← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

لئِنْ عَادَ عَيْشي لَكُمْ … حَلا العَيْشُ لِي وَاتَّصَلْ (١) [فَلَسْتُ أُبالي بما نالني … ولستُ أُبالي بأَهْلٍ وَمَلْ] (٢) قال: فتحرك الصوفية على العادة، فتواجد من بينهم رجل يقال له أحمد الرازي (٣)، فخرَّ مغشيًا عليه، فحركوه فإِذا هو ميت. قال: وكان رجلًا صالحًا. وقال ابن الساعي: كان شيخًا صالحًا، صحب الصدر عبد الرحيم (٤) شيخ الشيوخ، فشهد الناس جنازته، ودفن بباب أبرز. وفيها توفي من الأعيان: أبو [محمد] القاسم بهاء الدين (٥): الحافظ بن الحافظ أبي القاسم علي بن هبة الله بن عساكر. كان مولده في سنة سبع وعشرين وخمسمئة، أسمعه أبوه الكثير، وشارك أباه في أكثر مشايخه، وكتب تاريخ أبيه مرتين بخطه، وكتب الكثير وأسمع وصنف كتبًا عدة، وخلف أباه في إِسماع الحديث بالجامع الأموي ودار الحديث النورية، [وكانت وفاته] (٦) يوم الخميس ثامن صفر ودفن بعد العصر على أبيه بمقابر باب الصغير شرقي قبور الصحابة خارج الحظيرة رحمهما الله. الحافظ عبد الغني المقدسي (٧): عبد الواحد (٨) بن علي بن سرور الحافظ أبو محمد المقدسي. صاحب التصانيف المشهورة، من ذلك "الكمال في أسماء الرجال" و"الأحكام الكبرى والصغرى" وغير ذلك. ولد بجَمَّاعيل في ربيع الآخر سنة إِحدى وأربعين وخمسمئة، وهو أسنّ من عَمَّيْه (٩) الإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي والشيخ أبي عمر (١٠) بأربعة أشهر وكان قدومهما مع

стр. 6617

أهلهما من بيت المقدس إِلى مسجد أبي صالح (١) أولًا، ثم انتقلوا إِلى السفح، فعرفت المحلة (٢) بهم، فقيل لها الصالحية، فسكنوا الدير، وقرأ الحافظ عبد الغني القرآن، وسمع الحديث وارتحل هو والموفق إِلى بغداد سنة ستين وخمسمئة، فأنزلهما الشيخ عبد القادر عنده في المدرسة، [وكان لا يترك أحدًا ينزل عنده] (٣) ولكنه (٤) توسَّم فيهما النجابة والخير (٥) والصلاح، فأكرمهما وأسمعهما، ثم توفي بعد مقدمهما بخمسين ليلة (٦) [﵀] (٧)، وكان ميل عبد الغني إِلى الحديث وأسماء الرجال، وميل الموفق إِلى الفقه، واشتغلا على الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي (٨) وعلى الشيخ أبي الفتح ابن المَنِّي (٩) ثم قدما دمشق بعد أربع سنين، فدخل عبد الغني إِلى مصر وإِسكندرية، ثم عاد إِلى دمشق، ثم ارتحل إِلى الجزيرة وبغداد، ثم رحل (١٠) إِلى أصبهان، فسمع بها الكثير، ووقف على مصنف للحافظ أبي نُعيم في أسماء الصحابة، قلت: وهو عندي بخط أبي نعيم. فأخذ في مناقشته في أماكن من الكتاب في مئة وتسعين موضعًا (١١)، فغضب بنو الجُجَنْدي من ذلك [وتعصبوا عليه] (١٢)، وأخرجوه منها مختفيًا في إِزار. ولما دخل في طريقه إِلى الموصل سمع كتاب (١٣) العقيلي في الجرح والتعديل، فثار عليه الحنفية بسبب ترجمة (١٤) أبي حنيفة (١٥) فخرج منها أيضًا خائفًا يترقب.

стр. 6618

فلما ورد دمشق كان يقرأ الحديث بعد صلاة الجمعة برواق الحنابلة من جامع دمشق فاجتمع (١) الناس إِليه (٢)، وكان رقيق القلب سريع الدمعة، فحصل له قبول من الناس جدًا، فحسده بنو الزكي والدَّولعي وكبار الشافعيه (٣) وبعض الحنابلة الدماشقة (٤)، وجهزوا الناصح الحنبلي (٥)، فتكلم تحت قبة النسر، وأمروه أن يجهر بصوته مهما أمكنه حتى يشوش عليه، فحوَّل عبد الغني ميعاده إِلى بعد العصر، فذكر يومًا عقيدته على الكرسي، فثار عليه القاضي محيي الدين بن الزكي (٦) وضياء الدين الدَّولعي، وعقد له مجلس بالقلعة (٧) في يوم الإثنين الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة خمس وتسعين، وتكلموا معه في مسألة العلو ومسألة النزول ومسألة الحرف والصوت وطال الكلام وظهر عليهم بالحجة، فقال له بزغش نائب القلعة: كل هؤلاء على الضلالة وأنت على الحق! قال: نعم، فغضب بزغش من ذلك وأمره بالخروج من البلد، فارتحل بعد ثلاث إِلى بعلبك، ثم إِلى الديار المصرية (٨)، فآواه الطحّانون، فكان يقرأ الحديث بها، فثار عليه الفقهاء بمصر أيضًا، وكتبوا إِلى الوزير صفي الدين بن شكر، فأمر (٩) بنفيه إِلى المغرب، فمات قبل وصول الكتاب يوم الإثنين الثالث والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة. وله تسع (١٠) وخمسون سنة * ودفن بالقرافة عند الشيخ أبي عمر بن مرزوق رحمهما الله. قال (١١) السبط (١٢): كان عبد الغني ورعًا زاهدًا عابدًا يصلي كل يوم ثلاثمئة ركعة كورد الإمام أحمد، ويقوم الليل، ويصوم عامة السنة. وكان كريمًا جوادًا لا يدّخر شيئًا، ويتصدق على الأرامل والأيتام حيث لا يراه أحد، وكان يرقع ثوبه، ويؤثر [بثمن الجديد] (١٣)، وكان قد ضعف بصره من كثرة المطالعة والبكاء، وكان أوحد زمانه في علم الحديث والحفظ.

стр. 6619

قلت: وقد هذب شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي، [تغمده اللّه برحمته] (١)، كتابه "الكمال في أسماء الرجال" رجال الكتب الستة بتهذيبه الذي استدرك عليه فيه أماكن كثيرة نحوًا من ألف موضع، وذلك الإمام المزي الذي [لا يبارى ولا يجارى ولا يمارى] (٢)، وكتابه "التهذيب" لم يسبق إِلى مثله، ولا يلحق في شكله (٣)، [فرحم اللّه صاحبَي التهذيب والكمال] (٤)، فلقد كانا نادرين في زمانهما في الرجال (٥) حفظًا وإِتقانًا وسماعًا وإِسماعًا وسردًا للمتون وأسماء الرجال، [والحاسد لا يفلح ولا ينال منالًا طائلًا] (٦). قال ابن الأثير في "الكامل" وفيها توفي: أبو الفتوح أسعد بن محمود العجلي (٧)، صاحب "تتمة التتمة" (٨): أسعد بن أبي الفضائل (٩) محمود (١٠) بن خلف العجلي الفقيه الشافعي الأصبهاني الواعظ منتجب الدين (١١)، سمع [الحديث وتفقه وبرع، وصنف "تتمة التتمة" لأبي سعد] (١٢) الهروي، وكان زاهدًا عابدًا. وله "شرح مشكلات الوسيط والوجيز". قال ابن (١٣) خلكان: توفي في صفر سنة ستمئة [وله خمس وثمانون سنة، ﵀] (١٤).

стр. 6620

البناني الشاعر: أبو عبد الله محمد بن المُهَنَّا بن محمد الشاعر الشهير المعروف بالبناني (١). مدح الخلفاء والوزراء والأمراء وغيرهم، وكبر (٢) وعَلَتْ سنُّه، وكان رقيق الشعر لطيفه ظريفه [فمنه قوله] (٣): [من البسيط] ظُلْمًا تَرَى مُغْرَمًا في الحبِّ تَزْجُرُهُ (٤) … وَغَيْرُهُ بالهَوَى أَمْسَيْتَ تُنْكِرُهُ يا عاذِلَ الصَّبِّ لَوْ عَايَنْتَ قاتِلَهُ … بِوَجْنَةٍ (٥) وعذارٍ كُنْتَ تَعْذِرُهُ أَفْدي الذي سِحْرُ (٦) عَيْنَيْهِ يُعَلِّمني … إِذا تَصَدَّى لِقَتْلِي كَيْفَ أَسْحَرُهُ يَسْتَمْتِعُ اللَّيْلَ في نَوْمٍ وَأَسْهَرُهُ … إِلى الصَّباحِ ويَنْساني وَأَذْكُرُهُ وله أيضًا: [مجزوء الكامل] بَكَرَتْ تُديرُ على العَواذِلْ … وَتَجُزُ ذَيْلًا في الخَمَائِلْ وَتهزُّ في ثنْي الغَلا … ئِلِ عطْفَها هَزّ الذَّوابِلْ وتَميلُ للغُصْنِ الرَّطيـ … ــــبِ إِذا تَمَاثَلَ أَو تَمَايَلْ بَيْضَاءَ صَبْغَةُ خَدِّهَا … تنمي وصَبْغُ الوَرْدِ هَائِلْ شَهِدَ الجُنَاةُ وِصَالَها … وَصُدودُها سمُّ القَواتِلْ أبو سعيد الحسن بن خالد (٧) بن المبارك [بن مخطر] (٨) النصراني المارداني الملقب بالوحيد: اشتغل في حداثته بعلم الأوائل وأتقنه وبرز فيه، وكانت له يد طولى في الشعر الرائق، فمن ذلك قوله قاتله الله: [من الطويل] أتاني كِتابٌ أنْشَأَتْهُ أَنَامِلٌ … حَوَتْ أَبْحُرًا مِنْ فَيْضِها يَغْرِفُ (٩) البَحْرُ

стр. 6621

فَوَاعَجَبًا أَنَّى الْتَوَتْ فَوْقَ طِرْسِهِ … وَمَا عُوِّدَتْ بِالقَبْضِ أَنْمُلُهُ العَشْرُ وله أيضًا لعنه الله: [من الطويل] لَقَدْ أَثَّرَتْ صدْغاهُ في لَوْنِ خَدِّهِ … وَلاحا كَفَيْءٍ مِنْ وَراءَ زُجاجِ تَرَى عَسْكرًا للرُّومِ في الرِّيحِ مُذْ بَدَتْ … طلائِعُهُ (١) تَسْعَى لِيَوْمِ هِياجِ أَمِ الصُّبْحُ بِاللَّيْلِ البَهِيجِ مُوَشَّحٌ … حَكى آبنوسًا في صَحِيفَةِ عاجِ لَقَدْ غَارَ صَدْغاهُ على وَرْدِ خَدِّهِ … فَسَيَّجَهُ مِنْ شِعْرِهِ بِسِياجِ الطاووسي صاحب الطريقة (٢): العراقي بن محمد (٣) بن العراقي ركن الدين أبو الفضل القزويني ثم الهمذاني، المعروف بالطاووسي. كان بارعًا في علم الخلاف والجدل والمناظرة (٤). أخذ [هذا الشأن] (٥) عن الشيخ رضي الدين النيسابوري الحنفي، وصنف في ذلك ثلاث تعاليق. قال ابن خلكان (٦): أحسنهن الوسطى. وكانت إِليه الرحلة بهمذان، وتد بنى له بعض الحجبة (٧) بها مدرسة تعرف بالحاجبية، وكانت وفاته في هذه السنة، ويقال: إِنه منسوب إِلى طاووس بن كيسان التابعي، فالله (٨) أعلم. تم تحقيق هذا الجزء من كتاب البداية والنهاية لابن كثير في صبيحة يوم الأحد الخامس من شهر ذي الحجة من سنة ١٤٠٦ هـ، العاشر من شهر آب من سنة ١٩٨٦ م، ولله الحمد من قبل ومن بعد.

стр. 6622

البداية والنهاية «٦٠١ هـ - ٧٠٠ هـ» تأليف الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير [٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ] حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه د. رياض عبد الحميد مراد - محمد حسان عبيد راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف الجزء الخامس عشر

стр. 6623

ثم دخلت سنة إحدى وستمئة (١) فيها: عزل الخليفة الناصر ولدَه محمدًا (٢) الملقب بالظاهر عن ولاية العهد بعد ما خطب له سبع عشرة سنة. وولَّى العهد ولدَه الآخر عليًّا، فمات عليٌّ من قريب، فعاد الأمر إِلى الظاهر، فبويع له بالخلافة بعد أبيه الناصر كما سيأتي في سنة ثلاث وعشرين وستمئة. وفيها: وقع حريقٌ عظيمٌ بدار الخلافة في خزائن السلاح، فاحترق من ذلك شيءٌ كثيرٌ من السلاح والأمتعة والمساكن ما يقارب قيمتُه أربعة آلاف ألف دينار، وشاع خبرُ هذا الحريق في الناس، فأرسلت الملوك من سائر الأقطار هدايا [أسلحة إِلى الخليفة عوضًا عن ذلك وفوقه من ذلك شيئًا كثيرًا] (٣). وفيها: عاثت الكُرجُ ببلاد المسلمين فقتلوا خلقًا، وأسروا أُمما (٤). وفيها: وفعت الحربُ بين أمير مكة قتادة الحَسَني (٥)، وبين أمير المدينة سالم بن قاسم الحسيني، وكان قتادة قد قصد المدينة فحصر سالمًا فيها، فركب إِليه سالم بعد ما صلى عند الحجرة واستنصر اللّه على قتادة (٦)، ثم برز إِليه فكسره وساق وراءه إِلى مكة فحصره بها، ثم إِن قتادة أرسل (٧) إِلى أمراء سالم فأفسدهم عليه، فكرَّ سالم راجعًا إِلى المدينة، وهو سالم (٨). وفيها: ملك غياث الدين كيخسرو (٩) بن قِلج أرسلان بن مسعود بن قِلج بن سليمان بن قتلمش بلادَ الروم، واستلبها من ابن أخيه، واستقرَّ هو بها وعظم شأنه وقويت شوكتُه، وكثرت عساكره وأطاعه الأمراء وأصحاب الأطراف، وخطبَ له الأفضل بن صلاح الدين بسميساط، وسار إِلى خدمته.

стр. 6624

واتفق في هذه السنة أن رجلًا ببغداد نزل إِلى دجلة يسبح فيها وأعطى ثيابه لغلامه فغرق في الماء فوجد في ورقة بعمامته هذه الأبيات: يا أيُّها الناسُ كانَ لي أَمَلٌ … قَصَّرَ بي عن بلوغِهِ الأَجَلُ فليتَّقِ اللّهَ ربَّهُ رجلٌ … أمكَنهُ في حياتِه العملُ ما أَنا وحدي نقلت حيث ترى … كلٌّ إِلى مثله سينتقلُ (١) وممن توفي فيها من المشايخ والأعيان: أبو الحسن علي بن (الحسن بن) (٢) عنتر (٣) بن ثابت الحلِّي (٤) المعروف بشُمَيْم. كان شيخًا أديبًا لغويًا شاعرًا جمع من شعره "حماسةً" كان يفضّلها على "حماسة أبي تمام"، وله خمريات (٥) يزعم أنها أفحلُ من التي لأبي نواس. قال أبو شامة في "الذيل" (٦): كان قليلَ الدين، ذا حماقة ورقاعة وخلاعة (٧)، وله "حماسة" و"رسائل". قال ابن الساعي: قدم بغداد فأخذ النحو عن ابن الخشاب، وحصَّلَ منه طرفًا صالحًا من النحو، واللغة (٨) وأشعار العرب، ثم أقام بالموصل حتى توفي بها (٩). ومن شعره [في حماسته]: [من الكامل] لا تَسْرَحَنَّ الطرفَ في مُقَلِ المها … فَمَصارعُ الآجالِ في الآمالِ (١٠)

стр. 6625

كم نظرة أرْدَت وما أخذت يد الـ … ـمصمي لمن قتلت أداة قتالِ (١) سنحت وما سمحت بتسليم (٢) … وإقـ … ـلال التحية فعلةُ المختال (٣) [ومن خمرياته قوله (٤): [من مجزوء الكامل] امزج بمسبوكِ اللجينِ … ذهبًا حكَته دموع عيني لمَّا نعى ناعي الفراق … ببين مَنْ أهوى وبيني خَفَقَتْ لنا شمسان من … لألائها في الخافقينِ وبَدَتْ لنا في كأسها … من لونها في حُلَّتَيْنِ ومن شعره في التجنيس (٥): [مجزوء الرمل] ليتَ مَنْ طَوَّل بالشَامِ … ثواهُ وثوى بِهْ جعلَ العَوْدَ إِلى الزَّوْ … رَاءَ من بعض ثَوابِهْ أتُرى يُوطِئني الدَّهـ … ــرُ ثَرَى مِسْك ترابهْ وأرى أيْ نور عيني … موطئًا لي وترى به (٦) أبو نصر محمد بن سعد الله (٧) بن نصر بن سعيد بن الدَّجَاجي (٨). كان شيخًا (٩) بهيًا واعظًا حنبليًا فاضلًا شاعرًا مجيدًا (١٠)، فمن قوله (١١): [من الرجز]

стр. 6626

نفسُ الفتى إِن أصلحتْ أحوالها … كانَ إِلى نيلِ المنى (١) أحوى لها وإِن تراها سدَّدتْ أقوالها … كان (٢) على حملِ العلى أقوى لها فإِن (٣) تبدَّتْ حالُ منْ لها لها … في قبرهِ عندَ البلى لها لها أبو العباس أحمد بن مسعود (٤) بن محمد القرطبي الخزرجي. كان إِمامًا في التفسير والفقه والحساب والفرائض والنحو واللغة والعروض والطب، وله تصانيف حسان، وشعر رائق، منه قوله: [من الوافر] وفي الوجَناتِ ما في الرَّوْضِ لكنْ … لِرَوْنَقِ زَهْرها مَعْنًى عجيبُ وأعجبُ ما التَّعجُّبُ منه أني … أرى البستان يحمله قضيبُ (٥) أبو الفداء إِسماعيل بن يرنقش السِّنْجَاري مولى صاحبها عماد الدين زنكي بن مودود. وكان جنديًا حسنَ الصورة، مليحَ النظم، كثير الأدب، ومن (٦) شعره ما كتب به إِلى الأشرف موسى بن العادل يعزَيه في أخ له اسمه يوسف: [من الطويل] دموعُ المعالي والمكارم ذُرَّفُ (٧) … وربعُ العُلَا قاع لفقدكَ صَفْصَفُ غدا الجودُ والصعروفُ في اللَّحدِ ثاويًا … غداةَ ثوى في ذلك اللحدِ يوسفُ فتى خَطَفَتْ كف المنيَّةِ روحهُ … وقد كانَ للأرواحِ بالبيضِ يخطفُ سَقَتْهُ ليالي الدهرِ كأسَ حِمامها … وكانَ بِسَقْي الموتِ في الحربِ يُعْرَفُ فواحسرتا لو ينفع الموتَ حسرةٌ … ووا أسفا لو كانَ يُجْدي التأسُّفُ وكانَ على الأرزاءَ نفسي قويَّةٌ … ولكنَّها عن حَمْلِ ذا الرُّزءَ تضعفُ أبو الفضل إِلياس (٨) بن جامع بن علي الأربلي.

стр. 6627

تفقه بالنظَّامية وسمع الحديث، وصنَّف التاريخ وغيره، وتفرد بحسن كتابة الشروط، وله فضل ونظم حسن، منه قوله (١): [من الطويل] أمُمْرِضَ قلبي ما لهجركَ آخرُ؟ … ومُسْهِرَ طَرْفي، هل خيالُكَ زائرُ؟ ومُسْتَعْذِبَ التَّعذيبِ جَوْرًا بصدِّهِ … أَمَا لكَ في شرعِ المَحَبَّةِ زاجرُ؟ هَنيئًا لكَ القلبُ الذي قد وقفتهُ … على ذِكرِ أيامي وأنتَ مُسافرُ فلا فارقَ الحزنُ المبرِّحُ خاطري … لبُعدكَ حتى يجمع (٢) الشملَ قادرُ فإِن مِتُّ فالتسليمُ منِّي عليكمُ … يعاودُكُم ما كبَّرَ اللّهَ ذاكرُ أبو السعادات الحلّي التاجر البغدادي الرافضي. كان في كل جُمعةٍ يلبس لأمَةَ الحرب ويقفُ خلفَ باب داره، والبابُ مجاف عليه، والناسُ في صلاةِ الجمعة، وهو ينتظرُ أن يخرجَ صاحبُ الزمانِ من سرداب سامراء -يعني محمد بن الحسن (٣) العسكري- ليميل بسيفه في الناس نصرة للمهدي. أبو غالب بن كمنونة، اليهودي الكاتب. كان يزوِّرُ على خطِّ ابن مقلة من قوَّة خطِّه، توفي -لعنه اللّه- بمطمورة واسط، ذكره ابن الساعي في "تاريخه". ثم دخلت سنة ثنتين وستمئة فيها وقعت حرب عظيمة بين شهاب الدين محمد بن سام الغوري، صاحب غزنة، وبين بني كَوْكَر (٤) أصحاب جبل الجودي، وكانوا فد ارتدّوا عن الإسلام فقاتلهم وكسرهم وغنم منهم شيئًا كثيرًا لا يُعَدّ (٥) ولا يُوصف، فاتبعه بعضُهم حتى قتله غِيلة في ليلة مستهل شعبان منها بعد العشاء. وكان ﵀ من

стр. 6628

أجود الملوك سيرةً وأعقلهم وأثبتهم [في الحرب] (١)، ولما قُتل كان في صحبته فخر الدين الرازي (٢)، وكان يجلس للوعظ بحضرة الملك ويعظه، وكان السلطان يبكي حين يقول في آخر مجلسة (٣): يا سلطان سلطانك لا يبقى، ولا يبقى الرازي أيضًا، إِن مردَّنا جميعًا إِلى اللّه، وحين قُتل السلطان اتّهم الرازي بعض الخاصكية بقتله، فخاف من ذلك والتجأ إِلى الوزير مؤيد الملك بن خواجا، فسيَّره إِلى حيث يأمن، وتملك غزنة بعده أحد مماليكه تاج الدين الدر، وجرت بعد ذلك خطوب يطول ذِكرها (٤)، قد استقصاها ابن الأثير وابن الساعي. وفيها: أغارت الكُرج على بلاد المسلمين فوصلوا إِلى خلاط فقتلوا وسبوا، وقاتلهم المقاتلة والعامة. وفيها سار صاحب إِربل مظفر الدين كُوكُبُوري (٥) وصحبته صاحب مراغة لقتال ملك أذربيجان، وهو أبو بكر بن البهلوان (٦)، وذلك لنكوله عن قتال الكُرج وإِقباله على الشُّكْر ليلًا ونهارًا، فلم يقدروا عليه، ثم إِنه تزوج في هذه السنة بنت ملك الكُرج، فانكف شرُّهم عنه. قال ابن الأثير (٧): وكان كما يقال: أغمد سيفه، وسَلَّ أَيْره. وفيها: استوزر الخليفةُ نصيرَ الدين ناصر بن مهدي العلوي الحسني، وخلع عليه بالوزارة، وضُربت الطبول بين يديه وعلى بابه أوقات الصلوات [الفجر والمغرب والعشاء] (٨). وفيها: أغار صاحب بلاد الأرمن وهو ابن لاون على بلاد (٩) حلب، فقتل وسبى ونهب، فخرج إِليه الملك الظاهر غازي بن الناصر، فهرب ابن لاون بين يديه، فهدم الظاهر قلعة كان قد بناها [ابن لاون] (١٠) ودكَّها إِلى الأرض. وفي شعبان منها هدمت القنطرة الرومانية عند الباب الشرقي، ونشرت حجارتها ليبلَّط بها الجامع

стр. 6629

الأموي بسفارة الوزير صفي الدين بن شكر (١) وزير العادل، وكمل تبليطه في سنة أربع وستمئة. وممن توفي فيها من المشاهير (٢): شرف الدين أبو الحسن (٣) علي بن محمد بن علي جمالِ الإسلام الشهرزوري، بمدينة حمص، وقد كان أُخرج إِليها من دمشق. وكان قبل ذلك مدرِّسًا بالأَمِينيّة (٤) والحلقة بالجامع تجاه البرادة (٥)، وكان لديه علم جيد بالمذهب والخلاف. التقي عيسى بن يوسف (٦) بن أحمد الغَرَّافي (٧) الضرير، مدرس الأَمينيَّة أيضًا. كان يسكن المنارة الغربية، وكان عنده شاب يخدمه ويقود (٨) فعدم للشيخ دراهم، فاتُّهم هذا الشاب بها، فلم يثبت له عنده شيء (٩) واتهم به (١٠) الشيخ، ولم يكن يظن الناس أن عنده من المال شيئًا (١١)، فضاع المال واتهم عرضه، فأصبح يوم الجمعة السابع من ذي القعدة مشنوقًا ببيته بالمئذنة الغربية، فامتنع (١٢) الناس من الصلاة عليه لكونه قتل نفسه، فتقدم الشيخ فخر الدين عبد الرحمن بن عساكر فصلى

стр. 6630

عليه، فائتم به بعض الناس (١) قال [الشيخ شهاب الدين] أبو شامة (٢): وإِنما حمله على ما فعله [كثرة همِّه بضياع] ماله والوقوع في عرضه، قال: وقد جرى لي أخت هذه القضية (٣) وعصمني الله سبحانه بفضله، قال: وقد درَّس بعده في الأمينيَّة الجمال المصري (٤) وكيل بيت المال. أبو الغنائم المركيسهلار (٥) البغدادي. كان يخدم مع عز الدّين نجاح الشَّرابي، وحصَّلَ أموالًا جزيلةً، كان كلما تهيَّأَ له مالٌ اشترى به مُلْكًا وكتبه باسم صاحبٍ له يعتمد عليه، فلما حضرته الوفاةُ أوصى ذلك الرجل أن يتولَّى أولادَه، وينفق عليهم من ميراثه مما تركه لهم، فمرض المُوصى إِليه بعد قليل، فاستدعى الشهودَ ليُشهدهم على نفسه أَنَّ ما في يده لورثة أبي الغنائم، فتمادى ورثته بإِحضار الشهود وطوَّلوا عليه وأخذته سكتة فمات، فاستولى ورثته على تلك الأموال والأملاك، ولم يعطوا (٦) أولاد أبي الغنائم منها شيئًا مما (٧) ترك [أبوهم] لهم. أبو الحسن علي بن علي (٨) بن سعادة الفارقي (٩). تفقه ببغداد، وأعاد بالنَّظَّامية، وناب في تدريسها، واستقل بتدريس المدرسة التي أنشأتها أم الخليفة، وأُريد على نيابة القضاء عن أبي طالب بن البخاري (١٠) فامتنع أ من ذلك، فألزم به فباشره قليلًا، ثم دخل يومًا إِلى مسجد فلبس على رأسه مئزر صوف، وأمر الوكلاء والجَلَاوِز (١١) أن ينصرفوا عنه، وأشهد على نفسه بعزلها عن نيابة القضاء، واستمر على الإعادة والتدريس ﵀. وفي يوم الجمعة العشرين من ربيع الأول توفيت: الخاتون أم السلطان اللك المعظَّم عيسى بن العادل (١٢)، فدفنت بالقبة [التي] بالمدرسة

стр. 6631

المعظمية (١) بسفح قاسيون (٢). الأمير مُجِير الدين طَاشْتِكين الْمُسْتَنْجِدي (٣) أمير الحاج وزعيم بلاد خوزستان. كان شيخًا خيرًا حسن السيرة كثير العبادة، غاليًا في التشيّع، توفي بتُسْتَر (٤) [في] ثاني جمادى الآخرة [من سنة ثنتين وستمئة] وحمل تابوته إِلى الكوفة فدفن بمشهد عليّ بوصية منه (٥)، هكذا ترجمه ابن الساعي في "تاريخه" (٦). وذكر أبو شامة في "الذيل" (٧) أنه طاشتكين (٨) بن عبد الله الْمُقْتَفَوي (٩) أمير الحاج [ولقبه مجير (١٠) الدين]. حج بالناس ستًا وعشرين سنة، وكان (١١) يكون في الحجاز كأنه ملك، وقد رماه الوزير ابن يونس بأنه يكاتب صلاح الدين فحبسه الخليفة، ثم تبين له بطلان ما ذُكر عنه فأطلقه وأعطاه خوزستان ثم أعاده إِلى إِمرة الحاج (١٢)، وكانت الحلة السَّيفيَّة (١٣) إِقطاعه، وكان شجاعًا جوادًا سمحًا قليل الكلام، يمضي عليه الأسبوع لا يتكلم فيه بكلمة، وكان فيه حلم واحتمال، استغاث به رجل على بعض نوابه فلم يردَّ عليه، فقال له الرجل المستغيث: أحمار أنت؟ فقال: لا. وفيه يقول ابن التعاويذي (١٤): [من الخفيف] وأمير على البلاد مولَّى … لا يجيب الشاكي بغير السكوت

стр. 6632

كُلَّما زادَ رفعةً حَطَّنا اللَّهُ … بِتَفْضِيلِةِ (١) إِلى البهموتِ (٢) وقد سرق فرّاشُه حياصة (٣) له فارادوا أن يستقروا الفرَّاش (٤) عليها، وكان قد رآه الأمير طاشتكين وهو (٥) ياخذها، فقال: لا تعاقبوا أحدًا فإنه أخذها من لا يردّها، ورآه حين أخذها من لا ينمُّ عليه، وقد كان بلغ (٦) من العمر تسعين سنة. واتفق أنه استأجر أرضًا مدة ثلاثمئة سنة للوقف، فقال فيه بعض المضحكين: هذا لا يوقن بالموت، عمره تسعون سنة، واستأجر أرضًا ثلاثمئة سنة، فاستضحك القوم، والله أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث وستمئة فيها جرت أمور طويلة [ببلاد] المشرق (٧) بين الغورية والخوارزمية وملكهم خوارزم شاه بن تكش ببلاد الطالقان. وفيها: ولَّى الخليفة الناصر قضاء القضاة ببغداد لعماد الدين أبي القاسم عبد الله (٨) بن الدامغاني. وفيها: قبض الخليفة على عبد السلام بن عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر الجيلاني، بسبب فسقه وفجوره، وأُحرقت كتبه وأمواله قبل ذلك لما فيها من كتب الفلاسفة، وعلوم الأوائل، وأصبح يستعطي بين الناس، وهذا بخطيئة قيامه على أبي الفرج بن الجوزي؛ فإنَّه هو الذي كان وَشَى به إِلى الوزير ابن القَصَّاب حتى أُحرقت بعضُ كتب ابن الجوزي، وخُتم على بقيتها، ونُفي إِلى واسط خمس سنين كما [تقدم بيان ذلك] (٩)، والناس يقولون: في الله كفايةٌ، وفي القرآن: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، والصوفية يقولون: الطريقُ يأخذ [حقها]. والأطباء يقولون: الطبيعةُ مكافئةٌ. وفيها: نازلت الفرنجُ حمصَ فقاتلهم ملكُها أسدُ الدين شيركوه [بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه الكبير] وأعانه بالمدد الملك الظاهر صاحب حلب فكفَّ اللّه شرهم.

стр. 6633

وفيها: اجتمع شابان (١) ببغداد على الشراب (٢) فضرب أحدهما الآخر بسكِّين فقتله وهرب، فأُخِذ فقُتل فوُجد معه رقعة فيها بيتان من نظمه أمر أن يجعل (٣) بين أكفانه [وهما قوله]: [من الوافر] (٤) قَدِمْتُ على الكَريم (٥) بِغَيْرِ زادٍ … من الأَعْمَالِ بالقَلْبِ السَّليمِ وسوءُ الظنِّ أن يعتدَّ (٦) زادًا … إِذا كان القدومُ على كريمِ وممن توفي فيها من الأعيان (٧): الفقيه [العالم] أبو منصور (٨) عبد الرحمن بن الحسين بن النُّعماني (٩) النِّيلي، الملقب بالقاضي شريح لذكائه وفضله وبراعته (١٠) وعقله وكمال أخلاقه. ولي قضاء بلده (ثم قدم بغداد فنُدب إِلى المناصب الكبار فأباها، فحلف عليه الأمير طاشْتِكين أن يعمل عنده في الكتابة) فخدمه عشرين سنة، ثم وَشَى به الوزير ابن مهدي إِلى الخليفه (١١)، فحبسه في دار طاشتكين إِلى أن توفى (١٢) في هذه السنة، ثم إِن الوزير الواشي عما قريب حُبس بها أيضًا، [ومات فيها] وهذا من العجب العجاب (١٣). عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر (١٤).

стр. 6634

كان ثقة عابدًا زاهدًا ورعًا، [لم يكن في أولاد الشيخ عبد القادر الجيلاني خير منه] (١)، لم يدخل فيما دخلوا فيه من المناصب والولايات، (بل) كان متقلِّلًا من الدنيا مقبلًا على أمر الآخرة، وقد سمع الكثير وسُمع عليه أيضًا. أبو الحَرَم (٢) مَكِّي بن رَيَّان (٣) بن شَبَّة بن صالح الماكسيني (٤)، من أعمال سنجار، ثم الموصلي النحوي. قدم بغداد وأخذ على ابن الخشَّاب (٥) وابن العَصَّا (٦)، والكمال الأنباري (٧)، وقدم الشام فانتفع به خلق كثير، منهم الشيخ علَم الدين السَّخاوي وغيره وكان ضريرًا، و (كان) يتعصَّب لأبي العلاء المعري لما بينهما من القدر المشترك في الأدب والعمى (٨)، ومن شعر (٩): [من الوافر] إِذا احتاجَ النَّوالُ إِلى شفيع … فلا تقبلْهُ تُضحِ (١٠) قريرَ عَيْنِ إِذا عِيفَ النَّوالُ لِفَرْدِ مَنٍّ … فأولى أن يعافَ لِمنَّتَيْنِ ومن شعره (أيضًا): [من المنسرح]

стр. 6635

نفسي فداءٌ لأَغْيدٍ غَنِجٍ … قال لنا الحَقَّ يوم (١) ودَّعَنا من وَدَّ شيئًا من حبّهِ طمعًا … في قُبلةٍ (٢) للوداع ودّعنا إِقبال الخادم (٣) جمال الدين أحدُ خدّام [الملك] صلاح الدين، واقف الإقباليتين (٤) الشافعية والحنفية، وكانتا دارين [له] فجعلهما مدرستين، ووقف عليهما وقفًا، الكبيرة للشافعية، والصغيرة للحنفية، وعليها ثلث الوقف. توفي بالقدس [الشريف] ﵀. ثم دخلت سنة أربع وستمئة فيها رجع الحجاج (٥) إِلى العراق وهم يدعون اللّه ويشتكون (٦) إِليه ما لَقوا من صدر جهان البخاري (٧) الحنفي، الذي كان قدم بغداد في رسالة فاحتفل به الخليفة، وخرج إِلى الحج في هذه السنة، فضيَّق على الناس في المياه والميرة، فمات نحو من ستة آلاف من الحجيج العراقي بسببه هذه السنة. كان فيما ذُكر يسبق غلمانه إِلى المناهل فيحجزون على المياه ويأخذونه فيرشُّونه حول خيمته فيحرموهم في قيظ الحجاز ويسقونه البقولات التي كانت تحمل معه في ترابها، ويمنعون منه الناس وابن السبيل، الآمّين المسجد (٨) الحرام يبتغون فضلًا من ربهم ورضوانًا، فلما رجع مع الناس لعنته العامة ولم تحتفل به الخاصة ولا أكرمه الخليفة (٩) ولا أرسل إِليه أحدًا، وخرج من بغداد (١٠) والعامة من ورائه يرجمونه ويلعنونه، وسماه الحجاج [في هذه السنة] (١١) صدر جهنم، نعوذ باللّه من الخذلان، ونسأله أن يزيدنا شفقة ورحمة لعباده، فإِنه إِنما يرحم من عباده الرحماء.

стр. 6636

وفيها: قبض الخليفة على وزيره ابن مهدي العلوي، وذلك أنه نسب إِليه أنه يروم الخلافة، وقيل غير ذلك من الأسباب، والمقصود أنه حبس بدار طاشتكين [الأمير] حتى مات بها، وكان جبَّارًا عنيدًا، يذمّه الشعراء حتى قال بعضهم فيه (١): [من الطويل] خليليّ قولا للخليفةِ (٢) وانصحا … توقَّ وُقِيتَ السُّوء ما أنتَ صانعُ وزيركَ هذا بينَ أمرينِ فيهما … صنيعكَ (٣) يا خيرَ البريَّةِ ضائعُ فإِن كانَ حقًّا من سلالةِ حيدرٍ (٤) … فهذا وزيرٌ في الخلافةِ طامعُ وَإِنْ كانَ فيما يذعي غيرَ صادقٍ … فاضيعُ ما كانت لديهِ الصنائعُ وقد قيل (٥): إِنه كان عفيفًا عن الأموال حسن السيرة جيد المباشرة، فالله [ ] أعلم بحاله. وفي رمضان منها رتَّب الخليفة [ببغداد] عشرين دارًا للضيافة يفطر فيها الصائمون من الفقراء، يُطبخ لهم في كل يوم [منها] طعامٌ كثيرٌ ويحمل إِليها أيضًا من الخبز النقى والحلوى شيءٌ كثير [أيضًا فجزاه الله خيرًا]، وهذا الصنيع يشبه ما كانت قريش ثفعله من الرِّفادة في زمن الحج، [وقد] كان (٦) يتولَى ذلك عمه أبو طالب، كما كان العباس يتولَّى السقاية، وقد كانت فيهم السفارة واللواء والندوة له، كما تقدم بيان ذلك في مواضعه، وقد صارث هذه المناصب كلّها على أتم الأحوال إِلى الخلفاء (٧) العباسيين [﵏]. وفيها: أرسل الخليفة الشيخ شهاب الدين السُّهْرَوَرْدي (٨) وفي صحبته سنقر السلحدار (٩) إِلى الملك العادل بالخلعة السنتة، وفيها الطوق والسواران، وإِلى جميع أولاده بالخلع أيضًا. وفيها: ملك الأوحد بن العادل صاحب ميّافارقين مدينة خلاط بعد قتل صاحبها ابن (١٠) بُكتمر،

стр. 6637

وكان شابًا جميل الصورة جدًا، فقتله (١) بعض مماليكهم (٢) ثم قُتل القاتل أيضًا، فخلا البلد عن ملك فأخذها الأوحد بن العادل، كما ذكرنا. وفيها: ملك خوارزم شاه محمد بن تكش بلاد ما وراء النهر بعد حروب طويلة. اتفق له في بعض المواقف أمر عجيب، وهو أن المسلمين انهزموا عن [السلطان] خوارزم شاه [في بعض المواقف] وبقي معه عصابة قليلة من أصحابه، فقتل منهم الكفار من الخطأ (٣) من قتلوا، وأسروا خلقًا منهم، فكان (٤) السلطان خوارزم شاه في جملة من أسروا (٥)، أسره رجلٌ وهو لا يشعر به ولا يدري أنه الملك، وأسر معه أميرًا يقال له مسعود (٦)، فلما وقع ذلك وتراجعت العساكر الإسلامية إِلى مقرّها فقدوا من بينهم السلطان فاختبطوا فيما بينهم واختلفوا اختلافًا كثيرًا وانزعجت خراسان بكمالها، ومن الناس من ظن (٧) أن السلطان قد قُتل، وأما ما كان من أمر السلطان وذاك الأمير (فإِن) الأمير قال للسلطان: أنا أرى من المصلحة (٨) أن تترك اسم (٩) الملك عنك في هذه الحالة، وتظهر أنك غلام (١٠) لي، فقبل منه ما قال وأشار به، ثم جعل الملك يخدم (١١) ذلك الأمير يلبسه ثيابه ويسقيه الماء ويصنع له الطعام ويضعه بين يديه (١٢)، ولا يألو جهدًا في خدمته، فقال الذي أسرهما: إِني أرى هذا يخدمك فمن أنت؟ فقال: أنا مسعود الأمير، وهذا غلامي، فقال: واللّه لو علم الأمراء أني قد أسرت أميرًا (وأطلقته) لأطلقتك، فقال له: إِني إِنما أخشى على أهلي، فإنَّهم يظنون أني قد قُتلت (١٣) ويقيمون المأتم، فإن رأيتَ أن تفاديني على مالٍ وترسل مَنْ يقبضه منهم فعلت خيرًا، فقال: نعم، فعيَّنَ رجلًا من أصحابه فقال له الأمير مسعود: إِن أهلي (١٤) لا يعرفون هذا ولكن إِن رأيت أن أرسل معه غلامي (١٥) ليبشِّرهم بحياتي فإِنهم يعرفونه، ويأمرهم

стр. 6638

بتحصيل (١) المال، فقال: نعم، فجهز معهما من يحفظهما (إِلى مدينة) خوارزم (٢). فلما اقتربوا (من) مدينة خوارزم سبق الملك إِليها. فلما رآه الناس فرحوابه فرحًا شديدًا [جدًا]، ودقت البشائر في سائر بلاده، وعاد الملك إِلى نصابه، واستقر السرور بإِيابه، وأصلح ما كان وهى من مملكته بسبب ما اشتهر من قتله (٣)، وحاصر هراة وأخذها عنوة. وأما الذي كان (قد أسره فإِنه قال يومًا للأمير مسعود الذي يتوجَّه لي وينوِّهون به أن خوارزم شاه قد قتل (٤)، فقال: لا، هو الذي كان) في أسرك، فقال له: فهلَّا أعلمتني به حتى كنت أردُّه موقَّرًا معظَّمًا؟ (فقال: خفتك عليه)، فقال: سر بنا إِليه، فسارا إِليه فأكرمهما إِكرامًا زائدًا، وأحسن إِليهما. وأما غدر صاحب سمرقند، فإِنه قتل كل من كان ببلده (٥) من الخوارزمية، حتى كان الرجل يُقطع قطعتين ويُعلَّق في السوق كما تعلَّق الأغنام، وعزم على قتل زوجته بنت خوارزم شاه، ثم رجع عن قتلها وحبسها في قلعةٍ وضيَّق عليها، فلما بلغ الخبر إِلى [الملك] خوارزم شاه سار إِليه في الجنود (فنازله) وحاصر سمرقند فأخذها قهرًا وقتل من أهلها نحوًا من مئتي ألف، وأنزل الملك من القلعة وقتله صبرًا بين يديه، ولم يترك له نسلًا ولا عقبًا، واستحوذ خوارزم شاه على تلك الممالك التي هنالك. [وفيها] تحارب الخطا وملك التتار كشلي خان المتاخم لمملكة الصين، فكتب (ملك) الخطا إِلى خوارزم (٦) شاه يستنجد (٧) على التتار ويقول: متى غلبونا (٨) خلصوا إِلى بلادك، وكذا (وكذا). وكتب التتار إِليه أيضًا يستنصرونه على الخطا ويقولون: هؤلاء أعداؤنا وأعداؤك، فكن معنا عليهم، فكتب خوارزم شاه إِلى كلٍّ من الفريقين يطيِّب قلبه، وحضر الوقعة بينهم (وهو متحيِّز عن الفريقين، وكانت الدائرة على الخطا فهلكوا إِلا القليل منهم، و) غدر (٩) التتار ما كانوا عاهدو (١٠) عليه خوارزم شاه، فوقعت بينهما (١١) الوحشة الأكيدة، وتواعدوا للقتال، (وخاف منهم خوارزم شاه وخرَّب بلادًا كثيرة

стр. 6639

متاخمة) لبلاد كشلي خان خوفًا عليها أن يملكها، ثم إِن جنكيز خان خرج على كشلي خان، فاشتغل بمحاربته عن محاربة خوارزم شاه، ثم إِنه (١) وقع من الأمور الغريبة ما سنذكره إِن شاء اللّه تعالى. وفيها كثرت غارات الفرنج من طرابلس على نواحي حمص، فضعف صاحبها أسد الدين شيركوه عن مقاومتهم، فبعث إِليه الظاهر صاحب حلب عسكرأ قؤَاه بهم على الفرنج، وخرج [الملك] العادل من الديار المصرية (٢) في العساكر الإسلامية، وأرسل إِلى جيوش الجزيرة [العمرية] فوافوه على عكا فحاصرها، بسبب أَنَّ القبارصة أخذوا (٣) من أسطول المسلمين قطعًا (٤) فيها جماعة من المسلمين، فطلب صاحب عكَّا الأمان والصلح على أن يردَّ الأسارى، فأجابه إِلى ذلك، وسار العادل فنزل على بُحَيْرة قَدَس (٥) قريبًا من حمص، ثم سار إِلى بلاد طرابلس، فأقام اثني عشر يومًا يقتل ويأسر ويغنم، [وخرَّب بعض تلك البلدان الأَطْرابُلُسِيَّة] حتى جنح الفرنج إِلى المهادنة، ثم عاد إِلى دمشق. وفيها: ملك صاحب أَذْرَبِيجَان الأمير نصرة (٦) الدين أبو بكر بن البهلول مدينة مراغة (٧) لخلوّها عن ملك قاهر، فإِنَّ (٨) ملكها مات وقام بالملك (٩) "بعده" ولد له صغير، فدبَّر أمره خادم له. وفي غرة (١٠) ذي القعدة شهد محيي الدين أبو محمد يوسف بن (الشيخ أبي الفرج) عبد الرحمن بن الجوزي (١١) عند قاضي القضاة أبي القاسم بن الدامغاني (١٢)، فقبله وولاه حسبة جانبي بغداد، وخلع عليه خلعة سنية سوداء بطرحة كحلية، وبعد عشرة أيام جلس للوعظ مكان أبيه أبي الفرج بباب بَدْر

стр. 6640

الشريف (١)، وحضر عنده خلق كثير. وبعد أربعة أيام من يومئذ درَّس بمشهد أبي حنيفة ضياء الدين أحمد بن مسعود التُرْكسْتاني (٢) الحنفي، (وحضر عنده الأعيان والأكابر. وفي رمضان منها وصلت الرسل من الخليفة) إِلى العادل بالخلع، فلبس هو وولداه المعظَّم والأشرف، ووزيره صفي الدين بن شكر (٣)، وغير واحد من الأمراء، [الخلع السنية الخليفية] ودخلوا [إِلى] القلعة (وقت) صلاة الظهر من باب الحديد، وقرأ التقليد الوزير وهو قائم، وكان (يومًا) مشهودًا. وفيها: درس [الشيخ] شرف الدين (٤) عبد الله بن زين القضاة عبد الرحمن [بن سلطان] بالمدرسة الرواحية (٥) بدمشق. وفيها: انتقل الشيخ [ابن] (٦) الخَيِّر البغدادي من الحنبلية إِلى مذهب الشافعية (٧)، ودرَّس بمدرسة أم الخليفة، وحضر عنده الأكابر [والعلماء] من سائر المذاهب. وممن توفي فيها من الأعيان (٨): الأمير [الكبير] بنيامين (٩) بن عبد الله أحد أمراء الخليفة الناصر، وكان من سادات الأمراء، [دينًا] و] عقلًا ونزاهة وعفة (١٠)، سقاه بعض الكتَّاب من النصارى سُمًّا فمات [﵀]. وكان اسم الذي سقاه ابن ساوا [فلما اطّلع الخليفة على الحال سلَّم ابن ساوا] (١١) إِلى غلمان بنيامين فشفع فيه ابن مهدي الوزير وقال: إِن النصارى قد بذلوا فيه خمسين ألف دينار، فكتب الخليفة على رأس الورقة (١٢): [من البسيط]

стр. 6641

إنَّ الأُسودَ أُسودَ الغابِ هِمَّتُها … يومَ الكَريهةِ في المسْلوبِ لا السَّلَبِ فتسلَّمه غلمان بنيامين فقثلوه وحرّقوه، وقبض الخليفة بعد ذلك على الوزير ابن مهدي (١) كما تقدم. حنبل بن عبد الله (٢) بن الفرج بن سعادة الرَّصافي (٣) الحنبلي، المُكَبِّر بجامع المهدي. راوي مسند أحمد عن ابن الحُصَيْن (٤) عن ابن المُذْهِب (٥) عن ابن (٦) مالك عن عبد اللّه عن أبيه، عُمّر تسعين سنة وخرج من بغداد فأسمعه بإربل، واستقدمه ملوك دمشق إِليها فسمع الناس علية (٧) "المسند"، وكان المعظَّم يكرمه ويأكل عنده على السماط من الطيبات، فتصيبه التُّخَمة كثيرًا، لأنه كان فقيرًا ضيِّق الحال (٨)، خشن العيش ببغداد، وكان الكندي إِذا دخل على المعظَّم يسأل عن حنبل فيقول (المعظَّم) هو متخومٌ، فيقول: أطعمه العَدَس، فيضحك المعظم، ثم أعطاه (المعظم) مالًا جزيلًا وردَّه إِلى بغداد فتوفي بها [في هذه السنة]، وكان مولده سنة عشر وخمسمئة، وكان معه ابن طبرزد، فتأخرت وفاته عنه إِلى سنة سبع وستمئة. عبد الرحمن بن عيسى (٩) بن أبي الحسن البُزُوري (١٠) الواعظ البغدادي.

стр. 6642

سمع من أبي الوقت (١) وغيره، واشتغل على ابن الجوزي (٢) في الوعظ (٣)، ثم حدَّثته نفسه بمضاهاته وشمخت (٤) نفسه، واجتمع عليه طائفة من أهل باب البصرة (٥)، (ثم) تزوج في آخر عمره وقد قارب السبعين، فاغتسل في يوم بارد فانتفخ ذكره فمات في هذه السنة. الأمير زين الدين قراجا الصَّلاحي (٦) صاحب صرخد. كانت له دار عند باب الصغير عند قناة الزلاقة، وتربته بالسفح في قبة على جادة الطريق عند تربة (ابن) تميرك، وأقر العادل ولده يعقوب (٧) على صرخد. عبد العزيز الطبيب (٨). توفي فجأة، وهو والد سعد الدين الطبيب الأشرفي، وفيه يقول ابن عنين (٩): [من الطويل] (١٠) فُرادَ، (١١) ولا خَلْفَ الخَطيبِ جَمَاعَةٌ … وَمَوْتٌ ولا عَبْدُ العزيزِ طَبيبُ وفيها توفي: العفيف بن الدرجي (١٢) إِمام مقصورة الحنفية الغربية بجامع دمشق (١٣).

стр. 6643

أبو (محمد) جعفر (١) (بن محمد) بن محمود هبة اللّه بن أحمد بن يوسف الإِرْبلي، كان فاضلًا في علوم كثيرة في الفقه على مذهب الشافعي، والحساب والفرائض والهندسة والأدب والنحو، وما يتعلق بعلوم القرآن العزيز وغير ذلك. ومن شعره [الحسن الجيِّد قوله] [من البسيط] لا يدفعُ المرءُ ما يأتي بهِ القدَرُ … وفي الخطوبِ إِذا فكَّرتَ مُعْتَبَرُ فليسَ يُنْجي من الأقدارِ إِن نَزَلت … رَأيٌ وحزمٌ ولا خوفٌ ولا حَذَرُ فاستعملِ الصبرَ في كلِّ الأمورِ ولا … تجزعْ لشيءٍ فعُقْبَى صبرِكَ الظَّفَرُ كَمْ مَسَّنا مرةً عُسْرٌ فَصَرَّفهُ … صَرْف الزَّمَان ووَالَى (٢) بَعْدَهُ يسرُ لا ييئسِ المرءُ من رَوْحِ الإلهِ فما … ييأسُ منه إِلا عصبةٌ كَفَروا إِني لأعلمُ أن الدهرَ ذو دولٍ … وأن يوميهِ ذا أمنٌ وذا خَطَرُ ثم دخلت سنة خمس وستمئة في [المحرم منها تكامل] (٣) بناء دار الضيافة ببغداد (٤) التي أنشأها الناصر لدين اللّه بالجانب الغربي منها للحُجَّاج والمارَّة لهم الضيافة ما داموا نازلين بها، فإِذا عزم (٥) أحدهم السفر منها زُوِّد وكُسِي وأُعْطِي بعد ذلك أ كله، دينارًا [للسفر]، جزاه اللّه خيرًا. وفيها: عاد أبو الخطاب ابن دحية الكلبي (٦) من رحلته العراقية فاجتاز بالشام فاجتمع في مجلس الوزير صفي الدين بن شكر (٧) هو والشيخ تاج الدين أبو اليمن [زيد بن الحسن بن زيد] الكِنْدي (٨) شيخ اللغة والحديث، فأورد ابن دحية في كلامه حديث الشفاعة حتى انتهى إِلى قول إِبراهيم ﵇ "إِنَّما كنتُ خليلًا من وراءَ وراءَ" بفتح اللفظتين، فقال الكِنْدي من وراءُ وراءُ (بضمهما)، فقال ابن دحية للوزير ابن شكر: من هذا؟ فقال: هذا [الشيخ] أبو اليمن الكندي، فنال منه ابن دحية، وكان جريئًا،

стр. 6644

فقال الكندي: هو من كلب، ينبح كما ينبح الكلب (١). قال [الشيخ شهاب الدين] أبو شامة: وكلتا الروايتين محكيَّتان (٢)، وحكي فيهما الجرُّ أيضًا. وفيها: عاد فخر الدين ابن تيمية (٣) خطيب حرَّان (٤) من الحج إِلى بغداد وجلس بباب بدر للوعظ، مكان محيي الدين يوسف بن [الشيخ أبي الفرج] (٥)، فقال في كلامه ذلك (٦): [من البسيط] وابنَ اللَّبُونِ إِذا ما لُزَّ في قَرَنٍ (٧) … لم يَسْتَطِعْ صوْلةَ البُزْلِ القَنَاعِيسِ كأنه يُعَرِّض بالمُحْيي ابن الجوزي (٨) يوسف، لكونه شابًا ابنَ خمس وعشرين سنة والله أعلم. وفي يوم الجمعة تاسع محرم دخل مملوك أَفرنجي من باب مقصورة جامع دمشق وهو سكران وفي يده سيف مسلول، والناس جلوس ينتظرون صلاة الفجر، فمال على الناس يضربهم بسيفه [ذلك] فقتل اثنين أو ثلاثة، وضرب المنبر بسيفه فانكسر سيفه فأُخذ وأودع المارستان، وشنق في يومه ذلك على جسر اللبَّادين (٩). وفيها: عاد الشيخ شهاب الدين السُّهْرَوَردي (١٠) من دمشق بهدايا الملك العادل فتلقاه الجيش ومعه أموال كثيرة لنفسه أيضًا (١١)، وكان قبل ذلك فقيرًا زاهدًا، فلما عاد مُنع من الوعظ وأُخذت منه الربط التي [كان] يباشرها، ووُكل إِلى ما بيده من الأموال، فشرع في تفريقها على الفقراء والمساكين، فاستغنى منه خلق كثير [من الففراء وغيرهم]، فقال المحيي ابن الجوزي في مجلسن (١٢) وعظه [ما معناه]: لا حاجة بالرجل [أن] يأخذ أموالًا من غير حقها ويصرفها إِلى من يستحقها (١٣)، وكان تركها أولى به من تناولها، (وِإنما أراد أن ترتفع منزلته ببذلها. أو يعود إِلى حاله كما كان، ولو ترك على ما كان يباشره لما

стр. 6645

بذلها (١)، فليحذر العبد الدنيا فإنها خَدَّاعة غَرَّارة تسرق (٢) فحول العلماء والعباد [فضلًا عن العوام والقُوَّاد]، وقد وقع ابن الجوزي فيما بعد فيما وقع فيه السُّهْرَوَرْدي وأعظم. وفيها: قصدت الفرنج حمص وعبروا على العاصي بجسر أعدّوه في بلادهم. فلما أحسَّ بهم العساكر المنصورة، ركبوا (٣) في آثارهم فهربوا منهم فقتلوا خلقًا كثيرًا منهم وغنم المسلمون منهم غنيمة جيدة (ولله الحمد). وفيها: قتل صاحب الجزيرة، وكان من أسوأ الناس سيرةً وأخبثهم (٤) سريرةَّ، وهو الملك سنجر شاه (٥) بن غازي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر الأتابكي، ابن عمِّ نور الدين صاحب الموصل، وكان الذي تولَّى قتله ولدهُ غازي، توصَّل إِليه حتى دخل عليه وهو في الخلاء سكران، فضربه بسكِّينٍ أربعَ عشرةَ ضربةً، ثم ذبحه، وذلك كله ليأخذ الملك من بعده، فحرمه الله ذلك (٦)، فبويع بالملك لأخيه محمود، وأخذ غازي هذا [العاق لوالده] (٧) فقتله من يومه، فسلبه الله الملك والحياة، ولكن أراح الله المسلمين من ظلم أبيه وغشمه، وفسقه، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩]. وممن توفي فيها أيضًا (٨): أبو الفتح محمد بن أحمد بن بختيار (٩) بن علي بن محمد بن إِبراهيم بن جعفر الواسطي المعروف بابن المَنْدائي (١٠).

стр. 6646

آخر من روى مسند الإمام أحمد (١) عن ابن الحصين (٢)، وكان من بيت فقه وقضاءً وديانة، وكان ثقةً عدلًا متوزَعًا في النقل، ومما أنشده من حفظه: [من الطويل] ولَوْ أَنَّ لَيْلَى مَطْلَعُ الشمسِ دُونَها … وكنتُ (٣) وَرَاءَ الشَّمْسِ حينَ تَغيبُ لَحَدَّثْتُ نَفْسِي (٤) بِانْتِظَارِي نَوَالَها … وَقَالَ المُنَى لي: إِنَّهَا لَقَرِيبُ قاضي قضاة الديار المصرية (٥) صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن دِرْباس الماراني (٦) الكردي واللّه أعلم. ثم دخلت سنة ست وستمئة في المحرم وصل نجمُ الدين خليل (٧) شيخُ الحنفيَّة من دمشق إِلى بغداد في الرسلية عن العادل، ومعه هدايا كثيرة، وتناظر هو وشيخ النظامية مجد الدين يحيى بن الرَّبيع في مسألة وجوب الزكاة في مال اليتيم والمجنون، وأخذ الحنفي يستدل على (٨) عدم وجوبها، فاعترض عليه الشافعي فأجاد (٩) كل منهما في الذي أورده، ثم خلع على الحنفي وأصحابه (بسبب) الرسالة، وكانت المناظرة بحضرة نائب الوزير ابن شكر (١٠). وفي يوم السبت خامس جمادى الآخرة وصل الجمال يونس بن بدران (١١) المصري رئيس الشافعية

стр. 6647

بدمشق إِلى بغداد في الرسلية عن العادل، فتلقاه الجيش مع حاجب الحجَّاب، ودخل معه ابن أخي صاحب إِربل مظفر الدين كُوكُبُري (١)، والرسالة تتضمن الاعتذار عن صاحب إِربل والسؤال في الرضا عنه، فأجيب إِلى ذلك. وفيها: ملك العادل الخابور ونصيبين، وحاصر مدينة سنجار مدةً، فلم يتمكن منها (٢) ثم صالح صاحبها ورجع عنها. وممن توفي فيها من المشاهير والأعيان (٣): أبو المكارم أسعد (٤) بن الخطير أبي سعيد مهذب بن مِيْنا (٥) بن زكريا [الأسعد بن مَمَّاتي] (٦) بن أبي قدامة بن أبي مَلِيح المصري الكاتب الشاعر. أسلم في الدولة الصلاحية وتولَّى نظر الدواوين بمصر مدة. قال ابن خلِّكان (٧): وله فضائل عديدة، ومصنَّفات (٨)، ونظم سيرة صلاح الدين و"كليلة ودمنة"، وله "ديوان" شعر. ولما تَوَلَّى الوزير ابن شكر (٩) هرب منه إِلى حلب فمات بها وله ثنتان وستون (سنة). فمن شعره في ثقيل زاره بدمشق (١٠): [من الهزج] حكى نَهْرَيْنِ ما (١١) في الأر … ضِ مَن يحكيهما أبدا

стр. 6648

حكى في (خَلقهِ) (١) تَوْرَى (٢) … وفى (٣) أخلاقهِ بَرَدَى (٤) أبو يعقوب يوسف بن إسماعيل (٥) بن عبد الرحمن بن عبد السلام اللَّمْغَاني (٦). أحد الأعيان من الحنفية ببغداد، سمع الحديث ودرَّس بجامع السلطان، وكان معتزليًا في الأصول، بارعًا في الفروع، اشتغل (على) أبيه وعمه، وأتقن الخلاف، وعلم المناظرة، وقارب التسعين، ﵀. أبو عبد اللّه (٧) محمد بن [محمد بن] الحسين (٨)، المعروف بابن الخراساني، المحدِّث الناسخ. كتب كثيرًا من الحديث وجمع خطبًا له ولغيره، وخطّه جيد مشهور، [﵀]. أبو المواهب مَعْتُوق بن منيع (٩) بن مواهب الخطيب البغدادي. قرأ النحو واللغة على ابن الخشاب، وجمع خطبًا كان يخطب منها، وكان شيخًا فاضلًا [أديبا] له ديوان شعر، فمنه قوله: [من الوافر] ولا ترجُو الصَّداقةَ من عَدُوٍ … يُعادي نفسَهُ سِرًّا وَجَهْرَا فلو أَجْدَتْ مودّتُهُ انتفاعًا … لكانَ النفعُ منهُ إِليهِ أجرا ابن خَرُوف (١٠) "شارح سيبويه"، علي بن محمد بن يوسف (١١) أبو الحسن ابن خَرُوف الأندلسي النحوي.

стр. 6649

شرح سيبويه، وقدّمه إِلى صاحب المغرب فأعطاه ألف دينار، وشرح "جمل" الزجاجي، وكان يتنقَّل في البلاد ولا يسكن إِلا في الخانات، ولم يتزوج [قط] ولا تَسَرّى (١)، وقد تَغَيَّر عقلُه في آخر عمره، فكان يمشي في الأسواق مكشوف الرأس، وكانت وفاته (٢) في هذه السنة (٣) عن خمس وثمانين سنة. أبو علي يحيى بن الرَّبيع (٤) بن سليمان بن حَرّاز الواسطي البغدادي. اشتغل بالنظامية على [ابن] فضلان وأعاد عنده، وسار (٥) إِلى محمد بن يحيى فأخذ عنه طريقته في الخلاف، ثم عاد إِلى بغداد ثم صار مدرسًا بالنظامية وناظرًا على أوقافها (٦) وقد سمع الحديث، وكان لديه علوم كثيرة، ومعرفة حسنة بالمذهب، وله تفسير في أربع مجلدات كان (٧) يدرِّس منه، واختصر "تاريخ الخطيب" و"الذيل" عليه لابن السمعاني. وقارب الثمانين، [﵀]. ابن الأثير (٨) صاحب "جامع الأصول" (٩) و"النهاية" (١٠) المُبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم ابن عبد الواحد مجد الدين أبو السَّعادات الشَّيباني الجَزَري الشافعي، المعروف بابن الأثير.

стр. 6650

وهو أخو الوزير وزير الأفضل ضياء الدين (١) نصر الله، وأخو الحافظ عز الدين (٢) أبي الحسن علي صاحب "الكامل في التاريخ". ولد أبو السعادات المبارك (٣) في أحذ (٤) الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسمئة، وسمع الحديث الكثير، وقرأ القرآن [الكريم] وأتقن علومه وأحرز علومًا جمة (٥)، وكان مقامه بالموصل، وقد جمع في سائر العلوم كتبًا مفيدة، منها جامع الأصول الستة: "الموطَّأ" و"الصحيحين" و"سنن أبي داود" و"النَّسائي" و"الترمذي"، ولم يذكر "ابن ماجة" فيها (٦)، وله كتاب "النهاية في غريب الحديث" وله "شرح مسند الشافعي" (٧) و"التفسير" في أربع مجلدات، وغير ذلك في فنون شتى. وكان] ﵀ معظَّما عند ملوك الموصل، فلما آل الملك إِلى نور الدين أرسلان (٨) شاه [بن مسعود بن مودود بن زنكي]، أرسل إِليه مملوكه لؤلؤ [يعرض إِليه] أن يستوزره فأبى، فركب السلطان إِليه [بنفسه] فامتنع أيضًا وقال له]: قد كبرت سني واشتهرت بنشر العلم، ولا يصلح هذا الأمر إِلا بشيء من العسف والظلم] (٩)، ولا يليق بى ذلك، فأعفاه. قال أبو السعادات: كنت أقرأ علم العربية على سعيد بن الدهان (١٠)، فكان (١١) يأمرني بصنعة الشعر فكنت لا أقدر عليه، فلما توفي الشيخ رأيته في بعض الليالي، فأمرني بذلك، فقلت له: ضع لي مثالًا أعمل عليه، فقال: [من البسيط] حُبَّ العُلا (١٢) مُدْمِنًا إِن فاتَكَ الظَّفَرُ … وخُذَ خَدَّ الثَّرى (١٣) والليلُ معتكرُ

стр. 6651

فقلتُ أنا: فالعزُّ فِي صَهَواتِ اللَّيْلِ مركبُه (١) … والمجدُ يُنتجهُ الإسْراءُ والسَّهَرُ فقال [لي]: أحسنتَ، ثم استيقظتُ فأتممت عليها نحوًا من عشرين بيتًا. كانت وفاته في سلخ ذي الحجة [من هذه السنة] عن ثنتين وستين سنة، [﵀]. وقد ترجمه أخوه في "الذيل" فقال: كان عالمًا في عدة علوم، منها الفقه وعلم الأصولين (٢) والنحو والحديث واللغة، وله تصانيف (٣) مشهورة في التفسير والحديث (٤) والفقه والحساب وغريب الحديث، وله رسائل مدوَّنة، وكان كاتبًا مفلقًا (٥) يضرب به المثل، ذا دين متين، ولزوم (٦) طريقة مستقيمة (٧) ﵀، فلقد كان من محاسن الزمان. قال ابن الأثير (٨) وفيها توفي: المجد المطرزي (٩) النحوي الخوارزمي وكان إِمامًا في النحو له فيه تصانيف حسنة. قال أبو شام (١٠). وفيها توفي: الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل، ودفن بتربة (١١) أخيه المعظَّم بسفح قاسيون (١٢). والملك المؤيّد مسعود بن صلاح الدين بمدرسة رأس العين فحُمل إِلى حلب فدفن (١٣) بها.

стр. 6652

وفيها: توفي (١). الفخر الرازي (٢) المتكلم صاحب "التفسير" (٣) والتصانيف محمد (٤) بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي القرشي (التيمي) البكري، أبو المعالي وأبو عبد اللّه (٥) المعروف بالفخر الرازي، ويقال له: ابن خطيب الري، الفقيه الشافعي (٦). أحد المشاهير بالتصانيف الكبار والصغار نحو من مئتي مصنف، فمن ذلك (٧) "التفسير" الحافل و "المطالب العالية"، و"المباحث الشرقية"، و"الأربعين"، "شرح الإشارات"، وغيرها في علوم الكلام ومذاهب الأوائل وأقوال الناس، وله أصول الفقه والمحصول وغيره، وصنف ترجمة الشافعي في مجلد مفيد، وفيه غرائب لا يوافق عليها، وينسب إِليه أشياء عجيبة، وقد استقصيت ترجمته في "طبقات الشافعية". وقد كان معظَّمًا عند ملوك خوارزم (٨) وغيرهم، وبنيت له مدارس كثيرة في بلدان شتى، وملك من الذهب العين ثمانين ألف دينار، وغير ذلك من الأمتعة والمراكب والأثاث والملابس، وكان له خمسون مملوكًا من الترك، وقد كان يقعد في مجلس الوعظ فيحضر (٩) الملوك والوزراء والعلماء والأمراء والفقراء والعامة [والغوغاء]، وكانت له عبادات (١٠) وأوراد، وقد وقع بينه وبين الكرَّامية في أوقات، وكان يبغضهم ويبغضونه ويبالغ في ذمّهم ويبالغون في الحطِّ عليه (١١). وقد ذكرنا طرفًا من ذلك فيما تقدم، وكان مع غزارة علمه [وتبحّره] في فن الكلام يقول: من لزم (١٢) مذهب العجائز كان هو الفائز.

стр. 6653

وقد ذكرت (وصيته) عند موته وأنه رجع عن مذهب الكلام فيها إِلى طريقة السلف وتسليم ما ورد على وجه المراد اللائق بجلال اللّه سبحانه (١). وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة في "الذيل" (٢) في ترجمته: وكان (٣) يعظ وينال من الكرَّامية (٤) وينالون منه سبًّا وتكفيرًا (بالكبائر)، وقيل إِنهم وضعوا عليه مَن سقاه السم (٥) فمات ففرحوا بموته، وكانوا يرمونه بالكبائر (٦). قال (٧): وكانت وفاته في ذي الحجة، ولا كلام في فضله، [وإِنما الشناعات عليه قائمة بأشياء: منها أنه كان يقول] (٨): قال محمد التازي (٩)، يعني العربي يريد به النبي (١٠) ﷺ ، وقال محمد الرازي يعني نفسه. ومنها: أنه كان يقرر الشبهة من جهة الخصوم بعبارات كثيرة ويجيب عن ذلك (١١) بأدنى إِشارة وغير ذلك. قال: وبلغني أنه خلَّف من الذهب العين ثمانين (١٢) ألف دينار غير (١٣) ما كان يملكه من الدواب

стр. 6654

والثياب والعقار والآلات، وخلَّف ولدين أخذ كل واحد منهما أربعين ألف دينار، وكان ابنه الأكبر قد تجند وخدم السلطان محمد بن تكش (١). وقال ابن الأثير في "الكامل" (٢): وفيها: توفي فخر الدين أبو الفضل (٣) محمد بن عمر بن خطيب الري الفقيه الشافعي صاحب التصانيف المشهورة في الفقه والأصول [وغيرها]، وكان إِمام الدنيا في عصره، بلغني أن مولده سنة ثلاث وأربعين وخمسمئة. ومن شعره قوله: [من الطويل] إِلَيْكَ إِلَهَ الخَلْقِ وَجْهِي وَوُجْهَتِي … وَأَنْتَ الذي أَدْعُوكَ (٤) في السرِّ والجهرِ وأنتَ غِياثي عِنْدَ كُلِّ مُلِمَّةٍ … وَأَنْتَ مَعادي (٥) في حَيَاتي وفي قَبْرِي روى ذلك ابن الساعي (٦) عن ياقوت الحموي عن ابنن لفخر الدين عنه، وبه قال: أنشدنا [من الطويل] تَتِمَّةُ أَبْوابِ السَّعَادَةِ لِلخَلْقِ … بِذِكْرِ جَلالِ الواحدِ الأَحدِ الحَقِّ مُدَبِّرِ كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ بِأَسْرِهَا … وَمُبْدِعِها بالعَدْلِ والقَصْدِ والصِّدْقِ أجلَّ جَلالُ اللّهِ عن شِبْهِ خَلْقِهِ … وأَنْصَرَ هذا الدينَ في الغَرْبِ والشَّرْقِ إِلَهٌ عَظِيمُ الفَضْلِ والعَدْلِ والعُلَا … هُوَ المُرْشِدُ المُغْوِي هوَ الْمُسْعِدُ المُشْقِي ومما كان ينشده في بعض مصنفاته قوله (٧): [من الطويل] نهاية إِقدام العقول عقال … وأكثر سعي العالمين ضلالُ وأرواحُنا في وَحْشةٍ من جُسومِنا … وحاصِل دُنيانا أذىً ووبالُ ولم نَسْتَفِدْ من بَحْثنا طولَ عُمْرِنا … سوى أَنْ جمعنا فيهِ قيلَ وقالوا ثم يقول (٨): لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فلم أجدها تروي غليلًا ولا تشفي عليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].

стр. 6655

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وفي النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. ثم دخلت سنة سبع وستمئة ذكر الشيخ [شهاب الدين (١) في الذيل] (٢) أن في هذه السنة تمالأت ملوك الجزيرة: صاحب الموصل وصاحب سنجار وصاحب إِربل و [معهم ابن أخيه] الظاهر صاحب حلب وملك الروم أيضًا، على مخالفة العادل ومنابذته ومقاتلته واصطلام الملك من يده، وأن تكون الخطبة [في بلادهم بذلك] للملك كيخسرو بن قلج أرسلان صاحب الروم، وأرسلوا إِلى الكرج ليقدموا لحصار خلاط، [وأخذها من يد] (٣) الملك الأوحد [نجم الدين أيوب، بن العادل، ووعدهم النصر والمعاونة عليه. قلت: وهذا بغي وعدوان ينهى اللّه عنه، فأقبلت الكرج في ملكهم (٤) إِيواني فحاصروا خَلاط فضاق بهم الأوحد ذرعًا وقال: هذا يوم عصيب، فقدر اللّه تعالى أن في يوم الإثنين تاسع عشر ربيع الآخر اشتد حصارهم للبلد وأقبل ملكهم إِيواني (٥) وهو راكب على جواده وهو سكران فسقط به جواده في بعض الحفر التي قد أعدت مكيدة حول البلد، فبادر إِليه رجال البلد فأخذوه أسيرًا حقيرًا، فأسقط في أيدي الكرج، فلما أوقف بين يدي الأوحد أطلقه ومنَّ عليه [وأكرمه] وأحسن إِليه، وفاداه على مئتي ألف دينار وألفي أسير من المسلمين، وتسليم إِحدى وعشرين قلعة متاخمة لبلاد الأوحد، وأن يزوج ابنته من أخيه الأشرف موسى، وأن يكون عونًا له على من يحاربه (٦)، فأجابه إِلى ذلك كله وأُخذت الأيمان (٧) منه بذلك وبعث الأوحد إِلى أبيه (٨) يستأذنه في ذلك كله والعادل (٩) نازل بظاهر حرّان في أشد حيرة (١٠) مما قد داهمه من هذا الأمر الفظيع، فبينما هو كذلك إِذ أتاه هذا الخبر والأمر الهائل [والتدبير] من اللّه العزيز الحكيم،
следующие страницы →