← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

١٦ - ثم عماد (١) الدين شادي لأم ولده. ١٧ - ونصر (٢) الدين مرواد (٣) لأم ولد أيضًا. وأما البنت فهي مؤنسة خاتون تزوجها ابن عمها الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر ابن أيوب رحمهم الله تعالى (٤). وإِنما لم يخفف أموالًا ولا أملاكًا لكثرة عطاياه وهباته وصدقاته وإِحسانه إِلى أمرائه ووزرائه وأوليائه، حتى إِلى أعدائه، وقد أسلفنا ما يدل على كثير من ذلك ﵀ (٥)، وقد كان متقلِّلًا في ملبسه، ومأكله، ومشربه (٦)، ومركبه، فلا يلبس إِلا الكتان والقطن (٧)، والصوف ولا يعرف أنه تخطى مكروهًا بعد أن أنعم الله عليه بالملك، بل كان همه الأكبر ومقصده الأعظم نصرة الإسلام، وكسر الأعداء اللئام (٨)، وكان يُعمل فكر (٩) في ذلك ورأيه وحده، ومع من يثق برأيه ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، هذا مع ما لديه من الفضائل والفواضل، والفوائد، والفرائد، في اللغة والأدب وأيام الناس، حتى قيل: إِنه كان يحفظ الحماسة بتمامها وختامها، وكان مواظبًا على الصلوات في أوقاتها في جماعة (١٠)، ويقال: إِنه لم تفته الجماعة في صلاة قبل وفاته بدهر طويل، حتى في مرض (١١) موته كان يدخل الإمام فيصلّي به، ويتجشَّم (١٢) القيام مع ضعفه ﵀، وكان يفهم ما يقال بين يديه من البحث والمناظرة. ويشارك في ذلك مشاركة قريبة حسنة، وإِن لم يكن بالعبارة المصطلح عليها، وكان قد جمع له القطب النيسابوري (١٣) عقيدة، فكان يَحْفَظها ويُحْفِظها مَنْ عَقَلَ من أولاده، وكان يحب سماع القرآن العظيم (١٤)، ويواظب على

стр. 6547

سماع الحديث، حتى إِنه سمع في بعض مصافّه جزءًا وهو بين الصفين ويتبجَّح (١) بذلك، ويقول: هذا موقف لم يسمع فيه أحد من قبله حديثًا (٢)، وكان ذلك بإِشارة العماد الكاتب. وكان رقيق القلب، سريع الدمعة عند سماع الحديث، وكثير (٣) التعظيم لشرائع الدين، وكان قد لجأ إِلى (٤) ولده الظاهر وهو بحلب شاب يقال له: الشهاب السهروردي (٥)، وكان يعرف الكيمياء وشيئًا من الشعبذة والأبواب النيرنجيات، فافتتن به ولده السلطان الظاهر وقرَّبه وأحبه (٦)، وخالف فيه حملة الشرع، فكتب إِليه أن يقتله لا محالة، فصلبه ولده عن أمر والده وشهَّره، ويقال: إِنه (٧) حبسه بين حيطين حتى مات كمدًا، وذلك في سنة ست وثمانين وخمسمئة، وكان السلطان صلاح الدين ﵀ من أشجع الناس وأقواهم بدنًا وقلبًا مع ما كان يعتري خمسمئة من الأمراض والأسقام، ولا سيما (٨) وهو مرابط مصابر مثابر عند عكا فإِنهم كانوا كلما كثرت جموعهم وتراكمت أمدادهم لا يزيده ذلك إِلا قوة وشهامة، وقد بلغت جموعهم خمسمئة ألف مقاتل، ويقال: ستمئة ألف، وكان جملة من قتل (٩) منهم مئة ألف مقاتل. ولما انفصل الحرب (١٠) وتسلموا عكا، وقتلوا أكثر من كان بها [من المسلمين] (١١)، ساروا برُمَّتهم إِلى بيت المقدس (١٢) فجعل يسايرهم منزلة منزلة، [ومرحلة مرحلة] (١٣)، وجيوشهم أضعاف أضعاف من معه، ومع هذا نصره الله وخذلهم، [وأيده وقتلهم] (١٤) وسبقهم إِلى بيت المقدس (١٥) فصانه وحماه منهم، وشيد بنيانه، وأطّد أركانه، وصان حماه، ولم يزل بجيشه مقيمًا به يرهبهم ويرعبهم ويغلبهم وشملبهم. ويكسرهم ويأسرهم حتى تضرعوا إِليه وخضعوا لديه، ودخلوا عليه، [أن يصالحهم

стр. 6548

ويباركهم] (١) وأن تضع الحرب أوزارها بينهم وبينه، فأجابهم إِلى ما سألوا على الوجه الذي أراده، لا على ما يريدونه، وكان ذلك من جملة الرحمة التي خص بها المؤمنون (٢)، فإِنه ما انقضت تلك السنون حتى ملك البلاد أخوه أبو بكر العادل، فعر به المسلمون وذُلَّ به الكافرون، وكان، ﵀، سخيًا [كريمًا حَييًّا] (٣) ضحوك الوجه كثير البشر، لا يتضجر من خير يفعله، شديد المصابرة والمثابرة على الخيرات والطاعات، فرحمه الله، وأسكنه الجنات. وقد ذكر الشيخ شهاب (٤) الدين أبو شامة طرفًا صالحًا من سيرته وأيامه، وعدله في سريرته وعلانيته وأحكامه. فصل وكان السلطان الملك الناصر صلاح الدين قد قسم البلاد بين أولاده: فالديار المصرية لولده العزيز عماد الدين عثمان أبي الفتح. وبلاد دمشق وما حولها لولده الأفضل نور الدين علي، وهو أكبر أولاده كلِّهم. والمملكة الحلبية لولده الظاهر غازي غياث الدين. ولأخيه العادل الكرك والشوبك وبلاد جعبر وبلدان كثيرة قاطع الفرات. وحماة ومعاملة أخرى معها للملك المنصور محمد بن (٥) تقي الدين عمر ابن أخي السلطان. وحمص والرحبة وغيرها لأسد الدين شيركوه (٦) بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه الكبير، الدين أخي أبيه نجم الدين أيوب ﵏. واليمن بمعاقله ومخاليفه جميعه في قبضة السلطان ظهير الدين سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، السلطان صلاح الدين. وبعلبك وأعمالها للأمجد بهرام شاه بن فرُّوخ شاه. وبصرى وأعمالها للظافر بن الناصر.

стр. 6549

ثم شرعت الأمور [بعد موت صلاح الدين] (١) تضطرب وتختلف وتتفاقم (٢) في جميع هذه الأحوال (٣)، حتى آل الأمر إِلى ما إِليه آل، واستقرت الممالك، واجتمعت المحافل (٤) على أخي السلطان العادل (٥)، وصارت المملكة في أولاده [الأماجد الأفاضل كما سنوضحه] (٦) إِن شاء الله تعالى. [وفي هذه السنة] (٧) جدد الخليفة الناصر لدين الله (٨) خزانة كتب المدرسة النظامية ببغداد، ونقل إِليها ألوفًا من الكتب الحسنة المثمنة. وجرت ببغداد في المحرم من هذه السنة (٩) كائنة غريبة وهي أن ابنة لرجل من التجار في الطحين عشقت (١٠) غلامَ أبيها، فلما علم أبوها بأمرهما طرد الغلامَ من داره، فواعدتْهُ البنتُ ذاتَ ليلة (١١) فجاء إِليها مختفيًا، فتركته في بعض الدار (١٢) ونزل في أثناء الليل [فقتل أباها مولاه] (١٣)، وأمرته الجارية بقتل أمها فقتلها وهي حبلى، وأعطته الجارية حليًا بقيمة ألفي دينار، فأصبح أمره عند الشرطة فمُسك وقُتل، فبّحه الله وإِياها. وقد كان سيده من خيار الناس وأكثرهم صدقة وبِرًّا وكا (١٤) شابًا وضيء الوجه، ﵀. وفيها: درَّس بالمدرسة الجديدة عند قبر معروف الكرخي الشيخ أبو عبد الله بن أبي علي النُّوقاني (١٥) وحضر عنده القضاة والأعيان، وعمل بها دعوة حافلة.

стр. 6550

وممن توفي فيها من الأعيان: السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب (١) ابن شاذي: [وقد تقدم ذلك مبسوطًا] (٢). والأمير بكتمر (٣) صاحب خلاط: قتل في هذه السنة، وكان من خيار الملوك وأشجعهم وأكرمهم وأحسنهم سيرة ﵀. الأتابك عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي (٤): صاحب الموصل نحوًا من ثلاث عشرة سنة، وكان من خيار الملوك، وأحسنهم سيرة، كان يُشبَّه (٥) بالملك العادل نور الدين الشهيد عمه ﵀، ودفن بتربته عند مدرسة أنشأها بالموصل أثابه الله تعالى. جعفر بن محمد بن فطيرا، أبو الحسن: أحد الكتَّاب بالعراق، وكأنه (٦) كان ينسب إِلى التشيع، وهذا كثير في أهل تلك البلاد [لا كثَّر الله في المسلمين أمثالهم ولا أشكالهم] (٧)، جاء (٨) رجل ذات يوم، فقال له: رأيت البارحة أمير المؤمنين عليًا (٩) [في المنام] (١٠) [وهو يقول لي] (١١): اذهب إِلى ابن فطيرا فقل له يعطيك عشرة دنانير، فقال ابن فطيرا: متى رأيته؟ فقال: أول الليل، فقال ابن فطيرا: فأنا رأيته آخر (١٢) فقال لي: إِذا جاءك رجل من صفته كذا وكذا فطلب منك شيئًا، فلا تعطه، فأدبر الرجل

стр. 6551

مولِّيًا، فاستدعاه ووهبه شيئًا، ومن شعره فيما أورده ابن الساعي وقد تقدمت (١) لغيره: [من الطويل] وَلَمَّا سَبَرْتُ النَاسَ أَطْلُبُ منهمُ … أخَا ثِقَةٍ عِندَ اعْتِراضِ الشَّدائدِ وفكَّرْتُ في يَوْمَيْ سُروري وشِدَّتي … ونَادَيْتُ في الأحياءِ هَلْ مِنْ مُساعدِ فَلَمْ أَرَفيما ساءَني غَيْرَ شَامِتٍ … وَلَمْ أَرَفِيما سَرَّنِي غَيْرَ حاسِدِ يحيى بن سعيد، أبو العباس البصري (٢) النصرانيُ (٣) صاحب المقامات (٤). كان شاعرًا أديبًا فاضلًا بليغًا، له اليد الطولى في اللغة والنظم، ومن شعره قوله: [من مخلّع السبيط] غِناؤُها (٥) يَنْسابُ لُطْفًا … بلا عَنا فىِ كل أُذْنِ ما رَدَّهُ قَطُ بابُ سَمْعٍ … وَلَا أَتَى زائِرًا بإِذْنِ السيدة زبيدة (٦) بنت الإمام المقتفي لأمر (٧) لله: أخت المستنجد وعمة المستضيء، كانت قد عُمِّرت دهرًا طويلًا، ولها صدقات كثيرة دارَّة، وقد تزوجها في وقتٍ السلطانُ مسعودٌ على صَداق مئة ألف دينار، فتوفي قبل أن يدخل بها، وقد كانت كارهة لذلك، فحصل مقصودها وطلبتها. الشيخة الصالحة فاطمة خاتون بنت محمد بن الحسين (٨) العميد: كانت صالحة عابدة زاهدة، عُمِّرت مئة سنة وست سنين، وكان قد تزوجها في وقت أمير الجيوش نظر (٩) وهي بِكْرٌ، فبقيت عنده إِلى أن توفي، ولم تتزوج بعده، بل اشتغلت بذكر الله والعبادة، رحمها الله.

стр. 6552

[وفي هذه السنة] (١) أنفذ الخليفة الناصر [لدين الله] (٢) العباسي إِلى الشيخ أبي الفرج بن الجوزي يطلب منه أن يزيد على أبيات عدي بن زيد المشهورة ما يناسبها من الأشعار (٣) ولو يلغ ذلك عشر (٤) وهي هذه الأبيات (٥): [من الخفيف] أَيُّها الشَّامِتُ المُعَيِّرُ بالدَّهْـ … ـرِ أَأَنْتَ المُبَرَّأُ المَوْفورُ أَمْ لَدَيْكَ العَهْدُ الوَثِيقُ مِنَ الأَيْـ … ـيَامٍ بَل (٦) أَنْتَ جَاهِلٌ مَغْرُورُ مَنْ رَأَيْتَ المَنونَ خَلَّدَنْ (٧) أَمْ مَنْ … ذَا عَليْهِ مِن أَنْ يُضامَ خَفيرُ أَيْنَ كِسْرى كِسرَى الملُوك أبو سا … سان (٨) أم أين قبله سابورُ وبنو الأصفر ملوك الرّ … ومِ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمُ مَذْكورُ وَأَخُو الحَضْرِ إِذْ بَناهُ وَإِذْ … دِجْلَةُ تُجْبَى إِلَيْهِ والخابورُ شَادَهُ مَرْ مَرًا وجَلَّلَهُ كِلْـ … ـسًا فَللطيْرِ في ذُراهُ وُكورُ لَمْ تَهَبْهُ أَيْدِي المَنونِ فزال (٩) الـ … ـمُلْكُ عَنْهُ فَبابُهُ مَهْجورُ وَتَذَكر (١٠) رَبَّ الخَوْرَنَقِ إِذْ أَشْـ … ـرَفَ يومًا وللهدى تفكيرُ (١١) سَرَّهُ حالهُ (١٢) وَكَثْرَةُ مَا يَمْـ … ـلِكُ والبَحْرُ مُعْرِضًا والسَّديرُ فَارْعَوَى قَلْبُهُ وَقا (١٣) وما غِبْـ … ـطَةُ حَيٍّ إِلى المماتِ يَصِيرُ ثُمَّ بَعْدَ النَّعِيم (١٤) والمُلْكِ والإمَّـ … ـه (١٥) وارَتْهُمُ هناكَ قُبورُ

стр. 6553

ثم أضْحَوْا (١) كَأَنَّهُم وَرَقٌ جَف (٢) … فَأَلْوَتْ بها (٣) الصَّبا والدَّبورُ غَيْرَ أَن الأيّامَ تَلْعَبْن (٤) بالمَرْ … ءِ وفيها لَعَمْري العِظاتُ والتَّفْكِيرُ (٥) ثم دخلت سنة تسعين وخمسمئة لما استقر الملك الأفضل بن صلاح الدين مكان أبيه بدمشق (٦)، بعث بهدايا سنية، فيها [تحف شريفة] (٧)، إِلى باب الخليفة الناصر، من ذلك سلاح أبيه وحصانه الذي كان يحضر عليه الغزوات (٨) وأشياء كثيرة، منها صليب الصلبوت الذي استلبه أبوه من الفرنج يوم حِطين (٩) وفيه من الذهب ما ينيف على عشرين رطلًا، وهو مرصَّع (١٠) بالجواهر النفيسه (١١)، وأربع جواري من بنات ملوك الفرنج، وأنشأ له العماد الكاتب كتابًا حافلًا يذكر فيه التعزية بأبيه، والسؤال من الخليفة أن يكون في الملك من بعده (١٢) فأجيب إِلى ذلك. ولما كان شهر جمادى الأولى (١٣) قدم العزيز (١٤) صاحب مصر (١٥) إِلى دمشق ليأخذها من أخيه الأفضل، فخيَّم على الكسوة يوم السبت سادس جمادى، وحاصر البلد، فمانعه أخوه ودافعه عنها، فقطعت (١٦) الأنهار، ونهبت الثمار، واشتد الحال، ولم يزل الأمر كذلك حتى قدم العادل عمهما فأصلح

стр. 6554

بينهما (١) وردَّ الأمر للألفة بعد البين (٢) على أن يكون للعزيز القدس (٣) وما جاور فلسطين من ناحيته أيضًا، وعلى أن يكون جبلة واللاذليهّ للظاهر صاحب حلب، وأن يكون لعمهما العادل أقطاعه الأول ببلاد مصر مضافًا إِلى ما بيده من الشام (٤) والجزيرة كحزان والرُّها وجَعْبَر وما جاور ذلك (٥)، فاتفقوا على ذلك، وتزوج العزيز بابنة عمه العادل، ومرض ثم عوفي، وهو مخيِّم بمرج الصُّفر، وخرجت الملوك لتهنئته بالعافية والتزويج والصلح، ثم كر راجعًا إِلى مصر (٦) لطول شوقه إِلى أهله وأولاده، وكان الأفضل بعد موت أبيه قد أساء التدبير، فأبعد أمراء أبيه وخواصه، وقرَّب الأجانب، وأقبل على شرب المسكر واللهو واللعب، واستحوذ عليه وزيره ضياء الدين ابن الأثير الجزري (٧)، وهو الذي كان يحدوه على (٨) ذلك، فتلف وأتلفه، وضل وأضله، وزالت النِّعمة عنهما كما سيأتي بيانه. وفي هذه السنة كانت وقعة عظيمة بين شهاب الدين (٩) ملك غزنة وبين كفار الهند، أقبلوا إِليه في ألف ألف مقاتل، ومعهم سبعمئة فيل، منها فيل أبيض لم ير مثله، فالتقوا فاقتتلوا قتالًا شديدًا لم يُرَ مثله، فهزمهم شهاب الدين عند نهر عظيم يقال له: الملَّاحون، وقتل ملكهم واستحوذ على حواصله، وحواصل بلاده وغنم فيلتهم ودخل بلد الملك الكبرى، فحمل من خزانته ذهبًا وغيره على ألف وأربعمئة جمل، ثم عاد إِلى بلد (١٠) سالمًا منصورًا. وفيها: ملك السلطان خوارزم شاه تكش -ويقال له: ابن الأصباغي (١١) - بلاد الرّيّ وغيرها، واصطلح مع (١٢) السلطان طغرلبك (١٣) السلجوقي وكان [قد تسلم بلاد الري وسائر] (١٤) مملكة أخيه

стр. 6555

سلطان شاه وخزائنه، وعظم شأنه، ثم التقى هو والسلطان طغرلبك في ربيع الأول من هذه السنة. فقتل السلطان طغرلبك، وأرسل رأسه إلى الخليفة، فنُصب (١) على باب النوبة عدة أيام، وأرسل الخليفة الخلع والتقليد إِلى السلطان خوارزم شاه، وملك همذان (٢) وغيرها من البلاد المتَّسعة. وفيها: نقم الخليفة على الشيخ أبي الفرج بن (٣) الجوزي وغضب (٤) عليه، ونفاه إِلى واسط فمكث فيها (٥) خمسة أيام لم يأكل طعامًا (٦)، وأقام بها خمسة أعوام يخدم نفسه ويستقى (٧) لنفسه الماء، وكان شيخًا كبيرًا قد بلغ ثمانين (٨) سنة، وكان يتلو في كل يوم وليلة ختمة. قال: ولم أقرأ (٩) فيها سورة يوسف لوجدي على ولدي يوسف، إِلى أن فرَّج الله عنه كما سيأتي بيانه إِن شاء الله تعالى (١٠). وفيها توفي من الأعيان (١١): أحمد بن إِسماعيل بن يوسف أبو الخير القزويني الشافعي المفسّر (١٢): قدم بغداد ووعظ بالنظامية، وكان يذهب إِلى قول الأشعري في الأصول، وجلس في يوم عاشوراء، فقيل له: العن يزيد بن معاوية، فقال: ذاك إِمام مجتهد، فرماه الناس بالآجر فاختفى ثم هرب إِلى قزوين. الشاطبي (١٣) ناظم الشاطبية (١٤) أبو القاسم بن فِيرّة (١٥) بن أبي القاسم خلف بن أحمد الرُّعَيْني الشاطبي

стр. 6556

الضرير: مصنف الشاطبية (١) في القراءات السبع، ولم (٢) يُسبق إِليها ولا يُلحق فيها، وفيها من الرموز كنوز لا يهتدي إِليها إِلا كل ناقد بصير، هذا مع أنه ضرير، ولد سنة ثمان وثلاثين وخمسمئة، وبلده شاطبية- قرية (٣) شرقي الأندلس -كان فقيرًا، وقد أُريد على أن يلي خطابة بلده فامتنع [من ذلك لأجل مبالغة الخطباء على المنابر] (٤) في وصف الملوك، خرج الشاطبي إِلى الحج فقدم إِسكندرية (٥) سنة ثنتين وسبعين وخمسمئة، وسمع على السِّلفي الحافظ، وولّاه القاضي الفاضل مشيخة الإقراء بمدرسته، وزار القدس الشريف وصام به شهر رمضان، ثم رجع إِلى القاهرة، فكانت وفاته بها في جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن بالقرافة بالقرب من التربة الفاضلية، وكان ديّنًا خاشعًا ناسكًا كثير الوقار، لا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان يِتمثل كثيرًا بهذه الأبيات، وهي لغز في النعش، وهي لغيره: [من الطويل] أَتَعْرِفُ شَيْئًا فِي السَّماءِ يَطيرُ … إِذا سَارَ هاج (٦) الناسُ حَيْثُ يَسِيرُ فَتَلْقاهُ مَرْكُوبًا وتَلْقَاهُ راكبًا … وَكُلُّ أميرٍ يَعْتَلِيهِ أَسيرُ يَحُثُّ عَلَى التَّقْوَى ويُكْرَهُ قُرْبُهُ … وَتَنْفِرُ مِنْهُ النَّفْسُ وَهْوَ نَذيرُ وَلَمْ يُسْتَزَرْ عَنْ رَغْبَةٍ في زيارةٍ … وَلكِنْ عَلَى رَغْمِ المَزُورِ يَزُورُ ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وخمسمئة [فيها كانت] (٧) وقعة الزلَّاقَة ببلاد الأندلس شمالي قرطبة، بمرج الحديد، كانت وقعة عظيمة، نصر الله فيها الإسلام، وخذل فيها عبدة الصلبان. وذلك أن ألْفُنْش (٨) ملك الفرنج ببلاد الأندلس، ومقرُّ (٩) ملكه بمدينة طليطلة، كتب إِلى الأمير يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن (١٠) ملك الغرب يستنخيه

стр. 6557

ويستدعية (١)، ويستحثُّه إِليه، ليكون من بعض من يخضع له في مثالبه وفي قتاله (٢)، في كلام طويل فيه تأنيب وتهديد، ووعيد شديد، فكتب السلطان يعقوب [أمير المسلمين] (٣) في رأس (٤) كتابه فوق خطه: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧]. ثم نهض من فوره في جنوده وعساكره، حتى قطع الزقاق (٥) إِلى الأندلس، فالتقوا في المحل المذكو (٦)، فكانت الدائرة أولًا على المسلمين، فقتل منهم عشرون ألفًا، ثم كانت آخرًا (٧) على الكافرين، فهزمهم الله وكسرهم وخذلهم أقبح كسرة وشر هزيمة وأشنعها، فقتل منهم مئة الف وثلاثة وأربعون ألفًا، وأسر منهم ثلاثة عشر ألفًا. وغنم المسلمون منهم شيئًا كثيرًا، من ذلك مئة ألف خيمة وثلاثة وأربعون ألف (٨) خيمة، ومن الخيل ستة وأربعون ألف فرس، ومن البغال مئة ألف بغل، ومن الحمر مثلها، ومن السلاح التام سبعون ألفًا، ومن العدد شيء كثير، وملك عليهم من حصونهم شيئًا (٩) كثيرًا، وحاصر مدينتهم طليطلة مدة، ثم لم يفتحها فانفصل عنها راجعًا إِلى بلاده. ولما حصل (١٠) للفنش ما حصل حلق رأسه ولحيتة (١١)، ونكس صليبه، وركب حمارًا، وحلف لا يركب فرسًا، ولا يتلذذ بطعام (١٢) ولا ينام مع امرأة حتى تنصره النصرانية، ثم طاف على ملوك الفرنج فجمع (١٣) من الجنود ما لا يعلمه إِلا الله . فاستعدّ له السلطان يعقوب فالتقيا فاقتتلا (١٤) قتالًا عظيمًا لم يسمع بمثله، فانهزم الفرنج أقبح من

стр. 6558

هزيمتهم الأولى، وغنموا منهم نظير ما تقدم أو أكثر (١)، واستحوذ السلطان على كثير من معاقلهم (٢) وقلاعهم، ولله الحمد والمنة. حتى قيل: إِنه بيع (٣) الأسير بدرهم، والحصان بخمسة دراهم، والخيمة بدرهم، والسيف بدون ذلك، ثم قسم السلطان (٤) هذه الغنائم على الوجه الشرعي، فاستغنى المجاهدون إِلى الأبد. ثم طلبت الفرنج [من السلطان] (٥) الأمان فهادنهم على وضع الحرب خمس سنين، وإِنما حمله على ذلك أن رجلًا يقال له: علي بن إِسحاق الميورقي (٦) [الذي يقال له] (٧) الملثَّم (٨)، ظهر ببلاد إِفريقية، فأحدث أمورًا فظيعة في غيبة السلطان واشتغاله بقتال الفرنج مدة ثلاث سنين، فأحدث هذا المارق الميورقي بالبادية حوادث، وعاث في الأرض فسادًا، وقتل خلقًا كثيرًا، وتملك بلادًا. وفي هذه السنة والتي قبلها استحوذ جيش الخليفة [على كثير من] (٩) بلاد الرَّي وأصبهان وهمذان (١٠) وخوزستان وغيرها من البلاد، وقوي جانب الخلافة (١١) على الملوك والممالك (١٢). وفيها: خرج العزيز من مصر قاصدًا دمشق ليأخذها من يد أخيه الأفضل، وكان الأفضل قد تاب وأناب وأقلع عما كان فيه من الشراب واللهو واللعب، وأقبل على الصيام والصلاة (١٣)، وشرع بكتابة مصحف بيده وحسنت طريقته، غير أن وزيره الضياء (١٤) الجزري يفسد عليه دولته ويكدِّر عليه صفوته، فلما بلغ الأفضل إِقبال أخيه نحوه سار سريعًا إِلى عمه العادل وهو بجعبر فاستنجده، فسار معه وسبقه إِلى

стр. 6559

دمشق. وراح الأفضل أيضًا إِلى أخيه الظاهر بحلب، فسارا جميعًا نحو دمشق، فلما سمع الوزير بذلك، وقد اقترب من دمشق، كرّ (١) راجعًا سريعًا (٢) إِلى مصر، وركب وراءه العادل والأفضل ليأخذا منه مصر (٣)، وقد اتفقا على أن يكون ثلث ملك مصر للعادل، وثلثاها للأفضل، ثم بدا للعادل في ذلك فأرسل للعزيز يثبته، وأقبل على الأفضل يثبِّطه، وأقاما على بلبيس أيامًا حتى خرج إِليهما القاضي الفاضل من جهة العزيز، فوقع الصلح بينهم (٤) على أن يرجع القدس ومعاملتها للأفضل، ويستقر العادل مقيمًا بمصر على إِقطاعه القديم (٥)، فأقام العادل بها طمعًا فيها، ورجع الأفضل (٦) إِلى دمشق (٧) بعد ما خرج العزيز لتوديعه، وهي هدنة على أقذاء (٨)، وصلح على دخن. وفيها توفي من الأعيان (٩): علي بن حسان بن مسافر (١٠)، أبو الحسن الكاتب البغدادي (١١): كان أديبًا شاعرًا، فمن (١٢) شعره قوله: [من مجزوء الرجز] نَفَى رُقادي ومَضَى … بَرْقٌ بِسَلْعٍ وَمَضا

стр. 6560

لاح كما سَلَّتْ (١) يدُ الـ … ـأسْوَدِ عَضْبًا أَبْيَضا كَأَنَّهُ الأَشْهَبُ في النَّـ … ـقْعِ إِذا ما رَكضا يَبْدو كما يختلف (٢) الرّ … يح على جَمْرِالغَضَا فَتَحْسَبُ الزّنْجيَّ (٣) أَبـ … ـدَا نَظرًا أو غَمَّضا أَوْ شُعْلَةَ النّار علا … لَهِيبُها وانخفضا آهٍ لَهُ مِنْ بارقٍ … ضَاءَ على ذاتِ الأضا أَذْكَرني عهدًا مَضَى … على الغوير وانْقَضَى فقال لي قَلْبي أَتُو … صي (٤) حاجَةً وَأَعْرَضا يطلبُ (٥) مَنْ أَمْرَضَهُ … فَديت ذاك المُمْرِضا يا غرضَ القَلْبِ لَقَدْ … غَادَرْتَ قَلْبي غَرَضا لأَسْهُمٍ كَأَنَّما … يُرْسِلُها (٦) صَرْفُ القَضَا فَبِتُّ لا أرتابُ في … أَنَّ رُقادي قَدْ قَضَى حتَّى قَفا الليلٌ (٧) وكا … دَ اللَّيلُ أنْ يَنْقَرِضا وأقبلَ الصُّبْحُ لأطْـ … ـرافِ الدُّجا مُبَيَّضا وَسَلَّ في الشَّرقِ على الـ … ـغربِ ضياء (٨) وانتضى (٩) كالبازِ (١٠) هَبَّ سحَرًا … مِنْ نَوْمِه فانْتَفَضَا ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين وخمسمئة في رجب منها أقبل العزيز من مصر صحبة عمه العادل في العساكر، فدخلا (١١) دمشق قهرًا وأخرجا

стр. 6561

منها الأفضل ووزيره الذي أساء تدبيره، وصلى العزيز عند تربة والده صلاح الدين (١) وخُطب له بدمشق [وقد دخل في هذا اليوم إِلى] (٢) القلعة المنصورة في يومه (٣) وجلس في دار العدل للحُكم والفصل، وكل (٤) هذا وأخوه الأفضل حاضر عنده في الخدمة، وأمر القاضي محيي الدين بن الزكي (٥) بتأسيس المدرسة (٦) العزيزية (٧) إِلى جانب تربة أبيه وكانت دارًا (٨) للأمير عز الدين سامة (٩)، ثم استناب على دمشق عمه الملك العادل ورجع إِلى مصر (١٠) يوم الإثنين تاسع شوال، والسكة والخطبة بدمشق له، وصولح الأفضل على صرخد، وهرب وزيره ابن الأثير الجزري إِلى جزيرته، وقد أتلف نفسه ومَلكه ومُلكه بجريرته (١١)، وانتقل الأفضل إِلى صرخد بأهله وأولاده، وأخيه قطب الدين. وفي هذه السنة هبت ريح شديدة (١٢) سوداء مدلهمَّة بأرض العراق ومعها رمل أحمر، حتى احتاج الناس إِلى السُّرُج (١٣) بالنهار. وفيها: ولي قوام الدين أبو طالب يحيى بن سعد بن زبادة (١٤) كتابة (١٥) الإنشاء ببغداد، وكان فاضلًا ولكن لا كالفاضل (١٦).

стр. 6562

وفيها: درَّس مجير الدين (١) أبو القاسم محمود بن المبارك البغدادي (٢) بالنظامية، وكان فاضلًا بارعًا مناظرًا، وفي هذه السنة توفي ﵀. وفيها: قتل رئيس الشافعية بأصبهان صدر الدين محمود (٣) بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت الخجندي (٤) قتله فلك (٥) الدين سنقر الطويل، وكان ذلك سبب زوال ملك أصبهان عن الديوان. [مؤيد الدولة أبو الفضل محمد بن علي بن القصاب] (٦): وفيها: مات الوزير وزير الخلافة مؤيد الدين أبو الفضل محمد بن علي بن القصاب. وكان أبوه يبيع اللحم في بعض (٧) أسواق بغداد، فتقدم ابنه وساد أهل زمانه. توفي (٨) بهمذان، وقد أعاد رساتيق كثيرة من بلاد العراق وخراسان وغيرها (٩) إِلى ديوان الخلافة، وكان ناهضًا ذا همة عالية وله صرامة وشعر جيد. [محمد بن أبي علي النوقاني الشافعي] (١٠):

стр. 6563

وفيها: توفي الفخر محمد بن أبي علي النوقاني الشافعي، عائدًا من الحج، ﵀. والشاعر أبو الغنائم محمد بن علي بن المعلم الهَرْثي (١): وهُرْث: من قرى (٢) واسط عن إِحدى وتسعين سنة، وكان شاعرًا فصيحًا بليغًا ماهرًا، وكان ابن الجوزي في مجالسه يستشهد بشيء من لطائف أشعاره [ومستجاد ابتكاره] (٣)، وقد أورد ابن الساعي قطعة (٤) جيدة من شعره الحسن المليح. [علي بن سعيد بن الحسن البغدادي] (٥): وفيها: توفي الفقيه أبو الحسن علي بن سعيد بن الحسن البغدادي المعروف بابن العريف، ويلقب بالبيع الفاسد، كان حنبليًا ثم اشتغل شافعيًا على أبي القاسم بن فضلان (٦)، وهو الذي لقَّبه بذلك لكثرة تكراره على هذه المسألة بين الشافعية والحنفية، ويقال: إِنه صار بعد هذا كله إِلى مذهب الإمامية، فالله (٧) أعلم. [الشيخ أبو شجاع (٨) محمد بن علي بن شعيب (٩) بن الدهان الفرضي الحاسب] (١٠):

стр. 6564

وفيها: توفي الشيخ أبو شجاع محمد بن علي بن شعيب بن الدهان الفرضي الحاسب المؤرخ البغدادي. قدم دمشق وامتدح الشيخ (١) الكندي أبا (٢) اليمن زيد بن الحسن فقال (٣): [من البسيط] يا زَيْدُ زادَكَ رَبِّي مِنْ مَواهِبِهِ … نِعَمًا يُقَصِّرُ عَنْ إِدْرَاكِها الأَمَلُ لَا بَدَّلَ اللهُ حالًا قَدْ حَبَاكَ بها … ما دَارَ بَيْنَ النُّحَاةِ الحالُ والبَدَلُ النَّحْوُ أَنْتَ أَحَقُّ العَالمينَ بهِ … أَلَيْسَ باسْمِكَ فيهِ يُضْرَبُ المَثَلُ (٤) ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وخمسمئة فيها: ورد كتاب من القاضي الفاضل إِلى [القاضي محيي الدين] (٥) بن الزكي يخبره فيه: أن في ليلة الجمعة التاسع من جمادى الآخرة أتى عارض فيه ظلمات متكاثفة، وبروق خاطفة، ورياح عاصفة، فقوي الجو (٦) بها، واشتد هبوبها، فتدافعت (٧) لها أعنَّة مطلقات، وارتفعت لها صعقات (٨)، فرجفت لها الجدران واصطفقت، وتلاقت على بُعدها واعتنقت، وثار بين السماء والأرض [عجاج، فقيل: لعل هذه] (٩) على هذه قد انطبقت، ولا تحسب (١٠) إِلا أن جهنم قد سال منها واد، وعدا (١١) منها عاد، وزاد عصف الريح إِلى أن أَطفأتْ سُرُجَ النُّجوم، ومزَّقت أديم السماء، ومحت ما فوقه من الرقوم، فكنا كما قال تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ [البقرة: ١٩] قلنا: ويردّون أيديهم على أعينهم من البوارق، لا عاصم لخطف الأبصار، ولا ملجأ من الخطب إِلا معاقل الاستغفار، وفرَّ الناس نساءً ورجالًا وأطفالًا، ونفروا من دورهم خفافًا وثقالًا، لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون

стр. 6565

سبيلًا، فاعتصموا بالمساجد الجامعة، وأذعنوا للنازلة بأعناق خاضعة، بوجوه عانية، ونفوس عن الأهل والمال سالية (١)، ينظرون من طرف خفي، ويتوقَّعون أي خطب جلي، قد انقطعت من الحياة علقهم (٢)، وعميت عن النجاة طرقهم، ووقعت الفكرة فيما هم عليه قادمون، وقاموا إِلى (٣) صلاتهم، وودُّوا لو كانوا (٤) من الذين هم (٥) عليه دائمون، إِلى أن أذن الله بالرُّكود، وأسعف الهاجدين (٦) بالهجود، فأصبح كلٌّ يسلِّم (٧) على (٨) رفيقه ويهنيه بسلامة طريقه، ويرى أنه قد بُعث بعد النفخة، وأفاق بعد الصيحة والصرخة، وأن الله قد رد له الكرة، وأحياه بعد أن كاد يأخذه على غِرة (٩)، ووردت الأخبار بأنها قد (١٠) كسرت المراكب في البحار، والأشجار في القفار، وأتلفت خلقًا كثيرًا من السفَّار، ومنهم (١١) من فرّ فلم (١٢) ينفعه الفرار. إِلى أن قال: ولا يحسب المجلس أني أرسلت القلم مُحَرَّفًا، والعلم مُجَوَّفًا، فالأمر أعظم، ولكن الله سلَّم، ونرجو أن الله قد أيقظنا بما به وعظنا، ونبهنا بما فيه ولهنا، فما من عباده من (١٣) رأى القيامة عيانًا، ولم يلتمس عليها من بعد (١٤) ذلك برهانًا، إِلا أهل بلدنا، فما قص الأولون مثلها في المثلات، ولا سبقت لها سابقة في المعضلات، والحمد لله الذي من فضله قد جعلنا نخبر عنها، ولا يُخْبَر عنَّا، ونسأل الله أن يصرف عنا عارض الحرص والغرور، ولا يجعلنا من أهل الهلاك والثبور. وفيها (١٥): كتب القاضي الفاضل من مصر (١٦) إِلى الملك العادل بدمشق يحثُّه على قتال الفرنج،

стр. 6566

ويشكره على ما هو بصدده من محاربتهم، وحفظ حوزة الإسلام، فمن ذلك قوله في بعض تلك الكتب إليه: هذه الأوقات التي أنتم فيها عرائس الأعمار، وهذه النفقات التي تجري على أيديكم مهور الحور في دار القرار، وما أسعد من أودع يد الله ما في يديه، فتلك نعم الله عليه، وتوفيقه الذي ما كل من طلبه وصل إِليه، وسواد العجاج في هذه المواقف بباطن ما سودته الذنوب من الصحائف فما أسعد تلك الوقَفات (١)، وما أعود بالطمأنينة تلك الرَّجَفات (٢). وكتب إِليه (٣) أيضًا: أدام الله ذلك الاسم تاجًا على مفارق المنابر والطُّروس، وحياة للدنيا وما فيها من الأجساد والنفوس، وعرف المملوك ما عرفه من الأمر الذي اقتضته المشاهدة، وجرت به العاقبة في بيروت (٤)، ولا مزيد على تشبيه (٥) الحال بقوله: [من الطويل] أَلَمْ تَرَ أَنَّ المَرْءَ تَدْوَى (٦) يَمينُهُ … فَيَقْطَعها عَمْدًا ليَسْلَمَ سائِرُهْ ولو كان فيها تدبير لكان مولانا سبق إِليه، ومن قَلَّم من الإصبع ظفرًا، ففد جلب إِلى الجسد بفعله نفعًا، ودفع عنه ضررًا: [الكامل] وَتَجَشُّمُ المَكْرُوهِ لَيْسَ بِضَائِرٍ … ما خِلْتُهُ (٧) سَببًا إِلى المَحْمودِ وآخر كل شقوة (٨) أول كل غزوة، فلا يسأم مولانا نية الرباط وفعلها، وتجشم الكلف وحملها، فهو إِذا صرف وجهه إِلى وجه واحد وهو وجه الله. صرف الله (٩) إِليه الوجوه كلها ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وفي هذه السنة انقضت مدة الهدنة التي كان عقدها (١٠) الملك صلاح الدين ﵀ للفرنج (١١)

стр. 6567

فأقبلوا بقَضّهم وقضيضهم وحدهم وحديدهم، فالتقاهم (١) الملك العادل أبو بكر بمرج عكا فكسرهم وغنمهم، وفتح يافا عنوة ولله الحمد والمنة. وقد كانوا كتبوا إِلى ملك الألمان يستنهضونه لفتح بيت المقدس، فقدر الله هلاكه سريعًا، والحمد لله كثيرًا. وأخذت الفرنج في هذه السنة بيروت من يد نائبها عز الدين سامة (٢) من غير قتال ولا نزال، ولهذا قال بعض الشعراء في الأمير سامة: [من الخفيف] (٣) سَلِّمِ الحِصْنَ ما عَلَيْكَ مَلامَهْ … ما يُلامُ الَّذي يريد السَّلامَهْ فَعَطَاءُ (٤) الحُصونِ من غَيْرِ حَرْبٍ … سُنَّةٌ سَنَّها بِبَيْروتَ سامَهْ ومات فيها ملك الفرنج كندهري، سقط من شاهق فمات، فبقيت الفرنج كالغنم بلا راعٍ، حتى ملكوا عليهم صاحب قبرس وزوّجوه بالملكة امرأة كندهري، وجرت خطوب كثيرة بينهم وبين العادل [أبي بكر بن أيوب] (٥). ففي كلها يستظهر عليهم ويكسرهم، ويقتل خلقًا من مقاتلتهم، ولله الحمد، ولم يزالوا كذلك معه حتى طلبوا الصلح والمهادنة، فعاقدهم على ذلك في السنة الآتية كما سيأتي. [سيف الإسلام طغتكين بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين] (٦): فيها (٧): توفي ملك اليمن سيف الإسلام طُغْتِكين بن أيوب [أخو السلطان صلاح الدين] (٨) بزَبيد وكان قد جمع أموالًا جزيلة جدًا، وكان يسبك الذهب مثل الطواحين ويدَّخره كذلك، وقام في الملك بعده ولده إِسماعيل، وكان أهوج قليل التدبير، فحمله جهله على أن ادّعى أنه قرشي أموي، وتلقب بالهادي، فكتب إِليه عمه العادل ينهاه عن ذلك، ويهجن رأيه ويتهدده بسبب ذلك، فلم يقبل منه ولا التفت إِليه، بل تمادى في ذلك وأساء التدبير إِلى الأمراء والرعية، فقتل وتولى بعده مملوك من مماليك أبيه.

стр. 6568

[الأمير أبو الهيجاء السمين الكردي] (١): وفيها: توفي الأمير الكبير أبو الهيجاء السمين الكردي. كان من أكابر أمراء صلاح الدين (٢) وهو الذي كان نائبًا على عكا وهي محاصرة، وخرج منها قبل أخذ الإفرنج، ثم دخلها بعد المشطوب فأخذت منه، واستنابه صلاح الدين على القدس (٣)، ثم لما أخذها العزيز عزل عنها، فطلب إِلى بغداد فأكرم إِكرامًا زائدًا، وأرسله الخليفة مقدمًا على العساكر إِلى همذان، فمات هناك. [قاضي بغداد أبو طالب علي بن علي بن البخاري] (٤): وفيها: توفي قاضي بغداد أبو طالب علي بن علي بن هبة الله بن محمد بن البخاري، سمع الحديث على أبي الوقت (٥) وغيره، وتفقه على أبي القاسم بن فضلان (٦)، وتولى نيابة الحكم ببغداد، ثم استقل بالمنصب، وأضيف إِليه في وقت نيابة الوزارة. ثم عزل عن القضاء ثم أعيد ومات وهو حاكم، نسأل الله العافية، وكان فاضلًا بارعًا من بيت فقه وعدالة. وله شعر (٧): [من الوافر] تَنَحَّ عَنِ القَبِيحِ ولا تُرِدْهُ … وَمَنْ أَوْلَيْتَهُ حُسْنًا فَزِدْهُ كَفا بكَ مِنْ عَدُوِّكَ كُلَّ كَيْدٍ … إِذا كادَ العَدُوُّ وَلَمْ تكدْهُ [السيد الشريف نقيب الطالبيين ببغداد أبو محمد الحسن بن علي] (٨): وفيها: توفي السيد الشريف نقيب الطالبيين ببغداد، أبو محمد الحسن بن علي [بن حمزة بن محمد ابن الحسن بن محمد بن الحسن بن محمد بن علي] (٩) بن يحيى بن الحسين بن زيد (١٠) بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب العلوي الحسيني المعروف بابن الأقساسي، الكوفي مولدًا ومنشأً، كان شاعرًا مطبقًا (١١)، امتدح الخلفاء والوزراء، وهو من بيت مشهور بالأدب والرئاسة والمروءة، قدم بغداد،

стр. 6569

فامتدح المقتفي والمستنجد وابنه المستضيء وابنه الناصر، فولاه النقابة (١) كان شيخًا مهيبًا، جاوز الثمانين، وقد أورد (٢) له ابن الساعي قصائد كثيرة منها قوله (٣): [مجزوء الكامل] اِصْبِرْ عَلَى كَيْدِ الزَّما … نِ فَما يَدومُ على طَريقَهْ سَبَقَ القَضَاءُ فَكُنْ بِهِ … رَاضٍ وَلَا تَطْلُبْ حَقِيقَهْ كَمْ قَدْ تَغَلَّبَ (٤) مَرَّةً … وَأَرَاكَ مِنْ سَعةٍ وَضِيقَة (٥) ما زالَ في أُولاهُ وَالْـ … أُخْرَى على هذي الطَّريقَة (٦) [الست عذراء بنت شاهنشاه بن أيوب] (٧): وفيها: توفيت الست عذراء بنت شاهنشاه بن أيوب ودفنت بمدرستها (٨) داخل باب النصر، رحمها الله. [الست خاتون] (٩): والست خاتون والدة الملك العادل ودفنت (١٠) بدارها بدمشق المجاورة لدار أسد الدين شيركوه (١١). ثم دخلت سنة أربع وتسعين وخمسمئة فيها: جمعت الفرنج جموعها (١٢) وأقبلوا فحاصروا تبنين، فاستدعى العادل بني أخيه لقتالهم،

стр. 6570

فجاءه (١) العزيز (٢) من مصر والأفضل من صرخد، فأقلعت (٣) الفرنج عن الحصن وبلغهم موت ملك الألمان، فطلبوا [عند ذلك] (٤) من العادل الهدنة والأمان، فهادنهم ورجعت الملوك إِلى أماكنها (٥)، وقد عظِّم المعظّم عيسى بن العادل في هذه المدة (٦)، واستنابه أبوه على دمشق، وسار إِلى ملكه بالجزيرة، فأحسن فيهم السيرة. وكان قد توفي في هذه السنة السلطان الكبير صاحب سنجار وغيرها من المدائن الكبار، وهو عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي الأتابكي، كان من خيار الملوك وأحسنهم شكلًا وسيرة، وأجودهم طوية وسريرة، غير أنه كان يبخل، وكان شديد المحبة للعلماء، ولا سيما الحنفية (٧)، وقد ابتنى لهم مدرسة بسنجار، وشرط لهم طعامًا يطبخ لكل واحد منهم في كل يوم، وهذا نظر حسن، والفقيه أولى بهذه (٨) الحسنة من الفقير، لاشتغال الفقيه بتكراره ومطالعته عن الفكر فيما يُقِيته (٩). فعدى على أولاده (١٠) ابن عمه صاحب الموصل، فأخذ الملك منهم، فاستغاث بنوه بالملك العادل، فرد فيهم الملك، ودرأ عنهم الضيم والهلكة، واستقرت المملكة لولده قطب الدين محمد. ثم سار العادل (١١). إِلى ماردين فحاصرها في شهر رمضان (١٢)، فاستولى على ربضها (١٣) ومعاملتها، وأعجزته قلعتها، فطاف (١٤) عليها ومشى (١٥)، وما ظن (١٦) أحد أنه تملَّكها (١٧)، لأن ذلك لم يكن مثبوتًا ولا مقدرًا.

стр. 6571

[وفي هذه السنة] (١) ملكت الخزر مدينة بلخ، وكسروا الحظا (٢) وقهروهم، [وهزموهم وتوقعوا بإِرسال] (٣) الخليفة إِليهم أن يمنعوا خوارزم شاه من دخول العراق، فإِنه كان يروم أن يخطب له ببغداد. وفيها: حاصر خوارزم شاه مدينة بخارى ففتحها بعد مدة، وقد كانت امتنعت عليه دهرًا ونصرهم الحظا (٤)، فقهرهم جميعًا وأخذها (٥) عنوة، وعفا عن أهلها، وصفح عنهم (٦)، وقد كانوا ألبسوا كلبًا أعور قباءً، وسموه خوارزم شاه، ورموه في المنجنيق إِلى الخوارزمية، وقالوا: هذا ملككم، وكان خوارزم شاه أعور، فلما قدر عليهم (٧) عفا عنهم، جزاه الله خيرًا. وممن توفي فيها من الأعيان: العوام بن زبَادَة (٨): كاتب الإنشاء بباب الخلافة. هو أبو طالب يحيى بن سعيد بن هبة الله بن زيادة [قوام الدين] (٩)، انتهت إِليه رئاسة الرسائل والإنشاء والبلاغة والفصاحة في زمانه بالعراق، وله علوم كثيرة غير ذلك من الفقه على مذهب الشافعي، أخذه ابن فضلان (١٠) وله معرفة جيدة بالأصلين الحساب واللغة، وله شعر جيد، وقد ولي عدة مناصب، وكان مشكورًا في جميعها، ومن مستجاد شعره قوله: [من البسيط] لا تَحْقِرنَّ عَدُوًّا تَزْدَريهِ فَكَمْ … قَدْ أَتْعَسَ الدَّهْرُ جدَّ الجدِّ باللَّعبِ فَهذِهِ الشَّمْسُ يَعْروها (١١) الكُسوفُ لها … عَلَى جَلالَتِها بالرَّأْسِ والذَّنَبِ

стр. 6572

وقوله (١): [من الخفيف] باضْطرابِ الزَّمانِ تَرْتَفِعُ الأَنْـ … ـذالُ فيهِ حَتَّى يَعُمَّ البَلاءُ وَكَذَا الماءُ راكدٌ فإِذا حَرَّ … كَ ثارتْ من قَعْرِهِ الأَقْذاءُ وله أيضًا: [من الخفيف] قَدْ سَلَوْتُ الدُّنا وَلَمْ يَسْلُها مَن … عَلقتْ في آمالهِ والأَراجي فإِذا ما (٢) صرفتُ وَجْهيَ عَنْها … قَذَفَتْني (٣) في بحرها العَجَّاجِ يَستَضيئونَ بي وَأَهْلِكُ وَحْدي … فكأنِّي (٤) ذُبالةٌ في سراجِ توفي (٥) في هذه السنة من ذي الحجة وله ثنتان وسبعون سنة، وحضر جنازته خلق كثير، ودفن عند موسى بن جعفر. القاضي أبو الحسن علي بن رجاء (٦) بن زهير بن علي البطائحي: قدم بغداد فتفقه بها، وسمع الحديث، وأقام برحبة مالك بن طوق مدة يشتغل على أبي عبد الله بن النبيه الفرضي، ثم ولي قضاء الغَرَّاف (٧) مدة، وكان فقيهًا أديبًا، وقد سمع من شيخه أبي عبد الله بن النبيه ينشد لنفسه معارضًا للحريري في بيتيه اللَّذين زعم أنهما لا يعززان بثالث (٨) لهما وهما قوله: [من السريع] سِمْ سِمَةً يُحْمَدُ آثارها … واشْكُرْ لِمَنْ أَعْطَى وَلَوْ سِمْسِمَهْ والمَكْرُ مَهْما اسْطَعْتَ لا تَأْتِهِ … لِتَقْتَنِي السُّؤْدُدَ والمَكْرُمَهْ

стр. 6573

فقال ابن النبيه: ما الأمَّةُ الوَكْسَاءُ بَيْنَ الوَرَى … أَحْسَنُ من حُرٍّ أَتَى مَلَامَهْ فَمُهُ إِذا اسْتَجْدَيْتَ عَنْ قَوْلِ لا … فَالحُرُّ لا يَمْلأ منها فَمَهْ الأمير عز الدين جرديك (١): كان من أكابر الأمراء في زمان (٢) نور الدين، وكان ممن شرك في قتل شاور، وحظي عند الملك (٣) صلاح الدين، وقد استنابه على القدس حين افتتحها، وكان يستند بها للمهمَّات الكبار فيسدها بنفسه (٤) وشجاعته، ولما ولي الأفضل عزله عن بيت المقدس (٥)، فترك بلاد الشام، وانتقل إِلى بلد الموصل. فمات بها في هذه السنة، رحمه (٦) الله. ثم دخلت سنة خمس وتسعين وخمسمئة [وفاة العزيز صاحب مصر] فيها: كانت وفاة العزيز صاحب مصر، وذلك أنه خرج إِلى الصيد فلما (٧) كانت (٨) ليلة الأحد العشرين من المحرم، ساق خلف ذئب، فكبا به [الفرس، فسقط عنه. وكانت وفاته] (٩) بعد أيام بعد رجوعه إِلى البلد، فنقل ودفن بداره، ثم حوّل إِلى عند تربة الشافعي، وله سبع أو ثمان وعشرون سنة ﵀. ويقال: إِنه كان قد عزم في هذه السنة على (١٠) إِخراج الحنابلة من بلده، ويكتب إِلى بقية إِخوته [أن يخرجوهم من بلادهم] (١١)، وشاع [ذلك عنه، وسُمع منه وذاع، وصرح به] (١٢) وكل ذلك من معلّميه

стр. 6574

وخلطائه وعشرائه من الجهمية، وقلة علمه بالقرآن (١) وبالحديث، فلما وقع [منه هذا ونوى هذه النية القبيحة الفاسدة أهلكه الله ودمره سريعًا، وعظم] (٢) قدر الحنابلة [بين الخلق] (٣) بديار مصر (٤) والشام، عند الخاص والعام. وقيل: إِن بعض صالحيهم دعا عليه، فما هو إِلا أن خرج إِلى الصيد فكان هلاكه سريعًا. فالله أعلم. وكتب القاضي الفاضل كتاب التعزية بالعزيز لعمه (٥) الملك العادل، وهو [مقيم على محاصرة] (٦) ماردين ومعه العساكر وولده محمد الكامل، وهو نائبه على بلاد الجزيرة المقاربة لبلاد الحيرة، وصورة الكتاب: أدام الله سلطان مولانا الملك العادل (٧) وبارك في عمره، وأعلى أمره بأمره، وأعز نصر (٨) الإِسلام بنصره، وفدت الأنفسُ نفسَه الكريمة، وأصغر الله العظائم بنعمه فيه العظيمة، وأحياه الله حياة طيبة، هو والإِسلام في مواقف (٩) الفتوح الجسيمة، وينقلب عنها بالأمور المسلمة والعواقب السليمة، ولا نقص له رجالًا ولا عددًا، ولا أعدمه نفسًا ولا ولدًا، ولا قصر له ذيلًا ولا يدًا، ولا أسخن له عينًا ولا كبدًا، ولا كدَّر له خاطرًا ولا موردًا، ولما قدر الله ما قدر من موت الملك العزيز، [رحمة الله عليه وتحياته مكررة إِليه، من انقضاء مهله، وحضور أجله، كانت بديهة المصاب عظيمة، وطالعة المكروه أليمة] (١٠)، فرحم الله ذلك الوجه ونَضَّرَه، ثم إِلى سبيل الجنة يسَّره: [من الكامل] وإِذَا مَحَاسِنُ أَوْجُهٍ بَلِيَتْ … فَعَفَا الثَّرى عَنْ وَجْهِهِ الحَسَنِ (١١) فاعزز على المملوك وعلى الأولياء بل على قلب مولانا لا سلبه الله (١٢) ثياب العزاء بسرعة مصرعه، وانقلابه إِلى مضجعه، ولباسه ثوب البلاء قبل أن يبلى ثوب الشباب (١٣)، وزفه إِلى التراب، وسريره

стр. 6575

محفوف باللِّدات والأتراب، وكانت مدة المرض بعد العود (١) من الفيوم أسبوعين، وكانت في الساعة السابعة من ليلة الأحد العشرين (٢) من المحرم، والمملوك في حال تسطيرها مجموع بين مرض القلب والجسد، ووجع أطراف (٣)، وعليل كبد (٤)، وقد فجع بهذا المولى والعهد بوالده [﵀] (٥) غير بعيد، والأسى عليه في كل يوم جديد. ولما توفي العزيز [﵀] (٦) خلَّف من الولد عشرة ذكور، فعمد أمراؤه فملَّكوا عليهم ولده محمدًا، ولقبوه بالمنصور، وجمهور الأمراء في الباطن مائلون إِلى تمليك العادل، ولكنهم يستبعدون (٧) مكانه، فأرسلوا إِلى الأفضل، وهو بصرخد فأحضروه على البريد سريعًا، فلما حصل (٨) عندهم منع رفدهم (٩)، ووجدوا الكلمة مختلفة عليه، ولم يتم له ما سار (١٠) إِليه، وخامر عليه أكابر الأمراء الناصرية، وخرجوا من ديار مصر فأقاموا في بيت (١١) المقدس وأرسلوا يستحثون الجيوش العادلية، فأقر ابن أخيه على السلطنة ونوه بذكره (١٢) على السكة والخطبة في سائر [ما هنالك من المملكة] (١٣) لكن استفاد الأفضل في سفرته هذه (١٤) أن أخذ جيشًا (١٥) كثيفًا من المصريين، وأقبل بهم ليسترد دمشق في غيبة عمه لمحاصرة ماردين، وذلك بإِشارة أخيه صاحب حلب وابن عمه ملك حمص أسد الدين. فلما انتهى إِليها، ونزل حواليها، قطع أنهارها، وعقر أشجارها، وقلَّل (١٦) ثمارها، ونزل بمخيمه على مسجد القدم، وقد لحقه الأسف والندم؛ وجاء إِليه أخوه الظاهر، وابن عمه الأسد الكاسر،

стр. 6576

والليث الكاشر، وجيش حماة، فكثر جيشه وقوي [الأفضل بن الناصر] (١)، وقد دخل جيشه إِلى البلد، ونادوا بشعاره فلم يتابعهم من العامة أحد، وأقبل العادل من ماردين بعساكره وقد التف عليه أمراء أخيه، وطائفة بني (٢) أخيه، وأمده كل مصر بأكابره، وسبق الأفضل إِلى دمشق بيومين فحصنها وحفظها، من كل حاسد وذي عينين، وقد استناب على ماردين ولده محمدًا الكامل. ولما دخل دمشق خامر إِليه أكثر الأمراء من المصريين وغيرهم، وضعف أمر الأفضل ويئس من برهم وخيرهم، فأقام محاصرًا (٣) البلد بمن معه حتى انسلخ الحول وهو كذلك، ثم انفصل الحال في أول السنة الآتية على ما سيأتي بيانه إِن شاء الله تعالى. وفيها: شُرع في بناء سورٍ لبغداد من الآجُرّ (٤) والكلس، وفرق على الأمراء، فكملت (٥) عمارته بعد هذه السنة فأمنت بغداد من الغرق والحصار، ولم يكن لها سور قبل ذلك. [السلطان أبو محمد يعقوب بن يوسف] (٦): [وفي هذه السنة] (٧) توفي السلطان الكبير أبو محمد يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، صاحب المغرب والأندلس بمدينته، وكان قد ابتنى (٨) عندها مدينة مليحة، سمّاها المهدية. وقد كان ديّنًا حسن السيرة صحيح السريرة، وكان مالكيَّ المذهب، ثم صار ظاهريًا حزميًا، ثم مال إِلى مذهب الشافعي، واستقضى في بعض بلاده منهم قضاة (٩)، وكانت مدة ملكه خمس عشرة سنة، وكان كثير الجهاد، ﵀، وكان يؤمّ الناس في الصلوات الخمس، وكان قريبًا إِلى المرأة والضعيف [﵀] (١٠)، وهو الذي كتب إِليه صلاح الدين يستنجده على الفرنج، فلما لم يخاطبه بأمير المؤمنين غضب من ذلك ولم يجبه إِلى ما طلب منه، وقام بالملك بعده ولده محمد فسار كسيرة (١١) والده، ورجع إِليه كثير من البلدان

стр. 6577

اللاتي كانت قد عصت على أبيه (١) ثم من بعد ذلك، تفرقت بهم الأهواء وباد هذا البيت بعد الملك يعقوب [﵀] (٢). [وفي هذه السنة] (٣) ادّعى رجل أعجمي بدمشق أنه عيسى ابن مريم، فأمر الأمير صارم الدين بزغش نائب القلعة بصلبه عند حمَّام العماد الكاتب خارج باب الفرج مقابل الطاحون التي بين البابين وقد باد هذا الحمام قديمًا. وبعد صلبه (٤) بيومين ثارت العامة على الروافض وعمدوا (٥) إِلى قبر رجل منهم بباب الصغير، يقال له: وثاب فنبشوه، وصلبوه مع كلبين وذلك في ربيع الآخر [من هذه السنة] (٦). وفي هذه السنة وقعت فتنة كبيرة ببلاد خراسان، وكان سببها أن فخر الدين محمد بن عمر الرازي أستاذ المتكلمين في زمانه وفد إِلى الملك غياث الدين الغوري صاحب غزنة، فأكرمه واحترمه وبنى له مدرسة بهراة، وكان أكثر الغورية كرَّامية، فأبغضوا الفخر الرازي، وأحبوا إِبعاده عن (٧) الملك، فجمعوا له جماعة من الفقهاء الحنفية والكرَّامية وخلقًا من الشافعية، وحضر ابن القدوة، وكان شيخًا معظمًا في الناس، وهو على مذهب ابن كرّام وابن الهيصم فتناظر هو وفخر الدين، وخرجا من المناظرة إِلى السب والشتم. فلما كان من الغد اجتمع الناس في المسجد الجامع، وقام واعظ فتكلم فقال في خطبته: أيها الناس إِنا لا نقول إِلا ما صح عندنا عن رسول الله ﷺ ، وأما علم أرسطاطاليس وكفر (٨) ابن سينا وفلسفة الفارابي (٩) فلا نعلمها ولا نقول بها، وإِنما هو كتاب الله وسنة رسوله، ولأي شيء يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإِسلام، يذبُّ عن دين الله وسنة رسوله على لسان متكلم ليس معه على ما يقول دليل، قال: فبكى الناس وضجّوا، وبكى الكرَّامية، وأعانهم على ذلك قوم [آخرون من الخاصة] (١٠) وأنهوا إِلى الملك صورة ما وقع، فأمر بإِخراج [فخر الدين من البلد ولم يكن الملك مختارًا لذلك] (١١)، فعاد إِلى هراة،

стр. 6578

فلهذا أُشرب قلب الرازي بغض الكرَّامية. فهو (١) يلهج في كلامه بهم في كل موطن ومكان، وكلما هبت الصبا. وفي هذه السنة [وقع الرضا عن الشيخ جمال الدين] (٢) أبي الفرج بن الجوزي شيخ الوعاظ [في زمانه وبعده] (٣)، وقد كان أُخرج من بغداد إِلى واسط، فأقام بها خمس سنين، فانتفع به أهلها [واشتغلوا عليه] (٤) واستفادوا منه، فلما عاد إِلى بغداد خلع عليه الخليفة، وأذن له في الجلوس (٥) على عادته عند التربة الشريفة المجاورة لقبر معروف، فكثر الجمع جدًا [وحضر الخليفة] (٦) وأخذ في العتاب، وأنشد يومئذ فيما قال يخاطب به الخليفة: [من السريع] لا تُعْطِشِ الرَّوْضَ الَّذي بنيتَهُ (٧) … بِصَوْبِ إِنْعامِكَ قَدْ رُوِّضا لا تَبْرِ عُودًا أَنْتَ قَد رِشْتَهُ … حاشَى لباني المَجْدِ أنْ يَنْقُضا إِنْ كانَ لي ذَنْبٌ بحُرْمَتِهِ (٨) … فَاسْتَأْنِفِ العَفْوَ وهب ما مَضَى (٩) قَدْ كُنْتُ أَرْجُوكَ لِنَيْلِ المُنَى … فاليَوْمَ لا أَطْلُبُ إِلَّا الرِّضَى ومما أنشده يومئذ (١٠): [من الوافر] شَقينا بالنَّوَى زَمَنًا فَلَمَّا … تَلَاقَيْنَا كَأَنَّا ما شَقِينا سَخِطْنَا عِنْدَمَا جَنَتِ اللَّيالي … وَمَا زَالَتْ بنا حَتَّى رَضِينا وَمَنْ لَمْ يَحْيَ بَعْدَ المَوْتِ يَوْمًا … فَإِنَّا بَعْدَمَا مِتْنَا حَيِينا وفي هذه السنة استدعى الخليفة الناصر قاضي الموصل ضياء الدين الشهرزوري فولَّاه قضاء قضاة بغداد.

стр. 6579

[وفي هذه السنة] (١) وقعت فتنة بدمشق بسبب الحافظ عبد الغني المقدسي، وذلك أنه كان يتكلم في مقصورة الحنابلة بالجامع الأموي، فذكر يومًا شيئًا من العقائد، فاجتمع القاضي محيي الدين بن الزكي وضياء الدين الخطيب الدَّولعي بالسلطان المعظم، والأمير صارم الدين بزغش فعُقِد له مجلس فيما يتعلق بمسألة الاستواء على العرش والنزول والحرف والصوت، فوافق النجم الحنبلي بقية الفقهاء، واستمر الحافظ على ما يقوله لم يرجع عنه، واجتمع بقية الفقهاء عليه، وألزموه بإِلزامات شنيعة لم يلتزمها، حتى قال له الأمير بزغش: كل هؤلاء على الضلالة وأنت وحدك على الحق؟ قال: نعم، فغضب الأمير، وأمر عند ذلك بنفيه من البلد. [فاستنظر ثلاثة أيام فأُنظر] (٢)، وأرسل بزغش الأسارى من القلعة، فكسروا منبر الحافظ (٣)، وتعطلت يومئذ صلاة الظهر في محراب الحنابلة، وأخرجت الخزائن والصناديق التي كانت هناك، وجرت خبطة شديدة، نعوذ بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وكان عقد المجلس في يوم الإثنين الرابع والعشرين من ذي الحجة. فارتحل الحافظ عبد الغني إِلى بعلبك، ثم سار إِلى الديار المصرية (٤) فآواه الطحانون (٥)، فحنّوا عليه وأكرموه. وممن توفي [في هذه السنة] (٦) من الأعيان: الأمير الكبير (٧) مجاهد الدين قايماز (٨) الرومي (٩): نائب الموصل والمستولي على مملكتها أيام ابن أستاذه نور الدين أرسلان، وكان عاقلًا ذكيًا فقيهًا حنفيًا، وقيل: شافعيًا، يحفظ شيئًا (١٠) كثيرًا من التواريخ والحكايات، وقد ابتنى عدة جوامع ومدارس وربط وخانات، وله صدقات كثيرة دارَّة، قال ابن الأثير (١١): وقد كان من محاسن الدنيا. أبو الحسن محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن إِسماعيل بن علي بن سليمان ابن يعقوب بن إِبراهيم بن محمد بن إِسماعيل بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي (١٢).

стр. 6580

قاضي القضاة ببغداد بعد ابن البخاري (١)، [وقد كان من الشافعية] (٢)، تفقه على أبي الحسن بن الخَلِّ وغيره، وقد كان ولي القضاء والخطابة بمكة، شرفها الله تعالى، وأصله منها، ولكن ارتحل إِلى بغداد فنال بها (٣) ما نال، وآل من أمره بها إِلى ما آل، ثم إِنه عزل عن القضاء بسبب محضر رقم خطه عليه، وكان فيما قيل مزوَّرًا عليه، فالله أعلم. وجلس (٤) في منزله حتى مات، ﵀. الشيخ جمال الدين أبو القاسم يحيى بن علي بن الفضل بن هبة الله بن بركة بن فضلان (٥)، شيخ الشافعية ببغداد. تفقه أولًا على سعيد بن محمد الرزاز (٦) مدرس النظامية، ثم ارتحل إِلى خراسان فأخذ عن الشيخ محمد الزبيدي تلميذ الغزالي وعاد إِلى بغداد وقد اقتبس علم المناظرة والأصلين، وساد أهل بغداد وانتفع به الطلبة والفقهاء، وبنيت له مدرسة فدرّس بها، وبعُدَ صيته، وكثُرت تلاميذه، وكان كثيرَ التلاوة، وإِسماع الحديث، وكان شيخًا حسنًا لطيفًا ظريفًا، ومن شعره قوله (٧): [من الطويل] وَإِذَا أَرَدْتَ مَنازِلَ الأَشْرَافِ … فَعَلَيْكَ بِالإِسْعَافِ والإِنْصَافِ وَإِذَا بَغا باغٍ عَلَيْكَ فَخلِّهِ … وَالدَّهْرَ فَهْوَ لَهُ مُكَافٍ كَافِ ثم دخلت سنة ست وتسعين وخمسمئة استهلت [هذه السنة] (٨) والملك الأفضل بالجيش المصري محاصر دمشق لعمه العادل (٩)، وقد قطع عنها الأنهار والميرة، فلا خبز ولا ماء إِلا قليلًا، وقد تطاول الحال وقد خندقوا من أرض اللَّوَّان إِلى يَلْدا (١٠) خندقًا لئلا يصل إِليهم جيش دمشق، وجاء فصل الشتاء وكثرت الأمطار والأوحال، فلما دخل

стр. 6581

شهر صفر، قدم الملك الكامل محمد بن العادل على أبيه بخلق من التركمان، وعساكر من بلاد الجزيرة والرُّها وحرّان، فعند ذلك انصرف العساكر المصرية وتفرقوا أيادي سبأ، فرجع الظاهر [إِلى المملكة الحلبية، والأسد إِلى حمصه، والأفضل إِلى الديار المصرية] (١)، وسلم العادل من كيد الأعادي، بعد ما كان قد عزم على تسليم البلد [واستسلم ولكن الله سلَّم، وطردت] (٢) الأمراء الناصرية خلف الأفضل ليمنعوه من الدخول إِلى القاهرة، وكاتبوا العادل أن يسرع السير إِليهم (٣)، [والقدوم عليهم] (٤)، فنهض إِليهم سريعًا سامعًا لمشورتهم مطيعًا، فتحصن الأفضل بالقلعة من الجبل] (٥)، وقد اعتراه الضعف والفشل، ونزل العادل على البركة، [واستبد بملك مصر آمنًا من الشركة] (٦)، ونزل إِليه ابن أخيه الأفضل خاضعًا ذليلًا [بعد ما كان مهيبًا جليلًا] (٧)، فأقطعه بلادًا من الجزيرة، ونفاه من (٨) الشام لسوء السيرة، ودخل العادل [إِلى دار السلطان بالقاهرة] (٩)، وأعاد القضاء إِلى صدر الدين عبد الملك بن درباس الماراني (١٠) الكردي (١١)، وأبقى الخطبة والسكة باسم ابن أخيه المنصور [ولكن هو] (١٢) المستقلُّ بالأمور، واستوزر الصاحب صفي الدين بن شكر (١٣) لصرامته وشهامته، وسيادته وديانته، وكتب السلطان الملك إِلى [ابنه الملك] (١٤) الكامل يستدعيه، من بلاد الجزيرة ليملّكه على الديار المصرية (١٥) ويسترعيه، فقدم عليه، فبرز له وأكرمه واحترمه، وعانقه والتزمه، وأحضر الملك العادل الفقهاء، واستفتاهم في صحة مملكة ابن أخيه المنصور بن العزيز، وأنه صغير ابن عشر سنين، فأفتوا بأن

стр. 6582

ولايته لا تصحّ لأنه تُولّي (١) عليه، فعند ذلك طلب الأمراء، ودعاهم إِلى مبايعته، فامتنعوا فأرغبهم وأرهبهم، وقال فيما قال: قد سمعتم ما أفتى به العلماء، والأئمة والفقهاء، وقد علمتم أن ثغور المسلمين لا يحفظها الأطفال الصغار، وإِنما يحرسها (٢) الملوك الكبار، فأذعنوا عند ذلك وبايعوه، ثم من بعده لولده الكامل، فخطب الخطباء بذلك بعد الخليفة لهما، وضُربت السكة باسميهما، واستقرت دمشق باسم المعظَّم عيسى بن العادل، [كما أن مصر للكامل] (٣). وفي شوال رجع إِلى دمشق الأمير فلك [الدين أبو منصور سليمان بن شروة] (٤) بن جندر، وهو أخو الملك العادل لأمه، وهو واقف المدرسة الفلكية داخل باب الفراديس، وبها قبره فأقام بها محترمًا معظَّمًا إِلى أن توفي ﵀ في هذه السنة. [وفي هذه السنة] (٥) والتي بعدها كان بديار مصر غلاء شديد فهلك بسببه (٦) الغني والفقير، [وعم الجليل والحقير] (٧)، وهرب الناس منها نحو الشام، فلم يصل إِليها إِلا القليل من الفئام، وتخطَّفهم الفرنج من الطرقات، وغروهم من أنفسهم واغتالوهم بالقليل من الأقوات. وأما بلاد العراق فإِنه كان مرخصًا رخيًا، هنيئًا مريًا، فللَّه الحكم والحكمة بكرة وعشيًا. قال ابن الساعي في "تاريخه": وفي هذه السنة باض ديك ببغداد، سألت (٨) جماعة عن ذلك فأخبروني به. وممن توفي فيها من الأعيان: السلطان علاء الدين خُوَارزم شاه (٩) بن تكش بن ألب أرسلان (١٠) بن أتسنر، من ولد طاهر بن الحسين:

стр. 6583

وهو صاحب خوارزم وبعض بلاد خراسان والري وغير (١) ذلك من الأقاليم المتَّسعة، وهو الذي قطع دولة السلاجقة، كان عادلًا حسن السيرة، له معرفة جيدة بالموسيقا، حسن المعاشرة، فقيهًا على مذهب أبي حنيفة، ويعرف الأصول، وبنى للحنفية مدرسة عظيمة، ودفن بتربةٍ بناها بخوارزم. وقام في الملك من بعده ولده علاء الدين محمد، وقد كان قبل ذلك يلقب بقطب الدين. [نظام الدين مسعود بن علي] (٢): وفيها: قتل وزير السلطان خوارزم شاه، نظام الدين مسعود بن علي، وكان حسن السيرة، شافعي المذهب، له مدرسة عظيمة بخوارزم، وجامع هائل، وبنى بمرو جامعًا عظيمًا للشافعية، فحسدتهم الحنابلة وشيخهم بها (٣) يقال له شيخ الإِسلام، فيقال: إِنهم أحرقوه، وهذا إِنما يصدر من (٤) قلة الدين والعقل، واحترام معاني الإِسلام، فأغرمهم السلطان خوارزم شاه على ما غرم الوزير على بنائه (٥). [عبد المنعم بن عبد الوهاب] (٦): وفيها: توفي الشيخ المسند المُعَمَّر رحلة الوقت، أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن صدقة بن الخضر بن كليب الحراني الأصل البغدادي المولد والدار والوفاة، عن ست وتسعين سنة. سمع الكثير وأسمع، وتفرد بالرواية عن جماعة من المشايخ، وكان من أعيان التجار وذوي الثروة ﵀. الفقيه مجد الدين، أبو محمد (٧) طاهر بن نصر الله بن جَهْبَل (٨): مدرس القدس الشريف، أول من درَّس بالصلاحية، وهو والد الفقهاء [من] بني جَهْبَل (٩) الذين كانوا بالمدرسة الجاروخية (١٠)، ثم صاروا إِلى العمادية والدماغية، في أيامنا هذه، ثم ماتوا ولم يبق إِلا ذكرهم (١١).

стр. 6584

الأمير صارم الدين قايماز (١) بن عبد الله (٢) النجمي: من أكابر الدولة الصلاحية، وكان عند الملك صلاح الدين بمنزلة استادار (٣)، وهو الذي (٤) تسلَّم القصر حين مات العاضد. فحصل له أموال جزيلة جدًا، وكان كثير الصدقات والأوقاف، وقد (٥) تصدَّق في يوم بسبعة آلاف دينار عينًا، وهو واقف المدرسة القيمازيه (٦)، شرقي القلعة المنصورة، وقد كانت دار الحديث الأشرفية دارًا لهذا الأمير، وله بها حمَّام، فاشترى ذلك الملك الأشرف فيما بعد وبناها دار حديث، وأخرب الحمام وبناه مسكنًا للشيخ المدرس بها. ولما توفي قايماز (٧) ودفن في قبره نبشت دوره وحواصله، وكان مُتَّهمًا بمال جزيل، فتحصل ما جمع من ذلك مئة ألف دينار، وكان يُظن أن عنده أكثر من ذلك، ولكن كان يدفن أمواله في الخراب من أراضي ضياعه وقراياه، فسامحه الله، وبل بالرحمة ثراه. الأمير الكبير لؤلؤ (٨): أحد الحجَّاب بالديار المصرية، ومن (٩) أكابر الأمراء في الدولة الصلاحية (١٠)، وهو الذي كان يستلم (١١) الأسطول في البحر، فيكون كالشجا في حلوق الفرنج، والبحر في البحر، فكم من شجاع قد أَسر، وكم من مركب قد كَسَر، وكم من أسطول لهم قد فرَّق شَمْلَه، ومن بطسةٍ وقاربٍ قد غرَّقَ أهله، وقد كان مع كثرة جهاده دارَّ الصدقات، كثير النفقات في كل يوم. [وكان بديار مصر غلاءٌ شديد] (١٢)، فتصدق باثني عشر ألف رغيف لاثني عشر ألف نفس، فجزاه الله خيرًا، ورحمه في قبره، وبيَّض وجهه يوم محشره ومنشره، آمين. الشيخ الإِمام الفقيه العلامة شهاب الدين الطوسي (١٣):

стр. 6585

أحد مشايخ الشافعية بديار مصر، شيخ المدرسة المنسوبة إِلى تقي الدين شاهنشاه ابن أيوب التي يقال لها منازل العز، وهو من أصحاب محمد بن يحيى تلميذ الغزالي وكان له قدر ومنزلة عند ملوك مصر، يامرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، إِلى أن توفي ﵀ في هذه السنة، فازدحم الناس في (١) جنازته، وتأسفوا عليه. الشيخ ظهير الدين عبد السلام الفارسي (٢): شيخ الشافعية بحلب، أخذ الفقه عن محمد بن يحيى [تلميذ الغزالي] (٣)، وتتلمذ للفخر (٤) الرازي ورحل إِلى مصر، وفُوَّض إِليه (٥) أن يدرّس بتربة الشافعي فلم يقبل، فسار (٦) إِلى حلب، فأقام بها إِلى أن توفي في هذه السنة. الشيخ العلامة بدر الدين بن عسكر (٧): رئيس الحنفية بدمشق، قال أبو شامة: ويعرف بابن العقادة (٨). الشاعر الماهر الهمام العبدي (٩): وهو أبو الحسن علي بن نصر بن عقيل بن أحمد بن علي بن عبد القيس بن ربيعة. وهو بغدادي، قدم دمشق في سنة خمس وتسعين وخمسمئة، ومعه ديوان شعر، له فيه دُرَرٌ حسان، وفرائد وعقائد وعقيان، وقد تصدى لمدح الملك الأمجد (١٠) صاحب بعلبك. [ومن قيله] (١١): [من الطويل] (١٢) ومَا النَّاسُ إِلَّا كاملُ الحَظِّ ناقِصٌ … وَآخَرُ مِنْهُمْ ناقِصُ الحَظّ كامِلُ
следующие страницы →