← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

في أول جمعة منها أمر (١) الملك (٢) صلاح الدين بإِقامة الخُطبة لبني العباس بمصر (٣)، وفي الجمعة الثانية بالقاهرة، وكان ذلك يومًا مشهودًا. ولما انتهى الخبر إِلى الملك نور الدين بالشام أرسل إِلى الخليفة يعلمه بذلك مع ابن أبي عصرون وهو شهاب الدين (٤) أبو المعالي المطهر (٥)، فزيّنت بغداد، وغلقت الأسواق، وعملت القباب، وفرح المسلمون فرحًا شديدًا. وكانت الخطبة لبني العباس (٦) قد قطعت من ديار مصر من سنة تسع وخمسين وثلاثمائة في خلافة المطيع العباسي حين تغلب الفاطميون عليها (٧) أيام المعزِّ الفاطمي باني القاهرة إِلى هذا الأوان، وذلك مئتا سنة وثماني سنين. قال ابن الجوزي: [وقد ألّفتُ في ذلك كتابًا سمّيته (النصر على مصر)] (٨). موت العاضد آخر الخلفاء (٩) العبيديين والعاضد في اللغة (١٠): القاطع، و (لا يعضد شجرها): لا يقطع (١١). وبه قطعت دولتهم. واسمه: عبد الله، ويُكْنَى بأبي محمد، بن يوسف الحافظ بن محمد المستنصر [بن الظاهر] (١٢) بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور (١٣) بن القائم بن المهدي أول ملوكهم. وكان مولد العاضد في سنة ست وأربعين، فعاش إِحدى وعشرين سنة. وكانت سيرته مذمومة، وكان شيعيًا خبيثًا، لو أمكنه قَتَلَ كل مَنْ قدر عليه من أهل السنة.

стр. 6337

واتفق أنه لما استقر أمر الملك صلاح الدين، رسم بالخطبة لبني العباس عن مرسوم الملك نور الدين له بذلك لمعاتبة (١) الخليفة المستنجد إِياه قبل وفاته في ذلك، وكان العاضد إِذ ذاك مريضًا مدنفًا، فكانت وفاته في يوم عاشوراء، فحضر الملك صلاح الدين جنازته وشهد عزاءه، وبكى عليه وتأسف، وظهر منه حزن كثير عليه (٢). وقد كان مطيعًا له فيما يأمره به، وكان العاضد كريمًا جوادًا ممدَّحًا سامحه الله. ولما مات استحوذ الملك صلاح الدين على القصر بما فيه، وأخرج منه أهل العاضد إِلى دار أفردها لهم، وأجرى عليهم النفقات والأرزاق الهنية، والعيشة الرضية، عوضًا عما فاتهم من الخلافة. وكان صلاح [الدين] (٣) يتندَّم على إِقامة الخطبة [لبني العباس] (٤) بمصر قبل وفاة العاضد، وهلّا صبر بها إِلى ما بعد وفاته (٥)، ولكن كان ذلك قدرًا مقدورًا، وفي الكتاب مسطورًا. ومما نظمه العماد الكاتب (٦) في ذلك (٧): [من المنسرح] تُوُفّيَ العاضِدُ الدَّعِيُّ فَما … يَفْتَحُ ذو بدْعَةٍ بمصْرَ فَما وَعَصْرُ (٨) فِرْعَوْنِها انْقَضَى وغدا … يُوسُفُها في الأُمورِ مُحْتَكِما وَانْطَفَأَتْ (٩) جَمْرَةُ الغُواةِ وَقَدْ … باحَ (١٠) من الشِّرْكِ كُلُّ ما اضْطَرَما وَصَارَ شَمْلُ الصَّلاحِ مُلْتَئِمًا … بِها وعَقْدُ السَّدادِ مُنْتَظما لَمّا غدا مُعْلِنًا (١١) شِعارَ بني الـ … ـعَبّاسِ حَقًّا والباطِل اكتتما وبَاتَ داعي التَّوْحِيدِ مُنْتَصِرًا … وَمِنْ دُعاةِ الإشْراكِ مُنْتَقِما وَظَلَّ أَهْلُ الضَّلالِ في ظُلَلٍ … دَاجِيَةٍ مِنْ غيابةٍ وَعَمَى وَارْتَبَكَ (١٢) الجاهلون في ظُلَمٍ … لَمّا أضَاءَتْ مَنَابِرُ العلما

стр. 6338

وَعَادَ بِالمُسْتَضِيءِ مُعْتَلِيًا (١) … بِناءُ حَقّ قَدْ كانَ (٢) مُنْهَدِما وَاعْتَلَتِ (٣) الدَّوْلَةُ التي اضْطُهِدَتْ … وانْتَصَرَ الدّينُ بَعْدَ مَا اهْتُضِما واهْتَزَّ عِطْفُ الإسْلَامِ مِن جَذَلٍ (٤) … وافترَّ ثَغْرُ الإسْلامِ (٥) وَابْتَسَما وَاسْتَبْشَرَتْ أَوْجُهُ الهُدَى فَرَحًا … فَلْيَقْرَعِ (٦) الكُفْرُ سِنَّهُ نَدَما عَادَ حَريمُ الأَعْداءِ مُنْتَهَكَ الـ … ـــحِمَى وَفَيْءُ الطُّغاةِ مُقْتَسَما قُصُورُ أَهْلِ القُصُورِ أَخْرَبَها … عَامِرُ بَيْتٍ مِنَ الكَمالِ سَما أَزْعَجَ بَعْدَ السُّكونِ (٧) ساكِنَها … ومَاتَ (٨) ذُلًّا وَأَنْفُهُ رَغِمَا ومما قيل من الشعر ببغداد يبشر به الخليفة المستضيء بأمر الله بالخطبة له بمصر وأعمالها (٩): [من الطويل] (١٠) لِيَهْنِكَ يا مَوْلَايَ فَتْحٌ تَتَابَعَتْ … إِليكَ به خوصُ الركائب توجِفُ أَخَذْتَ بهِ مِصْرًا وَقَدْ حَالَ دُونَها … مِنَ الشِّركِ يَأْسٌ (١١) في لَهَى الحَقِّ يَقْذِفُ فَعَادَتْ بِحَمْدِ اللهِ باسْمِ إِمامِنا … تَتِيهُ عَلى كُلِّ البِلادِ وَتَشْرُفُ وَلَا غَرْوَ إِن ذَلَّتْ (١٢) لِيُوسُفَ مِصْرُهُ … وَكَانَتْ إِلى عَلْيَائِهِ تَتَشَوَّفُ تَمَلَّكَها من قَبضَةِ الكُفْرِ يُوسُفٌ … وخَلَّصَها من عُصْبَةِ الرَّفْضِ يُوسُفُ (١٣)

стр. 6339

فشابَهَهُ خُلْقًا وخَلْقًا وعِفَّةً … وَكُلٌّ عَنِ (١) الرَّحْمنِ في الأَرْضِ يَخْلُفُ كَشَفْتَ بها عَن آلِ هاشِمَ سُبَّةً … وَعَارًا أَبَى إِلَّا بِسَيْفِكَ يُكْشَفُ وقد ذكرها (٢) الشيخ شهاب الدين أبو شامة في "الروضتين" (٣)، وهي أطول من هذه. وذكر أَنَّ أبا الفضائل الحسين بن محمد بن تركان (٤) وزير ابن هبيرة أنشدها للخليفة المستنجد قبل (٥) موته عند تأويل منام رآه بعض الناس للخليفة في هذا المعنى، وأراد بيوسف الثاني الخليفة المستنجد. وهكذا ذكر (٦) ابنُ الجوزي (٧): أنها أُنشدت في حياة المستنجد، ولم يُخطب بها إِلا لابنه المستضيء، فجرى الفأل (٨) باسم الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، [﵀] (٩). وقد أرسل الخليفة المستضيء بأمر الله إِلى الملك نور الدين [خلعة سنيَّة سُنِّية] (١٠)، [لمّا بُشّر بالخطبة له بمصر] (١١)، وكذلك للملك صلاح الدين إِلى الديار المصرية، ومعها أعلام سود، ولواء معقود، ففرّقت على الجوامع (١٢) بالشام وبلاد مصر، فللَّه الحمد على ما منح من العز والنصر. قال ابن أبي طيّ (١٣) في كتابه (١٤): ولما تفرّغ الملك صلاح الدين الملك الناصر من توطيد المملكة، وإِقامة الخطبة العباسية، والتعزية بالقضاء على الدولة العبيدية الزاعمة بأنها فاطمية، استعرض حواصل القصرين، فوجد فيهما من الحواصل والأمتعة والآلات والثياب والملابس والمفارش شيئًا باهرًا وأمرًا هائلًا، فمن ذلك: سبعمائة يتيمة من الجوهر، وقضيب زمرد طوله أكثر من شبر، وسمكة نحو الإبهام،

стр. 6340

وحبل من ياقوت، وإِبريق (١) عظيم من الحجر المانع، وطبل للقولنج إِذا ضرب علية (٢) أحد (٣) يحصل له خروج ريح من دبره ينصرف عنه ما يجده من القولنج، فاتفق أن بعض أمراء الأكراد أخذه في يده، ولم يدر ما شأنه، فلما ضرب عليه حَبَق -أي: ضرط- فألقاه من يده على الأرض، فكسره فبطل أمره. وأما القضيب الزمرد (٤) فإن صلاح الدين (٥) كسره ثلاث فلق، فقسمه بين نسائه، وقسم بين الأمراء شيئًا كثيرًا من قطع البلخش والياقوت والذهب والفضة والأثاث وغير ذلك، ثم باع ما فضل عن ذلك، وجمع عليه أعيان التجار، واستمر (٦) البيع فيما كان (٧) هنالك من الأثاث والأمتعة نحوًا من عشر سنين. وأرسل إِلى الخليفة ببغداد من ذلك هدايا عظيمة سنيَّة نفيسة، وكذلك إِلى الملك نور الدين أرسل إِليه من ذلك جانبًا كبيرًا (٨) صالحًا، وكان لا يدّخر لنفسه شيئًا مما يحصل له من الأموال والغنائم، بل كان يعطي ذلك كله لمن (٩) حوله من الأمراء [والوزراء والملوك والأصحاب، ﵀] (١٠). وكان (١١) مما أرسله إِلى نور الدين ثلاث قطع بلخش، زنة الواحدة أحد (١٢) وثلاثون مثقالًا، والأخرى ثمانية عشر مثقالًا، والثالثة [عشرة مثاقيل، وقيل أكثر] (١٣)، مع لآلئ كثيرة، وستون ألف دينار، وعطر لم يُسمع بمثله. ومن ذلك حمارة (١٤) عتَّابية، وفيل عظيم جدًا. فأرسلت الحمارة إِلى الخليفة في جملة هدايا وتحف هائلة (١٥).

стр. 6341

قال ابن أبي طي: ووجد خزانة كتب ليس لها في مدائن الإسلام نظير (١)، تشتمل على نحو ألفي ألف مجلد. قال: ومن عجائب ذلك أنه كان بها ألف ومئتان وعشرون نسخة من تاريخ (٢) الطبري. كذا قال (٣). قال العماد الكاتب (٤): وكانت الكتب قريبة من مئة وعشرين ألف مجلد. وقال ابن الأثير (٥): كان فيها من الكتب بالخطوط المنسوبة مئة ألف مجلد. وقد تسلّمها القاضي الفاضل، فأخذ منها شيئًا كثيرًا مما اختاره وانتخبه. قال: وقسم القصر الشمالي بين الأمراء فسكنوه، وأسكن أباه [نجم الدين] (٦) في قصر عظيم على الخليج يقال له اللؤلؤة الذي فيه بستان الكافوري. وأسكن أكثر الأمراء في دور من كان ينتمي إِلى الفاطميين. ولا يلقى أحد من الأتراك أحدًا من أولئك الذين كانوا بها من الأكابر إِلَّا شلَّحوه ثيابه، ونهبوا داره، حتى تمزَّق كثير منهم في البلاد، وتفرقوا شذر مذر، وصاروا أيادي سبأ. وقد كانت مدة ملك الفاطميين مئتين وثمانين سنة (٧) وكسرًا، فصاروا كأمس الذاهب ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢]. وكان أول من ملك منهم المهدي، وكان من أهل (٨) سَلَمْيَة (٩) حدَّادًا، اسمه سعيد (١٠)، وكان يهوديًا، فدخل بلاد المغرب، وتسمّى بعبيد الله، وادّعى: أَنَّه شريف علوي فاطمي. وقال [عن نفسه] (١١): إِنه المهدي، وقد ذكر هذا غير واحد من سادات العلماء الكبراء، كالقاضي أبي بكر

стр. 6342

الباقلاني والشيخ أبي حامد الإسفراييني، وغير واحد من سادات الأئمة بعد الأربعمائة، كما بسطنا ذلك فيما تقدم. والمقصود: أَنَّ هذا الدعيَّ المدّعي الكذّاب راج له ما افتراه في تلك البلاد، وآزره جماعة من جهلة العبَّاد، وصارت له دولة وجولة وصولة، فتمكّن إِلى أن بنى مدينة سمّاها المهدية، نسبة إِليه، وصار ملكًا مطاعًا، يظهر الرفض، وينطوي على الكفر المحض. ثم كان من بعده ابنه القائم محمد (١)، ثم ابنه المنصور إِسماعيل، ثم ابنه المعز معد، وهو أول من دخل ديار مصر منهم، وبنيت له القاهرة المعزيّة والقصران، ثم ابنه العزيز نزار، ثم ابنه الحاكم منصور، ثم ابنه الظاهر علي (٢)، ثم ابنه المستنصر معد، ثم ابنه المستعلي أحمد، ثم ابنه الآمر منصور، ثم ابن عمّه الحافظ عبد المجيد، ثم ابنه الظافر إِسماعيل، ثم الفائز علي، ثم ابن عمّه العاضد عبد الله، وهو آخرهم. فجملتهم أربعة عشر ملكًا، ومدتهم مئتان ونيف وثمانون سنة، وكانت (٣) عدة خلفاء بني أمية أربعة عشر أيضًا، ولكن كانت مدتهم نيّفًا وتسعين (٤) سنة. وقد نظمتُ هؤلاء وهؤلاء في أرجوزة تابعة لأرجوزة بني العباس عند انقضاء دولتهم ببغداد، في سنة ست وخمسين وستمائة، كما سيأتي، وبالله (٥) الثقة وعليه التكلان. [وقد كان الفاطميون أغنى] (٦) الخلفاء وأكثرهم مالًا، وأجبرهم وأظلمهم، وأنجس الملوك سيرة، وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقلَّ عندهم الصالحون من العلماء (٧) والعبَّاد، وكثر بأرض الشام النّصيريّة والدرزيّة والحشيشيّة، وتغلب الفرنج على سواحل الشام بكماله، حتى أخذوا القدس الشريف (٨) ونابلس وعجلون والغور وبلاد غزة وعسقلان وكرك الشوبك وطبرية وبانياس وصور وعَثْلِيث (٩) وصيدا وبيروت وعكا وصفد وطرابلس وأنطاكية وجميع ما

стр. 6343

والى ذلك إِلى بلاد إِياس (١) وسيس، واستحوذوا (٢) على بلاد آمد والرُّها [ورأس العين] (٣) وبلاد شتّى غير ذلك. وقتلوا من المسلمين خلقًا وأممًا لا يعلمهم (٤) إِلا الله وسبَوا (٥) ذراري المسلمين من النساء والولدان مما لا يُحَدُّ ولا يوصف، وكل هذه البلاد كانت الصحابة قد فتحوها، وصارت دار إِسلام، وأخذوا من أموال المسلمين ما لا يحدّ ولا يوصف. وكادوا مرة أن يتغلبوا (٦) على دمشق، [ولكن صانها الله بعنايته، وسلّمها برعايته] (٧)، وحين زالت أيامهم، وانتقض إِبرامهم، أعاد الله هذه البلاد كلها على [أهلها من السادة المسلمين] (٨) بحوله وقوته وجوده ورحمته، وردّ الله الكفرة خائبين، وأركسهم بما كسبوا في هذه الدنيا ويوم الدين. وقد قال حسان الشاعر المدعو (٩) بعرقلة (١٠): [من الخفيف] أَصْبَحَ المُلْكُ بَعْدَ آلِ عَلِيٍّ … مُشْرِقًا بالمُلُوكِ مِن آل شاذي (١١) وَغَدا الشَّرْقُ يَحْسُدُ الْغَرْبَ (١٢) للقَوْ … مِ ومِصْرٌ تَزْهو عَلَى بَغْدادِ ما حَوَوْها (١٣) إِلا بِعَزْمٍ وَحَزْمٍ (١٤) … وصَلِيلِ الفُولاذِ في الفُولاذِ (١٥) لَا كَفِرْعونَ وَالعَزِيزِ وَمَنْ (١٦) كا … نَ بها كالخَصيب (١٧) والأُسْتاذِ

стр. 6344

قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة (١) ﵀: يعني بالأستاذ: كافورًا الإخشيدي، وقوله: (آل علي) يعني: الفاطميين، على زعمهم، ولم يكونوا فاطميين، وإِنما كانوا أدعياء ينسبون إِلى عبيد، وكان اسمه سعيدًا، وكان يهوديًا حدادًا بسلمية. ثم ذكر ما ذكرناه من كلام الأئمة فيهم، وطعنهم في نسبهم. قال (٢): وقد استقصيت الكلام في ذلك في مختصر تاريخ دمشق في ترجمة (عبد الرحيم (٣) بن إِلياس). ثم ذكر في "الروضتين" في هذا الموضع أشياء كثيرة من قبائحهم (٤)، وما كانوا يجهرون به في بعض الأحيان من الكفريات [والمصائب العظيمات، لعنهم الله. وقد ذكرت أشياء كثيرة في غضون ما سقته من سيرتهم في السنين المتقدمة مما يسدُّ الأسماع وينفِّر الطباع] (٥). قال أبو شامة (٦): وقد أفردت كتابًا سميته: "كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والمكر والكيد". وكذا صنف العلماء في الردّ عليهم كتبًا كثيرة، من أَجَلِّ ما وُضع في ذلك: كتاب القاضي أبي بكر الباقلاني الذي سماه: "كشف الأسرار وهتك الأستار". وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في بني أيوب يمدحهم على ما فعلوه بديار مصر (٧): [من الطويل] أَلَسْتُمْ مُزيلي (٨) دَوْلَةِ الكُفْرِ مِنْ (٩) بني … عُبَيْدٍ بمصرِ إِنَّ هذا هُوَ الكُفْرُ زَنادِقةٌ شيعيَّةٌ باطِنيَّةٌ … مَجوسٌ وما في الصَّالِحِينَ لَهُمْ أَصْلُ يُسِرُّونَ كُفْرًا يُظْهِرونَ تشيُّعًا … لِيَسْتَتِروا (١٠) شَيْئًا وعَمَّهُمُ الجَهْلُ

стр. 6345

[وفي هذه السنة] (١) أسقط الملك صلاح الدين عن أهل مصر المكوس والضرائب، وقرئ المنشور بذلك على رؤوس الأشهاد يوم الجمعة بعد الصلاة ثالث صفر. وفيها: وقعت (٢) نفرة بين الملك (٣) نور الدين والملك صلاح الدين الناصر (٤)، وذلك أن الملك (٥) نور الدين غزا في هذه السنة بلاد الفرنج في السواحل فأحلّ بهم بأسًا شديدًا، وقرَّر في أنفسهم منه نقمة ووعيدًا، ثم عزم على محاصرة الكرك، وكتب إِلى صلاح الدين أن يلتقيه بالعساكر المصرية إِلى بلاد الكرك، ليجتمعا هنالك ويتفقا (٦) على المصالح فيما يعود نفعه (٧) على المسلمين، فتوهّم من ذلك الملك صلاح الدين، وخاف أن يكون لهذا الأمر غائلة يزول بها ما حصل له من التمكّن من بلاد مصر، ولكنه معٍ ذلك ركب في جيشه من [الديار المصرية] (٨) لأجل (٩) امتثال المرسوم، فسار أيامًا، ثم كرَّ راجعًا معتلًّا بقلة الظهر والخوف على اختلال (١٠) الديار المصرية إِذا بعُد منها، واشتغل عنها، وأرسل يعتذر بذلك إِلى السلطان الملك العادل نور الدين ﵀، فوقع في نفسه منه، واشتدّ غضبه عليه، وعزم على الدخول [إِلى الديار المصرية] (١١) وانتزاعها (١٢) من صلاح الدين وتولية (١٣) غيره فيها. ولما بلغ هذا الخبر إِلى صلاح الدين ضاق بذلك ذرعه، وذكر (١٤) ذلك بحضرة الأمراء والكبراء، فبادر ابن أخيه (١٥) تقي الدين عمر، فقال: والله لو قصدنا نور الدين لَنُقاتِلَنّه (١٦)، فشتمه الأمير نجم الدين أيوب والد الملك صلاح الدين، وسبّه وأسكته، ثم قال لابنه: اسمعْ ما أقول لك، والله ما ها هنا أحد أشفق عليك مني ومن

стр. 6346

خالك هذا -يعني شهاب الدين الحارمي- ولو رأينا الملك نور الدين لبادرنا [إِليه ولقبلنا الأرض بين يديه، وكذلك بقية هؤلاء الأمراء والجيش، ولو كتب] (١) إِليَّ أن أبعثك إِليه مع نجّاب لفعلت. ثم أمر من هنالك بالانصراف والذهاب، فلما خلا بابنه قال له: أما لك عقل؟! تذكر مثل هذا بحضرة هؤلاء، فيقول عمر مثل هذا الكلام، وتقرّه عليه!! فلا يبقى عند نور الدين وجهٌ أهمُّ من قصدك وقتالك وخراب ديارنا، ولو قد رآه (٢) هؤلاء لم يبق معك منهم واحد، ولذهبوا كلهم إِليه، ولكن ابعث إِليه، وترقَّق له، وتواضع عنده، وقل له: وأي حاجة إِلى مجيء مولانا السلطان إِلى قتالي؟! ابعث إِليَّ بنجّابٍ أو جَمّال حتى أجيء معه إِلى بين يديك. فبعث إِليه بذلك. فلما سمع نور الدين مثل هذا الكلام لان قلبه له، وانصرفت همّته عنه، واشتغل بغيره ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]. وفيها: اتخذ نور الدين الحَمَام الهوادي، وذلك لامتداد مملكته واتساعها، فإِنه ملك من حدِّ النوبة إِلى همذان لا يتخلّلها إِلا بلاد الفرنج لعنهم الله (٣)، وكلهم تحت قهره وهدنته. فلذلك (٤) اتخذ في كل قلعة وحصن الحمام التي تحمل الرسائل إِلى الآفاق في أسرع مدة وأيسر عدة، وما أحسن ما قال فيهن القاضي الفاضل: الحمام ملائكة الملوك. وقد أطنب في ذلك العماد الكاتب (٥)، وأطرف وأطرب، وأعجب (٦) وأغرب، رحمه الله تعالى. وممن توفي فيها من الأعيان: عبد الله بن أحمد [بن أحمد بن أحمد] (٧)، أبو محمد بن الخشاب (٨): قرأ القرآن، وسمع الحديث، واشتغل بالنحو واللغة حتى ساد أهل زمانه فيهما. وشرح "الجمل" (٩) لعبد القاهر الجرجاني، وكان رجلًا صالحًا متطوّعًا، وهذا نادر في النحاة. [كانت وفاته] (١٠) في

стр. 6347

شعبان من هذه السنة، ودفن قريبًا من الإمام أحمد (١) ورئي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وأدخلني الجنة، إِلا أنه أعرض عني، وعن جماعة من العلماء تركوا العمل، واشتغلوا بالقول. قال القاضي ابن خلكان (٢): وكان مطّرَح الكلفة (٣) في مأكله وملبسه، وكان لا يبالي بمن شرّق أو غرّب، [﵀] (٤). محمد بن محمد [بن محمد] (٥)، أبو المظفر (٦) البَرَويَ (٧): تفقّه على محمد بن يحيى تلميذ الغزالي، وناظر ووعظ ببغداد، وكان يظهر مذهب الأشعري، ويتكلم في الحنابلة ومات في رمضان منها. ناصر بن الخويي (٨) الصوفي (٩): كان يمشي في طلب الحديث حافيًا. توفي ببغداد، ﵀. [ابن قلاقس (١٠) الشاعر]: قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة (١١): وفيها توفي نصر (١٢) بن

стр. 6348

عبد الله، أبو الفتوح الإسكندري، المعروف بابن قلاقس الشاعر بعَيذاب (١)، توفي عن خمسٍ وثلاثين (٢) سنة. [يحيى بن سعدون القرطبي] (٣): والشيخ أبو بكر يحيى بن سعدون القرطبي، نزيل الموصل، المقرئ النحوي، ﵀. [ولادات]: قال (٤): وفيها ولد العزيز (٥) والظاهر (٦) ابنا صلاح الدين، والمنصور (٧) محمد بن تقي الدين عمر. والله (٨) أعلم بالصواب. ثم دخلت سنة ثمان وستين وخمسمائة فيها: أرسل الملك (٩) نور الدين إِلى الملك (١٠) صلاح الدين، [وكان الرسول] (١١) الموفَّق خالد ابن القيسراني، ليقيم له (١٢) حساب الديار المصرية، وذلك لأنَّ نور الدين استقلّ الهديّة التي أرسلها (١٣) إِليه (١٤) من خزائن العاضد، ومقصوده أن يقرر على الديار المصرية خراجًا (١٥) يحمل إِليه في كل عام.

стр. 6349

وفيها: حاصر الملك صلاح الدين الكرك والشوبك، فضيَّق على ساكنيها (١)، وخرّب أماكن كثيرة من معاملتها (٢)، ولكن لم يظفر بها عامه ذلك. وفيها: اجتمعت الفرنج بالشام لقصد مدينة زرع (٣)، فوصلوا إِلى شمسكين (٤)، فبرز إِليهم نور الدين، فهربوا منه إِلى الغور، ثم إِلى السواد (٥)، ثم إِلى الشلالة (٦)، فبعث سرية إِلى طبرية، فعاثوا هنالك، وسبَوا وقتلوا وغنموا، وعادوا [وقد سلّمهم الله] (٧)، ورجع الفرنج (٨) خائبين، لعنهم الله أجمعين. وقد امتدحه العماد الكاتب بقصيدة (٩) طنّانَة في هذه الغزوة. فتح بلاد النوبة وفيها: أرسل الملك صلاح الدين أخاه شمس الدولة توران شاة (١٠) إِلى بلاد النوبة فافتتحها، واستحوذ على معقلها، وهو حصن يقال له إِبريم (١١)، ولمّا رآها بلدة قليلة الجدوى، لا يفي خراجها (١٢) بكلفتها، استخلف على الحصن المذكور رجلًا من الأكراد، ويقال له: إبراهيم، فجعله مقدمًا مقررًا بحصن إبريم، وانضاف إليه جماعة من الأكراد البطالين، فكثرت أموالهم، وحسنت حالهم هنالك، وشنُّوا الغارات، وحصلوا على الغنائم والمسرات، ولله الحمد الذي (١٣) بنعمته تتم الصالحات.

стр. 6350

وفيها: كانت وفاة الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي، والد الملك صلاح الدين. سقط عن فرسه فمات، وستأتي ترجمته في الوفيات إِن شاء الله تعالي. وفيها: سار الملك نور الدين إِلى بلاد عز الدين قليج (١) أرسلان بن مسعود بن قليج بن أرسلان بن سليمان السلجوقي ملك الروم، وتفقّد (٢) في طريقه بلاده، وأصلح ما وجده فيها من الخلل، ثم سار فافتتح مَرْعَشَ (٣) وبَهَسْنا (٤)، وعمل في كل منهما (٥) بالحسنى. قال العماد الكاتب (٦): وفي هذه (٧) السنة وصل الفقيه الإمام الكبير قطب الدين النيسابوري (٨)، وهو فقيه عصره، ونسيج وحده، فسرّ به نور الدين، وأنزله بحلب بمدرسة باب العراق، ثم أطلعه (٩) إِلى دمشق، فدرَّس بزاوية الجامع (١٠) الغربية المعروفة بالشيخ نصر المقدسي، ونزل بمدرسة الجاروق (١١)، وشرع نور الدين في إِنشاء مدرسة كبيرة للشافعية، فأدركه الأجل قبل ذلك. قال أبو شامة (١٢): وهي العادلية الكبيرة التي عمرها بعده (١٣) الملك العادل أبو بكر بن أيوب. وفيها: عاد (١٤) شهاب الدين (١٥) بن أبي عصرون من بغداد، وقد سار (١٦) للهناء بالخطبة العباسية

стр. 6351

بالديار المصرية، ومعه توقيع (١) من الخلافة بإِقطاع درب هارون وصريفين للملك (٢) نور الدين، وقد كانتا قديمًا لأبيه عماد الدين زنكي، فأراد الملك (٣) نور الدين أن يبني (٤) ببغداد مدرسة على حافة (٥) دجلة، ويجعل هذين المكانين وقفًا عليها (٦)، فعاقه القدر عن ذلك (٧)، ﵀. وفيها: جرت (٨) بناحية خوارزم حروب كثيرة بين سلطان شاه وبين أعدائه، تقصّاها (٩) ابن الأثير (١٠) وابن الساعي. وفيها: هزم ملك الأرمن مليح بن ليون (١١) عساكر (١٢) الروم، وغنم منهم شيئًا كثيرًا، وبعث إِلى نور الدين بأموال كثيرة من ذلك، وبثلاثين رأسًا من رؤوسهم (١٣)، فأرسلها نور الدين إِلى الخليفة المستضيء بأمر الله العباسي. وفيها: بعث الملك صلاح الدين سرية صحبة قراقوش (١٤) مملوك تقي الدين عمر بن شاهنشاه إِلى بلاد إِفريقية، فملكوا طائفة كبيرة (١٥) منها، من ذلك مدينة طرابلس الغرب وعدة مدن معها. وممن توفي فيها من الأعيان: إِيلدكز (١٦) التركي (١٧) الأتابك (١٨) صاحب أذربيجان وغيرها:

стр. 6352

كان مملوكًا لكمال السُّمَيْرمي (١) وزير السلطان محمود، فلما قتله محمود حظي إِيلدكز هذا عند السلطان محمود، ثم علا أمره، وتمكّن حتى ملك بلاد أذربيجان وبلاد الجبل وغيرها، وكان عادلًا منصفًا شجاعًا محسنًا إِلى الرعية، ﵀، توفي في هذه السنة بهمذان. الأمير نجم الدين، أبو الشكر، أيوب بن شاذي (٢): والد الملوك بني أيوب، الكردي الدُّزْداري (٣)، وهم من خيار الأكراد، الدُّوِيني، نسبة إِلى دُوِين (٤)، شمالي بلاد أذربيجان مما يلي الكَرَج. ومنهم من يقول: أيوب بن شاذي بن مروان. وزاد بعضهم بعد مروان: ابن يعقوب، والذي عليه جمهورهم (٥) أنه لا يعرف بعد شاذي أحد في نسبهم، وأغرب بعضهم فزعم: أنهم من سلالة مروان بن محمد الجعدي آخر خلفاء بني أمية، وهذا ليس بصحيح، والذي نُسب (٦) إِليه ادعاء (٧) هذا هو الملك أبو الفداء إِسماعيل بن طغتكين بن أيوب بن شاذي، ويعرف بابن سيف (٨) الإسلام، وقد ملك اليمن بعد أبيه، فتعاظم في نفسه، وادّعى الخلافة، وتلقّب بالإمام الهادي بنور (٩) الله، [المعز لدين الله، أمير المؤمنين، وزعم أنه أموي. ومدحه الشعراء وأطروه] (١٠)، ولهجوا (١١) بذلك. وقال هو في ذلك أيضًا (١٢): [من الطويل] وَإِنِّي أَنا الهادي الخَلِيفَةُ وَالَّذي (١٣) … أَدوسُ رقابَ الغُلبِ (١٤) بالضُمَّرِ الجُرْدِ (١٥) ولا بُدَّ من بَغْدادَ أطوي رُبوعَها … وأَنْشُرُها نَشْرَ السَّماسِرِ (١٦) للبُرْدِ

стр. 6353

وأَنْصُبُ أَعْلامي عَلى شُرُفاتِها … وَأُحْيِى (١) بها ما كانَ أَسَّسَهُ جَدّي (٢) ويُخْطَبُ لي فيها على كُلِّ منبَرٍ … وأُظْهِرُ دِينَ (٣) اللهِ في الغَوْرِ والنَّجْدِ وهذا الادعاء (٤) ليس بصحيح، ولا أصل (٥) له يعتمد عليه، ولا مستند يستند إِليه. والمقصود أن الأمير نجم الدين كان أسنَّ من أخيه أسد الدين شيركوه، ولد بأرض الموصل. وكان الأمير نجم الدين شجاعًا باسلًا (٦)، خدم (٧) الملك محمد بن ملكشاه، فرأى فيه شهامة وأمانة، فولّاه قلعة تكريت، فحكم فيها، فعدل، وكان من أكرم الناس. ثم أقطعها الملك لمجاهد الدين بِهْرُوز (٨) شحنة العراق، فاستمر فيها، فاجتاز به في بعض الأحيان الملك عماد الدين زنكي منهزمًا من قراجا الساقي (٩) فآواه وخدمه خدمة بالغة (١٠) تامة، وداوى جراحة (١١) وأقام عنده مدة خمسة عشر يومًا، ثم ارتحل إِلى بلده الموصل. ثم اتفق أن نجم الدين أيوب عاقب رجلًا نصرانيًا فقتله، وقيل: إِنما قتله أخوه أسد الدين شيركوه. وهذا بخلاف الذي ذكره القاضي ابن خلكان (١٢)، فإِنه قال: رجعت جارية من بعض الخدم، فذكرت له أنه تعرّض لها اسفهسلار الذي بباب القلعة، فخرج إِليه أسد الدين شيركوه، فطعنه بحربة، فقتله. فحبسه أخوه نجم الدين أيوب (١٣)، وكتب إِلى مجاهد بِهْروز، يخبره بصورة الحال، فكتب إِليه يقول:

стр. 6354

(إِن أباكما كانت له عليّ خدمة -وكان قد استنابه في هذه القلعة قبل ابنه نجم الدين أيوب- وإِنىِ أكره أن أسوءكما، ولكن انتقلا منها). فأخرجهما بِهْرُوز من قلعته. وفي ليلة خروجه منها ولد له الملك الناصر صلاح الدين يوسف. قال: فتشاءمت به لفقدي بلدي ووطني، فقال له بعض الناس: قد ترى ما أنت فيه من التشاؤم بهذا المولود، فما يؤمِّنك أن يكون هذا المولود ملكًا عظيمًا له صيت كبير (١)، فكان كذلك (٢). فاتصلا بخدمة الملك عماد الدين زنكي أبي نور الدين، ثم كانا عند ابنه نور الدين محمود الملك العادل، وتقدما عنده، وعظما، واستناب (٣) نور الدين نجمَ الدين أيوبَ على بعلبك، وكان أسد الدين من أكبر أمرائه، ولما تسلّم (٤) بعلبك أقام بها مدة طويلة، وولد له بها أكثر أولاده. ثم كان من الأمر (٥) ما ذكرناه في دخولهم (٦) الديار المصرية، وصيرورة الأمير نجم الدين أيوب (٧) إِلى ابنه بها في سنة أربع وستين. ثم اتفق أنه في ذي الحجة سقط، ومات بعد ثمانية أيام، في اليوم السابع والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة، وكان ابنه الملك الناصر (٨) صلاح الدين محاصرًا (٩) للكرك والشوبك، فلما وصله الخبر تألّم لعدم حضوره ذلك، وأرسل يتحرّق ويتحزّن، وأنشد يقول: [من الكامل] وَتَخَطَّفَتْهُ (١٠) يَدُ الرَّدَى في غَيْبَتي … هَبْني (١١) حَضَرْتُ، فَكُنْتُ ماذا أَصْنَعُ وقد كان نجم الدين أيوب، كثير (١٢) الصلاة والصيام والصدقة، كريم النفس، جوادًا ممدَّحًا. قال القاضي ابن خلكان (١٣): وله خانقاه بالديار المصرية، ومسجد وقناة خارج باب النصر

стр. 6355

من (١) القاهرة، وقفها في سنة ست وستين. قلت: وله بدمشق خانقاه أيضًا تعرف بالنجمية (٢). وقد استنابه ابنه على الديار المصرية حين خرج إِلى الكرك، وحكمه (٣) في الخزائن. وكان من أكرم الناس. وقد امتدحه الشعراء، كالعماد [الكاتب، وعرقلة، وعمارة اليمني] (٤)، وغير واحد (٥). ورثَوه حين مات بمراثٍ كثيرة. وقد ذكر ذلك مستقصىً الشيخ شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الروضتين" (٦). ولما مات دفن مع أخيه أسد الدين شيركوه بدار الإمارة، ثم نقلا إِلى المدينة النبوية في سنة ثمانين، فدفنا بتربة (٧) الوزير جمال الدين (٨) الموصلي الذي كان مؤاخيًا لأسد الدين شيركوه، [وهو الجمال المتقدِّم ذِكره الذي ليس بين تربته ومسجد النبي ﷺ إِلا مقدار سبعة عشر ذراعًا، فدفنا عنده] (٩). [الحسن (١٠) بن صافي] (١١): قال (١٢) الشيخ شهاب الدين أبو شامة: وفي هذه السنة توفي ملك النحاة الحسن بن صافي.

стр. 6356

يزدن التركي (١): كان من أكابر أمراء بغداد المتحكِّمين في الدولة، ولكنه كان رافضيًا خبيثًا متعصبًا للروافض، وكانوا في خفارته (٢) وجاهه، حتى أراح الله المسلمين منه في هذه السنة في ذي الحجة منها. ودفن بداره، ثم نقل إِلى مقابر قريش، ولله الحمد والمنة. وحين مات فرح أهل السُّنَّة بموته فرحًا شديدًا، وأظهروا الشكر لله، فلا تجد أحدًا منهم إِلا يحمد الله، فغضب (٣) الشيعة من ذلك، ونشأت بينهم فتنة بسبب ذلك. وذكر ابن الساعي في "تاريخه" أنه كان في صغره شابًا حسنًا مليحًا معشوقًا للأكابر من الناس. قال: ولشيخنا أبي اليمن الكندي (٤) فيه، وقد رمدت عينه: [من الطويل] بِكُلِّ صَباحٍ لي وكُلِّ عَشِيَّةٍ … وُقوفٌ عَلَى أَبْوَابِكُمْ وَسَلامُ وَقَدْ قِيلَ لي يَشْكُو سَقامًا بِعينِهِ … فَهَا نَحْنُ منها نَشْتكي ونُضامُ (٥) ثم دخلت سنة تسع وستين وخمسمائة قال ابن الجوزي في "المنتظم" (٦): إِنه سقط عندهم ببغداد (٧) بَرَدٌ كبار كالنارنج، ومنه ما وزنه سبعة أرطال، ثم أعقب (٨) ذلك [سيل عظيم (٩) وزيادة عظيمة بدجلة (١٠)، لم يعهد مثلها أصلًا، فخرَّبت (١١) شيئًا كثيرًا (١٢) من العمران والقرى والمزارع حتى القبور، وخرج الناس إِلى الصحراء، وكثر

стр. 6357

الضجيج والابتهال إِلى الله [في الدعاء] (١)، حتى فرّج الله ، وتناقصت زيادة الماء، [فلله الحمد رب الأرض والسماء] (٢). قال (٣): وأما الموصل فإِنه كان بها نحوٌ مما (٤) كان ببغداد أو أكثر، وانهدم بالماء نحو من ألفي دار، واستهدم بسببه مثل ذلك، وهلك تحت الهدم (٥) خلق كثير. وكذلك الفرات زادت زيادة عظيمة أيضًا، فهلك بسببها شيء كثير من القرى، وغلت الأسعار بالعراق في هذه السنة في الزروع والثمار، ووقع المُوتان (٦) في الغنم، وأصيب كثير (٧) ممن أكل منها بالعراق وغيرها. قال ابن الساعي: وفي رمضان (٨) توالت الأمطار بديار بكر والموصل أربعين صباحًا (٩)، لم يروا الشمس فيها سوى مرتين لحظتين يسيرتين، ثم تستتر بالغيوم، فتهدَّمت البيوت والمساكن (١٠) على أهلها، وزادت الدجلة بسبب ذلك زيادة عظيمة، وغرق كثير (١١) من مساكن بغداد والموصل، ثم تناقص الماء بإِذن الله . قال ابن الجوزي: وفي رجب وصل ابن الشهرزوري (١٢) من عند نور الدين ومعه ثياب من ثياب المصريين (١٣) وحمارة ملوّنة، جلدها مخطط مثل الثوب العتّابي. قال: وفيها عزل ابن الشاشي عن تدريس النظامية، ووَلِيَ (١٤) أبو الخير القزويني. قال: وفي جمادى الآخرة اعتُقل المجير (١٥)، الفقيه، ونسب إِلى الزندقة والانحلال وترك الصلاة

стр. 6358

والصوم. ثم تعصب (١) له ناس (٢) وزكَّوْه، وأُخرج (٣). وذكر أنه وعظ بالحَرْبيَّةِ (٤) ذات يوم فاجتمع عنده قريب (٥) من ثلاثين ألفًا (٦). قال ابن الساعي: وفيها سقط أبو العباس أحمد بن أمير المؤمنين المستضيء من قُبَّة شاهقة إِلى الأرض، فسلم، ولله الحمد، ولكن نبت (٧) يده اليمنى وساعد يده اليسرى، وانسلخ شيء من أنفه، وكان معه خادم أسود يقال له نجاح، فلما رأى سيده قد سقط ألقى هو نفسه أيضًا خلفه، وقال: لا حاجة لي بالحياة بعده، فسلم أيضًا. فلما صارت الخلافة إِلى أبي العباس الناصر -وهذا هو الذي سقط- كان لا ينساها (٨) لنجاح، فحكّمه في الدولة، وأحسن إِليه وقد كانا صغيرين لمّا سقطا. وفيها: سار الملك نور الدين نحو بلاد الرُّوم، وفي خدمته الجيش، وملك الأرمن، وصاحب ملطية، وخلق من الملوك والأمراء، وافتتح عدة من حصونهم، ولله الحمد. وحاصر قلعة الروم، فصانعه (٩) صاحبها بخمسين ألف دينار جزية. ثم عاد إِلى حلب، وقد أنجح (١٠) في كل ما طلب، ثم عاد (١١) إِلى دمشق مؤيَّدًا منصورًا، مسرورًا محبورًا. [وفي هذه السنة] (١٢) كان فتح بلاد اليمن للملك صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكان سبب ذلك: أن صلاح الدين بلغه أن بها رجلًا يقال له عبد النبي بن مهدي قد (١٣) تغلب عليها، ودعا إِلى نفسه، وتسمّى بالإمام، ويزعم (١٤) لأصحابه أنه سيملك (١٥) الأرض كلها، وقد كان أخوه علي بن مهدي تغلَّب

стр. 6359

قبله على اليمن، وانتزعها من أيدي أهل زَبيد، ومات سنة ستين، فملك (١) بعده أخوه هذا، وكلٌّ منهما كان (٢) سيء السيرة والسريرة، فعزم الملك (٣) صلاح الدين، لكثرة جيشه وقوته، على إِرسال (٤) سرية إِليه، وكان أخوه الأكبر شمس (٥) الدولة توران شاه شجاعًا مهيبًا بطلًا، وكان ممن يجالسه (٦) عمارة اليمني الشاعر، فكان عمارة ينعت له بلاد اليمن وحسنها (٧)، وكثرة خيرها، فحداه ذلك إِلى أن خرج في هذه (٨) السرية في رجب من هذه السنة، فورد مكة، شرّفها الله، فاعتمر بها، ثم سار منها إِلى زَبيد، فخرج إِليه عبد النبي، فقاتله، فهزمه (٩) تورانشاه، وأسره وأسر زوجته الحرة، وكانت ذات أموال جزيلة، فاستقرّها على أشياء جزيلة (١٠)، وذخائر جليلة. ونهب الجيش زَبيد، ثم سار إِلى عدن، فقاتله ياسر (١١) ملكها، فهزمه تورانشاه، وأسره، وأخذ البلد بيسير من الحصار، ومنع الجيش من نهبها، وقال: ما جئنا لتخريب (١٢) البلاد، وإِنما جئنا لعمارتها وملكها. ثم سار في الناس سيرة حسنة عادلة، فأحبّوه، ثم تسلّم بقية الحصون والمعاقل والمخاليف (١٣)، واستوسق له ملك اليمن بحذافيره، وألقى إِليه بأفلاذ كبده ومطاميره. وخطب فيها للخليفة العباسي أبي محمد الحسن المستضيء، وقُتل الدعيُّ المسمى بعبد النبي، وصفت اليمن من أكدارها، وعادت إِلى ما سبق من مضمارها، وكتب بذلك إِلى أخيه الملك الناصر صلاح الدين يخبره بما فتح الله عليه، وأحسن إِليه، فكتب بذلك الملك صلاح الدين (١٤) إِلى الملك نور الدين، [فأرسل نور الدين بذلك إِلى الخليفة] (١٥) يبشِّره بفتح اليمن والخطبة له (١٦) بها.

стр. 6360

وفيها: خرج الموفَّق خالد بن القيسراني من الديار المصرية، وقد أقام له الملك الناصر حساب الديار المصرية وما خرج من الحواصل حسب ما رسم به الملك نور الدين كما تقدم ذِكره، وقد كاد الملك الناصر صلاح الدين لما جاءته الرسالة بذلك يظهر شق العصا، ويكاشر (١) بالمخالفة والإباء، ولكن عاد إِلى طباعه الحسنة، وأظهر الطاعة المستحسنة، وأمر بكتابة الحساب، وتحرير الكتاب والجواب، فامتثل ذلك جماعة الدواوين والحساب والكُتّاب، وبعث مع ابن (٢) القيسراني بهدية سنية وتحف هائلة هنية. فمن ذلك خمس ختمات شريفات معظَّمات بخطوط منسوبات (٣)، ومئة عقد من الجواهر المثمنات خارجًا عن قطع (٤) البلخش واليواقيت (٥)، والفصوص والثياب الفاخرات، والأواني والأباريق والصحاف (٦) الفضِّيات، والخيول المسوَّمات، والغلمان والجواري الحسان والحسنات، والذهب (٧) في عشرة صناديق مثقلات مختومات، مما لا يُدْرَى كم عدة ما فيها من مئين ألوف ومئات (٨) من الذهب المصري المعدّ للنفقات. فلما وصلت العير من الديار المصرية لم تصل إِلى الشام حتى كانت وفاة (٩) الملك نور الدين، ﵀ ربُّ الأرضين والسماوات، فأرسل الملك الناصر صلاح الدين مَن ردها عليه، وأعادها إِليه (١٠). ويقال: إِن منها ما عدي عليه، وعلم بذلك حين استقرت (١١) بين يديه. مقتل عمارة بن أبي الحسن بن زيدان (١٢) الحكمي من قحطان، أبو محمد الملقب بنجم الدين اليمني (١٣) الشاعر الفقيه (١٤) الشافعي: [وسبب قتله أنه اجتمع] (١٥) جماعة من رؤوس الدولة الفاطمية

стр. 6361

الذين كانوا حكَّامًا، فاتفقوا فيما بينهم أن يعيدوا (١) الدولة الفاطمية، فكتبوا إِلى الفرنج يستدعونهم إِليهم، وعينوا خليفة من ذرية (٢) الفاطميين ووزيرًا وأمراء، وذلك في غيبة السلطان ببلاد الكرك، ثم اتفق مجيئه، فحرَّض عمارة اليمني شمس الدولة تورانشاه على المصير (٣) إِلى اليمن ليضعف (٤) بذلك الجيش عن مقاومة الفرنج إِذا قدموا لنصرة الفاطميين، فخرج توران شاه، ولم يخرج معه عمارة اليمني (٥)، بل أقام بالقاهرة يفيض في هذا الحديث، ويداخل المتكلمين فيه، ويصافيهم (٦)، وكان من أكابر الدعاة إِليه، والمحرّضين عليه، هذا وقد أدخلوا معهم في هذا الأمر بعض من (٧) ينسب (٨) إِلى الملك الناصر صلاح الدين، وذلك من قلة عقلهم، وكثرة جهلهم، وتعجيل دمارهم. فخانهم أحوج ما كانوا إِليه وهو الشيخ زين الدين علي بن نجا الواعظ [جاء إِلى السلطان الملك الناصر، فأخبره بما تمالأ القوم عليه، وبما انتهى أمرهم إِليه] (٩)، فأطلق له السلطان أموالًا جزيلة، وأفاض عليه حللًا جميلة. ثم استدعاهم السلطان واحدًا واحدًا، فقرّرهم فأقرّوا بذلك، فاعتقلهم، ثم استفتى (١٠) الفقهاء في أمرهم فأفتوه بقتلهم، وتبديد شملهم، ثم عند ذلك أمر (١١) بقتل رؤوسهم وأعيانهم دون أتباعهم وغِلمانهم، وأمر بنفي مَنْ بقي من جيش العبيديين إِلى أقاصي (١٢) البلاد. وأفرد ذرية (١٣) العاضد وأهل بيته في دار، فلا (١٤) يصل إِليهم إِصلاح ولا إِفساد، وأجرى عليهم ما يليق بهم من الأرزاق والثياب كفايتهم. وقد كان عمارة معاديًا للقاضي الفاضل، فلما أُحضر (١٥) بين يدي السلطان قام القاضي الفاضل

стр. 6362

إِلى (١) السلطان ليشفع فيه عنده، فتوهّم عمارة أنه يتكلَّم (٢) فيه، فقال: يا مولانا السلطان لا تسمع منه، فغضب القاضي الفاضل، وخرج من القصر، فقال له السلطان: إِنه إِنما كان يشفع فيك (٣)، فندم ندمًا عظيمًا، ولما ذُهب به ليصلب اجتاز (٤) بدار القاضي الفاضل، فطلبه فتغيب عنه، فأنشد عند ذلك: [من مجزوء الكامل] (٥) عَبْدُ الرَّحِيمِ (٦) قَدِ احْتَجَبْ … إِنَّ الخَلاصَ هُوَ العَجَبْ قال ابن أبي طي: وكان الذين صُلبوا: ١ - الفضل (٧) بن كامل القاضي: وهو أبو القاسم هبة الله بن عبد الله بن كامل قاضي قضاة الديار المصرية زمن الفاطميين ويلقب بفخر الأمناء، وكان أول من صلب فيما قاله العماد الكاتب. وكان ينسب إِلى فضيلة وأدب، وله شعر رائق، فمن ذلك قوله في غلام رفَّاء (٨): [من مخلّع البسيط] يا رافِيًا خَرْقَ كُلِّ ثَوْبِ … ويَا رَشا (٩) حُبُّه اعْتِقادِي عَسَى بِكَفِّ الوِصالِ تَرْفُو … ما مَزَّقَ الهَجْرُ من فُؤَادِي ٢ - وابن عبد القوي (١٠) داعي الدعاة، وكان يعلم بدفائن القصر، فعوقب ليدلّ عليها (١١)، فامتنع من ذلك، فمات واندرست.

стр. 6363

٣ - والعوريس (١) الذي (٢) كان ناصر الديوان وتولّى مع ذلك القضاء. ٤ - وشبريا (٣) وهو (٤) كاتب السر. ٥ - وعبد الصمد (٥) القشّة (٦) الكاتب، وهو أحد أمراء المصريين. ٦ - ونجاح الحمامي (٧). ٧ - ورجل منجم نصراني (٨) أرمني، كان قد بشّرهم بأن هذا الأمر يتم بعلم النجوم. ٨ - وعمارة اليمني الشاعر، وقد كان (٩) شاعرًا مطبقًا بليغًا فصيحًا، لا يُلحق شأوه في هذا الشأن. وله ديوان شعر مشهور. وقد ذكرته في "طبقات الشافعية" لأنه كان (١٠) يشتغل بمذهب الشافعي، وله تصنيف (١١) في الفرائض، وكتاب الوزراء الفاطميين، وكتاب جمع فيه سيرة نفيسة (١٢) التي كان يعتقدها عوام مصر. وقد كان أديبًا فاضلًا فقيهًا فصيحًا، غير أنه كان ينسب إِلى موالاة الفاطميين، وله فيهم وفي وزرائهم وأمرائهم مدائح كثيرة جدًا، وأقلّ ما كان ينسب (١٣) إِلى الرفض، وقد اتُّهم باطنة (١٤) بالكفر المحض.

стр. 6364

وذكر العماد في الخريدة (١) أنه قال في قصيدته التي يقول في أولها: [من البسيط] العِلْمُ مُذْ كانَ مُحْتاجٌ إِلى العَلَمِ … وشَفْرَةُ السَّيْفِ تَسْتَغْنِي عَنِ القَلَمِ وهي طويلة جدًا، فيها كفر وزندقة كثيرة، قال فيها (٢): قَدْ كان أوَّلُ هذا الدّينِ مِنْ رَجُلٍ … سَعَى إِلى أَنْ دَعَوْهُ سَيِّدَ الأُمَمِ قال العماد: فأفتى علماء مصر (٣) بقتله، وحرّضوا السلطان على المثلة بمثله (٤). ويجوز أن يكون هذا البيت معمولًا عليه، فالله أعلم (٥). وقد أورد ابن الساعي شيئًا من رقيق شعره، فمن ذلك قوله يمدح بعض الملوك (٦): [من الكامل] مَلِكٌ إِذا قَابَلْتُ بِشْرَ جَبِينِهِ … فارَقْتُهُ والبِشْرُ فَوْقَ جَبِيني وَإِذا لَثَمْتُ يَمينَهُ وَخَرَجْتُ مِنْ … أبْوَابِهِ (٧) لَثَمَ المُلوكُ يَمِيني ومن ذلك قوله يتغزَّل (٨): [من البسيط] لي في هَوَى الرَّشَأِ العُذْرِيِّ أَعْذارُ … لَمْ يَبْقَ لي مُذْ أَقَرَّ (٩) الدَّمْعُ إِنْكارُ لي في القُدودِ وفي لَثْمِ الخُدودِ وَفي … ضَمِّ النُّهودِ لُباناتٌ وأَوْطارُ هذا اخْتِياري فَوافِقْ إِنْ رَضيتَ بهِ … أَوْ لَا فَدَعْنِي بما (١٠) أَهْوَى وَأَخْتارُ ومما أنشده الشيخ تاج الدين الكندي في عمارة اليمني حين صلب (١١): [من الطويل] عُمارَةُ في الإسلامِ أَبْدَى خِيانة (١٢) … وبَايَعَ فيها بيعةً وصَلِيبا

стр. 6365

وأمسى شريك الشرك في بغض (١) أحمد … فأَصْبَحَ (٢) في حُبِّ الصَّليبِ صَليبا وَكَانَ خَبيثَ المُلْتَقَى إِنْ عَجَمْتَهُ … تَجِدْ منهُ عُودًا في النّفاقِ صَليبا (٣) سَيَلْقَى غداً ما كانَ يَسْعَى لأجْلهِ … ويُسْقَى صَديدًا في لَظىً وصَلِيبا قال الشيخ [شهاب الدين] (٤) أبو شامة (٥): فالأول: صليب النصارى، والثاني: صليب بمعنى مصلوب، والثالث بمعنى القوي (٦)، والرابع هو ودَك العظام. ولما صلب الملك الناصر هؤلاء، وكان ذلك يوم السبت الثاني من شهر رمضان من هذه السنة، [بين العقرين من القاهرة] (٧)، كتب إلى الملك نور الدين يعلمه بما وقع منهم، [وما أوقع] (٨) بهم من الخزي والنكال. قال العماد (٩) الكاتب: فوصل الكتاب بذلك الأمر يوم توفي الملك نور الدين، رحمه الله تعالى (١٠). وكذلك قتل الملك صلاح الدين رجلًا من أهل إِسكندرية (١١)، يقال له: قديد القفاص (١٢)، كان قد افتُتن به الناس، وجعلوا له جزءًا من أكسابهم، حتى النساء من أموالهن، فأحيط به، فأراد الخلاص (١٣)، ولات حين مناص، فقتِل أُسوة فيمن سلف، ولقد كان بئس الخلف، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة. ومما وجد من شعر عمارة يرثي العاضد ودولته وأيامه (١٤): [من الكامل]

стр. 6366

أَسَفي على زمنِ الإمامِ العاضِدِ … أَسَفَ العَقيمِ على فِراقِ الواحِدِ جالَسْتُ مِنْ وزرائِهِ وصحبتُ من … أُمَرائِهِ أهلَ الثناءِ الخالدِ (١) لهفي على حُجُراتِ قَصْرِكَ إِذْ خَلَتْ … يابْنَ النبيِّ من ازْدِحامِ الوافِدِ وَعَلَى انْفِرادِكَ من عَساكركَ التي (٢) … كانوا كأَمْواجِ الخِضَمِّ الرَّاكِدِ قَلَّدتَ مُؤْتَمَن (٣) الخِلافَةِ أَمْرَهم … فكبا وقصَّر عن صَلاحِ الفاسِدِ فَعَسى اللَّيالي أنْ تردّ إِلَيْكُمْ (٤) … ما عَوَّدَتْكُمْ من جَميلِ عَوائِدِ وله في جملة (٥) قصيدة (٦): [من البسيط] يا عاذِلي في هَوَى أبناءِ فاطمةٍ … لكَ الملامةُ إِنْ قَصَّرتَ في عَذَلي بالله زُرْ ساحةَ القَصْرينِ وابْكِ معي … عليهما لا عَلى صفّين (٧) والجَمَلِ وقُلْ لأَهْلِهما واللهِ ما الْتَحَمتْ … فيكم قُروحي ولا جَرْحي بمُنْدَمِلِ ماذا تُرى كانَتْ الإفْرَنجُ فاعِلةً … في نَسْلِ آل (٨) أميرِ المؤمنينَ علي وقد أورد الشيخ شهاب الدين أبو شامة في "الروضتين" [من أشعار عمارة اليمني ومدائحه في الخلفاء الفاطميين وذويهم شيئًا كثيرًا] (٩). وكذا القاضي ابن خلِّكان. ابن قُرْقُول (١٠): إِبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس بن القائد الحَمْزي (١١)، أبو إِسحاق، ابن قُرْقول الأندلسي، صاحب كتاب "مطالع الأنوار" الذي وضعه على كتاب "مشارق

стр. 6367

الأنوار" للقاضي عياض، وكان من علماء بلادهم وفضلائهم المشهورين. مات فجأة بعد صلاة الجمعة سادس شوال [من هذه] (١) السنة عن أربع وستين سنة. قاله ابن خلكان (٢). فصلٌ: في وفاة الملك العادل نور الدين (٣) محمود بن زنكي [بن آقسنقر التركي السلجوقي في هذه السنة، ﵀] (٤)، وذكر شيء من سيرته العادلة، وأيامه الكاملة هو الملك العادل نور الدين أبو القاسم (٥) محمود بن الملك الأتابك قسيم الدولة عماد الدين أبي سعيد زنكي الملقب بالشهيد بن الملك آقسُنْقُر الأتابك الملقب بقسيم الدولة أيضًا التركي السُّلجوقي مولاهم. ولد وقت طلوع الشمس من (٦) يوم الأحد السابع عشر من شوال سنة إِحدى عشرة وخمسمائة بحلب. ونشأ في كفالة والده صاحب حلب والموصل وغيرهما من البلدان الكثيرة. وتعلم القرآن (٧) والفروسية والرمي. وكان شهمًا شجاعًا، ذا همة عالية، وقصد صالح، وحرمة وافرة، وديانة متينة (٨). فلما قُتل أبوه سنة إِحدى وأربعين، وهو محاصِرٌ جَعْبر (٩) كما ذكرنا، صار المُلك بحلب إِلى ابنه محمود هذا، وأُعطي أخوه سيف الدين غازي الموصل كما تقدم، ثم افتتح الملك نور الدين دمشق في سنة تسع وأربعين، فأحسن إِلى أهلها، وبنى لهم المدارس والمساجد والربط، ووسَّعَ لهم الطرق والأسواق (١٠)، ووضع المكوس بدار البطيخ والغنم والفرضة (١١)، وغير ذلك.

стр. 6368

وكان حنفيَّ المذهب، يحبّ العلماء والفقراء ويكرمهم ويحترمهم ويحسن إِليهم. وكان يقوم في أحكامه بالمعدلة الحسنة، واتّباع الشرع المطهَّر، ويعقد مجالس العدل، ويتولّاها بنفسه، ويجتمع إِليه في ذلك القاضي والفقهاء والمفتون (١) من سائر المذاهب. ويجلس في يوم الثلاثاء بالمسجد المعلَّق الذي بالكشك (٢)، ليصل إِليه كلّ أحد (٣) من المسلمين وأهل الذمة، حتى نساؤهم (٤). وأحاط السور على حارة اليهود، وكان خرابًا. وأغلق باب كيسان (٥) وفتح باب الفرج، ولم يكن هناك قبله باب بالكلية. وأظهر ببلاده السنّةَ وأمات البدعةَ، وأمر بالتأذين بحلب (٦) بحيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح. ولم يكن (٧) يؤذّن بهما في دولَتيْ أبيه وجده، وإِنما كان يؤذَّن بحيّ على خير العمل، لأنَّ شعار الروافض (٨) كان ظاهرًا بها. وأقام الحدود، وفتح الحصون، وكسر الفرنج غير مرة (٩)، واستنقذ من أيديهم معاقل كثيرة من الحصون المنيعة التي كانوا قد استحوذوا عليها من بلاد (١٠) المسلمين، كما تقدم بسط ذلك في السنين المتقدمة [في أيامه] (١١). وأقطع أمراء العرب إِقطاعات (١٢) لئلا يتعرّضوا للحجيج. وبنى بدمشق مرستانًا حسنًا لم يُبْنَ في الشام قبله مثله (١٣) ولا بعده مثله أيضًا. ووقف وقفًا على مَنْ يعلّم الأيتام الخط والقراءة، وجعل لهم نفقة وكسوة، وعلى من يقرئ الأيتام القرآن، وعلى المجاورين بالحرمين. [وله أوقاف دارَّةٌ على جميع أبواب الخير، وعلى الأرامل والمحاويج] (١٤).

стр. 6369

وكان الجامع داثرًا فولّى نظره القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري الموصلي (١) الذي قدم به فولاه قضاء القضاة بدمشق، فأصلح أموره، وفتح المشاهد الأربعة، وقد كانت حواصل الجامع بها من حين احترقت في سنة إِحدى وستين وأربعمائة، وأضاف إِلى أوقاف [الجامع المعلومة الأوقاف] (٢) التي لا يعرف واقفوها، ولا يعرف شروطهم فيها، وجعلها قلمًا واحدًا، وسمّاه (٣): مال المصالح، ورتب عليه لذوي الحاجات والفقراء والمساكين والأرامل والأيتام وما أشبه ذلك وشاكله. وقد كان الملك نور الدين ﵀ حسن الخطّ، كثير المطالعة للكتب الدينية، متَّبعًا للآثار النبويّة، محافظًا على الصلوات في الجماعات (٤)، كثير التلاوة، محبًا لفعل الخيرات، عفيف البطن والفرج، مقتصدًا في الإنفاق على نفسه وأهله وعياله في المطعم والملبس، حتى قيل: إِنه كان أدنى الفقراء في زمانه أعلى نفقة منه، من غير اكتناز ولا استئثار بالدنيا، ولم تسمع منه كلمة فحش قط، في غضب ولا رضا، صموتًا وقورًا. قال ابن الأثير (٥): لم يكن [في ملوك الإسلام] (٦) بعد عمر بن عبد العزيز مثل ملك نور الدين ولا أكثر تحرّيًا للعدل والإنصاف منه. كان قد استفتى العلماء في مقدار ما يحلّ له من بيت المال فكان يتناوله ولا يزيد عليه شيئًا، ولو مات جوعًا. وكانت (٧) له دكاكين بحمص قد اشتراها مما يخصّه من المغانم، فكان يقتات منها، فزاد كراها لامرأته على نفقتها حين استقلّتها عليها. وكان يكثر اللعب بالكرة، فعاتبه بعض (٨) الصالحين في ذلك فقال: إِنما الأعمال بالنيات، وإِنما أريد بذلك تمرين الخيل وتعليمها (٩) على الكرّ والفر، ونحن لا نترك الجهاد. وكان لا يلبس الحرير، ويأكل من كسب يده بسيفه ورمحه، ﵀.

стр. 6370

وركب يومًا مع بعض أصحابه، والشمس في ظهورهما وظلهما (١) بين أيديهما لا يدركانه، ثم رجعا فصار الظلّ وراءهما، فساق (٢) الملك نور الدين [فرسه سوقًا عنيفًا] (٣)، وجعل يلتفت وراءه وظلُّه يتبعه، ثم قال (٤) لصاحبه: أتدري ما شبَّهت هذا الذي نحن فيه؟ قد شبهت ما نحن فيه بالدنيا تهرب ممن يطلبها، وتطلب من يهرب منها، وقد أنشد بعضهم في هذا المعنى: [من الرمل] (٥) مَثَلُ الرّزْقِ الّذي تَطْلبُهُ … مَثَلُ الظِّلِّ الَّذِي يَمْشِي مَعَكْ أَنْتَ لَا تُدْرِكُهُ مُتَّبِعًا (٦) … فَإِذَا وَلَّيْتَ عَنْهُ تَبِعَكْ وكان فقيهًا على مذهب أبي حنيفة، وسمع الحديث وأسمعه، وكان يكثر (٧) الصلاة بالليل من وقت السحر إِلى أن يركب، [فكان كما قيل] (٨): [من الكامل] (٩) جَمَعَ الشَّجاعَةَ والخُشُوعَ لِرَبِّهِ (١٠) … ما أَحْسَنَ الشُّجْعَانَ (١١) في المِحْرَابِ وكذلك كانت زوجته عصمة الدين (١٢) خاتون بنت الأتابك معين الدين أُنر تكثر القيام الليل، فنامت ذات ليلة عن وردها، فأصبحت وهي غضبى، فسألها نور الدين عن أمرها، فذكرت ما حصل لها من النوم الذي قطعها عن وردها (١٣)، فأمر نور الدين بضرب طبلخانة في القلعة وقت السحر ليوقظها وأمثالها من النوم (١٤) لقيام الليل، وأعطى الضارب على الطبلخانة أجرًا جزيلًا وجراية كثيرة: [من البسيط] (١٥) فَأَلْبَسَ اللهُ هاتيكَ العِظامَ وَإِنْ … بَلَيْنَ تَحْتَ الثَّرى عَفْوًا وغُفْرانا سَقَى ثَرىً أَوْدَعُوهُ رَحْمَةً مَلأَتْ … مَثْوَى قُبُورِهِمُ رُوحًا وَرَيْحانا

стр. 6371

وذكر ابن الأثير (١) أن الملك نور الدين بينما هو يومًا يلعب بالكرة، إِذ رأى رجلًا يحدّث آخر، ويومئ إِليه، فبعث الحاجب ليسأله ما شأنه، فإِذا هو رجل معه رسول من جهة الحاكم، وهو يزعم أن له على الملك حقًا يريد أن يحاكمه عند القاضي، فلما أعلمه الحاجب بذلك ألقى الجوكان (٢) من يده، وأقبل مع خصمه إِلى القاضي (٣) كمال الدين الشهرزوري، وقد أرسل إِليه من أثناء الطريق ألَّا تعاملني إِلا معاملة الخصوم، فحين وصلا وقف نور الدين مع خصمه بين يدي القاضي حتى انفصلت الحكومة، ولم يثبت للرجل على نور الدين حق، بل ثبت الحق للسلطان على الرجل، فلما تبين ذلك قال السلطان: إِنما جئت معه لئلا يتخلف أحد عن الحضور إِلى الشرع إِذا دعي إِليه، فإِنما نحن شحنكية بين يديه، وأنا أعلم أنه لا حق له عندي، ومع هذا أشهدكم أني قد ملَّكته ذلك، ووهبته له. وأرسل (٤) القاضي تاج الدين رسولًا من جهته يقال له: سويد ليحضر الملك نور الدين إِلى مجلس الحكم لسماع دعوى من رجل عليه، فبلّغ سويد الرسالة إِلى الحاجب، فدخل عليه، وهو يضحك ويقول: ليقم المولى إِلى القاضي لسماع دعوى، وكأنه يهزأ [بذلك، فقال له الملك: وما بك تهزأ] (٥) بذلك؟ ثم قال: ائتوني بفرسي، فنهض وهو يقول: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، وذهب إِلى الحاكم، وكان يومًا مطيرًا كثير الوحل، رحمه الله تعالى. قال ابن الأثير (٦): وهو أول من ابتنى دارًا للعدل (٧)، فكان يجلس فيها في الأسبوع يومين (٨)، وقيل: أربعة، وقيل: خمسة، ويحضر القاضي والفقهاء من سائر المذاهب، ولا يحجبه يومئذ حاجب ولا غيره (٩)، بل يصل إِليه القوي والضعيف، فكان (١٠) يكلم الناس ويستفهمهم ويخاطبهم بنفسه، فيكشف المظالم، وينصف المظلوم من الظالم.

стр. 6372

قال (١): وكان سبب ذلك أن أسد الدين شيركوه بن شاذي كان قد عظم شأنه عند نور الدين حتى صار كأنه شريكه (٢) في المملكة، واقتنى الأملاك (٣) والأموال والمزارع والقرى. وكان ربما ظلم نوابُه جيرانَهم في الأراضي (٤)، وكان القاضي كمال الدين ينصف كل من استعداه (٥) على جميع الأمراء إِلا أسد الدين هذا، فما كان يهجم عليه، فلما ابتنى نور الدين دار العدل تقدم أسد الدين إِلى نوابه ألا يَدَعُوا لأحد عنده ظلامة، وإِن كانت عظيمة (٦)، فإِن زوال ماله عنده أحب إِليه من أن يراه نور الدين بعين ظالم أو يوقفه مع خصم (٧) من العامة، ففعلوا ذلك، فلما جلس نور الدين بدار العدل مدة متطاولة، ولم ير أحدًا يستعدي (٨) على أسد الدين، فسأل القاضي عن ذلك، فأعلمه بصورة الحال، فسجد نور الدين عند ذلك شكرًا لله، وقال: الحمد لله الذي أصحابنا (٩) ينصفون من أنفسهم. وأما شجاعته فكان يقال: إِنه لم ير على ظهر الفرس أحسن ولا أثبت منه. وكان يحسن اللعب بالكرة، وربما ضربها ثم يسوق وراءها ويأخذها من الهواء بيده، ثم يرميها إِلى آخر الميدان، ولم يُرَ جوكانه يعلو على رأسه، ولا يرى الجوكان في يده، لأنّ الكم ساتر لها، ولكنه استهانة بلعب الكرة. وكان شجاعًا، صبورًا في الحرب، يضرب به المثل في ذلك. وكان يقول: قد تعرّضت للشهادة غير مرة، فلم يتّفق لي ذلك (١٠)، فقال له يومًا الفقيه قطب الدين النيسابوري (١١): بالله يا مولانا السلطان لا تخاطر بنفسك، فإِنك لو قُتلت قتل جميع من معك وأُخذت البلاد (١٢)، فقال: اسكت يا قطب الدين، فإِن قولك إِساءة أدب مع الله ومن هو محمود؟ من كان يحفظ الدين قبلي غير الله الذي لا إِله إِلا هو؟ قال: فبكى من حضر (١٣). ﵀.

стр. 6373

وقد أسر بنفسه في بعض الغزوات بعض ملوك الفرنج، فاستشار الأمراء فيه: هل يقتله أو يأخذ منه ما يبذل له من المال في الفداء، وكان قد بذل له في فداء نفسه مالًا كثيرًا، فاختلفوا عليه، ثم حسن في رأيه إِطلاقه وأخذ الفداء [منه، فبعث إِلى بلده من خلاصته مَنْ يأتيه بما افتدى به نفسه، فجاء به سريعًا، فأطلقه نور الدين، فحين وصل إِلى بلاده مات ذلك الملك ببلده] (١)، فأعجب ذلك نور الدين وأصحابه. وابتنى (٢) نور الدين من ذلك المال البيمارستان الذي (٣) بدمشق، [وهو أحسن ما بني من البيمارستانات] (٤)، ومن شرطه أنه [وقف] (٥) على الفقراء والمساكين، وإِذا لم يوجد بعض الأدوية التي يعزّ وجودها إِلا فيه [فلا يمنع منه الأغنياء، ومن جاء إِليه مستوصفًا] (٦) فلا يمنع من شرابه، ولهذا جاء إِليه نور الدين وشرب من شرابه. ﵀. قلت: ويقول بعض الناس: إِنه لم تخمد منه النار منذ بُني إِلى زماننا هذا، فالله أعلم. وقد بنى الخانات الكثيرة في الطرقات (٧) والأبراج، ورتَّب الخفراء في الأماكن المخوفة، وجعل فيها الحمام الهوادي التي تطلعه (٨) على الأخبار في أسرع مدة. وبنى الربط الخانقاهات. وكان يجمع الفقهاء عنده والمشايخ والصوفية للزيارة (٩)، ويكرمهم ويعظِّمهم، وكان يحب الصالحين. وقد نال بعض الأمراء مرة عنده من بعض العلماء، وهو قطب الدين النيسابوري (١٠)، فقال له نور الدين: ويحك إِن كان ما تقول حقًا فله من الحسنات (١١) الكثيرة ما ليس عندك مما يكفِّر عنه سيئات ما ذكرت إِن كنت صادقًا، على أني والله لا أصدقك، وإِن عدت ذكرته أو أحدًا غيره عندي بسوءٍ لأؤدبنَّك (١٢)، قال: فكفّ عنه، ولم يذكره بعد ذلك.

стр. 6374

وابتنى بدمشق دارًا لسماع الحديث وإِسماعه. قال ابن الأثير: وهو أول من بنى دار حديث (١). وقد كان مهيبًا وقورًا، شديد الهيبة في قلوب الأمراء (٢)، لا يتجاسر أحد أن يجلس بين يديه إِلا بإِذنه (٣)، ولم يكن أحد من الأمراء يجلس بلا إِذن سوى الأمير نجم الدين أيوب (٤). وأما أسد الدين شيركوه (٥) ومجد الدين بن الداية (٦) نائب حلب والأكابر (٧) وغيرهم فكانوا يقفون بين يديه، ومع هذا كان إِذا دخل أحد من الفقهاء أو الفقراء قام له ومشى خطوات، وأجلسه معه على سجادته، وشرع يحادثه في وقار وسكون، وإِذا أعطى أحدًا منهم شيئًا يقول: هؤلاء جند الله وبدعائهم نُنْصر على الأعداء، ولهم في بيت المال حقٌّ أضعاف ما أعطيهم (٨)، فإِذا رضوا منا ببعض حقهم فلهم المنة علينا. وقد سمع عليه جزء حديث، وفيه: (فخرج رسول الله ﷺ متقلدًا (٩) السيف) (١٠) فجعل يتعجب من تغيير عادات الناس [لما ثبت عنه ﵇] (١١)، وكيف يربط (١٢) الأجناد والأمراء السيوف على (١٣) أوساطهم، ولا (١٤) يفعلون كما فعل رسول الله ﷺ . ثم أمر الجند بأن لا يحملوا السيوف إِلا متقلّديها،

стр. 6375

وخرج (١) في اليوم الثاني إِلى الموكب، وهو متقلد السيف، وجميع الجيش كذلك، يريد بذلك (٢) الاقتداء برسول الله ﷺ . وقصّ عليه وزيره موفَّق الدين خالد بن محمد [بن نصر بن صفير، بن] (٣) القيسراني الشاعر أَنَّه رأى في منامه أَنَّه يغسل ثياب الملك نور الدين، فأمره أن يكتب مناشير بوضع المكوس (٤) والضرائب عن البلاد. وقال له: هذا تأويل (٥) رؤياك. وكتب إِلى الناس ليكون (٦) منهم في حلّ مما كان أخذ منهم، ويقول لهم: إِنما صُرف في قتال أعدائكم من الكفرة، قبَّحهم (٧) الله ولعنهم، والذبّ عن بلادكم ونسائكم وأولادكم. وكتب بذلك إِلى سائر ممالكه وبلدان سلطانه، وأمر الوعّاظ أن يستحلّوا له من التجار (٨). وكان يقول في سجوده: اللهمّ ارحم العشّار المكّاس (٩). وقيل: إِن برهان الدين البلخي أنكر على الملك نور الدين استعانته في الحروب (١٠) بأموال المكوس. وقال له مرة: كيف تُنْصَرون وفي عساكركم الخمور والطبول والزمور؟!!. ويقال: إِن سبب وضعه المكوس عن الناس (١١) أن الواعظ أبا عثمان المنتجب بن أبي محمد الواسطي، وكان من الصالحين الكبار، وكان هذا الرجل ليس له شيء، ولا يقبل من أحد شيئًا، إِنما كانت له جبة يلبسها إِذا خرج إِلى مجلس وعظه، وكان يجتمع في مجلس وعظه الألوف من الناس، أنشد نور الدين أبياتًا تتضمن ما هو متلبِّس به في ملكه، وفيها تخويف وتحذير شديد له: [من الكامل] (١٢) مَثِّلْ وُقُوفَكَ أَيُّها المَغْرُورُ … يَوْمَ القِيَامَةِ والسَّماءُ تَمُورُ إِنْ قِيلَ نُورُ الدِّينِ رُحْتَ مُسَلّمًا … فَاحْذَرْ بِأَنْ تَبْقَى وَمَالَكَ نُورُ
следующие страницы →