← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

وسميساط وغيرها، وتحمل (١) مع ذلك خمسين ألف دينار نقدًا، فأجيب إِلى ذلك، وكتب له تقليد (٢)، وعُقد له لواءٌ، وأضيف ما تركه إِلى الملك المظفر تقي الدِّين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين [والله تعالى أعلم] (٣). فصل وكان القاضي الفاضل [بالديار المصرية] (٤) يدبِّر الممالك بها، ويجهز إِلى السلطان ما يحتاج إِليه منها من الأقوات والأموال والنفقات، وعمل الأسطول [وما يحتاج إِليه فيه من محصول] (٥) والكتب السلطانية [واردة إِليه في كل حين، يستشيره فيما يصلح به أمر المسلمين، وكذلك الكتب الفاضلة فادمة على السلطان في كل أوان] (٦)، [فمن ذلك] (٧) كتاب يذكر فيه أن سبب هذا التطويل في الحصار إِنما هو بسبب كثرة الذُّنوب، وارتكاب المحارم بين (٨) الناس، ويقول في بعضها: إِن الله لا ينال ما عنده إِلَّا بطاعته، ولا يفرّج الشدائد إِلا بالرجوع إِليه، [وامتثال أمر شريعته، فكيف لا يطول الحصار] (٩) والمعاصي في كل مكان بادية، والمظالم في كل موضع فاشية، [وقد طلع إِلى الله تعالى منها ما لا يتوقع بعدها إِلَّا ما يستعاذ منه] (١٠)، وفيه أنه قد بلغه أن بيت المقدس قد ظهر فيه من المنكرات والفواحش والظلم في بلاده ما لا يمكن تلافيه إِلا بكلفة كبيرة (١١). [ومن ذلك] (١٢) كتاب يقول فيه: إِنما أُتينا من قبل أنفسنا، ولو صدقناه لعجل (١٣) لنا عواقب صدقنا، ولو أطعناه لما عاقبنا بعدوِّنا، ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إِلا به، فلا

стр. 6512

يستخصم (١) أحد إِلا عمله، ولا يلم إِلا نفسه، ولا يرجُ إِلا ربَّه (٢) ولا ننتظر العساكر أن تكثر، ولا الأعوان أن تحضر (٣)، ولا الأموال أن تحصر، ولا يغتر بكثرة العساكر والأعوان، ولا فلان الذي يعتمد أن يقاتل، ولا فلان الذي ينتظر أن يسير، فكل هذه مشاغل عن الله ليس النصر بها (٤)، ولا نأمن أن يكلنا الله إِليها، والنصر به واللطف منه، والعادة (٥) الجميلة له، ونستغفر الله تعالى من ذنوبنا، فلولا أنها تسدُّ طريق دعائنا، لكان جواب دعائنا قد نزل، وفيض دموع الخاشعين قد غسل، ولكن في طريق عائق، خار الله لمولانا في القضاء السابق واللاحق. وفي (٦) كتاب آخر يتألم فيه لما عند السلطان من الضعف في جسمه بسبب ما حمل على قلبه مما هو فيه من الشدائد، أثابه الله تعالى يقول في (٧): وما في نفس المملوك شائنة إِلا بقية هذا الضعف الذي في جسم مولانا، فإِنه بقلوبنا، ونفديه بأسماعنا وأبصارنا، ثم قال (٨): [من الطويل] بِنَا مَعْشَرَ الخُدّامِ ما بِكَ مِنْ أذىً … وَإِنْ أَشْفَقُوا مِمَّا أَقُولُ فَبِي وَحْدِي وقد أورد الشيخ شهاب الدين في (٩) "الروضتين" (١٠) في هذا المكان كتبًا عدَّة من الفاضل إِلى السلطان، فيها فصاحة وموعظة وتحضيض على الجهاد، [يعجز عن مثلها سحبان، وهي جديرة أن تكتب بماء الذهب على قلائد العقيان] (١١)، فرحمه الله من إِنسان ما أفصحه، ومن وزير ما كان أنصحه، ومن عقل ما كان أرجحه. فصل (١٢) وكتب القاضي الفاضل كتابًا بليغًا على لسان (١٣) السلطان إِلى ملك المغرب (١٤) أمير المسلمين،

стр. 6513

وسلطان جيش الموحِّدين، يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن (١)، يستنجد (٢) به في إِرسال مراكب في البحر تكون عونًا له على المراكب الإِفرنجية (٣) في عبارة طويلة [فصيحة بليغة مليحة] (٤)، حكاها [شهاب الدين] (٥) بطولها وحسنها، وبعث السلطان صلاح الدين [مع ذلك بهديَّة] (٦) سنية من التحف والألطاف، وذلك كله صحبة الأمير الكبير شمس الدين أبي الحزم عبد الرحمن بن منقذ [وكان ابتداء سير] (٧) في البحر في ثامن ذي القعدة من هذه السنة، فدخل على [السلطان يعقوب] (٨) في العشرين من ذي الحجة، فأقام عنده إِلى عاشوراء من المحرم من سنة ثمان وثمانين، ولم يفد ذلك (٩) الإِرسال شيئًا، [لأن السلطان] (١٠) يغضب إِذ لم يلقَّب بأمير المؤمنين، وكانت إِشارة القاضي الفاضل إِلى عدم الإِرسال إِليه، والتعويل عليه، ولكن وقع ما وقع بمشيئة الله تعالى. فصل [وفي هذه السنة] (١١) حصل [للناصر صلاح] (١٢) الدين سوء مزاج، من كثرة ما يكابده من الأمور التي هي أمر من الأجاج، فطمع العدو المخذول، لعنهم الله، في حوزة الإِسلام، فتجرد جماعة منهم للقتال، وثبت آخرون على الحصار، فاقبلوا في عَدَد كثير وعُدَد، فرتب السلطان الجيوش ميمنة وميسرة (١٣)، وقلبًا وجناحين، [فلما رأوا ما عاينوا من الجيش الكثيف فروا من موقف الحرب وحادوا عن حومة الوغى فقتل منهم خلق كثير وجم غفير ولله الحمد] (١٤).

стр. 6514

فصل ولما دخل فصل الشتاء وانشمرت مراكب الفرنج (١) عن البلد خوفًا من الهلاك بسبب اغتلام (٢) البحر، سأل مَن في البلد من المسلمين من السلطان أن يريحهم مما هم فيه من الحصر العظيم، والمقاتلة (٣) ليلًا ونهارًا، وصباحًا ومساءً، سرًا وجهارًا، وأن يرسل إِلى البلد بدلهم، فرَّق لهم السلطان، وعزم على ذلك، وكانوا قريبًا من عشرين ألف مسلم ما بين أمير ومأمور، فجهز جيشًا آخر غيرهم، قالوا (٤): ولم يكن ذاك (٥) برأي جيد، ولكن ما قصد السلطان إِلا خيرًا، وأن هؤلاء يدخلون البلد، وهم جدد الهمم (٦)، ولهم عزم قوي، وهم في راحة بالنسبة إِلى (٧) أولئك، ولكن [أولئك الذين كانوا بالبلد وخرجوا منه] (٨) كانت لهم خبرة بالبلد وبالقتال [وصبر عظيم، وقد تمرَّنوا على ما هم فيه من المصابرة للأعداء برًا وبحرًا، وجهزت لهؤلاء الداخلين سبع] (٩) بطس من مصر فيها (١٠) ميرة تكفي (١١) أهل البلد سنة كاملة، فقدر الله تعالى (١٢) -وله الأمر من قبل ومن بعد- أنها لما توسطت البحر، واقتربت من الميناء، هاجت عليها ريح عظيمة [في البحر] (١٣) فقلبت (١٤) تلك البطس على عظمها، فاختبطت واضطربت وتصادمت فتكسرت وغرقت، وغرق ما كان فيها من الميرة، وهلك من كان بها من البحَّارة، فدخل بسبب ذلك وهن عظيم على المسلمين، واشتد الأمر جدًا، واحتد مرض السلطان، وازداد مرضًا إِلى مرضه، [عافاه الله] (١٥)، وكان ذلك [عونًا للعدو المخذول] (١٦) على أخذ البلد، ولا قوة إِلا

стр. 6515

بالله، وذلك في ذي الحجة من هذه السنة، وكان المقدم على الداخلين إِلى عكا الأمير سيف الدين علي ابن أحمد بن المشطوب (١). وفي اليوم السابع من ذي الحجة سقطت ثلمة عظيمة من سور عكا، فبادر الفرنج إِليها فسبقهم المسلمون إِلى سدها بصدورهم، وقاتلوا دونها (٢) بنحورهم، ومازالوا يمانعون عنها حتى بَنوْها أشدَّ مما كانت، وأقوى وأحسن وأبهى. ووقع في هذه السنة وباءٌ عظيم في الجيشين (٣) المسلم والكافر، فكان السلطان يقول في ذلك (٤): [من مجزوء الخفيف] اقتلوني ومالكًا … واقتلوا مالكًا معي واتفق موت ابن ملك الألمان، لعنه الله، في ثاني ذي الحجة، [من هذه السنة] (٥)، وجماعة من كبراء الكندهرية، وسادات الفرنج لعنهم الله، فحزن الفرنج على ابن ملك الألمان حزنًا عظيمًا، وأوقدوا نارًا عظيمة في كل خيمة، وصار في كل يوم يهلك من الفرنج المئة والمئتان، واستأمن السلطان جماعة منهم من شدة ما هم فيه من الجوع (٦) والضيق والحصر، وأسلم خلق كثير منهم ولله الحمد والمنة. [وفي هذا الشهر] (٧) قدم القاضي الفاضل [من الديار المصرية] (٨) على السلطان، وكان قد طال شوق كل واحد منهما إِلى صاحبه، فأفضى كل واحد منهما إِلى الآخر (٩) ما كان يسرّه ويكتمه من الآراء التي فيها مصالح المسلمين، وقدم وزير الصدق على السلطان الموفِّق والأمير المؤيد رحمهما الله تعالى.

стр. 6516

وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: [ملك الألمان] (١): هلك فيها ملك الألمان الذي أقبل في مئتي ألف مقاتل، ويقال: في ثلاثمئة ألف مقاتل من أقصى بلاده، فاجتاز بالقسطنطينية وما بعدها من البلدان، يريد انتزاع بلاد الشام بكمالها من أيدي المسلمين، انتصارًا -في زعمه- لبيت المقدس الذي استنقذه الملك صلاح الدين-[أيّده الله] (٢) - من أيدي المشركين، فلم يزل اللعين يتناقص جيشه، ويتفانَوا في كل موطن وموضع، وقدَّر الله هلاكه (٣) بالغرق، كما أهلك فرعون، لعنهما [الله تعالى] (٤)، وذلك أنه نزل يسبح في بعض الأنهار، فاحتمله الماء قسرًا، فألجأه إِلى جذم شجرة هناك، فشدخت رأسه، ومات من ساعته، لعنه الله. [ابن ملك الألمان لم (٥): فملَّكَ الألمانُ عليهم ابنَه الأصغر، وأقبل بمن بقي منهم وأمره قد تقهقر، والمقصود أنهم وصلوا إِلى إِخوانهم بعكا في خمسة آلاف، وقيل: في ألف مقاتل، وكان المسلمون قد حملوا من قدومهم (٦) همًا عظيمًا، وخافوا خوفًا شديدًا، فكفى الله المؤمنين (٧) القتال ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]. محمد بن محمد بن عبد الله، أبو حامد، قاضي القضاة بالموصل (٨)، محيي الدين ابن قاضي القضاه (٩) كمال الدين، الشهرزوري الشافعي (١٠): أثنى عليه العماد الكاتمب (١١)، وأنشد له من شعره قوله: [من الكامل] قامَت بإِثْباتِ الصّفاتِ أدِلَّةٌ … قَصَمَتْ ظُهورَ أئِمَّةِ التَّعْطيلِ وطَلائعُ التَّنْزِيهِ لَمَّا أقْبَلَتْ … هَزَمَتْ ذَوي التَّشبيهِ وَالتَّمْثيلِ

стр. 6517

فالحقُّ ما صِرْنا (١) إِليهِ جَميعُنا … بِأدلّةِ الأخْبارِ والتَّنْزِيلِ مَنْ لَمْ يَكُنْ بالشَّرْعِ مُقتدِيًا فَقَدْ … أَلْقاهُ فَرْطُ الجَهْلِ في التَّضْليلِ ثم دخلت سنة سبع وثمانين وخمسمئة فيها: قدم ملك الإِفرنسيس (٢) وملك إِنكلترا (٣) وغيرهما من ملوك البحر (٤)، على الفرنج وتمالؤوا على أخذ (٥) عكا في هذه السنة كما سيأتي تفصيله. وقد استهلت [هذه السنة] (٦) والحصار الشديد على عكا [على حاله] (٧) من الجانبين، وقد استكمل دخول البدل (٨) إِلى البلد، والملك العادل مخيِّم إِلى جانب البحر، ليتكامل دخولهم ودخول مِيرتهم لطف الله بهم. وفي ليلة مستهل ربيع الأول منها (٩) خرج المسلمون من عكا فهجموا على مخيَّم الفرنج فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، ونهبوا (١٠) شيئًا كثيرًا، وسبَوا اثنتي عشرة (١١) امرأة، وانكسر (١٢) مركب عظيم للفرنج فغرق [فيه خلق] (١٣) وأُسر باقيهم، وأغار صاحب حمص أسد الدين (١٤) شيركوه بن ناصر الدين محمد ابن شيركوه على سرح الفرنج بأراضي طرابلس، فاستاق منهم شيئًا كثيرًا من الخيول والأبقار والأغنام، وظفر اليزك (١٥) بخلق كثير من الفرنج فقتلوهم، ولم يقتل من المسلمين سوى طواشي صغير عثر به فرسه.

стр. 6518

وفي ثاني (١) عشر ربيع الأول وصل إِلى الفرنج ملك إِفرنسيس فليسب (٢) في ست بطس ملعونة مشحونة بعبدة الصليب، وحين (٣) وصل إِليهم وقدم عليهم لم يبق لأحد معه من ملوكهم حكم، وذلك لعظمته عندهم، وقدم معه باز عظيم أبيض وهو الباز الأشهب، هائل، [فطار من يده فوقع] (٤) على سور عكا، فأمسكه أهلها وبعثوا به إِلى (٥) السلطان صلاح الدين، فبذل الفرنج فيه ألف دينار فلم يُجابوا إِلى ذلك. وقدم بعده كندفرير (٦) وهو من أكابر ملوكهم أيضًا. ووصلت سفن ملك الإِنكليز (٧) ولم يجئ ملكهم (٨) لاشتغاله بجزيرة قبرص وأخذها من يد صاحبها. وتواصلت ملوك الإِسلام أيضًا من بلدانها في أول فصل الربيع، لخدمة (٩) السلطان الناصر صلاح الدين، أيده الله (١٠). قال العماد (١١): وقد كان للمسلمين لصوص يدخلون إِلى خيام الفرنج فيسرقون، حتى أنهم كانوا يسرقون الرجال، فاتفق أن بعضهم أخذ صبيًا رضيعًا من مهده ابن ثلاثة أشهر، فوجدت عليه أمه وجدًا شديدًا، واشتكت إِلى ملوكهم، فقالوا لها: إِن سلطان المسلمين رحيم القلب، وقد أذنَّا لك أن تذهبي إِليه فتشتكي أمرك إِليه، قال العماد: فجاءت إِلى السلطان وأنا واقف معه فبكت بكأنَّ شديدًا، وجعلت تمزغ وجهها على الأرض، فسألها عن أمرها، فأنهت إِليه حالها، فرق لها رقة شديدة حتى دمعت عينا (١٢). ثم أمر (١٣) بإِحضار ولدها فإذا هو قد (١٤) بيع في السوق، فرسم بدفع ثمنه إِلى المشتري، ولم يزل واقفًا حتى جيء بالغلام، فأخذته أمه وأرضعته ساعة وهي تبكي من شدة فرحها وشوقها إِليه، ثم أمر

стр. 6519

بحملها إِلى خيمثها (١) على فرس مكرَّمةً، رحمه الله تعالى (٢) [وبلَّ بالرحمة ثراه] (٣). فصل في كيفية أخذ العدو (٤) [المخذول مدينة عكا من يدي السلطان قسرًا] (٥) لما كان شهر جمادى الأولى اشتد حصار الفرنج، لعنهم الله، لمدينة عكا، وتمالؤوا عليها من كل فج عميق، وقدم عليهم ملك الإِنكليز في جم غفير، وجمع كثير، في خمسة وعشرين قطعة مشحونة بالمقاتلة، وابتلي (٦) أهل الثغر منهم ببلاءٍ لا يشبه ما قبله، فعند ذلك حُرِّكت الكوسات في البلد، وكانت علامة ما بينهم وبين السلطان، فحرَّك السلطان كوساته فاقترب من البلد وتحول إِلى قريب منه، ليشغلهم (٧) عن البلد، وقد أحاطوا به من كل مكان (٨)، ونصبوا عليه سبعة مجانيق (٩)، وهي تضرب في البلد ليلًا ونهارًا، ولا سيما على برج عين البقر، حتى أثَّرت فيه (١٠) أثراً بيِّنًا، وشرعوا في ردم الخندق بما أمكنهم من دوابّ ميتة، ومن قتل منهم (١١)، أو مات أيضًا، وقابلهم أهل البلد ينقلون ما ألقوه فيه إِلى البحر. وظفر ملك الإِنكليز (١٢) ببطسة عظيمة للمسلمين قد أقبلت من بيروت مشحونة بالأمتعة والأسلحة فأخذها، وكان واقفًا في البحر في أربعين مركبًا لا يترك شيئًا يصل إِلى البلد بالكلية، لعنه الله، وكان فيه (١٣) ستمئة من المقاتلة الصناديد الأبطال، فهلكوا عن آخرهم ﵏ أجمعين (١٤). فإِنه لما أحيط بهم من الجوانب كلِّها، وتحققوا إِما الغرق أو القتل، خرقوا من جوانبها كلها وغرقت، ولم يقدر الفرنج على أخذ شيء منها لا من الميرة ولا من الأسلحة، وحزن المسلمون على هذا المصاب حزنًا عظيمًا، فإِنا

стр. 6520

لله وإِنا إِليه راجعون. ولكن جبر الله سبحانه هذا البلاء بأن أحرق المسلمون في هذا اليوم للفرنج دبابة كانت أربع طبقات، الأولى من خشب (١)، والثانية من رصاص، والثالثة من حديد، والرابعة من نحاس، وهي مشرفة على السور والمقاتلة فيها، وقد قلق أهل البلد منها بحيث حدَّثتهم أنفسهم من خوفهم من شرها بأن يطلبوا الأمان من الفرنج، ويسلموا البلد، ففرَّج الله عن المسلمين وأمكنهم من حريقها، واتفق ذلك في هذا اليوم الذي غرقت فيه البطسة المذكورة، فأرسل أهل البلد (٢) إِلى السلطان يشكون شدة (٣) الحصار وقوته (٤) عليهم منذ قام ملك الإِنكليز (٥) لعنه الله، ومع هذا قد مرض هو (٦) وجرح ملك الإِفرنسيس (٧) أيضًا، ولا يزيدهم ذلك إِلا شدة وغلظة وعتوًا، وفارقهم المركيس وسار إِلى بلده صور خوفًا منهم أن يُخرجوا مُلْكَها من يده. وبعث ملك الإِنكليز إِلى السلطان صلاح الدين يذكر له (٨) أن عنده جوارح قد جاء بها من البحر، وهو على نيّة إِرسالها إِليه، ولكنها قد ضعفت وهو يطلب لها دجاجًا وطيْرًا لتتقوى (٩) به، فعرف أنه إِنما يطلب ذلك لنفسه بتلطف (١٠)، فأرسل إِليه بشيء (١١) من ذلك كرمًا وسجية وحشمة (١٢)، ثم أرسل يطلب منه فاكهة وثلجًا، فأرسل إِليه أيضًا، فلم يفد معه الإِحسان، بل لما عوفي عاد إِلى سرّ مما كان عليه، واشتد الحصار ليلًا ونهارًا (١٣)، فأرسل أهل البلد يقولون للسلطان: إِما (١٤) أن تعملوا معنا شيئًا غدًا وإِلا طلبنا من الفرنج الصلح والأمان، [فشق ذلك] (١٥) على السلطان، وذلك لأنه كان قد بعث (١٦) إِليها أسلحة

стр. 6521

الشام والديار المصرية وسائر السواحل، وما كان غنمه من وقعة حطين ومن بيت المقدس (١) وهي، مشحونة بذلك، فعزم السلطان على مهاجمة العدو (٢)، فلما أصبح ركب في جيشه فرأى الفرنج قد ركبوا من وراء خندقهم، والرَّجَّالة منهم قد ضربوا سورًا حول الفرسان، وهم قطعة من حديد صماء لا ينفذ فيهم (٣) شيء، فأحجم عنهم لما يعلم من نكول جيشه عما يريده، وتحدوه على شجاعته رحمه الله تعالى. هذا وقد اشتد الحصار على البلد جدًا، ودخلت الرَّجَّالة منهم إِلى الخندق وعلّقوا بدنة في (٤) السور وحشوها وأحرقوها، فسقطت، ودخلت الفرنج إِلى البلد، فمانعهم المسلمون وقاتلوهم أشد القتال، وقتلوا من رؤوسهم ستة أنفس، فاشتد حنق الفرنج على المسلمين (٥) جدًا بسبب ذلك، وجاء الليل فحال بين الفريقين، فلما أصبح الصباح خرج أمير المسلمين بالبلد سيف الدين علي بن أحمد (٦) بن المشطوب، فاجتمع بملك الإِفرنسيس وطلب منه الأمان على أنفسهم، ويتسلمون منه البلد، فلم يجبه (٧) إِلى ذلك، وقال له: بعد ما سقط السور جئت تطلب الأمان؟ فأغلظ له الأمير ابن المشطوب في الكلام، ورجع إِلى البلد في حالٍ (٨) الله بها عليم، فلما أخبر أهل البلد بما وقع خافوا خوفًا شديدًا (٩)، وأرسلوا إِلى السلطان يعلمونه بما وقع، فأرسل إِليهم أن يسرعوا الخروج من البلد في البحر ولا يتأخروا عن هذه الليلة، ولا يبقى بها مسلم، فتشاغل كثير ممن كان بها في جمع (١٠) الأمتعة والأسلحة، وتأخروا عن المسير (١١) تلك الليلة، فما أصبح الخبر إِلا عند الفرنج من مملوكَيْن صغيرَيْن سمعا بما رسم به السلطان، فهربا إِلى قومهما فأخبراهم (١٢) بذلك، فاحتفظوا على البحر احتفاظًا عظيمًا، فلم يتمكن أحد من أهل البلد أن يتحرك بحركة، ولا خرج منها شيء بالكلية، [وهذان المملوكان كانا أسيرين قد أسرهما السلطان من أولاد الفرنج] (١٣) وعزم السلطان على كبس العدو في هذه الليلة، فلم يوافقه الجيش على

стр. 6522

ذلك، وقالوا: لا نخاطر بالإِسلام كله (١)، فلما أصبح بعث إِلى ملوك الفرنج يطلب منهم الأمان لأهل البلد على أن يطلق عدتهم من الأسرى الذين تحت يده من النصار (٢) ويزيدهم [على ذلك] (٣) صليب الصلبوت، فأبوا إِلا أن يطلق لهم كل أسير تحت يده، ويعيد إِليهم (٤) جميع البلاد الساحلية التي أخذت منهم، وبيت المقدس، فأبى (٥) ذلك، وترددت المراسلات في ذلك، والحصار يتزايد على أسوار البلد. وقد تهدمت ثلم كثيرة منه (٦)، وأعاد المسلمون كثيرًا منها، وسدُّوا ثُغَر تلك الأماكن بنحورهم ﵏، وصبروا صبرًا عظيمًا، وصابروا العدو، ثم كان آخر أمرهم (٧) إِلى الشهادة (٨)، وقد كتبوا إِلى السلطان في آخر أمرهم يقولون له: يا مولانا لا تخضع لهؤلاء الملاعين، الذين قد أبوا عليك الإِجابة إِلى ما دعوتهم فينا، فإِنا قد بايعنا الله تعالى على الجهاد حتى نقتل عن آخرنا، وبالله المستعان. فلما كان وقت الظهر في اليوم السابع عشر من جمادى الآخرة من هذه السنة، ما شعر الناس إِلا وقد ارتفعت أعلام الكفار (٩) وصلبانه وشعاره وناره على أسوار البلد، وصاح الفرنج صيحة واحدة، فعظمت عند ذلك المصيبة على المسلمين، واشتد حزن الموحِّدين، وانحصر كلام العقلاء من الناس في: إِنا لله وإنا إِليه راجعون، وغشي الناس بهتة عظيمة، وحيرة شديدة، ووقع في عسكر السلطان، الصياح والعويل [والبكاء والنحيب] (١٠)، ودخل المركيس، لعنه الله، وقد عاد إِليهم سريعًا بهدايا فأهداها إِلى الملوك، فدخل في هذا اليوم عكا بأربعة أعلام فنصبها في البلد، واحدًا على المئذنة يوم الجمعة، وآخر على القلعة، وآخر على (١١) برج الداوية، وآخر على برج القتال، عوضًا عن أعلام السلطان، وتحيز (١٢) المسلمون الذين بها إِلى ناحية من البلد معتقلين، محتاط بهم، وضيّق عليهم، وقد أُسرت (١٣) النساء

стр. 6523

والأبناء، وغُنمت منهم الأموال (١)، وقيّدت الأبطال، وأهين الرجال، ولكن الحرب سجال، والحمد لله على كل حال. [فعند ذلك] (٢) أمر السلطان [أيده الله] (٣) الجيش (٤) بالتأخر عن هذه المنزلة [المضايقة إِلى التي بعدها] (٥)، وثبت هو مكانه (٦) لينظر ماذا يصنعون وما عليه يعوَّلون [وهم- لعنهم الله- بالاستيلاء على البلد مشغولون، وبتحصيل الأموال جملة وتفصيلًا مدهوشون] (٧)، ثم سار السلطان إِلى المعسكر (٨) وعنده من الحزن (٩) والهم ما لا يعلمه إِلا الله [ ] (١٠)، وجاءت الملوك الإِسلامية، والأمراء وكبراء الدولة يعزونه فيما وقع، [ويسألونه عما عنه الحال انقشع] (١١)، ثم راسل ملوك الفرنج في خلاص مَنْ بأيديهم من [أسارى الإِسلام] (١٢) فطلبوا منه عدتهم من أساراهم (١٣) ومئة ألف دينار، وصليب الصلبوت إِن كان باقيًا، فأرسل فأُحضر المال والصليب، ولم يتهيأ له من الأسارى إِلا ستمئة أسير، فطلب الفرنج منه أن يريهم الصليب من بعيد، فلما رُفع لهلم (١٤) سجدوا له وألقوا أنفسهم إِلى الأرض، وبعثوا يطلبون منه ما أحضره من المال والأسارى والصليب، فامتنع إِلا أن يرسلوا إِليه من بأيديهم من الأسارى أو يبعثوا له برهائن عنه على ذلك، فقالوا: لا ولكن أرسل لنا ذلك وارض (١٥) بأمانتنا، [ففهم منهم] (١٦) أنهم يريدون الغدر والمكر، فلم يرسل إِليهم شيئًا من ذلك (١٧)، وأمر بردِّ

стр. 6524

الأسارى إِلى أهاليهم (١) بدمشق، وبعث (٢) بالصليب إِلى دمشق مهانًا، وأبرزت (٣) الفرنج خيامهم إِلى ظاهر البلد، وأحضروا ثلاثة آلاف من المسلمين في صعيد واحد ﵏، فأوقفوهم بعد العصر وحملوا عليهم حملة رجل واحد فقتلوهم عن آخرهم في صعيد واحد ﵏ وأكرم مثواهم وجعل الجنان منقلبهم ومثواهم. ولم يستبقوا بأيديهم من المسلمين إِلا أميرًا أو سريًا (٤)، أو من يرونه في عملهم قويًا، أو امرأة [أو صبيًا، وكان ما كان] (٥)، و ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] وكان مدة [مقام السلطان ﵀] (٦) على عكا صابرًا مرابطًا سبعة وثلاثين شهرًا، وجملة من قتل من الفرنج خمسين ألفًا. فصل فيما جرى من الحوادث بعد أخذ الفرنج عكا ساروا برُمَّتهم قاصدين عسقلان، والسلطان بجيشه يسايرهم ويعارضهم منزلة منزلة، ومرحلة مرحلة، والمسلمون يتخطِّفونهم، ويسلبونهم في كل مكان، وكل أسير أُتي به إِلى السلطان يأمر بقتله في ذلك المكان والأوان (٧)، وجرت بين الجيشين وقعات (٨) متعددات، ثم طلب ملك الإِنكليز (٩) أن يجتمع بالملك العادل أخي السلطان يطلب منه الصلح والأمان. [على أن تعاد إِلى أهلها بلاد الساحل] (١٠) فقال له العادل: إِن دون ذلك قتل كل فارس منكم وراجل، فغضب اللعين ونهض من عنده غضبان (١١)، ثم اجتمعت الفرنج على حرب السلطان عند غابة أرسوف (١٢)، [فكانت النصرة للمسلمين، فقتل من الفرنج عند غابة أرسوف] (١٣) ألوف بعد ألوف، وقتل من المسلمين خلق كثير أيضًا، وقد كان الجيش فرَّ عن

стр. 6525

السلطان في أول الوقعة، ولم يبق معه سوى سبعة عشر مقاتلًا، وهو ثابت صابر، [والكوسات تدق لا تفتر، والكوسات والأعلام] (١) منشورة، ثم تراجع الناس، فكانت النصرة للمسلمين، [والكرَّة على الكافرين والحمد لله رب العالمين] (٢)، ثم تقدم السلطان بعساكره فنزل ظاهر عسقلان، فأشار ذوو الرأي على السلطان، بتخريب عسقلان، خشية أن يتملَّكها الكفار، ويجعلونها وسيلة إِلى أخذ بيت المقدس صانه الله تعالى، أو يجري (٣) عندها من الحرب والقتال نظير ما كان عند عكا، [أو أشد] (٤)، فبات السلطان ليلته تلك (٥) مفكرًا في ذلك، ولما (٦) أصبح وقد أوقع الله في قلبه أن خرابها (٧) هو المصلحة، قال (٨) لمن حضره: والله لموت جميع أولادي أهون عليَّ من تخريب حجر واحد منها، ولكن إِذا كان خرابها (٩) فيه مصلحة للمسلمين، فلا بأس به، ثم طلب الولاة وأمرهم بتخريب البلد سريعًا، قبل وصول العدو المخذول إِليها (١٠)، فشرع الناس في خرابه، وأهله ومن حضره يتباكَون على حسنه وطيب مقيله، وكثرة زروعه (١١) وثماره، ونضاره وأنهاره وأزهاره، [وكثرة رخامه وحسن بنائه] (١٢). وألقيت [النيران في أرجائه وجوانبه] (١٣) وخربت قصوره ودوره وأسواقه ورحابه وأتلف ما فيه من الغلات التي لا يمكن تحويلها، ولا نقلها، ولم يزل الخراب والحريق فيه من جمادى الآخرة إِلى سلخ شعبان من هذه السنة. ورحل عنها (١٤) السلطان في ثاني رمضان، وقد تركها قاعًا صفصفًا ليس فيها معلم (١٥) لأحد، ثم اجتاز بالرملة فهدم (١٦) حصنها وخرّب كنيسة لدّ، وزار بيت المقدس وعاد إِلى المخيَّم سريعًا، تقبَّل الله

стр. 6526

منه، ثم بعث (١) ملك الإِنكليز (٢) إِلى السلطان يقول له: إِن الأمر قد طال وهلك الفرنج والمسلمون، وإِنما مقصودنا ثلاثة أشياء لا سواها، رد الصليب وبلاد الساحل (٣) وبيت المقدس، لا نرجع عن هذه الثلاثة وبنا عين تطرف (٤)، فأرسل إِليه السلطان [جواب ذلك] (٥) أشد جواب، وأسوأ خطاب، ثم عزمت (٦) الفرنج لعنهم الله على قصد بيت المقدس، فتقدم السلطان بجيشه إِلى بيت المقدس (٧) فنزله، وسكن في دار القساوس قريبًا من قمامة، في ذي القعدة، وشرع في تحصين البلد (٨) وتعميق خنادقه، وعمل فيه بنفسه وأولاده وأمرائه، وعمل فيه القضاة والعلماء والصوفية بأنفسهم، وكان (٩) وقتًا مشمهودًا، واليزك حول البلد من ناحية الفرنج، وفي كل وقت يستظهرون على الفرنج فيقتلون (١٠) ويأسرون ويغنمون منهم، ولله الحمد والمنة. وانقضت هذه السنة والأمر على ذلك. وفي هذه السنة فيما ذكره العماد الكاتب تولى القاضي (١١) محيي الدين محمد بن الزكي قضاء دمشق. وفيها: عدي (١٢) أمير مكة داود بن عيسى بن فُلَيْتَة بن قاسم (١٣) بن محمد بن أبي هاشم الحسني (١٤)، فأخذ أموال الكعبة حتى انتزع طوقًا من فضة كان على دارة الحجر الأسود، كان قد لمَّ شعثه حين ضربه ذلك القرمطي بالدبوس، فلما بلغ السلطان خبره من الجميع عزله وولّى أخاه مكثرًا (١٥)، ونقض القلعة التي كان بناها أخوه على جبل أبي قبيس، فأقام (١٦) داود بنخلة حتى توفي بها في سنة تسع (١٧) وثمانين.

стр. 6527

وممن توفي في هذه السنة من الأعيان (١): الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب (٢): كان عزيزًا عند (٣) عمه السلطان الملك الناصر صلاح الدِّين، استنابه بمصر وغيرها من البلاد، ثم أقطعه حماة ومدنًا كثيرة معها حولها، ومن (٤) بلاد الجزيرة، وكان مع عمه السلطاد (٥) على عكا، ثم استأذنه في الإِشراف (٦) على بلاده المجاورة للجزيرة والفرات، فلما صار إِليها اشتغل بها، وامتدت عينه إِلى أخذ غيرها من أيدي الملوك الذين يجاورونه (٧)، فقاتلهم [فاتفق موته وهو على ذلك، والسلطان صلاح الدين غضبان عليه بسبب ذلك من اشتغاله عنه] (٨)، وحملت جنازته حتى دفن (٩) بحماة، وله مدرسة هناك هائلة كبيرة، وكذلك بدمشق له (١٠) مدرسة (١١) مشهورة، وعليها أوقاف كثيرة مبرورة. وقام بالملك من بعده ولده المنصور ناصر الدين محمد، فأقره الملك (١٢) صلاح الدين على ذلك (١٣) بعد جهد جهيد، ووعد ووعيد، ولولا السلطان الملك العادل أبو بكر شفع فيه لما استقر (١٤) في مكان أبيه، ولكن الله سلَّم، وكانت وفاة تقي الدين يوم الجمعة تاسع عشر رمضان من هذه السنة، وكان شجاعًا باسلًا وهمامًا فاتكًا كريمًا كاملًا ﵀. الأمير حسام الدين (١٥) محمد بن عمر بن لاجين (١٦):

стр. 6528

وأمه (١) ست الشام بنت أيوب، واقفة الشاميتين بدمشق، توفي ليلة الجمعة تاسع عشر رمضان أيضًا، فتفجّع (٢) السلطان بابن أخيه وابن أخته في ليلة واحدة، وقد كانا له من أكبر الأعوان (٣)، ودفن حسام الدين في التربة الحسامية (٤)، وهي التي أنشأتها أمه بمحلة العونية، وهي الشامية البرانية. [الأمير علم الدِّين] (٥): وفيها: توفي الأمير علم الدين سليمان بن جَنْدر الحلبي، وكان من أكابر الأمراء في الدولة الصلاحية، وفي خدمة السلطان حيث كان، وهو الذي أشار على السلطان بتخريب عسقلان، واتفق مرضه بالقدس، فاستأذن في أن يمرض بدمشق، فأذِن له، فسار حتى (٦) وصل إِلى غَباغِب مات بها في أواخر ذي الحجّة [﵀] (٧). [الصفي بن القابض (٨)] (٩): وفي رجب (١٠) توفي الأمير الكبير نائب دمشق حرسها الله تعالى، الصفي بن القابض، وقد كان من أكبر أصحاب السلطان قبل الملك، ثم استنابه على دمشق حتى توفي بها في هذه السنة ﵀. [أسعد بن المطران] (١١): وفي ربيع الأول توفي الطبيب الماهر الحاذق أسعد بن المطران وقد شرف (١٢) بالإِسلام، وشكره على طبِّه الخاصُّ والعام، ﵀. [الشيخ نجم الدين] (١٣) الخبوشاني] (١٤):

стр. 6529

الذي بنى تربة الشافعي بمصر، بأمر السلطان صلاح الدين، ووقف عليها الأوقاف السنية (١)، وولَّاه تدريسها ونظرها، وقد كان السلطان يحترمه ويكرمه، وقد ذكرته في "طبقات الشافعية "، وما صنفه في المذهب من "شرح الوسيط" وغيره، ولما توفي الخبوشاني (٢) طلب التدريس جماعة، فشفع الملك العادل عند أخيه في شيخ (٣) الشيوخ أبي الحسن محمد بن حمويه، فولاه إِيَّاها (٤)، ثم عُزِلَ عنها بعد موت السلطان، واستمرت عليه أيدي بني السلطان واحدًا بعد واحد، ثم [خلصت بعد ذلك] (٥) وعاد إِليها الفقهاء والمدرسون (٦)، والله (٧) تعالى أعلم بالصواب. ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وخمسمئة استهلت والسلطان صلاح الدين مخيِّم بالقدس الشريف (٨)، وقد قسم السور بين أولاده وأمرائه، وهو يعمل فيه (٩) بنفسه، ويحمل الحجر بين القربوس (١٠) وبينه، والناس يقتدون به، والعلماء والفقهاء يعملون بأنفسهم، والفرنج (١١) لعنهم الله حول البلد من ناحية عسقلان وما والاها، لا يتجاسرون أن يقربوا (١٢) البلد من الحرس واليزك الذين للسلطان حول القدس الشريف، إِلا أنهم على نية محاصرة القدس مصمِّمون، ولكيد الإِسلام مجمعون، وهم الحرس، تارة يَغْلبون وتارة يُغْلبون، وتارة يَنْهَبون وتارة (١٣) يُنْهَبون (١٤). وفي ربيع الآخر وصل الأمير سيف الدين المشطوب إِلى السلطان وهو بالقدس من الأسر (١٥)، وكان

стр. 6530

نائبًا على عكا حين أخذت، فافتدى نفسه منهم بخمسين ألف دينار، فأعطاه السلطان شيئًا كثيرًا منها، واستنابه على مدينة نابلس، فتوفي بها في شوال [من هذه السنة] (١). وفي ربيع الآخر قتل المركيس صاحب صور لعنه الله، أرسل إِليه ملك الإِنكليز اثنين من الفداوية فاظهرا التنصر ولزما الكنيسة حتى ظفرا بالمركيس فقتلاه (٢)، وقُتلا أيضًا، فاستناب ملك الإِنكليز (٣) عليها ابن أخيه الكندهري (٤)، وهو ابن أخت ملك الإِفرنسيس لأبيه، فهما خالاه لعنهم (٥) الله، ولما سار (٦) إِلى صور بنى (٧) بزوجة المركيس بعد موته بليلة واحدة، وهي حبلى أيضًا، وذلك لشدة العداوة التي كانت بين الإِنكليز وبينه، وقد كان السلطان صلاح الدين يُبْغضهما، ولكن المركيس كان قد صانعة (٨) بعض الشيء (٩)، فلم يهُن عليه قتله. وفي تاسع جمادى الأولى استولى الفرنج، لعنهم الله، على قلعة الدَّاروم، فخرَّبوها، وقتلوا خلقًا كثيرًا من أهلها، وأسروا طائفة من الذرية، فإنا لله وإِنا إِليه راجعون، ثم أقبلوا [بخيلهم ورَجِلهم] (١٠) نحو القدس الشريف، فبرز إِليهم السلطان في حزب الإِيمان، فلما تراءى الجمعان نكص حزب الشيطان على عقبيه، وانقلبوا راجعين، فراِرًا (١١) من القتال والنِّزال، وعاد السلطان إِلى القدس الشريف: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]. ثم إِن ملك الإِنكليز، لعنه الله، وهو أكبر ملوك الفرنج ذلك الوقت (١٢) - ظفر ببعض فلول (١٣) المسلمين، فكبسهم ليلًا فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وأسر منهم خمسمئة أسير، وغنم منهم (١٤) شيئًا كثيرًا من

стр. 6531

الأموال والجمال، والخيل والبغال، فكانت (١) جملة الجمال ثلاثة آلاف بعير، فتقوَّى الفرنج بذلك [شيئًا كثيرًا] (٢)، وساء ذلك السلطان مساءة عظيمة جدًا، وخاف من غائلة ذلك، واستخدم الإِنكليز الجمَّالة (٣) على الجمال، والخربندية على البغال، والسيّاس على الخيل، وأقبل وقد قويت نفسه جدًا، وصمَّم على محاصرة القدس، وأرسل إِلى ملوك الفرنج (٤) الذين بالساحل، فاستحضرهم ومن معهم من المقاتلة، فتعبَّا السلطان لهم (٥) وتهيَّأ (٦)، وأكمل السور، وعمر الخنادق، ونصب [الآلات والمجانيق] (٧)، وأمر بتغوير ما حول القدس من المياه، وأحضر السلطان أمراءه ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة، وفيهم أبو الهيجاء السمين (٨)، والمشطوب، والأسدية (٩)، بكمالهم، واستشارهم السلطان فيما دهمه من هذا الأمر الفظيع، الموجع المؤلم، فأفاضوا في ذلك، وأشاروا كل برأيه، وأشار العماد الكاتب بأن يتحالفوا على الموت عند الصخرة، كما كان (١٠) الصحابة يفعلون، فأجابوا إِلى ذلك. هذا كلُّه والسلطان ساكت واجم مفكِّر، فسكت القوم كأنما (١١) على رؤوسهم الطير، ثم قال: الحمد لله، والصلاة (١٢) والسلام على رسول الله: اعلموا أنكم جند الإِسلام اليوم ومنعته، وأنتم تعلمون أن دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم في ذممكم معلقة، والله سائلكم يوم القيامة عنهم، وأن هذا العدو ليس له من المسلمين من يلقاه عن العباد والبلاد غيركم، فإن ولَّيتم، والعياذ بالله [طوى البلادَ وأهلك العباد] (١٣)، وأخذ الأموال والأطفال والنساء، وعُبد الصليبُ في المساجد، وعُزل القرآن منها والصلاة، وكان ذلك كله في ذممكم، فإِنكم أنتم الذين تصدَّيْتم لهذا كله، وأكلتم بيت مال المسلمين، لتدفعوا عنهم عدوهم، وتنصروا ضعيفهم، فالمسلمون في سائر البلاد متعلقون بكم والسلام.

стр. 6532

فانتدب لجوابه سيف الدين المشطوب وقال: يا مولانا نحن مماليكك وعبيدك، وأنت الذي أعطيتنا وكبَّرتنا وعظَّمتنا (١)، وليس لنا إِلَّا رقابنا ونحن بين يديك، والله ما يرجع أحد منا عن نصرك (٢) حتى يموت. فقال الجماعة مثل ما قال، ففرح السلطان بذلك، وطاب قلبه، ومدَّ لهم سماطًا حافلًا، وانصرفوا من بين يديه على ذلك. ثم بلغه بعد ذلك عن بعض الأمراء أنه قال (٣): إِنا نخاف أن يجري علينا في هذه البلدة كما جرى على أهل (٤) عكا، ثم يأخذون بلاد الإِسلام بلدًا بلدًا، والمصلحة أن نلتقيهم بظاهر البلد، فإن هزمناهم أخذنا بقية بلادهم، وإِن تكن الأخرى سلم [العسكر] (٥) ومضى بحاله (٦)، فيأخذون القدس ونحفظ (٧) بقية بلاد الإِسلام بدون القدس مدة طويلة (٨)، وبعثوا [إِلى السلطان] (٩) يقولون له: إِن كنت تريدنا نقيم بالقدس تحت حصار] (١٠) الفرنج (١١)، فكن (١٢) أنت معنا أو بعض أهلك، حتى يكون الجيش تحت (١٣) أمره (١٤)، فإِن الأكراد لا تطيع (١٥) التُّرك، والترك لا تطيع الأكراد. فلما بلغه (١٦) ذلك شق عليه مشقة عظيمة، وبات ليلته أجمع مهمومًا كئيبًا يفكر فيما قالوا، ثم انجلى الأمر واتفق الحال على أن يكون الملك الأمجد صاحب بعلبك مقيمًا عندهم نائبًا عنه بالقدس الشريف (١٧)، وكان ذلك نهار الجمعة، فلما حضر إِلى صلاة الجمعة، وأذن المؤذِّن للظهر قام فصلى ركعتين بين الأذانين، وسجد، وابتهل إِلى الله تعالى ابتهالًا عظيمًا، وتضرع لربه (١٨)، وتمسكن وسأله (١٩) فيما بينه وبينه كشف هذه الضائقة العظيمة.

стр. 6533

فلما كان يوم السبت من الغد جاءت الكتب من الحرس (١) الذين حول البلد بأن الفرنج قد اختلفوا فيما بينهم [في محاصرة القدس] (٢)، فقال ملك الإِفرنسيس: إِنا إِنما جئنا من البلاد البعيدة، وأنفقنا الأموال العديدة في تخليص بيت المقدس وردَّه إِلينا، وقد بقي بيننا وبينه مرحلة، فقال الإِنكليز: إِن هذا البلد يشق (٣) علينا حصاره، لأن المياه حوله قد عدمت، وإِلى أن (٤) يأتينا الماء من المشقة البعيدة يعطِّل (٥) الحصار (٦)، ويتلف الجيش، ثم اتفق الحال بينهم على أن حكّموا منهم عليهم ثلاثمئة منهم، فردُّوا (٧) أمرهم إِلى اثني عشر منهم، فردُّوا أمرهم إِلى ثلاثة منهم، فباتوا ليلتهم ينظرون ثم أصبحوا وقد حكموا عليهم بالرحيل، فلم يمكنهم مخالفتهم، فسحبوا راجعين، لعنهم الله أجمعين، فساروا حتى نزلوا على الرملة وقد طالت عليهم الغربة والزملة، وذلك في بكرة الحادي والعشرين من جمادى الآخرة، [وقد أبوا بالصفقة الخاسرة والخيبة في الدنيا والآخرة] (٨)، وبرز السلطان بجيشه إِلى خارج القدس (٩)، وسار نحوهم خوفًا (١٠) أن يسيروا إِلى مصر (١١)، لكثرة (١٢) ما معهم من الظهر والأموال، وكان ملك الإِنكليز يلهج بذلك كثيرًا، فخذلهم الله (١٣) عن ذلك، وترددت (١٤) الرُّسل من الإِنكليز إِلى السلطان في طلب الصلح (١٥) ووضع الحرب بينه (١٦) وبينهم ثلاث سنين [وستة أشهر] (١٧)، على أن يعيد لهم (١٨) عسقلان ويهب لهم كنيسه (١٩) بيت المقدس، وهي القمامة، وأن يمكن الزوَّار من النصارى من زيارتها وحجَّها بلا

стр. 6534

شيء، فامتنع السلطان من إِعادة عسقلان، وأطلق لهم القمامة، وفرض على الزُّوَّار مالًا يؤخذ من كل منهم، فامتنع الإنكليز إِلا أن تُعاد لهم عسقلان، ويعمّر سورها كما كانت (١)، فصمم السلطان على عدم الإجابه (٢). ثم ركب السلطان في جيشه العرمرم حتى وافى يافا، فحاصرها حصارًا شديدًا، فافتتحها [وغنم جيشه منها شيئًا كثيرًا، وامتنعت القلعة، فبالغ في أمرها حتى هانت ولانت ودانت وكادت أن يبعثوا إِليه بأقاليدها (٣)] ويأخذوا (٤) الأمان لكبيرها وصغيرها (٥)، فبينما هم كذلك إِذ أشرفت عليهم مراكب الإنكليز (٦) على وجه البحر الزخَّار، فقويت رؤوسهم، واستعصت نفوسهم، وهجم (٧) اللعين فاستعاد البلد (٨) وقتل من تأخر بها من المسلمين صبرًا بين يديه، وتقهقر السلطان عن منزلة (٩) الحصار إِلى ما وراءها خوفًا على الجيش من معركة الفرنج (١٠)، فجعل ملك (١١) الإِنكليز يتعجب من شدة سطوة السلطان، وكيف فتح مثل هذا البلد العظيم في يومين، وغيره لا يمكنه فتحه في عامين، ويقول مع ذلك: ولكن ما ظننت أنه مع شهامته وصرامته يتأخر من منزلته بمجرد قُدُومي، وأنا ومن معي لم نخرج من البحر إِلا جرائد (١٢) بلا سلاح القتال ولا أُهبة النزال، ثم ألح في طلب الصلح وأن تكون عسقلان داخلة في صلحهم، فامتنع السلطان من ذلك أشد الامتناع، ثم إِن السلطان كبس في تلك الليالي الإِنكليز وهو في سبعة عشر مقاتلا، وحوله قليل من الرجَّالة فأكبَّ السلطان بجيشه حوله وحصره حصرًا لم يبق له (١٣) معه نجاة، لو صمم معه الجيش، ولكنهم نكلوا كلهم عن الحملة، فلا قوة إِلا بالله، وجعل السلطان يحرّضهم غاية التحريض، فكلهم يمتنع كما يمتنع من شرب الدواء المريض (١٤).

стр. 6535

هذا وملك الإِنكليز، لعنه الله، قد ركب في أصحابه وأخذ عدة قتاله وحرابه (١)، واستعرض الميمنة إِلى آخر الميسرة، يعني ميمنة المسلمين وميسرتهم، فلم يتقدم إِليه منهم أحد من الفرسان ولا نهر (٢) في وجهه بطل من الشجعان، فعند ذلك كرّ السلطان راجعًا، وقد أحزنه أنه لم يَر في الجيش مطيعًا [ولا سامعًا] (٣)، فإنا لله وإِنا إِليه راجعون [ولو أن له بهم قوة لما ترك أحدًا منهم يتناول من بيت المال فلسًا] (٤). ثم حصل لملك الإِنكليز بعد ذلك مرض شديد، وبعث (٥) إِلى السلطان يطلب منه فاكهة وثلجًا، فأمدَّه السلطان بذلك من باب (٦) الكرم والإحسان وإظهار القوة والامتنان، ثم عوفي، لعنه الله، وتكررت الرسل منه يطلب من السلطان المصالحة وذلك لكثرة شوقه إِلى أولاده وبلاده، وتوقه إِلى ملاذه، وطاوع السلطان على ما يقول، ونزل عن (٧) طلب عسقلان، ورضي بما رسم به السلطان، وكتب كتاب الصلح، (٨) على ما رسم به (٩) السلطان ثامن (١٠) عشر شعبان، وأُكدت العهود والمواثيق في كل ملك من ملوكهم، وأُسقف وجاثليق، وحلف الأمراء من المسلمين، وكتبوا خطوطهم، واكتفى من السلطان بالقول المجرد، كما جرت به عادة السلاطين، وفرح كل من الفريقين فرحًا شديدًا (١١)، وأظهروا سرورًا كثيرًا، ووُقِّعت الهدنة على وضع الحرب ثلاثين سنة وستة أشهر. وعلى أن يقرهم على ما بأيديهم من البلاد الساحلية، وللمسلمين ما يقابلها من البلاد الجبلية، وما بينهما من المعاملات، فقسمها (١٢) على المناصفة، وأرسل السلطان مئة نقاب صحبة أمير لتخريب سور عسقلان وإِخراج مَنْ بها من الفرنج والألمان. وعاد السلطان إِلى القدس الشريف، فرتّب أحوالها ووطّدها (١٣)، وسدّد أموره وأكّدها، وزاد وقف المدرسة سوقًا بدكاكينها، وأرضًا وبساتينها، وزاد وقف الصوفية أيضًا، وعزم على الحج عامه ذلك،

стр. 6536

فكتب إِلى الحجاز واليمن [والديار المصرية والشامية] (١) ليعلموا بذلك، ويتأهَّبوا (٢) له. فكتب إِليه القاضي الفاضل ينهاه عن ذلك، خوفًا على البلاد [من استيلاء الفرنج عليها، ومن كثرة المظالم بها] (٣)، [وفساد الناس والعسكر، وقلة نصحهم، وأن النظر في أحوال المسلمين خير لك عامك هذا] (٤)، والعدو المخذول مخيِّمٌ بعدُ بالشام، ولم يقلع منه مركب إِلى بلادهم، وأنت تعلم أنهم إِنما يتهادنون ليتقوَّوْا (٥) ويكثروا، ثم يمكرون ويغدرون (٦)، فسمع السلطان منه، وشكر نصحه، [وقبله، وعزم على ترك الحج عامه ذلك] (٧)، وكتب به إِلى سائر الممالك، واستمر السلطان مقيمًا بالقدس جميع شهر رمضان، في صيام وصلاة وقرآن، وكلما وفد أحد من رؤساء النصار] (٨) للزيارة، أولاه غاية الإكرام والإحسان، تأليفًا لقلوبهم، وتأكيدًا لما حلفوه من الأيمان، ورغبة أن يدخل في قلوبهم شيء من الإيمان، ولم يبق أحد من ملوكهم إِلا جاء لزيارة القمامة متنكرًا، ويحضر سماط السلطان فيمن يحضر من جمهورهم، بحيث لا يُرى، والسلطان يعلم (٩) ذلك جملة لا تفصيلًا، ولهذا كان يعاملهم بالإكرام، ويريهم صفحًا جميلًا، وبرًا جزيلًا، وظلًا ظليلًا. فلما كان في خامس شوال ركب السلطان في عساكر (١٠) وجحافله، فبرز من القدس الشريف قاصدًا دمشق المحروسة واستناب [على القدس] (١١) عز الدين جرديك (١٢) وعلى قضائها بهاء الدين (١٣) بن يوسف بن رافع بن تميم الشافعي، فاجتاز على وادي الجيب، وبات على بركة الداوية، ثم أصبح في نابلس، فنظر في أحوالها وأمورها، ثم ترحّل عنها، فجعل يمرّ بالمعاقل (١٤) والحصون والبلدان [للنظر في الأحوال والأموال، وكشف المظالم والمحارم والمآثم، وترتيب المكارم] (١٥).

стр. 6537

وفي أثناء الطريق جاء إِلى خدمته بيمند (١) ابرنس (٢) أنطاكية، فأكرمه وأحسن إِليه، وأطلق له أموالًا جزيلة، وخلعًا جميلة (٣). وكان العماد الكاتب في صحبته، فاخبر عن منازله منزلة (٤) منزلة، ومرحلة مرحلة، إِلى أن قال: وعبر يوم الإثنين عين الحر (٥) إِلى مرج يبوس (٦)، وقد زال البؤس، وهناك توافد (٧) عليه أعيان دمشق وأماثلها، وأفاضلها وفواضلها، ونزلنا (٨) يوم الثلاثاء على العرّادة، [وجرى المتلقّون بالطرف والتحف] (٩) على العادة، وأصبحنا يوم الأربعاء -يعني سادس عشر شوال بكرة- إِلى جنة (١٠) دمشق داخلين، بسلام آمنبن، لولا أننا غير خالدين، وكانت غيبة السلطان عنها طالت أربع سنين، فأخرجت دمشق أثقالها، وأبرزت نساءها وأطفالها ورجالها، وكان يوم الزينة، وخرج أكثر أهل المدينة، وحشر الناس ضحى، وأشاعوا استبشارًا وفرحًا، واجتمع بأولاده (١١) الكبار والصغار، وقدم عليه رسل الملوك من سائر الأمصار، وأقام بقية عامه في اقتناص الصيد وحضور دار لعدل، للفصل والعمل بالإحسان والفضل. ولما كان عيد الأضحى امتدحه بعض الشعراء بقصيدة يقول فيها (١٢): [من الخفيف] وَأَبيها لَوْلا تَغَزُّلُ عَيْنَيْـ .... ـها لما قُلْتُ في التَّغَزُّلِ شِعْرا ولكانَتْ مدائحُ الملكِ النا … صِرِ أوْلى (١٣) ما فيه أعملُ فِكْرا ملِكٌ طبَّقَ الممالكَ عَدْلًا (١٤) … مثلما أوسعَ البريَّةَ بِرّاْ (١٥)

стр. 6538

فيحلُّ (١) الأعيادَ صومًا وفطرًا … ويُلَقَّى الهناءَ بَرًّا وبَحْرا (٢) يأمرُ بالطاعاتِ للهِ إِن أضـ … ـحى مليك على الهناة مُصِرَّا (٣) نلتَ ما تبتغي (٤) من الدين والدنـ … ـيا (٥) فتِيهًا على الملوك وفخرا قد جمعتَ المَجْدَيْن أصلًا وفَرْعًا … وملكْتَ الدارَيْن دُنْيًا وأُخْرى ومما وقع في هذه السنة من الحوادث غزوة عظيمة بين صاحب غزنة شهاب الدين (٦) السبكتكيني وبين ملك الهند وأصحابه الذين كانوا قد كسروه في سنة ثلاث وثمانين (٧)، فأظفره الله بهم (٨) هذه السنة، فكسرهم وقتل خلقًا منهم، [وأسر خلقًا] (٩). وكان من جملة من أسره ملكهم الأعظم، وثمانية عشر فيلًا، من جملتها الذي كان جرحه، ثم أُحضر الملك بين يديه فأهانه ولم يكرمه، واستحوذ على حصنه، وأخبر بما كان فيه من كل جليل وحقير، ثم قتله بعد ذلك، وعاد إِلى غزنة مؤيدًا منصورًا، مسرورًا محبورًا. [وفي هذه] (١٠) السنة اتُّهم أمير الحج ببغداد، وهو طاشتكين (١١)، وقد كان على إِمرة الحجيج (١٢) من مدة عشرين سنة، وكان في غاية حسن السيرة، واتُّهم بأنه يكاتب صلاح الدين بن أيوب [بالقدوم إِلى العراق ليأخذها] (١٣)، فإنه [ليس بينه وبينها أحد يمانعه عنها] (١٤)، وقد كان مكذوبًا عليه في ذلك، ومع هذا حبس وأُهين وصودر (١٥).

стр. 6539

فصل وممن توفي فيها من الأعيان: القاضي شمس الدين محمد بن محمد بن موسى، المعروف بابن الفراش (١): كان قاضي العساكر بدمشق، ويرسله السلطان [في الرسالات] (٢) إِلى ملوك الآفاق. ومات بملطية. الأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب (٣) كان من أصحاب أسد الدين شيركوه، حضر معه الوقَعات الثلاث بديار مصر (٤)، ثم صار من أكابر (٥) أمراء صلاح الدين. وهو الذي كان على نيابة (٦) عكا لما أخذها (٧) الفرنج، [فأسروه في جملة من أسروا] (٨)، فافتدى نفسه منهم بخمسين ألف دينار، [وتخلّص إِلى أن خلص] (٩) إِلى السلطان، وهو بالقدس، فأعطاه أكثرها، وولاه نيابة نابلس. [وكانت وفاته] (١٠) يوم الأحد الثالث والعشرين (١١) من شوال بالقدس الشريف، ودفن في داره. [صاحب بلاد الروم قلج أرسلان] (١٢): وميمن توفي فيها صاحب بلاد الروم عز الدين، قلدج (١٣) أرسلان (١٤) بن مسعود بن قلج أرسلان. وكان قد قسم جميع بلاده بين أولاده طمعًا في طاعتهم له، فخالفوه، وتجبّروا، وعتوْا عليه، وانخفض (١٥)

стр. 6540

قدره، وارتفعوا (١). ولم يزل كذلك حتى توفي في عامه هذا. [أبو المرهف النميري] (٢): وفي ربيع الآخر توفي الأديب الشاعر أبو المرهف نصر بن منصور النميري. سمع الحديث، واشتغل بالأدب، وكان قد أصابه جُدري، وهو ابن أربع (٣) عشرة سنة، فنقص بصره جدًا، فكان لا يبصر الأشياء البعيدة، ويرى القريب منه، ولكنه كان لا يحتاج إِلى قائد، فارتحل إِلى العراق لمداواة عينيه، فآيسته الأطباء من ذلك، فاشتغل بحفظ القرآن ومصاحبة الصالحين والزهاد فأفلح. وله ديوان شعر كبير حسن، وقد سئل مرة عن مذهبه واعتقاده، فأنشأ يقول (٤): [من الطويل] أُحِبُّ عليًّا والبتولَ ووُلْدَها … ولا أَجْحَدُ الشَّيْخَيْنِ فَضْلَ التقدُّمِ وأَبْرأُ مما نالَ عثمانَ بالأذى … كما أَتَبَرّا من ولاءِ ابنِ مُلْجَمِ ويُعجبني أهلُ الحديثِ لصدقهم … فلستُ إِلى قومٍ سواهم بمُنْتَمِي وكانت وفاته (٥) ببغداد، ودفن بمقابر الشهداء بباب حرب، رحمه الله تعالى (٦). ثم (٧) دخلت سنة تسع وثمانين وخمسمئة فيها: كانت وفاة السلطان (٨) الملك الناصر (٩) صلاح الدين رحمه الله تعالى.

стр. 6541

استهلت هذه السنة وهو في غاية الصحة والسلامة، وخرج هو وأخوه العادل أبو بكر إِلى الصيد شرقي دمشق. وقد اتفق الحال بينه وبين أخيه العادل أنه بعد ما يفرع (١) من أمر الفرنج هذه المدة، يسير هو إِلى بلاد الرُّوم، ويبعث أخاه العادل إِلى خلاط، فإذا فرغا من شأنهما سارا جميعًا إِلى بلاد أذربيجان وبلاد العجم، فإِنه ليس دونهما أحد يمانع عنها ولا يصدهم عنها. فلما قدم الحجيج من الحجاز الشريف في يوم الإثنين حادي عشر صفر خرج السلطان لتلقيهم وكان معهم ولا (٢) أخيه سيف الإسلام، صاحب اليمن، فأكرمه والتزمه، وعاد إِلى القلعة المنصورة فدخلها من باب الحديد (٣)، فكان ذلك آخر ما ركب في هذه الدنيا. ثم (٤) إِنه اعتراه حُمَّى صفراوية ليلة السبت سادس عشر صفر، فلما أصبح دخل عليه القاضي الفاضل وابن شدّاد وابنه الأفضل، فأخذ يشكو إِليهم كثرة قلقه البارحة، وطاب له الحديث، وطال مجلسهم عنده، ثم تزايد به المرض واستمر، وفصد (٥) الأطباء في اليوم الرابع، فاعتراه (٦) يبس، وحصل له عَرَق شديد بحيث نفذ إِلى الأرض، ثم قوي (٧) اليبس أيضًا، فأحضر الأمراء من الأكابر والرؤساء فبويع لولده الأفضل نور الدين علي (٨)، وكان نائبًا على ملك دمشق وذلك عندما ظهرت مخايل الضعف الشديد، وغيبوبة الذهن في بعض الأوقات. وكان الذين يدخلون عليه في هذه الحال القاضي الفاضل وابن شدَّاد وقاضي البلد ابن الزكي وتفاقم (٩) به الحال ليلة الأربعاء السابع والعشرين من صفر، واستدعى الشيخ أبا (١٠) جعفر إِمام الكلاسة ليبيت عنده يقرأ القرآن ويلقِّنه الشهادة إِذا جد به الأمر، فذكر أنه كان يقرأ عنده وهو في [غمرات الموت (١١) فقرأ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢] فقال: وهو كذلك صحيح.

стр. 6542

فلما أذَّن الصبح جاء القاضي الفاضل فدخل عليه وهو في آخر (١) رمقه، فلما قرأ القارئ: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [التوبة: ١٢٩] تبسم وتهلل وجهه [وأسلم روحه إِلى ربه سبحانه] (٢)، ومات ﵀، وأكرم مثواه، وجعل جنات (٣) الفردوس مأواه، وكان له من العمر سبع وخمسون سنة لأنه ولد بتكريت في شهور سنة ثنتين وثلاثين وخمسمئة، [﵀] (٤). فقد (٥) كان رِدءًا للإسلام، وحرزًا وكهفًا من كيد الكفرة اللئام، وذلك بتوفيق الله له، وكان أهل دمشق لم يصابوا بمثل مصابه، وودَّ كل منهم لو فداه بأولاده وأحبابه وأصحابه، وقد غلقت الأسواق واحتفظ على الحواصل، ثم أخذوا في تجهيزه وغسله (٦)، وحضر جميع أولاده وأهله، ويعزُّ عليهم أن يأتوا بمثله. وكان الذي تولى غسله خطيب البلد الفقيه الدُّولعي (٧)، وكان الذي أحضر الكَفَنَ ومؤنة التجهيز القاضي الفاضل من صلب ماله الحلال، هذا وأولاده الكبار والصغار يتباكَون وينادون (٨)، وأخذ الناس في العويل والانتحاب والدعاء له والابتهال. ثم (٩) أبرز جسمه في نعشه في تابوت بعد صلاة الظهر، وأمّ الناس عليه القاضي ابن الزكي (١٠) ثم دفن في داره بالقلعة المنصورة، ثم شرع ابنه في بناء تربة له ومدرسة للشافعية بالقرب من مسجد القدم لوصيته بذلك قديمًا، فلم يكمُل بناؤها ولم يتم، وذلك حين قدم ولده العزير (١١) وكان محاصرًا لأخيه الأفضل كما سيأتي بيانه. في سنة تسعين وخمسمئة. ثم اشترى له الأفضل دارًا شمالي الكلاسة في وزان ما زاده القاضي الفاضل في الكلاسة، فجعلها تربة، هطلت سحائب الرحمة عليها، ووصلت ألطاف الرأفة إِليها. وكان نقله إِليها في يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين.

стр. 6543

وصلى عليه تحت النسر قاضي القضاة محمد بن علي القرشي (١) ابن الزكي، على إِذن الأفضل ودخل في لحده ولده الأفضل فدفنه بنفسه، وهو يومئذ سلطان الشام، وذلك لما عليه من الحق والخدمة والإكرام، ويقال: إِنه دفن معه سيفه الذي كان يحضر به الجهاد والجلاد، وذلك عن أمر القاضي الفاضل أحد الأجواد والأمجاد، وتفاؤلوا بأنه يكون يوم القيامة معه يتوكأ عليه، حتى يدخل الجنة إِن شاء الله، لما أنعم به عليه من كسر الأعداء، وبعز الأولياء، وأعظم عليه بذلك المنة. ثم عمل عزاؤه في الجامع (٢) الأموي ثلاثة أيام، يحضره الخواص والعوام (٣)، والرعيَّة والحكَّام. وقد عمل الشعراء فيه مراثي كثيرة، ومن أحسنها ما عملها العماد الكاتب في آخر كتابه "البرق الشامي" وهي مئتان وثلاثون بيتًا واثنان، وقد سردها الشيخ شهاب الدين أبو شامة في "الروضتين" (٤)، منها قوله [في أولها] (٥): [من الكامل] شَمِلَ الهُدى والملكُ عَمَّ شَتَاتُهُ … والدَّهْرُ ساءَ وَأَقْلَعَتْ حَسَنَاتُهُ أَيْنَ الذي مُذْ لم يَزَلْ مَخْشيَّةً … مَرْجُوَّةَ رَهَباتُهُ وَهِباتُهُ أَيْنَ الذي كانَتْ لَهُ طاعاتُنا … مَبْذُولَة ولربِّهِ طاعاتُهُ بِاللهِ أَيْنَ النَاصِرُ المَلِكُ الذي … للهِ خالِصة صَفَتْ نِيَّاتُهُ أَيْنَ الذي مسا زالَ سُلطانًا لَنا … يُرْجَى نَداهُ وتُتَقَى سَطَواتُهُ أَيْنَ الذي شَرُح (٦) الزَّمانُ بِفَضْلِهِ … وسَمَتْ على الفُضَلاءِ تَشْريفاتُهُ أَيْنَ الذي عَنَتِ الفِرَنْجُ لِبَأْسِهِ … ذُلًّا، ومِنْهَا أُدْرِكَتْ ثاراتُهُ أَغْلَالُ أَعْنَاقِ العِدَا أَسْيَافُهُ … أَطْوَاقُ أَجْيادِ الوَرَى (٧) مَنّاتُهُ [وللعماد الكاتب في الملك الناصر يرثيه] (٨): [من الكامل] (٩)

стр. 6544

مَنْ لِلْعُلَى مَنْ لِلذُّرَى [مَنْ لِلْهُدَى] (١) … يَحْمِيهِ؟ مَنْ لِلْبَأْس (٢) مَنْ لِلنَّائِلِ؟ طَلَبَ البَقاءَ لملْكِه فِي آجلٍ … إِذْ لَمْ يَثِقْ بِبَقاءَ مُلْكِ العَاجِل (٣) بَحْرٌ أَعادَ البَرَّ بَحْرًا بِرُّهُ … وبِسَيْفِهِ فُتِحَتْ بلادُ السَّاحِلِ مَنْ كانَ أَهْلُ الحق في أيَّامِهِ … وبِعِزِّهِ يُرْدونَ أَهْلَ الباطِلِ وَفتوحُهُ والقُدْسُ مِنْ أَبْكَارِها (٤) … أَبْقَتْ لَهُ فَضْلًا بِغَيْرِ مُساجلِ ما كُنْتُ أسْتَسْقِي لقَبْركَ (٥) وابلًا … وَرَأَيْتُ جُودَكَ مُخْجِلًا لِلْوَابِل فَسَقَاكَ رضوانُ الإلهِ لأنَّنِي … لا أَرْتَضِي سُقْيا الغَمامِ الهاطِلِ ذكر تركته وشيء من ترجمته قال العماد وغيره: لم يترك في خزانته من الذهب سوى جرم واحد (٦) -أي (٧) دينار واحد- صوري (٨) وستة وثلاثين درهمًا. وقال غيره: سبعة وأربعين درهمًا، ولم يترك دارًا ولا عقارًا ولا مزرعة ولا سقفًا (٩)، ولا شيئًا من أنواع الأملاك. هذا وله من الأولاد سبعة عشر ذكرًا وابنة واحدة، وتوفي له في حياته غيرهم، والذين تأخَّروا بعده ستة عشر ذكرًا: ١ - أكبرهم الملك الأفضل نور الدين علي، ولد بمصر سنة خمس وستين ليلة عيد الفطر. ٢ - [ثم العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان، ولد بمصر أيضًا في جمادى الأولى سنة سبع وستين] (١٠). ٣ - ثم الظافر مظفر الدين أبو العباس الخضر (١١)، ولد بمصر في شعبان سنة ثمان وستين، وهو شقيق الأفضل.

стр. 6545

٤ - ثم الظاهر غياث الدين أبو منصور غازي، ولد بمصر في نصف رمضان سنة ثمان وستين. ٥ - ثم العزيز (١) فتح الدين أبو يعقوب إِسحاق، ولد بدمشق في ربيع الأول سنة سبعين. ٦ - ثم المُؤيد نجم الدين أبو الفتح مسعود، ولد بدمشق سنة إِحدى وسبعين وهو شقيق العزيز. ٧ - ثم الأعز (٢) شرف الدين أبو يوسف يعقوب، ولد بمصر سنة ثنتين وسبعين وهو شقيق العزيز. ٨ - ثم الزاهر مجد الدين أبو سليمان داود، ولد (٣) بمصر سنة ثلاث وسبعين وهو شقيق الظاهر. ٩ - ثم أبو (٤) الفضل (٥) قطب الدين موسى، وهو شقيق الأفضل، ولد بمصر سنة ثلاث وسبعين أيضًا، ثم نعت بالمظفر أيضًا. ١٠ - ثم الأشرف عزيز (٦) الدين أبو عبد الله محمد، ولد بالشام سنة خمس وسبعين. ١١ - ثم المحسن ظهير الدين أبو العباس أحمد، ولد (٧) سنة سبع وسبعين بمصر، وهو شقيق الذي قبله. ١٢ - ثم المعظَّم فخر الدين أبو منصور تورانشاه ولد بمصر في ربيع الأول سنة سبع وسبعين وتأخرت وفاته إِلى سنة ثمان وخمسين وستمئة. ١٣ - ثم الجواد (٨) ركن الدين أبو سعيد أيوب ولد سنة ثمان وسبعين وهو شقيق للمعظَّم (٩). ١٤ - ثم الغالب نصير الدين أبو الفتح ملك شاه (١٠)، ولد في رجب سنة ثمان وسبعين وهو شقيق للمعظَّم (١١). ١٥ - ثم المنصور أبو بكر أخو المعظَّم لأبويه، ولد بحرَّان بعد وفاة السلطان.

стр. 6546

١٦ - ثم عماد (١) الدين شادي لأم ولده. ١٧ - ونصر (٢) الدين مرواد (٣) لأم ولد أيضًا. وأما البنت فهي مؤنسة خاتون تزوجها ابن عمها الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر ابن أيوب رحمهم الله تعالى (٤). وإِنما لم يخفف أموالًا ولا أملاكًا لكثرة عطاياه وهباته وصدقاته وإِحسانه إِلى أمرائه ووزرائه وأوليائه، حتى إِلى أعدائه، وقد أسلفنا ما يدل على كثير من ذلك ﵀ (٥)، وقد كان متقلِّلًا في ملبسه، ومأكله، ومشربه (٦)، ومركبه، فلا يلبس إِلا الكتان والقطن (٧)، والصوف ولا يعرف أنه تخطى مكروهًا بعد أن أنعم الله عليه بالملك، بل كان همه الأكبر ومقصده الأعظم نصرة الإسلام، وكسر الأعداء اللئام (٨)، وكان يُعمل فكر (٩) في ذلك ورأيه وحده، ومع من يثق برأيه ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، هذا مع ما لديه من الفضائل والفواضل، والفوائد، والفرائد، في اللغة والأدب وأيام الناس، حتى قيل: إِنه كان يحفظ الحماسة بتمامها وختامها، وكان مواظبًا على الصلوات في أوقاتها في جماعة (١٠)، ويقال: إِنه لم تفته الجماعة في صلاة قبل وفاته بدهر طويل، حتى في مرض (١١) موته كان يدخل الإمام فيصلّي به، ويتجشَّم (١٢) القيام مع ضعفه ﵀، وكان يفهم ما يقال بين يديه من البحث والمناظرة. ويشارك في ذلك مشاركة قريبة حسنة، وإِن لم يكن بالعبارة المصطلح عليها، وكان قد جمع له القطب النيسابوري (١٣) عقيدة، فكان يَحْفَظها ويُحْفِظها مَنْ عَقَلَ من أولاده، وكان يحب سماع القرآن العظيم (١٤)، ويواظب على

стр. 6547

سماع الحديث، حتى إِنه سمع في بعض مصافّه جزءًا وهو بين الصفين ويتبجَّح (١) بذلك، ويقول: هذا موقف لم يسمع فيه أحد من قبله حديثًا (٢)، وكان ذلك بإِشارة العماد الكاتب. وكان رقيق القلب، سريع الدمعة عند سماع الحديث، وكثير (٣) التعظيم لشرائع الدين، وكان قد لجأ إِلى (٤) ولده الظاهر وهو بحلب شاب يقال له: الشهاب السهروردي (٥)، وكان يعرف الكيمياء وشيئًا من الشعبذة والأبواب النيرنجيات، فافتتن به ولده السلطان الظاهر وقرَّبه وأحبه (٦)، وخالف فيه حملة الشرع، فكتب إِليه أن يقتله لا محالة، فصلبه ولده عن أمر والده وشهَّره، ويقال: إِنه (٧) حبسه بين حيطين حتى مات كمدًا، وذلك في سنة ست وثمانين وخمسمئة، وكان السلطان صلاح الدين ﵀ من أشجع الناس وأقواهم بدنًا وقلبًا مع ما كان يعتري خمسمئة من الأمراض والأسقام، ولا سيما (٨) وهو مرابط مصابر مثابر عند عكا فإِنهم كانوا كلما كثرت جموعهم وتراكمت أمدادهم لا يزيده ذلك إِلا قوة وشهامة، وقد بلغت جموعهم خمسمئة ألف مقاتل، ويقال: ستمئة ألف، وكان جملة من قتل (٩) منهم مئة ألف مقاتل. ولما انفصل الحرب (١٠) وتسلموا عكا، وقتلوا أكثر من كان بها [من المسلمين] (١١)، ساروا برُمَّتهم إِلى بيت المقدس (١٢) فجعل يسايرهم منزلة منزلة، [ومرحلة مرحلة] (١٣)، وجيوشهم أضعاف أضعاف من معه، ومع هذا نصره الله وخذلهم، [وأيده وقتلهم] (١٤) وسبقهم إِلى بيت المقدس (١٥) فصانه وحماه منهم، وشيد بنيانه، وأطّد أركانه، وصان حماه، ولم يزل بجيشه مقيمًا به يرهبهم ويرعبهم ويغلبهم وشملبهم. ويكسرهم ويأسرهم حتى تضرعوا إِليه وخضعوا لديه، ودخلوا عليه، [أن يصالحهم

стр. 6548

ويباركهم] (١) وأن تضع الحرب أوزارها بينهم وبينه، فأجابهم إِلى ما سألوا على الوجه الذي أراده، لا على ما يريدونه، وكان ذلك من جملة الرحمة التي خص بها المؤمنون (٢)، فإِنه ما انقضت تلك السنون حتى ملك البلاد أخوه أبو بكر العادل، فعر به المسلمون وذُلَّ به الكافرون، وكان، ﵀، سخيًا [كريمًا حَييًّا] (٣) ضحوك الوجه كثير البشر، لا يتضجر من خير يفعله، شديد المصابرة والمثابرة على الخيرات والطاعات، فرحمه الله، وأسكنه الجنات. وقد ذكر الشيخ شهاب (٤) الدين أبو شامة طرفًا صالحًا من سيرته وأيامه، وعدله في سريرته وعلانيته وأحكامه. فصل وكان السلطان الملك الناصر صلاح الدين قد قسم البلاد بين أولاده: فالديار المصرية لولده العزيز عماد الدين عثمان أبي الفتح. وبلاد دمشق وما حولها لولده الأفضل نور الدين علي، وهو أكبر أولاده كلِّهم. والمملكة الحلبية لولده الظاهر غازي غياث الدين. ولأخيه العادل الكرك والشوبك وبلاد جعبر وبلدان كثيرة قاطع الفرات. وحماة ومعاملة أخرى معها للملك المنصور محمد بن (٥) تقي الدين عمر ابن أخي السلطان. وحمص والرحبة وغيرها لأسد الدين شيركوه (٦) بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه الكبير، الدين أخي أبيه نجم الدين أيوب ﵏. واليمن بمعاقله ومخاليفه جميعه في قبضة السلطان ظهير الدين سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، السلطان صلاح الدين. وبعلبك وأعمالها للأمجد بهرام شاه بن فرُّوخ شاه. وبصرى وأعمالها للظافر بن الناصر.

стр. 6549

ثم شرعت الأمور [بعد موت صلاح الدين] (١) تضطرب وتختلف وتتفاقم (٢) في جميع هذه الأحوال (٣)، حتى آل الأمر إِلى ما إِليه آل، واستقرت الممالك، واجتمعت المحافل (٤) على أخي السلطان العادل (٥)، وصارت المملكة في أولاده [الأماجد الأفاضل كما سنوضحه] (٦) إِن شاء الله تعالى. [وفي هذه السنة] (٧) جدد الخليفة الناصر لدين الله (٨) خزانة كتب المدرسة النظامية ببغداد، ونقل إِليها ألوفًا من الكتب الحسنة المثمنة. وجرت ببغداد في المحرم من هذه السنة (٩) كائنة غريبة وهي أن ابنة لرجل من التجار في الطحين عشقت (١٠) غلامَ أبيها، فلما علم أبوها بأمرهما طرد الغلامَ من داره، فواعدتْهُ البنتُ ذاتَ ليلة (١١) فجاء إِليها مختفيًا، فتركته في بعض الدار (١٢) ونزل في أثناء الليل [فقتل أباها مولاه] (١٣)، وأمرته الجارية بقتل أمها فقتلها وهي حبلى، وأعطته الجارية حليًا بقيمة ألفي دينار، فأصبح أمره عند الشرطة فمُسك وقُتل، فبّحه الله وإِياها. وقد كان سيده من خيار الناس وأكثرهم صدقة وبِرًّا وكا (١٤) شابًا وضيء الوجه، ﵀. وفيها: درَّس بالمدرسة الجديدة عند قبر معروف الكرخي الشيخ أبو عبد الله بن أبي علي النُّوقاني (١٥) وحضر عنده القضاة والأعيان، وعمل بها دعوة حافلة.

стр. 6550

وممن توفي فيها من الأعيان: السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب (١) ابن شاذي: [وقد تقدم ذلك مبسوطًا] (٢). والأمير بكتمر (٣) صاحب خلاط: قتل في هذه السنة، وكان من خيار الملوك وأشجعهم وأكرمهم وأحسنهم سيرة ﵀. الأتابك عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي (٤): صاحب الموصل نحوًا من ثلاث عشرة سنة، وكان من خيار الملوك، وأحسنهم سيرة، كان يُشبَّه (٥) بالملك العادل نور الدين الشهيد عمه ﵀، ودفن بتربته عند مدرسة أنشأها بالموصل أثابه الله تعالى. جعفر بن محمد بن فطيرا، أبو الحسن: أحد الكتَّاب بالعراق، وكأنه (٦) كان ينسب إِلى التشيع، وهذا كثير في أهل تلك البلاد [لا كثَّر الله في المسلمين أمثالهم ولا أشكالهم] (٧)، جاء (٨) رجل ذات يوم، فقال له: رأيت البارحة أمير المؤمنين عليًا (٩) [في المنام] (١٠) [وهو يقول لي] (١١): اذهب إِلى ابن فطيرا فقل له يعطيك عشرة دنانير، فقال ابن فطيرا: متى رأيته؟ فقال: أول الليل، فقال ابن فطيرا: فأنا رأيته آخر (١٢) فقال لي: إِذا جاءك رجل من صفته كذا وكذا فطلب منك شيئًا، فلا تعطه، فأدبر الرجل
следующие страницы →