← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

شهر صفر، قدم الملك الكامل محمد بن العادل على أبيه بخلق من التركمان، وعساكر من بلاد الجزيرة والرُّها وحرّان، فعند ذلك انصرف العساكر المصرية وتفرقوا أيادي سبأ، فرجع الظاهر [إِلى المملكة الحلبية، والأسد إِلى حمصه، والأفضل إِلى الديار المصرية] (١)، وسلم العادل من كيد الأعادي، بعد ما كان قد عزم على تسليم البلد [واستسلم ولكن الله سلَّم، وطردت] (٢) الأمراء الناصرية خلف الأفضل ليمنعوه من الدخول إِلى القاهرة، وكاتبوا العادل أن يسرع السير إِليهم (٣)، [والقدوم عليهم] (٤)، فنهض إِليهم سريعًا سامعًا لمشورتهم مطيعًا، فتحصن الأفضل بالقلعة من الجبل] (٥)، وقد اعتراه الضعف والفشل، ونزل العادل على البركة، [واستبد بملك مصر آمنًا من الشركة] (٦)، ونزل إِليه ابن أخيه الأفضل خاضعًا ذليلًا [بعد ما كان مهيبًا جليلًا] (٧)، فأقطعه بلادًا من الجزيرة، ونفاه من (٨) الشام لسوء السيرة، ودخل العادل [إِلى دار السلطان بالقاهرة] (٩)، وأعاد القضاء إِلى صدر الدين عبد الملك بن درباس الماراني (١٠) الكردي (١١)، وأبقى الخطبة والسكة باسم ابن أخيه المنصور [ولكن هو] (١٢) المستقلُّ بالأمور، واستوزر الصاحب صفي الدين بن شكر (١٣) لصرامته وشهامته، وسيادته وديانته، وكتب السلطان الملك إِلى [ابنه الملك] (١٤) الكامل يستدعيه، من بلاد الجزيرة ليملّكه على الديار المصرية (١٥) ويسترعيه، فقدم عليه، فبرز له وأكرمه واحترمه، وعانقه والتزمه، وأحضر الملك العادل الفقهاء، واستفتاهم في صحة مملكة ابن أخيه المنصور بن العزيز، وأنه صغير ابن عشر سنين، فأفتوا بأن

стр. 6582

ولايته لا تصحّ لأنه تُولّي (١) عليه، فعند ذلك طلب الأمراء، ودعاهم إِلى مبايعته، فامتنعوا فأرغبهم وأرهبهم، وقال فيما قال: قد سمعتم ما أفتى به العلماء، والأئمة والفقهاء، وقد علمتم أن ثغور المسلمين لا يحفظها الأطفال الصغار، وإِنما يحرسها (٢) الملوك الكبار، فأذعنوا عند ذلك وبايعوه، ثم من بعده لولده الكامل، فخطب الخطباء بذلك بعد الخليفة لهما، وضُربت السكة باسميهما، واستقرت دمشق باسم المعظَّم عيسى بن العادل، [كما أن مصر للكامل] (٣). وفي شوال رجع إِلى دمشق الأمير فلك [الدين أبو منصور سليمان بن شروة] (٤) بن جندر، وهو أخو الملك العادل لأمه، وهو واقف المدرسة الفلكية داخل باب الفراديس، وبها قبره فأقام بها محترمًا معظَّمًا إِلى أن توفي ﵀ في هذه السنة. [وفي هذه السنة] (٥) والتي بعدها كان بديار مصر غلاء شديد فهلك بسببه (٦) الغني والفقير، [وعم الجليل والحقير] (٧)، وهرب الناس منها نحو الشام، فلم يصل إِليها إِلا القليل من الفئام، وتخطَّفهم الفرنج من الطرقات، وغروهم من أنفسهم واغتالوهم بالقليل من الأقوات. وأما بلاد العراق فإِنه كان مرخصًا رخيًا، هنيئًا مريًا، فللَّه الحكم والحكمة بكرة وعشيًا. قال ابن الساعي في "تاريخه": وفي هذه السنة باض ديك ببغداد، سألت (٨) جماعة عن ذلك فأخبروني به. وممن توفي فيها من الأعيان: السلطان علاء الدين خُوَارزم شاه (٩) بن تكش بن ألب أرسلان (١٠) بن أتسنر، من ولد طاهر بن الحسين:

стр. 6583

وهو صاحب خوارزم وبعض بلاد خراسان والري وغير (١) ذلك من الأقاليم المتَّسعة، وهو الذي قطع دولة السلاجقة، كان عادلًا حسن السيرة، له معرفة جيدة بالموسيقا، حسن المعاشرة، فقيهًا على مذهب أبي حنيفة، ويعرف الأصول، وبنى للحنفية مدرسة عظيمة، ودفن بتربةٍ بناها بخوارزم. وقام في الملك من بعده ولده علاء الدين محمد، وقد كان قبل ذلك يلقب بقطب الدين. [نظام الدين مسعود بن علي] (٢): وفيها: قتل وزير السلطان خوارزم شاه، نظام الدين مسعود بن علي، وكان حسن السيرة، شافعي المذهب، له مدرسة عظيمة بخوارزم، وجامع هائل، وبنى بمرو جامعًا عظيمًا للشافعية، فحسدتهم الحنابلة وشيخهم بها (٣) يقال له شيخ الإِسلام، فيقال: إِنهم أحرقوه، وهذا إِنما يصدر من (٤) قلة الدين والعقل، واحترام معاني الإِسلام، فأغرمهم السلطان خوارزم شاه على ما غرم الوزير على بنائه (٥). [عبد المنعم بن عبد الوهاب] (٦): وفيها: توفي الشيخ المسند المُعَمَّر رحلة الوقت، أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن صدقة بن الخضر بن كليب الحراني الأصل البغدادي المولد والدار والوفاة، عن ست وتسعين سنة. سمع الكثير وأسمع، وتفرد بالرواية عن جماعة من المشايخ، وكان من أعيان التجار وذوي الثروة ﵀. الفقيه مجد الدين، أبو محمد (٧) طاهر بن نصر الله بن جَهْبَل (٨): مدرس القدس الشريف، أول من درَّس بالصلاحية، وهو والد الفقهاء [من] بني جَهْبَل (٩) الذين كانوا بالمدرسة الجاروخية (١٠)، ثم صاروا إِلى العمادية والدماغية، في أيامنا هذه، ثم ماتوا ولم يبق إِلا ذكرهم (١١).

стр. 6584

الأمير صارم الدين قايماز (١) بن عبد الله (٢) النجمي: من أكابر الدولة الصلاحية، وكان عند الملك صلاح الدين بمنزلة استادار (٣)، وهو الذي (٤) تسلَّم القصر حين مات العاضد. فحصل له أموال جزيلة جدًا، وكان كثير الصدقات والأوقاف، وقد (٥) تصدَّق في يوم بسبعة آلاف دينار عينًا، وهو واقف المدرسة القيمازيه (٦)، شرقي القلعة المنصورة، وقد كانت دار الحديث الأشرفية دارًا لهذا الأمير، وله بها حمَّام، فاشترى ذلك الملك الأشرف فيما بعد وبناها دار حديث، وأخرب الحمام وبناه مسكنًا للشيخ المدرس بها. ولما توفي قايماز (٧) ودفن في قبره نبشت دوره وحواصله، وكان مُتَّهمًا بمال جزيل، فتحصل ما جمع من ذلك مئة ألف دينار، وكان يُظن أن عنده أكثر من ذلك، ولكن كان يدفن أمواله في الخراب من أراضي ضياعه وقراياه، فسامحه الله، وبل بالرحمة ثراه. الأمير الكبير لؤلؤ (٨): أحد الحجَّاب بالديار المصرية، ومن (٩) أكابر الأمراء في الدولة الصلاحية (١٠)، وهو الذي كان يستلم (١١) الأسطول في البحر، فيكون كالشجا في حلوق الفرنج، والبحر في البحر، فكم من شجاع قد أَسر، وكم من مركب قد كَسَر، وكم من أسطول لهم قد فرَّق شَمْلَه، ومن بطسةٍ وقاربٍ قد غرَّقَ أهله، وقد كان مع كثرة جهاده دارَّ الصدقات، كثير النفقات في كل يوم. [وكان بديار مصر غلاءٌ شديد] (١٢)، فتصدق باثني عشر ألف رغيف لاثني عشر ألف نفس، فجزاه الله خيرًا، ورحمه في قبره، وبيَّض وجهه يوم محشره ومنشره، آمين. الشيخ الإِمام الفقيه العلامة شهاب الدين الطوسي (١٣):

стр. 6585

أحد مشايخ الشافعية بديار مصر، شيخ المدرسة المنسوبة إِلى تقي الدين شاهنشاه ابن أيوب التي يقال لها منازل العز، وهو من أصحاب محمد بن يحيى تلميذ الغزالي وكان له قدر ومنزلة عند ملوك مصر، يامرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، إِلى أن توفي ﵀ في هذه السنة، فازدحم الناس في (١) جنازته، وتأسفوا عليه. الشيخ ظهير الدين عبد السلام الفارسي (٢): شيخ الشافعية بحلب، أخذ الفقه عن محمد بن يحيى [تلميذ الغزالي] (٣)، وتتلمذ للفخر (٤) الرازي ورحل إِلى مصر، وفُوَّض إِليه (٥) أن يدرّس بتربة الشافعي فلم يقبل، فسار (٦) إِلى حلب، فأقام بها إِلى أن توفي في هذه السنة. الشيخ العلامة بدر الدين بن عسكر (٧): رئيس الحنفية بدمشق، قال أبو شامة: ويعرف بابن العقادة (٨). الشاعر الماهر الهمام العبدي (٩): وهو أبو الحسن علي بن نصر بن عقيل بن أحمد بن علي بن عبد القيس بن ربيعة. وهو بغدادي، قدم دمشق في سنة خمس وتسعين وخمسمئة، ومعه ديوان شعر، له فيه دُرَرٌ حسان، وفرائد وعقائد وعقيان، وقد تصدى لمدح الملك الأمجد (١٠) صاحب بعلبك. [ومن قيله] (١١): [من الطويل] (١٢) ومَا النَّاسُ إِلَّا كاملُ الحَظِّ ناقِصٌ … وَآخَرُ مِنْهُمْ ناقِصُ الحَظّ كامِلُ

стр. 6586

وإِنِّي لمُثْرٍ من حَياءٍ وعِفَّةٍ (١) … وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي مِنَ المالِ طائِلُ (٢) القاضي (٣) الفاضل: الإِمام العلَّامة شيخ الفصحاء والبلغاء أبو علي عبد الرحيم بن القاضي الأشرف أبي المجد علي بن الحسن بن البيساني (٤) المولى الأجل القاضي الفاضل. كان والده (٥) قاضيًا بعسقلان، فأرسل ولده في الدولة الفاطمية إِلى الديار المصرية، فاشتغل بها بكتابة الإِنشاء على الشيخ أبي الفتح بن قادوس (٦) وغيره، فساد أهل البلاد حتى بغداد شرقًا وغربًا، بُعدًا وقربًا، ولم يكن له في زمانه نظير ولا عون، ولا فيما بعده إِلى وقتنا هذا [مماثل ولا مناظر ولا نديد] (٧)، ولما استقر الملك صلاح الدين [في الديار المصرية] (٨) جعله كاتبه وصاحبه ووزيره ومشيره وجليسه وأنيسه، وكان (٩) أعز عليه من أهله وأولاده، وأكرم عليه من طريفه وتلاده، وتساعدا حتى فتح الأقاليم [والبلدان والحصون والمعاقل] (١٠) هذا بحسامه وسنانه، وهذا بلسانه (١١) وقلمه وبيانه، وقد كان القاضي الفاضل مع كثرة أمواله ووجاهته ورئاسته كثير الصدقات، والصلات، والصيام والصلاة، وكان (١٢) يواظب في كل يوم وليلة على ختمةٍ كاملة، مع ما يزيد عليها من نافلة، رحيم القلب، حسن السيرة، طاهر القلب والسريرة، له مدرسة بديار مصر على الشافعية والمالكية، وأوقاف على تخليص الأسارى، من أيدي النصارى، وقد اقتنى من الكتب نحوًا من مئة ألف كتاب، وهذا شيء لم يفرح به أحد من الوزراء ولا العلماء ولا الملوك [ولا الكتّاب] (١٣). [كان مولده] (١٤) في سنة ثنتين وثلاثين

стр. 6587

وخمسمئة (١) وكانت وفاته (٢) في يوم دخل العادل إِلى قصر مصر بمدرسته، فجأة يوم الثلاثاء سادس ربيع الآخر واحتفل الناس بجنازته، وزار قبره في اليوم الثاني الملك العادل، وتأسف عليه، [ويقال: إِنه] (٣) استوزر الملك العادل صفي الدين ابن شكر، [فلما سمع الفاضل بذلك] (٤) دعا الله تعالى أن لا يحييه إِلى هذه الدولة، لما بينهما من المنافسة، فمات، ﵀، ولم ينله أحد بضيم يؤذيه (٥) ولا رأى في الدولة من هو أكبر منه [ولا من يدانيه. وقد امتدحه الشعراء فأكثروا، ومن أحسن ما مدح] (٦) به قول القاضي هبة الله بن سناء المُلْك (٧): [من الكامل] عَبْدُ الرَّحيم على البَرِيَّةِ رحمةٌ … أمِنَتْ بصُحْبتها حلولَ عقابِها يا سائلي عَنْهُ وعن أسبابِه … نالَ السماءَ فسَلْهُ عن أسبابِها والدَّهْرُ يعلمُ أَنَّ فيصل خطبه … بخُطى براعته وفصل خطابِها ولقد عَلَتْ رتبُ الأجلّ على الورى … بسمُوّ منصبها (٨) وطيب نصابِها وَأَتَتْهُ خاطبةً إِليه وزارةٌ … ولطالما أَعْيَتْ على خُطّابِها [ما لَقَّبوهُ بها لأنَّ بعلمها … أسماءَه] (٩) أَغْنَتْهُ عن ألْقابِها مال الزمانُ لغيرهِ إِذ رامها (١٠) … تَرِبَتْ يمينُكَ لَسْتَ من أَتْرابِها [إِذهَبْ طَريقَكَ لستَ من آرابها … وارجِع وراءَكَ لستَ من أَرْبَابِها] (١١) وبِعِزّ سيدنا وسيّد غيرنا … ذَلَّتْ من الأيامِ شمسُ صِعابِها وَأَتَتْ سعادتُهُ إِلى أبوابه … لا كالذي يَسْعَى إِلى أبوابِها تَعْنُو الملوكُ لوَجْهِهِ بوجوهِها … لا بل تُساقُ لبابه برقابِها شَغَلَ الملوكَ بما يَقولُ (١٢) ونفسُهُ … مشغولةٌ بالذّكرِ في محرابِها

стр. 6588

في الصَّوْمِ والصَّلَواتِ أَتْعَبَ نفسَهُ … وضَمانُ راحتِه على أَتْعابِها وتعجَّلَ الإِقلاعَ عن لذّاتِهِ … ثقةً بحُسْنِ مآلِها ومآبِها فَلْتَفْخَرِ الدُّنْيا بسائِسِ مُلْكِها … منهُ ودارسِ علمها وكتابِها صَوَّامِها قَوّامِها عَلّامِها … عمالِها بَذّالِها وهّابِها والعجب أن القاضي (١) الفاضل مع براعته [وفصاحته التي لا تُدانى، ولا تحاذى، لا يعرف] (٢) له قصيدة طويلة [طنانة بل له] (٣) ما بين البيت والبيتين (٤) في أثناء الرسائل (٥) وغيرها شيء كثير جدًا، فمن ذلك قوله (٦): [من الطويل] سَبَقْتُمْ بِإِسْدَاءِ الجَمِيلِ تَكَرُّمًا … وَمَا مِثْلُكُم فيمن تَحَدَّثَ أَوْ حَكَى (٧) وَقد كانَ ظنّي أَنْ أُسابِقكمْ به … ولكنْ بَكَتْ (٨) قَبلي فهَيَّجَ لي البُكا [ومن ذلك قوله] (٩): [من الطويل] وَلي صاحبٌ ما خِفْتُ من جَورِ حادِثٍ … من الدَّهْرِ إِلَّا كانَ لي من وَرائِهِ إِذا عضَّني صَرْفُ الزَّمانِ فَإِنَّنِي … براياتِه أَسْطُو عَلَيْهِ ورائِهِ وقوله (١٠) في بُدُوِّ أَمْرِهِ: [من الوافر] أَرَى الكُتَّابَ كُلَّهمُ جَميعًا … بَأرْزَاقٍ تعمُّهمُ سنينا وما لي بَيْنَهُمْ رزقٌ كأني … خُلِقْت من الكرامِ الكاتِبينا وله في النحلة والزلقطة: [من الكامل] ومُغَرّدَيْن تَجاوَبا في مَجْلِسٍ … فَنَفاهُما لأَذاهُما الأَقْوَامُ هذا يَجُودُ بِعَكْسِ مَا يَأْتِي بهِ … هذا فيُحْمَدُ ذا وذاكَ يُذامُ

стр. 6589

وله في ممسحة القلم: [مجزوء الرجز] مِمسحةٌ نَهارُها … [سكناها] (١) عن لَيْلِ الظُّلَمْ كَأَنَّها مِنْ طَرْفِها … مِنْديلُ أطرافِ القَلَمْ وقوله: بِتْنَا عَلَى حالٍ تسرُّ الهَوى … لكِنَّهُ لا يمكنُ الشَّرْحُ بَوَّابنا اللَّيْلُ وقُلْنا لَهُ … إِنْ غِبْتَ عَنَّا هَجَمَ الصُّبْحُ وسأله الملك العزيز عثمان بن الناصر عن جارية من حظاياه أرسلت له (٢) زِرًّا من ذهب مغلَّف بعنبر أسود، فأنشأ الفاضل (٣) يقول: أَهْدَتْ لَكَ العَنْبَرَ في وَسْطِهِ … زِرّ مِنَ التّبْرِ خَفِيّ (٤) اللِّحامْ الزرُّ (٥) في العَنْبَرِ مَعْنَاهُما … زُرْ هكذَا مُخْتَفِيًا في الظَّلام (٦) قال القاضي (٧) ابن خلكان (٨): وقد اختلف في لقبه فقيل: محيي الدين، وقيل: مجير الدين، وحكي عن عمارة اليمني [أنه ذكره بذكر] (٩) جميل، وأن العادل بل الصالح هو الذي استقدمه من الإِسكندرية، واستخدمه، وكان معدودًا من حسناته، ومثقلًا لكفاته. وقد بسط القاضي ابن خلكان ترجمته بنحو ما ذكرنا، وفي هذه زيادة كثيرةٌ، والله أعلم. ثم دخلت سنة سبع وتسعين وخمسمئة فيها: اشتد الغلاءُ بأرض مصر جدًا، فهلك خلق (١٠) كثير جدًا من الفقراء والأغنياء، ثم أعقبه فناء

стр. 6590

عظيم، حتى حكى الشيخ أبو شامة في "الذيل" (١) أن [السلطان الملك] (٢) العادل كفَّن من ماله في مدة شهر من هذه السنة نحوًا من مئتي ألف وعشرين ألف ميت، وأُكلت الكلاب والميتات [في هذه السنة] (٣) بمصر، وأُكِل من الصغار والأطفال خلقٌ كثير، [يشوي الصغيرَ] (٤) والداه ويأكلانه، وكثر هذا في الناس جدًا حتى صار لا ينكر بينهم، ثم [صاروا يحتالون على بعضهم بعضًا، فيأكلون من يقدرون عليه، ومن غلب من قوي ضعيفًا ذبحه وأكله، وكان الرجل يضيف صاحبه، فإِذا خلا به ذبحه وأكله] (٥). ووجد عند بعضهم أربعمئة رأس. وهلك كثير من الأطباء الذين يُسْتَدْعَوْنَ إِلى المرضى، ويُذْبحون (٦) ويُؤْكَلون، كان الرجل يستدعي الطبيب ثم يذبحه ويأكله. وقد استدعى رجل طبيبًا حاذقًا، وكان الرجل موسرًا من أهل المال، [فخاف الطبيب وذهب معه] (٧) على وَجَل وخوف، فجعل الرجل يتصدق على مَنْ لقيه في الطريق، ويذكر الله ويسبّحه (٨)، ويكثر من ذلك، فارتاب به الطبيب، وتخيّل منه، ومع هذا حمله الطمع على الاستمرار معه، [فلما وصلا إِلى الدار فإِذا] (٩) هي خربة فارتاب الطبيب أيضًا، [فخرج رجل من الدار فقال لصاحبه] (١٠): ومع هذا البطء جئت لنا بصيد. فلما سمعها الطبيب هرب، فخرجا خلفه سراعًا فما خلص إِلا بعد جهد جهيد (١١). وفيها: وقع وباءٌ شديدٌ ببلاد عنزة بين الحجاز واليمن، وكانوا يسكنون في عشرين قرية، فبادت منها ثماني عشرة قرية لم يبق فيها ديَّارٌ ولا نافخ نار. وبقيت أنعامهم وأموالهم لا قاني لها، ولا يستطيع أحد أن يسكن تلك القرايا (١٢)، ولا يدخلها، بل كل من اقترب إِلى شيء من هذه القرايا (١٣) هلك من ساعته

стр. 6591

[فسبحان من بيده ملكوت كل شيء وإِليه ترجعون] (١)، وأما القريتان الباقيتان فإِنهما لم يمت منهما واحد ولا عندهم شعور بما جرى على من حولهم من القرى، بل هم على ما كانوا عليه (٢) لم يفقد منهم أحد، فسبحان الحكيم العليم. واتفق باليمن في هذه السنة كائنة غريبة جدًا، وهي أن رجلًا يقال له: عبد الله بن حمزة العلوي، كان قد تغلب على كثير من بلدان (٣) اليمن، وجمع نحوًا من اثني عشر ألف فارس، ومن الرَّجَّالة جمعًا كثيرًا وخافه ملك اليمن إِسماعيل بن سيف الإِسلام طُغْتِكين بن أيوب (٤)، وغلب على ظنه زوال ملكه على يدي هذا المتغلّب، وأيقن بالهلكة لضعفه عن مقاومته، واختلاف أمرائه [عليهم إلى هذا العلوي خوفًا منه، فقصده العلوي المذكور، فلما كان بينهم مراحل اجتمع خاصة أمرائه] (٥) معه في المشورة، فأرسل الله صاعقة، فنزلت عليهم، فلم يَبْقَ منهم أحد [سوى طائفة من الخيَّالة والرجالة] (٦)، [فاضطرب الجيش فيما بينهم، فأقبل المعز بعسكره فغشيهم فقتل] (٧) منهم ستة آلاف قتيل (٨) واستقر في ملكه آمنًا. وفيها: تكاتب الأخوان الأفضل من صرخد، والظاهر من حلب على أن يجتمعا على حصار دمشق وينزعاها من المعظم بن العادل، وتكون للأفضل، ثم يسيرا (٩) إِلى الديار المصرية فيأخذاها (١٠) من العادل وابنه الكامل الَّلذين نقضا العهد، وأبطلا خطبة المنصور بن العزيز ونكثا المواثيق، فإِذا استقر (١١) لهما ملك مصر كانت للأفضل وتصير دمشق مضافة للظاهر (١٢) مع حلب، ولما (١٣) بلغ الملك العادل (١٤)

стр. 6592

ما تمالأا (١) عليه، أرسل جيشًا مددًا لابنه المعظَّم عيسى بدمشق (٢)، فوصلوا إِليها قبل وصول الظاهر وأخيه الأفضل إِليها، وكان وصولهما إِليها في ذي القعدة من ناحية بعلبك [فنزلا بجيشهما في ناحية مسجد القدم] (٣)، واشتد الحصار للبلد، وتسلّق كثير من الجيش من ناحية خان القدم، ولم يبق إِلا فتح البلد، لولا هجوم الليل، ثم إِن الظاهر بدا له [فيما كان عاهد أخاه عليه من كون دمشق] (٤) للأفضل، فرأى أن تكون له أولًا، ثم إِذا فُتحت مصر تسلَّمها الأفضل، فأرسل إِليه في ذلك فلم يقبل الأفضل، واختلفا في ذلك، وتفرقت (٥) كلمتهما، وتنازعا الملك بدمشق، فتفرقت الأمراء عنهما. وكوتب العادل في الصلح، فأرسل يجيب إِلى ما سألا، وزاد في إِقطاعهما (٦) شيئًا من بلاد الجزيرة، وبعض معاملة المعرَّة، وتفرقت العساكر عن دمشق (٧) في محرم سنة ثمان وتسعين [وسار كل من الملكين إِلى تسلم البلاد] (٨) التي أُقطعها، وجرت خطوب يطول شرحها. وقد كان الظاهر وأخوه كتبا إِلى صاحب الموصل نور الدين أرسلان الأتابكي أن يحاصر مدن الجزيرة التي مع عمهما العادل، فركب في جيشه وأرسل إِلى ابن عمه قطب الدين صاحب سنجار، واجتمع معهما صاحب ماردين الذي كان العادل قد حاصره وضيّق عليه مدة طويلة، فقصدت العساكر حَرَّان، وبها الفائز ابن العادل، فحاصروه مدة، ثم لما بلغهم وقوع الصلح بين العادل وابني أخيه الظاهر والأفضل عدلوا إِلى المصالحة (٩)، وذلك بعد طلب الفائز ذلك منهم، وتمهدت الأمور واستقرت على ما كانت عليه، ولله الحمد والمنة. [وفي هذه السنة] (١٠) ملك غياث الدين وأخوه شهاب الدين الغوريان جميع [ما كان يملك] (١١) خوارزم شاه من البلدان والحواصل والأموال، وجرت لهم خطوب طويلة (١٢) جدًا.

стр. 6593

وفيها: كانت زلزلة عظيمة ابتدأت من بلاد الشام إِلى الجزيرة وبلاد الروم والعراق، وكان جمهورها وعظمها (١) بالشام، تهدمت منها دور كثيرة، [وتخربت محالُّ كثيرة، وخسف] (٢) بقرية من أرض بصرى، [وأما سواحل الشام وغيرها فهلك] (٣) فيها (٤) شيء كثير، وخربت (٥) محال كثيرة من طرابلس وصور وعكا ونابلس، ولم يبق بنابلس سوى حارة السامرة ومات بها وبقراها (٦) ثلاثون الفًا تحت الردم، وسقط طائفة كثيرة من المنارة الشرقية [بجامع دمشق] (٧)، وأربع عشرة، شرفة (٨) منه، وغالب الكلاسة والبيمارستان (٩) النوري، وخرج الناس إِلى الميادين يستغيثون، وسقط غالب قلعة بعلبك مع وثاقة بنيانها، وانفرق (١٠) البحر إِلى قبرص، وقد قذف (١١) بالمراكب منه إِلى ساحله، وتعدى إِلى ناحية الشرق فسقط بسببها (١٢) دور كثيرة ومات أمم لا يحصون ولا يُعدُّون حتى قال صاحب "مرآة الزمان": إِنه مات في هذه السنة بسبب الزلزلة نحو (١٣) من ألف ألف ومئة ألف إِنسان، [نقله في "ذيل الروضتين" عنه] (١٤). [وممن توفي في هذه السنة من المشاهير والأعيان] (١٥): الشيخ أبو الفرج بن الجوزي (١٦): عبد الرحمن بن علي بن محمد بن عُبيد الله بن عبد الله بن حُمَّادَى بن

стр. 6594

أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي- نسبة إِلى فرضة نهر البصرة- ابن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم ابن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، الشيخ الحافظ الواعظ جمال الدين أبو الفرج المشهور بابن الجوزي، القرشي التَّيْمي البغدادي الحَنْبَلي. أحد أفراد العلماء، برَّز في كثير من العلوم (١)، وانفرد بها عن غيره، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحوًا من ثلاثمئة مصنف، وكتب بيده نحوًا من ألفي (٢) مجلدة. وتفرد بفن الوعظ الذي لم يسبق إِلى مثله (٣)، ولا يُلحق شأوه فيه وفي طريقته وشكله، وفي فصاحته وبلاغته وعذوبة كلامه (٤) وحلاوة ترصيعه، ونفوذ وعظه، وغوصه على المعاني البديعة، وتقريبه الأشياء الغريبة بما (٥) يشاهَدُ من الأمور الحسية، بعبارة وجيزة سريعة الفهم والإدراك، بحيث يجمع المعاني الكثيرة في الكلمة اليسيرة. هذا وله في العلوم كلها اليد الطولى، والمشاركات في سائر أنواع العلوم (٦) من التفسير والحديث والتاريخ والحساب والنظر في النجوم والطب والفقه وغير ذلك من الفقه والنحو. وله من المصنفات في ذلك ما يضيق هذا المقام (٧) عن تعدادها، وحصر أفرادها، [ولكن من مشاهير مصنفاته] (٨): كتابه في التفسير الشهير "بزاد المسير" (٩). وله تفسير أبسط منه، ولكنه ليس بمشهور، ولا منكور. وله "جامع المسانيد" استوعب به غالب مسند الإمام أحمد وصحيحي البخاري ومسلم وجامع الترمذي. وله كتاب "المنتظم في تواريخ الأمم من العرب والعجم" في عشرين مجلدًا، قد أوردنا في كتابنا هذا كثيرًا منه من حوادثه وتراجمه، ولم يزل يؤرخ أخبار العالم حتى صار تاريخًا، وما أحقَّهُ بقول الشاعر: [من البسيط]

стр. 6595

ما زِلْتَ تَدْأَبُ في التاريخِ مُجْتَهِدًا … حَتَّى رَأَيْتُكَ في التاريخِ مَكْتوبا وله مقامات وخطب. وله "الأحاديث الموضوعة" [و]: "العلل المتناهية في الأحاديث الواهية" وغير ذلك. ولد سنة عشر وخمسمئة، ومات أبوه وعمره ثلاث سنين، وكان أهله تجارًا في النحاس، فلما ترعرع جاءت به عمَّته إِلى مسجد محمد بن ناصر الحافظ (١)، فلزم الشيخ [وقرأ عليه] (٢) وسمع عليه الحديث وتفقه بابن الزاغوني (٣)، وحفظ الوعظ، ووعظ وهو دون (٤) عشرين سنة، وأخذ اللغة عن أبي منصور الجواليقي (٥)، وكان وهو صبي (٦) دينًا مجموعًا على نفسه، لا يخالط أحدًا ولا يأكل مما فيه شبهة؛ ولا يخرج من بيته إِلا للجمعة وكان لا يلعب مع الصبيان. وقد حضر مجلس وعظه الخلفاء والوزراء والملوك والأمراء والعلماء والفقراء، ومن سائر صنوف بني آدم، وأقل ما كان يجتمع في [مجلس وعظه] (٧) عشرة آلاف، وربما اجتمع فيه مئة الف أو يزيدون، وربما تكلم من خاطره على البديهة نظمًا ونثرًا، ﵀. وبالجملة كان أستاذًا فردًا في الوعظ وغيره. [وله مشاركات حسنة في بقية العلوم] (٨). وقد كان فيه بهاء وترفُّع في نفسه وسموٌّ (٩) بنفسه أكثر من مقامه، وذلك ظاهر (١٠) في نثره ونظمه، فمن ذلك قوله: [من الكامل] ما زلْتُ أُدركُ ما غَلا بَلْ ما عَلا (١١) … وأُكابِدُ النّهجَ العسيرَ الأَطْوَلا تَجْرِي بيَ الآمالُ في حَلَباتِهِ … جَرْي (١٢) السَّعيدِ جَرَى مَدَى ما أمَّلا

стр. 6596

يُفْضي (١) بيَ التَّوْفِيقُ فيهِ إِلى الذي … أَعْيا (٢) سِوايَ تَوَصُّلًا وَتَغَلْغُلا لَوْ كانَ هذا العلمُ شَخْصًا ناطِقًا … وسألْتُه هَلْ زُرْتَ (٣) مثليَ؟ قال: لا ومن شعره [أيضًا ويُروى] (٤) لغيره: [من البسيط] إِذَا قَنِعتَ بميسورٍ من القُوتِ … أصبحتَ (٥) في الناسِ حُرًّا غيرَ مَمْقُوتِ يا قوتَ يَوْمي (٦) إِذا ما دَرَّ حلقكَ لي … فلستُ آسي على دُرٍّ وياقوتِ وله من النظم والنثر شيء كثير لا ينضبط (٧). وله كتاب مفرد سماه: "نظم (٨) الجمان في كان وكان". ومن لطائف كلامه قوله في الحديث: "أعمار أمتي ما بين الستين إِلى السبعين" (٩) إِنما طالت أعمار من قبلنا لطول البادية، فلما شارف الركب بلد الإقامة قيل لهم حُثُّوا المطيَّ. وقال له رجل: أيما (١٠) أفضل أن أُسَبّح أو أستغفر؟ فقال: الثوب الوسخ أحوج إِلى الصابون من البخور. وسئل عمن أوصى وهو في السِّياق، فقال: هذا طَيَّنَ سطحه في كانون. والتفت إِلى ناحية الخليفة المستضيء، وهو في الوعظ فقال: يا أمير المؤمنين إِن تكلمتُ خِفتُ منك، وإِن سكتُّ خفتُ عليك، وإِن قول القائل لك: اتق الله خير لك (١١) من قوله لكم: إِنكم أهل بيت مغفور لكم، كان عمر بن الخطاب يقول: إِذا بلغني عن عامل لي (١٢) أنه ظلم فلم أغيِّره فأنا الظالم، يا

стр. 6597

أمير المؤمنين، وكان يوسف لا يشبع في زمن القحط حتى لا ينسى الجيعان (١)، وكان عمر يضرب بطنه عام الرَّمادة ويقول: قَرْقِرْ أو لا تُقَرْقِر، والله لا ذقْت (٢) سمنًا ولا سمينًا حتى يُخصب الناس. قال: فبكى المستضيء وتصدَّق بمال جزيل (٣)، وأطلق المحابيس وكَسَى خلقًا من الفقراء. ولد ابن الجوزي في حدود سنة عشر وخمسمئة كما تقدم، وكانت وفاته ليلة (٤) الجمعة بين العشاءين الثاني عشر من شهر (٥) رمضان من هذه السنة، وله من العمر سبع وثمانون سنة، وحملت جنازته على رؤوس الناس، وكان الجمع كثيرًا جدًا. ودفن بباب حرب عند أبيه بالقرب من الإمام أحمد وكان يومًا مشهودًا، حتى قيل (٦): إِنه أفطر جماعة من الناس [بسبب شدة الحر، وكثرة الزحام، ﵀، وقد كُتب على قبره عن وصيته] (٧) هذه الأبيات (٨): [من مجزوء الكامل] يا كَثيرَ العَفْوِ عَمَّنْ … كَثُرَ الذَّنْبُ لَدَيْهِ (٩) جَاءَكَ المُذْنِبُ يَرْجُو الـ … ـصَّفْحَ عَنْ جُرْمِ يَدَيْهِ أنا ضَيْفٌ وَجَزَاءُ الضَّـ … ـيفِ إِحسانٌ إِلَيْهِ وقد كان [للشيخ جمال الدين بن الجوزي] (١٠) من الأولاد الذكور ثلاثة: عبد العزيز، وهو أكبر أولاده، مات شابًا في حياة والده في سنة أربع وخمسين. ثم أبو القاسم علي، وقد كان عاقًا لوالده، إِلبًا عليه في زمن المحنة وغيرها، وقد تسلَّط على كتبه في غيبته بواسط فباعها (١١) بأبخس الأثمان (١٢). ثم محيي الدين يوسف، وكان أنجب أولاده وأصغرهم. ولد سنة ثمانين ووعظ بعد أبيه، واشتغل

стр. 6598

وحرر، وأتقن وساد أقرانه، ثم باشر حسبةَ بغداد، ثم صار (١) رسول الخلفاء إِلى الملوك بأطراف البلاد، ولا سيما إِلى بني أيوب بالشام، وقد حصّل منهم من الأموال والكرامات ما ابتنى به (٢) المدرسة الجوزية بالنشَّابين بدمشق وما أوقف عليها، ثم حصل له من سائر الملوك أموالًا جزيلة، ثم صار أستادار الخليفة المستعصم في سنة أربعين وستمئة واستمر مباشرَها إِلى أن قتل مع الخليفة عام [هولاكو خان بن] (٣) تولي بن جنكيز خان. [وكان لأبي الفرج] (٤) عدة بنات، منهن رابعة أم سبطه أبي المظفر بن قُزْأُغْلي صاحب "مرآة الزمان" وهي من أجمع التواريخ وأكثرها فائدة، وقد ذكره ابن خلكان في "الوفيات" (٥) فأثنى عليه وشكر تصانيفه وعلومه. العماد الكاتب الأصبهاني (٦): محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله بن أُلُّه -بتشديد اللام وضمها- المعروف بالعماد الكاتب الأصبهاني. صاحب المصنفات والرسائل والشعر (٧) وهو قرين القاضي الفاضل ومن نبغ واشتهر (٨) في زمن الفاضل فهو فاضل. ولد بأصبهان في سنة تسع عشرة وخمسمئة، وقدم بغداد فاشتغل بها على الشيخ أبي منصور سعيد بن الرزاز (٩) مدرس النظامية، وسمع الحديث ثم رحل إِلى الشام فحظي عند الملك نور الدين محمود زنكي وكتب بين يديه، وولاه المدرسة التي أنشأها داخل باب الفرج التي يقال لها العمادية (١٠) نسبة إِلى العماد

стр. 6599

لكثرة (١) إِقامته بها وتدريسه فيها، ولم يكن هو (٢) أول من درَّس بها، بل قد سبقه إِلى تدريسها غير (٣) واحد كما تقدم في ترجمة نور الدين، ثم صار العماد كاتبًا (٤) في الدولة الصلاحية، وكان القاضي الفاضل يثني عليه ويشكره، قالوا: وكان منطوقه يعتريه جمود وفترة، وقريحته في غاية الجودة والحدّة. وقد قال القاضي الفاضل لأصحابه يومًا: قولوا فيه (٥)، فتكلموا وشبَّهوه في هذه الصفة بصفات، فلم يقبلها الفاضل (٦)، وقال: هو كالزناد ظاهره بارد وداخله نار. وله من المصنفات "خريدة القصر (٧) في شعراء العصر"، و"الفتح القدسي"، و"البرق الشامي" وغير ذلك من المصنفات المسجعة، والعبارات المصرعة (٨) والقصائد المطولة والمعاني والألفاظ المُؤَثّلة. ومن لطيف تغزله قوله (٩): [من الخفيف] كَيْفَ قُلْتُمْ في مُقْلَتَيْهِ فُتورُ … وَأَراها بلا فُتورٍ تَجورُ لو بَصُرْتُمْ بِطَرْفِهِ كَيْفَ يَسْبي … قُلْتُمُ ذاكَ كاسِرٌ لا كَسيرُ مُوتِرٌ قَوْسَ حاجِبَيْهِ لإصْما … ءِ فُؤادي كَأَنَّهُ مَوْتُورُ لا تَسَلْني (١٠) عن العقارِ (١١) فَعَقْلِي … طافِحً (١٢) مِنْ عُقارِهِنّ عَقِيرُ كَيْفَ يَصْحو من سُكْرِهِ مُسْتَهامٌ … مَزَجَتْ كَأْسَهُ العيونُ الحُورُ أَوْرَثَتْهُ سقامَها الحَدَقُ النُّجْـ … ـلُ وَأَهْدَتْ لَهُ النُّحولَ الخُصُورُ ما يَصيدُ الأُسْدَ الخَوادِر إِلا … ظَبَيَاتٌ كُناسُهُنَّ الخُدورُ

стр. 6600

كلُّ غُصْنِيّةِ الموشَّحِ هَيْفَا … ءَ على البَدْرِ جَيْبُها مَزْرُورُ وَجَناتٌ تُجْنَى الشَّقائِقُ مِنْهَا … وَثَنايَا كَأَنَّهَا المَنْثُورُ وقد كانت وفاته في مستهل رمضان من هذه السنة عن ثمان وسبعين سنة، ﵀، ودفن بمقابر الصوفية. الأمير بهاء الدين قراقوش (١) الفحل الخصي: أحد كبار (٢) أمراء (٣) الدولة الصلاحية، كان شهمًا شجاعًا فاتكًا، تسلَّم القصر لما مات العاضد، وعمَّر سورَ القاهرة، محيطًا على مصر أيضًا، وانتهى به إِلى المقسم وهو المكان الذي اقتسمت فيه الصحابة مغنم (٤) الديار المصرية، وبنى قلعة الجبل، وقد (٥) كان صلاح الدين سلَّمه عكا ليُعمّر فيها أماكن كثيرة، فوقع الحصار وهو بها، فلما [خرج منها البدل كان هو في جملة من خرج، حتى دخلها] (٦) ابن المشطوب. وقد ذُكر أنه أُسر فافتدى نفسه بعشرة آلاف دينار، [وعاد في حياة الملك] (٧) صلاح الدين ففرح به فرحًا شديدًا، ولما توفي في هذه السنة احتاط الملك العادل على تركته، وصارت أملاكه وأقطاعه (٨) للملك الكامل محمد بن العادل. قال القاضي ابن خلكان (٩): وقد نُسب إِليه أحكام عجيبة، حتى صنف بعضهم (١٠) جزءًا لطيفًا سماه "كتاب الفاشوش في أحكام قراقوش" فذكر أشياء كثيرة جدًا (١١) قال: وأظنها موضوعة عليه، فإِن الملك صلاح الدين كان يعتمد عليه، [وما كان ليفعل ذلك وهو] (١٢) [بهذه] المثابة، والله أعلم. مكلبة بن عبد الله المستنجدي (١٣):

стр. 6601

كان تركيًا عابدًا زاهدًا، سمع المؤذن وقت السحر وهو ينشد على المنارة (١): [من مجزوء الرمل] يا رِجالَ اللَّيْلِ جدُّوا … رُبَّ صَوْتٍ لا يُرَدُّ ما يَقومُ اللَّيْلَ إِلَّا … مَنْ لَهُ عَزْمٌ وجدُّ فبكى مكلبة، وقال للمؤذن: يا مؤذن زدني، فقال المؤذن: قَدْ مَضَى اللَّيْلُ وَوَلَّى … وَحَبِيبي قَد تَجَلَّى (٢) فصرخ مكلبة صرخة كان فيها حتفه (٣)، فأصبح أهل البلد قد اجتمعوا على بابه، فالسعيد فيهم (٤) من وصل إِلى نعشه رحمه الله تعالى وأكرم مثواه. أبو منصور بن أبي بكر (٥) بن شجاع: المزكلش ببغداد ويعرف بابن نقطة. كان يدور في أسواق بغداد بالنهار، ينشد كان وكان، والمواليا، ويُسحّر الناس في ليالي رمضان، وكان مطبوعًا ظريفًا خليعًا، وكان أخوه الشيخ عبد الغني (٦) الزاهد من أكابر الصالحين، له زاوية ببغداد، ويُزار فيها، وكان له أتباع ومريدون، ولا يدّخر شيئًا يحصل له من الفتوح، تصدَّق في ليلة بألف دينار وأصحابه صيام، لم يدخر منها شيئًا لعشائهم (٧) وزوَّجَتْهُ أُمُّ الخليفة بجارية من خواصها وجهزتها بعشرة آلاف دينار إِليه، فما حال الحول وعندهم من ذلك شيء (٨) سوى هاون، فوقف سائل ببابه فألح (٩) في الطلب على الباب، فأخرج إِليه الهاون فقال: خذ هذا وكل به ثلاثين يومًا، ولا تسأل الناس، ولا تُشَنِّع على الله ، وكان (١٠) من خيار الصالحين، والمقصود أنه قيل (١١) لأخيه أبي منصور هذا: ويحك أنت تدور في الأسواق وتنشد الأشعار وأخوك مَنْ قد عرفتَ؟ فأنشأ يقول في جواب ذلك بيتين مواليا من شعره على البديهة (١٢): [من المواليا]

стр. 6602

قَدْ خَابَ مَنْ شَبَّه الجزعة إِلى دره … وقاسَ قَحْبَةً إِلى مستحسنةٍ حره (١) أنا مغني وأخي زاهد إِلى مره … في الدار بئرين ذي حلوة وذي مره وقد جرى عنده مرة ذِكر قتل عثمان وعلي حاضر بالمدينة (٢)، فأنشأ يقول كان وكان: ومن قُتل في جواره مثل ابن عفان فاعتذر يجب عليه أن يقبل في الشام عذر يزيد فأرادت الروافض قتله فاتفق أنه في بعض الليالي، يُسحّر في رمضان، إِذ مرّ بدار الخليفة، فعطس الخليفة في المنظرة (٣)، فشَمَّتَه أبو منصور هذا من الطريق، فارسل إِليه مئة دينار، ورسم بحمايته من الروافض، إِلى أن مات في هذه السنة سامحه (٤) الله. [أبو طاهر الخشوعي] (٥): وفيها: توفي مسند الشام أبو طاهر بركات بن إِبراهيم بن طاهر الخشوعي. شارك ابن عساكر في كثير من مشايخه (٦)، وطالت حياته بعد وفاته بسبع وعشرين سنة، فألحق فيها الأحفاد بالأجداد. ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وخمسمئة فيها: شرع الشيخ أبو عمر محمد بن [أحمد بن] (٧) قدامة (٨) المقدسي [باني المدرسة بسفح قاسيون] (٩)، في بناء المسجد الجامع (١٠) بالجبل (١١) فأنفق (١٢) عليه رجل يقال له الشيخ أبو داود محاسن

стр. 6603

الفامي (١) حتى بلغ البناء مقدار قامة فنفد ما عنده وما كان معه من المال، فأرسل الملك المظفر كُوكُبوري (٢) بن زين الدين صاحب إِرْبَل مالًا جزيلًا ليتممه (٣) به، فكمل، وأرسل ألف دينار ليساق بها إِليه الماء من برزة (٤)، فلم يُمكِّن من ذلك الملك المعظَّم صاحب دمشق، واعتذر بأن هذا فرش قبور كثيرة للمسلمين، فصُنع له بئر وبغل يدور، ووقف (٥) عليه وقفًا لذلك. وفيها: كانت حروب كثيرة وخطوب طويلة بين الخوارزمية والغورية ببلاد المشرق بسطها ابن الأثير (٦). وفيها: درَّس بالنظامية مجد الدين يحيى بن الربيع، وخلع عليه خلعة سنية سوداء وطرحة كحلي وحضر عنده العلماء والأعيان. وفيها: تولى القضاء ببغداد أبو الحسن علي بن سليمان الجيلي وخلع عليه أيضًا. وفيها توفي من المشاهير (٧): القاضي ابن الزكي (٨): محمد بن علي بن محمد بن يحيى (٩) بن علي بن عبد العزيز، أبو المعالي القرشي، محيي الدين قاضي قضاة دمشق. وكل منهم (١٠) كان قاضيًا: أبوه وجده وأبو جده يحيى بن علي المذكور، وهو أول من ولي الحكم بدمشق منهم، وكان هو جد الحافظ أبي القاسم بن عساكر لأمه، وقد ترجمه (١١) في التاريخ ولم يزد على القرشي.

стр. 6604

وقال الشيخ أبو شامة (١): ولو كان أمويًا عثمانيًا كما يزعمون لذكر ذلك ابن عساكر، إِذ كان فيه شرف لجده وخالَيْه محمد وسلطان، ولو كان ذلك صحيحًا لما خفي عليه (٢). اشتغل ابن الزكي على القاضي شرف الدين أبي سعد عبد الله بن محمد بن أبي عَصْرون (٣) وناب عنه في الحكم، وهو أول من ترك النيابة، وهو أول من [خطب بالقدس لما فتحهُ الملك صلاح الدين، كما تقدم بيان ذلك في سنة ثلاث وثمانين، ثم ولي قضاء] (٤) دمشق وأُضيف (٥) إِليه قضاء حلب أيضًا، وكان ناظر أوقاف الجامع، وعزل عنها قبل وفاته بشهور، ووليها شمس الدين ابن الليثي ضمانًا، وقد كان القاضي محيي الدين بن الزكي ينهى الطلبة عن الاشتغال بالمنطق وعلم الكلام، ويمزّق كتب من كان عنده شيء من ذلك بالمدرسة التقوية (٦)، وكان يحفظ العقيدة المسماة "بالمصباح" للغزالي، ويُحَفِّظها أولادَه أيضًا، وكان له درس في التفسير يذكره بالكلاسة، تجاه تربة صلاح الدين، ووقع بينه وبين الإسماعيلية، فأرادوا قتله، فاتخذ له بابًا من داره إِلى الجامع، ليخرج منه إِلى الصلاة، ثم إِنه خولط في عقله، فكان (٧) يعتريه شبه الصرع إِلى أن توفي في شعبان من هذه السنة، ودفن بتربته بسفح قاسيون [ويقال: إِن الحافظ عبد الغني دعا عليه فحصل له هذا الداء العضال، ومات، وكذلك الخطيب الدَّولعي توفي فيها، وهما اللذان قاما على الحافظ عبد الغني، فماتا في هذه السنة فكانا عبرة لغيرهما] (٨). الخطيب الدَّوْلَعي (٩): ضياء الدين أبو القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين التَّغْلبي (١٠) الدَّوْلَعي، نسبة إِلى قرية بالموصل يقال لها الدَّوْلَعِيَّة (١١). ولد بها في سنة ثماني عشرة وخمسمئة، وتفقه ببغداد على مذهب الشافعي، وسمع الحديث:

стр. 6605

فسمع الترمذي على أبي الفتح الكَرُوخي (١)، والنَّسائي على أبي الحسن علي بن أحمد اليزدي (٢)، ثم قدم دمشق فولي بها الخطابة وتدريس الغزالية، وكان زاهدًا متورعًا حسن الطريقة مهيبًا في الحق، [وكانت وفاته] (٣) يوم الثلاثاء تاسع عشر ربيع الأول، ودفن بمقبرة باب الصغير عند قبور الشهداء، وكان يوم جنازته يوما (٤) مشهودًا، وتولى بعده الخطابة ولد أخيه محمد بن أبي الفضل بن زيد سبعًا وثلاثين سنة، وقيل: ولده جمال الدين محمد (٥). وقد كان ابن الزكي ولَّى ولده الزكي الطاهر (٦) فصلّى صلاة واحدة، فتشفع جمال الدين بالأمير علم الدين (٧) أخي العادل، فولاه إِياها، فبقي فيها إِلى أن توفي سنة خمس وثلاثين وستمئة. الشيخ علي بن محمد بن غُلَيْس (٨) اليمني العابد الزاهد (٩): كان مقيمًا شرقي الكلاسة، وكانت له أحوال ومقامات، نقلها الشيخ علم الدين السخاوي عنه، ساقها أبو شامة عنه في الذيل (١٠). الصَّدْر أبو الثَّناء حمّاد بن هبة الله بن حماد الحرّاني التاجر (١١): ولد سنة إِحدى عشرة عام [ولد] (١٢) نور الدين بن زنكي (١٣) وسمع الحديث ببغداد ومصر وغيرهما من [البلدان وحدث] (١٤)، وتوفي في ذي الحجة، ومن شعره قوله (١٥): [من البسيط]

стр. 6606

تَنَقُّلُ المَرْءِ في الآفاقِ يُكْسِبُهُ … مَحاسِنًا لَمْ يَكُنْ فيها (١) بِبَلْدَتِهِ أَمَا تَرى بَيْدَقَ (٢) الشَّطْرنجِ أَكْسَبَهُ … حُسْنُ التَّنَقُّلِ حُسْنًا فَوْقَ رُتْبَتِهِ (٣) الست الجليلة (٤) بنفشا بنت عبد الله (٥): عتيقة المستضيء، وكانت من أكبر حظاياه، ثم صارت بعده من أكثر النساء صدقة وبرًا وإِحسانًا إِلى العلماء والفقراء، لها [بطريق الحجاز معروف كبير، وقفت على الحنابلة مدرسة وأوقافًا دارَّةً، ودفنت] (٦) في (٧) تربتها ببغداد عند تربة معروف الكرخي (٨). ابن المحتسب الشاعر أبو الشكر: محمود (٩) بن سليمان بن سعيد الموصلي يعرف بابن المحتسب، تفقه ببغداد، ثم سافر إِلى البلاد، وصحب ابن الشهرزوري، وقدم معه، فلما ولي قضاء بغداد ولاه نظر أوقاف النظامية، وكان فاضلًا (١٠) يقول الشعر الرائق، فمن ذلك: [من المنسرح] (١١) أَسْلِفْ لَنا في سُلافَةِ العِنَبِ … جَميعَ ما تَقْتَني مِنَ الذَّهَبِ وَانْشبْ مَعَ النَّفْسِ في مُعامَلةٍ … فيها بما عِنْدَنا مِنَ النَّشَبِ جَميعَ ما في الهِمْيانِ يَحْقرُهُ الـ … ـعاقِلُ في لَثْمِ ريقها الشَّنبِ لا سِيَّما إِن أَتَتْكَ كالذَّهَبِ … قَدْ قَلَّدوها عَقْدًا مِنَ الحَبَبِ تَحْرِقُ كَفُّ المُديرِ إِن وقفَ الدَّ … وْرُ بها ساعَةً منَ اللَّهَبِ إِذَا بَدا [لم] (١٢) تَسْترق السَـ … ـمْعَ برِفْقِ اللَّهْوِ واللَّعبِ

стр. 6607

يَتْبَعُه من سَماءِ راووقِها الـ … ـرَّائِقِ [ … ] (١) بالأَنجبِ الشُّهبِ أَمُرُّ بالكَرْمِ خَلْفَ حَائِطِهِ … تَأْخُذُني نَشْوَةٌ من الطَّربِ أَسكر بالأَمسِ إِن عَزَمْتُ على الـ … ـشُّرْبِ غَدًا إِنَّ ذَا مِنَ العَجَبِ حَبيبها سُكْرها وصُحْبَتُها … تَحريمُ شَرْعٍ لسيّدِ العَربِ تَرَكْتُها جانِبًا وَلُذْتُ إِلى … ظِلِّ إِمامٍ ينجّي من النُّوَبِ الطّاهر الطّهر [يرجو] (٢) حُرْمتي … وطاهِرُ الخَلْقِ طاهِرُ النَّسَبِ مَاذَا يَقولُ المُدّاحُ في رَجُلٍ … خَلِيفةُ اللهِ وابنُ عَمِّ نَبِي ومن شعره الرقيق أيضًا قوله: [من الرجز] أهابَ وَصْفُ الخَمْرِ في إِهابها … يا حَبَّذا ما كانَ من مهابِها جاءَ بها السَّاقي وَقَدْ أَقْعَدَهُ … سُكْرٌ فزادَ السّكرُ إِذ جاءَ بها خطابها وثيقةٌ شرعيّةٌ … على الذي يُفْلِسُ من خُطّابِها دعا بها في صدر كلّ باخلٍ … وخلِّيا من كان من دُعّابها فتابها قلب الحسود واشتكوا … كلّ فتى في الناس قد فتا بها أعن بها فإِنها القوى بها … وأسلف النصارى في أعنابها ثوى بها كل السرور عندنا … وإِثمها أكبر من ثوابها ثم دخلت سنة تسع وتسعين وخمسمئة قال سبط ابن الجوزي في "المرآة" (٣): في ليلة السبت سلخ المحرم ماجت النجوم في السماء شرقًا وغربًا (٤)، وتطايرت كالجراد المنتشر يمينًا وشمالًا، قال: ولم ير مثل هذا إِلا في عام المبعث، وفي سنة إِحدى وأربعين ومئتين. [وفي هذه السنة شُرع في عمارة] (٥) سور قلعة دمشق وابتُدئ ببرج الزاوية الغربية القبلية المجاور لباب النصر.

стр. 6608

وفيها: أرسل الخليفة الناصر الخلع وسراويلات الفتوة للملك (١) العادل وبنيه (٢). وفيها: بعث العادل ولده الأشرف موسى (٣) لمحاصرة ماردين، وساعده جيش سنجار والموصل، ثم وقع الصلح على يدي الظاهر، على أن يحمل صاحب ماردين في كل سنة مئة ألف وخمسين ألف دينار، وأن تكون السكة والخطبة للعادل، وأنه متى طلبه بجيشه يحضر إِليه. وفيها: كمل بناء رباط المرزبانية (٤)، ووليه الشيخ شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي (٥)، ومعه جماعة من الصوفية ورتب لهم من المعلوم والجراية ما ينبغي لمثلهم. وفيها: احتجر الملك العادل على محمد بن الملك العزيز وإِخوته وسيَّرهم إِلى الرُّها خوفًا من إِقامتهم (٦) بمصر. وفيها: استحوذت الكُرْج على مدينة دُوَيْن (٧) فقتلوا أهلها ونهبوها، وهي من بلاد أذربيجان، وذلك (٨) لاشتغال ملكها بالفسق (٩) وشرب الخمر قبّحه الله، فتحكمت الكفرة في رقاب المسلمين بسببه، وذلك كله غُل في عنقه يوم القيامة. [غياث الدين الغوري] (١٠): وفيها: توفي الملك غياث الدين الغوري أخو شهاب الدين فقام في الملك (١١) بعده ولده محمود، وتلقَّب بلقب أبيه، وكان غياث الدين عاقلًا حازمًا شجاعًا، لم تكسر له راية قط مع كثرة حروبه، وكان

стр. 6609

شافعي المذهب، قد ابتنى مدرسة هائلة للشافعية (١)، وكانت سيرته حسنة (٢) في غاية الجودة، وكذا سريرته ﵀. وممن توفي فيها من الأعيان أيضًا: الأمير (٣) الكبير فلك الدين أبو منصور: سليمان بن شيروة (٤) بن جلدك (٥) أخو الملك العادل لأمه (٦) في التاسع والعشرين (٧) من المحرم ودفن بداره التي جعلها (٨) مدرسة (٩) في داخل باب الفراديس في محلة الافتريس (١٠)، وأوقف عليها الخمان (١١) بكمالها تقبَّل الله منه. القاضي الضياء الشهرزوري (١٢): [أبو الفضائل القاسم بن يحيى بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري] (١٣) الموصلي، قاضي قضاة بغداد. وهو ابن أخي قاضي قضاة دمشق كمال الدين الشهرزوري، أيام نور الدين. ولما توفي سنة ست وسبعين في الدولة الصلاحية (١٤) أوصى لولد أخيه هذا بالقضاء فوليه، ثم عُزل عنه بابن أبي عصرون، وعوض بالسفارة إِلى الملوك ثم ولي (١٥) قضاء بلدِه الموصل، ثم استدعي إِلى بغداد فوليها سنتين وأربعة

стр. 6610

أشهر، ثم استقال (١) فلم يقله الخليفة لحظوته عنده، فاستشفع بزوجته (٢) ست الملوك على أم الخليفة، وكانت (٣) لها مكانة عندها، فأجيب إِلى ذلك فصار إِلى قضاء حماة لمحبته إِياها، وكان (٤) يُعاب عليه ذلك (٥). وكانت لديه فضائل، وله أشعار رائقة، [وكانت وفاته بحماة في المنتصف من رجب ﵀] (٦). عبيد (٧) الله بن علي بن نصر بن حُمْرَة (٨)، أبو بكر البغدادي المعروف بابن المرستانية (٩): أحد الفضلاء المشهورين. سمع الحديث وجمعه وكان طبيبًا منجمًا، يعرف علوم الأوائل وأيام الناس، وصنَّف، ديوان الإسلام في تاريخ دار السلام"، ورتبه على ثلاثمئة وستين كتابًا، إِلا أنه لم يشتهر، وجمع سيرة ابن هُبيرة، وقد كان يزعم أنه من سلالة الصدِّيق، فتكلموا فيه بسبب ذلك وأنشد بعضهم (١٠): [من الوافر] دَعِ الأَنْسَابَ لا تَعْرِضْ لِتَيْمٍ … فَإِنَّ الهُجْنَ من وَلَدِ الصَّميمِ لَقَدْ أَصْبَحْتَ من تَيْمٍ دَعِيًّا … كَدَعْوَى حَيْصَ بَيْصَ إِلى تَمِيمِ ابن نجا (١١) الواعظ (١٢): علي بن إبراهيم بن نجا، زين الدين أبو الحسن الدمشقي، الواعظ الحنبلي. قدم بغداد فتفقه بها، وسمع الحديث، ثم رجع إِلى بلده دمشق (١٣)، ثم عاد إِليها رسولًا من جهة نور

стр. 6611

الدين في سنة أربع وستين وحَدَّث بها، ثم كانت له حظوة عند الملك الناصر صلاح الدين وهو الذي نَمَّ على عمارة اليمني وذويه فصُلبوا، وكانث له مكانة بمصر. وقد تكلم يوم الجمعة التي خطب فيها بالقدس الشريف (١) بعد الفراغ من الجمعة، وكان وقتًا مشهودًا. وكان يعيش عيشًا [هائلًا كما يعيشها] (٢) الملوك في الأطعمة والملابس، وكانت (٣) عنده أكثر من عشرين (٤) سرية من أحسن النساء، كل واحدة بألف دينار، فكان يطوف عليهن ويغشاهن، وبعد ذلك كله مات فقيرًا لم يخلف كفنًا، وقد أنشد وهو على منبره للوزير طلائع (٥) بن رُزِّيك (٦): [من الوافر] مَشيبُكَ قَدْ قَضَى صَبْغَ (٧) الشَّبابِ … وحلَّ البازُ في وكْرِ الغُرابِ تَنامُ ومُقْلَةُ الحدثانِ يَقْظَى … وما نِابَ النَّوائِبُ عنكَ نابِ وكَيْفَ (٨) بقاءُ عُمْركَ وَهْوُ كَنْزٌ … وَقَدْ أنْفَقْتَ منهُ بلا حسابِ [المؤيد التكريتي] (٩): الشيخ أبو البركات محمد بن أحمد بن سعيد التكريتي ويعرف (١٠) بالمُؤيَّد، وكان أديبًا شاعرًا، ومما نظمه في الوجيه النحوي (١١) حين كان حنبليًا فانتقل حنفيًا، ثم صار شافعيًا [نظم ذلك] (١٢) في حلقة النحو بالنظامية فقال (١٣): [من الطويل]

стр. 6612

أَلَا مُبْلِغٌ (١) عَنِّي الوَجِيهَ رِسالةً … وإِنْ كانَ لا تُجْدي لَدَيْهِ الرَّسائلُ تَمَذْهَبْتَ للنُّعْمانِ بَعْدَ ابْنِ حَنْبَلٍ … وذلِكَ لَمّا أَعْوَزَتْكَ المآكِلُ وَمَا اخْتَرْتَ رَأْيَ الشَّافِعيّ تَدَيُّنًا (٢) … وَلَكِنَّما تَهْوَى الذي هُوَ حَاصِلُ وَعَمَّا قَلِيل أَنْتَ لا شَكَّ صَائِرٌ … إِلى مَالِكٍ فَانْظُرْ إِلى ما أَنْتَ قَائِلُ الست الجليلة المصونة (٣) زمرد (٤) خاتون: أم الخليفة الناصر لدين الله بن (٥) المستضيء. كانت صالحة عابدة كثيرة البر والإحسان (٦) والصلات والأوقاف والصدقات، عمرت المصانع بطريق الحجاز الشريف، وأصلحت الطرقات، بنت لها تربة إِلى جانب قبر معروف الكرخي، وكانت جنازتها مشهودة (٧) جدًا، واستمر العزاء بسببها شهرًا، وعاشت في زمان خلافة ولدها أربعًا وعشرين سنة نافذة الكلمة مطاعة (٨) الأوامر. [مولد أبي شامة]: [وفي هذه السنة] (٩) كان مولد الشيخ شهاب الدين أبي شامة، وقد ترجم نفسه عند ذكر مولده في هذه السنة في "الذيل" (١٠) ترجمة مطولة فينقل إِلى سنة وفاته ﵀. وذكر بدء أمره واشتغاله ومصنفاته وشيئًا كثيرًا من أشعاره وما رئي له من المنامات المبشِّرة. وفي هذه السنة كان ابتداء ملك جنكيز خان ملك التتار (١١) [عليه من الله ما يستحقه] (١٢)، وهو صاحب الياسق (١٣) وضعها ليتحاكم (١٤) إِليها التتار ومن معهم من أمراء الترك ممن يبتغي حكم الجاهلية، وهو والد تولي، وجد هولاكو بن تولي، الذي قتل الخليفة المستعصم، وأهل بغداد في سنة

стр. 6613

ست وخمسين وستمئة كما سيأتي بيانه إِن (١) شاء الله تعالى في موضعه واللّه أعلم. [ثم دخلت] (٢) سنة ستمئة من الهجرة النبوية في هذه السنة كانت الفرنج قد جمعوا (٣) خلقًا منهم ليستعيدوا بيت المقدس من أيدي المسلمين، فيما كانوا زاعمين، فأشغلهم الله [عن ذلك] (٤) بقتال الروم، وذلك أنهم اجتازوا في طريقهم بالقسطنطينية فوجدوا ملوكها قد اختلفوا فيما بينهم، فحاصروها حتى فتحوها قسرًا، وأباحوها ثلاثة أيام قتلًا وأسرًا، واحترق (٥) أكثر من ربع ريعها، وما أصبح أحد من الروم [بعد الثلاث] (٦) إِلا قتيلًا أو فقيرًا أو مكبولًا أو أسيرًا، ولجأ (٧) عامة من بقي منها (٨) إِلى كنيستها العظمى المسماة بسوفيا (٩)، فقصدها (١٠) الفرنج فخرج إِليهم القسوس (١١) بالأناجيل ليتوسلوا إِليهم، ويتلو ما فيها عليهم، فما التفتوا إِلى شيء مما [واجهوهم به] (١٢). بل قتلوهم أجمعين أكتعين أبصعين، وأخذوا ما كان في الكنيسة من الحلي والأذهاب والأموال التي لا تحصى ولا تعد، وأخذوا ما كان على الصلبان والحيطان، والحمد للّه الرحيم الرحمن الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ثم اقترع ملوك الفرنج، وكانوا ثلاثة وهم دوقس (١٣) البنادفة، وكان شيخًا أعمى يقاد فرسه، ومركيس الإفرنسيس وكنْد أفلند، وكان أكثرهم عَددًا وعُددًا، فخرجت القرعة له ثلاث مرات، فولّوه ملك القسطنطينية وأخذ الملكان الآخران بعض البلاد، وتحول الملك من الروم إِلى الفرنج بالقسطنطينية في هذه السنة ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] ولم يبق بأيدي الروم هنالك إِلا ما وراء الخليج استحوذ عليه رجل منهم يقال له (١٤) لشكري، لم يزل مالكًا لتلك الناحية حتى توفي، لعنه الله.

стр. 6614

ثم إِن الفرنج لعنهم اللّه قصدوا بلاد الشام، وقد تقوَّوا بملكهم القسطنطينية فنزلوا عكا، وأغاروا على كثير من بلاد الإسلام من ناحية الغور وتلك الأراضي، فقتلوا وسبَوا، فنهض إِليهم الملك العادل، وكان بدمشق، ولله الحمد، واستدعى الجيوش (١) المصرية والمشرقية (٢)، ونازلهم بالقرب من عكا، فكان بينهم قتال شديد [ومصابرة عظيمة] (٣)، ثم وقع الصلح بينهم والهدنة، وأطلق لهم السلطان شيئًا من [بعض البلدان] (٤) فإنا لله وإِنا إِليه راجعون. [وفي هذه السنة] (٥) جرت حروب كثيرة بين الخوارزمية والغورية بالمشرق يطول ذكرها. وفيها: تحارب صاحب الموصل (٦) وقطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي صاحب سنجار، وساعد (٧) الأشرف (٨) بن العادل [وهو بحزان قطب الدين] (٩)، ثم اصطلحوا فيما بينهم وتزوج الأشرف أخت نور الدين، وهي الأتابكية بنت عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي واقفة المدرسة الأتابكية التي بالسفح (١٠) وبها تربتها رحمها الله تعالى. وفيها: كانت زلزلة عظيمة [بديار مصر] (١١) والشام والجزيرة وقبرص وغير ذلك من البلاد، قاله ابن الأثير في "كامله" (١٢). وفيها: تغلَّب رجل من التجار، يقال له: محمودبن محمد الحميري على بعض بلاد حضرموت ظفار وغيرها، واستمرت أيامه إِلى سنة تسع عشرة وستمئة وما بعدها. وفي جمادى الأولى منها عقد مجلس لقاضي القضاة ببغداد وهو أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن سَلْمان

стр. 6615

الحلي (١) بدار الوزير، وثبت عليه محضر بأنه يتناول الرُّشا، فعزل في ذلك المجلس وفُسِّق، ونزعت الطرحة عن رأسه، وكانت مدة ولايته سنتين وثلاثة أشهر. وفيها: كانت وفاة الملك ركن الدين بن قلج أرسلان [صاحب بلاد الروم ما بين ملطية وقونية وكانت فيه شهامة وصرامة غير أنه] (٢) كان ينسب إِلى اعتقاد الفلاسفة، ولهذا كان كهفًا لمن ينسب إِلى ذلك، وملجأ لهم، وظهر منه قبل موته تجهرم عظيم، وذلك أنه حاصر أخاه شقيقه -وكان صاحب أنكورية، وتسمى أيضًا أنقرة- مدة سنين حتى ضيق عليه الأقوات بها، فسلمها إِليه قسرًا، على أن يعطيه بعض البلاد. فلما تمكَّن منه ومن أولاده أرسل إِليهم من قتلهم غدرًا وخديعة ومكررًا فلم ينظر [بعد ذلك] (٣) إِلا خمسة أيام حتى ضربه (٤) اللّه تعالى بالقولنج سبعة أيام ومات ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] وأقام بالملك من بعده ولده قليج (٥) أرسلان وكان صغيرًا فبقي سنة واحدة، ثم نزع منه الملك أيضًا وصار إِلى عمه كيخسرو (٦). وفيها: قُتل خلق كثير من الباطنية بواسط وللّه الحمد. قال ابن الأثير (٧): وفي رجب (٨) اجتمع جماعة من الصوفية برباط ببغداد في سماع فأنشدهم الحادي وهو الجمال الحلي: [مجزوء المتقارب] أَعاذِلَتي أَقْصرِي … كَفَى بمَشِيبي عَذَلْ شَبابٌ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ … وَشَيبٌ كَأَنْ لَمْ يَزَلْ وبَثِّى (٩) ليالي الوِصالِ … أواخِرها والأُوَلْ وصُفْرَةُ لَوْن المُحِبـ … ـبِ عِنْدَ اسْتِمَاعِ الغَزَلْ

стр. 6616

لئِنْ عَادَ عَيْشي لَكُمْ … حَلا العَيْشُ لِي وَاتَّصَلْ (١) [فَلَسْتُ أُبالي بما نالني … ولستُ أُبالي بأَهْلٍ وَمَلْ] (٢) قال: فتحرك الصوفية على العادة، فتواجد من بينهم رجل يقال له أحمد الرازي (٣)، فخرَّ مغشيًا عليه، فحركوه فإِذا هو ميت. قال: وكان رجلًا صالحًا. وقال ابن الساعي: كان شيخًا صالحًا، صحب الصدر عبد الرحيم (٤) شيخ الشيوخ، فشهد الناس جنازته، ودفن بباب أبرز. وفيها توفي من الأعيان: أبو [محمد] القاسم بهاء الدين (٥): الحافظ بن الحافظ أبي القاسم علي بن هبة الله بن عساكر. كان مولده في سنة سبع وعشرين وخمسمئة، أسمعه أبوه الكثير، وشارك أباه في أكثر مشايخه، وكتب تاريخ أبيه مرتين بخطه، وكتب الكثير وأسمع وصنف كتبًا عدة، وخلف أباه في إِسماع الحديث بالجامع الأموي ودار الحديث النورية، [وكانت وفاته] (٦) يوم الخميس ثامن صفر ودفن بعد العصر على أبيه بمقابر باب الصغير شرقي قبور الصحابة خارج الحظيرة رحمهما الله. الحافظ عبد الغني المقدسي (٧): عبد الواحد (٨) بن علي بن سرور الحافظ أبو محمد المقدسي. صاحب التصانيف المشهورة، من ذلك "الكمال في أسماء الرجال" و"الأحكام الكبرى والصغرى" وغير ذلك. ولد بجَمَّاعيل في ربيع الآخر سنة إِحدى وأربعين وخمسمئة، وهو أسنّ من عَمَّيْه (٩) الإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي والشيخ أبي عمر (١٠) بأربعة أشهر وكان قدومهما مع

стр. 6617

أهلهما من بيت المقدس إِلى مسجد أبي صالح (١) أولًا، ثم انتقلوا إِلى السفح، فعرفت المحلة (٢) بهم، فقيل لها الصالحية، فسكنوا الدير، وقرأ الحافظ عبد الغني القرآن، وسمع الحديث وارتحل هو والموفق إِلى بغداد سنة ستين وخمسمئة، فأنزلهما الشيخ عبد القادر عنده في المدرسة، [وكان لا يترك أحدًا ينزل عنده] (٣) ولكنه (٤) توسَّم فيهما النجابة والخير (٥) والصلاح، فأكرمهما وأسمعهما، ثم توفي بعد مقدمهما بخمسين ليلة (٦) [﵀] (٧)، وكان ميل عبد الغني إِلى الحديث وأسماء الرجال، وميل الموفق إِلى الفقه، واشتغلا على الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي (٨) وعلى الشيخ أبي الفتح ابن المَنِّي (٩) ثم قدما دمشق بعد أربع سنين، فدخل عبد الغني إِلى مصر وإِسكندرية، ثم عاد إِلى دمشق، ثم ارتحل إِلى الجزيرة وبغداد، ثم رحل (١٠) إِلى أصبهان، فسمع بها الكثير، ووقف على مصنف للحافظ أبي نُعيم في أسماء الصحابة، قلت: وهو عندي بخط أبي نعيم. فأخذ في مناقشته في أماكن من الكتاب في مئة وتسعين موضعًا (١١)، فغضب بنو الجُجَنْدي من ذلك [وتعصبوا عليه] (١٢)، وأخرجوه منها مختفيًا في إِزار. ولما دخل في طريقه إِلى الموصل سمع كتاب (١٣) العقيلي في الجرح والتعديل، فثار عليه الحنفية بسبب ترجمة (١٤) أبي حنيفة (١٥) فخرج منها أيضًا خائفًا يترقب.

стр. 6618

فلما ورد دمشق كان يقرأ الحديث بعد صلاة الجمعة برواق الحنابلة من جامع دمشق فاجتمع (١) الناس إِليه (٢)، وكان رقيق القلب سريع الدمعة، فحصل له قبول من الناس جدًا، فحسده بنو الزكي والدَّولعي وكبار الشافعيه (٣) وبعض الحنابلة الدماشقة (٤)، وجهزوا الناصح الحنبلي (٥)، فتكلم تحت قبة النسر، وأمروه أن يجهر بصوته مهما أمكنه حتى يشوش عليه، فحوَّل عبد الغني ميعاده إِلى بعد العصر، فذكر يومًا عقيدته على الكرسي، فثار عليه القاضي محيي الدين بن الزكي (٦) وضياء الدين الدَّولعي، وعقد له مجلس بالقلعة (٧) في يوم الإثنين الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة خمس وتسعين، وتكلموا معه في مسألة العلو ومسألة النزول ومسألة الحرف والصوت وطال الكلام وظهر عليهم بالحجة، فقال له بزغش نائب القلعة: كل هؤلاء على الضلالة وأنت على الحق! قال: نعم، فغضب بزغش من ذلك وأمره بالخروج من البلد، فارتحل بعد ثلاث إِلى بعلبك، ثم إِلى الديار المصرية (٨)، فآواه الطحّانون، فكان يقرأ الحديث بها، فثار عليه الفقهاء بمصر أيضًا، وكتبوا إِلى الوزير صفي الدين بن شكر، فأمر (٩) بنفيه إِلى المغرب، فمات قبل وصول الكتاب يوم الإثنين الثالث والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة. وله تسع (١٠) وخمسون سنة * ودفن بالقرافة عند الشيخ أبي عمر بن مرزوق رحمهما الله. قال (١١) السبط (١٢): كان عبد الغني ورعًا زاهدًا عابدًا يصلي كل يوم ثلاثمئة ركعة كورد الإمام أحمد، ويقوم الليل، ويصوم عامة السنة. وكان كريمًا جوادًا لا يدّخر شيئًا، ويتصدق على الأرامل والأيتام حيث لا يراه أحد، وكان يرقع ثوبه، ويؤثر [بثمن الجديد] (١٣)، وكان قد ضعف بصره من كثرة المطالعة والبكاء، وكان أوحد زمانه في علم الحديث والحفظ.

стр. 6619

قلت: وقد هذب شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي، [تغمده اللّه برحمته] (١)، كتابه "الكمال في أسماء الرجال" رجال الكتب الستة بتهذيبه الذي استدرك عليه فيه أماكن كثيرة نحوًا من ألف موضع، وذلك الإمام المزي الذي [لا يبارى ولا يجارى ولا يمارى] (٢)، وكتابه "التهذيب" لم يسبق إِلى مثله، ولا يلحق في شكله (٣)، [فرحم اللّه صاحبَي التهذيب والكمال] (٤)، فلقد كانا نادرين في زمانهما في الرجال (٥) حفظًا وإِتقانًا وسماعًا وإِسماعًا وسردًا للمتون وأسماء الرجال، [والحاسد لا يفلح ولا ينال منالًا طائلًا] (٦). قال ابن الأثير في "الكامل" وفيها توفي: أبو الفتوح أسعد بن محمود العجلي (٧)، صاحب "تتمة التتمة" (٨): أسعد بن أبي الفضائل (٩) محمود (١٠) بن خلف العجلي الفقيه الشافعي الأصبهاني الواعظ منتجب الدين (١١)، سمع [الحديث وتفقه وبرع، وصنف "تتمة التتمة" لأبي سعد] (١٢) الهروي، وكان زاهدًا عابدًا. وله "شرح مشكلات الوسيط والوجيز". قال ابن (١٣) خلكان: توفي في صفر سنة ستمئة [وله خمس وثمانون سنة، ﵀] (١٤).

стр. 6620

البناني الشاعر: أبو عبد الله محمد بن المُهَنَّا بن محمد الشاعر الشهير المعروف بالبناني (١). مدح الخلفاء والوزراء والأمراء وغيرهم، وكبر (٢) وعَلَتْ سنُّه، وكان رقيق الشعر لطيفه ظريفه [فمنه قوله] (٣): [من البسيط] ظُلْمًا تَرَى مُغْرَمًا في الحبِّ تَزْجُرُهُ (٤) … وَغَيْرُهُ بالهَوَى أَمْسَيْتَ تُنْكِرُهُ يا عاذِلَ الصَّبِّ لَوْ عَايَنْتَ قاتِلَهُ … بِوَجْنَةٍ (٥) وعذارٍ كُنْتَ تَعْذِرُهُ أَفْدي الذي سِحْرُ (٦) عَيْنَيْهِ يُعَلِّمني … إِذا تَصَدَّى لِقَتْلِي كَيْفَ أَسْحَرُهُ يَسْتَمْتِعُ اللَّيْلَ في نَوْمٍ وَأَسْهَرُهُ … إِلى الصَّباحِ ويَنْساني وَأَذْكُرُهُ وله أيضًا: [مجزوء الكامل] بَكَرَتْ تُديرُ على العَواذِلْ … وَتَجُزُ ذَيْلًا في الخَمَائِلْ وَتهزُّ في ثنْي الغَلا … ئِلِ عطْفَها هَزّ الذَّوابِلْ وتَميلُ للغُصْنِ الرَّطيـ … ــــبِ إِذا تَمَاثَلَ أَو تَمَايَلْ بَيْضَاءَ صَبْغَةُ خَدِّهَا … تنمي وصَبْغُ الوَرْدِ هَائِلْ شَهِدَ الجُنَاةُ وِصَالَها … وَصُدودُها سمُّ القَواتِلْ أبو سعيد الحسن بن خالد (٧) بن المبارك [بن مخطر] (٨) النصراني المارداني الملقب بالوحيد: اشتغل في حداثته بعلم الأوائل وأتقنه وبرز فيه، وكانت له يد طولى في الشعر الرائق، فمن ذلك قوله قاتله الله: [من الطويل] أتاني كِتابٌ أنْشَأَتْهُ أَنَامِلٌ … حَوَتْ أَبْحُرًا مِنْ فَيْضِها يَغْرِفُ (٩) البَحْرُ
следующие страницы →