← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

فقلتُ أنا: فالعزُّ فِي صَهَواتِ اللَّيْلِ مركبُه (١) … والمجدُ يُنتجهُ الإسْراءُ والسَّهَرُ فقال [لي]: أحسنتَ، ثم استيقظتُ فأتممت عليها نحوًا من عشرين بيتًا. كانت وفاته في سلخ ذي الحجة [من هذه السنة] عن ثنتين وستين سنة، [﵀]. وقد ترجمه أخوه في "الذيل" فقال: كان عالمًا في عدة علوم، منها الفقه وعلم الأصولين (٢) والنحو والحديث واللغة، وله تصانيف (٣) مشهورة في التفسير والحديث (٤) والفقه والحساب وغريب الحديث، وله رسائل مدوَّنة، وكان كاتبًا مفلقًا (٥) يضرب به المثل، ذا دين متين، ولزوم (٦) طريقة مستقيمة (٧) ﵀، فلقد كان من محاسن الزمان. قال ابن الأثير (٨) وفيها توفي: المجد المطرزي (٩) النحوي الخوارزمي وكان إِمامًا في النحو له فيه تصانيف حسنة. قال أبو شام (١٠). وفيها توفي: الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل، ودفن بتربة (١١) أخيه المعظَّم بسفح قاسيون (١٢). والملك المؤيّد مسعود بن صلاح الدين بمدرسة رأس العين فحُمل إِلى حلب فدفن (١٣) بها.

стр. 6652

وفيها: توفي (١). الفخر الرازي (٢) المتكلم صاحب "التفسير" (٣) والتصانيف محمد (٤) بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي القرشي (التيمي) البكري، أبو المعالي وأبو عبد اللّه (٥) المعروف بالفخر الرازي، ويقال له: ابن خطيب الري، الفقيه الشافعي (٦). أحد المشاهير بالتصانيف الكبار والصغار نحو من مئتي مصنف، فمن ذلك (٧) "التفسير" الحافل و "المطالب العالية"، و"المباحث الشرقية"، و"الأربعين"، "شرح الإشارات"، وغيرها في علوم الكلام ومذاهب الأوائل وأقوال الناس، وله أصول الفقه والمحصول وغيره، وصنف ترجمة الشافعي في مجلد مفيد، وفيه غرائب لا يوافق عليها، وينسب إِليه أشياء عجيبة، وقد استقصيت ترجمته في "طبقات الشافعية". وقد كان معظَّمًا عند ملوك خوارزم (٨) وغيرهم، وبنيت له مدارس كثيرة في بلدان شتى، وملك من الذهب العين ثمانين ألف دينار، وغير ذلك من الأمتعة والمراكب والأثاث والملابس، وكان له خمسون مملوكًا من الترك، وقد كان يقعد في مجلس الوعظ فيحضر (٩) الملوك والوزراء والعلماء والأمراء والفقراء والعامة [والغوغاء]، وكانت له عبادات (١٠) وأوراد، وقد وقع بينه وبين الكرَّامية في أوقات، وكان يبغضهم ويبغضونه ويبالغ في ذمّهم ويبالغون في الحطِّ عليه (١١). وقد ذكرنا طرفًا من ذلك فيما تقدم، وكان مع غزارة علمه [وتبحّره] في فن الكلام يقول: من لزم (١٢) مذهب العجائز كان هو الفائز.

стр. 6653

وقد ذكرت (وصيته) عند موته وأنه رجع عن مذهب الكلام فيها إِلى طريقة السلف وتسليم ما ورد على وجه المراد اللائق بجلال اللّه سبحانه (١). وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة في "الذيل" (٢) في ترجمته: وكان (٣) يعظ وينال من الكرَّامية (٤) وينالون منه سبًّا وتكفيرًا (بالكبائر)، وقيل إِنهم وضعوا عليه مَن سقاه السم (٥) فمات ففرحوا بموته، وكانوا يرمونه بالكبائر (٦). قال (٧): وكانت وفاته في ذي الحجة، ولا كلام في فضله، [وإِنما الشناعات عليه قائمة بأشياء: منها أنه كان يقول] (٨): قال محمد التازي (٩)، يعني العربي يريد به النبي (١٠) ﷺ ، وقال محمد الرازي يعني نفسه. ومنها: أنه كان يقرر الشبهة من جهة الخصوم بعبارات كثيرة ويجيب عن ذلك (١١) بأدنى إِشارة وغير ذلك. قال: وبلغني أنه خلَّف من الذهب العين ثمانين (١٢) ألف دينار غير (١٣) ما كان يملكه من الدواب

стр. 6654

والثياب والعقار والآلات، وخلَّف ولدين أخذ كل واحد منهما أربعين ألف دينار، وكان ابنه الأكبر قد تجند وخدم السلطان محمد بن تكش (١). وقال ابن الأثير في "الكامل" (٢): وفيها: توفي فخر الدين أبو الفضل (٣) محمد بن عمر بن خطيب الري الفقيه الشافعي صاحب التصانيف المشهورة في الفقه والأصول [وغيرها]، وكان إِمام الدنيا في عصره، بلغني أن مولده سنة ثلاث وأربعين وخمسمئة. ومن شعره قوله: [من الطويل] إِلَيْكَ إِلَهَ الخَلْقِ وَجْهِي وَوُجْهَتِي … وَأَنْتَ الذي أَدْعُوكَ (٤) في السرِّ والجهرِ وأنتَ غِياثي عِنْدَ كُلِّ مُلِمَّةٍ … وَأَنْتَ مَعادي (٥) في حَيَاتي وفي قَبْرِي روى ذلك ابن الساعي (٦) عن ياقوت الحموي عن ابنن لفخر الدين عنه، وبه قال: أنشدنا [من الطويل] تَتِمَّةُ أَبْوابِ السَّعَادَةِ لِلخَلْقِ … بِذِكْرِ جَلالِ الواحدِ الأَحدِ الحَقِّ مُدَبِّرِ كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ بِأَسْرِهَا … وَمُبْدِعِها بالعَدْلِ والقَصْدِ والصِّدْقِ أجلَّ جَلالُ اللّهِ عن شِبْهِ خَلْقِهِ … وأَنْصَرَ هذا الدينَ في الغَرْبِ والشَّرْقِ إِلَهٌ عَظِيمُ الفَضْلِ والعَدْلِ والعُلَا … هُوَ المُرْشِدُ المُغْوِي هوَ الْمُسْعِدُ المُشْقِي ومما كان ينشده في بعض مصنفاته قوله (٧): [من الطويل] نهاية إِقدام العقول عقال … وأكثر سعي العالمين ضلالُ وأرواحُنا في وَحْشةٍ من جُسومِنا … وحاصِل دُنيانا أذىً ووبالُ ولم نَسْتَفِدْ من بَحْثنا طولَ عُمْرِنا … سوى أَنْ جمعنا فيهِ قيلَ وقالوا ثم يقول (٨): لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فلم أجدها تروي غليلًا ولا تشفي عليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].

стр. 6655

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وفي النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. ثم دخلت سنة سبع وستمئة ذكر الشيخ [شهاب الدين (١) في الذيل] (٢) أن في هذه السنة تمالأت ملوك الجزيرة: صاحب الموصل وصاحب سنجار وصاحب إِربل و [معهم ابن أخيه] الظاهر صاحب حلب وملك الروم أيضًا، على مخالفة العادل ومنابذته ومقاتلته واصطلام الملك من يده، وأن تكون الخطبة [في بلادهم بذلك] للملك كيخسرو بن قلج أرسلان صاحب الروم، وأرسلوا إِلى الكرج ليقدموا لحصار خلاط، [وأخذها من يد] (٣) الملك الأوحد [نجم الدين أيوب، بن العادل، ووعدهم النصر والمعاونة عليه. قلت: وهذا بغي وعدوان ينهى اللّه عنه، فأقبلت الكرج في ملكهم (٤) إِيواني فحاصروا خَلاط فضاق بهم الأوحد ذرعًا وقال: هذا يوم عصيب، فقدر اللّه تعالى أن في يوم الإثنين تاسع عشر ربيع الآخر اشتد حصارهم للبلد وأقبل ملكهم إِيواني (٥) وهو راكب على جواده وهو سكران فسقط به جواده في بعض الحفر التي قد أعدت مكيدة حول البلد، فبادر إِليه رجال البلد فأخذوه أسيرًا حقيرًا، فأسقط في أيدي الكرج، فلما أوقف بين يدي الأوحد أطلقه ومنَّ عليه [وأكرمه] وأحسن إِليه، وفاداه على مئتي ألف دينار وألفي أسير من المسلمين، وتسليم إِحدى وعشرين قلعة متاخمة لبلاد الأوحد، وأن يزوج ابنته من أخيه الأشرف موسى، وأن يكون عونًا له على من يحاربه (٦)، فأجابه إِلى ذلك كله وأُخذت الأيمان (٧) منه بذلك وبعث الأوحد إِلى أبيه (٨) يستأذنه في ذلك كله والعادل (٩) نازل بظاهر حرّان في أشد حيرة (١٠) مما قد داهمه من هذا الأمر الفظيع، فبينما هو كذلك إِذ أتاه هذا الخبر والأمر الهائل [والتدبير] من اللّه العزيز الحكيم،

стр. 6656

ولم يكن في باله ولا في حسابه، فكاد يذهل فرحًا وسرورًا (١) وأجاز جميع ما فعله ولده، وطارت الأخبار بما وقع (٢) بين الملوك فخضعوا وذلوا عند ذلك، وأرسل كل منهم يعتذر مما نسب إِليه ويحيل على غيره، فقبل منهم اعتذاراتهم وصالحهم صلحًا أكيدًا واستقبل الملك عصرا (٣) جديدًا [وللّه الحمد]، وفي ملك الكرج للأوحد بجميع ما شرط (٤) عليه، وتزوج الأشرف بابنته (٥). ومن غريب ما ذكره أبو شامة (٦) في هذه الكائنة أن قسيس الملك [حَزّاءً] (٧) كان ينظر في النجوم فقال للملك قبل ذلك بيوم: اعلم أنك تدخل غدًا إِلى قلعة خلاط ولكن بزي غير زيّك (٨) أذانَ العصر، فوافق دخوله إِليها أسيرًا [وقت] أذان العصر. ذكر (٩) وفاة صاحب الموصل نور الدين (١٠) وأرسل الملك نور الدين [أرسلان] شاه بن عز الدين (١١) مسعود بن قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل يخطب ابنة السلطان (١٢) الملك العادل، وأرسل وكيله لقبول العقد على ثلاثين ألف دينار، فاتفق موت نور الدين ووكيله في أثناء الطريق، فعقد العقد بعد وفاته ﵀. وقد أثنى عليه ابن الأثير (١٣) في كامله كثيرًا وشكر منه ومن عدله وشهامته [وتحرّيه] وهو

стр. 6657

أعلم به من غيره، وذكر أن مدة ملكه سبع عشرة سنة وأحد (١) عشر شهرًا. وأما أبو المظفر السبط فإِنه قال (٢): كان جبارًا ظالمًا بخيلًا سفاكًا للدماء فاللّه أعلم به (٣). وقام في الملك (٤) [من بعده] ولده القاهر عز الدين (٥) مسعود (٦)، وجعل تدبير مملكته إِلى غلامه بدر الدين لؤلؤ الذي صار الملك إِليه فيما بعد، [كما سيأتي]. قال أبو شامة (٧): وفي سابع شَوّال شرع في عمارة المُصَلَّى، [بظاهر دمشق المجاور لمسجد النارنج (٨) برسم صلاة العيدين. وهدم حائطه القبلي ومنبره ليجدد] (٩) وبُني له أربع جدر بشرفه (١٠)، وجُعل له أبواب صونًا لمكانه من الميتات (١١) ونزول القوافل، وجُعل في قبلته محراب من حجارة ومنبر من حجار (١٢) وعُقدت فوق ذلك قبة. ثم في سنة ثلاث عشرة عُمل في قبلته رواقان، وعُمل له منبرٌ من خشب ورُتِّب له خطيب راتب وإِمام راتب (١٣)، ومات العادل ولم يتم الرواق الثاني منه، وذلك كله على يدي الوزير صفي الدين (١٤) ابن شكر. قال: وفي ثاني شوال من هذه السنة (١٥) جُدِّدت أبوابُ الجامع الأموي من ناحية باب البريد بالنحاس الأصفر، ورُكبت في أماكنها. وفي شوّال أيضًا شُرع في إِصلاح الفوَّارة والشاذروان والبركة، وعمل عندها مسجد، وجُعل له إِمامٌ

стр. 6658

راتبٌ، وأوّل من تولّاه رجل يقال له النَّفيس المصري، وكان يقال له بوق الجامع لطيب صوته إِذا قرأ على الشيخ أبي منصور الضرير المصدر فيجتمع عليه الناس الكثيرون (١). وفي ذي الحجة من هذه السنة توجهت مراكب من عكا إِلى البحر إِلى ثغر دمياط. وفيها: ملك قبرص المسمى إِليان -لعنه الله- (٢) فدخل الثغر ليلًا وأغار (٣) على بعض البلاد فقتل وسبى [وغنم] وكرَّ راجعًا فركب مراكبه فلم يدركه الطلب، وقد تقدمت له بمثلها (٤) قبل هذه، وهذا شيء لم يتفق لغير. وفي هذه السنة (٥) عاثت الفرنج بنواحي القدس [الشريف] فبرز إِليهم الملك المعظم [في عساكره]، وجلس الشيخ شمس الدين أبو المظفر ابن قُزُغلي (٦) الحنفي وهو سبط [الشيخ أبي الفرج] ابن الجوزي ابن ابنته رابعة، وهو صاحب "مرآة الزمان"، وكان فاضلًا في فنون (٧) كثيرة، حسن الشكل طيب الصوت، وكان يتكلّم في الوعظ جيدًا، وتحبه العامة على صيت جده، وقد رحل من بغداد فنزل دمشق وأكرمه ملوكها، وولي التدريس بها، وكان يجلس كل يوم سبت عند باب مشهد علي [بن الحسين] (٨) زين العابدين إِلى السارية التي يجلس عندها الوعاظ في زماننا هذا، فكان يكثر الجمع عنده [جدًا]، حتى يكونوا من باب الناطفانيين (٩) إِلى باب المشهد إِلى باب الساعات (١٠) غير (١١) الوقوف، فيحزر (١٢) جمعه في بعض الأيام بثلاثين ألفًا من الرجال والنساء، وكان الناس يبيتون ليلة السبت بالجامع في الصيف ويتركون البساتين والفرج، يبيتون في قراءة ختمات وأذكار لتحصيل (١٣) الأماكن [بميعاده]

стр. 6659

من شدة الزحام، فإِذا فرغ من وعظه خرجوا إِلى بساتينهم (١) وليس لهم كلام إِلا فيما قال يومهم ذلك أجمع، يقولون قال الشيخ وسمعنا من الشيخ، فيحثهم ذلك على العمل الصالح والكف عن المساوئ، وكان يحضر عنده الأكابر (٢)، حتى الشيخ تاج الدين أبو اليُمْنِ الكندي (٣)، كان يجلس في القبة التي عند باب المشهد هو ووالي البلد المعتمد ووالي (البر) ابن تميرك وغيرهم. فلما جلس (٤) [في] يوم السبت خامس ربيع الأول [بالجامع] كما ذكرنا حث الناس على الجهاد وأمر بإِحضار ما كان يحصل (٥) عنده من شعور التائبين، وقد عمل منه شكالات يحملها (٦) الرجال، فلما رآها الناس ضجوا ضجة واحدة وتباكَوْا (٧) بكاءً كثيرًا وقطعوا من شعورهم نحوها، فلما انقضى المجلس نزل عن المنبر فتلقاه (٨) الوالي مبارز (٩) الدين المعتمد بن إِبراهيم، وكان من خيار الناس، فمشى بين يديه إِلى باب الناطفيين (١٠) يعضده حتى ركب فرسه والناس من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، فخرج من باب الفرج وباب بالمصلى (١١)، ثم ركب من الغد في الناس إِلى الكسوة ومعه خلائق كثيرون خرجوا بنية الجهاد ببلاد (١٢) القدس، وكان من جملة من معه ثلاثمائة من أهل (١٣) زَمْلَكا بالعدد الكثيرة التامة، قال: فجئنا عقبة أفيق والطير لا يتجاسر أن يطير من خوف الفرنج، فلما وصلنا نابلس تلقانا المعظم، قال ولم أكن اجتمعت به قبل ذلك، فلما رأى الشكالات من شعور التائبين جعل يقبِّلها ويمرِّغها على وجهه (١٤) ويبكي. وعمل أبو المظفَّر ميعادًا بنابلس وحثّ على الجهاد وكان يومًا مشهودًا، ثم سار صحبة المعظم

стр. 6660

إلى ناحية الفرنج (١) فقتلوا خلقًا وخرّبوا أماكن كثيرة، وغنموا وعادوا سالمين. وشرع المعظم في تحصين جبل الطور وبناء (٢) قلعة فيه ليكون إِلبًا على الفرنج، فغرم أموالًا كثيرة في ذلك، فبعث (٣) الفرنج إِلى العادل يطلبون منه الأمان والمصالحة، فهادنهم وبطلت تلك العمارة، وضاع ما كان المعظم غرم عليها والله أعلم. وممن توفي فيها من الأعيان (٤): الشيخ أبو عمر (٥) باني المدرسة بسفح قاسيون للفقراء [المشتغلين في القرآن] (٦) ﵀، محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الشيخ الصالح أبو عمر المقدسي. باني المدرسة التي يقرأ بها القرآن بسفح قاسيون، وهو أخو العلّامة موفق الدين (٧) عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن قدامة (٨)، وكان [الشيخ] أبو عمر أسنَّ منه، لأنه ولد سنة ثمانٍ وعشرين وخمسمئة بقرية الساويا (٩)، وقيل بجَمَّاعِيل (١٠)، [والشيخُ أبو عمر] (١١) رَبَّى الشيخَ موفقَ الدين، وأحسن إِليه، وزَوَّجه، وكان يقوم بمصالحه. فلما قدموا من الأرض المقدسة نزلوا (١٢) بمسجد أبي صالح خارج باب شرقي ثم انتقلوا منه إِلى

стр. 6661

السفح، وليس به من العمارة (١) سوى دير الحوراني (٢)، قال: فقيل لنا الصالحين نسبونا (٣) إِلى مسجد أبي صالح، لا أنا صالحون، وسميت هذه البقعة من ذلك الحين بالصالحية نسبة إِلينا. فقرأ (٤) الشيخ أبو عمر القرآن على رواية أبي عمرو، وحفظ "مختصر الخِرَقي" (٥) في الفقه، [وهو الذي شرحه [أخوه] فيما بعد] (٦) فكتب "شرحه" بيده، وكتب "تفسير البغوي" و "الحلية" لأبي نعيم و "الإِبانة" لابن بطة، وكتب مصاحف كثيرة بيده للناس ولأهله بلا أجر (٧). وكان كثير العبادة والتهجد (٨)، ويصوم الدهر، [حسن الشكل، نحيل الجسم، عليه أنوار العبادة] وكان لا يزال متبسِّمًا، وكان يقرأ (كل يوم سبعًا بين الظهر والعصر ويصلي الضحى ثماني ركعات يقرأ) فيهن ألف مرة قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد، وكان يزور مغارةَ الدّم في كل يوم اثنين وخميس. ويجمع في طريقه الشيح فيعطيه الأرامل والمساكين، ومهما تهيَّأَ له من فتوح وغيره يؤثر به أهله والمساكين. وكان متقلّلًا في الملبس، وربما مضت عليه مدة لا يلبس فيها سراويل ولا قميصًا، وكان [يقطع من عمامته قطعًا يتصدق بها أوفي تكميل كفن ميت] (٩). وكان هو وأخوه وابن خالتهم (١٠) الحافظ عبد الغني (١١) وأخوه الشيخ العماد لا ينقطعون عن غزاة

стр. 6662

يخرج فيها الملك صلاح الدين إِلى بلاد الفرنج، وقد حضروا معه فتح القدس والسواحل (١) وغيرها، وجاء الملك العادل [أبو بكر] يومًا إِلى خيمتهم (٢) لزيارة [الشيخ] أبي عمر، وهو قائم يصلي، فما قطع صلاته ولا أوجز فيها، فجلس السلطان واستمر أبو عمر في صلاته ولم يلتفت إِليه حتى قضى صلاته ﵀. والشيخ أبو عمر هو الذي شرع (٣) في بناء المسجد الجامع أولاً بمال رجل من الناس فنفد ما كان بيد (٤) وقد ارتفع البناء قامة، فبعث صاحب إِربل الملك المظفر كُوْكُبريْ (٥) مالًا فكمِّل به، وولي خطابته الشيخ أبو عمر، فكان يخطب به وعليه لباسه الضعيف وعليه أنوار الخشية (٦) والتقوى والخوف من اللّه ، والمسك كيف خبأته ظهر عليك وبان، وكان المنبر الذي فيه يومئذ ثلاث مراقي والرابعة للجلوس، كما كان المنبر النبوي. وقد حكى أبو المظفر (٧) أنه حضر يومًا عنده الجمعة وكان الشيخ عبد الله اليوناني (٨) حاضرًا هناك (٩) عنده، فلما انتهى في خطبته إِلى الدعاء (١٠) للسلطان قال: اللهم أصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب، فنهض (١١) الشيخ عبد اللّه اليوناني وأخذ نعليه وخرج من الجامع وترك صلاة الجمعة. [قال:] فلما فرغنا ذهبت إِليه فقلت (له): ماذا نقمت عليه في قوله؟ فقال: يقول لهذا الظالم العادل لا صليت معه، قال: فبينما نحن في الحديث إِذ أقبل الشيخ أبو عمر ومعه رغيف وخيارتان فكسر ذلك الرغيف وقال: الصلاة، ثم قال: قال النبي ﷺ "بعثت في زمن الملك العادل كسرى" (١٢) فتبسم الشيخ عبد الله اليوناني [ومدَّ يدَه فأكلَ فلما فرغوا] (١٣) قام الشيخ أبو عمر فذهب فلما ذهب قال لي اليوناني: يا سيدنا ما هذا إِلا رجل صالح.

стр. 6663

قال [الشيخ شهاب الدين] أبو شامة (١) كان [الشيخ عبد اللّه] اليوناني من الصالحين الكبار، وقد رأيته وكانت وفاته بعد أبي عمر بعشر سنين فلم يسامح الشيخ أبا عمر في تساهله مع ورعه، ولعله كان مسافرًا والمسافر لا جمعة عليه، وعذر الشيخ أبي عمر أن هذا قد جرى مجرى الأعلام العادل الكامل الأشرف ونحوه، كما يقال سالم وغانم ومسعود ومحمود، وقد يكون ذلك على الضد من (٢) هذه الأسماء، فلا يكون سالمًا ولا غانمًا ولا مسعودًا ولا محمودًا، وكذلك إِطلاق (٣) العادل ونحوه من أسماه الملوك وألقابهم، والتجار وغيرهم، كما يقال شمس الدين وبدر الدين وعز الدين وتاج الدين ونحو ذلك قد يكون معكوسًا على الضد والانقلاب، ومثله الشافعي والحنبلي وغيرهم، وقد تكون أعماله ضد ما كان عليه إِمامه الأول من الزهد والعبادة ونحو ذلك، وكذلك العادل يدخل (٤) إِطلاقه على المشترك [فهذا أولى] (واللّه أعلم) (٥). قلت: هذا الحديث الذي احتج به الشيخ أبو عمر لا أصل له، وليس هو في شيء من الكتب المشهورة، وعجبًا له ولأبي المظفر ثم لأبي شامة (٦) في قبول مثل هذا وأخذه منه مسقمًا إِليه فيه واللّه أعلم. ثم شرع (أبو) المظفر في ذكر مناقب أبي عمر وكراماته وما رآه هو وغيره من أحواله الصالحة. قال: وكان على مذهب السَّلَف الصالح (٧) وكان حسن العقيدة متمسكًا بالكتاب والسنة والآثار المروية، يُمرُّها كما جاءت من غير طعن على أئمة الدين وعلماء المسلمين، وكان ينهى عن صحبة المبتدعين ويأمر بصحبة الصالحين، قال (٨): وربما أنشدني (٩) لنفسه في ذلك: [من الرجز] أُوصِيكُمُ بالقَوْلِ فِي القُرآنِ … بِقَوْلِ أَهْلِ الحَق وَالإِتْقانِ (١٠) لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ولا بِفَانِ (١١) … لكِنْ كَلامَ المَلِكِ الدَّيَّانِ

стр. 6664

آياتُهُ مُشْرِقَةُ المَعَانِي … مَتْلُوَّةٌ للّهِ بِاللِّسَانِ (١) محفوظةٌ (٢) في الصَّدْرِ والجَنَانِ … مَكْتُوبةٌ في الصُّحْفِ بالبَنَانِ والقَوْلُ في الصِّفاتِ يا إِخْوانِي … كالذاتِ والعِلْمِ معَ البَيَانِ إِمْرارُها مِنْ غَيْرِ مَا كُفْرانِ … مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ ولا عُطلانِ (٣) قال: وأنشدني لنفسه (٤): [من الطويل] أَلَمْ يَكُ مَلْهاةٌ عَنِ اللّهْوِ أَنَّنِي … بَدَا لِيَ شَيْبُ الرَّأْسِ والضَّعْفُ والأَلَمْ أَلَمَّ بِيَ الخطبُ الذي لو بَكَيْتُهُ … حَيَاتِيَ حَتَّى يَذْهَب (٥) الدَّمْعُ لَمْ أُلَمْ قال (٦) ومرض أيامًا فلم يترك شيئًا مما كان يعمله من الأوراد، حتى كانت وفاته وقت السحر فى (٧) ليلة الثلاثاء التاسع والعشرين من ربيع الأول فغُسِّل في الدير (٨) وحُمل إِلى مقبرته في خلق كثير لا يعلمهم إِلا الله ، ولم يبق أحد من الدولة والأمراء والعلماء والقضاة وغيرهم إِلا حضر جنازته (٩)، وكان يومًا مشهودًا، وكان الحرُّ شديدًا فأظلت الناس سحابةٌ من الحرِّ، كان يسمع منها كدويِّ النحل، وكاد (١٠) الناس ينتهبون أكفانه وبيعت ثيابه بالغالي الغالي، وقد رثاه الشعراء بمراثي حسنة، ورُئيت له مناماتٌ صالحةٌ ﵀. وترك من الأولاد ثلاثة من الذكور (١١): عمر، وبه كان يكنى، والشرف عبد اللّه وقد ولي (١٢) الخطابة (بعد أبيه، وهو والد العز إِبراهيم (١٣) وعبد الرحمن (١٤). ولما توفي الشرف عبد الله صارت

стр. 6665

الخطابة) إِلى أخيه (١) شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر، وكان من أولاد أبيه الذكور، وكان له من الإِناث بنات كما قال اللّه تعالى: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]. قال: وقبره في طريق مغارة الجوع في الزقاق المقابل لدير الحوراني رحمه اله وإِيانا. ابن طَبَرْزَد (٢) شيخ الحديث (٣) عمر بن محمد بن مُعَمَّر بن يحيى المعروف بأبي حفص بن طَبَرْزَد البَغْدادي الدارقزِّي. ولد سنة خمس عشرة وخمسمئة، سمع الكثير وأسمع، وكان خليعًا ظريفًا ماجنًا، وكان يؤدِّب الصبيان بدار القز (٤) قدم مع حنبل بن عبد اله المُكَبِّر إِلى دمشق فسمع أهلها عليهما، وحصل لهما أموال، وعادا إِلى بغداد فمات حنبل سنة ثلاث (٥) وتأخر هو إِلى هذه السنة (٦) فمات وله سبع وتسعون سنة، وترك مالًا جيدًا ولم يكن له وارث إِلا بيت المال، ودفن بباب حرب. السلطان الملك العادل (٧) نور الدين أبو الحارث أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل. وهو ابن أخي نور الدين الشهيد، وقد ذكرنا من سيرته في الحوادث [ما فيه كفاية]، وكان شافعيَّ المذهب، ولم يكن بينهم شافعيّ (٨) سواه، وبنى للشافعية مدرسةً كبيرةً بالموصل وبها تربته.

стр. 6666

قال ابن خلكان (١): وكانت وفاتة (٢) ليلة الأحد التاسع والعشرين من رجب من هذه السنة. ابن سُكَيْنَة (٣) عبد الوهاب بن علي ضياء الدين [أبو أحمد] (٤) المعروف بابن سُكَيْنَة الصّوفي. كان يُعدُّ من الأبدال، سمع الكثير (٥) وأسمعه ببلاد شتى، وكان [مولده] (٦) في سنة تسع عشرة وخمسمئة، وكان صاحبًا للشيخ أبي (٧) الفرج بن الجوزي (٨) ملازمًا لمجلسه وكان يوم جنازته مشهودًا لكثرة (٩) ما كان فيه من الخاصة والعامة ﵀. مظفر بن شاشير (١٠) الواعظ الصوفي البغدادي. ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمئة، وسمع الحديث، وكان يعظ في (الأعزية والمساجد والقرى، وكان ظريفًا مطبوعًا قام إِليه إِنسان) [وهو يعظ] فقال له فيما بينه وبينه: أنا مريضٌ وجائعٌ، فقال: اِحْمَدْ ربَّك فقد عُوفيت. واجتاز مرة على قصَّاب يبيع لحمًا ضعيفًا، وهو يقول: أين من حلف لا يغبن، فقال له [ابن شاشير]: (حتى) تحنثه. قال: وعملت مرة مجلسًا ببعقوبا (١١) فجعل هذا يقول: عندي للشيخ نصفية [وهذا يقول عندي للشيخ نصفية، وهذا] (١٢) يقول مثله، حتى عدُّوا نحوًا من خمسين نصفية، فقلت في نفسي: استغنيت الليلة (فأرجع إِلى البلد تاجرًا، فلما أصبحت) إِذا صبرة من شعير في المسجد فقيل لي: [هذه النصافي] (١٣) التي ذكر الجماعة، وإذا بكيلة يسمونها نصفية مثل الزبدية. وعملت مرة مجلسًا بباجسرى (١٤) فجمعوا لي شيئًا لا أدري ما هو، فلما أصبحنا إِذا شيء من صوف

стр. 6667

الجواميس وقرونها، فقام رجل ينادي عليها: كم عندكم صوف الشيخ وقرونه (١)، فقلت لا حاجة لي بهذا وأنتم في حل منه (٢). ذكره أبو شامة (٣). ثم دخلت سنة ثمان وستمئة استُهلَّتْ والعادلُ مقيمٌ على الطّور لعمارة حصنه. وجاءت الأخبار من بلاد المغرب بأن ابن عبد المؤمن (٤) قد كسر الفرنج بطليطلة كسرةً عظيمةً، وربَّما فتح البلد عنوةً وقتل منهم خلقًا عظيمًا (٥). وفيها كانت زلزلةٌ عظيمةٌ شديدةٌ بمصر والقاهرة، هدمت منها دورًا كثيرة، وكذلك بمدينة الكراك (٦) والشّوبك هدمت من قلعتها أبراجًا، ومات خلقٌ كثيرٌ من الصبيان والنسوان تحت الهدم، ورُؤي دخانٌ نازل من السماء [إِلى الأرض] (٧) فيما بين المغرب والعشاء عند قبر عاتكة غربيَّ دمشق (٨). وفيها أظهرت الباطنية الإسلام، وأقامت الحدود على مَنْ يَتَعَاطى (٩) الحرام، وبَنَوا الجوامِعَ والمساجِدَ، وكتبوا إِلى إِخوانهم بالشام في مصياب (١٠) وأمثالها بذلك، وكتب زعيمهم جلال الدين إِلى الخليفة يعلمه بذلك، وقدمت أُمة منهم إِلى بغداد حجاجًا فأُكرمت وعظمت (١١) بسبب ذلك، ولكن لما

стр. 6668

كان الناس بعرفات ظهر (١) واحد منهم على قريب لأمير مكة قتادة (٢) الحسيني فقتله ظانًا أنه قتادة، فثارت فتنة [عظيمة] بين سودان (٣) مكة وركب العراق، ونهب الركب وقتل منهم خلق كثير. وفيها: ابتاع (٤) الملك الأشرف (٥) جوسق (٦) الرئيس من النيرب من ابن عمِّه (٧) الظاهر خضر (٨) بن صلاح الدين وبناه بناءً حسنًا، وهو المسمى بزماننا بالدهشة (٩). وممن توفي فيها من الأعيان (١٠): الشيخ عماد الدين (١١) محمد بن يونس الفقيه الشافعي الموصلي. صاحب التصانيف والفنون الكثيرة، وكان رئيس الشافعية بالموصل، وبعث رسولًا إِلى بغداد بعد موت نور الدين أرسلان (١٢)، وكان عنده وسوسة كثيرة في الطهارة، ويقال إِنه (١٣) يعامل في الأموال بمسألة العِينة (١٤) (كما قيل تُصَفُونَ البعوضَ من شرابكم وتستربطون (١٥) الجمال بأحمالها، ولو عكس الأمر لكان خيرًا له، فلقيه يوما قضيب البان المولَّه (١٦) فقال له: يا شيخ بلغني عنك أنك تغسل [العضو

стр. 6669

من] (١) أعضائك بإِبريق من الماء فلم لا تغسل اللقمة التي تأكلها (لتستنظف قلبك وباطنك)؟ (٢) ففهم الشيخ ما [أشار إِليه وترك المعاملة وكانت وفاته] (٣) بالموصل في رجب عن ثلاث وسبعين سنة. ابن حمدون (٤) تاج الدين أبو سعد الحسن بن محمد بن حمدون، صاحب (٥) "التذكرة الحمدونية". وكان فاضلًا بارعًا، اعتنى بجمع الكتب المنسوبة وغيرها، وولاه الخليفة المارستان العضدي، وكانت وفاته (٦) بالمدائن وحمل إِلى مقابر قريش [فدفن بها] (٧). صاحب الروم خسروشاه (٨) ابن قليج (٩) أرسلان (١٠)، وقائم (١١) بالمُلك بعده ولده كيكاوس (١٢)، فلما توفي في سنة خمس عشرة ملك أخوه كيُقباد (١٣) صارم الدين بزغش العادلي نائب القلعة بدمشق، (مات) في صفر ودفن بتربته غربي الجامع (١٤) المُظَفَّري، وهذا الرجل هو الذي نفى الحافظ عبد الغني

стр. 6670

المقدسي (١) إِلى مصر، وبين يديه كان عقد المجلس، (وكان في جملة من قام عليه ابن الزكي (٢) والخطيب الدَّوْلعي (٣)، وقد تُوفُّوا أربعتهم وغيرهم ممن قام عليه واجتمعوا عند ربهم الحكم العدل سبحانه). الأمير فخر الدين شركس (٤) (ويقال (له) جهاركس (٥) أحد أمراء الدولة الصلاحية وإليه تنسب فباب (٦) شركس) بالسفح تجاه تربة (٧) خاتون (٨) وبها قبره. قال ابن خلّكان (٩): هذا هو الذي بنى القيسارية الكبرى بالقاهرة المنسوبة إِليه وبنى (في) أعلاها مسجدًا معلَّقًا وربعًا، وقد ذكر جماعة من التجار أنهم لم يروا لها نظيرًا في البلدان في حسنها وعِظَمِها وإِحكام بنائها. قال: وجهاركس بمعنى أربعة أنفس. قلت: وقد كان نائبًا للعادل على بانياس والشقيف (١٠) وتبنين (١١) وهُونين (١٢)، فلما توفي ترك ولدًا صغيرًا فأقرَّه العادل على ما كان يليه أبوه وجعل له مدبرًا وهو الأمير صارم الدين خطلبا

стр. 6671

التِّبْنيني (١)، ثم استقل بها بعد موت الصبي إِلى سنة خمس عشرة. الشيخ الكبير المعمر الرحلة أبو القاسم وأبو بكر وأبو الفتح، منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل الفُراوي (٢) النَّيْسابوري. سمع أباه وجدَّه وجد أبيه (٣) وغيرهم، وعنه ابن الصلاح (٤) وغيره، وكانت وفاته بنيسابور في شعبان (٥) هذه السنة عن خمس وثمانين سنة. العقيبي (٦) والد والي البلد، كانت وفاته في شوال من هذه السنة [واللّه أعلم] (٧). ثم دخلت سنة تسع وستمئة فيها اجتمع العادل (٨) وأولاده الكامل (٩) والمعظم (١٠) والفائز (١١) بدمياط من بلاد مصر في مقاتلة

стр. 6672

الفرنج فاغتنمَ غيبتهم سامة (١) الجبلي أحد أكابر الأمراء (٢)، وكانت بيده قلعة عجلون وكوكب فسار مسرعًا إِلى الشام (٣) ليسلّم البلدين، فأرسل العادل في إِثره ولده المعظم [صاحب الشام] فسبقه إِلى القدس الشريف (٤) وحمل عليه فرسم عليه في كنيسة صهيون، وكان شيخًا كبيرًا قد أصابه النقرس، فشرع يرده إِلى الطاعة بالملاطفة فلم ينفع فيه فاستولى على حواصله وأملاكه وأمواله وأرسله إِلى قلعه (٥) الكرك فاعتقله بها، وكان قيمة ما أخذ (٦) منه قريبًا من ألف ألف دينار، من ذلك داره وحمامه داخل باب السلامة، وداره هي التي جعلها البادرائي مدرسة للشافعية، وخرب حصن كوكب، ونقلت حواصله إِلى حصن الطور الذي استجده العادل وولده المعظم. وفيها عزل الوزير [صفي الدين] ابن شكر (٧)، واحتيط على أمواله، ونُفي إِلى الشرق، وهو الذي كان قد كتب إِلى الديار المصرية بنفي الحافظ عبد الغني (٨) إِلى المغرب، فتوفي الحافظ قبل أن يصل كتابه (٩)، وكتب الله بنفي الوزير إِلى الشرق (١٠). ولما استولى صاحب (١١) قبرص [لعنه اللّه] على مدينة أنطاكية حصل (١٢) بسبجه شرٌّ عظيمٌ وتمكَّن من الغارات على بلاد المسلمين، لا سيَّما على التراكمين (١٣) الذين حول أنطاكية، قَتل منهم خلقًا كثيرًا (وغنم من أغنامهم شيئًا كثيرًا)، فقدَّر اللّه أن أمكنهم منه في بعض الأودية فقتلوه وطافوا برأسه في تلك البلاد، ثم أرسلوا رأسه إِلى الملك العادل إِلى مصر فطيف به هنالك، وهو الذي أغار (١٤)

стр. 6673

على بلاد مصر من ثغر دمياط مرتين، فقتل وسبى [وعجز عنه الملوك] (١). وفي ربيع الأول منها توفي: الملك الأوحدُ نجمُ الديّن أيوبُ (٢) ابن العادل، صاحب خلاط، يقال: إِنه كان قد سفك الدماءَ وأساءَ السيرة [إِلى أهلها] فقصف اللّه عمره، ووليها بعده أخوه الملكُ الأشرفُ (٣) موسى [بن العادل]، وكان محمودَ السيرةِ جيّدَ السريرةِ، فأحسن إِلى أهلها، فأحبُّوه كثيرًا. وفيها توفي (٤): فقيه الحرم الشريف بمكه (٥) محمد بن إِسماعيل بن أبي الصَّيف اليمني ﵀. وأبو إِسحاق إِبراهيم (٦) بن محمد بن أبي بكر القَفْصي المقرئ المحدث، كتب كثيرًا وسمع الكثير ودفن بمقابر الصوفية، [﵀]. وأبو (٧) الفتح محمد بن سعد بن محمد الدِّيباجي (٨) من أهل مَرْوَ، له كتابُ "المُحَصَّل في شرح المُفَصَّل" للزَّمَخْشَري في النحو وكان ثقةً عالمًا، سمع الحديث، وتوفي في هذه السنة (٩) عن ثنتين وتسعين سنة. الشيخ الصالح الزاهد العابد (١٠) أبو الثناء (١١) محمود بن عثمان بن مكارم النَّعَّال الحنبلي.

стр. 6674

كان له عباداتٌ ومجاهداتٌ وسياحاتٌ، وبنى رباطًا بباب الأَزج يأوي إِليه أهل العلم من المقادسة وغيرهم، وكان يؤثرهم ويحسن إِليهم، وقد سمع الحديث وقرأ القرآن، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وكانت (وفاته) في هذه السنة (١) وقد جاوز الثمانين. ثم دخلت سنة عشر وستمئة فيها أمر العادل (٢) أيام الجمع بوضع سلاسل على أفواه (٣) الطرق إِلى الجامع لئلا تصل الخيول إِلى قريب الجامع صيانة للمسلمين عن التأذّي بهم والتضييق عليهم (٤). وفيها ولد الملك العزيز للظاهر غازي (٥) صاحب حلب، وهو والد الملك الناصر (٦) صاحب دمشق واقف الناصريتين داخل دمشق، إِحداهما داخل باب الفراديس، والأخرى بالسفح ذات الحائط الهائل والعمارة المتينة، التي قيل إِنه لا يوجد مثلها إِلا قليلًا، وهو الذي أسره التتار الذين مع هلاكو ملك التتار (٧). وفيها: قدم بالفيل من الديار المصريه (٨) ليُحمل (٩) هديةً إِلى (صاحب) الكرج فتعجب أهل دمشق منه جدًا، ومن بديع خلقته (١٠). وفيها: قدم الملك الظافر (١١) خضر بن السلطان صلاح الدين من حلب قاصدًا الحج، فتلقاه الناس وأكرمه ابن عمه المعظم (١٢) [صاحب دمشق]، فلما لم يبق بينه وبين مكة إِلا مراحل يسيرة تلقته حاشية الكامل (١٣)

стр. 6675

صاحب مصر وصدّوه عن الدخول إِلى مكة (١)، وقالوا إِنما جئت لأخذ اليمن، فقال لهم: قَيِّدوني وذَروني أقضي المناسكَ، فقالوا: ليس معنا مرسومٌ وإِنما أُمرنا بردّكَ وصدّكَ، فهمَّ طائفةٌ من الناس بقتالهم فخاف من وقوع فتنة فتحلَّل من حَجِّه ورجعَ إِلى الشام، وتأسف الناسُ على ما فعل به وتباكَوا لمَّا ودَّعَهم، تَقَبَّلَ اللّهُ منه. وفيها: وصل كتاب من بعضِ فقهاءِ الحنفيَّةِ بخراسانَ إِلى الشيخ تاج الدين الكِنْدِي (٢) يخبر به أن السلطانَ خوارزم شاه محمد بن تكش تنكَّر في ثلاثةِ نفرٍ من أصحابه، ودخل بلادَ التَّتَر ليكشفَ أخبارَهم بنفسه، فأنكروهم فقبضوا عليهم فضَربوا منهم (٣) اثنين حتى ماتا ولم يُقِرّا بما جاؤوا إِليه (٤) واستَوْثَقوا من الملك وصاحبه الآخر إِسارا (٥)، فلما كان في بعض الليالي هربا [فسلما]، ورجع السلطان إِلى معسكره فعاد إِلى مملكته. قلت: وهذه المكاتبة غير ما تقدم من أسره (٦) في المعركة مع [ابن] مسعود الأمير، [والله أعلم]. وفيها: ظهرتْ بلاطة وهم يحفرون في خندق حلب فوُجد تحتها من الذهب خمسةٌ وسبعون رَطلًا، ومن الفضة خمسة وعشرون بالرَّطل الحلبي. وفيها توفي: شيخُ الحنفيّه (٧) ومدرسُ مشهدِ أبي حنيفةَ ببغداد، الشيخُ أبو الفضل أحمدُ بن مسعود بن علي التُّرْكستاني (٨)، وكان إِليه المظالم، ودُفنَ بالمشهد المذكور. والشيخُ أبو محمد (٩) إِسماعيلْ (١٠) بن علي بن الحسين، فخر الدين الحنبلي، ويُعرف (١١) بابن المَاشِطَة، ويُقال له: الفخرُ غُلام ابن المَنِّي.

стр. 6676

له تعليقةٌ في الخلاف و [كانت] له حلقةٌ بجامع الخليفة (١)، وكان يلي النظرَ في قرايا للخليفة (٢)، ثم عزله فلزم بيته فقيرًا لاشيءَ له إِلى أن مات ﵀، وكان ولده محمد مدبرًا شيطانًا مريدًا كثيرَ الهجاء والسعاية بالناس إِلى أولياءِ الأمر بالباطل، فقُطع لسانُه وحُبس إِلى أن مات. والوزير مُعِزّ الدِّين (٣) أبو المعالي (٤)، سعيد بن علي بن أحمد بن حَديدة. من سُلالة الصَّحابي قُطْبَةَ بن عامر بن حَديدة الأَنصاري (٥)، ولي الوزارةَ للناصر (٦) في سنة أربعٍ وثمانين، ثم عزله عن سعاية ابن مهدي (٧) فهرب إِلى مراغَه (٨)، ثم عاد بعد موت (٩) ابن مهدي فأقام ببغداد مُعَظَمًا محترمًا، وكان كثيرَ الصدقات والإحسان إِلى الناس إِلى أن مات ﵀. وسنجر بن عبد اللّه النَّاصِرِي (١٠)، الخليفتي. كانت له أموالٌ كثيرةٌ وأملاكٌ وإِقطاعاتٌ مُتَّسعة، وكان مع ذلك بخيلًا ذليلًا ساقطَ النفسِ، اتفق أنه خرج أميرُ الحاج في سنة تسع وثمانين وخمسمئة، فاعترضه بعض الأعرابيُّ (١١) في نفرٍ يسيرٍ، ومع سنجر (١٢) خمسمئة فارس، فدخله الذلّ من الأعرابي (١٣)، فطلب منه الأعرابيُّ خمسين ألف دينار فجباها سنجر من الحجيجِ ودفعها إِليه، فلما عاد إِلى بغداد أخذ الخليفةُ منه خمسين ألف دينار ودفعها إِلى أصحابها وعزله وولَّى طاشتكين مكانه. وقاضي السَّلاميَّة (١٤)، ظَهير الدّين، أبو إِسحاق، إِبراهيم بن نَصْر بن عَسْكَر، الفقيه الشافعيّ الأديب.

стр. 6677

ذكره العمادُ في "الخريدة" (١) وابنُ خلِّكان في "الوفيات" (٢)، وأثنى عليه وأَنشَدَ من شعره، في شيخٍ له زاوية، وفي أصحابه يقال له مكي: [من المتقارب] (٣) ألا قُلْ لمكي قولَ النَّصيح (٤) … فحَقُّ النصيحةِ أن تُسْتَمَعْ مَتَى سَمِعَ النَّاسُ في دِينهم … بأَنَّ (٥) الغِنا سُنَّةٌ تُتَّبَعْ؟ وأنْ يأكُلَ المَرْءُ أَكْلَ البَعيرِ … ويَرْقُصَ في الجَمْعِ حَتَّى يَقَعْ وَلَوْ كَانَ طَاوِي الحَشَا جَائِعًا … لما دَارَ من طَرَبٍ واسْتَمَعْ وقالوا: سَكِرْنا بحبِّ الإلهِ … وما أَسكَرَ القومَ إِلا القِصَعْ كذاكَ الحميرُ إِذا أَخْصَبَتْ … يُهَيِّجُهَا (٦) رِيُّها والشِّبَعْ تراهمْ يهزُّوا لِحَاهُمْ إِذا … ترنَّمَ حاديهمُ بالبِدع (٧) فيصرُخ هذا وهذا يئن … وياسينُ لو تُليت (٨) ما انصدعْ وتاجُ الأُمناء (٩) أبو الفضل، أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عساكر. من بيت الحديث والرواية، وهو أكبرُ من أخويه (١٠) زين الأمناء (١١) والفخر عبد الرحمن (١٢)، سمع

стр. 6678

عَمَّيْه الحافظ أبي القاسم (١) والصائن (٢)، وكان صديقًا [للشيخ تاج الدين] الكِنْدي وكانت وفاته (٣) يوم الأحد ثاني رجب ودفن قبلي محراب مسجد القدم، [﵀]. وتاج العُلى النسابة الرَّملي (٤) الحَسَني (٥). اجتمع بآمد [بالشيخ أبي الخطاب] بن دحية (٦)، وكان ينسب إِلى دحية الكلبي، [فقال له: إِنَّ] دحية (٧) لم يُعْقِب، فرماه ابن دحية بالكذب في مسائله الموصلية. قال ابن الأثير (٨) [في الكامل]: وفي المحرم منها توفي: المُهَذَّب (٩) الطبيب المشهور، وهو علي بن أحمد بن هَبَلْ (١٠) الموصلي، سمع الحديث وكان أعلمَ أهلِ زمانه بالطب، وله فيه تصنيفٌ حسن (١١)، وكان كثيرَ الصدقة حسنَ الأخلاق. الجُزُولي (١٢) صاحب (١٣) المقدمة المسماة "بالقانون" وهو أبو موسى عيسى بن عبد العزيز

стр. 6679

الجُزُولي -بطن من البربر- ثم اليَزْدَكْتَني (١) النَّحْوي المَغْربِي. مصنف المقدمة المشهورة البديعة، شرحها (٢) هو وتلامذته، وكلهم يعترفون بتقصيرهم عن فَهْم مرادِه في أماكنَ كثيرةٍ منها. قدم مصر (٣) وأخذ عن ابن بري، ثم عاد إِلى بلاده وولي خطابة مراكش، وكانت وفاته (٤) في هذه السنة وقيل قبلها فاللّه أعلم. ثم دخلت سنة إحدى عشرة وستمئه فيها: أرسل الملكُ خوارزم شاه أميرًا من أخصّاء أمرائه عنده (٥)، وكان قبل ذلك سيروانًا (٦) فصار أميرًا خاصًا، فبعثه في جيشٍ ففتح له كَرْمان (٧) ومكران (٨) وإِلى حدود بلاد السند، وخُطب لخوارزم شاه بتلك النواحي (٩)، وكان خوارزم شاه لا يُصيِّفُ إِلا بنواحي سمرقند خوفًا من التتار أصحاب كشلي خان أن يتوثبوا على أطراف بلاد (١٠) التي تتاخمهم. قال أبو شام (١١): وفيها شُرع في تبليط داخل الجامع (الأموي) وبدؤوا من ناحية السبع الكبير، وكانت (١٢) أرض الجامع قبل ذلك حُفَرًا وجُوَرًا، فاستراح الناس بتبليطه (١٣).

стр. 6680

وفيها: وسع الخندق (مما يلي القيمازية فأخربت دور كثيرة وحمام قايماز وفرن كان هناك وقفًا على دار الحديث النورية) (١). وفيها (٢): بنى المُعَظَّم (٣) الفندقَ المنسوبَ إِليه بناحية قبر عاتكة ظاهر باب الجابية. وفيها: أخذ المُعَظَّم قلعةَ صرخد من ابن قراجا (٤) وعوَّضَه عنها وسلَّمها إِلى مملوكه عز الدين أيبك (٥) المُعظَّمي، فثبتت في يده إِلى أن انتزعها منه نجمُ الدين أيّوب سنة أربع وأربعين. وفيها: حجَّ الملك المُعظَّم ابن العادل. ركب من الكرك على الهجن في حادي عشر ذي القعدة ومعه ابن موسك ومملوكه أيبك (٦) عز الدين أستاذ دار (٧) وخلق، فسار على طريق تبوك والعلا. وبنى (٨) البركة المنسوبة إِليه، ومصانع أُخر. فلما قدم المدينة النبوية تلقاه صاحبها سالم (٩) وسلَّم إليه مفاتيحها وخدمه خدمة تامة، وأما صاحب مكة قتاد (١٠) فلم يرفع به رأسًا، ولهذا لما قضى نسكه، وكان قارنًا، وأنفق في المجاورين ما حمله إِليهم من الصدقات وكرّ راجعًا استصحب معه سالمًا صاحب المدينة وشكا (١١) إِلى أبيه عند رأس الماء ما لقيه من صاحب مكة، فأرسل العادلُ، مع سالم جيشًا يطردون صاحبَ مكة، فلما انتهوا إِليها هرب منهم في الأودية والجبال والبراري، وقد أثر المعظم في حجته هذه (آثارًا حسنة) بطريق الحجاز أثابه الله (١٢). وفيها: تعامل أهل دمشق بالقراطيس السود العادلية ثم بطلت بعد ذلك وفنيت (١٣).

стр. 6681

وفيها: مات صاحب اليمن ابن سيف الإسلام فتولاها (١) سليمان بن شاهنشاه بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب باتفاق الأمراء عليه، فأرسل العادل إِلى ابنه (٢) الكامل أن يرسل إِليها ولده أخسيس (٣)، فأرسله فتملكها فظلم بها وفتك (وغشم)، وقتل من الأشراف نحوًا من ثمانمئة، وأما ممن (٤) عداهم فكثيرٌ، وكان من أفجر الملوك وأكثرهم فسقًا وأقلِّهم حياء (٥)، وقد ذُكر (٦) عنه ما تقشعرُّ منه الأبدانُ وتنكره القلوبُ، نسأل اللّه العافيةَ. وممن توفي فيها: إِبراهيم بن علي (٧) بن محمد بن بكروس الفقيه الحنبلي، أفتى وناظر وعُدِّل عند الحُكَّام، ثم انسلخ من هذا كله وصار شرطيًا بباب النّوبي (٨) يضربُ الناسَ ويُؤذيهم غايةَ الأذى، ثم بعد ذلك ضُرب إِلى أن مات وأُلقي في دجلة (٩) وفرحَ الناسُ بموته، وقد كان أبوه رجلًا صالحًا. الركن عبد السلام بن عبد الوهاب (١٠) بن الشيخ عبد القادر.

стр. 6682

كان أبوه صالحًا وكان هو متَّهمًا (١) بالفلسفة ومخاطبة النجوم، ووجد عنده كتب في ذلك، وقد ولي عدة ولايات، (وفيه وفي أمثاله يقال (٢): نعم الجدود، ولكن بئس ما نسلوا. رأى (٣) عليه أبوه يومًا ثوبًا بخاريًا) فقال: سمعنا بالبخاري ومسلم، وأما بخاريٌّ وكافرٌ فهذا شيء عجيب، وقد كان مصاحبًا لأبي القاسم ابن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، وكان الآخر مدبَّرًا فاسقًا، وكانا يجتمعان على الشراب والمردان قبحهما اللّه. أبو محمد عبد العزيز بن محمود بن المبارك (٤) البَزَّاز المعروف بابن الأَخْضَر البغدادي المحدِّث المُكْثر الحافظ المُصَنِّف المحرّر. له كتب مفيدة متقنة، وكان من الصالحين، وكان يوم جنازته يومًا مشهودًا ﵀. الحافظ أبو الحسن علي بن الأنجب (٥) المفضل (٦) اللَّخْمي المَقْدِسي، ثم الإسْكَنْدَراني المالكي. سمع السِّلَفي (وسمع منه) (٧) عبد العظيم (٨) المُنْذري وكان مدرسًا للمالكية بالإسكندرية، ونائب الحكم بها. ومن شعره قوله: [من الطويل] أيا نفسُ بالمأثورِ عن خيرِ مرسَل … وأصحابهِ والتابعينَ تَمَسَّكي

стр. 6683

عَسَاكِ إِذا بالغتِ في نشرِ دِينهِ … بما طابَ من نَشْرٍ (١) له أن تَمَسَّكي وخافي غدًا يوم الحسابِ جهنَّمًا … إِذا لفحت نيرانها أن تمسَّكي توفي (٢) بالقاهرة في هذه السنة؛ قاله ابن خلِّكان (٣). ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وستمئة فيها شُرع في بناء المدرسة العادلية الكبيرة بدمشق. وفيها: عزل القاضي ابن الزَّكي (٤) وفوَّض الحكم إِلى القاضي جمال الدين بن الحرستاني (٥)، وهو ابن ثمانين أو تسعين سنة، فحكم بالعدل وقضى بالحق، ويقال: إِنه كان يحكم (بالمدرسة المجاهدية (٦) قريبًا من النورية (٧) عند باب) القواسين (٨). وفيها: أبطل العادل ضمان الخمر والقيان جزاه اللّه خيرًا، فزال بزوال ذلك عن الناس ومنهم شر (٩) كثير. وفيها: حاصر الأمير قتاد (١٠) أمير مكة المدينة [النبوية] (ومن بها) وقطع نخلًا كثيرًا، فقاتله أهلها فكرَّ خائبًا خاسرًا حسيرًا، وكان صاحب المدينة بالشام في خدمة العادل فطلب منه النجدة (١١) على أمير مكة [قتادة]، فأرسل معه جيشًا [كما ذكرنا] فأسرع في الأوبة فمات في أثناء الطريق، فاجتمع الجيش على ابن أخيه جمَّاز فقصد مكة فالتقاه أميرها بالصفراء فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فهرب المكّيون وغنم منهم جماز (١٢) شيئًا كثيرًا، وهرب قتادة إِلى الينبع فساروا إِليه فحاصروه بها وضيقوا عليه. وفيها: أغارت الفرنج على بلاد الإسماعيلية فقتلوا ونهبوا [وسَبَوْا].

стр. 6684

وفيها: أخذ ملك الروم كيكاوس (١) مدينة أنطاكية من أيدي الفرنج ثم أخذها منه ابن لاون ملك الأرمن، ثم [أخذها] منه إِبرنس (٢) طرابلس. وفيها: ملك [السلطان] خوارزم شاه محمد بن تكش مدينة غزنة بغير قتال. وفيها: كانت وفاة ولي العهد أبي الحسن علي بن أمير المؤمنين الناصر (٣) لدين اللّه [الذي كان جعله ولي عهده من بعده وعزل عن ذلك أخاه الكبير]، ولما توفي حزن الخليفة عليه حزنًا عظيمًا، وكذلك الخاصة والعامة لكثرة صدقاته وإِحسانه إِلى الناس، حتى قيل إِنه لم يبق بيت (٤) ببغداد إِلا حزنوا عليه، وكان يوم جنازته يومًا مشهودًا، وناح أهل البلد عليه ليلًا ونهارًا، ودفن عند جدته بالقرب من قبر معروف الكرخي، وكانت وفاته (٥) يوم الجمعة العشرين من ذي القعدة وصفي عليه بعد صلاة العصر (٦). وفي هذا اليوم قدم برأس منكلي (٧) الذي كان قد عصى على الخليفة وعلى أستاذه، فطيف (٨) به ولم يتم فرحه ذلك اليوم لتنغيصها بموت ولده ولي العهد فالدنيا (٩) لا تسر بقدر ما تضر، وترك ولدين أحدهما المؤيد أبو عبد الله الحسين، والموفق أبو الفضل يحيى. وممن توفي فيها من الأعيان (١٠): الحافظ عبد القادر الرُّهاوي (١١) عبد القادر (١٢) بن عبد الله بن عبد الرحمن أبو محمد الحافظ

стр. 6685

[الكبير] المُحَدِّث المُخَرِّج المُفيد المُحَرِّر المُتْقن البارع المصنِّف (١). كان مولى لبعض المواصلة، وقيل لبعض الحرَّانيين (٢)، اشتغل بدار الحديث بالموصل، ثم انتقل إِلى حَرَّان، وقد رحل إِلى بلدان شتى، وسمع الكثير من المشايخ [شرقًا وغربًا]، وأقام بحرَّان إِلى أن توفي بها [في هذه السنة]، وكان مولده في سنة ست وثلاثين وخمسمئة، وكان ديِّنًا صالحًا [خَيِّرًا] ﵀. الوَجيه الأَعْمى (٣) أبو بكر المُبارك بن المبارك (٤) بن سعيد بن الدَّهَّان النَّحْوي الواسطي الملقب بالوَجيه. ولد بواسط، وقدم بغداد، فاشتغل بعلم العربية [والنحو]، فأَتْقَنَ ذلك وحفظ شيئًا كثيرًا من أشعار العرب، وسمع الحديث، وكان حنبليًا فانتقل (٥) إِلى مذهب أبي حنيفةَ، ثم صار شافعيًا، وولي تدريس النحو بالنظامية، وفيه يقول الشاعر (٦): [من الطويل] فمنْ مبلغٌ عنّي الوجيهَ رسالةً … وإِنْ كانَ لا تجدي (٧) إِليهِ الرسائلُ تمذهبتَ للنُّعمانِ بعدَ ابنِ حنبلٍ … وذلك لَمَّا أَعْوَزَتْكَ المآكلُ وما اخْتَرْتَ رأيَ الشافعيّ تَدَيُّنا (٨) ولكنَّما تَهْوى الذي هُوَ حَاصِلُ وعما قليل أنتَ لا شكَّ صائرٌ … إِلى مالكٍ فانظرْ إِلى ما أنتَ قائلُ وكان يحفظ شيئًا كثيرًا من الحكايات والأمثال والمُلَح، ويعرف العربيةَ والتركيةَ والعجميةَ والروميةَ

стр. 6686

والحبشيةَ والزنجية (١)، وكانت له يدٌ طُولى في نظم الشعر. فمن ذلك قوله (٢): [من الطويل] ولو وَقَعَتْ (٣) في لُجَّةِ البحرِ قَطْرةٌ … من المُزْنِ يوما ثم شاءَ لمازَها ولو ملكَ الدُّنيا فأضحى ملوكُها … عبيدًا له في الشرقِ والغربِ ما زها وقوله في التجنيس (٤) أيضًا (٥): [من الطويل] أطلتَ ملامي في اجتنابي لمعشرٍ … طَغامٍ لِئامٍ جُودُهُمْ غَيْرُ مُرْتَجَى تَرَى بابَهُمْ -لا باركَ اللهُ فيهمُ- … على طالب المعروفِ إِنْ جاءَ مُرْتَجًا (٦) حمَوا مالهم والدِّينُ والعِرضُ منهمُ … مباحٌ، فما يخشونَ مِنْ هجوِ مَنْ هجا (٧) إِذا شرعَ الأجوادُ في الجودِ منهجًا … لهم شرعوا في البخلِ سبعينَ منهجا وله مدائحُ حسنة وأشعاو رائقةٌ ومعاني فائقةٌ، وربما عارضَ شعرَ البحتري بما يقاربه ويدانيه، قالوا: وكان الوجيه لا يغضب قط، فتراهن جماعة مع واحد أنه إِن أغضبه كان له كذا وكذًا (٨)، فجاء إِليه، فسأله عن مسألة فأجابه فيها، فقال له السائل: أخطأت أيها الشيخ، فأعاد عليه الجواب بعبارة أخرى، فقال: أخطات أيضًا، فأعاد. ثالثة (بعبارة أخرى) فقال: كذبت وكأنك قد (٩) نسيت النحو، فقال (١٠) الوجيه فلعلك لم تفهم ما أقول لك، فقال: بلى ولكنك تخطئ [في الجواب]، فقال له: فقل أنت ما عندك لنستفيد منك، فأغلظ له السائل (في القول فتبسم ضاحكًا) وقال له (١١): إِن كنت راهنت فقد غُلبت، وإِنما مثلك [في هذا، كمثل البعوضة -يعني الناموسة- سقطت على ظهر الفيل، فلما أرادت الطيران (١٢) قالت له استمسك. فإني أريد (١٣) أن أطير، فقال لها الفيل: ما أحسست بك حين سقطتِ، فما أحتاج أن أستمسك إِذا طِرتِ. كانت وفاته ﵀ في شعبان منها ودفن بالوزيرية.

стр. 6687

أبو محمد عبد العزيز بن معالي (١) بن غَنِيمة بن الحسن المعروف (٢) بابن مَنِينا. ولد سنة خمس وعشرين (٣) وخمسمئة وسمع الكثير وأسمعه، وكانت وفاته في ذي الحجة منها عن سبع وتسعين سنة. الشيخ الفقيه كمال الدين مودود (٤) ابن الشاغوري الشافعي. كان يُقْرِئ بالجامع الأموي الفقهَ وشرح "التنبيه" للطلبة، ويتأنَّى عليهم حتى يفهمو (٥) احتسابًا تجاه المقصورة. ودفن بمقابر باب الصغير شمالي قبور الشهداء وعلى قبره شعر ذكره أبو شامة (٦) والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وستمئة قال أبو شامة (٧): فيها أحضرت الأوتار (٨) الخشب الأربعة لأجل قبة الثسر في الجامع بدمشق وعدتها أربعة (٩)، طول كل واحد منه (١٠) اثنان وثلاثون ذراعًا بذراع النجارين (١١). وفيها: شرع في تحرير (١٢) خندق باب السر (١٣) المقابل لدار الطعم العتيقة إِلى جانب نهر باناس (١٤).

стр. 6688

قلت (١): هي التي يقال لها اليوم اصطبل السلطان. وقد نقل السلطان بنفسه التراب ومماليكه تحمل بين يديه على قربوس السروج القفاف من التراب فيفرغونها (٢) في الميدان الأخضر، وكذلك أخوه الصالح [إِسماعيل] ومماليكه (يعمل هذا يومًا، وهذا) يومًا. وفيها: وقعت فتنة بين أهل الشاغور وأهل العقيبة فاقتتلوا بالرحبة والصيارف، فركب الجيش إِليهم ملبسين، وجاء المعظم بنفسه فمسك رؤوسهم وحبسهم (٣). وفيها: رُتِّب بالمصلَّى خطيبٌ مستقل، وأول من باشره الصدر (٤) معيد الفلكية (٥)، ثم خطب به بعد بهاء (٦) الدين بن أبي اليسر (٧)، ثم بنو حسان وإِلى الآن. وفيها: توفي [من الأعيان] (٨): [صاحب حلب، الملك الظاهر [أبو منصور] (٩)، غازي بن [السلطان] صلاح الدين يوسف بن أيوب. وكان من خيار الملوك وأسدِّهم سيرةً، (ولكن) كان فيه عسفٌ، ويعاقِبُ على الذنب اليسير كثيرًا (١٠)، وكان يكرم العلماء والشعراء والفقراء، أقام في الملك ثلاثين سنة وحضر كثيرًا من الغزوات مع أبيه. وكان ذكيًا، له رأي جيد وعبارة سديدة وفطنة حسنة، بلغ (١١) أربعًا وأربعين سنة، [ولما حضرته

стр. 6689

الوفاة] جعل الملك من بعده لولده العزيز غياث الدين محمد (١)، وكان حينئذ ابن ثلاث سنين، وكان (٢) له أولاد كبار ولكنه عهد إِلى هذا من بينهم لأنه (٣) كان (٤) من بنت عمه (العادل) وأخواله الأشرف والمعظم والكامل (٥)، وجده وأخواله لا ينازعونه، ولو عهد لغيره من أولاده لأخذوا الملك منه، وهكذا وقع سواء بايع له جده العادل وأخواله (٦)، وَهَمَّ المعظم بنقض ذلك (وبأخذ الملك منه) فلم يتفق له ذلك، وقام بتدبير مملكته (٧) الطواشي شهاب الدين طغريل (٨) الرومي الأبيض، وكان دينًا عاقلًا [عادلًا]. وممن توفي فيها أيضًا من المشاهير والأعيان (٩) الشيخ تاج الدين أبو اليمن الكندي، زيد بن الحسن (١٠) بن زيد بن الحسن (بن زيد بن الحسن) (١١) بن سعيد بن عصمة الشيخ الإمام (١٢) وحيد عصره ونسيج وحده تاج الدين أبو اليُمْنِ الكِنْدي. ولد ببغداد ونشأ بها واشتغل وحصَّل، ثم قدم دمشق (فأقام بها) وفاق أهل زمانه شرقًا وغربًا في (اللغة) والنحو وغير ذلك من فنون العلم، وعلوِّ الإسناد وحسن الطريقة والسيرة وصحة (١٣) العقيدة، وانتفع به علماء عصره (١٤) وأثنوا عليه وخضعوا له. وكان حنبليًا ثم صار حنفيًا. وكان مولده في

стр. 6690

اليوم (١) الخامس والعشرين من شعبان سنة عشرين وخمسمئة، فقرأ القرآن بالروايات وله (٢) عشر سنين، وسمع الكثير من الحديث العالي على الشيوخ الثقات، وعني به وتعلم العربية واللغة واشتهر بذلك، ثم صار إِلى (٣) الشام في سنة ثلاث وستين وخمسمئة، ثم سكن (٤) مصر واجتمع بالقاضي الفاضل، ثم انتقل إِلى دمشق فسكن بدرب (٥) العجم منها، وحظي عند الملوك والوزراء والأمراء، وتردد إِليه العلماء [والكبراء] والملوك وأبناؤهم، كان الأفضل (٦) ابن صلاح الدين وهو صاحب دمشق يتردد إِليه إِلى منزله، وكذلك أخوه المحسن (٧) والمعظم ملك دمشق (٨)، كان ينزل إِليه درب العجم يقرأ عليه في المُفَضَل (للزمخشري)، وكان المعظم يعطي لمن حفظ "المفصل" ثلاثين دينارًا جائزة، وكان يحضر مجلسه بدرب العجم جميع المصدَّرين بالجامع، كالشيخ علم الدين السخاوي (٩) ويحمرو بن معطي (١٠) والوجيه اللغوي (١١)، والفخر التركى (١٢) وغيرهم، وكان الفاضي الفاضل [في أيامه] يثني عليه [كثيرًا]. قال السخاوي: كان عنده من العلوم ما لا يوجد عند غيره، وأخذت عنه كتاب سيبويه، ومن العجب أن سيبويه كان اسمه عمرو، واسم [الشيخ أبي اليُمْن] (١٣): زيد. فقلت في ذلك (١٤): [من الرمل]
следующие страницы →