← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

الإقطاعات الجزيلة (١)، وأرصد لصالح الأسطول من بيت المال ومغلاته ما يكفيه لجميع شؤونه، ثم عاد السلطان إِلى القاهرة في أثناء رمضان فأكمل صومه بها. وفيها: أمر السلطان صلاح الدين يوسف ببناء مدرسة للشافعية على قبر الإمام (٢) الشافعي وجعل الشيخ نجم الدين الخبوشاني (٣) مدرِّسها وناظرها. وفيها: أمر ببناء المارستان بالقاهرة، ووقف عليه أوقافًا (٤) كثيرة. وفيها: بنى الأمير مجاهد الدين قيماز (٥) نائب قلعة الموصل جامعًا حسنًا ورباطًا ومدرسة ومارستانًا متجاورات بظاهر مدينة الموصل، وقد تأخرت وفاته إِلى سنة خمس وتسعين وخمسمائة [﵀] (٦). وله عدة مدارس وخوانق (٧) وجوامع غير ما ذكرنا. وكان دينًا خيرًا فاضلًا حنفي المذهب، يذاكر في الأدب والأشعار والفقه، كثير الصيام وقيام الليل، قدس الله روحه. وفيها: أُخرج (٨) المجذومون من أهل بغداد إِلى ناحية منها ليتميّزوا عن أهل العافية، نسأل الله العافية بفضله وكرمه. وذكر ابن الجوزي في "المنتظم" (٩) عن امرأة أنها قالت: كنت أمشي في الطريق، وكان رجل يعارضني كلما مررت به، فقلت له: إِنه لا سبيل إِلى هذا الذي ترومه مني إِلا بكتاب وشهود، فتزوجني عند الحاكم، فمكثت معه مدة، ثم اعتراه انتفاخ بطنه (١٠)، فكنا نظن أن به استسقاءً، فنداويه لذلك، فلما كان بعد مدة، ولد ولدًا كما تلد النساء، وإِذا هو خنثى مشكل، وهذا من أغرب الأشياء، والله تعالى أعْلم. وممن توفي فيها من الأعيان: علي بن عساكر بن المُرَحَّب بن العوام (١١)، أبو الحسن البطائحي المقرئ اللغوي.

стр. 6407

سمع الحديث وأسمعه، وكان حسن المعرفة بالنحو واللغة. ووقف كتبه بمسجد ابن جردة ببغداد. [وكانت وفاته] (١) في شعبان، وقد نيّف على الثمانين [رحمه الله تعالى] (٢). محمد بن عبد الله بن القاسم (٣)، أبو الفضل، قاضي القضاة بدمشق، كمال الدين الشهرزوري الموصلي. وله بها مدرسة على الشافعية، وأخرى بنصيبين. وكان فاضلًا ديّنًا أمينًا ثقة ورعًا. ولي القضاء بدمشق لنور الدين محمود بن زنكي، واستوزره أيضًا، فيما حكاه ابن الساعي، قال: وكان يبعثه في الرسائل. كتب مرة على أعلى (٤) قصة إِلى الخليفة المقتفي (٥): (محمد بن عبد الله الرسول)، فكتب الخليفة تحت ذلك: ( ﷺ ). قلت: وقد فوض إِليه نور الدين نظر الجامع ودار الضرب والأسوار (٦)، وعمر له المارستان والمدارس وغير ذلك من الأمور المهمات رحمه الله تعالى. وكانت وفاته في المحرم من هذه السنة بدمشق. الخطيب شمس الدين بن الوزير أبي المضاء خطيب الديار المصرية وابن وزيرها: كان أول من خطب بديار مصر للخليفة المستضيء بأمر الله العباسي، بأمر الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم حظي عنده حتى كان قد جعله سفيرًا بينه وبين الملوك والخلفاء، وكان رئيسًا مطاعًا كريمًا ممدَّحًا، يقرأ عليه الشعراء والأدباء، ثم جعل الناصر (٧) مكانه في السفارة وأداء الرسائل ضياء الدين (٨) بن قاضي القضاة الشهرزوري بمرسوم سلطاني، وكانت (٩) وظيفة مقررة، رحمه (١٠) الله تعالى وإِيانا بمنه وكرمه.

стр. 6408

ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة فيها: أمر السلطان الناصر ببناء قلعة الجبل، وإِحاطة السُّور [على القاهرة (١) ومصر يشملها جميعًا] (٢). فعُمّرت قلعة للملك لم يكن بالديار المصرية مثلها ولا على شكلها (٣). وولي عمارة ذلك الأمير بهاء الدين قراقوش (٤) مملوك تقي الدين عمر بن شاهنشاه (٥) بن أيوب. وفيها: كانت وقعة الرملة على المسلمين؛ في جمادى الأولى منها سار السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف من الديار المصرية قاصدًا غزو الفرنج، فانتهى إِلى بلاد الرملة (٦) فسبى وسلب، وغنم وغلب، وأسر وقسر، وكسر (٧) وكسب (٨)، ثم تشاغل جيشه بالغنائم، وتفرقوا في القرى والمحال تفرُّق البهائم، وبقي السلطان (٩) في طائفة من الجيش منفردًا، فهجمت عليه الفرنج في جحفل من المقاتلة، فما سلم السلطان إِلا بعد جهد جهيد، ولله الحمد والمنة (١٠) أبلغ التحميد. وتراجع الجيش بعد تفرقهم، واجتمعوا على السلطان (١١) بعد أيام، [وما صدّق أهل الديار المصرية برؤيته بعد ما بلغهم من الإرجاف والإرهاب] (١٢)، وصار الأمر كما قيل (١٣): رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بالإيابِ ومع هذا دقَّت البشائر في البلدان، فرحًا بسلامة السلطان، ولم يجر مثل هذه الوقعة (١٤) إِلا بعد عشر سنين، وذلك يوم حِطِّين، فالحمد لله رب العالمين. وقد ثبت السلطان في هذه الوقعة ثباتًا عظيمًا،

стр. 6409

وأُسر للملك المُظفّر تقي الدين عمر (١) بن أخي السلطان ولده شاهنشاه، فبقي عندهم سبع سنين، وقُتل ابنه الآخر، وكان شابًا قد طرّ شاربه، فحزن على المقتول والمفقود، وصبر تأسيًّا بأيوب، وناح كما ناح داود، وأُسر الفقيهان الأخوان، ضياء الدين عيسى (٢) وظهير الدين، فافتداهما السلطان بعد سنين (٣) بتسعين (٤) ألف دينار. وفيها: تخبَّطت الدولة بحلب، وقبض السلطان الملك الصالح إِسماعيل بن نور الدين على الخادم كمشتكين، وألزمه بتسليم قلعة حارم، وكانت له، فأبى من ذلك، فعلّقه منكوسًا، ودخن تحت أنفه حتى مات من ساعته. وقصدت الفرنج حارم، فامتنعت عليهم، ثم سلِّمت إِلى الملك الصالح. وفيها: جاء ملك كبير من ملوك الفرنج يروم أخذ الشام لغيبة السلطان، واشتغال نوابه بلذاتهم (٥). قال العماد الكاتب: ومن شرط هدنة الفرنج أنه متى جاء ملك كبير من ملوكهم، لا يمكنهم دفعه فإِنهم يقاتلون معه ويؤازرونه وينصرونه، فإِذا انصرف عنهم عادت الهدنة كما كانت. فقصد هذا الملك وجملة الفرنج معه (٦) مدينة حماة، وصاحبها شهاب الدين محمود خال السلطان مريض، ونائب دمشق ومَنْ معه من الأمراء مشغولون بلذاتهم (٧)، فكادوا يأخذون البلد، ولكن هزمهم الله بعد أربعة أيام، فانصرفوا إِلى حارم، فلم يتمكنوا من أخذها، وكشفهم عنها الملك الصالح صاحب حلب، وقد دفع إِليهم من الأموال والأسارى ما طلبوه منه (٨)، وتوفي صاحب حماة الأمير شهاب الدين محمود بن تتش خال السلطان [الناصر، وتوفي] (٩) قبله ولده تُتُش [بثلاثة أيام] (١٠)، ﵀ (١١). ولما سمع السلطان الملك الناصر بنزول الفرنج على حارم برز من الديار المصرية (١٢) قاصدًا بلاد

стр. 6410

الشام لغزو الفرنج، لعنهم (١) الله تعالى، فكان دخوله إِلى دمشق في الرابع والعشرين من شوال (٢)، وصحبته العماد الكاتب، وتأخر القاضي الفاضل بمصر (٣) ناويًا الحج في هذا العام، تقبل الله منه (٤). وفيها: جاء كتاب (٥) القاضي الفاضل إِلى الناصر يهنِّئه بوجود (٦) مولود، وهو أبو سليمان داود، وهو موفٍ (٧) لاثني عشر ذكرًا، وقد ولد له بعده عدة ذكور أيضًا، فإِنه توفي عن سبعة عشر ولدًا ذكرًا، وابنة صغيرة، وهي (٨) مؤنسة التي تزوجها ابن عمها الكامل محمد بن العادل (٩) كما سيأتي بيان ذلك في موضعه إِن شاء الله تعالى (١٠). وفي هذه السنة جرت فتنة (١١) عظيمة بين اليهود والعامة ببغداد، وكانت بسبب أن مؤذِّنًا أذَّن عند كنيسة اليهود، فنال منه بعض اليهود بكلام أغلظ له فيه، فشتمه (١٢) المسلم، فاقتتلا، فجاء المؤذِّن، يشتكي منه إِلى الديوان، وتفاقم الحال، وكثرت العوام، وأكثروا الضجيج، ولما كان يوم الجمعة (١٣) منعت العامة إِقامة الخطبة في بعض الجوامع، وخرجوا من فورهم، فنهبوا سوق العطّارين الذي فيه اليهود، وذهبوا إِلى كنيسة اليهود فنهبوها، ولم يتمكن الشرط من ردهم، فأمر الخليفة بصلب بعض العامة، فأخرج في الليل جماعة من الشطار من الحبس (١٤)، فصُلبوا، فظن كثير من الناس أن هذا كان بسبب هذه الكائنة، فسكنت (١٥) الفتنة، ولله الحمد.

стр. 6411

وفيها: خرج وزير الخليفة عضد الدولة بن رئيس الرؤساء بن المسلمة قاصدًا للحج، وخرج الناس في خدمته ليودِّعوه، فتقدم إِليه ثلاثة من الباطنية في صورة فقراء ومعهم قصص، فتقدم أحدهم ليناوله قصته فاعتنقه (١) وضربه بالسكين ضربات، وهجم الثاني، وكذا (٢) الثالث، فهبَّروه، وجرحوا جماعة من (٣) حوله، وقتل الثلاثة من فورهم، وحرقوا (٤)، ورجع الوزير إِلى منزله محمولًا، فمات من (٥) يومه، سامحه الله ولطف به. وقد كان تبع ولدي (٦) الوزير ابن هبيرة ومازال حتى قتلهما وأعدمهما، [فسلط الله عليه من قتله] (٧)، وكما تدين تدان، جزاءً وفاقًا، [وما ربك بظلام للعبيد] (٨). وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: صدقة بن الحسين، أبو الفرج الحداد (٩): قرأ القرآن، وسمع الحديث، وتفقّه وأفتى، وقال الشعر، ونظر (١٠) في الكلام، وناظر. وله تاريخ ذيَّل فيه على شيخه ابن الزاغوني (١١)، وفيه غرائب وعجائب. وقال ابن الساعي: كان شيخًا عالمًا فاضلًا، وكان فقيرًا يأكل من أجرة النسخ، وكان يأوي إِلى مسجد ببغداد عند البدرية يؤمّ فيه، وكان يتعتب على الزمان وبنيه. ورأيت ابن الجوزي في "المنتظم" (١٢) يذمّه ويرميه بالعظائم، وأورد له من أشعاره ما فيه مشابهة لابن الراوندي (١٣) في الزندقة،

стр. 6412

فالله أعلم. وكانت وفاته (١) في ربيع الآخر عن خمس وسبعين سنة، ودفن بباب حرب. ورؤيت له منامات غير صالحة، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. محمد (٢) بن أحمد بن عبد الجبار، أبو المظفر الحنفي المعروف بالمُشَطَّب (٣): كان من الفضلاء المشاهير، تفقّه ودرّس وأفتى وناظر (٤). توفي في هذه السنة، وقد جاوز الثمانين. محمد بن أسعد بن محمد، أبو منصور العطار المعروف بحَفَدة (٥): سمع الكثير، وتفقه وناظر وأفتى ودرس. وقدم بغداد فمات بها في هذه السنة، رحمه الله تعالى (٦). محمود بن شهاب الدين الحارمي (٧)، خال السلطان صلاح الدين: كان من خيار الأمراء وشجعانهم، وقد أقطعه ابن أخته حماة حين فتحها، وقد حاصره الفرنج هناك (٨) هذه السنة، وهو مريض، ففتحوها، وقتلوا بعض أهلها، ثم تناخى أهلها فردّوهم خائبين، ولله الحمد. فاطمة بنت نصر بن العطار (٩): كانت من سادات النساء، فإِنها (١٠) من سلالة أخت صاحب المخزن (١١)، وكانت من العابدات

стр. 6413

المتورِّعات المخدَّرات (١)، يقال: إِنها لم تخرج من منزلها سوى ثلاث مرات، وقد أثنى عليها الخليفة وغيره، والله (٢) أعلم. ثم دخلت سنة أربع وسبعين وخمسمائة فيها: ورد كتاب من القاضي الفاضل، وهو بمصر (٣)، إِلى السلطان، وهو بالشام (٤)، يهنِّئه بسلامة أولاده الملوك الإثني عشر يقول [في بعضه] (٥): "وهم بحمد الله بهجة الدنيا وزينتها (٦)، وريحان (٧) الحياة وزهرتها، وإِن فؤادًا وسع فراقهم لواسع، وإِن قلبًا قنع بأخبارهم لقانع، وإِن طَرْفًا نام على البعد عنهم (٨) لهاجع، وإِنَّ ملكًا ملك تصبّره (٩) عنهم لحازم، وإِن نعمة الله فيهم لنعمة (١٠) بها العيش ناعم، أما يشتاق جيد المولى أن يتطوّق (١١) بدُررهم. أما تظمأ عينه أن تُروى بنظرهم (١٢)، أما يحنّ قلبه إِلى قلبه (١٣)، أما يلتقط ذلك الطائر بتقبيلهم (١٤) ما خرج من حبه، وللمولى أبقاه الله أن يقول: [من الطويل] وَمَا مِثْلُ هَذا (١٥) الشَّوْقِ تَحْمِلُ مُضْغَةٌ (١٦) … وَلَكِنَّ قَلْبِي في الهَوَى يَتَقَلَّبُ (١٧)

стр. 6414

وفيها: أسقط السلطان الناصر (١) صلاح الدين المكوس والضرائب عن الحجاج بمكة، وقد كان يؤخذ من حجاج المغرب (٢) شيء كثير، ومن عجز عن أدائه حبس، فربما فاته الوقوف بعرفة، وعوّض أميرها بمال يقطعه (٣) بديار مصر، وأن يحمل إِليه في كل سنة ثمانية آلاف أردبّ غلة إِلى مكة، ليكون عونًا له ولأتباعه ورفقًا بما تيسر على المجاورين من ابتياعه، وقرر (٤) للمجاورين أيضًا غلات، تحمل إِليهم وصلات، ﵀ في سائر الأوقات. وفيها: عصى الأمير شمس الدين بن مقدم (٥) ببعلبك، ولم يجيء إِلى خدمة السلطان، وهو نازل على ظاهر حمص، وذلك أنه بلغه أن أخا (٦) السلطان توران شاه (٧) طلب بعلبك من السلطان (٨) فأطلقها له، فامتنع من الخروج منها ابن مقدم (٩) حتى جاء السلطان بنفسه، فحصره (١٠) فيها من غير قتال، [فجاءت الأمطار والبَرَد، فعاد إِلى دمشق في رجب، ووكل بالبلد من يحصره من غير قتال] (١١)، ثم عوّض ابن مقدم عنها بتعويض كثير خير مما كان بيده، فخرج منها وتسلمها تورانشاه. قال ابن الأثير (١٢): وكان في هذه السنة غلاء شديد، بسبب قلة المطر، وعمّ العراق والشام وديار مصر، واستمر إِلى سنة خمس وسبعين، فجاء المطر، ورخصت الأسعار، ثم عقب ذلك (١٣) وباءٌ شديد، وعمَّ البلاد مرضٌ واحد (١٤) وهو البرسام (١٥)، فما ارتفع إِلا في سنة ست وسبعين، فمات في (١٦) ذلك الوباء خلق كثير، وأمم لا يعلم عددهم إِلا الذي خلقهم (١٧).

стр. 6415

وفي رمضان منها (١) وصلت خِلع الخليفة إِلى الملك صلاح الدين، وهو بدمشق، [وكانت سنية عظيمة جدًا] (٢)، وزيد في ألقابه (معزّ أمير المؤمنين)، وخلع أيضًا على أخيه تورانشاه (٣) ولُقب (بمصطفى أمير المؤمنين). وفيها: جهز [الملك صلاح الدين] (٤) ابن أخيه فروخشاه (٥) بن شاهنشاه بن أيوب بين يديه لقتال الفرنج الذين قد عزموا على قتال المسلمين، وعاثوا في نواحي دمشق [وقراها، ونهبوا ما حولها وأرجاءها، وأمره أن يداريهم حتى يتوسطوا البلاد، ولا يقاتلهم حتى يقدم] (٦) عليه، فلما التقوا عاجلوه بالقتال، فكسرهم، وقتل من ملوكهم صاحب الناصرة والهنفري، وكان من أكابر ملوكهم وشجعانهم، لا ينهنهه اللقاء، فكبته الله في هذه الغزوة، وركب السلطان صلاح الدين في إِثر ابن أخيه فما وصل إِلى الكسوة حتى تلقته الرؤوس على الرماح، والغنائم والأسارى والأرماح (٧)، والجيش في سُمْره وبيضه من المشارف والصفاح. وفي هذه السنة بنت الفرنج، لعنهم الله، قلعة عند بيت الأحزان للداوية (٨) فجعلوها مرصادًا لحرب المسلمين، وقطع طرقاتهم عليهم (٩)، ونقضت ملوكهم العهود التي كانت بينهم وبين صلاح الدين. وأغاروا على نواحي البلدان من كل جانب، ليشغلوا المسلمين عنهم، وتتفرق (١٠) جيوشهم في بقعة واحدة، فرتب السلطان ابن أخيه تقي الدين عمر (١١) بثغر حماة، ومعه شمس الدين بن مقدم (١٢)،

стр. 6416

وسيف الدين علي بن أحمد المشطوب (١). وبثغر حمص ابن عمه ناصر الدين بن أسد الدين شيركوه (٢)، وبعث إِلى أخيه سيف الدين أبي بكر، وهو الملك العادل (٣) نائب مصر يأمره أن يرسل إِليه بألف وخمسمائة فارس (٤) يستعين بهم على قتال الفرنج. وكتب إِلى الفرنج يأمرهم بتخريب هذا الحصن الذي بنوه للداوية، فامتنعوا إِلا أن يبذل لهم ما غرموه عليه، فبذل لهم ستين ألف دينار، فلم يقبلوا، ثم أوصلهم (٥) إِلى مئة ألف دينار فأبوا، فقال له ابن أخيه تقي الدين عمر: ابذل هذه في أجناد (٦) المسلمين، وسر إِلى هذا الحصن فخرِّبه (٧)، ففعل ذلك، فكان كذلك (٨) في السنة الآتية كما (٩) سنذكره بعدُ إِن شاء الله. وفيها: أمر الخليفة المستضيء (١٠) بكتابة لوح على قبر الإِمام أحمد (١١) بن حنبل (١٢) فيه آية الكرسي، وبعدها: هذا قبر تاج السُّنَّة، وحيد الأمة (١٣)، العالي الهمة، العالم العابد، الفقيه الزاهد، وذكر (١٤) تاريخ وفاته رحمه الله تعالى (١٥). وفيها: احتيط ببغداد على شاعر ينشد للروافض (١٦)، يقال له ابن قرايا (١٧) يقف في الأسواق ويذكر أشعارًا يضمنها ذم الصحابة، [﵃] (١٨)، وسبَّهم وتجويرهم، وتهجين من أحبهم. فعُقد له

стр. 6417

مجلس بأمر الخليفة المستضيء (١)، واستنطق (٢)، فإِذا هو رافضي خبيث داعية (٣)، جلدٌ، فأفتى الفقهاءُ بقطع لسانه ويده (٤)، ففعل به ذلك، ثم اختطفته العامة، فما زالوا يرمونه بالآجر، حتى ألقى نفسه في دجلة، فاستخرجوه منها، وقتلوه حتى مات. فأخذوا شريطًا، وربطوه في رجليه (٥)، وطوَّفوا به في البلد يجرجرونه في أكنافها، ثم ألقوه في بعض الأتُونات (٦) مع الآجر والكلس، وعجز الشرط عن تخليصه منهم. وممن توفي فيها من الأعيان: أسعد بن يَلْدرك أبو أحمد الجِبْريلي (٧): سمع الحديث، وكان شيخًا ظريفًا، حسن المذاكرة، جيد النادرة، سريع المبادرة (٨). توفي في هذه السنة عن مئة سنة وأربع سنين، رحمه الله تعالى. محمد بن نسيم بن عبد الله، أبو عبد الله الخياط عتيق الرئيس أبي الفضل بن عَيْشون (٩): سمع الحديث، وقارب الثمانين، سقط من درجة، فمات. قال أنشدني مولى والدي يعني ابن أعلى الحكيم، أبو الفضل بن (١٠) عيشون: [من الكامل] القَارِئُ التَّشْريحَ (١١) أَجْدَرُ بالتُّقَى … مِنْ راهبٍ في دَيْرِهِ مُتَقَوِّسِ وَمُراقِبٌ (١٢) الأَفْلاكِ كانَتْ نَفْسُهُ … بِعِبادَةِ الرَّحْمنِ أَحْرَى الأَنْفُسِ

стр. 6418

والمَاسِحُ الأَرْضِينَ وَهِي رَحيبةٌ (١) … أوْلَى بِمَسْحِ في أَكُفِّ اللُّمَّسِ (٢) أَوْلَى بخِيفَةِ (٣) رَبِّهِ مِنْ جَاهِلٍ … بِمُثَلَّثٍ وَمُرَبَّعٍ وَمُخَمَّسِ الحَيْصَ بَيْصَ (٤) سعد بن محمد بن سعد، شهاب الدين، أبو الفوارس الصَّيْفي الشاعر (٥) المعروف بـ "حَيْصَ بَيْص": له ديوان (٦) شعر مشهور. وكانت وفاته في يوم الثلاثاء خامس شعبان من هذه السنة، وله ثنتان وثمانون سنة، وصُلِّي عليه بالنظامية، ودفن بباب التبن (٧)، ولم يعقب. ولم يكن له في المراسلات بديل، كان يتقعَّر فيها، ويتفاصح جدًا، فلا تواتيه إِلا وهي مغربة (٨)، وكان يزعم أنه من بني تميم (٩)، فسئل أبوه عن ذلك، فقال: ما سمعته إِلَّا منه، فقال بعض الشعراء يهجوه فيما ادَّعاه من ذلك (١٠): [من الخفيف] كَمْ تَبَادَى (١١) وَكَمْ تُطَوّلٌ (١٢) طرطو … رَكَ (١٣)!! ما فِيكَ (١٤) شَعْرَةٌ مِنْ تَمِيمِ فَكُلِ الضَّبَّ وَابْلَعِ (١٥) الحَنْظَلَ اليَا … بِسَ واشْرَبْ مَا شِئْتَ بَوْلَ الظَّلِيمِ لَيْسَ ذَا وَجْهُ مَنْ يُضِيفُ وَلَا يُقْـ … ــرِي وَلَا يَدْفَعُ الأَذَى عَن حَرِيمِ

стр. 6419

ومن شعر الحيص بيص [المستجاد قوله (١): [من المنسرح] سَلامَةُ المَرْءِ سَاعَةٌ عَجَبُ … وَكُلُّ شَيْءٍ لِحَتْفِهِ سَبَبُ يَفِرُّ والحادِثاتُ تَطْلُبُهُ … يَفِرُّ منها وَنَحْوَها الهَرَبُ وَكَيْفَ يَبْقَى عَلَى تَقلُّبِهِ … مُسَلِّمًا مِنْ حَياتِهِ العَطَبُ ومن شعره أيضًا قوله (٢): [من السريع] [لا تَلْبَسِ الدَّهْرَ عَلَى غِرَّةٍ … فَمَا لِمَوْتِ الحيِّ مِنْ بُدِّ] (٣) ولا يُخَادِعْكَ طَويلُ البَقَا … فَتَحْسبَ الطُّولَ مِنَ الخُلْدِ (٤) يَقْربُ مَا كَانَ لَهُ آخِرٌ … ما أَقْرَبَ المَهْدَ مِنَ اللَّحْدِ ويقرب من هذا قول صاحب العقد، وهو أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي (٥) في عقده (٦): ألا إِنَّما الدُّنْيا غضَارَةُ أَيْكَةٍ … إِذا اخْضَرَّ منها جَانِبٌ جَفَّ جَانِبُ وَمَا الدَّهْرُ والآمالُ إِلَّا فَجَائِعٌ … عَلَيْهَا وَمَا اللَّذَّاتُ إِلَّا مَصَائِبُ فَلَا تَكْتَحِلْ عَيْناكَ فِيهَا بِعَبْرَةٍ … عَلَى ذَاهِبٍ مِنْها فَإِنَّكَ ذَاهِبُ وقد ذكر السمعاني (٧) أبو سعد حيص بيص هذا في ذيله (٨)، وأثنى عليه، وسمع عليه ديوانه ورسائله. وأثنى على رسائله القاضي ابن خلكان (٩)، وقال: كان فيه تِيه وكبر (١٠)، وكان لا يتكلم إِلا مغربًا،

стр. 6420

وكان فقيهًا، شافعي المذهب، واشتغل بالخلاف وعلم النظر، ثم تشاغل عن ذلك كله بالشعر، وكان من أخبر الناس بأشعار العرب واختلاف لغاتهم. قال (١): وإِنما قيل له: الحيص بيص، لأنه رأى الناس في حركة واختلاط، فقال: ما للناس في حيص بيص، أي: في شدة وهرج، فغلبت عليه هذه الكلمة، وكان يزعم أنه من ولد أكثم بن صيفي طبيب العرب، ولم يترك عقبًا. كانت له حوالة بالحلة، فذهب يتقاضاها (٢)، فتوفي ببغداد في هذه السنة، رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة وفيها: كانت وقعة مرج عيون. استهلّت هذه السنة، والسلطان صلاح الدين الناصر (٣) نازل بجيشه على تلّ القاضي ببانياس، ثم قصده الفرنج بقضِّهم وقضيضهم (٤)، فنهض إِليهم [نهوض الأسد، فالتقاهم] (٥)، فما هو إِلا أن تواجه (٦) الفريقان، واصطدم الجيشان (٧)، حتى أنزل الله نصره، وأعز جنده، [وهزم الأعداء وحده] (٨)، ففرَّت (٩) ألوية الصلبان ذاهبة، وخيل الله لرقابهم (١٠) راكبة، فقتل منهم خلق كثير، [وجم غفير] (١١)، وأسر من ملوكهم جماعة، وأنابوا إِلى السمع والطاعة، منهم مقدم الدَّاوية، ومقدم الاستبارية، وصاحب الرملة، وصاحب طبرية، وقسطلان يافا، وآخرون من ملوكهم، وخلق من شجعانهم وأبطالهم، ومن فرسان القدس جماعة كثيرة، قريبًا (١٢) من ثلاثمائة أسير، من أشراف النصارى، فصاروا يَتَهَادَوْن (١٣) في قيودهم كأنهم سُكارى، وما هم بسُكارى.

стр. 6421

قال العماد الكاتب: فاستعرضهم السلطان في الليل إِلى أن (١) أضاء الفجر عن الظلماء، وصلّى يومئذ الصبح بوضوء العشاء، وقد كان السلطان جالسًا ليلتئذ في نحو العشرين، [وهم في هذه العدة] (٢) فسلمه الله تعالى منهم، ولله الحمد رب العالمين. ثم أرسل بهم (٣) إِلى دمشق ليعتقلوا بقلعتها، وليكونوا في كنف دولتها، فافتدى ابن البارزاني (٤) صاحب الرملة نفسه [بعد سنة] (٥) بمئة ألف دينار [وخمسين ألف دينار] (٦) صورية، وإِطلاق ألف أسير من بلاده، فأجيب إِلى ذلك. وكذا افتدى جماعة منهم أنفسهم بأموال جزيلة، وتحف جليلة، ومنهم من مات في السجن، فانتقل منه إِلى سِجِّين، وهكذا يفعل الله (٧) بالكافرين. واتّفق أنه في اليوم الذي ظفر فيه السلطان على الفرنج بمرج عيون هذا، ظهر الأسطول [على] بطسة (٨) للفرنج في البحر، وأخرى معها، فغنموا منها ألف رأس من السبي، وعاد إِلى الساحل مؤيدًا منصورًا. وقد امتدح الشعراء السلطان في هذه الغزوة بمدائح كثيرة، وكتب بذلك إِلى بغداد، فدقّت البشائر بها فرحًا وسرورًا بظهور المسلمين على أعداء الله (٩) المجرمين. وكان الملك المظفر تقي الدين عمر (١٠) غائبًا عن هذه الوقعة مشتغلًا بما هو أعظم (١١) منها. وذلك أن ملك الروم قرارسلان (١٢) بعث يطلب حصن رَعْبَان (١٣)، وزعم أن نور الدين اغتصبه منه، وأن ولده قد

стр. 6422

أغضى (١) له عنه، [فلم يجبه السلطان تقي الدِّين عمر إِلى ذلك، فبعث صاحب الروم] (٢) عشرين ألف مقاتل يحصرونه، فأرسل السلطان تقيَّ الدين عمر في ثمانمائة فارس، منهم سيف الدين علي بن أحمد المشطوب (٣)، فالتقوا بهم، فهزموهم (٤) بإِذن (٥) الله تعالى. واستقرت يد الملك (٦) صلاح الدين على حصن رعبان، وقد كان مما عُوض به ابن المقدم (٧) عن بعلبك. وكان تقي الدين عمر يفتخر بهذه الوقعة، ويرى أنه قد هزم عشرين ألفًا، وقيل: ثلاثين ألفًا، بثمان مئة فارس. وكان السبب في ذلك أنه بيَّتَهم وأغار عليهم، وهم غارون، فما لبثوا أمامه، بل فروا منهزمين عن آخرهم فأكثر فيهم القتل، واستحوذ على جميع ما تركوه في خيامهم، ويقال: إِنه أصابهم (٨) يوم كسر السلطان الفرنج بمرج عيون، والله أعلم. تخريب حصن بيت (٩) الأحزان (١٠) قريب من صفد ثم ركب السلطان في جحافله إِلى الحصن الذي كانت الفرنج قد بنوه في العام الماضي وحفروا فيه بئرًا، وجعلوه لهم عينًا، وسلموه إِلى الداوية، فقصده السلطان، فحاصره، ونقبه من جميع جهاته، وألقى فيه النيران، فجعله دكًا، وخرّبه إِلى الأساس، وغنم ما فيه (١١) من الحواصل، فكان فيه مئة ألف قطعة من السلاح، ومن المأكل شيء كثير، وأخذ منه سبعمائة أسير، فقتل بعضًا، وأرسل إِلى دمشق الباقين (١٢)، ثم عاد إِلى دمشق مؤيدًا منصورًا، غير أنه مات من أمرائه عشرة، بسبب ما نالهم من الحر والوجاء في مدة الحصار، وكانت أربعة عشر (١٣) يومًا، وعاد الناس إِلى زيارة مشهد يعقوب على العادة القديمة (١٤).

стр. 6423

وقد امتدحه الشعراء فقال بعضهم (١): [من الطويل] بِجِدِّكَ أَعْطَافُ القَنَا تَتَعَطَّفُ (٢) … وَطَرْفُ الأَعادِي دُونَ مَجْدِكَ يَطْرِفُ شِهابُ هُدىً في ظُلْمَةِ الشِّرْكِ (٣) ثاقِبٌ … وَسَيْفٌ إِذا ما هَزَّهُ الله مُرْهَفُ (٤) وَقَفْتَ عَلَى حِصْنِ المَخَاضِ وَإِنَّهُ … لَمَوْقِفُ حَقٍّ لَا يُوازِيهِ مَوْقِفُ فَلَمْ يَبْدُ وَجْهُ الأَرْضِ بَلْ حَالَ دُونَهُ … رِجَالٌ كآسادِ الشَّرَى وَهْيَ تَزْحَفُ وَجَرْدَاءُ سُلْهُوبٌ (٥) وَدِرْعٌ مُضَاعَفٌ … وَأَبْيَضُ هِنْدِيٌّ وَلَدْنٌ مُثَقَّفُ (٦) وَمَا رَجَعَتْ أَعْلامُكَ الصُّفْرُ (٧) ساعَةً … إِلى أَنْ غَدَتْ أَكْبَادُها السُّودُ تَرْجُفُ كَبا من أَعاليه (٨) صَلِيبٌ وبيعَةٌ … وَشادَ بِهِ دِينٌ حَنِيفٌ ومُصْحَفُ صَلِيبَةُ عُبَّادِ الصَّلِيبِ وَمَنْزِلُ النِّـ … ــزَالِ (٩) لَقَدْ غَادَرْتَهُ وَهُوَ صَفْصَفُ أَيَسْكُنْ (١٠) أَوْطَانَ النَّبِيِّينَ عُصْبَةٌ … تَمينُ لَدَى أَيْمَانِها وَهْيَ تَحْلفُ نَصَحْتُكُم والنُّصْحُ في الدِّينِ (١١) واجبٌ … ذَروا بَيْتَ يَعْقُوبٍ فَقَدْ جَاءَ يُوسُفُ وقال شاعر آخر وأجاد: [من المتقارب] هَلاكُ الفِرَنْجِ أَتَى عَاجِلًا … وَقَدْ آنَ تَكْسِيرُ صُلْبَانِها وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ دَنا حَتْفُهَا … لَمَا عَمَّرَتْ بَيْتَ أَحْزانِها (١٢)

стр. 6424

من كتاب (١) فاضلي إِلى بغداد في وصف هذا الحصن الذي خرَّبه صلاح الدين، [نصره الله] (٢): (وقد (٣) عُرِّضَ حائطه إِلى أن زاد على عشرة أذرع، وقطعت له عظام الحجارة، كل فص منها من سبعة أذرع إِلى ما فوقها وما دونها، وعدتها تزيد على عشرين ألف حجر، لا يستقر الحجر في مكانه، ولا يستقل في بنيانه إِلا بأربعة دنانير فما فوقها. وفيما بين الحائطين حشو من الحجارة الصمِّ، المرغم بها أنوف الجبال الشم. وقد جعلت تسقيته بالكلس الذي إِذا أحاطت قبضته بالحجر مازجه بمثل جسمه، وصاحبه بأوثق وأصلب من جرمه، وأوعز إِلى خصمه من الحديد بألَّا يتعرض لهدمه). وفي هذه السنة أقطع السلطان الناصر صلاح الدين لابن أخيه عز الدين فروخشاه [بن شاهنشاه بن أيوب] (٤) مدينة بعلبك، وأغار فيها على صفد (٥) وأعمالها، فقتل طائفة كبيرة (٦) من مقاتلتها (٧) ورجالها. وكان فروخشاه من الصناديد الأبطال والشجعان المشهورين المشكورين في النِّزال. وفيها: حج القاضي الفاضل من دمشق وعاد إِلى مصر فقاسى في الطريق أهوالًا، ولقي بَرحًا وتعبًا وكلالًا، وكان في العام الماضي قد حج من مصر وعاد إِلى الشام، ولكن كان أمره فيه أسهل من هذا العام. وفيها: كانت زلزلة عظيمة انهدم بسببها قلاع وقرى، وخلق كثير من الورى، وسقط من رؤوس الجبال صخور كبار، فصادمت (٨) بين الجبال في البراري (٩) والقفار (١٠)، مع بُعد ما بين الجبال من الأقطار (١١). وفيها: أصاب الناس غلاءٌ شديد، وفناءٌ (١٢) حصيد (١٣)، وجهدٌ جهيد (١٤)، فمات

стр. 6425

كثير من الخلائق (١) بهذا وهذا، ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ، وإِنا لله وإِنا إِليه راجعون. ذكر (٢) وفاة الخليفة (٣) المستضيء (٤) بأمر الله [رحمه الله تعالى] (٥) وذكر شيء من ترجمته: كان ابتداء (٦) مرضه في أواخر شوال من هذه السنة. فأردات زوجته أن تكتم ذلك، فلم يمكنها ووقعت فتنة كبيرة (٧) ببغداد، ونهبت العامة (٨) دورًا كثيرة، وأموالًا جزيلة. فلما كان يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال خُطب لولي العهد أبي العباس أحمد بن المستضيء وهو الخليفة الناصر لدين الله، وكان يومًا مشهودًا، نثر الذهب فيه (٩) على الخطباء والمؤذِّنين ومن حضر ذلك عند ذِكره على المنبر، والتنويه باسمه في العشر (١٠). فلما كان يوم السبت سلخ شوال مات الخليفة المستضيء بأمر الله، وكان مرضه بالحمى، ابتدأ بها (١١) في يوم عيد الفطر، ولم يزل الأمر يتزايد به حتى استكمل في مرضه شهرًا، فمات ﵀ سلخ شوال، وله من العمر تسع وثلاثون سنة. وكانت مدة خلافته تسع سنين وثلاثة أشهر وسبعة عشر يومًا، وغُسّل، وصُلّي عليه من الغد، ودفن بدار النصر التي بناها، وذلك عن وصيته التي أوصاها. وترك من بعده ولدين: أحدهما: ولي العهد (١٢) وهو عدَّة الدين والدنيا (١٣) أبو العباس أحمد الناصر لدين الله. والآخر: أبو منصور هاشم (١٤).

стр. 6426

وقد وزر له جماعة من الرؤساء، وكان من خيار الخلفاء، أمّارًا [بالمعروف، نهّاءً] (١) عن المنكر، وضع عن الناس المكوسات والضرائب، ودرأ عنهم البدع والمصائب. وكان حليمًا وقورًا كريمًا. فرحمه الله تعالى وبلَّ بالرحمة (٢) ثراه، وجعل الجنة مأواه. وبويع بالخلافة من بعده للخليفة الناصر ولده (٣). وممن توفي (٤) فيها من الأعيان: إِبراهيم بن علي، أبو إِسحاق السلمي الفقه الشافعي المعروف بابن الفراء الآمدي (٥) ثم البغدادي: كان فقيهًا بارعًا فاضلًا مناظرًا فصيحًا بليغًا شاعرًا مطبقًا. توفي عن أربع وسبعين سنة. وصلَّى عليه أبو الحسن (٦) القزويني مدرس النظامية، [رحمه الله تعالى] (٧). إِسماعيل بن موهوب (٨) بن محمد بن أحمد بن الخضر، أبو محمد الجواليقي (٩) الملقب (١٠) حجة الإِسلام: أحد أئمة اللغة في زمانه، والمشار إِليه من بين أقرانه، بحسن الدين، وقوة اليقين، وعلم اللغة والنحو، وصدق اللهجة، وخلوص النية، وحسن السيرة في مرباه ومنشئه ومنتهاه. وقد (١١) سمع الحديث ورواه (١٢)، وفهم (١٣) الأثر واتبع سبيله ومغزاه (١٤)، فرحمه الله، وأكرم مثواه.

стр. 6427

المبارك بن علي بن الحسين (١) بن عبد الله بن محمد، أبو محمد بن الطباخ البغدادي: نزيل مكة ومجاورها، وحافظ الحديث بها، والمشار إِليه بالعلم فيها. كان (٢) يومُ جنازته يومًا مشهودًا، [رحمه الله تعالى] (٣). خلافة الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء بأمر (٤) الله، رحمه الله تعالى (٥): لما توفي أبوه في سلخ شوال من سنة خمس وسبعين وخمسمائة بايعه الأمراء والكبراء والوزراء والخاصة والعامة، وكان قد خُطب له على المنابر في حياة أبيه قبل موته بيسير، فقيل: إِنه إِنما عهد إِليه قبل موته بيوم، وقيل: بأسبوع، ولكن قدَّر الله أنه لم يختلف عليه اثنان بعد وفاة أبيه، ولقب بالخليفة الناصر لدين الله، ولم يل الخلافة قبله من بني العباس [أطول مدة منه، فإِن خلافته امتدت] (٦) إِلى سنة [وفاته في سنة] (٧) ثنتين (٨) وعشرين وستمائة. وكان ذكيًا شجاعًا مهيبًا وستأتي (٩) سيرته عند وفاته إِن شاء الله تعالى. وفي سابع ذي القعدة من هذه السنة عُزِلَ صاحب المخزن ظهير الدين أبو بكر بن العطار (١٠)، وأُهين غاية الإِهانة، هو وأصحابه، وقتل كثير (١١) منهم، وشهِّروا في البلد، وتمكن أمر الخليفة الناصر وعظمت هيبته في البلاد، وفي (١٢) قلوب العباد، وقام بأعباء الخلافة على ما ينبغي في جميع أمره وشؤونه (١٣). ولما حضر عيد الأضحى أقيم على ما جرت به العادة، والله أعلم (١٤).

стр. 6428

ثم دخلت سنة ستٍّ وسبعين وخمسمائة فيها: هادن السلطان صلاح الدين الفرنج، وسار إِلى بلاد الروم فأصلح بين ملوكها من بني أرتق وكرّ على بلاد الأرمن، فأهان ملكها (١)، وفتح بعض حصونها (٢)، وأخذ منها غنائم كثيرة جدًا من أواني الذهب والفضة (٣)، لأنه كان قد غدر بقوم من التركمان، أووا (٤) إِلى بلاده، ثم صالحه على مال يحمله إِليه، وأسارى يُطلقهم من أسره، وآخرين يستفكهم (٥) من أيدي الفرنج، ثم عاد السلطان (٦) مؤيَّدًا منصورًا، فدخل حماة في أواخر جمادى الآخرة. وامتدحه الشعراء (٧) على ذلك. ومات صاحب الموصل سيف الدين غازي (٨) بن مودود، وكان شابًا حسنًا، مليح الشكل، تام القامة، مدوّر اللحية. مكث في الملك عشر سنين، ومات عن ثلاثين سنة. وكان عفيفًا في نفسه، مهيبًا وقورًا، لا يلتفت إِذا ركب، ولا إِذا جلس، غيورًا لا يدع أحدًا من الخدام (٩) الكبار (١٠) يدخل (١١) على النساء، وكان لا يقدم على سفك الدماء. وكان ينسب إِلى شيء من البخل سامحه الله (١٢). وكانت وفاته في ثالث صفر، وكان قد عزم على أن يجعل (١٣) الملك من بعده لولده عز الدين سنجر شاه (١٤)، فلم يوافقه الأمراء خوفًا من صلاح الدين لصغر سن ولده، فاتفقوا كلهم على أخيه، فأُجلس

стр. 6429

مكانه في المملكة (١) أخوه عز الدين مسعود، وجعل مجاهد الدين قايماز نائبه ومدبِّر مملكته. وجاءت رسل الخليفة يلتمسون من صلاح الدين أن يُبقي سروج والرُّها والرَّقّة وحرَّان ونصيبين في يده كما كانت في يد أخيه، فامتنع السلطان من ذلك. وقال: هذه البلاد هي حفظ ثغور (٢) الإِسلام، وإِنما كنت تركتها في يده ليساعدنا على غزو الفرنج، فلم يكن يفعل ذلك، وكتب إِلى الخليفة يعرفه أن المصلحة في ترك ذلك عونًا للمسلمين (٣). وفاة (٤) تورانشاه أخو السلطان (٥) رحمه الله تعالى (٦): وفيها: توفي أخو السلطان الأكبر (٧) الملك المعظَّم شمس (٨) الدولة والدِّين تورانشاه بن أيوب (٩) الذي افتتح بلاد اليمن عن أمر أخيه صلاح الدين، فمكث فيها حينًا، واقتنى منها أموالًا جزيلة، ثم استناب فيها، [وأقبل نحو أخيه إِلى الشام، شوقًا إِليه] (١٠)، وقد كتب إِليه من أثناء الطريق شعرًا عمله له شاعره (١١) ابن المنجم، وكانوا قد وصلوا إِلى تيماء (١٢): [من الطويل] (١٣) فَهَلْ لأَخي بَلْ مالِكي عِلْمُ أَنَّني (١٤) … إِلَيْهِ وَإِنْ طَال التَّردُّدُ راجِعُ

стр. 6430

وَإِنِّي بيَوْمٍ واحِدٍ من لِقائِهِ … بمُلكي عَلَى (١) عُظْمِ المَؤونَةِ بَائِعُ وَلَمْ يَبْقَ إِلا دُونَ عِشْرينَ لَيْلَةً … وَتَجْني (٢) المُنى أَبْصارُنا وَالمَسَامِعُ لَدَى مَلِكٍ (٣) تَعْنُو المُلُوكُ إِذَا بَدَا … وَتَخْشَعُ إِعْظَامًا لَهُ وَهْوُ خَاشِعُ كَتَبْتُ وَأَشْوَاقِي إِلَيْكَ بِبَعْضِها … تَعَلَّمَتِ النَّوْحَ الحَمامُ السَّواجِعُ وَمَا المُلْكُ إِلَّا رَاحَةٌ أَنْتَ زَنْدُها … تَضُمُّ عَلَى الدُّنْيَا وَنَحْنُ الأَصَابِعُ وكان قدومه (٤) إِليه في سنة إِحدى وسبعين وخمسمائة (٥)، فشهد معه مواقف مشهودة، وغزوات محمودة. واستنابه على دمشق مدة، ثم سار إِلى مصر فاستنابه على الإسكندرية، فلم توافقه (٦)، وكان يعتريه (٧) القولنج، فمات بها، رحمه الله تعالى (٨) في هذه السنة، [ودفن بقصر الإِمارة] (٩) فيها. ثم نقلته أخته ست الشام بنت أيوب (١٠)، فدفنته بتربتها التي بالشامية البرَّانية (١١)، فقبره القبلي، والوسطاني قبر زوجها، وابن عمها ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه (١٢)، صاحب حمص (١٣) والرجعة، والمؤخَّر قبرها رحمها الله تعالى، وأجزل ثوابها. والتربة الحسامية (١٤) منسوبة إِلى ولدها حسام الدين عمر بن لاجين، وهي إِلى جانب المدرسة من غربيها. وقد كان الملك تورانشاه كريمًا جوادًا ممدَّحًا شجاعًا باسلًا، عظيم الهيبة، كبير النفس، واسع الصدر (١٥). قال فيه ابن سعدان الحلبي: [من الطويل] (١٦)

стр. 6431

هو الملك إِن تسمع بكسرى وقيصر … فإِنهما في الجود والبأس عبداه وما حاتِم (١) ممن يُقاس بجوده (٢) … فخذ ما رأيناه ودع ما رويناه ولذ بذراه (٣) مستجيرًا فإِنه … يُجيرك من جَور الزمان وعدواه ولا تتحمل للسحائب منَّةً … إِذا هطلت جودًا سحائبُ جدواه (٤) ويرسل كفيه (٥) بما اشتقَّ منهما … فلليمن يمناه ولليسر يسراه (٦) ولما بلغ خبر (٧) موته إِلى (٨) أخيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين [بن أيوب] (٩)، وهو مخيم بظاهر حمص، حزن عليه حزنًا شديدًا (١٠). وجعل ينشد باب المراثي من (١١) "الحماسة" وكانت من محفوظه، رحمه الله تعالى (١٢). وفي رجب منها قدمت رسل الخليفة الناصر وخلعه وهداياه (١٣) إِلى الملك الناصر صلاح الدين. فلبس السلطان خلعة الخليفة بدمشق، وزُينت له البلد، وكان يومًا مشهودًا. وفيها: في (١٤) رجب (١٥) منها سار السلطان من الشام إِلى الديار المصرية (١٦) لينظر في أحوالها وأمورها، ويصوم بها رمضان، ومن عزمه أن يحج عامه ذلك إِلى بيت الله الحرام، واستناب على الشام ابن أخيه عز الدين (١٧) فروخشاه بن شاهنشاه بن أيوب.

стр. 6432

قال العماد (١) الكاتب: وكان عزيز المثل غزير الفضل. فكتب القاضي الفاضل عن الملك العادل أبي بكر (٢) نائب مصر إِلى أهل اليمن والينبُع (٣) ومكة يعلمهم بعزم السلطان الناصر على الحج في هذا العام [إِلى المسجد الحرام] (٤) ليتأهَّبوا للملك، ويهتموا به، واستصحب السلطان معه صدر الدين أبا القاسم عبد الرحيم (٥) شيخ الشيوخ ببغداد الذي قدم في الرسيلة (٦) من جهة الخليفة، ليكون في خدمته إِلى الديار المصرية، وفي صحبته إِلى الحجاز الشريف. فدخل السلطان ديار مصر، وتلقاه الجيش، وكان يومًا مشهودًا، وأما شيخ الشيوخ صدر الدين فإِنه لم يُقِم بها إِلا قليلًا حتى توجّه إِلى الحجاز الشريف في البحر، فأدرك الصيام في المسجد (٧) الحرام. وفيها: سار قراقوش (٨) التَّقَوِي إِلى بلاد المغرب، فحاصر قابس (٩)، وقلاعًا كثيرة حولها، واستحوذ على أكثرها، فاتفق له أنه أسر من بعض الحصون غلامًا أمرد (١٠) فأراد قتله، فقال له أهل الحصن: لا تقتله، وخذ لك (١١) عشرة آلاف دينار، فأبى، فوصلوه (١٢) إِلى مئة ألف دينار، فأبى إِلا قتله، فقتله. فلما قتله نزل صاحب الحصن، وهو شيخ كبير، ومعه مفاتيح الحصن (١٣) فقال له: خذ

стр. 6433

هذه، فإِني شيخ كبير، وإِنما كنت أحفظه من أجل هذا الصبي الذي قتلته، ولي أولاد أخ، أكره أن يملكوه بعدي. فأقره فيه، وأخذ منه أموالًا كثيرة، والله أعلم بالصواب. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: الحافظ أبو طاهر (١) السِّلَفي (٢) أحمد بن محمد بن أحمد [بن محمد] (٣) بن إِبراهيم سِلَفَةَ الحافظ الكبير المعمر أبو طاهر السِّلَفي الأصبهاني. وإِنما قيل لجده إِبراهيم (٤) (سِلَفَة)، لأنه كان مشقوق إِحدى الشفتين، فكان [له ثلاث شفاه، فسمته الأعاجم بذلك] (٥). قال القاضي ابن خلكان (٦): وكان السِّلفي يلقب بصدر الدين، وكان شافعي المذهب، ورد بغداد، واشتغل بها على إِلْكيا الهراسي (٧)، وأخذ اللغة عن الخطيب أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي (٨). وسمع الحديث الكثير، ورحل في طلبه إِلى الآفاق، ثم نزل ثغر الإسكندرية في سنة إِحدى عشرة وخمسمائة. وبنى له العادل أبو الحسن علي بن السلار (٩) وزير الخليفة الظافر مدرسة، وفوَّضها إِليه (١٠)، فهي معروفة به (١١) إِلى الآن. قال ابن خلكان (١٢): وأماليه (١٣) وتعاليقه كثيرة جدًا، وكتب شيئًا كثيرًا. وكان مولده فيما ذكره المصريون في سنة ثنتين وسبعين وأربعمائة. ونقل الحافظ عبد الغني (١٤) المقدسي عنه أنه قال: أذكر مقتل

стр. 6434

نظام الملك (١) في سنة خمس وثمانين وأربعمائة ببغداد وأنا ابن عشر تقريبًا. ونقل عنه الحافظ أبو القاسم الصفراوي (٢) أنه قال: مولدي بالتخمين لا باليقين سنة ثمان وسبعين، فيكون مبلغ عمره ثمانيًا وتسعين سنة. لأنه توفي ليلة الجمعة خامس ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة بثغر الإسكندرية (٣). ودفن بوَعْلَة (٤)، وفيها جماعة من الصالحين، رحمه الله تعالى. وقد رجّح ابن خلكان قول الصفراوي. قال: ولم يبلغنا من نحو ثلاثمائة سنة (٥) أن أحدًا جاوز المئة إِلا القاضي أبا الطيب (٦) الطبري [﵀] (٧). وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر (٨) في "تاريخه" (٩) ترجمة حسنة، وإِن كان قد مات قبله بخمس سنين، فذكر رحلته في طلب الحديث، ودورانه في الأقاليم، وأنه كان يتصوّف أولًا، ثم أقام بثغر

стр. 6435

الإسكندرية، وتزوج امرأة (١) ذات يسار، فحسنت حاله، ووقفت (٢) عليه مدرسة هنالك وذكر طرفًا من أشعاره، فمن ذلك (٣) قوله رحمه الله تعالى: [من الطويل] (٤) أَتَأْمَنُ إِلْمَامَ المَنِيَّةِ بَغْتَةً … وَأَمْنُ (٥) الفَتَى جَهْلٌ وَقَدْ خَبرَ الدَّهْرَا وَلَيْسَ يُحَابِي الدَّهْرُ فِي دَوَرَانِهِ … أَرَاذِلَ أَهْلِيهِ وَلا السَّادَةَ الزُّهْرَا وَكَيْفَ وَقَدْ مَاتَ النَّبِيُّ وَصَحْبُهُ … وَأَزْوَاجُهُ طُرًّا وَفَاطِمَةُ الزَّهْرَا (٦) [ومن شعر الحافظ] (٧) السّلفي الذي أورده ابن عساكر قوله: يَا قَاصِدًا عِلْمَ الحَدِيثِ يَذُمُّهُ (٨) … إِذْ (٩) ضَلَّ عَنْ طُرُقِ الهدايَةِ وَهْمُهُ إِنَّ العُلومِ كَمَا عَلِمْتَ كَثِيرةٌ … وَأَحَلُّها فِقْهُ الحَدِيثِ وَعِلْمُهُ مَنْ كَان طَالِبَهُ وَفِيهِ تَيَقُّظٌ … فَأَتَمُّ (١٠) سَهْمٍ في المَعَالِي سَهْمُهُ لَوْلَا الحَدِيثُ وَأهْلُهُ لَمْ يَسْتَقِمْ … دِيْنُ النَّبِيِّ وَشَذَّ عَنَّا حُكْمُهُ وَإِذَا اسْتَرَابَ بِقَوْلِنَا مُتَحَذْلِقٌ … فَأَقَلُّ (١١) فَهْمٍ في البَسِيطَةِ فَهْمُهُ ثم دخلت سنة سبع وسبعين وخمسمائة استُهلت [والملك الناصر] (١٢) صلاح الدين مقيم بالقاهرة، مواظب على سماع الأحاديث. وجاء (١٣) كتاب من نائبه بالشام عز الدين فرخشاه يهنئه (١٤) بما منَّ الله تعالى (١٥) به على الناس من

стр. 6436

كثرة (١) ولادة النساء من التوائم، جبرًا لما كان أصابهم في العام الماضي من الوباء [والفناء. وأن الشام مخصب] (٢) بإِذن الله جبرًا لما كان أصابهم من الجدب والغلاء، [ولله الحمد والمنّة] (٣). وفي شوال توجّه الملك صلاح الدين إِلى الإسكندرية فشاهد (٤) ما أمر به من تحصين سورها، وعمارة أبراجها وقصورها، وسمع (٥) "موطأ" الإمام مالك على الشيخ أبي طاهر بن عوف، عن الطرطوشي، وسمع ذلك معه العماد الكاتب، وأرسل القاضي الفاضل إِلى السلطان (٦) رسالة يهنِّئه بهذا السماع، والله تعالى أعلم. ذكر وفاة الملك الصالح إِسماعيل بن الملك نور الدين الشهيد (٧) صاحب حلب وما جرى بعده من الأمور كانت وفاته في الخامس والعشرين من رجب من هذه السنة بقلعة حلب، ودفن بها. وكان سبب وفاته، فيما قيل، أن الأمير علم الدين سليمان بن حيدر (٨) سقاه سُمًّا في عنقود عنب في الصيد. وقيل: بل سقاه ياقوت الأسدي في شراب، وقيل: في خشكنانجة فاعتراه قولنج، فما زال كذلك حتى مات، ﵀. وهو شاب حسن الصورة، بهيّ المنظر، ولم يبلغ عشرين سنة. وكان من أعفّ الملوك، ومن يشابه أباه (٩) فما ظلم. وصف له الأطباء في مرضه شرب الخمر، فاستفتى بعض الفقهاء في شربها تداويًا، فأفتاه (١٠) بذلك. فقال له: أيزيد شربها في أجلي أو ينقص (١١) منه شيئًا؟ قال (١٢): لا. قال: فوالله لا أشربها فألقى الله وقد شربت ما حرّمه (١٣) عليّ. ولما يئس من نفسه استدعى الأمراء، فحلفهم لابن عمه

стр. 6437

عز الدين مسعود (١) صاحب الموصل، لقوة سلطانه وتمكّنه، ليمنعها من (٢) صلاح الدين، وخشي أن يبايع لابن عمه الآخر عماد الدين زنكي (٣) صاحب سنجار، وهو زوج أخته، وتربية والده، فلا يمكنه حفظها من صلاح الدين. فلما مات استدعى الحلبيون عز الدين مسعود بن قطب الدين صاحب الموصل، فجاء إِليهم، فدخل حلب في أُبَّهة عظيمة. وكان يومًا مشهودًا، وذلك في العشرين من شعبان، فتسلّم خزائنها وحواصلها وما فيها من السلاح، وكان تقيُّ الدين عمر (٤) بمدينة منبج فهرب إِلى حماة، فوجد أهلها قد نادوا بشعار [عز الدين] (٥) صاحب الموصل، وأطمع الحلبيون [عز الدين] (٦) مسعودًا (٧) في أخذ دمشق لغيبة صلاح الدين [بالديار المصرية] (٨)، وأعلموه محبة (٩) أهل الشام لهذا البيت الأتابكي (١٠)، فقال لهم (١١): بيننا [وبين صلاح الدين] (١٢) أَيْمان وعهود، وأنا لا (١٣) أغدر به. فأقام بحلب شهورًا وتزوج بأم الملك الصالح في شوال، ثم سار إِلى الرقة فنزلها، وجاءته (١٤) رسل أخيه عماد الدين زنكي تطلب (١٥) منه أن يقايضه من حلب إِلى سنجار، وألح عليه في ذلك، وتمنَّع أخوه، ثم فعل بعد ذلك على كره منه، فسلّم إِليه حلب، وسلمه عماد الدين (١٦) سنجار والخابور والرقة ونصيبين وسروج وغير ذلك من البلاد. ولما سمع الملك صلاح الدين بهذه الأمور ركب من الديار المصرية في عساكره، فسار حتى أتى الفرات، فعبرها، وخامر إِليه بعض أمراء صاحب الموصل، فتقهقر صاحب الموصل عن لقائه،

стр. 6438

فاستحوذ صلاح الدين على بلاد الجزيرة بكمالها، وهمّ بمحاصرة الموصل، فلم يتفق ذلك، ثم جاء إِلى حلب، فتسلمها من عماد الدين زنكي لضعفه عن ممانعتها لقلة (١) ما ترك فيها عز الدين من الأسلحة وآلات القتال، وذلك في السنة الآتية، كما سنذكره. وفيها: عزم البرنس (٢) صاحب الكرك، لعنه الله، على قصد تيماء من أرض الحجاز (٣)، ليتوصل منها إِلى المدينة النبوية، فجهز له صلاح الدين سرية (٤) من دمشق تكون حاجزة بينه وبين أرض الحجاز، فصدّه ذلك عن قصده، ولله الحمد. وفيها: وَلَّى السلطان صلاح الدين أخاه سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين (٥) بن أيوب نيابة اليمن، فملَّكه عليها، وأرسله إِليها، وذلك لاختلاف نوابها، واضطراب أصحابها، بعد وفاة المعظم تورانشاه أخي السلطان الذي كان افتتحها، فلما وقعت الفتن بها، وكثر التخليط والتخبيط، سمت نفس أخيه طغتكين إِليها، فأرسله أخوه إِليها، وولاه عليها، فسار إِليها فوصلها في سنة ثمان وسبعين، فسار فيها أحسن سيرة، وأكمل بها المعدلة والسريرة، فاحتاط على أموال حطان بن منقذ (٦) نائب (٧) زبيد، وكانت تقارب زهاء (٨) ألف ألف دينار أو أكثر. وأما نائب عدن فخر الدين عثمان الزنجبيلي (٩) فإِنه خرج من اليمن قبل قدوم طغتكين إِليها (١٠).، فسكن الشام. وله أوفاف مشهورة باليمن ومكة. وإِليه تنسب المدرسة الزنجبيلية (١١) خارج باب توما تجاه دار المطعم (١٢)، وكان قد حصَّل من اليمن أموالًا عظيمة (١٣) جدًا.

стр. 6439

وفيها: غدرت الفرنج، ونقضوا (١) عهودهم، وقطعوا السبل على المسلمين برًا وبحرًا، وسرًا وجهرًا، فأمكن الله من بطسة (٢) عظيمة لهم (٣) فيها نحو من ألفي نفس من رجالهم (٤) المعدودين منهم، ألقاها الموج إِلى ثغر دمياط قبل خروج السلطان من مصر، فأحيط بها (٥)، فغرق بعضهم، وحصل في الأسر نحو ألف وسبعمائة منهم، ولله الحمد (٦) والمنة. وفيها: سار قراقوش (٧) إِلى بلاد إِفريقية، ففتح بلادًا كثيرة، وقاتل عسكر ابن عبد المؤمن (٨) [صاحب المغرب] (٩)، واستفحل أمره هناك (١٠). وهو من جملة مماليك (١١) تقي الدين عمر بن أخي السلطان صلاح الدين. ثم عاد إِلى مصر، فأمره السلطان (١٢) أن يتمم السور المحيط بالقاهرة ومصر، وذلك قبل خروجه منها في هذه السنة، وكان ذلك آخر عهده بها، حتى توفاه الله وذلك بعد أن أراه (١٣) الله بلوغ (١٤) مُناه، قبل حلول الوفاة، فأقر به عينه مِنْ أعْدَاه، وفتح على يديه (١٥) بيت المقدس وما حوله وما حواه. ولما خيَّم بارزًا من مصر أحضر أولاده حوله، فجعل يشمّهم ويقبّلهم ويضمّهم أنشده بعضهم [في ذلك] (١٦): [من الوافر] (١٧) تَمَتَّعْ من شَميمِ عَرارِ نَجْدٍ … فَمَا بَعْدَ العَشِيَّةِ مِن عَرارِ

стр. 6440

فكان الأمر كما قال، لم يعد إِلى مصر بعد هذا العام، بل كان مقامه بالشام. [وفي هذه السنة] (١) ولد للسلطان ولدان وهما (٢) المعظَّم تورانشاه (٣) والملك المحسن (٤) أحمد، وكان بين ولادتهما سبعة أيام، فزينت البلاد، واستمر الفرح أربعة عشر يومًا، ولله الحمد. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ كمال الدين، أبو البركات (٥)، عبد الرحمن بن محمد بن أبي السعادات عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن محمد بن الحسن بن إِبراهيم الأنباري النحوي الفقيه العابد الزاهد الناسك الخاشع الورع: كان خشن العيش، ولا يقبل من أحد شيئًا ولا من الخليفة. وكان يحضر نوبة الصوفية بدار الخلافة، ولا يقبل من جوائز الخليفة لهم ولا فلسًا. وكان مثابرًا على الاشتغال، وله تصانيف مفيدة. [وكانت وفاته] (٦) في شعبان من هذه السنة. قال القاضي (٧) ابن خلكان: له كتاب "أسرار العربية" مفيد جدًا، وكتاب (٨) "طبقات النحاة" (٩) مفيد جدًا (١٠) أيضًا، [وكتاب "الميزان في النحو" أيضًا] (١١)، وغير ذلك، والله سبحانه أعلم (١٢). ثم دخلت سنة ثمانٍ وسبعين وخمسمائة في خامس المحرم (١٣) كان بروز السلطان من (١٤) الديار المصرية قاصدًا بلاد الشام لمناجزة الأعداء،

стр. 6441

والإحسان إِلى الأولياء، وكان ذلك آخر عهده بمصر، [لم يعد إِليها بعد ذلك] (١). وقد أغار في طريقه على بعض أطراف بلاد الفرنج بأرض الكرك (٢)، وجعل أخاه تاج الملوك بوري بن أيوب على الميمنة، يسير ناحية عنه ليتمكنوا من بلاد العدو، فالتقوا على الأردن (٣) بعد سبعة أيام. وقد أغار نائب دمشق عز الدين فرخشاه على بلاد طبرية وما حولها، وافتتح حصونًا جيدة، وأسر منهم ألفًا (٤)، وغنم عشرين ألف رأس من الأنعام، بيَّضَ الله وجهه. وكان (٥) دخول السلطان إِلى دمشق سابع عشر صفر، ثم خرج منها في العشر الأول من ربيع الأول، فاقتتل مع الفرنج في نواحي طبرية وبيسان تحت حصن كوكب (٦)، فقُتل خلق من الفريقين، ولكن كانت (٧) الدائرة للمسلمين. [والحمد لله رب العالمين] (٨)، ورجع مؤيدًا منصورًا. ثم ركب السلطان في جحافله وعساكره قاصدًا إِلى حلب وبلاد الشرق، ليأخذها، وذلك أن المواصلة والحلبيين قد كاتبوا الفرنج [على حرب المسلمين، فغارت الفرنج على بعض] (٩) أطراف البلاد، ليشغلوا الناصر بنفسه عنهم (١٠)، فكان مسيره إِلى بلاد البقاع ثم إِلى حماة، ثم إِلى حلب، فحاصرها ثلاثًا ورأى أن العدول عنها إِلى غيرها أولى به. فسار حتى قطع (١١) الفرات، واستحوذ على بلاد الجزيرة والخابور وحرَّان والرُّها والرقة ونصيبين وغير ذلك وخضعت له الملوك هنالك، ثم عاد إِلى حلب، فتسلمها من صاحبها عماد الدين زنكي، وقد كان قايض أخاه عز الدين مسعود بها إِلى سنجار، كما ذكرنا ذلك في أول السنة الماضية. فاستوسقت له الممالك شرقًا وغربًا، وبُعدًا وقربًا، وتمكّن حيئنذ من قتال أعدائه من الفرنج، لعنهم الله، وأمكنه الله من نواصيهم، فله الحمد على ما أولاه.

стр. 6442

فصل: [في هجمات برنس البحرية] (١) ولما عجز برنس الكرك (٢)، لعنه الله عن إِيصال (٣) الأذى للمسلمين في البر عمل مراكب في بحر القُلزم ليقطعوا الطريق على التجار والحجاج، فوصلت أذيَّتُهم إِلى عَيْذَاب (٤)، وخاف أهل المدينة النبوية من شرّهم، فأمر الملك العادل (٥) أبو بكر نائب مصر الأمير حسام الدين لؤلؤ (٦) صاحب الأسطول أن يعمل مراكبه (٧) في بحر القلزم لمحاربة أصحاب الإبرنس (٨) ففعل ذلك، فظفروا (٩) بهم في كل موطن، فقتلوا منهم، وحرَّقوا، وغرّقوا، وسَبَوْا، [وقهروا، وأسروا] (١٠) في مواطن كثيرة، ومواقف هائلة كبيرة] (١١)، وأمن البحر والبر بإِذن الله [تعالى الذي بيده النفع والضر] (١٢). وأرسل السلطان (١٣) إِلى أخيه العادل يشكر (١٤) من مساعيه، وأرسل إِلى ديوان الخلافة يعرِّفهم [بما أنعم الله به عليهم من الفتوحات برًا وبحرًا، وبما هو متقلِّب فيه من أنعم الله وإِحسانه سرًا وجهرًا، والحمد لله رب العالمين] (١٥).

стр. 6443

فصل: في وفاة الملك المنصور عز الدين فَرُّوخْشاه (١) بن شاهنشاه بن أيوب، صاحب بعلبك، ونائب دمشق لعمه الملك صلاح الدين وهو والد الملك الأمجد بهرام شاه (٢)، صاحب بعلبك أيضًا بعد أبيه المذكور، وإِليه تنسب المدرسة الفرخشاهية (٣) بالشرف الشمالي، وإِلى جانبها التربة الأمجدية لولده على الحنفية والشافعية. وقد كان فرخشاه شهمًا شجاعًا بطلًا عاقلًا ذكيًا فاضلًا كريمًا ممدَّحًا، امتدحه الشعراء لجوده وفضله وإِحسانه، وكان من أكبر أصحاب الشيخ تاج الدين أبي اليمن الكندي (٤)، عرفه من مجلس القاضي الفاضل، [فانتمى إِليه، وكان يحسن إِليه] (٥)، وله وللعماد الكاتب فيه مدائح. وله [هو ﵀ (٦) شعر رائق لطيف]، من ذلك قوله (٧): [من مجزوء الرمل] أَنَا فِي أَسْرِ السَّقَامِ … مِنْ هَوَى هذَا الغُلَامِ (٨) رَشَأٌ تَرْشُقُ (٩) عَيْنَا … هُ فُؤَادِي بسِهامِ

стр. 6444

كُلَّما أرْشَفَنِي فَا … هُ عَلى حَرِّ الأُوَامِ ذُقْتُ مِنْهُ الشَّهْدَ فِي الثلْـ … ــجِ المُصَفَّى فِي المُدَامِ (١) (٢) وكان ابنه الملك (٣) الأمجد شاعرًا (٤) جيدًا أيضًا، وقد ولّاه عمُ أبيه صلاح الدين بعلبك بعد أبيه، واستمرّ فيها مدة طويلة. ومن محاسن المنصور عز الدين فرخشاه صحبته لتاج الدين الكندي، [وله في الكندي مدائح، وقد أورد الشيخ شهاب الدين ذلك كله مستقصىً في "الروضتين"] (٥). ومن ذلك أنه دخل يومًا إِلى الحمَّام فرأى رجلًا كان يعرفه من أصحاب الأموال، وقد نزل به الحال، حتى أنه تستَّر ببعض يديه حتى لا يبدو جسمه (٦)، فرقَّ له، وأمر غلامه أن ينقل بقجة وبساطًا إِلى موضع الرجل، وأحضر [له بغلة] (٧) وألف دينار (٨)، وتوقيعًا له في كل شهر بعشرين دينارًا (٩)، فدخل الرجل الحمَّام من أفقر الناس وخرج وهو من أغنى الناس، فرحمة الله تعالى على (١٠) الأجواد الأكياس (١١). وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ (١٢) أحمد الرفاعي (١٣) بن أبي الحسن علي بن أبي العباس أحمد، الشيخ أبو العباس: شيخ الطائفة الأحمدية الرفاعية والبطائحية، لسكناه أم عَبِيدَة من قرى البطائح، وهي بين البصرة وواسط. كان أصله من العرب. سكن (١٤) هذه البلاد، والتفّ عليه خلق كثير.

стр. 6445

ويقال: إِنه حفظ "التنبيه" في الفقه. وقد ذكرته في "طبقات الشافعية". قال القاضي [ابن خلكان] (١): ولأتباعه أحوال عجيبة من أكل الحيَّات وهي حيَّة، والنزول (٢) في التنانير، وهي تضطرم، فيطفئونها، ويقال (٣): إِنهم في بلادهم يركبون الأسُود. قال: وليس للشيخ أحمد عقب، وإِنما النَّسلُ لأخيه، وذريّته يتوارثون المشيخة بتلك البلاد. قال: ومن شعر الشيخ أحمد على ما قيل (٤): [من الطويل] إِذَا جَنَّ لَيْلِي هَامَ قَلْبِي بِذِكْرِكُمْ … أَنُوحُ كَمَا نَاحَ الحَمامُ المُطَوَّقُ وَفَوْقِي سَحَابٌ يُمْطِرُ الهَمَّ وَالأَسَى … وَتَحْتِي بِحارٌ بالدُّموعِ تَدَفَّقُ (٥) [سَلُوا أُمَّ عَمْرٍو كَيْفَ باتَ أَسِيرُها … تُفَكُّ الأُسَارَى دُونَهُ وَهُوَ مُوثَقُ فَلَا هُوَ مَقْتُولٌ فَفِي القَتْلِ رَاحَةٌ … وَلَا هُوَ مَمْنُونٌ عَلَيْهِ فَيُطْلَقُ] (٦) (٧) ومن شعره (٨): [من الطويل] أَغَارُ عَلَيْهَا مِنْ أَبِيهَا وَأُمِّها … وَمِنْ كُلِّ مَنْ يَدْنُو إِلَيْهَا وَيَنْظُرُ وَأَحْسُدُ لِلْمرآةِ أَيْضًا بَكَفِّها … إِذَا نَظَرَتْ مِثْلَ الَّذِي أَنَا أَنْظُرُ قال: ولم يزل على تلك (٩) الحال إِلى أن توفي يوم الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة، [رحمه الله تعالى] (١٠). خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بَشْكُوَال (١١)، أبو القاسم القرطبي الحافظ المحدث المؤرخ، صاحب التصانيف:
следующие страницы →