦) وابن الساعي: [ليس بينه وبين حرم رسول الله ﷺ وقبره سوى خمسة عشر ذراعًا. قال ابن الساعي: -رسول الله ﷺ ] (٧) - ولما صلوا عليه بالحلة صعد شاب على نشز فأنشد (٨) يقول (٩): [من الطويل] (١٠) سَرَى نَعْشُهُ فَوْقَ الرّقابِ وَطالَما … سَرَى جُودُهُ فَوْقَ الرِّكابِ ونائِلُهْ يمُرُّ على الوادي فتُثْني رِمالُهُ … عَلَيْهِ وبالنّادِي فتُثْني أرامِلُهْ

стр. 6304

وممن توفي فيها بعد الخمسين: ابن الخازن الكتب (١): أحمد بن محمد بن الفضل بن عبد الخالق، أبو الفضل المعروف بابن الخازن الكاتب البغدادي الشاعر. كان يكتب جيدًا فائقًا، اعتنى بكتابة الختمات، وأكثر ابنه أبو الفتح نصر الله من كتابة المقامات، وجمع لأبيه ديوان شعر، وأورد منه ابن خلكان قطعة (٢) كبيرة. [ثم دخلت] (٣) سنة ستين (٤) وخمسمائة في صفر منها وقعت بأصبهان فتنة عظيمة بين الفقهاء بسبب المذاهب، دامت أيامًا، وقتل فيها خلق كثير. وفيها: كان حريق عظيم ببغداد، فاحترقت محالٌّ كثيرة جدًا (٥). وذكر ابن الجوزيّ (٦) أن في هذه السنة ولدت امرأة ببغداد أربع بنات في بطن واحد. وحجّ بالناس [في هذه السنة] (٧) الأمير بزغش الكبير، [أثابه الله تعالى] (٨). وممن توفي فيها من الأعيان: عمر بن بهليقا الطحان (٩): الذي جدّد جامع العقبة ببغداد، واستأذن الخليفة في أن تقام فيه جمعة، فأذن في ذلك. وكان قد اشترى ما حوله من القبور، فأضاف إليه ذلك (١٠)، ونبشت (١١)،

стр. 6305

فقيّض الله له من نبشه من قبره بعد دفنه، جزاءً وفاقًا، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. محمد بن عبد الله بن العباس بن عبد الحميد، أبو عبد الله الحرّاني (١): كان آخر من بقي من الشهود المقبولين عند أبي الحسن الدامغاني، وقد سمع الحديث، وكان لطيفًا ظريفًا. جمع كتابًا سمّاه (روضة الأدباء) فيه نتف حسنة. قال ابن الجوزي (٢): زرته يومًا، فأطلت الجلوس عنده، فقلت: أقوم فقد ثقَّلت، فأنشدني (٣): [وافر] لئن سَمَّيْتَ إِبْرامًا وَثِقْلًا … زياراتٍ رَفَعْتَ بهنَّ قَدْري فَما أَبْرَمْتَ إلّا حَبْلَ ودّي … ولا ثَقَّلْتَ إلا ظَهْرَ شُكري مرجان الخادم (٤): كان يقرأ القرآن (٥)، وتفقّه لمذهب الشافعي، وكان يتعصّب على الحنابلة، ويكرههم، ويعادي الوزير ابن هبيرة وابن الجوزي [معاداة شديدة] (٦)، ويقول لابن الجوزي: مقصودي [قلع مذهبكم، وقطع ذِكركم] (٧). ولما توفي (٨) ابن هبيرة في هذه السنة، قوي أمره (٩) على ابن الجوزي وخافه ابن الجوزي، فلما توفي في هذه السنة فرح بذلك فرحًا شديدًا. [وكانت وفاته] (١٠) في ذي القعدة منها. ابن التلميذ (١١) الطبيب الحاذق الماهر (١٢): اسمه هبة الله بن صاعد. [كانت وفاته في هذه السنة] (١٣) عن خمس وتسعين سنة، وكان موسَّعًا عليه في الدنيا، وله عند

стр. 6306

الناس وجاهة كبيرة (١). وقد توفي قبَّحه الله على دينه، ودفن بالبيعة العتيقة، لا ﵀، إن كان مات نصرانيًا. [فإنه كان يزعم أنه مسلم، ثم مات على دينه]. الوزير ابن هبيرة (٢) [﵀] (٣): يحيى بن محمد بن هبيرة، أبو المظفر، الوزير للخلافة المعظّمة، عون الدين. مصنف (٤) كتاب "الإفصاح". وقد (٥) قرأ القراءات (٦)، وسمع الحديث. وكانت له معرفة جيدة بالنحو واللغة والعروض. وتفقّه على مذهب الإمام أحمد. وصنّف كتبًا جيّدة (٧) مفيدة، من ذلك: "الإفصاح" في مجلدات، يشرح [فيه الأحاديث، ويتكلم] (٨) على مذاهب العلماء. وكان على مذهب السلف في الاعتقاد. وقد كان فقيرًا لا مال له، ثم تعرّض للخدمة (٩)، فتقدم إلى أن وزر للمقتفي [ثم لابنه المستنجد، فكان من خيار الوزراء، وأحسنهم سيرة، وأبعدهم عن الظلم. وكان لا يلبس الحرير. وكان المقتفي] (١٠) يقول: ما وزر لبني العباس مثله. وكذلك ابنه المستنجد كان معجَبًا به. قال مرجان الخادم: سمعت أمير المؤمنين الخليفة المستنجد ينشد لابن هبيرة، وهو بين يديه من شعره مادحًا له (١١): صَفَتْ نِعْمتان خَصَّتاك وَعَمَّتا … فذِكْرُهما حَتَّى القيامةِ يُذْكرُ (١٢) وُجودُكَ والدُّنْيا (١٣) إلَيْكَ فَقيرةٌ … وَجُودُكَ والمَعْروفُ في الناس يُنْكَرُ

стр. 6307

فلَوْ رَامَ يا يَحْيَى مكانَكَ جَعفَرٌ … وَيَحْيَى لَكَفَّا عَنْهُ يَحْيَى وجَعْفَرُ وَلَمْ أَرَ مَنْ يَنْوي لك السُّوءَ يا أبا الـ … ـمُظَفَّر إلَّا كُنْتَ أَنْتَ المُظَفّرُ وقد كان يبالغ في إقامة الدولة العباسية، وحسم (١) مادة الملوك السلجوقية عنهم بكل ممكن، حتى استقرّت الخلافة في العراق كله، ليس للملوك معهم حكم بالكلية، ولله الحمد. وكان يعقد في داره للعلماء مجلسًا للمناظرة، يبحثون فيه، ويناظرون عنده وبين يديه، ويستفيد منهم، ويستفيدون منه. فاتفق (٢) يومًا أنه كلّم رجلًا من الفقهاء كلمةً فيها بشاعة، قال له: يا حمار، ثم ندم فقال: أريد أن تقول لي كما قلتُ لك، فامتنع (٣) ذلك الرجل، فصالحه على مئتي دينار. وكانت وفاته فجأة، ويقال: إنه سمَّهُ طبيب، فسُمَّ ذلك الطبيبُ بعد ستة أشهر. وكان الطبيب يقول: سُمِمْتُ كما سَمَمْتُ، [وكان موته في يوم] (٤) الأحد الثاني عشر من جمادى الأولى من هذه السنة عن إحدى وستين سنة، وغسّله ابن الجوزي، وحضر جنازته خلق كثير جدًا، وجم غفير جدًا، وغلقت الأسواق، وتباكى الناس عليه، ودفن في المدرسة التي أنشأها بباب البصرة، ﵀. وقد رثاه الناس (٥) بمراثٍ (٦) كثيرة. [ثم دخلت سنة إحدى وستين وخمسمائة] (٧) فيها: فتح الملك (٨) نور الدين محمود بن زنكي حصن المنيطرة (٩) من الشام (١٠). وقَتل عنده خلقًا كثيرًا من الفرنج، وغنم أموالًا جزيلة.

стр. 6308

وفيها: هرب عز الدين (١) ابن الوزير ابن هُبَيرة من السجن، ومعه مملوك تركي، فنُودي عليه فى البلد: مَنْ رَدَّه فله مئة دينار، ومَنْ وُجِد عنده هُدِّمتْ دارُه، وصُلب على بابها، وذُبحت أولاده بين يديه. فدلَّهم رجلٌ من الأعراب عليه، فأُخذ من بستانٍ، فضُرب ضربًا شديدًا، [وأُعيد إلى السجن، وضُيِّق عليه. وفيها: أظهر الروافض سبَّ الصحابة، وتظاهروا بأشياء] (٢) منكرة، لم يكونوا يتمكنون منها في هذه الأعصار المتقدمة، خوفًا من ابن هبيرة. ووقع بين العوام كلام فيما يتعلّق بخلق القرآن. وحجّ بالناس بزغش. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن بن العباس بن أبي الطيب بن رُسْتُم، أبو عبد الله الأصبهاني (٣) الرُّسْتُمي: كان من كبار [عباد الله] (٤) الصالحين البكَّائين. قال (٥): حضرت يومًا مجلس ما شاذَة (٦)، وهو يتكلم على الناس، فرأيت ربَّ العزّة في تلك الليلة، وهو يقول لي: وقفتَ على مبتدع، وسمعتَ كلامَهُ، لأحرمنَّك النظر في الدنيا. قال: فأصبح لا يبصر، وعيناه مفتوحتان كأنه بصير. عبد العزيز بن الحسين (٧) بن الجَبَّاب (٨) الأغلبي السعدي القاضي، أبو المعالي المصري (٩) المعروف بالجليس (١٠): لأنه كان يجالس صاحب مصر.

стр. 6309

وقد ذكره العماد في "الخريدة" وقال: كان له فضل مشهور، وشعر مأثور، فمن ذلك قوله (١): [من الطويل] ومن عجبٍ أنَّ السّيوفَ لَدَيْهمُ … تحيضُ دماءً والسُّيوفُ ذُكورُ وأعجبُ من ذا أنَّها في أكفِّهم … تَأَجَّجُ (٢) نارًا والأكُفُّ بُحورُ الشيخ عبد القادر الجيلي (٣)، [﵀] (٤)، عبد القادر بن أبي صالح، أبو محمد الجيلي. ولد سنة سبعين وأربع مئة. ودخل بغداد، فسمع الحديث، وتفقه على أبي سعد المخرِّمي (٥) الحنبلي. وكان قد (٦) بنى مدرسة ففوّضها إلى الشيخ عبد القادر، فكان (٧) يتكلم على الناس بها، ويعظهم، وينتفع (٨) الناس بوعظه [انتفاعًا كثيرًا] (٩). وكان له سمت حسن، وصمت غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفيه تزهد كثير، وله أحوال صالحة (١٠) ومكاشفات، [ولأتباعه وأصحابه فيه مقالات، ويذكرون عنه أقوالًا وأفعالًا ومكاشفات، أكثرها مغالاة. وقد كان صالحًا بارعًا] (١١). وقد صنّف كتاب الغُنية، وفتوح الغيب، وفيهما أشياء حسنة، ولكن (١٢) ذكر فيهما أحاديث ضعيفة وموضوعة. وبالجملة كان من سادات المشايخ [الكبار، قدس الله روحه، ونوَّر ضريحه، وكانت وفاته ليلة السبت ثامن شهر ربيع الآخر من هذه السنة] (١٣)، وله (١٤) تسعون سنة، ودفن بالمدرسة التي كانت له، ﵀.

стр. 6310

ثم دخلت سنة ثنتين وستين وخمسمائة فيها: أقبلت الفرنج في جحافل كثيرة إلى الديار المصرية، وساعدهم المصريون، فتصرفوا في بعض البلاد، فبلغ ذلك أسد الدين شيركوه [بن شاذي] (١)، فاستأذن الملك نور الدين في العود إليها، [وكان كثير الحنق] (٢) على الوزير شاور، فأذن له، وسار إليها في ربيع الآخر، معه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، وقد وقع في النفوس أنه سيملك الديار المصرية، وفي ذلك يقول عرقلة المسمى بحسان الشاعر (٣): [من السريع] أَقُولُ (٤) والأَتْراكُ قَدْ أَزْمَعَتْ … مِصْرَ إلى حَرْبِ الأَعارِيبِ رَبِّ كَما مَلَّكْتَها يُوسُفَ الصِّـ … ــــدِّيقَ من أَوْلادِ يَعْقُوبِ يَمْلكُها (٥) في عَصْرِنا يوسُفُ الصّا … دِقُ من أَوْلادِ أَيُّوبِ من لَمْ يَزَلْ ضَرّابَ هامِ (٦) العدا … حَقًّا وضَرّابَ العَراقيبِ ولما بلغ الوزير شاور قدوم أسد الدين [والجيش معه بعث إلى الفرنج، فجاؤوا من كل فج عميق، ولما بلغ أسد الدين] (٧) ذلك من شأنهم، وإنما معه ألفا فارس، فاستشار مَنْ معه من الأمراء، فكلهم أشار عليه بالرجوع إلى الملك نور الدين لكثرة الفرنج إلّا أميرًا واحدًا، يقال له: شرف الدين بزغش، فإنه قال: مَنْ خاف الأسر (٨) والقتل فليقعد في بيته عند زوجته، ومَنْ أكل أموال المسلمين (٩) فلا يسلِّم بلادهم إلى العدو. وقال مثل ذلك ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن نجم الدين أيوب بن شاذي، فعزم الله لهم، فساروا نحو الفرنج، فاقتتلوا هم وإياهم قتالًا عظيمًا، [فكسروا الفرنج وهزموهم، وقتلوا] (١٠) منهم خلقًا كثيرًا لا يعلمهم إلا الله ، ولله الحمد والمنة على كل حال.

стр. 6311

ذكر فتح الإسكندرية على يد (١) أسد الدين شيركوه [ثم سار أسد الدين شيركوه بعد أن كسر الفرنج والمصريين بالمسير إلى الإسكندرية، فملكها وجبى أموالها] (٢)، واستناب عليها ابن أخيه صلاح الدين يوسف، وعاد إلى الصعيد فملكه، وجمع منه أموالًا جزيلة جدًا، ولله الحمد والمنة. ثم إن الفرنج والمصريين اجتمعوا على حصار الإسكندرية ثلاثة أشهر لينزعوها من يد الملك صلاح الدين، وذلك في غيبة عمه في الصعيد، وامتنع بها (٣) صلاح الدين ومن معه أشد الامتناع، ولكن ضاقت عليهم الأقوات، وضاق عليهم (٤) الحال جدًا، فسار إليهم أسد الدين شيركوه أيده الله، فصالحه شاور الوزير عن الإسكندرية بخمسين ألف دينار، فأجابه إلى ذلك، خرج صلاح الدين منها، وسلَّمها إلى المصريين، وعاد إلى الشام في منتصف شوال أو ذي القعدة، وقرّر شاور للفرنج على مصر في كل عام مئة ألف دينار، وأن يكون لهمه شحنة بالقاهرة، وعادوا إلى بلادهم بعد أن كان الملك نور الدين محمود ابن زنكي قد تبعهم (٥) في بلادهم، [وافتتح حصونًا كثيرة من بلادهم] (٦)، وقتل خلقًا من رجالهم، وأسر جمًّا غفيرا (٧) من نسائهم وأطفالهم، وغنم شيئًا كثيرًا من أمتعتهم وأموالهم (٨)، ولله الحمد. وكان معه أخوه قطب الدين مودود، فأطلق له الرقة، فسار فتسلَّمها. [وفي هذه السنة] (٩) في شعبان منها كان قدوم (١٠) العماد الكاتب من بغداد إلى دمشق، وهو أبو حامد محمد بن محمد الأصبهاي (١١)، صاحب "الفتح القدسي" و "البرق الشامي" (١٢)

стр. 6312

و"الخريدة" (١) وغير ذلك من المصنفات. فأنزله (٢) قاضي القضاة كمال الدين الشهرزوي (٣) بالمدرسة النورية الشافعية داخل باب الفرج، فنسبت إليه لسكناه بها، فيقال لها العمادية (٤)، ثم ولي تدريسها في سنة سبع وستين بعد الشيخ الفقيه ابن عبد (٥)، وأول من جاء للسلام عليه نجم الدين أيوب، وكانت له به معرفة جيدة من تكريت، فامتدحه العماد بقصيدة ذكرها الشيخ شهاب الدين (٦) أبو شامة، [وكان أسد الدين شيركوه وصلاح الدين يوسف بمصر، فبشره فيها بولاية صلاح الدين الديار المصرية حيث يقول: [من البسيط]. ويَسْتقِرُّ بمِصْر يوسُفٌ وبه … تَقَرُّ بعد التَّنائي عَيْنُ يَعْقُوبِ وَيَلْتَقي يوسُفٌ فيها بإخْوَتِهِ … واللهُ يَجْمَعُهُمْ من غَيْرِ تَثْرِيبِ] (٧) ثم ولي العماد (٨) كتابة الإنشاء للملك نور الدين، ﵀. [وممن توفي فيها من الأعيان] (٩): بزغش أمير الحاج: سنين متعددة، كان مقدمًا على العساكر، خرج من بغداد لقتال شملة التركماني (١٠)، فسقط عن فرسه، فمات. أبو المعالي الكاتب محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن حمدون (١١): صاحب "التذكرة الحمدونية"، وقد ولي ديوان الزِّمام مدة. [وكانت وفاته] (١٢) في ذي القعدة، ودفن بمقابر قريش.

стр. 6313

الرشيد الصوفي: كان يجلس بين يدي ابن العبادي (١) على الكرسي. كانت له شيبة حسنة، وسمت ووقار. وكان يواظب [على] حضور السماعات. فاتفق أنه مات وهو يرقص في بعض السماعات، رحمة (٢) الله تعالى. ثم دخلت سنة ثلاث وستين وخمسمائة في صفر منها وصل (٣) شرف الدين أبو جعفر بن البلدي (٤) من واسط إلى بغداد، فخرج الجيش لتلقّيه والنقيبان والقاضي. ومشى الناس بين يديه إلى الديوان، فجلس في دست الوزارة، وقُرئ عهده، وكان يومًا مشهودًا، ولقب بالوزير شرف الدين، جلال الإسلام، معز الدولة، سيد الوزراء، صدر الشرق والغرب. وفيها: أفسدت خفاجة في البلاد، ونهبوا القرى، فجُهِّز (٥) إليهم جيش من بغداد، فهربوا في البراري، فانحسر الجيش عنهم، خوفًا من العطش، فكرّوا على الجيش، فقتلوا منهم خلقًا، وأسروا آخرين، وكان قد أسر منهم الجيش (٦) خلقًا، فصُلبوا على الأسوار. وفي شوال منها (٧) وصلت امرأة الملك نور الدين محمود بن زنكي إلى بغداد، تريد أن تحج (٨) من هناك. وهي الست عصمة الدين خاتون بنت معين الدين أُنر، [فتلقّاها الجيش] (٩)، ومعهم (١٠) صندل الخادم، وحُملت لها الإقامات (١١)، وأُكرمت غاية الإكرام. وفيها: مات قاضي قضاة بغداد جعفر ابن الثقفي، فشغر البلد عن حاكم ثلاثة (١٢) وعشرين

стр. 6314

يومًا حتى [ولي روح بن الحديثي قضاء القضاة] (١) في رابع رجب. وحجَّ بالناس بزغش. وممن توفي فيها من الأعيان: جعفر بن عبد الواحد، أبو البركات الثقفي (٢): قاضي القضاة (٣) ببغداد بعد أبيه. ولد سنة تسع عشرة (٤) وخمسمائة، وكانت وفاته في هذا العام، وسبب وفاته أنه طُلب منه مال، وكلّمه الوزير ابن البلدي كلامًا خشنًا، فخاف، فرمى الدم ومات، [رحم الله أباه وإيّاه] (٥). أبو سعد السمعاني (٦): عبد الكريم بن محمد بن منصور، أبو سعد السمعاني. رحل إلى بغداد، فسمع بها، وذيَّل على "تاريخها" للخطيب البغدادي. وقد ناقشه ابن الجوزي في "المنتظم" (٧). وذكر عنه أنه كان يتعصب على أهل مذهبه، ويطعن في جماعة منهم، وأنه يترجم بعبارة عامة (٨)، مثل قوله عن بعض الشيخات أنها كانت عفيفة، وعن الشاعر المشهور بالحيص بيص (٩) أنه كانت له أخت يقال لها (دخل خرج) وغير ذلك (١٠). عبد القاهر بن عبد الله بن محمد (١١) بن عَمَّوَيْة (١٢)، أبو النجيب السُّهروردي (١٣):

стр. 6315

كان يذكر أنه من سلالة (١) أبي بكر الصديق ﵁. سمع الحديث، وتفقّه وأفتى، ودرّس بالنظامية، وابتنى لنفسه مدرسة ورباطًا. وكان مع ذلك متصوفًا يعظ الناس، ودفن بمدرسته. محمد بن عبد الحميد بن أبي الحسين، (٢)، أبو الفتح الرازي (٣)، المعروف بالعلاء العالم: وهو من أهل سمرقند. وكان من الفحول في المناظرة، وله طريقة في الخلاف والجدل، ويقال لتعليقته (٤): (العالمي). قال ابن الجوزي (٥): وقد ورد بغداد وحضر مجلسي. وقال أبو سعد السمعاني: كان يدمن الخمر. وكان يقول: ليس من الدنيا أطيب من كتاب أطالعه وباطية من الخمر (٦) أشرب منها. قال ابن الجوزي: ثم بلغني عنه (٧) أنه أقلع عن شرب الخمر والمناظرة وأقبل على التنسك (٨) والخير، [﵀] (٩). يوسف بن عبد الله بن بُندار الدمشقي (١٠): مدرس النظامية ببغداد. تفقّه على أسعد المِيْهَني، وبرع في المناظرة، وكان يتعصب للأشعرية وقد بُعث رسولًا في هذه السنة إلى شملة التركماني (١١)، فمات في تلك البلاد رحمه (١٢) الله.

стр. 6316

ثم دخلت سنة أربع وستين وخمسمائة فيها: كان فتح مصر على يدي الأمير أسد الدين شيركوه. وفيها: طغت الفرنج بالديار المصرية. [وذلك لما جُعل لهم شحنة بها، وتحكَّموا في أبوابها، وسكنها أكثر شجعانها] (١)، ولم يبق شيء من أن يستحوذوا عليها، ويخرجوا منها أهلها من المسلمين (٢)، فعند ذلك جاء إمداد الفرنج من كل ناحية، وساروا صحبة مري ملك عسقلان (٣) في جحافل هائلة. فأول ما أخذوا مدينة بلبيس، فقتلوا منها خلقًا، وأسروا آخرين، ونزلوا بها، وتركوا فيها أثقالهم، وجعلوها موئلًا ومعقلًا [لهم]، ثم جاؤوا فنزلوا على القاهرة من ناحية باب البرقية، فأمر الوزير شاور الناسَ أن يحرقوا مصر (٤)، وأن ينتقل الناس منها (٥) إلى القاهرة، فنهبوا البلد، وذهب للناس أموال كثيرة جدًا، وبقيت النار تعمل في مصر أربعة وخمسين يومًا، [فإنا لله وإنا إليه راجعون] (٦). وعند (٧) ذلك أرسل الخليفة العاضد يستغيث بالملك نور الدين، وبعث إليه بشعور نسائه يقول: أدركني، واستنقذ نسائي من أيدي الفرنج، والتزم له بثلث خراج مصر على أن يكون أسد الدين مقيمًا بها عندهم، والتزم (٨) لهم بإقطاعات زائدة على الثلث. فشرع نور الدين في تجهيز الجيوش إلى [الديار المصرية] (٩). فلما استشعر الوزير شاور بوصول المسلمين، أرسل إلى ملك الفرنج يقول له: قد عرفتَ محبَّتي ومَودَّتي ولكن العاضد والمسلمين (١٠) لا يوافقوني على تسليم البلد. وصالحهم ليرجعوا، عامهم ذلك، عن البلد بألف ألف دينار، وعجّل

стр. 6317

لهم من ذلك بمئة (١) ألف دينار، فأخذوها وانشمروا [راجعين إلى بلادهم] (٢) خوفًا من وصول الملك نور الدين (٣) وطمعًا في العودة إليها مرة ثانية، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]. ثم شرع الوزير (٤) شاور في مطالبة الناس بتحصيل الذهب [الذي صالح الفرنج عليه] (٥)، وضيَّق على الناس مع ما نالهم من الضِّيق: الحريق والخوف، فجبر الله مصابهم، وأحسن ما بهم بقدوم عساكر المسلمين عليهم، وهلاك الوزير على يديهم. وذلك أن الملك نور الدين استدعى (٦) الأمير أسد الدين شيركوه من حمص إلى حلب. فساق إليه في يوم واحد من حمص، فدخل حلب ذلك اليوم، فسر بذلك نور الدين، فقدَّمه على العساكر التي قد جهزها إلى الديار المصرية، وأنعم عليه بمئتي ألف دينار، وأضاف إليه من الأمراء والأعيان جماعة، كل منهم يبتغي بمسيره رضا الله تعالى [والجهاد في سبيله] (٧) وكان في جملتهم ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب [بن شاذي (٨)] ولم يكن منشرحًا لخروجه هذا، بل كان كارهًا له، وقد قال الله تعالى (٩): ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وأضاف إليه ستة آلاف من التركمان، وجعل أسد الدين مقدمًا على هذه العساكر كلها، وسار هو وإياه من حلب إلى دمشق، ونور الدين معهم، ثم جهزه من دمشق إلى الديار المصرية بمن معه، وأقام نور الدين بدمشق. ولمّا وصلت الجيوش النورية إلى الديار المصرية، وجدوا الفرنج قد انشمروا عن القاهرة خائبين راجعين (١٠) [إلى بلادهم (١١) بالصفقة الخاسرة. وكان وصوله إليها في سابع ربيع الآخر، فدخل الأمير أسد الدين على العاضد في ذلك اليوم، وخلع عليه خلعة سنية، فلبسها وعاد إلى مخيّمه بظاهر البلد،

стр. 6318

وفرح المسلمون بقدومه إليهم، وأجريت عليهم الجرايات] (١)، وحملت إليهم التحف والكرامات، وخرج (٢) وجوه الناس إلى مخيم أسد الدين خدمة له، وكان فيمن جاء إليه إلى المخيم الخليفة العاضد متنكرًا، فأسرّ إليه أمورًا مهمّهَ، منها قتل الوزير شاور، وقرر ذلك معه. وعظم أمر الأمير أسد الدين بمصر، ولم يقدر الوزير شاور على منع شيء من ذلك لكثرة الجيش الذي مع أسد الدين، ولكن شرع يماطل (٣) فيما كان تقرر له وللملك نور الدين مما كانوا التزموا له ولهم، وهو مع ذلك يتردد إلى الأمير أسد الدين، [ويركب معه، وعزم على عمل ضيافة له، فنهاه أصحابه عن الحضور عنده خوفًا عليه من عائلته، وشاوروه في قتل شاور، فلم يمكِّنهم الأمير أسد الدين من ذلك] (٤). فلما كان في بعض الأيام جاء شاور إلى منزل الأمير أسد الدين فوجده قد ذهب لزيارة قبر الشافعي، وإذا ابن أخيه صلاح الدين (٥) هنالك، فعند ذلك أمر صلاح الدين بالقبض [على الوزير شاور] (٦)، ولم يمكنه قتله إلا بعد مشاورة عمه أسد الدين، وانهزم أصحابه، فأعلموا العاضد لعله يبعث ينقذه، فأرسل العاضد إلى الأمير أسد الدين يطلب منه رأسه، فقُتل شاور، وأُرسل رأسه (٧) إلى العاضد في سابع عشر ربيع الآخر، ففرح المسلمون بذلك، وأمر الأمير أسد الدين بنهب دار شاور فنهبت. ودخل أسد الدين شيركوه (٨) على العاضد، فاستوزره، وخلع عليه خلعة عظيمة، ولقّبه الملك المنور. فسكن دار شاور، وعظم شأنه هنالك. قال ابن أبي طي: ولما بلغ ذلك العادل نور الدين خبر فتح مصر فرح بذلك، وقصدته الشعراء بالتهنئة غير أنه لم ينشرح لكون أسد الدين صار وزيرًا للعاضد، وكذلك لما انتهت الوزارة إلى ابن أخيه صلاح، وشرع في إعمال الحيلة في إزالة ذلك فلم يتمكن، ولا قدر عليه، ولا سيما حين (٩) بلغه أن صلاح الدين استحوذ على خزائن العاضد، كما سيأتي بيانه، [إن شاء الله] (١٠)، والله أعلم.

стр. 6319

وأرسل أسد الدين إلى القصر يطلب كاتبًا، فأرسلوا إليه بالقاضي (١) الفاضل، [رجاء أن يقتل معه إذا قتل فيما كانوا يؤمِّلون] (٢)، وبعث أسد الدين العمال في الأعمال وأقطع الإقطاعات، وولي في (٣) الولايات وفرح بنفسه أيامًا معدودات، فأدركه حِمامُهُ في يوم السبت الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة. وكانت (٤) ولايته شهرين وخمسة أيام، فلما توفي أسد الدين شيركوه، ﵀، أشار الأمراء الشاميون على العاضد بتولية صلاح الدين يوسف الوزارة بعد عمه، فولّاه العاضد الوزارة، وخلع عليه خلعة سنية، ولقّبه الملك الناصر، ﵀. صفة الخلعة التي لبسها صلاح الدين يومئذ مما ذكره الشيخ شهاب، الدين في "الروضتين" (٥) عمامة بيضاء تِنيسيّ (٦) بطرف ذهب، وثوب دَبِيقي (٧) بطراز ذهب، [وجبة بطراز ذهب] (٨)، وطيلسان مطرَّز بذهب (٩)، وعقد جوهر بعشرة آلاف دينار، وسيف مُحلّى بخمسة آلاف دينار، وحِجر (١٠) بثمانية آلاف دينار، وعليها طوق ذهب وسرفسار (١١) ذهب مجوهر، وفي رأسها مئتا حبة جوهر، وفي قوائمها أربعة عقود جوهر، وفي رأسها قصبة ذهب، وفي رأسها شدة (١٢) بيضاء بأعلام بيض. ومع الخلعة عدة بقج (١٣)، وخيل وأشياء أُخر. ومنشور الوزارة ملفوف في ثوب أطلس أبيض.

стр. 6320

وكان ذلك يوم الإثنين الخامس والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، فكان (١) يومًا مشهودًا، وسار الجيش بكماله في خدمته، ولم يتخلّف عنهم سوى عين الدولة الياروقي قال: لا أخدم يوسف بعد نور الدين، وسار بجيشه إلى الشام، فلامه نور الدين على ذلك. وأقام الملك صلاح الدين [بالديار المصرية] بصفة (٢) نائب للملك نور الدين، يُخْطَبُ له على المنابر بالديار المصرية. ويكاتبه نور الدين بالأمير الأسفهلار صلاح الدين، ويتواضع له صلاح الدين في الكتب والعلامة، ولكن قد التفّت عليه القلوب، وخضعت له النفوس، واضطهد العاضد في أيامه غاية الاضطهاد، وارتفع قدر صلاح الدين بين العباد في تلك البلاد، وزاد في إقطاعات الذين معه، فأحبوه وخدموه واحترموه (٣). وكتب إليه نور الدين يعنّفه على قبول الوزارة بدون مرسومه، وأمره أن يقيم حساب الديار المصرية، فلم يلتفت الناصر إلى ذلك، وجعل نور الدين يقول في غضون ذلك: ملك ابن أيوب. وأرسل صلاح الدين إلى الملك نور الدين يطلب منه أهله وإخوته وقرابته، فأرسلهم إليه، وشرط عليهم السمع والطاعة له، فاستقر أمره هنالك (٤)، وتوطدت (٥) دولته بذلك، وكمل أمره، وتمكن سلطانه، وقويت أركانه. وقد قال بعض الشعراء في قتل صلاح الدين لشاور الوزير (٦): [من الطويل] هنيئًا لمِصْرَ حَوْزُ (٧) يوسفَ مُلْكَها … بأَمْرٍ من الرَّحْمنِ قَد (٨) كان مَوْقُوتا وما كانَ فيها قَتْلُ يوسفَ شاورًا … يُماثِلُ إلّا (٩) قَتْلَ داودَ جالوتا (١٠) قال أبو شامة (١١): وقتل العاضد في هذه السنة أولاد شاور وهم: شجاع الملقب بالكامل، والطاري الملقب بالمعظم، وأخوهما الآخر الملقب بفارس المسلمين، وطيف برؤوسهم ببلاد مصر.

стр. 6321

ذكر مقتل (١) الطواشي مؤتمن الخلافة وأصحابه على يد الملك صلاح الدين، [نصره الله] (٢) وذلك أنه (٣) كتب من دار الخلافة بمصر إِلى الفرنج ليقدموا إِلى (٤) الديار المصرية، ليخرجوا منها الجيوش الإسلامية الشامية والعساكر النورية، وكان الذي يفد (٥) بالكتاب إِليهم الخادم (٦) مؤتَمن الخلافة، مقدم العساكر بالقصر، وكان حبشيًا، وكان قد أرسله (٧) مع إِنسان أمن إِليه، فصادفه (٨) في بعض الطريق من أنكر حاله، وحمله إِلى الملك الناصر صلاح الدين، فقرّره، فأخرج الكتاب، ففهم صلاح الدين الحال وكتمه. واستشعر مؤتَمن الخلافة الخادم (٩) أن الملك صلاح الدين قد اطّلع على الأمر، فلازم القصر مدة طويلة خوفًا على نفسه، ثم عنَّ له في بعض الأيام أن خرج إِلى الصيد فأرسل الملك صلاح الدين إِليه من قبض عليه وقتله، وحمل رأسه إِليه، ثم عزل جميع الخدّام الذين يلون خدمة القصر، واستناب على القصر عوضهم بهاء الدين قراقوش، وأمره أن يطالعه بجميع الأمور صغارها وكبارها. وقعة السودان وذلك أنه لما قتل مؤتَمن الخلافة الخادم الحبشي، وعزل بقية الخدام غضبوا لذلك، واجتمعوا قريبًا من خمسين ألفًا، فاقتتلوا هم وجيش الملك الناصر صلاح الدين بين القصرين، فقتل خلق كثير من الفريقين، وكان العاضد ينظر من القصر إِلى المعركة، وقد قذف الجيش الشامي من القصر بحجارة، وجاءهم منه سهام، فقيل: كان ذلك بأمر العاضد، وقيل: لم يكن بأمره. ثم إِنَّ أخا (١٠) الناصر شمس

стр. 6322

الدولة تورانشاه (١)، وكان حاضرًا للحرب، قد بعثه نور الدين إِلى أخية (٢) ليشدّ أزره، أمر بإِحراق منظرة العاضد، ففتح بابها (٣)، ونودي: إِن أمير المؤمنين يأمركم أن تخرجوا هؤلاء السودان من بين أظهركم ومن بلادكم، فقوي الشاميون، وضعف جأش السودان جدًا. وأرسل [الملك الناصر] (٤) إِلى محلّتهم (٥) المعروفة بالمنصورة، التي فيها دورهم وأهلوهم وأولادهم بباب زويلة فأحرقها، فولَّوا عند ذلك مدبرين، وركبهم السيف، فقُتل منهم خلق كثير (٦)، ثم طلبوا الأمان من الملك صلاح الدين، فأجابهم إِلى ذلك، وأخرجهم إِلى الجيزة (٧)، ثم خرج إِليهم (٨) شمس الدولة تورانشاه أخو الملك صلاح الدين الأكبر (٩)، فقتل أكثرهم أيضًا، ولم يبق منهم إِلا القليل: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]. وفيها: افتتح الملك نور الدين محمود بن زنكي قلعة جعبر، وانتزعها من يد صاحبها شهاب الدين مالك بن علي بن مالك (١٠) العقيلي، وكانت في أيديهم من أيام السلطان ملكشاه. وفيها: احترق جامع حلب، فجدده نور الدين. وفيها: مات ياروق (١١) الذي تنسب إِليه المحلة بظاهر حلب. وممن توفي فيها من الأعيان: سعد الله بن نصر بن سعيد الدجاجي (١٢)، أبو الحسن الواعظ الحنبلي:

стр. 6323

ولد (١) سنة ثمانين وأربعمائة. وسمع الحديث وتفقّه ووعظ، وكان لطيف الوعظ. وقد (٢) أثنى عليه ابن الجوزي في ذلك، وذكر أنه سئل مرة عن أحاديث الصفات، فنهى عن التعرض لذلك، وأنشد (٣): [طويل] (٤) أَبَى العاتِبُ (٥) الغَضْبانُ يا نَفْسُ أَنْ يَرْضَى (٦) … وَأَنْتِ الَّتِي صَيَّرتِ طاعَتَهُ فَرْضَا فَلا تَهْجُري مَنْ لَا تُطيقينَ هَجْرَهُ … وإِنْ هَمَّ بالهِجْرانِ خَدَّيْكِ (٧) والأَرْضا وذكر ابن الجوزي (٨) عنه أنه قال: خفتُ مرةً من الخليفة، فهتف بي هاتفٌ في المنام، وقال لي: اكتب (٩): [من الكامل] ادْفَعْ بِصَبْرِكَ حادِثَ الأَيَّامِ … وتَرَجَّ لُطْفَ الواحِدِ العَلَّامِ (١٠) لا تَيْأَسَنَّ وإِنْ تَضَايَقَ كَرْبُها … وَرَمَاكَ رَيْبُ صُروفِها بِسِهامِ فَلَهُ تَعَالَى بَيْنَ ذَلِكَ فُرْجَةٌ … تَخْفَى على الأَبْصَارِ والأَوْهَامِ (١١) كَمْ مَنْ نَجا من بَيْنِ أَطْرَافِ القَنا … وفَرِيسَة سَلِمَتْ من الضِّرْغامِ توفي في شعبان [من هذه السنة] (١٢) عن أربع وثمانين سنة (١٣)، ودفن إِلى جانب رباط الزوزني، ثم نقل إِلى مقبرة الإمام أحمد. شاور بن مجير، أبو شجاع السعدي (١٤)، الملقب أمير الجيوش، وزير الديار المصرية أيام العاضد.

стр. 6324

وهو الذي انتزع الوزارة من أيدي بني (١) رُزِّيك، وهو أول من استكتب القاضي الفاضل، استدعى به من إِسكندرية من باب السدرة (٢)، فحظي عنده، وانحصر منه الكتّاب بالقصر لما رأوا من فضله وفضيلته. وقد امتدحه الشعراء، فمنهم عمارة اليمني حيث يقول (٣): [من الكامل] ضَجِرَ الحَديدُ مِنَ الحَدِيدِ وشاوَرٌ … مِن (٤) نَصْرِ دِينِ (٥) مُحَمَّدٍ لَمْ يَضْجَرِ حَلَفَ الزَّمانُ ليأتينَّ بِمِثْلِهِ … حَنِثَتْ يَمينُكَ يا زَمانُ فكفِّرِ ولم يزل قائمًا إِلى أن ثار عليه الأمير ضرغام بن سَوّار، فالتجأ إِلى الملك (٦) نور الدين، فأرسل معه الأمير أسد الدين شيركوه، فنصروه على عدوه، فنكث عهده، [وجهل حدَّه] (٧)، فلم يزل أسد الدين حنقًا عليه، حتى كان قتله في هذه السنة على يدي ابن أخيه صلاح الدين يوسف، ضرب عنقه بين [يديه الأمير جرديك] (٨) في السابع عشر من ربيع الآخر. واستوزر بعده أسد الدين [شيركوه، كما ذكرنا] (٩) ولم تطل مدته بعده إِلا شهرين وخمسة أيام. قال ابن خلكان (١٠): هو أبو شجاع شاور بن مُجير (١١) بن نزار بن عشائر بن شَأْس بن مُغيث بن حبيب ابن الحارث بن ربيعة بن مخيس (١٢) بن أبي ذؤيب عبد الله، وهو والد حليمة السعدية (١٣). كذا (١٤) قال، وفي هذا نظر لقصر هذا النسب بالنسبة إِلى بُعد المدة، والله أعلم.

стр. 6325

شيركُوه بن شاذي (١) أسد الدين الكردي الرَّوادي (٢): وهم أشرف شعوب الأكراد (٣)، وهو من قرية يقال لها دُوِين (٤)، من أعمال أذربيجان. خدم هو وأخوه نجم الدين أيوب -وكان الأكبر- الأمير (٥) مجاهد الدين بِهْرُوز الخادم شحنة العراق، فاستناب نجم الدين أيوب (٦) على قلعة تكريت، فاتفق أن دخلها الملك عماد الدين زنكي (٧) هاربًا من قراجا الساقي، فأحسنا إِليه وخدماه، ثم اتفق أن قتل (٨) رجلًا من العامة في تأديب، فأخرجهما بهروز من القلعة، فصارا إِلى زنكي بحلب، فأحسن إِليهما، ثم حظيا عند ولده نور الدين محمود، فاستناب أيوب على بعلبك (٩)، وأقرّه نور الدين وصار أسد الدين عند نور الدين أكبر أمرائه، وأخصّهم عنده. وكان قد أقطعه الرحبة وحمص، مع ما له عنده من الإقطاعات، وذلك لشهامته وشجاعته وصرامته وجهاده في أعداء الله (١٠) الفرنج وغيرهم، في أيام معدودات ومعدودة، ووقَعات معتبرات ومحمودة، ولا سيما يوم فتح الشهيد دمشق المحروسة بالنصر، وأعجب من ذلك ما فعله بديار مصر، فَبَلَّ الله بالرحمة ثراه، وجعل الجنة مأواه، وكانت وفاته يوم السبت فجأة بخانوق حصل له، وذلك في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة ﵀.

стр. 6326

وقال (١) الشيخ شهاب الدين (٢): وإِليه تنسب الخانقاه (٣) الأسدية داخل باب الجابية بدرب الهاشميين، والمدرسة (٤) الأسدية بالشرف (٥) القبلي. وآل الأمر من بعده إِلى ابن أخيه صلاح الدين يوسف، ثم استوسق (٦) له الملك، وأطاعته الممالك هنالك، ولله الحمد. محمد بن عبد الباقي بن أحمد (٧) بن سلمان المعروف بابن البطي: سمع الحديث الكثير، وأسمع، ورحل إِليه، وقارب التسعين، ﵀. محمد الفارقي (٨)، أبو عبد الله الواعظ: يقال: إِنه كان يحفظ نهج البلاغة، ويغيّر (٩) ألفاظه. وكان فصيحًا بليغًا، يكتب كلامه، ويروى عنه كتاب يعرف بـ "الحكم الفارقية". مُعَمَّر بن عبد الواحد بن رجاء (١٠)، أبو محمد (١١) الأصبهاني (١٢): أحد الحفاظ الوعاظ، روى عن أصحاب أبي نعيم، وكانت له معرفة جيدة بالحديث. توفي وهو ذاهب إِلى الحج بالبادية.

стр. 6327

ثم دخلت سنة خمس وستين وخمسمائة في صفر منها حاصرت الفرنج مدينة دمياط من بلاد مصر خمسين يومًا، بحيث ضيّقوا على أهلها، وقتلوا منهم خلقًا في أمم لا يحصون كثرة (١)، قد تجمّعوا من البر والبحر، رجاء أن يملكوا الديار المصرية، وخوفًا من استيلاء المسلمين على القدس. فكتب الملك (٢) صلاح الدين إِلى الملك (٣) نور الدين يستنجده عليهم، ويطلب منه أن يرسل إِليه بإِمداد من الجيوش، فإِنه إِن خرج من مصر خلفه (٤) أهلها بسوء، وإِن غفل (٥) عن الفرنج أخذوا دمياط، وجعلوها معقلًا لهم يتقوون به (٦) على أخذ مصر، فأرسل إِليه [نور الدين] (٧) ببعوث كثيرة، يتبع بعضها بعضًا، ثم إِن نور الدين اغتنم غيبة الفرنج عن بلادها (٨)، فصمد إِليهم في جيشه (٩)، فجاس خلال ديارهم، وغنم من أموالهم، وقتل من رجالهم وسبى من نسائهم وأطفالهم شيئًا كثيرًا. وكان (١٠) من (١١) جملة من أرسله (١٢) إِلى صلاح الدين أبوه الأمير نجم الدين أيوب في (١٣) جيش من تلك الجيوش، ومعه بقية أولاده، فتلقاه الجيش من مصر في رجب. وخرج العاضد لتلقّيه إِكرامًا لولده صلاح الدين، وأقطعه الإسكندرية (١٤) ودمياط والجيزة وكذلك لبقية (١٥) أولاده، وقد أمدَّ العاضد الملك صلاح الدين في هذه الكائنة بألف ألف دينار حتى انفصلت (١٦) الفرنج عن دمياط، وأجلت الفرنج عن دمياط، لأنه بلغهم أن الملك نور الدين قد حاصر (١٧) بلادهم،

стр. 6328

وقتل خلقًا من رجالهم، وسبى كثيرًا من نسائهم وأطفالهم، وغنم مالًا جزيلًا من أموالهم، فجزاه الله عن الإسلام خيرًا، ثم سار نور الدين في جمادى الآخرة إِلى الكرك (١)، فحاصرها وكانت من أمنع البلاد، فكاد (٢) أن يفتحها، ولكن بلغه أن مُقَدَّمَيْن من الفرنج قد أقبلا نحو دمشق، فخاف أن يلتفّ (٣) عليهما الفرنج، فترك الحصار، وأقبل إِلى (٤) دمشق فحصّنها، ولمّا أجلت الفرنج عن دمياط فرح نور الدين والمسلمون فرحًا شديدًا، وأنشد الشعراء كل (٥) منهم في ذلك قصيدًا (٦)، وقد كان الملك نور الدين شديد الاهتمام، قوي الاغتمام بذلك، حتى إِنه قرأ عليه بعض طلبة الحديث جزءًا (٧) فيه حديث مسلسل بالتبسُّم، فطلب منه أن يتبسَّم (٨) ليتصل (٩) التسلسل، فامتنع من ذلك، وقال: إِني لأستحي من الله أن يراني متبسِّمًا، والمسلمون يحاصرهم الفرنج بثغر دمياط. وقد ذكر (١٠) الشيخ [شهاب الدين] (١١) أن إِمام مسجد (١٢) أبي الدرداء بالقلعة المنصورة رأى في تلك الليلة التي أجلى الفرنج فيها عن دمياط رسول الله ﷺ ، وهو يقول له: سَلّمْ على نور الدين وبشّرْهُ بأَنَّ الفرنج قد رحلوا عن دمياط، فقلت: يا رسول الله، بأي علامة؟ فقال: بعلامة ما سجد يوم تل حارم، وقال في سجوده: اللَّهم انصر دينك، [ولا تنصر محمودًا] (١٣)، ومن هو محمود الكلب؟ فلما صلّى نور الدين عنده صلاة الصبح بشرّه بذلك، [وأخبره بالعلامة، فلما جاء إِلى عند ذكر: (من هو محمود الكلب) انقبض من قول ذلك، فقال له نور الدين: قل ما أمرك به رسول الله ﷺ : فقال ذلك، فقال: صدقت، وبكى نور الدين تصديقًا وفرحًا بذلك، ثم كشفوا فإِذا الأمر كما أخبر في المنام] (١٤).

стр. 6329

قال العماد الكاتب (١): وفي هذه السنة عمر الملك نور الدين جامع داريا، وعمر مشهد أبي سليمان الداراني بها، وشَتَّى بدمشق. وفيها: حاصر [نور الدين] (٢) الكرك أربعة أيام، وفارقه من هناك نجم الدين أيوب [والد صلاح الدين] (٣) متوجّهًا إِلى ابنه بمصر، وقد وصّاه الملك نور الدين أن يأمر ابنه صلاح الدين أن يخطب للخليفة المستنجد العباسي بمصر (٤)، وذلك أن الخليفة بعث يعاتبه في ذلك، وقدم الفرنج من السواحل ليمنعوا الكرك مع فيليب بن الدقيق (٥) وابن الهَنْفَري، وكانا أشجع فرسان الفرنج، فقصدهما نور الدين ليتلقاهما (٦) فحادا عن طريقه. وفيها: كانت زلزلة عظيمة بالشام والجزيرة، وعمت أكثر الأرض، فتهدمت (٧) أسوار كثيرة بالشام، وسقطت دور كثيرة على أهلها، ولا سيما بدمشق وحمص وحماة وحلب وبعلبك سقطت أسوارها وأكثر قلعتها، فجدد الملك نور الدين عمارة أكثر ما سقط بهذه الزلزلة (٨). وفيها: توفي الملك قطب الدين مودود بن زنكي (٩)، صاحب الموصل (١٠)، أخو نور الدين محمود، وله من العمر أربعون سنة، ومدة ملكه منها إِحدى وعشرون سنة. وكان من خيار الملوك، محبَّبًا إِلى الرعية (١١)، عطوفًا عليهم (١٢)، محسنًا إِليهم، حسن الشكل. وتملَّك من بعده ولده سيف الدين غازي ابن الست خاتون بنت تمرتاش بن إِيلغازي بن أرتق، أصحاب ماردين، وكان مدبِّر مملكته والمتحكِّم فيهم (١٣) فخر الدين عبد المسيح، وكان ظالمًا غاشمًا.

стр. 6330

وفيها: كانت حروب كثيرة بين ملوك المغرب بجزيرة الأندلس، وكذلك كانت حروب كثيرة بين ملوك المشرق أيضًا. وحجّ بالناس [في هذه السنة والتي قبلها] (١) الأمير بزغش الكبير. ولم (٢) أر أحدًا من أكابر الأعيان توفي فيها. ثم دخلت سنة ست وستين وخمسمائة فيها: كانت وفاة المستنجد وخلافة ابنه المستضيء، وذلك أن الخليفة (٣) المستنجد كان قد مرض في أول هذه السنة، ثم عوفي [فيما يبدو للناس] (٤)، فعُملت (٥) ضيافة عظيمة بسبب ذلك، وفرح الناس بذلك، ثم أدخله الطبيب (٦) إِلى الحمَّام، وفية (٧) ضعف شديد، فمات في الحمَّام، ﵀ (٨). ويقال: إِن ذلك كان بإِشارة بعض الدولة على الطبيب استعجالًا لموته، [فكانت وفاته] (٩) يوم السبت بعد الظهر (١٠) ثامن (١١) ربيع الآخر عن ثمان وأربعين سنة. وكانت مدة خلافته إِحدى عشرة سنة وشهرًا. وكان من خيار الملوك وأعدلهم وأرفقهم بالرعايا، وضع (١٢) عنهم المكوس والضرائب، ولم يترك بالعراق مَكسًا، وقد شفع إِليه بعض أصحابه في رجل شرِّير، وبذل (١٣) فيه عشرة آلاف دينار، فقال له الخليفة: أنا أعطيك عشرة آلاف دينار وائتني بمثله لأريح المسلمين من شرِّه.

стр. 6331

وكان المستنجد أسمر طويل اللحية، وهو الثاني والثلاثون (١) من العباسيين، وذلك في الجُمَّل (لام، باء) (٢). ولهذا قال فيه بعض الأدباء: [من البسيط] أَصْبَحْتَ لُبَّ بَني العباسِ كُلِّهِمِ … إِنْ عُدِّدَتْ بِحِسَابِ الجُمَّلِ الخُلَفا (٣) وكان أمَّارًا بالمعروف، نهَّاءً عن المنكر، [﵀] (٤). وقد رأى في المنام رسول الله ﷺ غير مرة، فكانت (٥) آخرهن قبل أن يلي بأربعة أيام، وهو يقول له: قل اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، دعاء القنوت بتمامة (٦). وصُلّي عليه يوم الأحد قبل الظهر، ودفن بدار الخلافة، ثم نقل إِلى الترب من الرصافة، رحمه الله تعالي (٧). خلافة المستضئ (٨) وهو أبو محمد الحسن بن يوسف المستنجد بن المقتفي، وأمه أرمنية، تدعى: غضة (٩). وكان مولده في شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة. بويع له بالخلافة يوم مات أبوه، وجلس بكرة الأحد تاسع ربيع الآخر، وبايعه الناس. ولم يَلِ الخلافةَ أحدٌ اسمه الحسن بعد الحسن بن علي غير هذا، ووافقه في

стр. 6332

الكنية أيضًا، وخلع يومئذ على الناس أكثر من ألف خلعة، وكان يومًا مشهودًا، وولى قضاء قضاة بغداد لروح بن الحديثي (١) يوم الجمعة حادي عشرين ربيع الآخر، وخلع على الوزير خلعة عظيمة، وهو الأستاذ عضد الدين (٢)، وضربت على بابه نوبة (٣) في ثلاثة أوقات: الفجر والمغرب والعشاء، وأمر سبعة عشر أميرًا من المماليك (٤)، وأذن للوعاظ فتكلموا بعد ما كانوا قد منعوا مدة طويلة، ثم كثر احتجابه بعد (٥) ذلك. ومما نظمه (٦) العماد الكاتب حين جاءتهم البشارة بخلافة المستضيء وهم بأرض الموصل (٧): [من الخفيف] قَدْ أَضَاءَ الزَّمانُ بالمُسْتَضِيءِ … وارِثِ البُرْدِ وابْنِ عَمِّ النَّبِيءِ جاءَ بالحَقِّ والشَّريعةِ والعَدْ … لِ فَيا مَرْحبًا بهذا المَجِيءِ (٨) فَهَنيئًا لأَهْلِ بَغْدادَ فَازُوا … بَعْدَ بُؤْسٍ بِكُلِّ عَيْشٍ هَنِيءِ ومُضِيءٌ إِنْ كانَ في الزَّمَنِ المُظْـ … ـــلِمِ، فَالعَوْدْ (٩) في الزَّمانِ المُضِيءِ وفيها: سار نور الدين [محمود بن زنكي] (١٠) إِلى الرقة فأخذها، وكذلك (١١) نصيبين والخابور وسنجار، وسلَّمها إِلى زوج ابنته، ابن أخيه، عماد (١٢) الدين [زنكي بن مودود] (١٣)، ثم سار إلى الموصل، فأقام بها أربعة وعشرين يومًا، وأقرّها على ابن أخيه سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود مع الجزيرة، وزوّجه ابنته الأخرى، وأمر بعمارة جامعها وتوسعته (١٤)، ووقف على تأسيسه بنفسه،

стр. 6333

وجعل له خطيبًا ومدرسًا للفقه، وولَّى التدريس للفقيه أبي بكر النوقاني (١)، تلميذ محمد بن يحيى تلميذ الغزالي، وكتب له منشورًا بذلك، ووقف على الجامع قرية من قرى الموصل، وذلك كله بإِشارة الشيخ الصالح العابد عمر الملا، وقد كانت له زاوية يُقصد فيها، وله في كل سنة دعوة في شهر المولد، يحضر فيها عنده الملوك والعلماء (٢) والأمراء والوزراء، ويحتفل بذلك، وقد كان الملك نور الدين صاحبه، وكان يستشيره في أموره، وما يعتمده (٣) من المهمَّات، وهو الذي أشار عليه في مدة مقامه بالموصل (٤) بجميع ما فعله من الخيرات، فلهذا حصل بقدومه لأهل الموصل كل مسرّة، واندفعت عنهم المصائب، [وأسقط عنهم المكوس والضرائب] (٥). وأخرج من بين أهلها (٦) الظالم الغاشم [فخر الدين] (٧) عبد المسيح، وسماه عبد الله، وأخذه معه إِلى دمشق، فأقطعه إِقطاعًا حسنًا، فجزاه الله خيرًا. وقد كان عبد المسيح هذا نصرانيًا، فأظهر الإِسلام. وكان يقال: إِن له كنيسة في جوف داره. وكان سيّئ السيرة خبيث السريرة في حق العلماء والمسلمين خاصة (٨). ولما دخل نور الدين الموصل كان الذي استأمن (٩) له الشيخ عمر الملأ (١٠). وحين دخل نور الدين إِلى (١١) الموصل خرج إِليه ابن أخيه، فوقف بين يديه، فأحسن إِليه وأكرمه (١٢)، وألبسه خلعة جاءته من الخليفة، فدخل بها (١٣) إِلى البلد في أُبَّهة عظيمة، ولم يدخل نور الدين الموصل حتى قوي الشتاء، فأقام بها، كما ذكرنا أربعة وعشرين يومًا، فلما كانت (١٤) آخر ليلة أقام

стр. 6334

بها، رأى رسولَ الله ﷺ في المنام وهو يقول له: طابت لك بلدك، وتركت الجهاد، وقتال أعداء الله. فنهض من فوره إِلى السفر، وما أصبح إِلا [وهو سائر] (١) إِلى الشام. واستقضى الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون، وكان معه على سنجار، ونصيبين، والخابور، فاستناب فيها ابن أبي عصرون نوابًا وأصحابًا. وفيها: عزل الملك [صلاح الدين يوسف] (٢) قضاة مصر لأنهم كانوا شيعة، وولى قضاء القضاة بها لصدر الدين عبد الملك بن دِرْباس الماراني (٣) الشافعي، واستناب في سائر الأعمال (٤) قضاة (٥) شافعية، وبنى مدرسة للشافعية، وأخرى للمالكية، واشترى ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه دارًا كانت تعرف بمنازل العز، وجعلها مدرسة للشافعية، وأوقف عليها الروضة وغيرها. وعمّر الملك صلاح الدين أسوار البلد، وكذلك أسوار إِسكندرية، وأحسن إِلى الرعايا إِحسانًا كثيرًا، وركب، فأغار على بلاد الفرنج بنواحي عسقلان وغزة، وضرب قلعة كانت لهم على أيلة، وقتل خلقًا كثيرًا من مقاتلتهم، وتلقى أهلَه وهم واردون (٦) من الشام، واجتمع (٧) شمله بهم بعد فرقة طويلة. وفيها: قطع صلاح الدين الأذان بحيّ على خير العمل من ديار مصر كلها، وشرع في تمهيد الخطبة لبني العباس على المنابر. وممن توفي فيها من الأعيان: طاهر بن محمد بن طاهر أبو زرعة المقدسي (٨) الأصل الرازي المولد الهمذاني الدار: ولد سنة إِحدى

стр. 6335

وثمانين وأربعمائة. وأسمعه والده الحافظ محمدُ بن طاهر الكثيرَ (١)، ومما كان يرويه مسند الشافعي [وكانت وفاته] (٢) بهمذان يوم الأربعاء سابع ربيع الآخر، وقد قارب التسعين. يوسف القاضي (٣) أبو الحجاج بن الخلال صاحب ديوان الإنشاء [بالديار المصرية] (٤): وهو شيخ القاضي الفاضل في هذا الفن. اشتغل عليه فيه وبرع (٥) حتى قدَّر أَنَّه صار مكانه حين ضعف الشيخ (٦) عن القيام بأعباء الوظيفة لكبره، فكان (٧) القاضي الفاضل يقوم به وبأهله حتى (٨) مات. ثم كان [بعد موته] (٩)، كثير الإحسان إِلى أهله ﵏. يوسف الخليفة (١٠) المستنجد بالله بن المقتفي بن المستظهر: تقدم ذِكر (١١) وفاته وترجمته في الحوادث. [أبو نصر بن المستظهر] (١٢): وقد توفي بعده (١٣) عمُّه أبو نصر بن المستظهر بأشهر، ولم يبق بعده أحد من ولد المستظهر، وكانت وفاته في يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من ذي القعدة، رحمه (١٤) الله تعالى. ثم دخلت سنة سبع وستين وخمسمائة فيها: كانت وفاة العاضد [صاحب مصر] (١٥).

стр. 6336

في أول جمعة منها أمر (١) الملك (٢) صلاح الدين بإِقامة الخُطبة لبني العباس بمصر (٣)، وفي الجمعة الثانية بالقاهرة، وكان ذلك يومًا مشهودًا. ولما انتهى الخبر إِلى الملك نور الدين بالشام أرسل إِلى الخليفة يعلمه بذلك مع ابن أبي عصرون وهو شهاب الدين (٤) أبو المعالي المطهر (٥)، فزيّنت بغداد، وغلقت الأسواق، وعملت القباب، وفرح المسلمون فرحًا شديدًا. وكانت الخطبة لبني العباس (٦) قد قطعت من ديار مصر من سنة تسع وخمسين وثلاثمائة في خلافة المطيع العباسي حين تغلب الفاطميون عليها (٧) أيام المعزِّ الفاطمي باني القاهرة إِلى هذا الأوان، وذلك مئتا سنة وثماني سنين. قال ابن الجوزي: [وقد ألّفتُ في ذلك كتابًا سمّيته (النصر على مصر)] (٨). موت العاضد آخر الخلفاء (٩) العبيديين والعاضد في اللغة (١٠): القاطع، و (لا يعضد شجرها): لا يقطع (١١). وبه قطعت دولتهم. واسمه: عبد الله، ويُكْنَى بأبي محمد، بن يوسف الحافظ بن محمد المستنصر [بن الظاهر] (١٢) بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور (١٣) بن القائم بن المهدي أول ملوكهم. وكان مولد العاضد في سنة ست وأربعين، فعاش إِحدى وعشرين سنة. وكانت سيرته مذمومة، وكان شيعيًا خبيثًا، لو أمكنه قَتَلَ كل مَنْ قدر عليه من أهل السنة.

стр. 6337

واتفق أنه لما استقر أمر الملك صلاح الدين، رسم بالخطبة لبني العباس عن مرسوم الملك نور الدين له بذلك لمعاتبة (١) الخليفة المستنجد إِياه قبل وفاته في ذلك، وكان العاضد إِذ ذاك مريضًا مدنفًا، فكانت وفاته في يوم عاشوراء، فحضر الملك صلاح الدين جنازته وشهد عزاءه، وبكى عليه وتأسف، وظهر منه حزن كثير عليه (٢). وقد كان مطيعًا له فيما يأمره به، وكان العاضد كريمًا جوادًا ممدَّحًا سامحه الله. ولما مات استحوذ الملك صلاح الدين على القصر بما فيه، وأخرج منه أهل العاضد إِلى دار أفردها لهم، وأجرى عليهم النفقات والأرزاق الهنية، والعيشة الرضية، عوضًا عما فاتهم من الخلافة. وكان صلاح [الدين] (٣) يتندَّم على إِقامة الخطبة [لبني العباس] (٤) بمصر قبل وفاة العاضد، وهلّا صبر بها إِلى ما بعد وفاته (٥)، ولكن كان ذلك قدرًا مقدورًا، وفي الكتاب مسطورًا. ومما نظمه العماد الكاتب (٦) في ذلك (٧): [من المنسرح] تُوُفّيَ العاضِدُ الدَّعِيُّ فَما … يَفْتَحُ ذو بدْعَةٍ بمصْرَ فَما وَعَصْرُ (٨) فِرْعَوْنِها انْقَضَى وغدا … يُوسُفُها في الأُمورِ مُحْتَكِما وَانْطَفَأَتْ (٩) جَمْرَةُ الغُواةِ وَقَدْ … باحَ (١٠) من الشِّرْكِ كُلُّ ما اضْطَرَما وَصَارَ شَمْلُ الصَّلاحِ مُلْتَئِمًا … بِها وعَقْدُ السَّدادِ مُنْتَظما لَمّا غدا مُعْلِنًا (١١) شِعارَ بني الـ … ـعَبّاسِ حَقًّا والباطِل اكتتما وبَاتَ داعي التَّوْحِيدِ مُنْتَصِرًا … وَمِنْ دُعاةِ الإشْراكِ مُنْتَقِما وَظَلَّ أَهْلُ الضَّلالِ في ظُلَلٍ … دَاجِيَةٍ مِنْ غيابةٍ وَعَمَى وَارْتَبَكَ (١٢) الجاهلون في ظُلَمٍ … لَمّا أضَاءَتْ مَنَابِرُ العلما

стр. 6338

وَعَادَ بِالمُسْتَضِيءِ مُعْتَلِيًا (١) … بِناءُ حَقّ قَدْ كانَ (٢) مُنْهَدِما وَاعْتَلَتِ (٣) الدَّوْلَةُ التي اضْطُهِدَتْ … وانْتَصَرَ الدّينُ بَعْدَ مَا اهْتُضِما واهْتَزَّ عِطْفُ الإسْلَامِ مِن جَذَلٍ (٤) … وافترَّ ثَغْرُ الإسْلامِ (٥) وَابْتَسَما وَاسْتَبْشَرَتْ أَوْجُهُ الهُدَى فَرَحًا … فَلْيَقْرَعِ (٦) الكُفْرُ سِنَّهُ نَدَما عَادَ حَريمُ الأَعْداءِ مُنْتَهَكَ الـ … ـــحِمَى وَفَيْءُ الطُّغاةِ مُقْتَسَما قُصُورُ أَهْلِ القُصُورِ أَخْرَبَها … عَامِرُ بَيْتٍ مِنَ الكَمالِ سَما أَزْعَجَ بَعْدَ السُّكونِ (٧) ساكِنَها … ومَاتَ (٨) ذُلًّا وَأَنْفُهُ رَغِمَا ومما قيل من الشعر ببغداد يبشر به الخليفة المستضيء بأمر الله بالخطبة له بمصر وأعمالها (٩): [من الطويل] (١٠) لِيَهْنِكَ يا مَوْلَايَ فَتْحٌ تَتَابَعَتْ … إِليكَ به خوصُ الركائب توجِفُ أَخَذْتَ بهِ مِصْرًا وَقَدْ حَالَ دُونَها … مِنَ الشِّركِ يَأْسٌ (١١) في لَهَى الحَقِّ يَقْذِفُ فَعَادَتْ بِحَمْدِ اللهِ باسْمِ إِمامِنا … تَتِيهُ عَلى كُلِّ البِلادِ وَتَشْرُفُ وَلَا غَرْوَ إِن ذَلَّتْ (١٢) لِيُوسُفَ مِصْرُهُ … وَكَانَتْ إِلى عَلْيَائِهِ تَتَشَوَّفُ تَمَلَّكَها من قَبضَةِ الكُفْرِ يُوسُفٌ … وخَلَّصَها من عُصْبَةِ الرَّفْضِ يُوسُفُ (١٣)

стр. 6339

فشابَهَهُ خُلْقًا وخَلْقًا وعِفَّةً … وَكُلٌّ عَنِ (١) الرَّحْمنِ في الأَرْضِ يَخْلُفُ كَشَفْتَ بها عَن آلِ هاشِمَ سُبَّةً … وَعَارًا أَبَى إِلَّا بِسَيْفِكَ يُكْشَفُ وقد ذكرها (٢) الشيخ شهاب الدين أبو شامة في "الروضتين" (٣)، وهي أطول من هذه. وذكر أَنَّ أبا الفضائل الحسين بن محمد بن تركان (٤) وزير ابن هبيرة أنشدها للخليفة المستنجد قبل (٥) موته عند تأويل منام رآه بعض الناس للخليفة في هذا المعنى، وأراد بيوسف الثاني الخليفة المستنجد. وهكذا ذكر (٦) ابنُ الجوزي (٧): أنها أُنشدت في حياة المستنجد، ولم يُخطب بها إِلا لابنه المستضيء، فجرى الفأل (٨) باسم الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، [﵀] (٩). وقد أرسل الخليفة المستضيء بأمر الله إِلى الملك نور الدين [خلعة سنيَّة سُنِّية] (١٠)، [لمّا بُشّر بالخطبة له بمصر] (١١)، وكذلك للملك صلاح الدين إِلى الديار المصرية، ومعها أعلام سود، ولواء معقود، ففرّقت على الجوامع (١٢) بالشام وبلاد مصر، فللَّه الحمد على ما منح من العز والنصر. قال ابن أبي طيّ (١٣) في كتابه (١٤): ولما تفرّغ الملك صلاح الدين الملك الناصر من توطيد المملكة، وإِقامة الخطبة العباسية، والتعزية بالقضاء على الدولة العبيدية الزاعمة بأنها فاطمية، استعرض حواصل القصرين، فوجد فيهما من الحواصل والأمتعة والآلات والثياب والملابس والمفارش شيئًا باهرًا وأمرًا هائلًا، فمن ذلك: سبعمائة يتيمة من الجوهر، وقضيب زمرد طوله أكثر من شبر، وسمكة نحو الإبهام،

стр. 6340

وحبل من ياقوت، وإِبريق (١) عظيم من الحجر المانع، وطبل للقولنج إِذا ضرب علية (٢) أحد (٣) يحصل له خروج ريح من دبره ينصرف عنه ما يجده من القولنج، فاتفق أن بعض أمراء الأكراد أخذه في يده، ولم يدر ما شأنه، فلما ضرب عليه حَبَق -أي: ضرط- فألقاه من يده على الأرض، فكسره فبطل أمره. وأما القضيب الزمرد (٤) فإن صلاح الدين (٥) كسره ثلاث فلق، فقسمه بين نسائه، وقسم بين الأمراء شيئًا كثيرًا من قطع البلخش والياقوت والذهب والفضة والأثاث وغير ذلك، ثم باع ما فضل عن ذلك، وجمع عليه أعيان التجار، واستمر (٦) البيع فيما كان (٧) هنالك من الأثاث والأمتعة نحوًا من عشر سنين. وأرسل إِلى الخليفة ببغداد من ذلك هدايا عظيمة سنيَّة نفيسة، وكذلك إِلى الملك نور الدين أرسل إِليه من ذلك جانبًا كبيرًا (٨) صالحًا، وكان لا يدّخر لنفسه شيئًا مما يحصل له من الأموال والغنائم، بل كان يعطي ذلك كله لمن (٩) حوله من الأمراء [والوزراء والملوك والأصحاب، ﵀] (١٠). وكان (١١) مما أرسله إِلى نور الدين ثلاث قطع بلخش، زنة الواحدة أحد (١٢) وثلاثون مثقالًا، والأخرى ثمانية عشر مثقالًا، والثالثة [عشرة مثاقيل، وقيل أكثر] (١٣)، مع لآلئ كثيرة، وستون ألف دينار، وعطر لم يُسمع بمثله. ومن ذلك حمارة (١٤) عتَّابية، وفيل عظيم جدًا. فأرسلت الحمارة إِلى الخليفة في جملة هدايا وتحف هائلة (١٥).
следующие страницы →