← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

وذكر ابن الأثير (١) أن الملك نور الدين بينما هو يومًا يلعب بالكرة، إِذ رأى رجلًا يحدّث آخر، ويومئ إِليه، فبعث الحاجب ليسأله ما شأنه، فإِذا هو رجل معه رسول من جهة الحاكم، وهو يزعم أن له على الملك حقًا يريد أن يحاكمه عند القاضي، فلما أعلمه الحاجب بذلك ألقى الجوكان (٢) من يده، وأقبل مع خصمه إِلى القاضي (٣) كمال الدين الشهرزوري، وقد أرسل إِليه من أثناء الطريق ألَّا تعاملني إِلا معاملة الخصوم، فحين وصلا وقف نور الدين مع خصمه بين يدي القاضي حتى انفصلت الحكومة، ولم يثبت للرجل على نور الدين حق، بل ثبت الحق للسلطان على الرجل، فلما تبين ذلك قال السلطان: إِنما جئت معه لئلا يتخلف أحد عن الحضور إِلى الشرع إِذا دعي إِليه، فإِنما نحن شحنكية بين يديه، وأنا أعلم أنه لا حق له عندي، ومع هذا أشهدكم أني قد ملَّكته ذلك، ووهبته له. وأرسل (٤) القاضي تاج الدين رسولًا من جهته يقال له: سويد ليحضر الملك نور الدين إِلى مجلس الحكم لسماع دعوى من رجل عليه، فبلّغ سويد الرسالة إِلى الحاجب، فدخل عليه، وهو يضحك ويقول: ليقم المولى إِلى القاضي لسماع دعوى، وكأنه يهزأ [بذلك، فقال له الملك: وما بك تهزأ] (٥) بذلك؟ ثم قال: ائتوني بفرسي، فنهض وهو يقول: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، وذهب إِلى الحاكم، وكان يومًا مطيرًا كثير الوحل، رحمه الله تعالى. قال ابن الأثير (٦): وهو أول من ابتنى دارًا للعدل (٧)، فكان يجلس فيها في الأسبوع يومين (٨)، وقيل: أربعة، وقيل: خمسة، ويحضر القاضي والفقهاء من سائر المذاهب، ولا يحجبه يومئذ حاجب ولا غيره (٩)، بل يصل إِليه القوي والضعيف، فكان (١٠) يكلم الناس ويستفهمهم ويخاطبهم بنفسه، فيكشف المظالم، وينصف المظلوم من الظالم.

стр. 6372

قال (١): وكان سبب ذلك أن أسد الدين شيركوه بن شاذي كان قد عظم شأنه عند نور الدين حتى صار كأنه شريكه (٢) في المملكة، واقتنى الأملاك (٣) والأموال والمزارع والقرى. وكان ربما ظلم نوابُه جيرانَهم في الأراضي (٤)، وكان القاضي كمال الدين ينصف كل من استعداه (٥) على جميع الأمراء إِلا أسد الدين هذا، فما كان يهجم عليه، فلما ابتنى نور الدين دار العدل تقدم أسد الدين إِلى نوابه ألا يَدَعُوا لأحد عنده ظلامة، وإِن كانت عظيمة (٦)، فإِن زوال ماله عنده أحب إِليه من أن يراه نور الدين بعين ظالم أو يوقفه مع خصم (٧) من العامة، ففعلوا ذلك، فلما جلس نور الدين بدار العدل مدة متطاولة، ولم ير أحدًا يستعدي (٨) على أسد الدين، فسأل القاضي عن ذلك، فأعلمه بصورة الحال، فسجد نور الدين عند ذلك شكرًا لله، وقال: الحمد لله الذي أصحابنا (٩) ينصفون من أنفسهم. وأما شجاعته فكان يقال: إِنه لم ير على ظهر الفرس أحسن ولا أثبت منه. وكان يحسن اللعب بالكرة، وربما ضربها ثم يسوق وراءها ويأخذها من الهواء بيده، ثم يرميها إِلى آخر الميدان، ولم يُرَ جوكانه يعلو على رأسه، ولا يرى الجوكان في يده، لأنّ الكم ساتر لها، ولكنه استهانة بلعب الكرة. وكان شجاعًا، صبورًا في الحرب، يضرب به المثل في ذلك. وكان يقول: قد تعرّضت للشهادة غير مرة، فلم يتّفق لي ذلك (١٠)، فقال له يومًا الفقيه قطب الدين النيسابوري (١١): بالله يا مولانا السلطان لا تخاطر بنفسك، فإِنك لو قُتلت قتل جميع من معك وأُخذت البلاد (١٢)، فقال: اسكت يا قطب الدين، فإِن قولك إِساءة أدب مع الله ومن هو محمود؟ من كان يحفظ الدين قبلي غير الله الذي لا إِله إِلا هو؟ قال: فبكى من حضر (١٣). ﵀.

стр. 6373

وقد أسر بنفسه في بعض الغزوات بعض ملوك الفرنج، فاستشار الأمراء فيه: هل يقتله أو يأخذ منه ما يبذل له من المال في الفداء، وكان قد بذل له في فداء نفسه مالًا كثيرًا، فاختلفوا عليه، ثم حسن في رأيه إِطلاقه وأخذ الفداء [منه، فبعث إِلى بلده من خلاصته مَنْ يأتيه بما افتدى به نفسه، فجاء به سريعًا، فأطلقه نور الدين، فحين وصل إِلى بلاده مات ذلك الملك ببلده] (١)، فأعجب ذلك نور الدين وأصحابه. وابتنى (٢) نور الدين من ذلك المال البيمارستان الذي (٣) بدمشق، [وهو أحسن ما بني من البيمارستانات] (٤)، ومن شرطه أنه [وقف] (٥) على الفقراء والمساكين، وإِذا لم يوجد بعض الأدوية التي يعزّ وجودها إِلا فيه [فلا يمنع منه الأغنياء، ومن جاء إِليه مستوصفًا] (٦) فلا يمنع من شرابه، ولهذا جاء إِليه نور الدين وشرب من شرابه. ﵀. قلت: ويقول بعض الناس: إِنه لم تخمد منه النار منذ بُني إِلى زماننا هذا، فالله أعلم. وقد بنى الخانات الكثيرة في الطرقات (٧) والأبراج، ورتَّب الخفراء في الأماكن المخوفة، وجعل فيها الحمام الهوادي التي تطلعه (٨) على الأخبار في أسرع مدة. وبنى الربط الخانقاهات. وكان يجمع الفقهاء عنده والمشايخ والصوفية للزيارة (٩)، ويكرمهم ويعظِّمهم، وكان يحب الصالحين. وقد نال بعض الأمراء مرة عنده من بعض العلماء، وهو قطب الدين النيسابوري (١٠)، فقال له نور الدين: ويحك إِن كان ما تقول حقًا فله من الحسنات (١١) الكثيرة ما ليس عندك مما يكفِّر عنه سيئات ما ذكرت إِن كنت صادقًا، على أني والله لا أصدقك، وإِن عدت ذكرته أو أحدًا غيره عندي بسوءٍ لأؤدبنَّك (١٢)، قال: فكفّ عنه، ولم يذكره بعد ذلك.

стр. 6374

وابتنى بدمشق دارًا لسماع الحديث وإِسماعه. قال ابن الأثير: وهو أول من بنى دار حديث (١). وقد كان مهيبًا وقورًا، شديد الهيبة في قلوب الأمراء (٢)، لا يتجاسر أحد أن يجلس بين يديه إِلا بإِذنه (٣)، ولم يكن أحد من الأمراء يجلس بلا إِذن سوى الأمير نجم الدين أيوب (٤). وأما أسد الدين شيركوه (٥) ومجد الدين بن الداية (٦) نائب حلب والأكابر (٧) وغيرهم فكانوا يقفون بين يديه، ومع هذا كان إِذا دخل أحد من الفقهاء أو الفقراء قام له ومشى خطوات، وأجلسه معه على سجادته، وشرع يحادثه في وقار وسكون، وإِذا أعطى أحدًا منهم شيئًا يقول: هؤلاء جند الله وبدعائهم نُنْصر على الأعداء، ولهم في بيت المال حقٌّ أضعاف ما أعطيهم (٨)، فإِذا رضوا منا ببعض حقهم فلهم المنة علينا. وقد سمع عليه جزء حديث، وفيه: (فخرج رسول الله ﷺ متقلدًا (٩) السيف) (١٠) فجعل يتعجب من تغيير عادات الناس [لما ثبت عنه ﵇] (١١)، وكيف يربط (١٢) الأجناد والأمراء السيوف على (١٣) أوساطهم، ولا (١٤) يفعلون كما فعل رسول الله ﷺ . ثم أمر الجند بأن لا يحملوا السيوف إِلا متقلّديها،

стр. 6375

وخرج (١) في اليوم الثاني إِلى الموكب، وهو متقلد السيف، وجميع الجيش كذلك، يريد بذلك (٢) الاقتداء برسول الله ﷺ . وقصّ عليه وزيره موفَّق الدين خالد بن محمد [بن نصر بن صفير، بن] (٣) القيسراني الشاعر أَنَّه رأى في منامه أَنَّه يغسل ثياب الملك نور الدين، فأمره أن يكتب مناشير بوضع المكوس (٤) والضرائب عن البلاد. وقال له: هذا تأويل (٥) رؤياك. وكتب إِلى الناس ليكون (٦) منهم في حلّ مما كان أخذ منهم، ويقول لهم: إِنما صُرف في قتال أعدائكم من الكفرة، قبَّحهم (٧) الله ولعنهم، والذبّ عن بلادكم ونسائكم وأولادكم. وكتب بذلك إِلى سائر ممالكه وبلدان سلطانه، وأمر الوعّاظ أن يستحلّوا له من التجار (٨). وكان يقول في سجوده: اللهمّ ارحم العشّار المكّاس (٩). وقيل: إِن برهان الدين البلخي أنكر على الملك نور الدين استعانته في الحروب (١٠) بأموال المكوس. وقال له مرة: كيف تُنْصَرون وفي عساكركم الخمور والطبول والزمور؟!!. ويقال: إِن سبب وضعه المكوس عن الناس (١١) أن الواعظ أبا عثمان المنتجب بن أبي محمد الواسطي، وكان من الصالحين الكبار، وكان هذا الرجل ليس له شيء، ولا يقبل من أحد شيئًا، إِنما كانت له جبة يلبسها إِذا خرج إِلى مجلس وعظه، وكان يجتمع في مجلس وعظه الألوف من الناس، أنشد نور الدين أبياتًا تتضمن ما هو متلبِّس به في ملكه، وفيها تخويف وتحذير شديد له: [من الكامل] (١٢) مَثِّلْ وُقُوفَكَ أَيُّها المَغْرُورُ … يَوْمَ القِيَامَةِ والسَّماءُ تَمُورُ إِنْ قِيلَ نُورُ الدِّينِ رُحْتَ مُسَلّمًا … فَاحْذَرْ بِأَنْ تَبْقَى وَمَالَكَ نُورُ

стр. 6376

أَنَهَيْتَ عَنْ شُرْبِ الخُمُورِ وَأنْتَ مِنْ (١) … كَأْسِ المَظَالِمِ طَافِحٌ مَخْمُورُ عَطَّلْتَ كاساتِ المُدامِ تَعَفُّفًا … وَعَلَيْكَ كاساتُ الحَرامِ تَدُورُ مَاذَا تَقُولُ إِذَا نُقِلْتَ (٢) إِلى البِلا … فَرْدًا وَجَاءَكَ مُنكرٌ ونَكِيرُ وَتَعَلَّقَتْ فِيكَ الخُصومُ وَأَنْتَ فِي … يَوْمِ الحِسَابِ مُسَحَّبٌ (٣) مَجْرُورُ وَتَفَرَّقَتْ عَنْكَ الجُنُودُ وَأَنْتَ فِي … ضِيقِ اللُّحودِ (٤) مُوَسَّدٌ مَقْبُورُ وَوِدْتَ أَنَّكَ ما وَليتَ وِلايَةً … يَوْمًا وَلَا قَالَ الأَنَامُ أَسِيرُ وَبقِيتَ بَعْدَ العِزِّ رَهْنَ حُفَيْرَةٍ … فِي عَالَمِ المَوْتَى وَأَنْتَ حَقِيرُ وَحُشِرْتَ عُريانًا حَزينًا باكيًا … قَلِقًا وَمَا لَكَ فِي الأَنَامِ مُجِيرُ أَرَضِيتَ أَنْ تَحْيَا وَقَلْبُكَ دَارِسٌ … عَافِي الخَرابِ (٥) وجِسْمُكَ المَعْمُورُ أَرَضِيتَ أَنْ يَحْظَى سِواكَ بِقُرْبِهِ … أَبَدًا وَأَنْتَ مُبَعَّدٌ (٦) مَهْجُورُ [مَهِّدْ لِنَفْسِكَ حُجَّةً تَنْجُو بِها … يَوْمَ المَعَادِ لَعَلَّكَ (٧) المَعْذُورُ] (٨) فلما سمع الملك (٩) نور الدين [هذه الأبيات] (١٠) بكى بكاءً شديدًا، وأمر بوضع المكوس والضرائب في سائر البلاد، ﵀ (١١). وكتب إِليه عمر المُلَّا من الموصل، وكان قد أمر الولاة والأمراء بها ألا يفصلوا بها أمرًا حتى يُعلموه، فما أمرهم به من شيء امتثلوه، وكان من الصالحين الزاهدين، وكان نور الدين يستقرض منه في كل شهر رمضان ما يفطر عليه، وكان يرسل إِليه بفتيت ورقاق، فيفطر عليه جميع رمضان. كتب (١٢) إِليه الشيخ عمر الملا هذا: إِن المفسدين قد كثروا ويحتاج إِلى سياسة، ومثل هذا لا يجيء

стр. 6377

إلا بقتلٍ وصلب وضرب، وإِذا أخذ مال رجل (١) في البرية من يجيء فيشهد له؟! فكتب الملك نور الدين على ظهر الكتاب: إِن الله خلق الخلق، وشرع لهم شريعة، وهو أعلم بما يصلحهم، ولو علم أن في الشريعة زيادة في المصلحة لشرعها لنا، فلا حاجة إِلى الزيادة على ما شرعه (٢) الله تعالى، فمن زاد فقد زعم أن الشريعة ناقصة فهو يكمِّلها بزيادته، وهذا من الجرأة على الله وعلى ما شرعه، والعقول المظلمة لا تهتدي، والله سبحانه يهدينا وإِياك إِلى صراط مستقيم. فلما وصل الكتاب إِلى الشيخ عمر الملا جمع الناس بالموصل. وأقرأهم (٣) الكتاب، وجعل يقول: انظروا إِلى كتاب الزاهد إِلى الملك، وكتاب الملك إِلى الزاهد. وجاء إِليه أخو الشيخ أبي البيان يستعديه على رجل أنه (٤) يسبّه ويرميه بأنه مراءٍ متنامس، وجعل يبالغ في شكايته (٥) منه، فقال له السلطان: أليس الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] فسكت الشيخ ولم يحر جوابًا. وقد كان نور الدين يعتقده ويعتقد أخاه أبا البيان (٦)، وأتاه زائرًا مرات، ووقف عليه وقفًا. وقال الفقيه أبو الفتح الأشتري (٧)، معيد النظامية ببغداد، وكان قد جمع سيرة مختصرة لنور الدين قال: وكان يحافظ على الصلوات في أوقاتها في جماعة بتمام شروطها وأركانها وركوعها وسجودها (٨) وكان كثير الصلاة بالليل والابتهال (٩) في الدعاء والتضرع إِلى الله في أموره كلها. قال: وبلغنا عن جماعة من الصوفية ممن يعتمد على قولهم أنهم دخلوا بلاد القدس للزيارة أيام الفرنج، فسمعوا الكفار يقولون: ابن القسيم (١٠) -يعنون: نور الدين- له مع الله سر فإِنه ما يظفر وينصر (١١) علينا بكثرة جنده وجيشه، وإِنما يظفر علينا وينصر بالدعاء وصلاة الليل، فإِنه يصلي بالليل

стр. 6378

ويرفع يده إِلى الله ويدعو (١)، فإِنه (٢) يستجيب له دعاءه ويعطيه سؤله وما يردّ يده خائبة فيظفر علينا. قال: فهذا كلام الكفار في حقه [﵀] (٣). وحكى (٤) الشيخ شهاب الدين أبو شامة: أن الملك نور الدين وقف بستان الميدان سوى الغيضة التي قبليه (٥)، نصفه على تطييب جامع دمشق، والنصف الآخر يُقسَّم أحد عشر جزءًا: جزءان على تطييب المدرسة التي أنشأها للحنفية، والتسعة (٦) أجزاء الباقية على تطييب المساجد التسعة وهي: ١ - مسجد الصالحين بجبل قاسيون (٧). ٢ - وجامع القلعة. ٣ - ومسجد عطية (٨). ٤ - ومسجد ابن لبيد بالفسقار. ٥ - ومسجد الرَّماحين (٩). ٦ - [والمسجد] (١٠) المعلَّق [بسوق الصاغة]. ٧ - ومسجد العباسي (١١) بالصالحية (١٢). ٨ - ومسجد دار البطيخ المعلَّق. ٩ - والمسجد الذي جدده نور الدين جوار بيعة اليهود. لكل من هذه المساجد جزء من أحد عشر جزءًا من النصف (١٣).

стр. 6379

ومناقبه ومآثره ومحاسنه كثيرة جدًا، وقد ذكرنا نبذة من ذلك يستدلّ بها على ما عداها. وقد ذكر الشيخ شهاب الدين في أول الروضتين (١) كثيرًا من محاسنه، وذكر ما مدح به من القصائد (٢). وذكر (٣) أنه لما فتح الملك صلاح الدين الديار المصرية (٤) هَمَّ بعزله عنها واستنابة غيره فيها، غير مرة، ولكن يعوقه عن ذلك القدر، ويصدّه قتال الفرنج واقتراب أجله وفراغ (٥) عمره. فلما كان في هذه السنة -أعني سنة تسع وستين وخمسمائة- وهي آخر مدته، قد صمم (٦) على الديار المصرية، وأرسل إِلى عساكر بلاد الموصل وغيرها ليكونوا ببلاد الشام حفظًا لها من الفرنج في غيبته، ويركب هو في جمهور جيشه (٧) إِلى مصر. وقد خاف منه الملك صلاح الدين خوفًا شديدًا (٨). فلما كان يوم عيد الفطر من هذه السنة ركب إِلى الميدان الأخضر القبلي وصلّى الخطيب فيه صلاة عيد الفطر، وكان ذلك يوم (٩) الأحد، ورمى القبق (١٠) في الميدان الأخضر الشمالي، والقدر يقول له: هذا آخر أعيادك (١١)، ومدّ في ذلك اليوم سماطًا حافلًا، وأمر بانتهابه [على العادة] (١٢) وطهّر ولده الملك الصالح إِسماعيل (١٣) في هذا اليوم، وزيّنت (١٤) له البلد، وضربت البشائر للعيد والختان. وركب يوم الإثنين في الموكب على العادة، ثم لعب بالكرة في يومه (١٥) ذلك، فحصل له غيظ من بعض الأمراء، ولم يكن ذلك من سجيته، فبادر إِلى القلعة، وهو كذلك في غاية الغضب، وحصل له

стр. 6380

انزعاج (١)، ودخل في حيّز (٢) سوء المزاج، واشتغل بنفسه وأوجاعه (٣)، وتنكرت عليه جميع حواسه وطباعه، واحتبس أسبوعًا عن الناس، والناس في شغل عنه بما هم فيه من اللعب والانشراح بالزينة التي قد نصبوها (٤)، فهذا يجود بروحه، وهذا يروح بجوده (٥)، وانعكست تلك (٦) الأفراح بالأتراح، ونسخ الجد ذلك المزاح، وحصلت للملك خوانيق في حلقه منعته من أداء النطق، وهذا شأن أوجاع الحلق، وقد كان أُشير عليه بالفصد، [فلم يقبل، وبالمبادرة إِلى المعالجة] (٧) فلم يفعل، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وكان ذلك في الكتاب مسطورًا. فلما كان يوم الأربعاء الحادي عشر من شوال من هذه السنة قُبض إِلى رحمة الله تعالى عن ثمانٍ وخمسين سنة [مكث منها] (٨) في الملك ثمانٍ وعشرين سنة ﵀. وصلّي عليه بجامع القلعة بدمشق (٩)، [ودفن بها] (١٠)، حتى (١١) حُوّل إلى [تربة بنيت له بباب المدرسة] (١٢) التي أنشأها للحنفية على الدرب، ﵀، وبلَّ بالرحمة ثراه، وجعل الجنة مأواه. وقد رثاه الشعراء بمراثٍ كثيرة، قد أوردها أبو شامة في "الروضتين" (١٣)، وما أحسن ما قال العماد (١٤): [من المتقارب] عَجِبْتُ مِنَ المَوْتِ لَمَّا (١٥) أَتَى … إِلَى مَلِكٍ في سَجَايَا مَلَكْ وَكَيْفَ ثَوَى الفَلَكُ المُسْتَدِيـ … ـــرُ في الأَرْضِ وَالأَرْضُ وَسْطَ فَلَكْ

стр. 6381

وقال حسان الشاعر الملقب بالعرقلة في مدرسة نور الدين حين دُفن فيها، رحمه الله تعالى (١): [من الوافر] وَمَدْرَسَةٍ سَتَدْرُسُ (٢) كُلُّ شَيْءٍ … وَتَبْقَى في حِمَى عِلْمٍ وَنُسْكِ تَضَوَّعَ ذِكْرُهَا (٣) شَرْقًا وغَرْبًا … بِنُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكي يقولُ وقولُهُ حَقٌّ وصِدقٌ … بغيرِ كنايةٍ وبغيرِ شكِّ دِمَشْقٌ فِي المَدَائِنِ بَيْتُ مُلْكِي … وَهَذِي في المدَارِسِ بَيْتُ (٤) مُلكِ [وقبره مشهورٌ بدمشق يزار ويخلّق شباكه فيطيب بريحه كل مارٍّ. وإِنما يقول الناس نور الدين الشهيد، لما حصل له في حلقه من الخوانيق، وكذا كان يقال لأبيه الشهيد، ويلقب بالقسيم، وكانت الفرنج يقولون له: ابن القسيم] (٥). صفة نور الدين ﵀ (٦) تعالى (٧) كان طويلَ القامة، أسمر اللون، حلو العينين، واسع الجبين، حسن الصورة، تركي الشكل، ليس له لحية إِلا في حنكه، مهيبًا متواضعًا، عليه جلالة ونور الإسلام، ويعظِّم (٨) [قواعد الشرع، ﵀] (٩). فصل لما (١٠) مات الملك نور الدين في شوال من هذه السنة -[أعني: سنة تسع وستين وخمسمائة] (١١) -

стр. 6382

بويع من بعده بالملك لولده الملك (١) الصالح إِسماعيل، وكان صغيرًا، وجُعل أتابكه (٢) الأمير شمس الدين بن مقدم (٣)، فاختلف الأمراء، وحارت الآراء، وظهرت الشرور، وكثرت الخمور، وقد كانت لا توجد في زمنه، ولا أحد يجسر أن يتعاطى شيئًا منها، وانتشرت (٤) الفواحش وظهرت، حتى إِن ابن أخيه سيف الدين غازي بن مودود (٥) صاحب الموصل لما تَحَقّق موتَ عمّه (٦)، وكان محظورًا (٧) منه، نادى مناديه بالبلد بالمسامحة في اللعب واللهو والشراب والمسكر والطرب، ومع المنادي دفٌّ (٨) وقدح ومزمار، فإِنا لله وإِنا إِليه راجعون، [وقد كان ابن أخيه هذا وغيره من الملوك والأمراء الذين له حكم عليهم لا يستطيع أحد منهم أن يفعل شيئًا من المناكر والفواحش، فلما مات مَرِج أمرهم وعاثوا في الأرض فسادًا] (٩). وتحقق حينئذ قول الشاعر: [من الطويل] أَلَا فَاسْقِنِي خَمْرًا وَقُلْ لِي هِيَ الخَمْرُ … وَلَا تَسْقِنِي سِرًّا وَقَدْ أَمْكَنَ الجَهْرُ وطمعت الأعداء من كلّ جانب في المسلمين، وعزم الفرنج على قصد دمشق، وانتزاعها من أيدي المسلمين، فبرز إِليهم ابن مقدم الأتابك، فواقعهم (١٠) عند بانياس، فضعف عن مقاومتهم عند بانياس، فهادنهم مدة، ودفع إِليهم أموالًا جزيلة (١١)، عجّلها لهم، ولولا أَنَّه خوّفهم بقدوم الملك صلاح الدين (١٢) لما هادنوه. ولما بلغ ذلك السلطان الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب صاحب الديار المصرية كتب إِلى الأمراء، وخاصة ابن المقدّم، يلومهم على ما صنعوا من المهادنة ودفع الأموال إِلى الفرنج، وهم أقل وأذل، وأفهمهم أنه عزم على قصد البلاد ليحفظها (١٣) من الفرنج، فردّوا إِليه كتابًا فيه [غلظة وكلام

стр. 6383

فيه] (١) بشاعة، فلم يلتفت إِليهم، ومن شدة خوفهم منه كتبوا إِلى سيف الدين غازي صاحب الموصل، ليملّكوه عليهم، ليدفعوا (٢) به الملك الناصر صاحب مصر، فلم يفعل، لأنه خاف أن يكون مكيدة منهم له، وذلك أنه كان (٣) قد هرب منه الطواشي سعد الدولة كمشتكين (٤) الذي كان (٥) قد جعله عنده الملك نور الدين عينًا عليه، وحافظًا (٦) له من تعاطي ما لا يليق [من الفواحش والخمر واللعب واللهو] (٧)، فلما سمع الخادم بموت أستاذه خاف أن يمسكه فهرب سرًّا، فحين تحقّق (٨) غازي موت عمه بعث في إِثر هذا الخادم، ففاته فاستحوذ على حواصله. ودخل سعد [الدولة حلب] (٩)، ثم سار إِلى دمشق، فاتفق مع الأمراء أن يأخذ (١٠) ابن أستاذه، الملك الصالح إِسماعيل إِلى حلب فيربِّيه هنالك (١١)، وتكون دمشق مسلمة إِلى الأتابك شمس الدين ابن مقدم، والقلعة إِلى الطواشي جمال الدين ريحان. [فلما سار الملك الصالح من دمشق خرج معه الأمراء والكبراء] (١٢) إِلى حلب (١٣)، وذلك في الثالث والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة، وحين وصلوا حلب جلس الصبيّ على سرير مملكتها (١٤)، واحتاطوا على بني الداية: شمس الدين علي بن الداية، أخو مجد الدين الذي كان رضيع نور الدين الشهيد وإِخوته الثلاثة. وقد كان شمس الدين علي بن الداية يظن أن ابن نور الدين يسلَّم إِليه فيربِّيه، لأنه أحق الناس بذلك، فخيّبوا ظنه، وسجنوه وإِخوته في الجب. فكتب الملك صلاح الدين إِلى الأمراء يلومهم على ما فعلوا من نقل الولد من دمشق إِلى حلب، ومن سجنهم لبني (١٥) الداية، وقد

стр. 6384

كانوا (١) من خيار الأمراء، ورؤوس الكبراء (٢)، ولمَ لا يسلموا الولد إِلى مجد الدين ابن الداية الذي هو أحظى الناس [عند نور الدين ﵀] (٣)، وعند الناس منهم. فكتبوا إِليه، يسيئون الأدب عليه (٤)، وكل ذلك مما يزيده حنقًا عليهم، ويحرِّضه على القدوم بجيشه إِليهم، ولكنه في هذا الوقت في شغل شاغل، لما دهمه ببلاده (٥) من الأمر الهائل، كما سيأتي بيانه إِن شاء الله تعالى في أول السنة (٦) الآتية. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان والمشاهير: أبو العلاء الهَمَذَاني (٧): الحسن بن الحسن بن أحمد بن محمد العطار، أبو العلاء الهمذاني الحافظ الكبير. سمع الكثير، ورحل إِلى بلدان كثيرة، واجتمع بالمشايخ، وقدم بغداد، وحصّل الكتب الكثيرة (٨)، واشتغل بعلم القراءات واللغة، حتى صار وحيد (٩) زمانه في علمي الكتاب والسنة. وصنّف الكتب الكثيرة المفيدة، وكان على طريقة [السلف، مرضيّ الطريقة] (١٠)، سخيًّا عابدًا زاهدًا، صحيح الاعتقاد، حسن السمت، له ببلده المكانة والقبول التام. وكانت وفاته ليلة الخميس الحادي عشر من جمادى الآخرة من هذه السنة، وقد جاوز الثمانين بأربعة أشهر وأيام. قال ابن الجوزي (١١): وقد بلغني أنه رؤي في المنام [في مدينةٍ] (١٢) جميع جدرانها كتب، وحوله كتب لا تحدّ (١٣)، وهو مشتغل بمطالعتها، فقيل له: ما هذا؟ فقال: سألت الله أن يشغلني بما كنت أشتغل به في الدنيا فأعطاني (١٤).

стр. 6385

الأهوازي (١) خازن كتب مشهد أبي حنيفة ببغداد: توفي فجأة في ربيع الأول من هذه السنة، وكذلك توفي أبوه وأخوه فجأة كما مات. رحمهم الله تعالى. محمود بن زنكي بن آق سنقر السلطان العادل نور الدين صاحب بلاد الشام وغيرها من البلدان الكثيرة الواسعة (٢): [كان مجاهدًا في الفرنج، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، محبًا للعلماء والفقراء والصالحين، مبغضًا للظلم، صحيح الاعتقاد، مؤثرًا لأفعال الخير، لا يجسر أحد أن يظلم أحدًا في زمانه. وكان قد قمع المناكر وأهلها، ورفع العلم والشرع، وكان مدمنًا لقيام الليل، يصوم كثيرًا، ويمنع نفسه عن الشهوات. وكان يحب التيسير على المسلمين، ويرسل البر إِلى العلماء والفقراء والمساكين والأيتام والأرامل، وليست الدنيا عنده بشيء، ﵀، وبلَّ ثراه بالرحمة والرضوان] (٣). [قال ابن الجوزي (٤): انتزع (٥) من أيدي الكفار نيّفًا وخمسين مدينة .. وقد كان يكاتبني (٦)، ﵀] (٧). قال (٨): ولما حضرته الوفاة أخذ العهد على الأمراء من بعده لولده، يعني: الصالح إِسماعيل، وجدد العهد مع صاحب طرابلس أن لا يغير على الشام المدة التي كان مادَّه عليها، وذلك أنه كان قد أسره في بعض غزواته، وأسر معه جماعة من أهل دولته، فافتدى نفسه منه بثلاثمائة ألف دينار، وخمسمائة حصان، وخمسمائة زردية (٩)، ومثلها أتراس (١٠)، وقنطوريات (١١)، وخمسمائة أسير من المسلمين، وعاهده ألا يغير على المسلمين إِلى سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام، وأخذ منه رهائن على ذلك مئة من أولاد أكابر الفرنج وبطارقتهم. فإِن نكث أراق دماءهم. وعزم على فتح بيت المقدس (١٢)،

стр. 6386

فوافته المنية في شوال من هذه السنة (١)، وكانت (٢) ولايته ثمان وعشرين سنة وأشهرًا (٣). وهذا مقتضى ما ذكره ابن الجوزي (٤). الخضر بن نصر بن عقيل (٥) بن نصر الإربلي الفقيه الشافعي (٦): أول من درس بإِربل في سنة ثلاث وستين وخمسمائة. وكان فاضلًا ديّنًا. انتفع الناس به (٧)، وكان قد اشتغل على إِلْكيا الهرّاسي (٨) وغيره ببغداد. وقدم دمشق فأرّخه ابن عساكر في هذه السنة، وترجمه القاضي ابن خلكان في "الوفيات" وقال: قبره يزار، وقد زرته غير مرة، [﵀] (٩). [ملك الفرنج مري] (١٠): [وفي هذه السنة كانت وفاة] (١١) ملك الفرنج مري، لعنه الله، وأظنه ملك بلاد (١٢) عسقلان ونحوها، وكان (١٣) قد قارب أن يملك الديار المصرية، لولا فضل الله ورحمته بعباده المؤمنين. ثم دخلت سنة سبعين وخمسمائة استهلت هذه السنة والسلطان الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب قد عزم على الدخول إِلى بلاد (١٤)

стр. 6387

الشام ليحفظه من أيدي الفرنج المخذول (١)، ولكنه دهمه أمر شغله عنه، وذلك أن الفرنج قدموا إِلى الساحل بالبلاد المصرية (٢) في أسطول لم يسمع بمثله، في كثرة مراكبه (٣)، وما فيه من آلات الحرب والحصار، [وكثرة الرجال] (٤) المقاتلة. من جملة ذلك: مئتا (٥) شيني (٦)، في كل منها مئة وخمسون مقاتلًا، وأربعمائة قطعة أخرى. وكان قدومهم من صِقِلِّيةَ إِلى ظاهر إِسْكَنْدَرِيّة قبل رأس السنة بأربعة أيام، فنصبوا المنجنيقات والدبابات حول البلد، وبرز إِليهم أهلها فقاتلوهم دونها قتالًا شديدًا، واستمر القتال أيامًا، وقتل من كلا الفريقين خلق كثير، ثم اتفق أهل البلاد على تحريق ما نصبوه من المنجنيقات (٧) والدبابات ففعلوا ذلك، فأضعف ذلك قلوب الفرنج، [وفلَّ في أعضادهم] (٨)، ثم كبسهم المسلمون في منازلهم، فقتلوا (٩) من أحبّوا وأرادوا، وغنموا ما شاؤوا واختاروا، وانهزم الكفار (١٠) في كل وجه، ولم يكن لهم ملجأ إِلا البحر أو القتل أو الأسر، واستحوذ المسلمون على أموالهم وأثقالهم وخيولهم وما ضربوه من الخيام لنزولهم، وبالجملة قتلوا خلقًا من الرجال، وغنموا شيئًا كثيرًا من الأموال، وركب من بقي منهم في الأسطول راجعين إِلى بلادهم خائبين، لم يفوزوا بالمأمول. ومما عوَّق الملك الناصر عن الشام أيضًا: أن رجلًا يعرف بالكنز، وسماه بعضهم: عباس بن شاذي، وكان من مقدمي الديار المصرية، ومن الدولة الفاطمية وإِنما هي العبيدية، كان قد انتزح (١١) إِلى بلد يقال له: أُسْوَان، وجعل يجمع عليه (١٢) خلقًا من الرعاع من الحاضرة والعربان، ويزعم لهم أنه سيعيد الدولة الفاطمية، ويدحض الأتابكة التركية، فالتف عليه خلق كثير، وجم غفير. وقصد (١٣) قوص وأعمالها، وقتل طائفة من أمرائها ورجالها، فجرد إِليه الملك صلاح الدين طائفة من الجيش

стр. 6388

المصري، وقدّم (١) عليه أخاه الملك العادل سيف الدين أبا بكر الكردي، فلما التقيا هزمه أبو بكر سَميُّ المبايَع يوم السقيفة، وبدَّد شمله، وأسر أهله، وقتله كما جرى لمقدم بني حنيفة (٢)، ولهذا جعل الله دولة بني أيوب عالية منيفة. فصل لما تمهدت البلاد المصرية، ولم يبق بها رأس من بقية الدولة العبيدية، برز السلطان الملك الناصر صلاح الدين في الجيوش التركية قاصدًا إِلى البلاد الشامية، وذلك حين مات سلطانها نور الدين محمود بن زنكي، وأُخيف سكانها، وتضعضعت أركانها، واختلف (٣) حكامها، وفسد نقضها وإِبرامها، وقَصْدُهُ [﵀] (٤) جمع شملها، والإحسان إِلى أهلها، وأمن سهلها وجبلها، ونصرة الإسلام، ودفع الطغام، وإِظهار القرآن، وإِخفاء سائر الأديان، وخفض الصلبان (٥)، ورضا الرحمن، وإِرغام الشيطان. فخرج (٦) من الديار المصرية إِلى البِرْكة (٧) في مستهلّ صفر، وأقام هنالك حتى اجتمع إِليه العسكر، وقد استناب على مصر أخاه سيف الدين أبا بكر، ثم سار إِلى بِلْبِيس (٨) في الثالث عشر من ربيع الأول. ثم ساق حتى اجتاز بمدينة بصرى، فسار في خدمته صاحبها صديق بن جاولي. فدخل مدينة دمشق في يوم الإثنين سلخ ربيع الأول، ولم ينتطح فيها عنزان، ولا اختلف عليه (٩) سيفان. وذلك أن نائبها شمس الدين بن مقدم كان قد كتب إِليه أولًا فأغلظ له في الكتاب، فلما رأى أمره متوجهًا جعل يكاتبه ويستحثّه على القدوم إِلى دمشق، ويعده بتسليم البلد. فلما رأى الجد لم يمكنه المخالفة، فسلمه (١٠) البلد بلا مدافعة، فنزل السلطان أولًا في دار والده، وهي دار العقيقي (١١)،

стр. 6389

وهي التي بنيت مدرسة (١) للملك الظاهر (٢). [وجاء القاضي وأعيان الدماشقة للسلام على السلطان] (٣) فرأوا منه غاية الإحسان. وكان نائب القلعة إِذ ذاك الطواشي جمال الدين ريحان الخادم، [فلم يزل يكاتبه، ويفتل له في الذروة والغارب، حتى استماله] (٤)، وأجزل نواله، فسلمها إِليه، ووفد عليه، ومثل بين يديه [ثم نزل إِليه فأكرمه واحترمه، وأحسن إِليه، وأظهر الملك الناصر (٥) أنه أحق بتربية] (٦) ولد نور الدين لما له (٧) عليهم من الإحسان المتين، وذكر أنه خطب لنور الدين بديار (٨) مصر، وضرب باسمه السكة، ثم عامل (٩) الناس بالجميل، وأمر بوضع ما كان أحدث بعد نور الدين من المكوس والضرائب وأقام الحدود، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ولله عاقبة الأمور. فصل فلما استقرّت له دمشق بحذافيرها، [لم يلبث] (١٠) أن نهض إِلى حلب [مسرعًا] (١١) لما فيها من التخبيط والتخليط، فاستناب على دمشق أخاه طغتكين (١٢) بن أيوب الملقب بسيف الإسلام. فلما اجتاز بحمص أخذ ربضها، ولم يشتغل بقلعتها، لعلمه بحصولها.

стр. 6390

ثم سار إِلى حماة، [فأخذ المدينة، سلّمها إِليه] (١) صاحبها عز الدين جرديك (٢)، وسأله ن يكون سفيره بينه وبين الحلبيين، فأجابه إِلى ذلك، فسار إِليهم فحذَّرهم (٣) بأس صلاح الدين، فلم يلتفتوا إِليه، [ولم يعوِّلوا عليه] (٤)، بل أمروا بسجنه واعتقاله، وجمعوا بينه وبين بني الداية في البئر الذي هم فيه، فأبطأ الجواب على صلاح الدين (٥)، فكتب إِليهم (٦) كتابًا بليغًا، يلومهم فيه على ما هم فيه من الاختلاف، وعدم الائتلاف، فردّوا عليه أسوأ جواب، وأحدّ من الحراب، فأرسل إِليهم يذكرهم أيامه وأيام أبيه وعمه في خدمة نور الدين، في المواقف المحمودة، التي يشهد لهم بها أهل الدين. ثم إِنه سار إِلى حلب، فنزل (٧) على جبل (٨) جَوْشَن، فخاف من سطوته كل ذي جوشن، فنودي في أهل حلب بالحضور في ميدان باب العراق، فاجتمعوا، فأشرف عليهم ابن الملك نور الدين، فتودّد إِليهم، وتباكى لديهم، وحرّضهم على قتال صلاح الدين، وذلك عن إِشارة الأمراء المقدمين، فأجابه أهل البلد بوجوب طاعته على كل أحد. وشرط عليه الروافض منهم أن يعاد الأذان بحي على خير العمل، وأن يذكر في الأسواق، وأن يكون لهم في الجامع الجانب الشرقي، وأن يذكر أسماء الأئمة الاثني عشر بين يدي الجنائز، وأن يكبِّروا على الجنائز خمسًا، وأن تكون عقود أنكحتهم إِلى الشريف أبي طاهر بن أبي المكارم حمزة بن زهرة الحسيني (٩)، فأُجيبوا إِلى ذلك كله، فأُذِّن بالجامع وغيره بسائر البلد، بحيّ على خير العمل. وعجز أهل البلد عن مقاومة الناصر، وأعملوا في مكيدته (١٠) كل خاطر. فأرسلوا أولًا إِلى [سنان صاحب الحشيشية] (١١)، فأرسل نفرًا من أصحابه [ليقتلوا الناصر] (١٢)، فلم يظفروا منه بشيء، بل قتلوا بعض الأمراء، ثم ظهر عليهم فقُتلوا عن آخرهم، ولله الحمد والمنة.

стр. 6391

فراسلوا عند ذلك القومص صاحب طرابلس (١) الفرنجي، ووعدوه بأموال جزيلة، إِن هو رَحَّلَ عنهم السلطان الناصر. وكان هذا القومص قد أسره نور الدين، وبقي معتقلًا (٢) عنده مدة عشر سنين، ثم فاداه (٣) على مئة ألف دينار وألف أسير من أسارى المسلمين، فكان لا ينساها لنور الدين، [﵀، فركب القومص، لعنه الله، من بلده طرابلس في جيشه، فلم يتجاسر على مقاتلة السلطان] (٤)، بل قصد حمص ليأخذها بغتة، فركب إِليه السلطان الناصر (٥)، وقد أرسل سرية إِلى بلده طرابلس (٦)، فقتلوا منها، وأسروا، وغنموا، فلما اقترب السلطان الناصر منه نكص على عقبيه، وكرّ راجعًا إِلى بلده، ورأى أنه قد أجابهم إِلى ما أرادوا منه (٧)، ولما رجع صلاح الدين إِلى حمص (٨) لم يكن أخذ قلعتها في ذهابه فتصدّى لأخذها، فنصب عليها المنجنيقات [التي ملّكته إِياها قسرًا، وقهرت ساكنها قهرًا] (٩)، ثم كرّ راجعًا إِلى حلب، فأناله الله في هذه الكرّة ما طلب، فلما نزل بها كتب إِليهم القاضي الفاضل على لسان السلطان كتابًا بليغًا فصيحًا رائقًا فائقًا (١٠)، على يدي الخطيب شمس الدين (١١) يقول فيه (١٢): "فإِذا قضى التسليم حق اللقاء، فاستدعى الإخلاص جهد الدعاء، فليَعُدَّ (١٣) وليُعِدَّ حوادث ما كان (١٤) حديثًا يُفترى، وجواري أمور إِن قال فيها كثيرًا فأكثر منه ما قد جرى، وليشرح صدرًا منها [لعله يشرح منها صدرًا] (١٥)، وليوضح الأحوال المنتشرة فإِن الله لا يُعبد سرًا [من الكامل] وَمِنَ العَجائِبِ أَنْ تَسيرَ غَرائِبٌ … في الأرْضِ لَمْ يَعْلَم بِهَا المَأْمُولُ كَالعِيسِ أَقْتَلُ مَا يكونُ لهَا الصَّدَى … والمَاءُ فَوْقَ ظُهورِهَا مَحْمُولُ

стр. 6392

فإِنا كنا نقتبس النار بأكفّنا وغيرنا يستنير، ونستنبط الماء بأيدينا وسوانا يستمير، وتلقى (١) السهام بنحورنا وغيرنا يعتمد التصوير، ونصافح الصفاح بصدورنا وغيرنا يدّعي التصدير، والأبدان تستردّ بضاعتنا بموقف العدل الذي يُردّ به المغصوب، وتظهر طاعتنا فنأخذ بحظِّ الألسن كما أخذنا بحظِّ القلوب، [وما كان العائق إِلا أنا كنا ننتظر ابتداءً من الجانب الشريف بالنعمة، يضاهي ابتداءنا بالخدمة، وإِنجابًا للحق، يشاكل إِنجابنا للسبق] (٢). وكان أول أمرنا أَنَّا كنا في الشام نفتح (٣) الفتوح مباشرين (٤) بأنفسنا، ونجاهد الكفار متقدمين بعساكرنا، نحن ووالدنا وعمّنا، فأي (٥) مدينة فتحت، أو أي معقل ملك، أو عسكر للعدو كسر، أو مصاف للإسلام معه ضرب، فما يجهل أحد صنعنا، ولا يجحد عدونا أنا نصطلي (٦) الجمرة، ونملك (٧) الكرة، ونقدم (٨) الجماعة، ونرتب المقاتلة، وندبِّر التعبئة، إِلى أن ظهرت في الشام الآثار التي لنا أجرها، ولا يضرّنا أن يكون لغيرنا ذِكرها". ثم ذكر (٩) ما صنعوا بمصر من كسر الكفر، وإِزالة المنكر، وقمع الفرنج، وهدم البدع التي كانت هنالك، وما بسط من العدل، ومدَّ (١٠) من الفضل، وما أقامه من الخطبة (١١) العباسية ببلاد مصر واليمن والنوبة، وإِفريقية وغير ذلك، بكلام بسيط حسن. فلما وصلهم الكتاب أساؤوا الجواب. وقد كانوا كاتبوا صاحب الموصل سيف الدين غازي بن مودود (١٢) أخي نور الدين محمود بن زنكي، فبعث إِليهم أخاه مسعودًا (١٣) عزّ الدين في عساكره، وأقبل عليهم (١٤) في دساكره، فانضاف (١٥) إِليهم

стр. 6393

الحَلبيُّون، وقصدوا حماة في غيبة السلطان (١) واشتغاله بقلعة حمص وعمارتها. فلما بلغه خبرهم سار إِليهم في قُلٍّ من الجيش، فانتهى إِليهم وهم في جحافل كثيرة، فوافقوه وطمعوا فيه لقلة من معه، وهموا بمناجزته، فجعل يداريهم، ويدعوهم إِلى المصالحة، لعل الجيش يلحقونه، حتى قال لهم في جملة ما قال: أنا أقنع بدمشق وحدها، وأقيم بها الخطبة للملك الصالح إِسماعيل، وأترك ما عداها من أرض الشام، فامتنع من المصالحة الخادم سعد الدولة كمشتكين (٢)، إِلا أن يجعل لهم (٣) الرحبة التي هي بيد ابن عمه ناصر الدين بن أسد الدِّين (٤)، فقال: ليس لي ذلك، ولا أقدر عليه، فأبوا الصلح، وأقدموا على القتال، فجعل جيشه (٥) كردوسًا واحدًا، وذلك يوم الأحد التاسع عشر من شهر رمضان عند قرون حماة، فصبر صبرًا عظيمًا. وجاء في أثناء الحال ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه (٦)، ومعه أخوه فروخشا (٧) في طائفة من الجيش، وقد ترجح دسته عليهم، وخلص رعبه (٨) إِليهم، فولَّوا هنالك هاربين، وتولَّوا منهزمين، فأسر من أسر من رؤوسهم، ونادى ألا يتبع مدبر، ولا يذفف (٩) على جريح، ثم أطلق من وقع في أسره منهم، وسار على الفور إِلى حلب، فانعكس عليهم الحال، وآلوا إِلى شرّ مآل، فبالأمس كان يطلب منهم المصالحة والمسالمة، وهم اليوم يطلبون منه أن يكف عنهم ويرجع (١٠)، على أن المعرَّة، وكفر طالب (١١)، وبارين (١٢) له (١٣) زيادة على ما بيده من أراضي حماة وحمص وبعلبك مع دمشق، فقبل منهم (١٤)، وكفّ عنهم، وحلف ألا يغزو بعدها الملك الصالح، وأن يدعو له على منابر سائر بلاده وممالكه. وشفع في بني الداية أخوه مجد الدين على أن يخرجوا من السجن، ففعل ذلك ثم رجع مؤيدًا منصورًا، مسلمًا محبورًا.

стр. 6394

فلما كان بحماة وصلت إِليه رسل الخليفة المستضيء (١) بأمر الله، ومعهم الخلع السنية والتشريفات العباسية، والأعلام السود، وتوقيع (٢) من الديوان بالسلطنة ببلاد مصر والشام، وأفيضت الخلع على أهله وأقاربه وأصحابه وأصهاره وأعوانه وأنصاره، وكان يومًا مشهودًا. واستناب على حماة ابن خاله وصهره الأمير شهاب الدين محمود (٣)، ثم سار (٤) إِلى حمص فأطلقها لابن (٥) عمه ناصر الدين (٦)، كما كانت [لأبيه من قبله شيركوه أسد الدين، ثم إِلى بعلبك، ثم إِلى البقاع] (٧)، ورجع إِلى دمشق في ذي القعدة. [وفي هذه السنة] (٨) ظهر رجل من قرية مَشْغَرى (٩)، من معاملة دمشق، وكان مغربيًا، فادّعى النبوّة، وأظهر شيئًا من المخاريق والمخاييل (١٠) والشعبذة والأبواب النيرنجية، فافتتن به طوائف [من أهل تلك الناحية من الطغام والعوام] (١١)، فتطلبه السلطان فهرب [في الليل من مشغرى] (١٢) إِلى معاملة حلب، فالتف (١٣) على كل مقطوع الذنب، وأضلّ خلقًا من الفلاحين لا المفلحين، وتزوج امرأة أحبّها، وكانت من أهل تلك البطائح، فعلَّمها أن ادّعت النبوة، فأشبها قصة مسيلمة وسجاح، فلعنهما الله، كلما عب الحمام وهدر، وكلما صبّ الغمام وقطر. وفيها: هرب وزير (١٤) الخليفة ونهبت داره.

стр. 6395

وفيها: درّس الشيخ أبو الفرج بن الجوزي (١) بمدرسة (٢) أنشئت للحنابلة، فحضر عنده قاضي القضاة أبو الحسن بن الدامغاني (٣) والفقهاء والكبراء، وكان يومًا مشهودًا، وخلعت عليه خلعة سنية. وممن توفي فيها من الأعيان (٤): روح بن أحمد (٥)، أبو طالب الحَدِيثي قاضي القضاة ببغداد في بعض الأحيان: وكان ابنه (٦) بأرض الحجاز، فلما بلغه موت أبيه مرض بعده فمات بعد أيام. وكان ينبز (٧) بالرفض. شَمْلَة (٨) التركماني: كان قد تغلب على بلاد فارس، واستحدث قلاعًا. وتغلَّب على السلجوقية، وانتظم له الدست نحوًا من عشرين سنة، ثم حاربه بعض التركمان فقتلوه. قيماز (٩) بن عبد الله، قطب الدين المستنجدي: وزر للخليفة المستضيء، وكان مقدَّمًا على العساكر كلهم (١٠)، ثم إِنه (١١) خرج على الخليفة، وقصد أن ينهب دار الخليفة، فصعد الخليفة فوق سطحٍ (١٢) في داره، وأمر العامّة بنهب دار قيماز، فنُهبت. وكان ذلك بإِفتاء الفقهاء، فهرب، فهلك وهلك من كان (١٣) معه في المهامه والقفار (١٤).

стр. 6396

ثم دخلت سنة إِحدى وسبعين وخمسمائة فيها: طلب الفرنج من السلطان صلاح الدين، وكان قد أقام (١) بدمشق في مرج الصُّفَّر، أن يهادنهم فأجابهم إِلى ذلك، [لأن الشام كان مجدبًا فاحتاج إِلى ذلك] (٢)، وأرسل جيشه صحبة القاضي الفاضل إِلى الديار المصرية، ليستغلوا المغل، ثم يقبلوا، وعزم على المقام بالشام، واعتمد على كاتبه العماد عوضًا عن [أفصح العباد، بتلك البلاد، وهو القاضي الفاضل، قدوة العلماء والأماثل، ورحلة الطالبين، وزين المحافل، زين الإسلام، ومَنْ لسانه أحدّ من حسام، ولكن احتاج السلطان إِلى إِرساله إِلى الديار المصرية ليكون عينًا وعونًا له بها، ولسانًا فصيحًا يعبّر عنها، فاحتاج أن يتعوض عنه، ولم يكن أحد أعز عليه ولا أحبّ إِليه منه] (٣). [من الطويل] وَمَا عَنْ رِضَىً كَانَتْ سُلَيْمَى بَديلةً … بِلَيْلَى ولَكِنْ للضَّروراتِ أَحْكامُ وكانت إِقامة [السلطان ببلاد] (٤) الشام، هو غاية الحزم والتدبير والإلهام، ليحفظ ما استجد من الممالك، خوفًا عليه من سطوة ما (٥) هنالك. ولما أرسل الجيوش إِلى مصر، وبقي في طائفة (٦) قليلة من عسكره، والله قد تكفل له بالنصر، كتب صاحب الموصل سيف الدين غازي (٧) ابن أخي نور الدين، إِلى جماعة الحلبيين، يلومهم على ما وقع بينهم وبين الملك صلاح الدين من المصالحة، وقد كان إِذ ذاك مشغولًا بمحاصرة أخيه عماد الدين زنكي (٨) بسنجار، وليست هذه بفعلة صالحة، وما كان سبب قتاله لأخيه إِلا لكونه أبى طاعةَ (٩) الملك الناصر وذويه، فاصطلح مع أخيه حين عرف قوة الناصر وناصريه، ثم حرَّض الحلبيين على نقض العهود، ونبذها إِليه (١٠)، فأرسلوا إِليه بالعهود التي عاهدوه عليها، ودعوه إِليها. فاستعان بالله

стр. 6397

عليهم (١)، وأرسل إِلى جيوشه المصرية ليقدموا إِليه (٢)، وأقبل صاحب الموصل بعساكره ودساكره (٣)، واجتمع بابن عمه الملك الصالح عماد الدين إِسماعيل، وسار في عشرين ألف مقاتل على الخيول الضمر (٤) الجرد الأبابيل، وسار نحوهم الناصر وهو كالهزبر الكاسر، وإِنما معه ألف فارس من الحماة و ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ولكن الجيوش المصرية (٥) قد خرجوا إِليه قاصدين، وله ناصرين في جحافل كالجبال، وعدَّة وعدد كالرمال، فاجتمع الفريقان، وتداعَوْا إِلى النزال، وذلك في يوم الخميس العاشر من شوال، فاقتتلوا قتالًا هائلًا (٦)، حتى حمل السلطان بنفسه الكريمة، فكانت بإِذن الله الهزيمة، فقتلوا خلقًا من الحلبيين والمواصلة، وأُخذت مضارب الملك سيف الدين غازي وحواصله، وأسروا جماعة من رؤوسهم، [فأطلقهم السلطان بعد ما أفاض الخلع على أبدانهم ورؤوسهم] (٧)، وقد كانوا استعانوا بجماعة من الفرنج في حال القتال، وهذا ليس من صنيع (٨) الصناديد والأبطال، وقد وجد السلطان في مخيم السلطان غازي شيئًا (٩) من الأقفاص التي فيها الطيور المطربة، وذلك في مجلس شرابه المسكر (١٠)، وكيف مَنْ كان هذا حاله ومسلكه ينتصر (١١)، فأمر السلطان بردّها عليه، وتسييرها إِليه. وقال للرسول: قل له بعد وصولك إِليه، وسلامك عليه، اشتغالك بهذه الطيور أحب من الوقوع فيما رأيت من المحذور (١٢)، وغنم السلطان [من أموالهم] (١٣) شيئًا كثيرًا، ففرقه على أصحابه غُيَّبًا كانوا أو حضورًا، وأنعم بخيمة الملك (١٤) سيف الدين غازي على ابن أخيه عز الدين فروخشاه (١٥) ابن شاهنشاه بن نجم الدين، وردّ ما كان في وطاقه من

стр. 6398

الجواري والمغنيات، وقد كان معه أكثر من مئة مغنية، وردّ الأقفاص وآلات اللهو (١) واللعب إِلى حلب، وقال: قولوا له (٢): هذه أحب إِليك من الركوع والسجود والحرب. ووجد عسكر المواصلة كالحانة من كثرة الخمور والبرابط والملاهي، وهذه سبيل كل فاسق، من هو عن طريق الخير ساهٍ لاهٍ. فصل لما رجع الحلبيون إِلى حلب فاؤوا بشرّ منقلب، وندموا على نقضهم الأيمان (٣)، ومخالفتهم طاعة الرحمن، وشقّهم العصا على السلطان، فحصَّنوا البلد، خوفًا من وثوب الأسد، وأسرع صاحب الموصل فوصلها، وما صدَّق حتى دخلها. وأما (٤) السلطان صلاح الدين، فإِنه لما فرغ من قسمة ما غنم، مما تركه من عطب ومن سلم، أسرع السير إِلى حلب الشهباء، وهو في غاية السطوة والقوة والعزة القعساء، فوجدهم قد حصّنوها، والقلعة قد أحكموها، فقال: من المصلحة أن نبادر إِلى فتح الحصون التي حول البلد، ثم نعود إِليهم فلا يمتنع علينا منهم أحد. فشرع بفتح الحصون حصنًا حصنًا، ثم يعود إِليهم ويهدم من أركان دولتهم ركنًا ركنًا، ففتح بزاعة (٥) ومنبج، ثم صار إِلى عَزاز، فأرسل الحلبيون إِلى سنان، فأرسل جماعة من أصحابه ليقتلوا صلاح الدين، فدخل طائفة منهم في جيشه في زي الجند، فقاتلوا أشد القتال، حتى اختلطوا بهم، فوجدوا فرصةً ذات يوم، والسلطان ظاهر للناس، فحمل عليه واحد منهم فضربه بالسكِّين على رأسه، فإِذا هو محترس منهم باللأمة، فسلمه الله، غير أن السكين مرت على خده، فجرحته جرحًا هينًا، ثم أخذ الفداوي رأس السلطان، فوضعه إِلى الأرض ليذبحه، ومن حوله قد أخذتهم دهشة، ثم ثاب إِليهم عقلُهم، فبادروا إِلى الفداوي فقتلوه وقطعوه، ثم هجم آخر في الساعة الراهنة على السلطان فقُتل، ثم هجم آخر على بعض الأمراء فقُتل أيضًا، وهرب الرابع فأُدرك فقُتل، وبطل القتال ذلك اليوم، ثم صمم السلطان على البلد ففتحه وأقطعه ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وقد اشتد حنقه على أهل حلب، لما فعلوا ولما أرسلوا من الفداوية إِليه، وإِقدامهم عليه.

стр. 6399

فجاء فنزل تجاه البلد على جبل جوشن، وضربت خيمته على رأس الياروقية (١)، وذلك في خامس عشر ذي الحجة، وجبى الأموال، وأخذ الخراج من القرى، ومنع أن يدخل البلد شيء أو يخرج منه شيء (٢)، واستمرّ حصاره (٣) إِياها حتى انسلخت السنة. وفي ذي الحجة من هذه السنة عاد شمس الدولة (٤) تورانشاه أخو السلطان من بلاد اليمن، [وذلك من كثرة اشتياقه] (٥) إِلى (٦) أخيه وذويه، وإِلى الشام وطيبه وظلاله، لأنه ضجر من حر اليمن، وإِن كان قد حصل على أموال جزيلة، ففرح [أخوه الملك الناصر به، واشتد أزره بسببه، ولما اجتمعا قال الناصر الناصح البَرُّ الوفي] (٧): ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ [يوسف: ٩٠] وقد استناب شمسَ الدولة على بلاد اليمن، وإِنما استناب على مخاليفها من ذوي (٨) قراباته ومن له عليه (٩) سالف المنن، ولما استقر عند أخيه استنابه على دمشق وأعمالها، وقيل: إِن قدومه كان قبل وقعة المواصلة، وكان من أكبر أسباب الظفر والنصر لشهامته وشجاعته وفروسيته وبسالته (١٠). وفيها: أنفذ تقي الدين عمر بن أخي السلطان (١١) مملوكه بهاء الدين قراقوش (١٢) في جيش إِلى بلاد المغرب، ففتح بلادًا كثيرة هنالك، وغنم أموالًا جزيلة، ثم عاد إِلى مصر، وطابت له، وترك تلك البلاد. وفيها: قدم إِلى دمشق الواعظ الكبير أبو الفتوح عبد السلام بن يوسف بن محمد بن مقلد التنوخي الدمشقي الأصل البغدادي المنشأ. ذكره العماد في "الخريدة" (١٣) وقال:

стр. 6400

كان صاحبي، وجلس للوعظ، وحضر عنده السلطان صلاح الدين. وأورد له مقطعات أشعار، فمن ذلك ما كان يقول في مجلسه: [من البسيط] (١) يا مالِكًا مُهْجَتي يا مُنْتَهى أَمَلِي … يا حاضِرًا شاهِدًا في القَلْبِ والفِكرِ خَلَقْتَني من تُرابٍ أَنْتَ خَالِقُهُ … حتّى إِذا صِرْتُ تمثالًا من الصُّوَرِ أَجْرَيْتَ فِي قَالبِي رُوحًا مُنَوَّرَةً … تَمُرُّ فيهِ كَجَرِي الماءِ في الشَّجَرِ جَمَعْتَنِي من صَفَا روحٍ مُنَوَّرَةٍ … وَهَيْكَلٍ صُغْتَهُ من مَعْدنٍ كَدِرِ إِن غِبْتُ فيكَ فَيا فَخْرِي ويا شَرفِي … وَإِنْ حَضَرْتُ فَيَا سَمْعِي وَيَا بَصَرِي أَوِ احْتَجَبْتُ فَسِرّي فيكَ في وَلَهٍ … وَإِنْ خَطَرْتُ فَقَلْبِي مِنْكَ فِي (٢) خَطَرِ تَبْدُو فَتَمْحُو رُسومي ثُمّ تُثْبِتُها … وَإِنْ تَغَيَّبْتَ عَنّي عِشْتُ بالأَثَرِ وممن توفي فيها (٣) من الأعيان: الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر (٤): علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر، أبو القاسم الدمشقي. أحد أكابر حفاظ الحديث، ومن عُني به سماعًا وإِسماعًا (٥)، وجمعًا وتصنيفًا واطلاعًا، وحفظًا لأسانيده ومتونه، وإِتقانًا لأساليبه وفنونه. صنّف "تاريخ الشام" في ثمانين مُجَلَّدة، فهي باقية بعدَه مُخَلَّدة (٦). وقد ندر على من تقدمه من المؤرخين، وأتعب من يجيء (٧) بعده من المتأخرين، فحاز فيه قصب (٨) السباق، [وحاز حدًا يأمن من فيه اللحاق] (٩)، ومن نظر فيه وتأمله، ورأى ما وصفه فيه (١٠) وأصّله، حكم بأنه فريد (١١) في التواريخ،

стр. 6401

وأنه في الذروة العليا من الشماريخ، هذا مع ما له في علوم الحديث من كتب مفيدة، وما كان مشتملًا عليه من العبادة (١) والطرائق الحميدة، فله: "أطراف الكتب الستة" (٢) و"الشيوخ النُّبَّل" (٣)، و"تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري" (٤)، وغير ذلك من المصنّفات الكبار والصغار، والأجزاء والأسفار (٥). وقد أكثر في طلب الحديث من الترحال والأسفار، وجاب المدن والأقاليم والأمصار، وجمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من الحفاظ نسخًا واستنساخًا، ومقابلة وتصحيحًا للألفاظ. وكان من أكابر بيوتات (٦) الدماشقة، ورئاسته فيهم عالية باسقة، من ذوي الأقدار والهيئات، والأموال الجزيلة والصلاة والهبات (٧). وكانت وفاته في الحادي عشر من شهر رجب، وله من العمر ثنتان وسبعون سنة. وحضر السلطان صلاح الدين جنازته، ودفن بباب الصغير رحمه الله تعالى. وكان (٨) الذي صلى عليه الشيخ قطب الدين النيسابوري (٩). قال ابن خلكان (١٠): وله أشعار كثيرة منها قوله: [من المتقارب] أَيَا نَفْسُ وَيْحَكِ جَاءَ المَشِيبُ … فَمَاذَا التَّصابِي وَمَاذَا الغَزَلْ تَوَلَّى شَبابي (١١) كَأَنْ لَمْ يَكُنْ … وَجَاءَ المَشيبُ (١٢) كَأَنْ لَمْ يَزَلْ كَأَنِّي بِنَفْسِي عَلى غِرَّةٍ … وَخَطْبُ المَنونِ بها قَدْ نَزَلْ فَيَا لَيْتَ شِعْرِيَ مِمَّنْ أَكُونُ … وَمَا قَدَّرَ اللهُ لِي في الأَزَلْ

стр. 6402

قال: وقد التزم فيها بما لا يلزم، وهو الزاي قبل اللام (١). قال (٢): وكان أخوه صائن الدين هبة الله بن الحسن محدثًا فقيهًا. اشتغل ببغداد على أسعد الميهني (٣)، ثم قدم دمشق، فدرّس بالغزالية (٤). وتوفي بها في سنة ثلاث وستين (٥)، رحمهما الله تعالى وإِيانا بمنّه. ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين وخمسمائة استهلت هذه السنة [والسلطان صلاح الدين] (٦) محاصر حلب، [وقد أشرف منها على نيل الطلب] (٧)، فسألوه وتوسلوا إِليه أن يصالحهم، فصالحهم على أن تكون حلب وأعمالها (٨) للملك الصالح فقط، فكتب (٩) بذلك الكتاب، وأبرم الحساب. فلما كان المساء (١٠) بعث السلطان الصالح إِسماعيل إِلى الملك الناصر يطلب (١١) منه زيارة قلعة إِعزاز، على ما شرّفه به من الإعزاز، وأرسل بأخت له صغيرة، وهي الخاتون بنت نور الدين، ليكون ذلك أدعى إِلى قبول [السؤال، وأنجع لحصول] (١٢) النوال. فحين رآها الناصر (١٣) قام قائمًا كالقضيب الناضر، وقبَّل الأرض، وأجابها إِلى سؤالها وأطلق لها من الجواهر [والتحف ما رأى أنه عليه فرض] (١٤).

стр. 6403

ثم ترحّل عن حلب، فقصد الإسماعيلية (١) الذين اعتدَوا عليه، فحاصر حصنهم مصياث (٢)، فقتل وسبى وحرق (٣)، وأخذ أبقارهم، وخرَّب ديارهم، وقصّر أعمارهم، حتى شفع فيهم خاله شهاب الدين محمود بن تُتُش (٤) صاحب حماة لأنهم جيرانه، فقبل شفاعته. وقد أحضر إِليه نائب بعلبك الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك بن مقدم (٥)، الذي كان نائب دمشق، جماعة من أسارى الفرنج الذين عاثوا بالبقاع في غيبة السلطان (٦)، واشتغاله بحصار مصياث، فجدد ذلك له العزم على غزو الفرنج والانبعاث، فصالح الإسماعيلية (٧) أصحاب سنان، ثم كرّ راجعًا إِلى دمشق في حراسة الرحمن، وقد تلقاه أخوه شمس الدين توران (٨) شاه إِلى حماة، فتسالما وتعانقا، وتناشدا الأشعار. ولما دخل السلطان إِلى دمشق في سابع عشر صفر فوّضها إِلى أخيه هذا شمس الدولة توران شاه ولقَّبه الملك المعظَّم. وعزم السلطان على السفر إِلى مصر، وكان القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري قد توفي في سادس المحرم من هذه السنة، وقد كان من خيار القضاة، وأخص الناس بنور الدين الشهيد، فوّض إِليه نظر الجامع ودار الضرب، وعمارة الأسوار، والنظر في المصالح العامة، ولما حضره الموت (٩) أوصى بالقضاء لابن أخيه ضياء الدين بن تاج الدين الشهرزوري (١٠)، فأمضى ذلك السلطان الملك الناصر صلاح الدين رعاية لحق الكمال الشهرزوري مع أنه كان يجد عليه بسبب ما كان بينه وبينه حين كان صلاح الدين سجنه بدمشق. وكان يعاكسه ويخالفه، ومع هذا أمضى وصيته لابن أخيه، فجلس في مجلس القضاء على عادة عمه، وقاعدته ورسمه، وبقي في نفس السلطان من تولية شرف الدين أبي سعيد عبد الله بن أبي عصرون (١١) الحلبي، وكان قد هاجر إِلى السلطان (١٢) إِلى دمشق، فوعده أن يوليه

стр. 6404

قضاءها، فأسرّ بذلك إِلى [القاضي الفاضل، فأشار] (١) القاضي (٢) الفاضل على الضياء أن يستعفي من القضاء، فاستعفى، فأُعفي، وترك له وكالة بيت المال. وولى السلطان ابن أبي عصرون على أن يستنيب القاضي محيى الدين أبا (٣) المعالي محمد بن زكي الدين (٤) والأوحد (٥) عنه، ففعل ذلك، ثم بعد سنوات (٦) استقلّ بالحكم محيى الدين أبو حامد بن أبي عصرون عوضًا عن أبيه شرف الدين بسبب ضعف بصره. وفي صفر [من هذه السنة] (٧) وقف السلطان الملك الناصر قرية خُرَّم (٨) على الزاوية الغزالية ومن يشتغل بها في العلوم (٩) الشرعية، أو ما (١٠) يحتاج إِليه الفقيه، وجعل النظر لقطب الدين النيسابوري (١١) مدرسها. وفي هذا الشهر تزوج السلطان صلاح الدين (١٢) بالست خاتون عصمة الدين (١٣) بنت معين الدين أُنر، وكانت زوجة الملك نور الدين محمود، [فأقامت بعده في القلعة محترمة مكرَّمة معظمة] (١٤)، وولي تزويجها منه أخوها الأمير سعد الدين (١٥) مسعود بن أنر. وحضر القاضي ابن أبي عصرون العقد، ومعه جماعة من العدول، وبات السلطان (١٦) عندها تلك الليلة، والتي بعدها، ثم سافر إِلى مصر بعد يومين من الدخول بها، فركب يوم الجمعة قبل الصلاة، فنزل بمرج الصُّفَّر، ثم سار فعشى قريبًا من الصنمين،

стр. 6405

ثم أغذّ السير حتى كان دخوله إِلى الديار المصرية، ثم إِلى القاهرة المعزيّة يوم السبت (١) سادس عشر من ربيع الأول من هذه السنة، في أُبَّهة الملك، وقد تلقاه أخوه ونائبه عليها الملك العادل سيف الدين أبو بكر (٢) إِلى عند بحر القُلْزُم (٣)، ومعه من الهدايا والتحف شيء كثير، ولا سيما من المآكل المتنوعة وغيرها، وكان في صحبة السلطان العمادُ الكاتب، ولم يكن ورد الديار المصرية قبل ذلك، فشرع (٤) يذكر محاسنها، وما اختصت به من بين البلدان، ووصف الهرمين (٥) وشبَّههما بأنواع من التشبيهات، وبالغ في ذلك حسب ما ذكر في "الروضتين" (٦). وفي شعبان منها (٧) ركب [السلطان الناصر بن أيوب] (٨) إِلى الإسكندرية، فأسمع ولديه الأفضل (٩) علي، والعزيز عثمان (١٠) على الحافظ السِّلَفي (١١)، وتردد بهما إِليه ثلاثة أيام: الخميس والجمعة والسبت رابع رمضان. وعزم السلطان [على الصيام] (١٢) بها، وقد كمَّل عمارة السور على البلد، وأمر بتجديد الأسطول وإِصلاح مراكبه وسفنه، وشحنه بالرجال (١٣)، والمقاتلة، وأمرهم بغزو جزائر البحر، وأقطعهم

стр. 6406

الإقطاعات الجزيلة (١)، وأرصد لصالح الأسطول من بيت المال ومغلاته ما يكفيه لجميع شؤونه، ثم عاد السلطان إِلى القاهرة في أثناء رمضان فأكمل صومه بها. وفيها: أمر السلطان صلاح الدين يوسف ببناء مدرسة للشافعية على قبر الإمام (٢) الشافعي وجعل الشيخ نجم الدين الخبوشاني (٣) مدرِّسها وناظرها. وفيها: أمر ببناء المارستان بالقاهرة، ووقف عليه أوقافًا (٤) كثيرة. وفيها: بنى الأمير مجاهد الدين قيماز (٥) نائب قلعة الموصل جامعًا حسنًا ورباطًا ومدرسة ومارستانًا متجاورات بظاهر مدينة الموصل، وقد تأخرت وفاته إِلى سنة خمس وتسعين وخمسمائة [﵀] (٦). وله عدة مدارس وخوانق (٧) وجوامع غير ما ذكرنا. وكان دينًا خيرًا فاضلًا حنفي المذهب، يذاكر في الأدب والأشعار والفقه، كثير الصيام وقيام الليل، قدس الله روحه. وفيها: أُخرج (٨) المجذومون من أهل بغداد إِلى ناحية منها ليتميّزوا عن أهل العافية، نسأل الله العافية بفضله وكرمه. وذكر ابن الجوزي في "المنتظم" (٩) عن امرأة أنها قالت: كنت أمشي في الطريق، وكان رجل يعارضني كلما مررت به، فقلت له: إِنه لا سبيل إِلى هذا الذي ترومه مني إِلا بكتاب وشهود، فتزوجني عند الحاكم، فمكثت معه مدة، ثم اعتراه انتفاخ بطنه (١٠)، فكنا نظن أن به استسقاءً، فنداويه لذلك، فلما كان بعد مدة، ولد ولدًا كما تلد النساء، وإِذا هو خنثى مشكل، وهذا من أغرب الأشياء، والله تعالى أعْلم. وممن توفي فيها من الأعيان: علي بن عساكر بن المُرَحَّب بن العوام (١١)، أبو الحسن البطائحي المقرئ اللغوي.

стр. 6407

سمع الحديث وأسمعه، وكان حسن المعرفة بالنحو واللغة. ووقف كتبه بمسجد ابن جردة ببغداد. [وكانت وفاته] (١) في شعبان، وقد نيّف على الثمانين [رحمه الله تعالى] (٢). محمد بن عبد الله بن القاسم (٣)، أبو الفضل، قاضي القضاة بدمشق، كمال الدين الشهرزوري الموصلي. وله بها مدرسة على الشافعية، وأخرى بنصيبين. وكان فاضلًا ديّنًا أمينًا ثقة ورعًا. ولي القضاء بدمشق لنور الدين محمود بن زنكي، واستوزره أيضًا، فيما حكاه ابن الساعي، قال: وكان يبعثه في الرسائل. كتب مرة على أعلى (٤) قصة إِلى الخليفة المقتفي (٥): (محمد بن عبد الله الرسول)، فكتب الخليفة تحت ذلك: ( ﷺ ). قلت: وقد فوض إِليه نور الدين نظر الجامع ودار الضرب والأسوار (٦)، وعمر له المارستان والمدارس وغير ذلك من الأمور المهمات رحمه الله تعالى. وكانت وفاته في المحرم من هذه السنة بدمشق. الخطيب شمس الدين بن الوزير أبي المضاء خطيب الديار المصرية وابن وزيرها: كان أول من خطب بديار مصر للخليفة المستضيء بأمر الله العباسي، بأمر الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم حظي عنده حتى كان قد جعله سفيرًا بينه وبين الملوك والخلفاء، وكان رئيسًا مطاعًا كريمًا ممدَّحًا، يقرأ عليه الشعراء والأدباء، ثم جعل الناصر (٧) مكانه في السفارة وأداء الرسائل ضياء الدين (٨) بن قاضي القضاة الشهرزوري بمرسوم سلطاني، وكانت (٩) وظيفة مقررة، رحمه (١٠) الله تعالى وإِيانا بمنه وكرمه.

стр. 6408

ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة فيها: أمر السلطان الناصر ببناء قلعة الجبل، وإِحاطة السُّور [على القاهرة (١) ومصر يشملها جميعًا] (٢). فعُمّرت قلعة للملك لم يكن بالديار المصرية مثلها ولا على شكلها (٣). وولي عمارة ذلك الأمير بهاء الدين قراقوش (٤) مملوك تقي الدين عمر بن شاهنشاه (٥) بن أيوب. وفيها: كانت وقعة الرملة على المسلمين؛ في جمادى الأولى منها سار السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف من الديار المصرية قاصدًا غزو الفرنج، فانتهى إِلى بلاد الرملة (٦) فسبى وسلب، وغنم وغلب، وأسر وقسر، وكسر (٧) وكسب (٨)، ثم تشاغل جيشه بالغنائم، وتفرقوا في القرى والمحال تفرُّق البهائم، وبقي السلطان (٩) في طائفة من الجيش منفردًا، فهجمت عليه الفرنج في جحفل من المقاتلة، فما سلم السلطان إِلا بعد جهد جهيد، ولله الحمد والمنة (١٠) أبلغ التحميد. وتراجع الجيش بعد تفرقهم، واجتمعوا على السلطان (١١) بعد أيام، [وما صدّق أهل الديار المصرية برؤيته بعد ما بلغهم من الإرجاف والإرهاب] (١٢)، وصار الأمر كما قيل (١٣): رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بالإيابِ ومع هذا دقَّت البشائر في البلدان، فرحًا بسلامة السلطان، ولم يجر مثل هذه الوقعة (١٤) إِلا بعد عشر سنين، وذلك يوم حِطِّين، فالحمد لله رب العالمين. وقد ثبت السلطان في هذه الوقعة ثباتًا عظيمًا،

стр. 6409

وأُسر للملك المُظفّر تقي الدين عمر (١) بن أخي السلطان ولده شاهنشاه، فبقي عندهم سبع سنين، وقُتل ابنه الآخر، وكان شابًا قد طرّ شاربه، فحزن على المقتول والمفقود، وصبر تأسيًّا بأيوب، وناح كما ناح داود، وأُسر الفقيهان الأخوان، ضياء الدين عيسى (٢) وظهير الدين، فافتداهما السلطان بعد سنين (٣) بتسعين (٤) ألف دينار. وفيها: تخبَّطت الدولة بحلب، وقبض السلطان الملك الصالح إِسماعيل بن نور الدين على الخادم كمشتكين، وألزمه بتسليم قلعة حارم، وكانت له، فأبى من ذلك، فعلّقه منكوسًا، ودخن تحت أنفه حتى مات من ساعته. وقصدت الفرنج حارم، فامتنعت عليهم، ثم سلِّمت إِلى الملك الصالح. وفيها: جاء ملك كبير من ملوك الفرنج يروم أخذ الشام لغيبة السلطان، واشتغال نوابه بلذاتهم (٥). قال العماد الكاتب: ومن شرط هدنة الفرنج أنه متى جاء ملك كبير من ملوكهم، لا يمكنهم دفعه فإِنهم يقاتلون معه ويؤازرونه وينصرونه، فإِذا انصرف عنهم عادت الهدنة كما كانت. فقصد هذا الملك وجملة الفرنج معه (٦) مدينة حماة، وصاحبها شهاب الدين محمود خال السلطان مريض، ونائب دمشق ومَنْ معه من الأمراء مشغولون بلذاتهم (٧)، فكادوا يأخذون البلد، ولكن هزمهم الله بعد أربعة أيام، فانصرفوا إِلى حارم، فلم يتمكنوا من أخذها، وكشفهم عنها الملك الصالح صاحب حلب، وقد دفع إِليهم من الأموال والأسارى ما طلبوه منه (٨)، وتوفي صاحب حماة الأمير شهاب الدين محمود بن تتش خال السلطان [الناصر، وتوفي] (٩) قبله ولده تُتُش [بثلاثة أيام] (١٠)، ﵀ (١١). ولما سمع السلطان الملك الناصر بنزول الفرنج على حارم برز من الديار المصرية (١٢) قاصدًا بلاد

стр. 6410

الشام لغزو الفرنج، لعنهم (١) الله تعالى، فكان دخوله إِلى دمشق في الرابع والعشرين من شوال (٢)، وصحبته العماد الكاتب، وتأخر القاضي الفاضل بمصر (٣) ناويًا الحج في هذا العام، تقبل الله منه (٤). وفيها: جاء كتاب (٥) القاضي الفاضل إِلى الناصر يهنِّئه بوجود (٦) مولود، وهو أبو سليمان داود، وهو موفٍ (٧) لاثني عشر ذكرًا، وقد ولد له بعده عدة ذكور أيضًا، فإِنه توفي عن سبعة عشر ولدًا ذكرًا، وابنة صغيرة، وهي (٨) مؤنسة التي تزوجها ابن عمها الكامل محمد بن العادل (٩) كما سيأتي بيان ذلك في موضعه إِن شاء الله تعالى (١٠). وفي هذه السنة جرت فتنة (١١) عظيمة بين اليهود والعامة ببغداد، وكانت بسبب أن مؤذِّنًا أذَّن عند كنيسة اليهود، فنال منه بعض اليهود بكلام أغلظ له فيه، فشتمه (١٢) المسلم، فاقتتلا، فجاء المؤذِّن، يشتكي منه إِلى الديوان، وتفاقم الحال، وكثرت العوام، وأكثروا الضجيج، ولما كان يوم الجمعة (١٣) منعت العامة إِقامة الخطبة في بعض الجوامع، وخرجوا من فورهم، فنهبوا سوق العطّارين الذي فيه اليهود، وذهبوا إِلى كنيسة اليهود فنهبوها، ولم يتمكن الشرط من ردهم، فأمر الخليفة بصلب بعض العامة، فأخرج في الليل جماعة من الشطار من الحبس (١٤)، فصُلبوا، فظن كثير من الناس أن هذا كان بسبب هذه الكائنة، فسكنت (١٥) الفتنة، ولله الحمد.
следующие страницы →