← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

ودخل السلطان والمسلمون البلد يوم الجمعة قبيل (١) وقت الصلاة بقليل، وذلك يوم السابع والعشرين من رجب. قال العماد: وهي ليلة الإسراء برسول اللّه ﷺ من المسجد الحرام إِلى المسجد الأقصى [إِلى السماوات العُلى] (٢). قال الشيخ شهاب الدين أبو شامه (٣): وهذا (٤) أحد الأقوال في الإسراء، واللّه تعالى أعلم. ولم تتفق (٥) صلاة الجمعة يومئذ، خلافًا لمن زعم أنها أقيمت يومئذ، وأن السلطان خطب بنفسه بالسواد يومئذ. والصحيح أن الجمعة لم يمكن (٦)، إِقامتها يومئذ لضيق الوقت، وإِنما أقيمت في الجمعة المقبلة، وكان الخطيب القاضي محيي الدين (٧) محمد بن علي القرشي بن الزكي، كما سيأتي قريبًا. ولكن نُظِّف (٨) المسجد الأقصى يومئذٍ مما كان فيه من الصلبان والرهبان والخنازير وخرّبت دور الداويه (٩)، كانوا قد ابتنوه (١٠) غربي المحراب الكبير، واتخذوا المحراب حُشّ (١١) لعنهم اللّه تعالى (١٢). فنُظِّف المسجد من ذلك كله. وأُعيد إِلى ما كان عليه في الأيام (١٣) الإسلامية والدولة المحمدية، وغسلت الصخرة بالماء الطاهر، وأعيد غسلها بماء الورد والمسك (١٤) الفاخر، وأُبرزت للناظرين، وقد كانت مغمورة مستورة محجوبة (١٥) عن الزائرين، ووُضِع الصليب عن قبّتها،

стр. 6477

وعادت إِلى حرمتها. وقد كان الفرنج قطعوا (١) منها قطعًا، فباعوها إِلى ملوك البحور بزنتها من الذهب (٢)، فتعذّر استعادة ما نقص (٣) منها وذهب. وقبض (٤) من الفرنج ما كانوا بذلوه عن أنفسهم من الأموال، وأطلق السلطان خلقًا منهم من بنات الملوك بمن معهن من النساء والصبيان والرجال، ووقعت المسامحة في كثير منهم، وشفع في أناس كثير، فعُفي عنهم، وفرّق السلطان جميع ما قبض منهم من الذهب في العسكر، ولم يدع (٥) منه شيئًا مما يُقْتَنى ويُدَّخَر. وكان ﵀ حليمًا (٦) كريمًا شجاعًا مقدامًا رحيمًا. أسأل اللّه تعالى أن يجدّد رحمته علية، وأن يُقبل بوجهه الكريم إِليه. ذكر أول جمعة أُقيمت ببيت المقدس بعد فتحه في الدولة الصلاحيّة لما نُزّه (٧) البيت المقدّس عما كان فيه من الصلبان والنواقيس، والرهبان والخنازير والقساقيس (٨)، وجاء أهل الإيمان، ونودي بالأذان، وهرب الشيطان، وقرئ القرآن، [ووُحِّد الرحمن] (٩)، [وطُهّر المكان] (١٠)، فكان أول جمعه (١١) أقيمت فيه في اليوم الرابع من شعبان، بعد يوم الفتح بثمان، فنصب المنبر، إِلى جانب المحراب المطهّر. وبسطت البسط الرفيعة، في تلك العراص الوسيعة، وعُلّقت القناديل، وتُلي التنزيل، عوضًا عما كان يُقرأُ من التحريف في الإنجيل، وجاء الحق وبطلت (١٢) تلك (١٣) الأباطيل، وصفِّفت (١٤) السجادات، وأُطيلت (١٥) السجدات، وتنوعت العبادات، وارتفعت (١٦)

стр. 6478

الدعوات، ونزلت البركات، وانجلت الكربات، وأقيمت الصلوات، ونطق الأذان، وخرس الناقوس، وحضر المؤذّنون (١) وغاب القسوس، [وزال العبوس والبوس] (٢)، وطابت الأنفاس واطمأنت النفوس، وأقبلت السعود، وأدبرت النحوس، وحضر العباد والزهاد والأبدال والأقطاب والأوتاد، وعُبد (٣) الواحد، وكثر الراكع والساجد، والقائم والقاعد، والعاكف والمجاهد، وامتلأ الجامع، واحتفلت المجامع، وسالت لرقة القلوب المدامع، وقال الناس: هذا يوم كريم، وفضل عظيم، [وموسم وسيم] (٤)، هذا يوم تجاب فيه الدعوات، وتصب فيه البركات، وتسيل العبرات، وتقال العثرات. [ولما أذن المؤذنون للصلاة وقت الزوال، كادت] (٥) القلوب تطير من الفرح بتلك (٦) الحال. [ولم يكن السلطان إِلى تلك الساعة عيَّنَ خطيبًا، وقد تهيّأ لها خلق من العلماء خوفًا أن يدعى إِليها أحدهم فلا يكون نجيبًا] (٧)، فبرر (٨) المرسوم السلطاني الصلاحي، وهو في قبة الصخرة الغرَّاء، أن يكون القاضي محيي الدين بن الزكي اليوم خطيبًا للخطباء، فلبس الخلعة السوداء، وصعد المنبر وقد كساه الله البهاء، وألزمه (٩) بكلمة التقوى وأعطاه السكينة والوقار والسناء، فخطب بالناس خطبة عظيمة سنية فصيحة بليغة ذكر فيها شرف البيت المقدس وما ورد فيه من الفضائل والترغيبات، وما فيه من الدلائل والأمارات، وما منّ اللّه به على الحاضرين من هذه النعمة التي تعدل كثيرًا من القربات. وقد أورد الشيخ شهاب الدين أبو شامة في "الروضتين" (١٠) الخطبة (١١) بطولها: وكان (١٢) أول ما قال حين تكلم: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] ثم أورد تحميدات القرآن كلّها، ثم قال:

стр. 6479

"الحمد لله معزّ الإسلام بنصره، ومذلّ الشرك بقهره، ومصرّف الأمور بأمره، ومديم (١) النعم بشكره، ومستدرج الكافرين بمكره، الذي قدّر الأيام، دولًا بعَدْله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاض على عباده من ظلّه، وأظهر دينه على الديّن كله، القاهر فوق عباده فلا يمانع، والظاهر على خليقته فلا ينازع، والآمر بما يشاء فلا يراجَع، والحاكم بما يريد فلا يدافَع. أحمده على إِظفاره وإِظهاره (٢)، وإِعزازه لأوليائه ونصره لأنصاره، وتطهيره (٣) بيته المقدس من أدناس الشرك وأوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن سرِّه وظاهر جهاره (٤)، وأشهد أن لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، شهادة مَنْ طهَّر بالتوحيد قلبَه، وأرضى به ربَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله رافع الشكّ (٥) وداحض الشرك، ورافض (٦) الإفك، الذي أسرى به من المسجد الحرام إِلى هذا المسجد الأقصى، وعرج به فيه (٧) إِلى السموات العلى، إِلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] [صلى الله عليه] (٨) وعلى خليفته الصدِّيق السابق إِلى الإيمان، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول مَنْ رفع عن هذا البيت شعارَ الصُّلبان، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك، ومكسّر الأوثان (٩)، وعلى آله وصحبة (١٠) والتابعين لهم بإِحسان. ثم ذكر الموعظة وهي مشتملة على تغبيط الحاضرين بما (١١) يسّره الله على أيديهم من فتح بيت المقدس، الذي من شأنه كذا وكذا، فذكر فضائله ومآثره (١٢)، وأنه أُولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تُشَدُّ الرّحالُ بعد المسجدين إِلا إِليه، ولا تعقد الخناصر بعد المَوْطنين إِلا عليه، وإِليه أُسْرِيَ برسول الله ﷺ من المسجد الحرام، وصلى فيه بالملائكة المقرَّبين والأنبياء والرسل الكرام، ومنه كان المعراج إِلى السموات، ثم عاد إِليه ثم سار منه إِلى المسجد الحرام على البراق، وهو أرض

стр. 6480

المحشر والمنشر يوم التلاق، وهو مقر الأنبياء ومقصد الأولياء، وقد أُسِّس على التقوى من أول يوم. قلت: ويقال: إِن الذي (١) أسسه أولًا يعقوب ﵇ بعد أن بنى الخليل ﵇ المسجد الحرام بأربعين سنة، كما جاء في "الصحيحين" (٢)، ثم جدد بناءه سليمان بن داود عليهما (٣) السلام، كما ثبت فيه (٤) الحديث بالمسند والسنن، وصحيح ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم، وسأل [سليمان ﵇] (٥) اللّهَ عند الفراع (٦) منه خلالًا ثلاثًا: حكمًا يصادف حكمه، وملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وأنه لا يأتي أحد (٧) إِلى هذا المسجد لا ينهزه (٨) إِلا الصلاة فيه إِلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه (٩). وذكر الخطيب تمام الخطبتين، ودعا (١٠) للخليفة الناصر (١١) العباسي، ثم (١٢) للسلطان الملك الناصر صلاح الدين رحمهما اللّه ثعالى. وبعد الصلاة جلس الشيخ زين الدين أبو الحسن عليّ بن نجا المصري (١٣) على كرسي الوعظ بإِذن السلطان، فوعظ الناس وكان وقتًا مشهودًا وحالًا محمودًا، فللّه

стр. 6481

الحمد والمنة على ما أسبغ من النعمة، واستمر القاضي محيي الدين [محمد بن علي] (١) ابن الزكي القرشي يخطب بالناس في أيام الجمع أربع جمعات، ثم قرر السلطان للقدس خطيباً مستقرًا، وأرسل إِلى حلب فاستحضر المنبر الذي كان الملك العادل نور الدين محمود الشهيد قد استعمله لبيت المقدس، لما كان يؤمِّله من فتحه في حياته (٢)، فما كان إِلا على يدي بعض أتباعه (٣) بعد وفاته رحمه اللّه تعالى. نكتة غريبه (٤) قال الشيخ شهاب الدِّين أبو شامة في "الروضتين": وقد تكلم شيخنا أبو الحسن علي بن محمد السخاوي في "تفسيره" الأول فقال: وقع في تفسير أبي الحكم الأندلسي- يعني ابن بَرَّجان (٥) - في أول سورة الروم أخبارٌ عن فتح بيت المقدس، وأنه ينزع من أيدي النصارى سنة ثلاث وثمانين وخمسمئة. قال السخاوي: ولم أره أخذ ذلك من علم الحروف، وإِنما أخذه فيما زعم (٦) من قوله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤]، فبنى الأمر على التاريخ كما يفعل المنجمون، ثم ذكر (٧) أنهم يَغلبون في سنة كذا، ويُغلبون في سنة كذا (٨)، على ما تقتضيه دوائر التقدير، ثم قال: وهذه نجابة وافقت إِصابة، إِن صح أنه (٩) قال ذلك قبل وقوعه، وكان

стр. 6482

في كتابه قبل حدوثه، قال: وليس هذا من قبيل علم الحروف، ولا من باب الكرامات والمكاشفات (١) لأنها (٢) لا تنال بحساب (٣)، قال: وقد ذكر في تفسير سورة القدر أنه لو علم الوقت الذي نزل فيه القرآن لعلم الوقت الذي يرفع فيه. قلت: ابن بَرَّجان ذكر هذا في تفسيره في حدود سنة ثنتين وعشرين وخمسمئة، ويقال: إِن الملك نور الدين أُوقف على ذلك، فطمع أن يعيش إلى سنة ثلاث وثمانين [وخمسمئة] (٤) لأن مولده في سنة إِحدى عشرة وخمسمئة، فتهيأ لأسباب ذلك حتى أنه أعدَّ منبرًا عظيمًا لبيت المقدس إِذا فتحه اللّه على يديه والله أعلم. وأما الصخرة المعظم (٥) فإِن السلطان أزال ما حولها وعندها من المنكرات والصور (٦) والصلبان، وأظهرها بعد ما كانت خفية، مستورة غير مرئية، وأمر الفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري (٧) فعمل (٨) حولها شبابيك من حديد، ورتَّب لها إِمامًا راتبًا، ووقف (٩) عليه رزقًا جيدًا، وكذلك إِمام محراب الأقصى، وعمل (١٠) للشافعية المدرسة الصلاحية ويقال لها الناصرية أيضًا، وكان موضعها كنيسة على صيدخة (١١)، أي: قبر حنة أم مريم ﵍، ووقف على الصوفية رباطًا كان دارًا للتبرك إِلى جانب القمامة، وأجرى على الفقهاء والفقراء [الجامكيات والجرايات] (١٢) وأرصد الختم (١٣) والربعات في أرجاء المسجد الأقصى والصخرة [لمن يقرأ أو ينظر فيها من المقيمين والزائرين] (١٤)، وتنافس بنو أيوب فيما يفعلونه [من الخيرات بالقدس الشريف للقادمين والظاعنين والقاطنين، فجزاهم الله خيرًا أجمعين (١٥)، وعزم

стр. 6483

السلطان على هدم القمامة (١) وجعلها (٢) دكًا لتنحسم مادة النصارى عن (٣) بيت المقدس، فقيل له: إِن هؤلاء (٤) لا يتركون الحج إِلى هذه البقعة، ولو تركتها (٥) قاعًا صفصفًا، وقد فتح هذا البلد قبلك (٦) أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وترك هذه الكنيسة بأيديهم، فلك في ذلك أُسوة. فأعرض عنها وتركها على حالها تأسّيًا بعمر بن الخطاب أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين (٧) ولم يترك بها من النصارى (٨) سوى أربعة يخدمونها، وحال بين النصارى وبينها، وهدم المقابر التي كانت لهم عند باب الرحمة، وعَفَّى آثارها، وهدم ما كان هناك من القباب، وعجَّل دمارها. وأما الأسارى المسلمون (٩) الذين كانوا بالقدس فإِن السلطان أطلقهم جميعهم، وأحسن إِليهم، وأطلق لهم أعطيات هنيَّة، وكساهم حللًا (١٠) سنيَّة، وانطلق كل منهم إِلى وطنه، وعاد إِلى أهله وسكنه (١١)، فللّه الحمد على نعمه ومننه. فصل فلما قرر (١٢) السلطان صلاح الدين بالمقدس (١٣) الشريف ما ذكرناه، انفصل عنها في الخامس والعشرين [من شعبان وأمر ولده العزيز بالرجوع إِلى مصر، وسار السلطان بجيشه فقصد مدينة صور بالساحل، وكانت قد تأخرت من بين تلك النواحي] (١٤) وقد استحوذ عليها بعد وقعة حطين رجل من تجار الفرنج يقال له المركِس (١٥)، فحصنها وضبط أمرها وحفر حولها خندقًا من البحر [إِلى البحر] (١٦) وجاء

стр. 6484

السلطان بجيشه فحاصرها مدة، واستدعى (١) بالأسطول من الديار المصرية في البحر، فأحاط (٢) بها برًا وبحرًا، فعَدَت الفرنج في بعض الليالي على خمس شواني من أسطول (٣) المسلمين (٤) فملكتها ونكبتها (٥)، فأصبح المسلمون واجمين حزنًا وتأسفًا، وقد دخل عليهم فصل البرد وقلَّت الأزواد، وكثرت الجراحات، وكلَّ الأمراء من المحاصرات، فسألوا السلطان أن ينصرف بهم إِلى دمشق [في هذا الوقت] (٦) حتى يستريحوا ثم يعودوا] (٧) إِليها بعد هذا الحين، فأجابهم إِلى ذلك بعد (٨) تمنُّع منه، [وذلك أن السور من صور كان قد هدم أكثره، ولم يبق إِلا الفتح والنُّجح] (٩)، ثم توجه (١٠) بهم نحو دمشق واجتاز في طريقه على عكا، وتفرقت العساكر [كلٌّ إِلى بلده ورستاقه مستصحبًا كثرة حنينه إِلى أهله ووطنه واشتياقه] (١١). وأما السلطان فإِنه لما وصل إِلى عكا نزل بقلعتها، وأسكن ولده الأفضل برج الداوية، وولى نيابتها عز الدين جرديك (١٢)، وقد أشار بعضهم على السلطان بتخريب مدينة عكا خوفًا من عود الفرنج إِليها، فكاد ولم يفعل، وليته فعل، بل وكَّل بعمارتها وتجديد محاسنها بهاء الدين قراقوش التقوي، ووقف دار الاسبتار نصفين (١٣) على الفقهاء والفقراء، وجعل دار الأسقف بيمارستانا (١٤) ووقف على ذلك كله أوقافًا دارَّة، وولَّى نظر ذلك لقاضيها (١٥) جمال الدين ابن الشيخ أبي النجيب [وهو في جميع ذلك بآرائه مصيب] (١٦).

стр. 6485

[ولما فرغ السلطان من هذه الحروب، وأزال عن المسلمين تلك الكروب] (١) عاد إِلى دمشق مؤيَّدًا منصورًا، أبهج العيون، وسَرَّ القلوب، وجاءته رسل الملوك (٢) بالتهاني [من سائر الأقطار والأمصار] (٣) والتحف والهدايا التي تبهر الأبصار، وكتب الخليفة إِلى السلطان يعتب عليه في أشياء، منها أنه بعث إِليه في بشارة الفتح بوقعة حطين مع شاب بغدادي (٤) كان وضيعًا عندهم، لا قدر له ولا قيمة، وأرسل بفتح القدس الشريف مع نجّاب، ولقَّب نفسه الملك الناصر مضاهاةً للخليفة الناصر. فتلقى ذلك (٥) بالبِشر واللطف ولم يظهر له إِلا السمع والطاعة، وأرسل يعتذر مما وقع بأن (٦) الحرب كانت قد شغلته عن التروِّي في كثير من الأمور (٧)، وأما لقبه بالناصر فهو من أيام الخليفة المستضيء، ومع هذا فمهما لقَّبني به أمير المؤمنين فهو الذي لا يعدل عنه (٨). وتأدَّب مع الخليفة غاية الأدب مع غناه عنه، رحمه اللّه تعالى. وفي هذه السنة كانت وقعة عظيمة ببلاد الهند بين الملك شهاب الدين الغوري صاحب غزنة، وبين ملك الهند الكبير، فأقبلت الهنود في عدد (٩) كثير من الجنود، ومعهم أربعة عشر فيلًا، [فالتقوا واقتتلوا قتالًا شديدًا] (١٠)، فانهزمت ميمنة المسلمين وميسرتهم، وقيل للملك: انجُ بنفسك، فما زاده ذلك (١١) إِلا إِقدامًا، فحمل على الفيلة، فجرح بعضها -وجَرْحُ الفيل لا يَنْدَمِلُ- فرماه بعض الفيّالة بحربة في ساعده فخرجت من الجانب الآخر فخرَّ صريعًا، فحملت عليه الهنود (١٢) ليأخذوه، فحاجف (١٣) عنه أصحابه ليحموه فاقتتلوا عنده قتالًا شديدًا، وجرت عنده حرب عظيمة لم يسمع [بشدتها في موقف] (١٤) فغلب

стр. 6486

المسلمون الهنود وخلصوا [ملكهم واحتملوه] (١) على كواهلهم في محفَّةٍ عشرين فرسخًا، وقد نزفه الدم، فلما تراجع إِليه جيشه أخذ في ثأنيب الأمراء، وحلف ليأكلن كلّ أمير عليقة فرسا (٢)، وما أدخلهم غزنة إِلا مشاةً حفاة. [وفي هذه السنة] (٣) ولدت امرأة من سواد بغداد بنتًا لها أسنان. وفيها: قتل الخليفةُ الناصرُ أستاذَ داره أبا الفضل بن الصاحب (٤)، وكان قد استحوذ على الأمور ولم يبق للخليفة معه كلمة تطاع، ومع هذا كان (٥) عفيفًا عن الأموال، جيد السيرة، فأخذ منه الخليفة (٦) شيئًا كثيرًا من الحواصل والأموال. وفيها: استوزر الخليفة أبا المظفَّر عبد اللّه (٧) بن يونس، ولقَّبه جلال الدين، ومشى أهل الدولة في ركابه حتى قاضي القضاة أبو الحسن بن الدامغاني وقد كان ابن يونس هذا شاهدًا عنده، فكان القاضي يقول (٨) وهو يمشي في ركابه: لعن اللّه طول العمر، فمات القاضي في آخر هذه السنة، رحمه الله تعالى، وقد حكم في أيام عدة من الخلفاء وهو من بيت. وممن توفي في هذه السنة -أعني سنة ثلاث وثمانين وخمسمئة- من الأعيان: الشيخ عبد المغيث بن زهير الحربى (٩): كان من صلحاء الحنابلة، وكان يزار، وله مصنف في فضل يزيد بن معاوية، أتى فيه بغرائب وعجائب (١٠)، وقد رَدَّ عليه أبو الفرج بن الجوزي في هذا الكتاب فأجاد وأصاب، ومن أحسن ما اتفق

стр. 6487

لعبد المغيث هذا أن بعض الخلفاء -وأظنه الناصر- جاءه زائرًا مستخفيًا (١)، فعرفه الشيخ عبد المغيث ولم يُعلمه بأنه قد (٢) عرفه، فسأله الخليفة عن يزيد أيُلْعَنُ أم لا؟ فقال: لا أسوّغ لعنه (٣)، لأني لو فتحت هذا الباب لَلَعن الناسُ خليفتنا (٤). ففال الخليفة (٥): ولمَ؟ قال: لأنه يفعلُ أشياء منكرة كثيرة، منها كذا وكذا وكذا، ثم شرع يعدّد على الخليفة أفعاله القبيحة، وما يقع منه من المنكرات (٦) لينزجر عنها، فتركه الخليفة، وخرج من عنده وقد أثَّر كلامه (٧) فيه، وانتفع به، [ثم كانت وفاته] (٨) في المحرم من هذه السنة، [رحمه اللّه تعالى] (٩). [ابن ظفر الناسك] (١٠): وفيها: توفي الشيخ علي بن خطاب بن ظفر (١١) العابد الناسك أحد الزهاد، وذوي الكرامات، وكان مقامه بجزيرة ابن عمر، قال ابن الأثير في "الكامل": ولم (١٢) أر مثله في حسن خلقه وسمته وكراماته وعبادته، ﵀. الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك بن مُقدَّم (١٣): أحد نواب [الملك الناصر] (١٤) صلاح الدين، لما فتح (١٥) البيت المقدس أحرم جماعة في زمن الحج منه إِلى المسجد الحرام، فكان (١٦) ابن مقدم أمير الحاج في تلك السنة، فلما كان (١٧) بعرفة ضرب

стр. 6488

الدبادب، ونشر الألوية، وأظهر عز السلطان صلاح الدين وعظمته، فغضب طاشتكين (١) أمير الحاج من جهة الخليفة، فزجره عن ذلك، فلم يسمع، فاقتتلا فجرح ابن مُقدّم ومات في اليوم الثاني بمنى رحمه اللّه تعالى، ودفن هنالك، وجرت خطوب كثيرة، وليم طاشتكين على ما فعل، وخاف معرَّة ذلك من جهة صلاح الدين والخليفة، وعزله الخليفة عن منصبه. محمد بن عبيد الله بن عبد الله، سبط ابن التعاويذي (٢)، الشاعر: وكان شاعرًا أضرّ في آخر عمر (٣) وقد جاوز الستين سنة (٤)، وكانت وفاته رحمه اللّه تعالى في شوال من هذه السنة. [ابن المنِّي الحنبلي] (٥): وفي خامس رمضان توفي الفقيه أبو الفتح نصر بن فتيان بن مطر الفقيه الحنبلي المعروف بابن المَنِّي، كان زاهدًا عالمًا عابدًا، مولده سنة إِحدى وخمسمئة، وممن تفقه عليه من المشاهير الشيخ موفَّق الدين بن قدامه (٦)، والحافظ عبد الغني (٧)، ومحمد بن خلف بن راجح (٨) والناصح

стр. 6489

عبد الرحمن بن النجم (١) بن عبد الوهاب الحنبلي، وعبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلي (٢) وغيرهم. [قاضي القضاة علي بن أحمد بن علي بن محمد بن علي الحنفي] (٣): وفيها: توفي قاضي القضاة ببغداد أبو الحسن بن الدامغاني. وقد حكم في أيام المقتفي ثم المستنجد ثم عُزل وأعيد في أيام المستضيء، وحكم للناصر. وتوفي (٤) في هذه السنة رحمه (٥) اللّه. ثم دخلت سنة أربع وثمانين وخمسمئة في المحرم (٦) حاصر السلطان صلاح الدين حصن كوكب، فرآه منيعًا صعبا (٧) ووقته (٨) مشغول بغيره، فوكل به الأمير قايماز النجمي (٩) في خمسمئة فارس يضيِّقون عليهم المسالك، وكذلك وكل بصفد (١٠)، وكانت للداوية خمسمئة فارس مع طغرلبك الخازندار (١١) يمنعون وصول (١٢) الميرة والتقاوي (١٣) إِليها (١٤)، وبعث إِلى الكرك والشوبك جيشًا آخر يحاصرونه (١٥) ويضيقون على أهله، ليتفرغ من أموره لقتال هذه الأماكن وحصارها.

стр. 6490

وكان دخول السلطان إِلى دمشق من هذه الغزاة (١) في ربيع الأول [فكان يومًا مشهودًا] (٢)، فرح به المسلمون، ودقت البشائر، وزين البلد، ووجد الصفي بن القانص (٣) وكيل الخزانة قد بنى للملك دارًا (٤) بالقلعة هائلة مطلة على الشرف القبلي، فغضب (٥) عليه وعزله من قطيعته. وقال: إِننا لم نخلق للمقام بدمشق [ولا بغيرها من البلاد] (٦)، وإِنما خلقنا لعبادة الله والجهاد في سبيله، وهذا الذي عملتَه مما يثبِّط النفوس، ويقعدها عما خلقت له، وجلس السلطان بدار العدل فحضر (٧) عنده القضاة وأهل الفضل، وزار القاضي الفاضل ببستانه (٨) على الشرف في جومق بن الفراش، وحكى له ما كان (٩) من الأمور، واستشاره فيما يفعله (١٠) في المستقبل من المهمات والغزوات، ثم خرج من دمشق في جيوشه فسلك على جبل يبوس (١١)، ودخل (١٢) البقاع، وخيّم على بعلبك، وسار إِلى حمص وحماة، وجاءته عساكر (١٣) الجزيرة وهو على العاصي، فسار إِلى السواحل الشامية (١٤) ففتح أنطرطوس (١٥) وغيرها من الحصون، وفتح جبَلة واللاذقية، وكانتا من أحسن (١٦) المدن عمارة ورخامًا ومحالٌ (١٧)،

стр. 6491

وفتح صهيون (١) وبَكَّاس (٢) والشُّغر وهما قلعتان على العاصي حصينتان ممتنعتان، ففتحهما عَنْوة، وفتح حصن بَرْزيه (٣) وهي قلعة عظيمة على جبل شاهق (٤) منيع تحتها الأودية عميقة يضرب المثل بحصانتها في سائر (٥) بلاد الفرنج والمسلمين، فحاصرها أشدّ حصار، وركّب عليها المجانيق الكبار، وفرّق الجيش ثلاث فرق، كل فريق [يلون القتال] (٦) فإذا كلّوا وونوا خَلَفَهم الآخر (٧)، حتى لا يزال القتال مستمرًا ليلًا ونهارًا صباحًا ومساءً؛ فكان فتحها في نوبة السلطان [لا زال محروسًا من الخذلان] (٨) فأخذها عنوة في أيام معدودات، ونهبَ جميع ما فيها، واستولى على حواصلها وأموالها، وقتل حماتها ورجالها، وسبى (٩) نساءها وأطفالها، ثم عدل عنها ففتح حصن دربساك وحصن بغراس (١٠) كل ذلك يفتحه عنوة فيغنم ويسلم ولله الحمد والمنة، ثم سمت به همته العالية إِلى فتح أنطاكية، [وذلك لأنه أخذ جميع] (١١) ما حولها من القرى والمدن (١٢)، واستظهر (١٣) عليها بكثرة الجنود، فراسله صاحب أنطاكية يطلب منه الهدنة على أن يطلق مَنْ عنده من أسارى (١٤) المسلمين، فأجابه السلطان (١٥) [إِلى ذلك] (١٦)

стр. 6492

لعلمه [بضجر من معه من المقاتلة والأعوان] (١) فوقعت الهدنة على سبعة أشهر، ومقصود السلطان أن تستريح (٢) الجيوش من تعبها وتجم النفوس من نصبها، وأرسل السلطان إِليه من تَسلَّم منه الأسارى، وقد ولت (٣) دولة النصارى، ثم سار السلطان، فسأله ولده الظاهر أن يجتاز بحلب، فأجابه إِلى ما طلب (٤) فنزل بقلعتها ثلاث ليال (٥)، فاستقدمه ابن أخيه تقي الدين إِليه إِلى حماة فنزل بقلعتها (٦) ليلة واحدة كانت من أكبر مقاصده ومناه، وأقطعه تلك اللية (٧) جبَلة واللاذقية، ثم سار فنزل بقلعة بعلبك، ودخل إِلى حمَّامها، ثم عاد إِلى دمشق مؤيدًا منصورًا مسرورًا محبورًا، وذلك في أوائل رمضان وكان يومًا مشهودًا ومقدمًا محمودًا. فتح الكرك على يدي المسلمين (٨) وجاءته البشارة (٩) بفتح الكرك على المسلمين الذين كانوا محاصرين أراح اللّه منهمِ تلك الناحية، وسهَّل حَزْنَها على السالكين من التجار والغزاة والحجاج والمعتمرين ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥]. فصل في صفة فتح صفد وحصن كوكب لم يقم (١٠) السلطان بدمشق إِلا أيامًا معدودة حتى خرج بجيشه قاصدًا بلاد صفد فنازلها في العشر الأوسط من رمضان، وحاصرها بالمنجنيقات (١١) والشجعان، وكان البرد شديدًا ويصبح الماء فيه جليدًا، فما زال حتى فتحها صلحًا في ثامن شوال، وللّه الحمد على كل حال، ثم راح (١٢) إِلى صور

стр. 6493

فألقت إِليه بقيادها، وتبرّأت من ناصريها (١) وأجنادها (٢) وقوادها، وتحققت لما فتحت صفد أنها مقرونة معها في أصفادها (٣)، ثم سار منها إِلى حصن كوكب، وهي معدن الاسبتارية (٤)، كما أن صفد كانت معقل الدّاوية- وكانوا أبغض أجناس الفرنج إِلى [الملك الناصر صلاح الدين] (٥)، لا يكاد يترك منهم أحدًا [إِلا قتله] (٦) إِذا وقع في المأسورين، فحاصر قلعة كوكب حتى قهرها (٧) وقتل [مقاتلتها وأسرها] (٨) وأراح المارة من شر ساكنيها، وتمهدت تلك السواحل واستقرت (٩) بها منازل قاطنيها. هذا والسماء تصب والرياح تهب، والسيول تعب، والأرجل في الأوحال تخب، والسلطان (١٠) في كل ذلك صابر مصابر محتسب، وكان القاضي الفاضل معه في هذه [المواقف شاهد مرتقب] (١١). وكتب القاضي الفاضل عن السلطان إِلى أخيه سيف الإسلام صاحب اليمن (١٢) يستدعيه إِلى الشام لنصرة أهل الإسلام، [وقتل الكفرة اللئام] (١٣)، فإِنه (١٤) قد عزم على حصار (١٥) أنطاكية بنفسه، ويكون تقي الدين عمر (١٦) محاصرًا طرابلس إِذا انسلخ هذا العام، ثم عزم القاضي الفاضل على الدخول إِلى [الديار المصرية فسار السلطان معه لتوديعه، ثم عدل إِلى القدس الشريف فصلى] (١٧) فيه الجمعة وعيَّد فيه عيد الأضحى، بالصخرة من الأقصى، ثم سار ومعه أخوه السلطان العادل إِلى عسقلان، ثم أقطع

стр. 6494

أخاه الكرك عوضًا عن عسقلان، وأمره بالانصراف ليكون عونًا لابنه العزيز على حوادث الزمان، وعاد السلطان فأقام بمدينة عكا حتى انسلخت هذه السنة. [وفي هذه السنة] (١) خرجت طائفة [من الرافضة بمصر يريدون أن] (٢) يعيدوا دولة الفاطميين، واغتنموا غيبة العادل عن مصر واستخفوا أمر العزيز عثمان بن صلاح الدين، فبعثوا اثني عشر رجلًا ينادون في الليل: يا آل علي، [يا لعلي، بناءً] (٣) على أن العامة تجيبهم [إِلى ما عزموا عليه، فلم يلتفت إِليهم أحد ولا يتبعهم من الناس واحد] (٤)، فلما رأوا ذلك انهزموا فأدركوا وأُخذوا وقُيِّدوا وحبسوا، ولما بلغ أمرهم إِلى السلطان صلاح الدين ساءه ذلك واهتم له، وكان القاضي الفاضل عنده بعد لم يفارقه، فقال له: أيها الملك ينبغي أن تفرح ولا تحزن، حيث لم يُصْغِ إِلى دعوة هؤلاء الجهلة أحد من رعيّتك، ولا التفتوا إِليهم، ولو أنك بعثت من قبلك جواسيس يختبرون رعيت (٥) لسَرَّكَ ما بَلغك عنهم (٦)، فسريَ عنه ما كان يجد، ورجع إِلى قوله، ولهذا أرسله إِلى مصر ليكون له عينًا وعونًا ومعينًا. [وممن توفي فيها من الأعيان] (٧): الأمير الكبير سلالة الملوك والسلاطين [بقلعة شيزر] (٨): مؤيد الدولة أبو الحارث وأبو المظفر أسامة ابن مُرْشد بن علي بن مُقلَّد بن نصر بن مُنْقِذ (٩). أحد الشعراء المشهورين، والأمراء المشكورين، بلغ من العمر ستًا وتسعين سنة، وكان عمره تاريخًا مستقلًا وحده، وكانت داره بدمشق، [مكان العزيزية] (١٠) وكانت معقلًا للفضلاء، ومنزلًا للعلماء، وله من الأشعار الرائقة، والمعاني الفائقة شيء كثير، ولديه (١١) علم غزير، وعنده جود وفضل

стр. 6495

كبير، وقد كان من أبناء (١) ملوك شيزر، ثم أقام بديار مصر (٢) مدة في أيام الفاطميين، ثم عاد إِلى الشام، وقدم (٣) على الملك صلاح الدين في سنة سبعين دمشق وأنشد (٤): [من المقارب] حَمِدْتُ على طُولِ عُمْرِي المَشيبا … وإِن كُنْتُ أَكْثَرْتُ فيه الذُّنُوبَا لأَنِّي حَييتُ إِلى أنْ لقيـ … ـــتُ بَعْدَ العَدُوِّ صَديقًا حَبيبا وله [مبتكرًا معناه] (٥) في سنّ قلعها ففقد (٦) نفعها (٧): [من البسيط] وَصَاحِبٍ لَا أَمَلّ الدَّهْرَ صُحْبَتَهُ … يَشْقَى لِنَغْصٍ وَيَسْعَى سَعْيَ مُجْتَهِدِ لَمْ أَلْقَهُ مُذْ تَصَاحَبْنَا فحِينَ بَدَا … لِنَاظِريَّ افْتَرَقْنَا فرقَةَ الأبَدِ وله ديوان (٨) شعر كبير، وكان صلاح الدين يفضله على سائر الدواوين، وقد كان [أسامة هذا الأمير ولد] (٩) في سنة ثمان وثمانين وأربعمئة، وكان في شبيبته شهمًا شجاعًا فاتكًا، قتل الأسد مواجه (١٠) وحده، ثم عُمّر إِلى أن توفي في هذه السنة ﵀. قال ابن خلكان (١١): ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من رمضان ودفن شرقي جبل قاسيون (١٢) قال: زرت قبره وقرأت عنده، وأهديت له، رحمه الله تعالى، ومما أنشده (١٣) له قوله (١٤): [من الكامل] لَا تَسْتعِرْ جَلَدًا عَلَي هِجْرَانِهم … فَقِواكَ تَضْعفُ عَنْ صُدودٍ دَائِمِ وَاعْلَمْ بأَنَّكَ إِنْ رَجعْتَ إِلَيْهِمُ … طَوْعًا وإِلَّا عُدْتَ عَوْدَةَ نادِمِ

стр. 6496

[وقوله في قتل الأسد وكبره] (١): [من البسيط] وَاعْجَبْ لِضَعْفِ يَدِي عَنْ حَمْلِهَا قَلَمًا … مِنْ بَعْدِ حَطْمِ القَنَا في لبَّةِ الأَسَدِ [وَقُلْ لِمَنْ يَتَمَنَّى طُولَ مُدَّتِهِ … هذِي عَواقِبُ طُولِ العُمْرِ والمَدَدِ (٢) [ابن سُوَيْدة التكريتي] (٣): قال ابن الأثير: [وفي هذه السنة توفي شيخنا] (٤) أبو محمد عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن سويدة (٥) التكريتي، كان عالمًا بالحديث وله فيه (٦) تصانيف حسنة، [رحمه اللّه تعالى]. الحازمي الحافظ (٧): قال الشيخ شهاب الدين أبو شامهة (٨): وفيها توفي الحافظ أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم الحازمي الهمذاني ببغداد صاحب التصانيف على صغر سنه، منها: "العجالة في النسب" و"الناسخ والمنسوخ" في الحديث وغيرهما (٩). ومولده سنة ثمان أو تسع وأربعين وخمسمئة، وتوفي في الثامن والعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة، رحمه (١٠) الله. ثم دخلت سنة خمس وثمانين وخمسمئة فيها: قدم من جهة الخليفة رسلٌ إِلى السلطان يُعلمونه بولاية العهد لأبي (١١) نصر الملقَّب بالظاهر بن الخليفة الناصر، فأمر السلطان خطيب دمشق أبا القاسم عبد الملك بن زيد الدَّولعي (١٢) [أن يذكره على

стр. 6497

المنبر] (١)، ثم جهز السلطان مع الرسل تحفًا كثيرة، وهدايا سنية، وأرسل بأسارى من الفرنج على هيئتهم في حال حربهم، وأرسل بصليب الصلبوت فدفن تحت عتبة باب النوبي (٢) من دار الخليفة، فكان بالأقدام يداس، بعد ما كان يعظَّم (٣) ويباس، [وصار يُبْصق عليه، بعد ما كان يسجد إِليه] (٤)، والصحيح أن هذا الصليب إِنما هو الذي كان منصوبًا على قبة الصخرة، وكان من نحاس مطليًا بالذهب، فحطّه (٥) اللّه إِلى أسفل الرتب. قصة عكا وما كان من أمرها في (٦) شهر رجب اجتمع مَنْ كان بصور من الفرنج، وساروا إِلى مدينة عكا فأحاطوا بها يحاصرونها، فتحصَّن مَنْ فيها من المسلمين، فأعدّوا للحصار ما يحتاجون إِليه، وبلغ السلطان خبرهم فسار إِليهم من دمشق مسرعًا، فوجدهم قد أحاطوا بها كإِحاطة (٧) الخاتم بالخنصر، فلم يزل يدافعهم عنها ويمانعهم منها، حتى جعل طريقًا إِلى باب القلعة يصل إِليه كل مَنْ أراده، من جندي وسوقي، وامرأة وصبي، ثم أولج فيها ما أراد من الآلات والأمتعة (٨) والمقاتلة ودخل هو (٩) بنفسه الكريمة (١٠) فعلا على سورها، ونظر إِلى الفرنج وجيشهم وكثرة عَددهم وعُددهم والميرة تفد إِليهم من (١١) البحر في كل وقت [أصيل وفجر] (١٢) وكل ما لهم في ازدياد، وفي كل حين تصل إِليهم الأمداد، ثم عاد السلطان إِلى مخيمه والجنود (١٣) تفد إِليه وتقدم عليه من كل جهة ومكان، من رجالة وفرسان واللّه أعلم بالصواب. وقعة مرج عكا فلما كان العشر الأخير من شعبان برزت (١٤) الفرنج من مراكبها إِلى مواكبها في نحو من ألفي فارس

стр. 6498

وثلاثين ألف راجل في العشر الأخير من شعبان، فبرز إِليهم السلطان فيمن معه من السادة الشجعان، فاقتتلوا بمرج عكا قتالًا عظيمًا، وهُزم جماعة من المسلمين في أول النهار، ثم كانت الكرَّة (١) على الفرنج في آخره، والعاقبة للمتقين، فقتل من المسلمين قريب من المئتين، وأما الفرنج (٢) فكانت القتلى بينهم (٣) أزيد من سبعة آلاف قتيل، ولما تمت (٤) هذه الوقعة تحول السلطان عن مكانه الأول إِلى مستنزه (٥) بعيد من رائحة القتلى، خوفًا من الوخم والأذى لتستريح (٦) الخيَّالة والخيل، ولم يعلم أن ذلك كان من أكبر مصالح العدو (٧) المخذول، فإِنهم اغتنموا هذه الفرصة (٨) فحفروا حول مخيَّمهم خندقًا [لجميع جيشهم من البحر إِلى البحر محدقًا] (٩) واتخذوا من ترابه سورًا شاهقًا، وجعلوا له أبوابًا يخرجون منها إِذا أرادوا وتمكَّنوا في منزلهم ذلك الذي له اختاروا وارتادوا، وتفارط الأمر [على المسلمين] (١٠) وقوي الخطب، وصار الداء عضالًا، وازداد الحال وبالًا، [اختبارً من الله وامتحانًا] (١١)، وكان رأي السلطان أن يناجزوا بعد الكرة سريعًا، ولا يتركوا حتى تطيب ريح (١٢) البحر فتأتيهم الأمداد من كل صوب [هريعًا، فاعتذر الأمراء إِليه بالملال] (١٣) والضجر، وكل منهم لأمر الفرنج قد احتقر، ولم يدر ما قد حُتِّم في القدر، فأرسل السلطان إِلى جميع الملوك يستنفر ويستنصر، وكتب إِلى الخليفة بالبث (١٤)، وبثَّ الكتب بالتحضيض والحث، فجاءته الأمداد جماعات وآحادًا (١٥)، وأرسل إِلى مصر يطلب أخاه العادل [فقدم عليه] (١٦) ويستعجل الأسطول، فوصل إِليه في خمسين (١٧) قطعة في البحر مع الأمير حسام

стр. 6499

الدين لؤلؤ وقدم العادل في عسكر المصريين، فلما وصل الأسطول حادت مراكب الفرنج عنه يمنة ويسرة، وخافوا منه، واتصل (١) بالبلد الميرة والعَدد والعُدد، وانشرحت الصدور [بعد الضيق] (٢) وانسلخت هذه السنة والحال ما حال بل هو على ما هو عليه، ولا ملجأ من اللّه تعالى (٣) إِلا إِليه، واللّه أعلم بالصواب. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: أحمد بن عبد الرحمن بن وهبان، أبو العباس المعروف بابن أفضل الزمان (٤): قال ابن الأثير: كان عالمًا متبحرًا في علوم كثيرة من الفقه والأصول والحساب والفرائض والنجوم والهيئة والمنطق [وغير ذلك] (٥)، ولَد جاور بمكة، وأقام بها إِلى أن مات (٦)، وكان من أحسن الناس صحبة وخلقًا، [رحمه اللّه تعالى] (٧). القاضي شرف الدين أبو سعد عبد اللّه بن محمد بن هبةَ اللّه بن أبي عصرون (٨): أحد أئمة الشافعية، له كتاب "الانتصار" (٩)، وقد ولي قضاء القضاة بدمشق، ثم أَضَرَّ قبل موته بعشر سنين، فجعل ولده محيي (١٠) الدين مكانه تطييبًا لقلبه (١١)، وبلغ القاضي شرف الدين من العمر ثلاثًا وتسعين. سنة ونصفًا، ودفن بالمدرسة العصرونية (١٢)، التي أنشاها عند سويقة باب البريد، قبالة داره، بينهما عرض الطريق. وكان من الصالحين والعلماء العاملين ﵀. وقد ذكره القاضي ابن خلكان فقال (١٣): كان أصله من حديثة عانة الموصل (١٤)، ورحل في طلب

стр. 6500

العلم إِلى بلدان شتى، وأخذ عن أسعد المِيهَني (١) وأبي علي الفارقي (٢) وجماعة، وولي قضاء سنجار وحرّان، وباشر في أيام نور الدين تدريس الغزاليّه (٣)، ثم انتقل إِلى حلب فبنى له نور الدين مدرسة بحلب وبحمص أيضًا (٤) ثم قدم دمشق في أيام صلاح الدين، فولي قضاءها في سنة ثلاث وسبعين وخمسمئة، إِلى أن توفي في هذه السنة، وقد جمع "جزءًا في قضاء الأعمى"، وأنه جائز، وهو خلاف المذهب، لكن حكاه صاحب البيان وجهًا لبعض الأصحاب. قال (٥): ولم أره في غيره (٦). وقد صنف كتبًا كثيرة منها "صفوة المذهب في نهاية المطلب" في سبع مجلدات، و"الانتصار" (٧) في أربعة، و"الخلاف" في أربعة، و "الذريعة في معرفة الشريعة"، [و"المرشد" وغير ذلك وكتابًا سماه "مآخذ النظر" و "مختصرًا" (٨)] في الفرائض، وغيرها. وقد ذكره ابن عساكر في "تاريخه"، والعماد فأثنى عليه، وكذلك القاضي الفاضل، وأورد له العماد أشعارًا كثيرة (٩)، ومما أورده ابن خلكان عنه قوله (١٠): [من الطويل] أُؤَمِّلُ أَنْ أَحْيَا وفِي كُلِّ سَاعةٍ … تَمُرُّ بِيَ المَوْتَى تَهُزُّ نُعُوشَهَا وَمَا (١١) أَنَا إِلَّا مِثْلُهم غَيْرَ أَنَّ لي … بَقَايَا لَيالٍ في الزَّمانِ أَعِيشُها الفقيه الأمير ضياء الدين عيسى (١٢) الهكاري (١٣):

стр. 6501

كان من أصحاب أسد الدين شيركوه، دخل معه إِلى مصر، وحظي عنده، ثم كان ملازمًا للسلطان صلاح الدين حتى توفي (١) في ركابه بمنزلة الخرّوبة (٢) قريبًا من عكا، فنقل إِلى القدس الشريف فدفن به [﵀] (٣)، كان ممن تفقه على الشيخ أبي القاسم ابن البَزْرِي (٤) الجزري، وكان الفقيه عيسى من الفضلاء النبلاء والأمراء الكبار رحمه اللّه تعالى. المبارك بن المبارك الكرخي (٥): مدرس النظامية، تفقه بابن الخلِّ (٦) وكانت له مكانة (٧) عند الخليفة والعامة، وكان يضرب بحسن خطه المثل. وقد (٨) ذكرته في "الطبقات" رحمه [اللّه تعالى] (٩). ثم دخلت سنة ست وثمانين وخمسمئة استُهِلَّتْ والسلطان محاصِر لحصن عكا، وأمداد الفرنج تفد إِليهم (١٠) من البحر في كل وقت [وكل حين] (١١) حتى إِن [نساء الفرنج] (١٢) ليخرجن بنية القتال، ومنهن (١٣) من تأتي بنية إِراحة العزبان (١٤) في الغربة، [فيجدون راحة وخدمة وقضاء وطر] (١٥)، قدم إِليهم مركب فيه ثلاثمئة امرأة

стр. 6502

حسناء (١) بهذه النية، فإذا وجدوا ذلك ثبتوا على الحرب والغربة، حتى إِن كثيرًا من فسقة المسلمين تحيَّزوا إِليهم لأجل (٢) هذه النسوة، واشتهر الخبر (٣) وشاع بين المسلمين والفرنج بأن ملك الألمان قد أقبل [في نحو ثلاثمئة] (٤) ألف مقاتل من ناحية القسطنطينية، يريد أخذ الشام وقتل أهله وملوكه انتصارًا لبيت المقدس، فحمل (٥) المسلمون همًا عظيمًا، وخافوا [غائلة ذلك] (٦) مع ما هم فيه من الشغل العظيم والحصار الهائل، وقويت قلوب الفرنج بذلك، واشتدوا للحصار والقتال، ولكن لطف اللّه بهم وأهلك عامة الألمان (٧) في الطرقات بالبرد والجوع والضلال في المهالك، على ما سيأتي بيانه وتفصيله إِن شاء الله تعالى. وكان سبب نفير النصارى [هذا النَّفير العام] (٨) ما ذكره ابن الأثير في "كامله" (٩) أن جماعة من الرهبان] (١٠) والقسوس الذين كانوا ببيت المقدس وغيره، ركبوا من مدينة صور في أربعة مراكب، وخرجوا يطوفون البلاد البحرية (١١) وما هو قاطع البحر من الناحية الأخرى يحرضون الفرنج ويحثُّونهم على الانتصار لبيت المقدس ويذكرون لهم ما جرى على أهل القدس وأهل السواحل من القتل والسبي وخراب الديار، وقد صوروا صورة المسيح [﵇] (١٢) وصور رجل عربي آخر يضربه ويؤذيه، فإذا سألوهم من هذا الذي يضرب المسيح (١٣)؟ قالوا: هذا نبي العرب يضربه وقد جرحه ومات، فينزعجون لذلك ويحمون ويبكون ويحزنون، فعند ذلك خرجوا من بلادهم لنصرة دينهم ونبيهم، وموضع حجهم على الصعب والذلول حتى النساء المخدَّرات والزواني والزانيات والأبناء الذين هم عند أهليهم من أعز الثمرات وأخص المخدرات.

стр. 6503

وفي نصف ربيع الأول (١) تسلَّم السلطان شقيف أرنون (٢) بالأمان، وكان صاحبه مأسورًا في الذل والهَوان، وكان من أدهى الفرنج وأخبرهم بأيام الناس، وربما قرأ في كتب الحديث وتفسير القرآن، وكان مع هذا غليظ الجلد، [قاسي القلب، كافر النفس] (٣). ولما انفصل فصل الشتاء وأقبل الربيع، جاءت ملوك الإسلام من بلدانها بجيوشها (٤) وشجعانها، ورجالها (٥) وفرسانها، وأرسل (٦) الخليفة إِلى الملك صلاح الدين أحمالًا من النفط والرماح الخطية (٧)، ونفَّاطة ونقّابين، كل منهم متقن في صنعته غاية الإتقان (٨)، ومرسومًا بعشرين ألف دينار، وانفتح البحر وتواترت مراكب (٩) الفرنج والنصارى، من كل جزيرة، ينصرون أصحابهم ويمدونهم (١٠) بالقوة والمِيرَة، وعملت الفرنج ثلاثة أبرجة من خشب وحديد، عليها جلود مسقاة بالخل لئلا يعمل فيها النفط، يسع البرج منها خمسمئة مقاتل، وهي أعلى من أبرجة البلد، وهي مركبة على عجل بحيث يديرونها كيف شاؤوا، وعلى ظهر كل منها منجنيق كبير، [فأهمَّ أمرُها المسلمين، وكانوا عليها حنقين وخافوا على البلد] (١١) ومن فيه من المسلمين أن يؤخذوا، وحصل لهم ضيق منها، فأعمل السلطان فكره في إِحراقها (١٢) وإِهلاكها، فاستحضر (١٣) النفّاطين ووعدهم بالأموال الجزيلة إِن هم أحرقوها، فانتدب لذلك شاب نحّاس من دمشق يعرف بعلي ابن عريف النحاسين، والتزم بإِحراقها وإِهلاكها، فأخذ النفط الأبيض وخلطه بأدوية (١٤) عرفها، وغلا ذلك في ثلاثة قدور من نحاس حتى صار نارًا تأجج، ورمى كل برج منها بقدر من تلك القدور بالمنجنيق من داخل عكا، فاحترقت الأبرجة الثلاثة بإِذن الله حتى

стр. 6504

صارت نارًا (١) لها ألسنة في الجو متصاعدة [واحترق من كإن فيها] (٢)، فصرخ المسلمون صرخة واحدة بالتهليل والتكبير، واحترق في كل برج سبعون (٣) كفورًا من مقاتلتهم، وكان يومًا على الكافرين عسيرًا، وذلك يوم الإثنين الثامن (٤) والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة، وكان (٥) الفرنج قد تعبوا في عملها (٦) سبعة أشهر، فاحترقت في يوم واحد ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وعرض السلطان على ذلك (٧) الشاب النَّحَّاس العطية السنية، فامتنع من قبولها، وقال: إِنما عملت هذا ابتغاء وجه اللّه [ورجاء ما عنده سبحانه] (٨) فلا أريد منكُم جزاءً ولا شكورًا. وأقبل الأسطول المصري وفيه المِيرة الكثيرة لأهل البلد، فعبَّأ الفرنج أسطولهم ليحاربوا (٩) أسطول المسلمين، [فنهض السلطان بجيشه ليشغلهم عن قتال الأسطول] (١٠)، وقاتلهم أهل البلد أيضًا واقتتل الأسطولان في البحر، وكان يومًا مشهودًا عظيمًا (١١)، وحربًا في البر والبحر، فظفرت الفرنج بشيني (١٢) واحد من الأسطول الذي للمسلمين، وسلم اللّه الباقي، فوصل إِلى البلد بما فيه من الميرة، [التي قد اشتدت حاجتهم إِلى عشرها، وحمدوا اللّه تعالى على يسرها بعد عسرها] (١٣). وأما ملك الألمان المتقدم ذِكره فإِنه أقبل في عدد كثير وجم غفير (١٤)، قريب من ثلاثمئة ألف مقاتل، ومن نيته خراب البلد وقتل أهلها من المسلمين، والانتصار لبيت المقدس، [حين أُخذ من أيديهم فما زال يمر بإِقليم] (١٥) بعد إِقليم، فما نال من ذلك شيئًا بعون اللّه وقوته، بل أهلكهم اللّه في كل

стр. 6505

مكان وزمان، فكانوا يُتَخَطَّفون [في كل مكان، ويقتلون كما يقتل] (١) الحيوان، حتى اجتاز ملكهم بنهر شديد الجرية، فدعته نفسُه أن يسبح فيه، فلما صار فيه حمله الماء إِلى جِذم (٢) شجرة فشجَّت رأسه، وأخمدت أنفاسه، وأراح اللّه [منه المسلمين، وحشرت روحه إِلى سجين] (٣). فأقيم ولده الأصغر في الملك بعد (٤)، وقد تمزَّق شملهم، وقلَّت [منهم العِدَّة] (٥)، ثم أقبلوا لا يجتازون ببلد (٦) إِلا قُتلوا فيه، [وقلَّ عددهم حتى جاؤوا إِلى أصحابهم المحاصرين لعكا وهم في ألف فارس وليس لهم قدر ولا قيمة] (٧) عند أحد من أهل ملتهم ولا غيرهم، [هذه سنة اللّه فيمن أراد مخالفة الإسلام وأهله في إِهلاكه وتمزيق شمله، وللّه الحمد والمنة] (٨). وزعم العماد في سياقه أن الألمان وصلوا في خمسة آلاف مقاتل، وأن ملوك الفرنج (٩) كلهم كرهوا قدومه (١٠) عليهم، لما يخافون من سطوته (١١)، وزوال دولتهم بدولته، ولم يفرح به إِلا المركيس صاحب صور الذي أنشأ (١٢) هذه الفتنة وأثار هذه المحنة، لعنه اللّه، فإِنه تقوَّى به وبجيشه وكيده، فإِنه كان خبيرًا بالحروب وقد [أحدث أشياء] (١٣) كثيرة من آلات الحرب لم تخطر لأحد ببال، نصب دبابات أمثال الجبال، تسير بعجل، ولها زلوم من حديد، تنطح السور فتكسره (١٤)، وتثلم جوانبه، فمنّ اللّه العظيم بإِحراقها وإِتلافها، وأراح اللّه المسلمين [من شرها وللّه الحمد] (١٥). ونهض [صاحب الألمان] (١٦) بالعسكر الفرنجي، فصادم به جيش المسلمين [وناصب بالحرب

стр. 6506

صلاح الدين، فمنّ الله سبحانه وله الحمد، بالنصرة عليه وتقدمت الجيوش] (١) برُمَّتها إِليه، فقتلوا من الكفرة خلقًا كثيرًا وجمًا غفيرًا، وهجموا مرةً على مخيم السلطان بغتة فنهبوا [شيئًا كثيرًا] (٢) من الأمتعة، فنهض إِليهم (٣) الملك العادل أبو بكر -وكان رأس الميمنة- فركب بأصحابه (٤) وأمهل الفرنج حتى توغَّلوا بين الخيام، ثم حمل عليهم بالرماح والحسام، فتهاربوا من (٥) بين يديه (٦) فما زال يقتل منهم جماعة بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، حتى كسا (٧) وجه الأرض منهم جللًا أزهى من الرياض الباسمة، [وأحب إِلى النفوس من الخود (٨) الناعمة] (٩)، [وحُزر ما قتل منهم فأقل ما قيل خمسة آلاف] (١٠)، وزعم العماد وغيره أنه قتل منهم فيما بين الظهر إِلى العصر عشرة آلاف [ولله الحمد] (١١). هذا وطرف الميسرة لم يشعر بما جرى بل هم نائمون وقت القيلوله (١٢) في خيامهم وكثير منهم ما درى، وكان الذين ساقوا وراءهم وكسروهم أقل من الألف، وِإنما قُتل من المسلمين عشرة أو دونهم، وهذه نعمة عظيمة، ونصرة عميمة، وقد أوهن هذا الجيش الفرنج وأضعفهم (١٣)، وكادوا يطلبون الصلح وينصرفون عن البلد. فاتفق قدوم مدد عظيم إِليهم من البحر مع ملك يقال له كندهري (١٤)، لعنه الله تعالى ومعه أموال كثيرة فأنفق فيهم (١٥). وعزم (١٦) عليهم، وأمرهم أن يبرزوا معه للقاء السلطان صلاح الدين، ونصب على عكا

стр. 6507

منجنيقين، غرم على كل واحد (١) منهما ألفًا وخمسمئة دينار، فأحرقها أهل البلاد (٢)، وجاءت كتب صاحب الروم من القسطنطينية يعتذر لصلاح (٣) الدين من جهة ملك الألمان، وأنه لم (٤) يجاوز ملكه ولا بلده باختياره لكثرة جنوده، ولكن (٥) ليبشِّر السلطان بأن الله سيهلكهم في كل مكان، وكذلك وقع، وللّه الحمد القديم الإحسان. وأرسل إِلى السلطان يقول له: إِني سأقيم عندي للمسلمين جمعة وخطيبًا (٦) فأرسل السلطان مع رسله خطيبًا ومنبرًا، وكان يوم دخولهم إِليهم يومًا مشهودًا، ومشهدًا محمودًا، فأقيمت الخطبة بالقسطنطينية، ودعي (٧) للخليفة العباسي، واجتمع فيها مَنْ هناك من المسلمين والتُّجَّار المسافرين (٨) والحمد للّه (٩) رب العالمين. فصل وكتب متولَّي عكا من جهة السلطان (١٠) وهو الأمير بهاء الدين (١١) قراقوش [إِلى السلطان] (١٢)، في العشر الأول من شعبان: إِنه لم يبق عندهم من المؤونه (١٣) إِلا ما يبلّغهم إِلى ليلة النصف من شعبان، فلما وصل الكتاب إِلى السلطان أَسَرَّهَا يُوسُفُ في نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُم (١٤) خوفًا من إِشاعة (١٥) ذلك فيبلغ العدو فيقووا (١٦) على المسلمين، وتضعف القلوب.

стр. 6508

وكان قد كتب إِلى أمير الأسطول بالديار المصرية ليقدم (١) بالميرة إِلى عكا، فتأخّر سيره، ثم وصلت ثلاث بطس (٢) ليلة النصف، فيها من الميرة ما يكفي أهل البلد طول الشتاء، وهي صحبة الأمير (٣) الحاجب لؤلؤ (٤)، فلما أشرفت على [الناس تقدَّم إِليها أسطول الفرنج ليحاجز عن البلد] (٥) ويتلف البطس، فاقتتلوا في البحر قتالًا عظيما (٦) والمسلمون [في البر] (٧) يبتهلون إِلى اللّه [ ] (٨) في سلامتها (٩)، والفرنج (١٠) تصرخ أيضًا برًا وبحرًا، وقد ارتفع الضجيج، فنصر الله المسلمين وسلم مراكبهم، وطابت الريح للبطس فسارت فأحرقت (١١) المراكب الفرنجية المحيطة بالميناء، ودخلت البلد سالمة، ففرح (١٢) بها أهل البلد والجيش فرحًا شديدًا جدًا (١٣)، [وللّه الحمد] (١٤)، وكان السلطان قد جهز قبل هذه البطس (١٥) الثلاث المصريات بطسة عظيمه (١٦) من بيروت، فيها أربعمئة غرارة، وفيها [شيء كثير (١٧) من الجبن والبصل والشحم والقديد والنشَّاب والنفط، وكانت هذه البطسة من بطس الفرنج المغنومة، وأمر من فيها من البحّارة (١٨) أن يتزيوا (١٩) بزي الفرنج حتى إِنهم حلقوا لحاهم، وشدّوا الزنانير، واستصحبوا معهم في البطسة (٢٠) شيئًا من الخنازير، وقدموا بها على مراكب الفرنج، فاعتقدوا أنهم منهم وهي سائرة كانها السهم إِذا خرج من الرميه (٢١)، فحذرهم الفرنج غائلة

стр. 6509

الميناء من ناحية المسلمين (١) فاعتذروا بأنهم [مغلوبون معها والريح قوية لا يمكنهم أن يقفوا ولا ينصرفوا] (٢)، وما زالوا كذلك حتى ولجوا الميناء وأفرغوا (٣) ما كان معهم من الميرة، والحرب خدعة، فعبرت الميناء وعين الكفر عبرى، وامتلأ الثغر بها خيرًا، وسرورًا وأثرى، وكانت مؤونتهم إِلى (٤) أن قدمت عليهم تلك البطس الثلاث المصرية (٥). وكان ميناء البلد يكتنفها (٦) برجان، يقال لأحدهما برج الذبان (٧)، فاتخذت الفرنج بطسة عظيمة لها خرطوم (٨) وفيه حركات (٩) إِذا أرادوا أن يضعوه على شيء من الأسوار أو الأبرجة قلبوه (١٠) فوصل إِلى ما أرادو (١١)، فعظم أمر هذه البطسة على المسلمين، ولم يزالوا في أمرها محتالين، حتى أرسل اللّه عليها شُواظًا من نار فأحرقها وغرَّقها، وذلك أن الفرنج أعدُّوا فيها نفطًا كثيرًا وحطبًا جزلًا، وأخرى خلفها فيها حطب محض، [حتى إِذا] (١٢) أراد المسلمون المحاجفة (١٣) على الميناء بمراكبهم (١٤) أرسلوا النفط على بطسة الحطب فاحترقت (١٥) وهي سائرة بين بطس المسلمين، [واحترقت الأخرى، وكان] (١٦) في بطسة أخرى لهم مقاتلة تحت قبو قد أحكموه فيها، فلما أرسلوا النفط على برج الذبان (١٧) انعكس الأمر عليهم بقدرة اللّه [الرحيم الرحمن] (١٨) وذلك لشدة الهواء تلك الليلة، فما تعدت النار بطستهم فاحترقت، وتعدى الحريق إِلى الأخرى فغرقت، ووصل إِلى بطسة المقاتلة فتلفت، وهلك (١٩)

стр. 6510

من فيها، فاشبهوا من سلف [من أهل الكتاب من] (١) الكافرين [كما قال تعالى في كتابه المبين] (٢) ﴿يُخْرِبُونَ (٣) بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: ٢]. فصل وفي ثالث (٤) رمضان اشتدَّ حصار الفرنج للبد (٥) حتى نزلوا إِلى الخندق، فبرز إِليهم أهل البلد فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وتمكَّنوا من حريق الكبش (٦) الذي اتخذوه (٧) لحصار الأسوار، وسرى حريقه إِلى السقوف (٨) وارتفعت له لهبة عظيمة (٩) في عنان السماء، ثم اجتذبه المسلمون إِليهم بكلاليب من حديد في سلاسل، فحصلوه (١٠) عندهم، وألقوا عليه الماء البارد فبرد بعد أيام، فكان فيه من الحديد مئة قنطار بالدمشقي، ولله الحمد والمنة. وفي (١١) الثامن والعشرين من رمضان توفي الملك زين الدين (١٢) صاحب إِربل في (١٣) حصار عكا مع السلطان، فتأسف الناس عليه لشبابه [وغربته وجودته] (١٤)، وعُري أخوه مظفر (١٥) الدَّين فيه، وهو الذي قام في الملك من بعده، وسأل من السلطان صلاح الدين أن يضيف إِليه شهرزور (١٦) ويترك حرَّان والرُّها

стр. 6511

وسميساط وغيرها، وتحمل (١) مع ذلك خمسين ألف دينار نقدًا، فأجيب إِلى ذلك، وكتب له تقليد (٢)، وعُقد له لواءٌ، وأضيف ما تركه إِلى الملك المظفر تقي الدِّين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين [والله تعالى أعلم] (٣). فصل وكان القاضي الفاضل [بالديار المصرية] (٤) يدبِّر الممالك بها، ويجهز إِلى السلطان ما يحتاج إِليه منها من الأقوات والأموال والنفقات، وعمل الأسطول [وما يحتاج إِليه فيه من محصول] (٥) والكتب السلطانية [واردة إِليه في كل حين، يستشيره فيما يصلح به أمر المسلمين، وكذلك الكتب الفاضلة فادمة على السلطان في كل أوان] (٦)، [فمن ذلك] (٧) كتاب يذكر فيه أن سبب هذا التطويل في الحصار إِنما هو بسبب كثرة الذُّنوب، وارتكاب المحارم بين (٨) الناس، ويقول في بعضها: إِن الله لا ينال ما عنده إِلَّا بطاعته، ولا يفرّج الشدائد إِلا بالرجوع إِليه، [وامتثال أمر شريعته، فكيف لا يطول الحصار] (٩) والمعاصي في كل مكان بادية، والمظالم في كل موضع فاشية، [وقد طلع إِلى الله تعالى منها ما لا يتوقع بعدها إِلَّا ما يستعاذ منه] (١٠)، وفيه أنه قد بلغه أن بيت المقدس قد ظهر فيه من المنكرات والفواحش والظلم في بلاده ما لا يمكن تلافيه إِلا بكلفة كبيرة (١١). [ومن ذلك] (١٢) كتاب يقول فيه: إِنما أُتينا من قبل أنفسنا، ولو صدقناه لعجل (١٣) لنا عواقب صدقنا، ولو أطعناه لما عاقبنا بعدوِّنا، ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إِلا به، فلا

стр. 6512

يستخصم (١) أحد إِلا عمله، ولا يلم إِلا نفسه، ولا يرجُ إِلا ربَّه (٢) ولا ننتظر العساكر أن تكثر، ولا الأعوان أن تحضر (٣)، ولا الأموال أن تحصر، ولا يغتر بكثرة العساكر والأعوان، ولا فلان الذي يعتمد أن يقاتل، ولا فلان الذي ينتظر أن يسير، فكل هذه مشاغل عن الله ليس النصر بها (٤)، ولا نأمن أن يكلنا الله إِليها، والنصر به واللطف منه، والعادة (٥) الجميلة له، ونستغفر الله تعالى من ذنوبنا، فلولا أنها تسدُّ طريق دعائنا، لكان جواب دعائنا قد نزل، وفيض دموع الخاشعين قد غسل، ولكن في طريق عائق، خار الله لمولانا في القضاء السابق واللاحق. وفي (٦) كتاب آخر يتألم فيه لما عند السلطان من الضعف في جسمه بسبب ما حمل على قلبه مما هو فيه من الشدائد، أثابه الله تعالى يقول في (٧): وما في نفس المملوك شائنة إِلا بقية هذا الضعف الذي في جسم مولانا، فإِنه بقلوبنا، ونفديه بأسماعنا وأبصارنا، ثم قال (٨): [من الطويل] بِنَا مَعْشَرَ الخُدّامِ ما بِكَ مِنْ أذىً … وَإِنْ أَشْفَقُوا مِمَّا أَقُولُ فَبِي وَحْدِي وقد أورد الشيخ شهاب الدين في (٩) "الروضتين" (١٠) في هذا المكان كتبًا عدَّة من الفاضل إِلى السلطان، فيها فصاحة وموعظة وتحضيض على الجهاد، [يعجز عن مثلها سحبان، وهي جديرة أن تكتب بماء الذهب على قلائد العقيان] (١١)، فرحمه الله من إِنسان ما أفصحه، ومن وزير ما كان أنصحه، ومن عقل ما كان أرجحه. فصل (١٢) وكتب القاضي الفاضل كتابًا بليغًا على لسان (١٣) السلطان إِلى ملك المغرب (١٤) أمير المسلمين،

стр. 6513

وسلطان جيش الموحِّدين، يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن (١)، يستنجد (٢) به في إِرسال مراكب في البحر تكون عونًا له على المراكب الإِفرنجية (٣) في عبارة طويلة [فصيحة بليغة مليحة] (٤)، حكاها [شهاب الدين] (٥) بطولها وحسنها، وبعث السلطان صلاح الدين [مع ذلك بهديَّة] (٦) سنية من التحف والألطاف، وذلك كله صحبة الأمير الكبير شمس الدين أبي الحزم عبد الرحمن بن منقذ [وكان ابتداء سير] (٧) في البحر في ثامن ذي القعدة من هذه السنة، فدخل على [السلطان يعقوب] (٨) في العشرين من ذي الحجة، فأقام عنده إِلى عاشوراء من المحرم من سنة ثمان وثمانين، ولم يفد ذلك (٩) الإِرسال شيئًا، [لأن السلطان] (١٠) يغضب إِذ لم يلقَّب بأمير المؤمنين، وكانت إِشارة القاضي الفاضل إِلى عدم الإِرسال إِليه، والتعويل عليه، ولكن وقع ما وقع بمشيئة الله تعالى. فصل [وفي هذه السنة] (١١) حصل [للناصر صلاح] (١٢) الدين سوء مزاج، من كثرة ما يكابده من الأمور التي هي أمر من الأجاج، فطمع العدو المخذول، لعنهم الله، في حوزة الإِسلام، فتجرد جماعة منهم للقتال، وثبت آخرون على الحصار، فاقبلوا في عَدَد كثير وعُدَد، فرتب السلطان الجيوش ميمنة وميسرة (١٣)، وقلبًا وجناحين، [فلما رأوا ما عاينوا من الجيش الكثيف فروا من موقف الحرب وحادوا عن حومة الوغى فقتل منهم خلق كثير وجم غفير ولله الحمد] (١٤).

стр. 6514

فصل ولما دخل فصل الشتاء وانشمرت مراكب الفرنج (١) عن البلد خوفًا من الهلاك بسبب اغتلام (٢) البحر، سأل مَن في البلد من المسلمين من السلطان أن يريحهم مما هم فيه من الحصر العظيم، والمقاتلة (٣) ليلًا ونهارًا، وصباحًا ومساءً، سرًا وجهارًا، وأن يرسل إِلى البلد بدلهم، فرَّق لهم السلطان، وعزم على ذلك، وكانوا قريبًا من عشرين ألف مسلم ما بين أمير ومأمور، فجهز جيشًا آخر غيرهم، قالوا (٤): ولم يكن ذاك (٥) برأي جيد، ولكن ما قصد السلطان إِلا خيرًا، وأن هؤلاء يدخلون البلد، وهم جدد الهمم (٦)، ولهم عزم قوي، وهم في راحة بالنسبة إِلى (٧) أولئك، ولكن [أولئك الذين كانوا بالبلد وخرجوا منه] (٨) كانت لهم خبرة بالبلد وبالقتال [وصبر عظيم، وقد تمرَّنوا على ما هم فيه من المصابرة للأعداء برًا وبحرًا، وجهزت لهؤلاء الداخلين سبع] (٩) بطس من مصر فيها (١٠) ميرة تكفي (١١) أهل البلد سنة كاملة، فقدر الله تعالى (١٢) -وله الأمر من قبل ومن بعد- أنها لما توسطت البحر، واقتربت من الميناء، هاجت عليها ريح عظيمة [في البحر] (١٣) فقلبت (١٤) تلك البطس على عظمها، فاختبطت واضطربت وتصادمت فتكسرت وغرقت، وغرق ما كان فيها من الميرة، وهلك من كان بها من البحَّارة، فدخل بسبب ذلك وهن عظيم على المسلمين، واشتد الأمر جدًا، واحتد مرض السلطان، وازداد مرضًا إِلى مرضه، [عافاه الله] (١٥)، وكان ذلك [عونًا للعدو المخذول] (١٦) على أخذ البلد، ولا قوة إِلا

стр. 6515

بالله، وذلك في ذي الحجة من هذه السنة، وكان المقدم على الداخلين إِلى عكا الأمير سيف الدين علي ابن أحمد بن المشطوب (١). وفي اليوم السابع من ذي الحجة سقطت ثلمة عظيمة من سور عكا، فبادر الفرنج إِليها فسبقهم المسلمون إِلى سدها بصدورهم، وقاتلوا دونها (٢) بنحورهم، ومازالوا يمانعون عنها حتى بَنوْها أشدَّ مما كانت، وأقوى وأحسن وأبهى. ووقع في هذه السنة وباءٌ عظيم في الجيشين (٣) المسلم والكافر، فكان السلطان يقول في ذلك (٤): [من مجزوء الخفيف] اقتلوني ومالكًا … واقتلوا مالكًا معي واتفق موت ابن ملك الألمان، لعنه الله، في ثاني ذي الحجة، [من هذه السنة] (٥)، وجماعة من كبراء الكندهرية، وسادات الفرنج لعنهم الله، فحزن الفرنج على ابن ملك الألمان حزنًا عظيمًا، وأوقدوا نارًا عظيمة في كل خيمة، وصار في كل يوم يهلك من الفرنج المئة والمئتان، واستأمن السلطان جماعة منهم من شدة ما هم فيه من الجوع (٦) والضيق والحصر، وأسلم خلق كثير منهم ولله الحمد والمنة. [وفي هذا الشهر] (٧) قدم القاضي الفاضل [من الديار المصرية] (٨) على السلطان، وكان قد طال شوق كل واحد منهما إِلى صاحبه، فأفضى كل واحد منهما إِلى الآخر (٩) ما كان يسرّه ويكتمه من الآراء التي فيها مصالح المسلمين، وقدم وزير الصدق على السلطان الموفِّق والأمير المؤيد رحمهما الله تعالى.
следующие страницы →