← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

والإحسان إِلى الأولياء، وكان ذلك آخر عهده بمصر، [لم يعد إِليها بعد ذلك] (١). وقد أغار في طريقه على بعض أطراف بلاد الفرنج بأرض الكرك (٢)، وجعل أخاه تاج الملوك بوري بن أيوب على الميمنة، يسير ناحية عنه ليتمكنوا من بلاد العدو، فالتقوا على الأردن (٣) بعد سبعة أيام. وقد أغار نائب دمشق عز الدين فرخشاه على بلاد طبرية وما حولها، وافتتح حصونًا جيدة، وأسر منهم ألفًا (٤)، وغنم عشرين ألف رأس من الأنعام، بيَّضَ الله وجهه. وكان (٥) دخول السلطان إِلى دمشق سابع عشر صفر، ثم خرج منها في العشر الأول من ربيع الأول، فاقتتل مع الفرنج في نواحي طبرية وبيسان تحت حصن كوكب (٦)، فقُتل خلق من الفريقين، ولكن كانت (٧) الدائرة للمسلمين. [والحمد لله رب العالمين] (٨)، ورجع مؤيدًا منصورًا. ثم ركب السلطان في جحافله وعساكره قاصدًا إِلى حلب وبلاد الشرق، ليأخذها، وذلك أن المواصلة والحلبيين قد كاتبوا الفرنج [على حرب المسلمين، فغارت الفرنج على بعض] (٩) أطراف البلاد، ليشغلوا الناصر بنفسه عنهم (١٠)، فكان مسيره إِلى بلاد البقاع ثم إِلى حماة، ثم إِلى حلب، فحاصرها ثلاثًا ورأى أن العدول عنها إِلى غيرها أولى به. فسار حتى قطع (١١) الفرات، واستحوذ على بلاد الجزيرة والخابور وحرَّان والرُّها والرقة ونصيبين وغير ذلك وخضعت له الملوك هنالك، ثم عاد إِلى حلب، فتسلمها من صاحبها عماد الدين زنكي، وقد كان قايض أخاه عز الدين مسعود بها إِلى سنجار، كما ذكرنا ذلك في أول السنة الماضية. فاستوسقت له الممالك شرقًا وغربًا، وبُعدًا وقربًا، وتمكّن حيئنذ من قتال أعدائه من الفرنج، لعنهم الله، وأمكنه الله من نواصيهم، فله الحمد على ما أولاه.

стр. 6442

فصل: [في هجمات برنس البحرية] (١) ولما عجز برنس الكرك (٢)، لعنه الله عن إِيصال (٣) الأذى للمسلمين في البر عمل مراكب في بحر القُلزم ليقطعوا الطريق على التجار والحجاج، فوصلت أذيَّتُهم إِلى عَيْذَاب (٤)، وخاف أهل المدينة النبوية من شرّهم، فأمر الملك العادل (٥) أبو بكر نائب مصر الأمير حسام الدين لؤلؤ (٦) صاحب الأسطول أن يعمل مراكبه (٧) في بحر القلزم لمحاربة أصحاب الإبرنس (٨) ففعل ذلك، فظفروا (٩) بهم في كل موطن، فقتلوا منهم، وحرَّقوا، وغرّقوا، وسَبَوْا، [وقهروا، وأسروا] (١٠) في مواطن كثيرة، ومواقف هائلة كبيرة] (١١)، وأمن البحر والبر بإِذن الله [تعالى الذي بيده النفع والضر] (١٢). وأرسل السلطان (١٣) إِلى أخيه العادل يشكر (١٤) من مساعيه، وأرسل إِلى ديوان الخلافة يعرِّفهم [بما أنعم الله به عليهم من الفتوحات برًا وبحرًا، وبما هو متقلِّب فيه من أنعم الله وإِحسانه سرًا وجهرًا، والحمد لله رب العالمين] (١٥).

стр. 6443

فصل: في وفاة الملك المنصور عز الدين فَرُّوخْشاه (١) بن شاهنشاه بن أيوب، صاحب بعلبك، ونائب دمشق لعمه الملك صلاح الدين وهو والد الملك الأمجد بهرام شاه (٢)، صاحب بعلبك أيضًا بعد أبيه المذكور، وإِليه تنسب المدرسة الفرخشاهية (٣) بالشرف الشمالي، وإِلى جانبها التربة الأمجدية لولده على الحنفية والشافعية. وقد كان فرخشاه شهمًا شجاعًا بطلًا عاقلًا ذكيًا فاضلًا كريمًا ممدَّحًا، امتدحه الشعراء لجوده وفضله وإِحسانه، وكان من أكبر أصحاب الشيخ تاج الدين أبي اليمن الكندي (٤)، عرفه من مجلس القاضي الفاضل، [فانتمى إِليه، وكان يحسن إِليه] (٥)، وله وللعماد الكاتب فيه مدائح. وله [هو ﵀ (٦) شعر رائق لطيف]، من ذلك قوله (٧): [من مجزوء الرمل] أَنَا فِي أَسْرِ السَّقَامِ … مِنْ هَوَى هذَا الغُلَامِ (٨) رَشَأٌ تَرْشُقُ (٩) عَيْنَا … هُ فُؤَادِي بسِهامِ

стр. 6444

كُلَّما أرْشَفَنِي فَا … هُ عَلى حَرِّ الأُوَامِ ذُقْتُ مِنْهُ الشَّهْدَ فِي الثلْـ … ــجِ المُصَفَّى فِي المُدَامِ (١) (٢) وكان ابنه الملك (٣) الأمجد شاعرًا (٤) جيدًا أيضًا، وقد ولّاه عمُ أبيه صلاح الدين بعلبك بعد أبيه، واستمرّ فيها مدة طويلة. ومن محاسن المنصور عز الدين فرخشاه صحبته لتاج الدين الكندي، [وله في الكندي مدائح، وقد أورد الشيخ شهاب الدين ذلك كله مستقصىً في "الروضتين"] (٥). ومن ذلك أنه دخل يومًا إِلى الحمَّام فرأى رجلًا كان يعرفه من أصحاب الأموال، وقد نزل به الحال، حتى أنه تستَّر ببعض يديه حتى لا يبدو جسمه (٦)، فرقَّ له، وأمر غلامه أن ينقل بقجة وبساطًا إِلى موضع الرجل، وأحضر [له بغلة] (٧) وألف دينار (٨)، وتوقيعًا له في كل شهر بعشرين دينارًا (٩)، فدخل الرجل الحمَّام من أفقر الناس وخرج وهو من أغنى الناس، فرحمة الله تعالى على (١٠) الأجواد الأكياس (١١). وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ (١٢) أحمد الرفاعي (١٣) بن أبي الحسن علي بن أبي العباس أحمد، الشيخ أبو العباس: شيخ الطائفة الأحمدية الرفاعية والبطائحية، لسكناه أم عَبِيدَة من قرى البطائح، وهي بين البصرة وواسط. كان أصله من العرب. سكن (١٤) هذه البلاد، والتفّ عليه خلق كثير.

стр. 6445

ويقال: إِنه حفظ "التنبيه" في الفقه. وقد ذكرته في "طبقات الشافعية". قال القاضي [ابن خلكان] (١): ولأتباعه أحوال عجيبة من أكل الحيَّات وهي حيَّة، والنزول (٢) في التنانير، وهي تضطرم، فيطفئونها، ويقال (٣): إِنهم في بلادهم يركبون الأسُود. قال: وليس للشيخ أحمد عقب، وإِنما النَّسلُ لأخيه، وذريّته يتوارثون المشيخة بتلك البلاد. قال: ومن شعر الشيخ أحمد على ما قيل (٤): [من الطويل] إِذَا جَنَّ لَيْلِي هَامَ قَلْبِي بِذِكْرِكُمْ … أَنُوحُ كَمَا نَاحَ الحَمامُ المُطَوَّقُ وَفَوْقِي سَحَابٌ يُمْطِرُ الهَمَّ وَالأَسَى … وَتَحْتِي بِحارٌ بالدُّموعِ تَدَفَّقُ (٥) [سَلُوا أُمَّ عَمْرٍو كَيْفَ باتَ أَسِيرُها … تُفَكُّ الأُسَارَى دُونَهُ وَهُوَ مُوثَقُ فَلَا هُوَ مَقْتُولٌ فَفِي القَتْلِ رَاحَةٌ … وَلَا هُوَ مَمْنُونٌ عَلَيْهِ فَيُطْلَقُ] (٦) (٧) ومن شعره (٨): [من الطويل] أَغَارُ عَلَيْهَا مِنْ أَبِيهَا وَأُمِّها … وَمِنْ كُلِّ مَنْ يَدْنُو إِلَيْهَا وَيَنْظُرُ وَأَحْسُدُ لِلْمرآةِ أَيْضًا بَكَفِّها … إِذَا نَظَرَتْ مِثْلَ الَّذِي أَنَا أَنْظُرُ قال: ولم يزل على تلك (٩) الحال إِلى أن توفي يوم الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة، [رحمه الله تعالى] (١٠). خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بَشْكُوَال (١١)، أبو القاسم القرطبي الحافظ المحدث المؤرخ، صاحب التصانيف:

стр. 6446

له كتاب "الصلة" (١)، جعله ذيلًا على "تاريخ" (٢) أبي الوليد بن الفرضي، وله كتاب "المستغيثين بالله" (٣)، وله مجلد في "تعيين الأسماء المبهمة" (٤) في الروايات على طريقة الخطيب، وأسماء من روى "الموطأ" (٥) على حروف المعجم، بلغوا ثلاثة وسبعين رجلًا. وكانت وفاته (٦) في رمضان عن أربع وثمانين سنة، [رحمه الله تعالى ورضي عنه] (٧). العلامة قطب الدين (٨) أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري (٩): تفقّه على محمد بن يحيى صاحب الغزالي. قدم دمشق، ودرّس بالغزالية (١٠) والمجاهدية (١١)، وبحلب بمدرسة نور الدين وأسد الدين، ثم بهمذان، ثم رجع إِلى دمشق ودرس بالغزالية، وانتهت إِليه رئاسة المذهب. ومات بها في سلخ رمضان، يوم العيد، سنة ثمان وسبعين وخمسمائة عن ثلاث وتسعين سنة. وعنه أخذ الفخر بن عساكر (١٢) وغيره. وهو الذي صلَّى على الحافظ ابن عساكر (١٣) والله سبحانه أعلم.

стр. 6447

ثم دخلت سنة تسع وسبعين وخمسمائة في الرابع (١) عشر من محرَّمها تسلَّم السلطان (٢) صلاح الدين مدينة آمد (٣) صلحًا بعد حصار طويل (٤) شديد (٥) من صاحبها ابن نيسان (٦) بعد ما حمل ما أمكنه من حواصله وأمواله وأثقاله مدة ثلاثة أيام. ولما تسلّم السلطان البلد وجد فيه شيئًا كثيرًا من الحواصل وآلات الحرب والسلاح، حتى أنه وجد بُرجًا مملوءًا نصول النشَّاب، وبرجًا آخر فيه مئة ألف شمعة، وأشياء يطول شرحها. ووجد فيه خزانة كتب فيها ألف ألف مجلد (٧) وأربعون (٨) ألف مجلد، فوهبها للقاضي الفاضل، فانتخب منها حمل سبعين حمارة (٩)، ثم وهب السلطان البلد بما فيه لنور الدين محمد بن قرا رسلان، وكان قد وعده بها، فقيل له: فإِن الحواصل لم تدخل في وعدك. فقال: لا أبخل بها عليه، وقد صار من أصحابنا وأنصارنا، وكان في خزانتها ثلاثة آلاف ألف (١٠) دينار، فامتدحه الشعراء على هذا الصنيع الحسن الجميل، [وهو حقيق بالثناء والجزاء الجزيل] (١١)، ومن (١٢) أحسن ما قاله بعضهم في ذلك من جملة قصيدة له في السلطان: [من البسيط] قُلْ لِلْمُلوكِ تَنَحُّوْا عَنْ مَمَالِكِكُمْ … فَقَدْ أَتَى آخِذُ الدُّنْيا ومُعْطِيها (١٣) ثم سار السلطان في بقية المحرَّم إِلى مدينة حلب، فنازلها، وحاصرها، وقاتله أهلُها قتالًا

стр. 6448

شديدًا (١)، وجرح أخو السلطان بوري بن أيوب جرحًا بليغًا، فمات منه بعد أيام. وكان أصغر أولاد أيوب، ولم يبلغ عشرين سنة، وقيل: بل جاوزها بسنتين (٢). وكان ذكيًا فهمًا، له ديوان شعر لطيف. فحزن عليه أخوه الملك صلاح الدين حزنًا كثيرًا (٣)، ودفنه بحلب، ثم نقله إِلى دمشق، ثم اتفق الحال بين السلطان (٤) وبين صاحب حلب عماد الدين زنكي (٥) بن مودود بن زنكي بن آقسنقر على عوض أطلقه السلطان، وهو أن يرد عليه سنجار، ويُسلمه البلد، فخرج عماد الدين زنكي وجاء إِلى خدمة السلطان، وعزَّاه في أخيه، ونزل عنده في المخيم، ونقل أثقاله إِلى سنجار، وزاده السلطان: الخابور والرقة ونصيبين وسروج، واشترط عليه إِرسال العسكر في الخدمة للغزاة (٦) في الفرنج، ثم سار، وودَّعه السلطان، ومكث السلطان في المخيم (٧) أيامًا، غير مكترث بحلب، ولا مستكثر لها ولا بها (٨)، ثم صعد إِلى قلعتها يوم الإثنين سابع عشرين صفر (٩) مؤيدًا منصورًا، مسرورًا محبورًا. وعمل له الأمير طُمان (١٠) وليمة عظيمة، وكان يومًا مشهودًا مشهورًا، فسمعه بعضهم وهو داخل يتلو (١١) هذه الآية: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية [آل عمران: ٢٦]. ولما دخل دار الملك تلا قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٧]. ولما دخل مقام إِبراهيم صلى فيه ركعتين، أطال السجود به والدعاء والتضرّع [إِلى الله] (١٢)، ﵀. ثم شرع في عمل وليمة عظيمة. وقد ضربت البشائر، وخلع السلطان على الأمراء، وأحسن إِلى الرؤساء والفقراء، وألقت (١٣) الحرب أوزارها، وقضت القلوب أوطارها: [من الطويل]

стр. 6449

وأَلْقَتْ عَصَاهَا واسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى … كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالإيَابِ المُسَافِرُ وقد امتدحه الشعراء عند فتح حلب بمدائح (١) حسان. [وكانت قد وقعت منه موقعًا عظيمًا حتى أنه قال] (٢): ما سررت بفتح قلعة أعظم سرورًا من فتحي (٣) مدينة حلب. وأسقط (٤) عنها وعن سائر بلاد الجزيرة المكوس (٥) والضرائب، وكذلك عن بلاد الشام ومصر، فجزاه الله [عن نفسه وعن الإسلام] (٦) خيرًا. [وقد كانت الفرنج في غيبة السلطان واشتغاله ببلاد الجزيرة وتلك الأمور قد عاثت في البلاد بالإفساد يمينًا وشمالًا، واغتنمت الثعالب غيبة الأسد فجالت حول العرين وهي تظن ذلك خيالًا] (٧). فأرسل السلطان إِلى عساكره ليجتمعوا (٨) إِليه، ويكونوا بين يديه ليتصدّى بعد هذا كله للفرنج (٩) وقتالهم. وكان قد بُشّر بفتح بيت المقدس حين فتح حلب، وذلك أن الفقيه مجد الدين ابن جهبل (١٠) الشافعي رأى في تفسير أبي الحكم بن بَرَّجان المغربي (١١) عند قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآية [الروم: ١ - ٢]. البشارة بفتح بيت المقدس في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، واستدل على ذلك بأشياء، فكتب ذلك (١٢) في ورقة وأعطاها للفقيه عيسى الهَكَّاري (١٣)، ليبشِّر بها السلطان، فلم يتجاسرعلى ذلك خوفًا من عدم المطابقة، فأعلم بذلك القاضي محيي الدين بن الزكي (١٤)،

стр. 6450

فنظم معناها في قصيدة يقول فيها (١): [من البسيط] وَفَتْحُكُم حَلَبَ الشَّهْباءَ في صَفَرٍ … قَضَى لَكُمْ بِافْتِتَاحِ القُدْسِ فِي رَجَبِ وقدمها للسلطان [فتشوَّفت همته إِلى ذلك] (٢). فلما افتتحها، كما سيأتي، أمر القاضي (٣) ابن الزكي (٤) فخطب يومئذ، وكان يوم الجمعة. ولما [بلغه أن ابن جهبل هو الذي اطّلع على ذلك أولًا أمره] (٥) فدرّس على نفس الصخرة درسًا عظيمًا، وأجزل له العطاء، وأحسن عليه الثناء. فصل: [في غزو بَيْسان] ثم رحل السلطان من حلب في أواخر ربيع الآخر بجيوشه وعساكره، وقد جعل فيها (٦) ولده الظاهر غازي (٧)، وولَّى قضاءها لمحيي الدين بن الزكي (٨)، فاستناب فيها له نائبًا (٩)، ورجع (١٠) هو مع السلطان في خدمته، فاجتاز بحماة ثم بحمص ثم على بعلبك، ثم دخل (١١) دمشق في ثالث جمادى

стр. 6451

الأولى مؤيدًا منصورًا في أُبَّهة عظيمة ونعمة (١) جسيمة، وكان ذلك يومًا مشهودًا، [ومن نيته الخروج سريعًا إِلى قتال الفرنج، فبرز منها في أول جمادى الآخرة في جحافله، قاصدًا نحو القدس الشريف] (٢)، فانتهى إِلى بَيْسان (٣) فنهبها، ونزل على عين جالوت (٤)، وأرسل بين يديه سرية هائلة، فيها جرديك (٥) وطائفة من النورية وجاء (٦) مملوك عمه أسد الدين، فوجدوا جيش الكرك من الفرنج قاصدين إِلى أصحابهم نجدة لهم، فالتقوا (٧) معهم، فقتلوا من الفرنج خلقًا كثيرًا، وأسروا مئة أسير، ولم يفقد من المسلمين سوى شخص واحد، ثم عاد في آخر ذلك اليوم. وبلغ السلطان أن الفرنج قد اجتمعوا لقتاله، فقصدهم، وتصدّى لهم لعلهم يصافّونه، [فنكلوا عنه] (٨)، فقتل منهم خلقًا كثيرًا من أطرافهم، وجرح مثلهم، فرجعوا ناكصين على أعقابهم، خائفين منه غاية المخافة، لكثرة جيشه، ولله (٩) الحمد والمنة، وهو خلفهم (١٠) يقتل ويأسر حتى أوغلوا (١١) في بلادهم، فرجع عنهم مؤيدًا منصورًا، جعل الله ثوابه موفورًا، كما جعل سعيه مشكورًا. وكتب القاضي (١٢) الفاضل إِلى الخليفة يعلمه بما مَنَّ الله به عليه (١٣) وعلى المسلمين من نصرهم (١٤) على الفرنج (١٥)، وكان لا يفعل شيئًا، ولا يريد أن يفعله إِلا أطلع (١٦) عليه الخليفة أدبًا واحترامًا، وطاعة واحتشامًا.

стр. 6452

فصل: [في غزو الكَرَك] (١) وفي رجب سار السلطان إِلى الكَرَك، فحاصرها، وفي صحبته تقي الدين عمر (٢) بن أخيه، وقد كتب إِلى أخيه (٣) العادل [أبي بكر] (٤) ليحضر عنده، ليوليه حلب وأعمالها، كما كان طلب منه (٥). واستمرّ الحصار على الكرك مدة شهر رجب، فلم يظفر منها بطلب. وبلغه أن الفرنج قد اجتمعوا كلهم ليمنعوا منه الكرك، فكرَّ راجعًا إِلى دمشق ليلقاهم (٦)، وذلك من أكبر (٧) همه، وأعظم طلبه. وأرسل (٨) ابن أخيه تقي الدين عمر إِلى مصر نائبًا، وفي صحبته القاضي الفاضل، وبعث أخاه العادل (٩) على مملكة حلب، واستقدم ولده الظاهر (١٠) إِليه، وكذلك نوابه ومن يعزّ عليه. وإِنما أعطى السلطانُ أخاه العادلَ حلب ليكون قريبًا منه، فإِنه كان لا يقطع أمرًا دون مشورته (١١). واقترض السلطان الناصر من أخيه أبي بكر العادل مئة ألف دينار. وتألّم الظاهر بن الناصر على مفارقة حلب، وكانت إِقامته الأولى بها ستة أشهر، ولكنه (١٢) لا يُظهر ما في نفسه لوالده، لكن يظهر ذلك على صفحات وجهه وفلتات (١٣) لسانه. ثم دخلت سنة ثمانين وخمسمائة في هذه [السنة] (١٤) أرسل السلطان إِلى العساكر الحلبية والجزرية والمصرية [والشامية أن يقدموا

стр. 6453

عليه لقتال الفرنج] (١). فقدم تقي الدين عمر من مصر ومعه القاضي (٢) الفاضل، وجاء (٣) من حلب أبو بكر العادل. وقدمت ملوك الجزيرة وسنجار [وتلك النواحي والأقطار] (٤)، وأخذهم كلهم (٥) مع جيشه، فسار إِلى الكرك، فأحدقوا بها في رابع عشر جمادى الأولى، وركب عليها المجانيق (٦)، وكانت تسعة، وأخذ في حصارها، وذلك لأنه رأى أن فتحها الآن أنفع للمسلمين من غيرها، [فإِنهم يقطعون الطريق على الحجيج والتجار في البراري والبحار] (٧). فبينما هو كذلك إِذ بلغه أن الفرنج قد اجتمعوا له كلهم، فارسهم وراجلهم، ليمنعوا منه الكرك، فانشمر عنها، وقصدهم فنزل على حسبان (٨) تجاههم، ثم صار إِلى ماء عين (٩)، فانهزمت الفرنج قاصدين إِلى الكرك، فأرسل وراءهم من قتل منهم مقتلة عظيمة، وأمر السلطان الجيوش بالإغارة على السواحل لخلوِّها من المقاتلة، فنهبت نابلس وما حولها من القرايا (١٠) والرساتيق. ثم عاد السلطان إِلى دمشق، وأذن للعساكر في الانصراف إِلى بلدانهم (١١) الشتى، وأمر ابن أخيه تقي الدين عمر (١٢) الملك المظفر أن يعود إلى مصر بعسكره (١٣)، وكذلك لأخيه العادل أن يعود إِلى الشهباء. وأقام السلطان (١٤) بدمشق ليؤدي فرض الصيام، ولتجم (١٥) الخيل، ويحدّ الحسام، وقدمت (١٦) على السلطان خلع (١٧) الخليفة، فلبسها وألبس أخاه العادل وابن عمه ناصر الدين محمد (١٨) بن شيركوه ثم خلع

стр. 6454

السلطان خلعته على نور الدين (١) بن قرا أرسلان صاحب حصن كيفا (٢) وخَرْتَبِرْت (٣) وآمد التي أطلقها له السلطان. وفي هذه السنة مات ابن عمه صاحب ماردين وميافارقين وتلك الأعمال وهو قطب الدين إِيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إِيلغازي بن أرتق فقام في الملك بعده ولده وله من العمر عشرون سنة. وفيها: مات صاحب المغرب أيضًا يوسف (٤) بن عبد المؤمن بن علي، وقام في الملك بعده ولده يعقوب. وفي أواخر (٥) السنة بلغ السلطان (٦) صلاح الدين أن صاحب الموصل نازل إِربل (٧)، فبعث صاحبها يستصرخ بالسلطان (٨)، فركب من فوره إِليه في جنوده وعساكره، فسار إِلى بعلبك ثم إِلى حمص ثم إِلى حماة فأقام بها أيامًا ينتظر وصول العماد الكاتب إِليه، وذلك لأنه حصل له ضعف، فأقام ببعلبك، [ريثما أبلَّ من مرضه] (٩)، وقد أرسل إِليه القاضي الفاضل من دمشق طبيبًا (١٠) يقال له أسعد (١١) بن إِلياس المطران، فعالجه معالجة (١٢) من طب لمن حب (١٣).

стр. 6455

ثم دخلت سنة إِحدى وثمانين وخمسمائة استُهلّت [هذه السنة] (١)، والسلطان مخيّم بظاهر حماة، فسار (٢) إِلى حلب، وتلقاه أخوه العادل، واجتمعت إِليه العساكر، فخرج (٣) منها في صفر لقصد (٤) الموصل، فقطع الفرات، وجاء إِلى حَرَّان، فقبض على صاحبها مظفر الدين (٥) بن زين الدين، وهو أخو زين (٦) الدين صاحب إِربل، ثم رضي عنه، وأعاده إِلى مملكته حين تبيَّن حسن طويته (٧)، ثم سار منها إِلى الموصل، فتلقاه الملوك من كلِّ ناحية، وجاء إِلى خدمته عماد الدين أبو بكر بن قرا رسلان صاحب بلاد بكر وآمد، ثم بلغه موت أخيه نور الدين (٨) بن قرا أرسلان (٩)، فطلب دستورًا ليأخذ مملكته فأعطاه. وسار السلطان فنزل على الإسماعيليات قريبًا من الموصل. وجاءه صاحب إِربل زين الدين بن زين الدين وهو ممن (١٠) خضع له من ملوك تلك الناحية كما تقدم. وأرسل السلطان ضياء الدين (١١) بن كمال الدين الشهرزوري إِلى الخليفة يعلمه بما عزم عليه من حصار الموصل، وإِنما مقصوده ردهم إِلى طاعة الإمام (١٢)، ونصرة الإسلام. فحاصرها مدة ثم ترحّل (١٣) عنها في آخر ربيع الآخر، ولم يفتحها، وسار إِلى خِلاط (١٤)، واستحوذ

стр. 6456

على (١) بلدان كثيرة، وأقاليم جمَّة ببلاد الجزيرة وديار بكر، وجرت أمور طويلة قد استقصاها ابن الأثير في "الكامل" (٢) وصاحب "الروضتين" (٣). ثم وقع الصلح بينه وبين المواصلة، على أن يكونوا من جنده إِذا ندبهم لقتال الفرنج، وعلى أن يُخْطَب له، وتُضْرَبُ السكةُ باسمه (٤)، ففُعِلَ ذلك في تلك البلاد كلها، وانقطعت خطبة السلاجقة والأُرْتُقِيَّة (٥) بتلك البلاد كلها، واتفق الحال، وزال الإشكال. واتفق (٦) أنه مرض السلطان بعد هذا مرضًا شديدًا، وهو يتجلّد (٧)، ولا يُظْهر شيئًا من التألُّم (٨)، حتى قوي عليه الأمر، وتزايد الحال حتى وصل إِلى حرّان، فخيّم هنالك من شدة ألمه. وشاع ذلك في البلاد، وخاف الناس عليه، [ومرضوا لمرضه] (٩)، وأرجفت الكفرة والملحدون بموته (١٠)، وخاف أهل البلد والمؤمنون، وقصده أخوه أبو بكر العادل (١١) من حلب بالأطباء والأدوية، فوجده في غاية الضعف، وأشار عليه بأن يوصي ويعهد، فقال: ما أبالي وأنا أترك من بعدي أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا، يعني أخاه العادل صاحب حران، وتقي الدين عمر صاحب حماة، وهو إِذ ذاك نائب مصر، وهو بها مقيم، وابنيه العزيز عثمان (١٢)، والأفضل (١٣) عليًا، ثم نذر لله تعالى لئن شفاه من مرضه هذا ليصرفنَّ همته كلها إِلى قتال الكفار (١٤)، ولا يقاتل بعد ذلك مسلمًا، وليجعلن (١٥) أكبر همه فتح بيت المقدس،

стр. 6457

ولو صرف في سبيل ذلك جميع ما يملكه من الأموال والذخائر، وليقتلن البرنس صاحب الكرك بيده، وذلك لأنه نقض العهد [الذي عاهد السلطان عليه، فغدر بقافلة تجار من مصر] (١)، فأخذ أموالهم، وضرب رقابهم صبرًا بين يديه، وهو يقول: أين محمَّدكم (٢) ينصركم. وكان هذا النذر كله بإِشارة القاضي الفاضل ﵀، هو الذي أرشده إِلى ذلك، وحثَّه عليه، حتى عقده مع الله . فشفاه [الله تعالى، وعافاه مما كان ابتلاه به من ذلك] (٣) المرض الذي كان فيه كفَّارة لذنوبه، ورفع لدرجته، ونصرة للإسلام وأهله، وجاءت البشائر (٤) بذلك من كل ناحية، وزينت البلاد، ولله الحمد والمنة. وكتب (٥) الفاضل من دمشق، وهو مقيم بها إِلى المظفر تقي الدين عمر نائب مصر لعمه الناصر: إِنَّ العافية الناصريّة قد استقامت واستفاضت أخبارها، وطلعت بعد الظلمة أنوارها، وظهرت بعد الاختفاء آثارها. وولت العلَّة، ولله الحمد والمنة. وأُطفئت (٦) نارها، وانجلى غبارها، وخمد شرارها، وما كانت إِلا فلتة وقى الله شرها (٧)، وعظيمة كفى الإسلام أمرها (٨)، ونوبة امتحن الله بها نفوسنا، فرأى أقل ما فيها صبرها (٩). وما كان الله ليضيع الدعاء، وقد أخلصته القلوب، ولا ليوقف (١٠) الإجابة، وإِن سدَّت طريقها الذنوب، ولا ليخلف وعد فرج وقد أيس الصاحب والمصحوب: [من الوافر] نَعِيٌّ زادَ فيهِ الدَّهْرُ مِيمًا … فَأَصْبَحَ بَعْدَ بُؤْسَاهُ نَعِيمَا وَمَا صَدَقَ النَّذِيرُ بِهِ لأَنِّي … رَأَيْتُ الشَمْسَ تَطْلُعُ وَالنُّجُومَا وقد استقبل مولانا السلطان الملك الناصر العافية غضة جديدة، والعزمة ماضية حديدة، والنشاط إِلى الجهاد، والتوبة لرب العباد، والجنة مبسوطة البساط، وقد انقضى الحساب وجزنا الصراط، وعرضنا نحن على الأهوال التي من خوفها كاد الجمل يلج في سَمِّ الخياط. ثم ركب السلطان من حرَّان بعد العافية، فدخل حلب، ثم اجتاز بحماة وحمص. ودخل إِلى

стр. 6458

دمشق، وقد تكاملت عافيته، وكان يوم دخوله إِليها مشهودًا (١)، وصباحه محمودًا (٢)، ولله (٣) المنة. وممن (٤) توفي في هذه السنة [من الأعيان] (٥): الفقيه مهذب الدين عبد الله بن أسعد الموصلي مدرس حمص (٦): وكان بارعًا في فنون، ولا سيما في الشعر والأدب. وقد أثنى عليه العماد والشيخ شهاب الدين [أبو شامة] (٧)، رحمه الله تعالى. الأمير ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص والرحبة (٨): وهو ابن عم السلطان صلاح الدين، وزوج أخته ست الشام بنت أيوب. [وكانت وفاته] (٩) بحمص، فنقلته زوجته ست الشام إِلى تربتها بالمدرسة الشامية البرانية، فقبره هو الأوسط بينها وبين أخيها المعظَّم تورانشاه (١٠)، صاحب اليمن، وقد خلف ناصر الدين محمد من الأموال والذخائر شيئًا كثيرًا، ينيف على ألف ألف دينار، وكانت وفاته يوم عرفة فجأة، فولي (١١) بعده مملكة حمص ولده أسد الدين شيركوه (١٢) بأمر السلطان صلاح الدين أيده الله تعالى. محمود بن أحمد بن علي بن إِسماعيل بن عبد الرحمن الشيخ جمال الدين أبو الثناء المحمودي ابن الصابوني (١٣):

стр. 6459

لأن جدّ أبيه الشيخ أبا عثمان الصابوني كان أحد الأئمة المشاهير (١)، وإِنما يقال له (المحمودي) لصحبة جده للسلطان محمود بن محمد (٢) بن ملكشاه، فقدم الشيخ كمال الدين هذا الشام في أيام السلطان نور الدين محمود بن زنكي، فأكرمه واحترمه، ثم سار إِلى مصر، فنزلها، وكان صلاح الدين يكرمه أيضًا، وأوقف (٣) عليه، وعلى ذريته أرضًا، فهي لهم إِلى الآن، [رحمه الله تعالى] (٤). الأمير الكبير سعد الدين مسعود بن معين الدين أُنَر (٥): كان من الأمراء الكبار أيام نور الدين وصلاح الدين، وهو أخو الست خاتون. وحين تزوجها صلاح الدين زوَّجه أخته الست ربيعة (٦) خاتون بنت أيوب التي تنسب إِليها المدرسة الصاحبة (٧) بالسفح على الحنابلة. وقد تأخرت مدتها، فتوفيت سنة ثلاث وأربعين وستمائة (٨)، فكانت آخر من بقي من أولاد أيوب لصلبه، وكانت وفاته في دمشق في جمادى الآخرة من جرح أصابه، وهو في حصار ميَّافارقين (٩) رحمه الله تعالى وإِيانا بمنه وكرمه.

стр. 6460

الست خاتون عصمة الدين بنت معين الدين أُنر (١) نائب دمشق وأتابك عسكرها قبل نور الدين كما تقدم: وقد كانت زوجة نور الدين، ﵀، ثم خلف عليها من بعده صلاح الدين في سنة ثنتين وسبعين [وخمسمئة] (٢). وكانت من أحسن النساء وأعفّهن وأكثرهن صدقة. وهي واقفة الخاتونية (٣) الجوانية بمحلة حجر الذهب وخانقاه خاتون (٤) ظاهر باب النصر في أول الشرف القبلي على بانياس. ودفنت بتربتها (٥) في سفح قاسيون قريبًا من قباب الشركسيه (٦)، [ولها أوقاف كثيرة غير ذلك] (٧). فأما الخاتونية البرانية التي على القنوات بمحلة صنعاء الشام، ويعرف ذلك المكان الذي (٨) هي فيه بتل الثعالب فهي من إِنشاء الست زمرّد (٩) خاتون بنت جاولي، وهي أخت الملك دقاق لأمه، وكانت زوجة زنكي والد نور الدين صاحب حلب. وقد ماتت قبل هذا الحين كما تقدم، رحمها (١٠) اللّه تعالى. الحافظ (١١) الكبير أبو موسى المديني، محمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن محمد (١٢) الأصبهاني (١٣) رحمه اللّه تعالى:

стр. 6461

أحد حفاظ الدنيا الرحالين الجوالين. له مصنفات عديدة وشرح أحاديث كثيرة، رحمه اللّه تعالى (١). أبو (٢) القاسم وأبو زيد عبد الرحمن بن الخطيب أبي محمد عبد اللّه بن الخطيب أبي عمرى (٣) أحمد (٤) ابن (٥) أبي الحسن أصبغ بن حسين بن سعدون بن رضوان بن فتوح -وهو الداخل إِلى الأندلس- الخثعمي السهيلي (٦): حكى القاضي (٧) ابن خلكان (٨) عن [ابن دحية] (٩) أنه أملى عليه نسبه كذلك. قال ابن خلكان (١٠): والسُّهَيلي نسبة إِلى قرية بالقرب من مالقة اسمها سُهيل (١١)، لأنه لا يُرى سهيل النجم في شيء من تلك البلاد إِلا من رأس جبل شاهق عندها، [فسميت بذلك] (١٢). ولد سنة ثمان وخمسمئة. وقرأ القرآن (١٣) واشتغل وحصّل حتى برع وساد أهل زمانه بقوة القريحة (١٤) وجودة الذهن وحسن التصانيف (١٥). وكان ضريرًا مع ذلك. وله كتاب "الروض الأُنف" يذكر فيه نكتًا

стр. 6462

حسنة على السيرة لم يسبق إِلى أشياء كثيرة منها، وله كتاب "الإعلام فيما أُبهم في القرآن من الأسماء والأعلام" وله كتاب "نتائج الفكر" و "مسألة في الفرائض" بديعة، و "المسألة في السرّ (١) في كون الدجال أعور" وأشياء كثيرة فريدة (٢)، بديعة مفيدة. وله أشعار حسنة. وكان عفيفًا فقيرًا. وقد حصل له مال كثير آخر عمره من صاحب مراكش. [وكانت وفاته في هذه] (٣) يوم الخميس السادس والعشرين من شعبان منها (٤). وله قصيدة كان يدعو الله بها ويرتجي الإجابة ببركتها (٥)، وهي قوله (٦): [من الكامل] يَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَيَسْمَعُ … أَنْتَ المُعَدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ يَا مَنْ يُرَجَّى لِلشَّدَائِدِ كُلِّها … يَا مَنْ إِلَيْهِ المُشْتَكَى وَالْمَفْزَعُ يَا مَنْ خَزَائِنُ رِزْقِهِ فِي قَوْلِ كُنْ … امْنُنْ فَإنَّ الخَيْرَ عِنْدَكَ أَجْمَعُ مَالِي سِوَى فَقْرِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ … وَبِالافْتِقَارِ (٧) إِلَيْكَ فَقْرِي أَدْفَعُ مَالِي سِوَى قَرْعِي لِبَابِكَ حِيلَةٌ … وَلَئِن (٨) رُدِدْتُ فَأَيَّ بَابٍ أَقْرَعُ وَمَنِ الَّذِي ادْعُو (٩) وَأَهْتِفُ بِاسْمِهِ … إِنْ كَانَ فَضْلُكَ عَنْ فَقِيرِكَ يُمْنَعُ حَاشَا لِمَجْدِكَ أَنْ يُقَنِّطَ (١٠) عَاصِيًا … الفَضْلُ أَجْزَلُ وَالمَواهِبُ أَوْسَع (١١) ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين وخمسمئة في (١٢) ثاني ربيع الأول منها كان دخول [السلطان صلاح الدين إِلى دمشق بعد عافيته، فكان يومًا

стр. 6463

مشهودًا، كما جرت بمثل ذلك عادات الملوك، واجتمع بالقاضي الفاضل، وزاره واستزاره، وفاوضه واستشاره] (١)، وكان لا يقطع أمرًا دونه، [ولا يخفي عنه مكنونه ولا ضميره ومضمونه] (٢). ثم قرر السلطان في مُلْك دمشق (٣) ولده الأفضل علي. ونزل العادل أبو بكر عن حلب لصهره زوج ابنته الملك الظاهر غازي بن السلطان (٤). وأرسل السلطان أخاه العادل صحبة ولده عماد الدين عثمان الملك العزيز على ملك مصر، ويكون العادل أتابكه، وله إِقطاع عظيم (٥) جدًا، وعزل عنها نائبها (٦) تقي الدين عمر، فعزم على الدخول إِلى إِفريقية، [فلم يزل السلطان يكاتبه، ويتلطّف به، ويترفّق له] (٧)، حتى أقبل بجنوده نحوه، فأكرمه واحترمه، وعظَّمه وأقطعه حماة وبلادًا كثيرة معها، وقد كانت له قبل ذلك بسنتين، وزاده (٨) على ذلك مدينة ميّافارقين. وامتدحه العماد الكاتب بقصيدة سينيَّة سنيَّة مذكورة (٩) في "الروضتين" (١٠). [وفي هذه السنة] (١١) هادن قومص (١٢) طرابلس السلطان، وصالحه، وصافاه، حتى كان يقاتل ملوك الفرنج أشدّ القتال، ويسبي منهم النساء والأطفال (١٣)، وكاد أن يُسْلِم، ولكن صدّه شيطانه، ورماه

стр. 6464

بالخبال (١)، وكانت مصالحة القومص من أقوى أسباب (٢) نصرة السلطان على الفرنج ومن أشدّ ما دخل عليهم في دينهم ودنياهم، وللّه الحمد والمنة (٣). قال العماد الكاتب (٤): وكان المنجمون في جميع البلاد يحكمون بخراب العالم في شعبان، عند اجتماع الكواكب الستة في الميزان، بطوفان الريح في سائر البلدان. وذكر أن ناسًا من الجهلة تأهّبوا لذلك بحفر مغارات ومدخلات وأسراب في الأرض خوفًا من ذلك. قال العماد الكاتب (٥): فلما كانت تلك الليلة التي أشاروا إِليها، وأجمعوا عليها، لم يُر ليلة مثلها في ركودها وركونها وهدوئها. وكذا ذكر غير واحد من الناس. وقد نظم الشعراء في تكذيب المنجمين في هذه الوقعة وغيرها أشعارًا حسنة من ذلك قول عيسى بن مودود (٦): [مجزوء الرمل] (٧) مَزِّقِ التَّقْوِيمَ والزِّيْ … ـــجَ فَقَدْ بَانَ الخَفَاءُ (٨) إِنَّما التَّقْوِيمُ والزِّيـ … ـــــجُ هَبَاءٌ وَهَوَاءٌ (٩) قُلْتَ لِلسَّبْعَةِ إِبْرا … مٌ وَمَنعٌ وَعَطاءُ وَمَتَى يَنْزِلْنَ فِي المَيْـ … ــــزَانِ يَسْتَوْلي الهَواءُ وَتُثِيرُ (١٠) الرَّمْلَ حَتَّى … يَمْتَلِي مِنْهُ الفَضَاءُ وَيَعُمُّ الأَرْضَ خَسْفٌ … وَخَرَابٌ وَبَلَاء (١١) ويَصِيرُ القَأعُ كَالقُفِّ … وَكَالطَّوْدِ العَرَاءُ (١٢)

стр. 6465

أحْكَمُوا ذَا (١) فَأَبَى الحَا … كِمُ إِلَّا مَا يَشَاءُ مَا أَتَى الشَّرْعُ وَلَا جَا … ءَتْ بِهذَا الأَنْبِيَاءُ فَبَقِيتُمْ ضِحْكَةً يَضْـ … ـــحَكُ (٢) مِنْهَا العُلَمَاءُ حَسْبُكُمْ خِزْيًا وَعَارًا … مَا يَقُولُ الشُّعَرَاء (٣) ثُمَّ مَا (٤) أَطْمَعَكُمْ في الـ … ـــحُكْم إِلَّا الأُمَرَاءُ لَيْتَ إِذْ لَمْ يُحْسِنوا في الدِّ … يْنِ ظَنًّا مَا (٥) أَسَاؤوا فَعَلَى اصْطِرْلَابِ بَطْلَيْـ … ـــمُوسَ (٦) والزِّيْجِ العَفَاءُ وَعَلَيْهِ الخِزْيُ (٧) مَا جَا … دَتْ عَلَى الأَرْضِ السَّمَاءُ (٨) وممن توفي في هذه السنة من المشاهير (٩): أبو محمد عبد الله بن أبي الوحش بَرِّي بن عبد الجبار بن بري المقدسي ثم المصري (١٠): أحد أئمة اللغة والنحو في زمانه. وعليه كانت (١١) تعرض الرسائل بعد ابن بَابْشَاذ (١٢). وكان كثير الاطلاع، عالمًا بهذا الشأن، مطرحًا للتكلف في كلامه، لا يعرّج (١٣) على الإعراب فيه إِذا خاطب

стр. 6466

الناس. وله التصانيف المفيدة. توفي وقد جاوز الثمانين بثلاث سنين رحمه اللّه تعالى (١). والله (٢) أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وخمسمئة فيها: كانت وقعة حِطَّين (٣)، التي كانت أمارة، ومقدمة وبشارة (٤)، لفتح بيت (٥) المقدس [على عباد اللّه الصالحين] (٦)، واستنقاذه من أيدي الكافرين (٧). قال (٨) ابن الأثير [في "الكامل"] (٩): كان أول يوم منها يوم السبت، وكان يوم النيروز، وذلك أول سنة الفرس، واتفق (١٠) أنه أول سنة الروم أيضًا، وهذا اليوم (١١) الذي نزلت فيه الشمس برج الحمل، وكذلك كان القمر في برج الحمل أيضًا. قال: وهذا شيء يبعد وقوع مثله. وبرز السلطان من دمشق يوم السبت مستهلّ محرم، [وقيل في أثنائه] (١٢)، في [الجيش العرمرم ليجاهد بأهل الجنة أهل جهنم] (١٣). فسار إِلى رأس الماء فنزل ولده الأفضل هناك في طائفة من الجيش، وتقدم السلطان ببقية الجيش إِلى بُصْرَى، ثم خيَّم (١٤) على قصر أبي سلامة (١٥)، ينتظر قدوم الحجاج (١٦)، وفيهم أخته ست

стр. 6467

الشام (١)، وابنها حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين (٢) ليسلموا من معرَّة ابرنس (٣) الكرك، [الذي غدر، ونكث العهد وفجر] (٤). فلما اجتاز (٥) الحجيج [في أواخر صفر] (٦) سار السلطان فنزل (٧) الكرك، وقطع ما حوله من الأشجار، ورعَى الزروع (٨) وأكلوا الثمار. وجاءته (٩) العساكر المصرية، وتوافت الجيوش (١٠) الشرقية، بالرماح الخطية، والسيوف المشرفية. فنزلوا عند ابن السلطان على رأس الماء. وبعث الأفضل سريةً نحو بلاد الفرنج، فقتلت وغنمت، وسلمت وكسرت، وأسرت ورجعت. فبشَّرت (١١) بمقدمات الفتح والنصر. وجاء السلطان في جحافله (١٢)، والتفَّت عليه جميع العساكر، البادي منهم والحاضر، فرتب الجيوش والأطلاب، وسار قاصدًا بلاد الساحل. وكان جملة مَنْ معه من المقاتلة اثني عشر ألفًا غير المطّوّعة، فتسامعت الفرنج بمقدمه (١٣)، فاجتمعوا كلهم، وتصالحوا فيما بينهم، ودخل معهم قومص طرابلس الغادر، وابرنس الكرك الفاجر، وجاؤوا بقضّهم وقضيضهم، وأهل أوجهم وحضيضهم (١٤). وقد استصحبوا معهم صليب الصلبوت، يحمله منهم عُبَّاد الطاغوت، وضُلاَّل الناسوت واللاهوت (١٥)، في خلق لا يعلم عددهم (١٦) إِلا الله (١٧). يقال: كانوا خمسين ألفًا،

стр. 6468

وقيل: ثلاثًا (١) وستين ألفًا. وقد خوّفهم القومص صاحب طرابلس بأس (٢) المسلمين، فاعترض عليه البرنس أرناط صاحب الكرك، فقال له: لاشكَّ أنك تُحبُّ المسلمين وتخوّفنا من كثرتهم، [والنار لا تخاف من كثرة الحطب. فقال القومص لهم: ما أنا إِلا واحد منكم] (٣)، وسترون (٤) غبّ ما أقول لكم. فتقدموا [نحو المسلمين] (٥). وأقبل السلطان، ففتح طبرية، وتقوَّى بما فيها من الأطعمة والأمتعة وغير ذلك، وتحصّنت منه (٦) القلعة فلم يشتغل (٧) بها، وحاز البحيرة في حوزته، ومنع (٨) الكفرة أن يصلوا منها إِلى غَرْفةٍ، أو يروا للماء ريًّا، وأقبلوا (٩) في عطش، لا يعلمه إِلا الله . فبرز لهم السلطان إِلى سطح الجبل الغربي من طبرية عند قرية يقال لها: حطّين، التي يقال: إِن فيها قبر شعيب ﵇. وجاء العدو المخذول، وكان فيهم صاحب عكا وكَفْركَنّا (١٠) وصاحب الناصرة وصاحب صور، وغير ذلك من جميع ملوكهم، فتواجه هنالك الجيشان (١١) وتقابل الفريقان، وأسفر وجه الإيمان، واغبرّ وأقتم وأظلم وجه الكفران (١٢) والخسران، ودارت دائرة السوء على عبدة الصلبان، وذلك عشيه (١٣) يوم الجمعة، وبات الناس على مصافّهم. وأسفر صباح يوم (١٤) السبت الذي كان يومًا عسيرًا على أهل الأحد (١٥)، وذلك لخمس بقين من ربيع الآخر، في شدة الحر، [فطلعت الشمس على وجوه النصارى، وهم من شدة العطش سكارى، وما هم بسُكارى] (١٦)، وكان تحت أقدام خيولهم

стр. 6469

حشيش قد صار هشيمًا، وكان ذلك عليهم مشؤومًا، فأمر السلطان النفّاطة، فرمَو (١) بالنفط، فتأجج تحت سنابك خيولهم نارًا، فاجتمع عليهم حرّ الشمس وحرّ العطش، وحرّ النار من تحت أرجلهم، وحرّ السلاح، وحرّ رشق (٢) السهام عن القسيِّ القاسية، وتبارز الشجعان في حومة الوغى، ثم أمر السلطان بالتكبير والحملة الصادقة، فحملوا فكان النصر من اللّه ، فمنحهم اللّه [أكتاف الكفرة الفجرة] (٣)، فقتل منهم ثلاثون ألفًا [في ذلك اليوم وأُسر ثلاثون] (٤) ألفًا من شجعانهم وفرسانهم. وكان في جملة الأسارى (٥) جميع ملوكهم سوى قومص طرابلس، فإِنه انهزم في أول المعركة. واستلبهم السلطان صليبهم الأعظم عندهم، وهو الذي يزعمون أنه صلب عليه المصلوب وقد غلفوه بالذهب واللآلئ والجواهر النفيسة. وكان يومًا على الكافرين عسيرًا، ولم يُسمع بمثل هذا اليوم في عزِّ الإسلام وأهله، ودفع الباطل وذُلِّه (٦)، حتى أنه ذكر أن بعض الفلاحين رآه بعضهم، وهو (٧) يقود نيّفًا وثلاثين أسيرًا من الفرنج، وفد ربطهم بطُنُب خيمة، وباع بعضهم أسيرًا بمداس (٨) لبسها (٩) في رجله. وجرت أمور لم يُسمع بمثلها، ولا وقعت العيون على شكلها، [إِلا في زمن الصحابة والتابعين] (١٠)، فلله الحمد دائمًا وأبدًا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا. ولما تمت هذه الوقعة العظيمة، والنعمة العميمة الجسيمة، [ووضعت الحرب أوزارها] (١١)، أمر السلطان بضرب مخيم عظيم، وجلس فيه على سرير المملكة، وعن يمينه أسرّة وعن يساره مثلها، وجيء بالأسارى تتهادى في قيودها، فضرب أعناق (١٢) جماعة من مقدمي الداوية والاسبتاريه (١٣) بين يديه صبرًا [ولم يترك منهم من كان يذكر الناس عنه ذِكرًا] (١٤).

стр. 6470

ثم جيء بالملوك، فأُجلسوا عن يمينه ويساره على مراتبهم، فأُجلس ملكهم الكبير عن يمينه، وتحته (١) أرناط ابرنس الكرك، قبحه (٢) اللّه تعالى، وبين يديه بقية الملوك وعن يساره. ثم جئ (٣) السلطان بشراب مثلوج (٤) من الجلّاب، فشرب، ثم ناول الملك فشرب، ثم ناول ملكهم أرناط (٥) صاحب الكرك فشرب (٦)، فغضب السلطان وقال: أنا سقيتك، ولم آمرك أن تسقيه، هذا لا عهد له عندي. ثم تحوَّل السلطان إِلى خيمة داخل تلك الخيمة، واستدعى أرناط، فلما أوقف بين يديه قام إِليه بالسيف، ودعاه (٧) إِلى الإسلام فامتنع، فقال له: نعم أنا أنوب عن رسول الله ﷺ في الانتصار لأمته، ثم قتله، وأرسل برأسه إِلى الملوك، وهم في الخيمة، وقال: إِن هذا تعرض لسبِّ رسول الله ﷺ فقتلته. ثم قتل السلطان جميع من كان في الأسارى من الداوية والاسبتارية (٨) صبرًا، وأراح اللّه (٩) المسلمين من هذين الجنسين النجسين (١٠)، ولله الحمد. ولم يسلم ممن عُرض عليه الإسلام منهم إِلا القليل، فيقال: إِنه بلغت القتلى ثلاثين ألفًا، وكذلك الأسارى كانوا ثلاثين ألفًا، وكان جملة [جيش الفرنج] (١١) ثلاثة وستين ألفًا، وكان مَنْ سلم منهم، مع قلّتهم (١٢)، أكثرهم جرحى، فماتوا ببلادهم بعد رجوعهم. وممن مات كذلك قومص طرابلس، فإنه انهزم جريحًا، فمات ببلاده بعد مرجعه (١٣) لعنه الله. ثم أرسل (١٤) برؤساء الأسارى ورؤوس أعيان القتلى وبصليب الصلبوت صحبة القاضي ابن أبي

стр. 6471

عصرون (١) إِلى [دمشق ليودعوا في قلعتها، فدخل بالصليب منكوسًا بين يدي القاضي إِلى] (٢) دمشق، وكان يومًا مشهودًا، ولله الحمد والمنة. ثم سار (٣) السلطان إِلى قلعة طبرية ففتحها (٤)، وقد كانت طبرية تقاسم بلاد حوران والبلقاء وما حولها من الجولان (٥) وتلك الأراضي كلها بالنصف، فأراح الله المسلمين من تلك المقاسمة، [وتوفّرت عليهم] (٦). [ثم سار السلطان إِلى حطين، فزار قبر شعيب، ثم ارتفع منه إِلى إِقليم الأردن، فتسلم تلك البلاد كلها، وهي قرى كثيرة كبار وصغار (٧). ثم سار إِلى عكا فنزل عليها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر، فافتتحها صلحًا يوم الجمعة (٨)، وأخذ ما كان من حواصل (٩) وأموال وذخائر ومتاجر وغيرها، واستنفذ من كان بها من أسارى (١٠) المسلمين، فوجد (١١) فيها أربعة آلاف أسير منهم، ففرّج اللّه عنهم، ولله الحمد والمنة (١٢). وأمر بإِقامة الجمعة بعكا (١٣)، فكانت أول جمعة أقيمت بالساحل بعد أن أخذه الفرنج من نحو تسعين (١٤) سنة، فلله الحمد دائمًا. ثم سار منها إِلى صيدا وبيروت وتلك النواحي من السواحل، فأخذها (١٥) بلدًا بلدًا، لخلوّها من المقاتلة ومن الملوك. ثم سار (١٦) نحو غزة وعسقلان ونابلس وبيسان وأراضي الغور فملك ذلك كله بحول اللّه وقوته.

стр. 6472

واستناب السلطان على نابلس ابن أخته (١) حسام الدين عمر بن محمد بن لاجين (٢)، وهو الذي افتتحها، وكان جملة ما افتتحه السلطان في هذه المدة القريبة قريبًا من خمسين بلدًا كبارًا، كل بلد له مقاتلة وقلعة ومنعه فللّه الحمد. وغنم الجيش والمسلمون من هذه الأماكن [وسبَوا شيئًا كثيرًا لا يُحدّ ولا يوصف. واستبشر الإسلام وأهله شرقًا وغربًا بهذا النصر العظيم، والفتوحات الهائلة] (٣). [وترك السلطان جيوشه ترتع في هذه الفتوحات والغنائم الكثيرة] (٤)، مدة شهور، ليستريحوا ويُجمُّو] (٥) أنفسهم وخيولهم، وليتأهّبوا لفتح بيت المقدس الشريف. وطار في الناس أَنَّ السلطان عزم (٦) على فتح بيت المقدس، فقصده العلماء [والصالحون والمتطوعة من كل فج عميق. وجاء أخوه العادل] (٧) بعد وقعة حِطِّين وفتح عكا، ففتح بنفسه حصونًا كثيرة [أيضًا. فاجتمع من عباد اللّه من الجيوش المتطوعة خلق كثير وجمٌّ غفير] (٨). فعند ذلك قصد السلطان بيت المقدس (٩) بمن معه، كما سيأتي بيانه. [وقد امتدح الشعراء الملك صلاح الدين] (١٠) بسبب وقعة حِطِّين، فقالوا وأكثروا، وأطالوا (١١) وأطنبوا. وكتب إِليه القاضي الفاضل من دمشق، وكان (١٢) مقيمًا بها لمرض ناله (١٣): لِيَهْنَ المولى أَنَّ الله قد أقام به الدين القيّم، وأنه كما قيل: أصبحتَ مولاي ومولى كل مسلم، وأنه قد أسبغ عليه النعمتين الباطنة والظاهرة، وأورثه المُلْكين: مُلْك الدنيا وملك الآخرة، كتب المملوك: هذه الخدمة والرؤوس إِلى الآن لم تُرفع من سجودها، والدموع لم تُمسح من خدودها، وكلما فكّر (١٤)

стр. 6473

المملوك (١) أنَّ البِيَعَ تعود وهي مساجد، والمكان الذي كان يقال فيه: إِن اللّه ثالث ثلائة، يقال اليوم فيه: إِله (٢) واحد، جدّد للّهِ شكرًا تارةً بفيضٍ من لسانه، وتارة بفيض من أجفانه (٣)، وجزى اللّه يوسف خيرًا عن إِخراجه من سجنه، والمماليك ينتظرون أمر المولى، فكل مَنْ أراد أن يدخل الحمَّام بدمشق، قد عوَّل على دخول حمَّام طبرية. منها (٤): [من البسيط] تِلْكَ المَكَارِمُ لَا قُعْبانُ من لَبَنٍ … [وَذَلِكَ الفَتْحُ لَا عَمّانَ واليَمنِ] (٥) وَذَلِكَ السَّيْفُ لَا سَيْفُ ابْنِ ذِي يَزَنِ ثم قال: وللألسنة بعدُ في (٦) هذا الفتح سبع (٧) طويل، وقول جليل. ذكر فتح بيت المقدس في هذه السنة واستنقاذه من أيدي النصارى بعد (٨) ثنتين وتسعين سنة لما افتتح السلطان [ما حول بيت المقدس من الأماكن المباركة وما يقرب من تلك السواحل المتقدم. ذِكرها والإشارة إِليها] (٩)، أمر العساكر فاجتمعت، [والجيوش المتفرِّقة في البلدان للمغانم فائتلفت] (١٠)، وسار نحو بيت المقدس الشريف بتلك (١١) العساكر المنصورة، والرايات القادرة الكاسرة الكسورة، فنزل غربي بيت المقدس يوم الأحد الخامس عشر من شهر رجب من هذه السنة -أعني سنة ثلاث وثمانين وخمسمئة- وقد [حصَّنت الفرنج لعنهم اللّه الأسوارَ بالمقاتلة] (١٢). وكانوا ستين ألف

стр. 6474

مقاتل، دون بيت المقدس، أو يزيدون ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]. وكان صاحب البلد (١) يومئذ رجلًا يقال له: باليان (٢) بن بارزان، ومعه مَنْ سلم من وقعة حِطّين، يوم التقى الجمعان من الداوية والاسبتارية (٣) أتباع الشيطان وعبدة الصلبان (٤) عليهم لعائن الرحمن (٥) أجمعين، فأقام السلطان بمنزله المذكور خمسة أيام، وسلّم إِلى كل طائفة من الجيش (٦) المنصور ناحية من أبرجة السور (٧)، ثم تحوّل إِلى ناحية الشمال (٨)، لأنه رآها أوسع وأنسب (٩) للمجال، والجلاد والنِّزال، وقاتل الفرنج دون البلد قتالًا هائلًا، وبذلوا [أنفسهم وأموالهم] (١٠) في نصرة قمامة والقيامة (١١) بذلًا طائلًا، واستشهد في الحصار بعض أمراء المسلمين إِلى رحمة رب العالمين، فحنق عند ذلك كثير من أمراء الإسلام، [واجتهدوا في القتال بكل خطيّ وحسام، وقد نُصِبت المجانيق] (١٢) والعرَّادات (١٣) على البلد، وغنّت السيوف والرماح الخطيّات، وعملت السَّمْهريات، والعيون تنظر إِلى الصلبان، وهي منصوبة، فوق الجدران، وفوق قبة الصخرة، قبلة أهل الأديان [من قديم الأزمان] (١٤) صليب كبير، فزاد ذلك أهل الإيمان الحنق الكثير وشدة التشمير (١٥)، فوجد (١٦) يوم عسير، على الكافرين غير يسير. فبادر السلطان -أيده الله-، بأصحابه إِلى الزاوية الشرقية الشمالية من السور فنقبها وعلَّقها وحشاها بالنيران وأحرقها. فسقط ذلك الجانب، وخرَّ البرجُ برمّته، فإذا هو

стр. 6475

واجب (١)، فلما شاهد الفرنج ذلك الحادث المفظع (٢)، والخطب المؤلم (٣) الموجع، قصد أكابرهم السلطان، وتشفعوا إِليه بكل إِنسان، أن يعطيهم الأمان، فامتنع [من ذلك] (٤)، وقال: لا أفتحها إِلا (٥) كما فتحتموها عنوة، ولا أترك بها أحدًا من النصارى إِلا قتلته كما قتلتم أنتم من كان بها من المسلمين فطلب صاحبها باليان بن بارزان من السلطان الأمان ليحضر عنده فأمَّنهُ، فلما حضر ترقّق للسلطان (٦) وذلّ ذُلًا عظيمًا، وتشفع إِليه بكل ما أمكنه، فلم يجبه إِلى الأمان لهم، فقالوا: إِن (٧) لم نُعْطَ (٨) الأمان، رجعنا، فقتلنا كل أسير من المسلمين بأيدينا، وهم (٩) قريب من أربعة آلاف، وقتلنا ذرارينا وأولادنا ونساءنا، وخربنا الدور والأماكن الحسنة، وأحرقنا المتاع، وأتلفنا ما بأيدينا من الأموال، وألقينا قبة الصخرة، وحرقنا ما نقدر عليه، ولا نبقي ممكنًا في إِتلاف ما نقدر عليه، وبعد ذلك نخرج فنقاتل قتال الموت، ولا خير في حياتنا بعد ذلك، فلا يُقتل واحد منا حتى يقتل أعدادًا منكم فماذا يُرْتَجى (١٠) بعد هذا من الخير؟ فلما سمع السلطان ذلك أجاب، إِلى الصلح وأناب، على أن يبذل كل رجل منهم عن نفسه عشرة دنانير، وعن المرأة خمسة دنانير، وعن كل صغير وصغيرة دينارين، ومن عجز عن ذلك كان أسيرًا للمسلمين، وأن تكون الغلاّت والأسلحة والدور للمسلمين، ويتحولوا (١١) منها إِلى مأمنهم، وهي مدينة صور. فكُتب الصلحُ على ذلك (١٢)، ومن لا يبذل ما شُرِط عليه إِلى أربعين يومًا (١٣) فهو أسير، فكان جملة من أسر بهذا الشرط ستة عشر ألف أسير (١٤) من رجال ونساء وولدان.

стр. 6476

ودخل السلطان والمسلمون البلد يوم الجمعة قبيل (١) وقت الصلاة بقليل، وذلك يوم السابع والعشرين من رجب. قال العماد: وهي ليلة الإسراء برسول اللّه ﷺ من المسجد الحرام إِلى المسجد الأقصى [إِلى السماوات العُلى] (٢). قال الشيخ شهاب الدين أبو شامه (٣): وهذا (٤) أحد الأقوال في الإسراء، واللّه تعالى أعلم. ولم تتفق (٥) صلاة الجمعة يومئذ، خلافًا لمن زعم أنها أقيمت يومئذ، وأن السلطان خطب بنفسه بالسواد يومئذ. والصحيح أن الجمعة لم يمكن (٦)، إِقامتها يومئذ لضيق الوقت، وإِنما أقيمت في الجمعة المقبلة، وكان الخطيب القاضي محيي الدين (٧) محمد بن علي القرشي بن الزكي، كما سيأتي قريبًا. ولكن نُظِّف (٨) المسجد الأقصى يومئذٍ مما كان فيه من الصلبان والرهبان والخنازير وخرّبت دور الداويه (٩)، كانوا قد ابتنوه (١٠) غربي المحراب الكبير، واتخذوا المحراب حُشّ (١١) لعنهم اللّه تعالى (١٢). فنُظِّف المسجد من ذلك كله. وأُعيد إِلى ما كان عليه في الأيام (١٣) الإسلامية والدولة المحمدية، وغسلت الصخرة بالماء الطاهر، وأعيد غسلها بماء الورد والمسك (١٤) الفاخر، وأُبرزت للناظرين، وقد كانت مغمورة مستورة محجوبة (١٥) عن الزائرين، ووُضِع الصليب عن قبّتها،

стр. 6477

وعادت إِلى حرمتها. وقد كان الفرنج قطعوا (١) منها قطعًا، فباعوها إِلى ملوك البحور بزنتها من الذهب (٢)، فتعذّر استعادة ما نقص (٣) منها وذهب. وقبض (٤) من الفرنج ما كانوا بذلوه عن أنفسهم من الأموال، وأطلق السلطان خلقًا منهم من بنات الملوك بمن معهن من النساء والصبيان والرجال، ووقعت المسامحة في كثير منهم، وشفع في أناس كثير، فعُفي عنهم، وفرّق السلطان جميع ما قبض منهم من الذهب في العسكر، ولم يدع (٥) منه شيئًا مما يُقْتَنى ويُدَّخَر. وكان ﵀ حليمًا (٦) كريمًا شجاعًا مقدامًا رحيمًا. أسأل اللّه تعالى أن يجدّد رحمته علية، وأن يُقبل بوجهه الكريم إِليه. ذكر أول جمعة أُقيمت ببيت المقدس بعد فتحه في الدولة الصلاحيّة لما نُزّه (٧) البيت المقدّس عما كان فيه من الصلبان والنواقيس، والرهبان والخنازير والقساقيس (٨)، وجاء أهل الإيمان، ونودي بالأذان، وهرب الشيطان، وقرئ القرآن، [ووُحِّد الرحمن] (٩)، [وطُهّر المكان] (١٠)، فكان أول جمعه (١١) أقيمت فيه في اليوم الرابع من شعبان، بعد يوم الفتح بثمان، فنصب المنبر، إِلى جانب المحراب المطهّر. وبسطت البسط الرفيعة، في تلك العراص الوسيعة، وعُلّقت القناديل، وتُلي التنزيل، عوضًا عما كان يُقرأُ من التحريف في الإنجيل، وجاء الحق وبطلت (١٢) تلك (١٣) الأباطيل، وصفِّفت (١٤) السجادات، وأُطيلت (١٥) السجدات، وتنوعت العبادات، وارتفعت (١٦)

стр. 6478

الدعوات، ونزلت البركات، وانجلت الكربات، وأقيمت الصلوات، ونطق الأذان، وخرس الناقوس، وحضر المؤذّنون (١) وغاب القسوس، [وزال العبوس والبوس] (٢)، وطابت الأنفاس واطمأنت النفوس، وأقبلت السعود، وأدبرت النحوس، وحضر العباد والزهاد والأبدال والأقطاب والأوتاد، وعُبد (٣) الواحد، وكثر الراكع والساجد، والقائم والقاعد، والعاكف والمجاهد، وامتلأ الجامع، واحتفلت المجامع، وسالت لرقة القلوب المدامع، وقال الناس: هذا يوم كريم، وفضل عظيم، [وموسم وسيم] (٤)، هذا يوم تجاب فيه الدعوات، وتصب فيه البركات، وتسيل العبرات، وتقال العثرات. [ولما أذن المؤذنون للصلاة وقت الزوال، كادت] (٥) القلوب تطير من الفرح بتلك (٦) الحال. [ولم يكن السلطان إِلى تلك الساعة عيَّنَ خطيبًا، وقد تهيّأ لها خلق من العلماء خوفًا أن يدعى إِليها أحدهم فلا يكون نجيبًا] (٧)، فبرر (٨) المرسوم السلطاني الصلاحي، وهو في قبة الصخرة الغرَّاء، أن يكون القاضي محيي الدين بن الزكي اليوم خطيبًا للخطباء، فلبس الخلعة السوداء، وصعد المنبر وقد كساه الله البهاء، وألزمه (٩) بكلمة التقوى وأعطاه السكينة والوقار والسناء، فخطب بالناس خطبة عظيمة سنية فصيحة بليغة ذكر فيها شرف البيت المقدس وما ورد فيه من الفضائل والترغيبات، وما فيه من الدلائل والأمارات، وما منّ اللّه به على الحاضرين من هذه النعمة التي تعدل كثيرًا من القربات. وقد أورد الشيخ شهاب الدين أبو شامة في "الروضتين" (١٠) الخطبة (١١) بطولها: وكان (١٢) أول ما قال حين تكلم: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] ثم أورد تحميدات القرآن كلّها، ثم قال:

стр. 6479

"الحمد لله معزّ الإسلام بنصره، ومذلّ الشرك بقهره، ومصرّف الأمور بأمره، ومديم (١) النعم بشكره، ومستدرج الكافرين بمكره، الذي قدّر الأيام، دولًا بعَدْله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاض على عباده من ظلّه، وأظهر دينه على الديّن كله، القاهر فوق عباده فلا يمانع، والظاهر على خليقته فلا ينازع، والآمر بما يشاء فلا يراجَع، والحاكم بما يريد فلا يدافَع. أحمده على إِظفاره وإِظهاره (٢)، وإِعزازه لأوليائه ونصره لأنصاره، وتطهيره (٣) بيته المقدس من أدناس الشرك وأوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن سرِّه وظاهر جهاره (٤)، وأشهد أن لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، شهادة مَنْ طهَّر بالتوحيد قلبَه، وأرضى به ربَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله رافع الشكّ (٥) وداحض الشرك، ورافض (٦) الإفك، الذي أسرى به من المسجد الحرام إِلى هذا المسجد الأقصى، وعرج به فيه (٧) إِلى السموات العلى، إِلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] [صلى الله عليه] (٨) وعلى خليفته الصدِّيق السابق إِلى الإيمان، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول مَنْ رفع عن هذا البيت شعارَ الصُّلبان، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك، ومكسّر الأوثان (٩)، وعلى آله وصحبة (١٠) والتابعين لهم بإِحسان. ثم ذكر الموعظة وهي مشتملة على تغبيط الحاضرين بما (١١) يسّره الله على أيديهم من فتح بيت المقدس، الذي من شأنه كذا وكذا، فذكر فضائله ومآثره (١٢)، وأنه أُولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تُشَدُّ الرّحالُ بعد المسجدين إِلا إِليه، ولا تعقد الخناصر بعد المَوْطنين إِلا عليه، وإِليه أُسْرِيَ برسول الله ﷺ من المسجد الحرام، وصلى فيه بالملائكة المقرَّبين والأنبياء والرسل الكرام، ومنه كان المعراج إِلى السموات، ثم عاد إِليه ثم سار منه إِلى المسجد الحرام على البراق، وهو أرض

стр. 6480

المحشر والمنشر يوم التلاق، وهو مقر الأنبياء ومقصد الأولياء، وقد أُسِّس على التقوى من أول يوم. قلت: ويقال: إِن الذي (١) أسسه أولًا يعقوب ﵇ بعد أن بنى الخليل ﵇ المسجد الحرام بأربعين سنة، كما جاء في "الصحيحين" (٢)، ثم جدد بناءه سليمان بن داود عليهما (٣) السلام، كما ثبت فيه (٤) الحديث بالمسند والسنن، وصحيح ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم، وسأل [سليمان ﵇] (٥) اللّهَ عند الفراع (٦) منه خلالًا ثلاثًا: حكمًا يصادف حكمه، وملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وأنه لا يأتي أحد (٧) إِلى هذا المسجد لا ينهزه (٨) إِلا الصلاة فيه إِلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه (٩). وذكر الخطيب تمام الخطبتين، ودعا (١٠) للخليفة الناصر (١١) العباسي، ثم (١٢) للسلطان الملك الناصر صلاح الدين رحمهما اللّه ثعالى. وبعد الصلاة جلس الشيخ زين الدين أبو الحسن عليّ بن نجا المصري (١٣) على كرسي الوعظ بإِذن السلطان، فوعظ الناس وكان وقتًا مشهودًا وحالًا محمودًا، فللّه
следующие страницы →