← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

والحبشيةَ والزنجية (١)، وكانت له يدٌ طُولى في نظم الشعر. فمن ذلك قوله (٢): [من الطويل] ولو وَقَعَتْ (٣) في لُجَّةِ البحرِ قَطْرةٌ … من المُزْنِ يوما ثم شاءَ لمازَها ولو ملكَ الدُّنيا فأضحى ملوكُها … عبيدًا له في الشرقِ والغربِ ما زها وقوله في التجنيس (٤) أيضًا (٥): [من الطويل] أطلتَ ملامي في اجتنابي لمعشرٍ … طَغامٍ لِئامٍ جُودُهُمْ غَيْرُ مُرْتَجَى تَرَى بابَهُمْ -لا باركَ اللهُ فيهمُ- … على طالب المعروفِ إِنْ جاءَ مُرْتَجًا (٦) حمَوا مالهم والدِّينُ والعِرضُ منهمُ … مباحٌ، فما يخشونَ مِنْ هجوِ مَنْ هجا (٧) إِذا شرعَ الأجوادُ في الجودِ منهجًا … لهم شرعوا في البخلِ سبعينَ منهجا وله مدائحُ حسنة وأشعاو رائقةٌ ومعاني فائقةٌ، وربما عارضَ شعرَ البحتري بما يقاربه ويدانيه، قالوا: وكان الوجيه لا يغضب قط، فتراهن جماعة مع واحد أنه إِن أغضبه كان له كذا وكذًا (٨)، فجاء إِليه، فسأله عن مسألة فأجابه فيها، فقال له السائل: أخطأت أيها الشيخ، فأعاد عليه الجواب بعبارة أخرى، فقال: أخطات أيضًا، فأعاد. ثالثة (بعبارة أخرى) فقال: كذبت وكأنك قد (٩) نسيت النحو، فقال (١٠) الوجيه فلعلك لم تفهم ما أقول لك، فقال: بلى ولكنك تخطئ [في الجواب]، فقال له: فقل أنت ما عندك لنستفيد منك، فأغلظ له السائل (في القول فتبسم ضاحكًا) وقال له (١١): إِن كنت راهنت فقد غُلبت، وإِنما مثلك [في هذا، كمثل البعوضة -يعني الناموسة- سقطت على ظهر الفيل، فلما أرادت الطيران (١٢) قالت له استمسك. فإني أريد (١٣) أن أطير، فقال لها الفيل: ما أحسست بك حين سقطتِ، فما أحتاج أن أستمسك إِذا طِرتِ. كانت وفاته ﵀ في شعبان منها ودفن بالوزيرية.

стр. 6687

أبو محمد عبد العزيز بن معالي (١) بن غَنِيمة بن الحسن المعروف (٢) بابن مَنِينا. ولد سنة خمس وعشرين (٣) وخمسمئة وسمع الكثير وأسمعه، وكانت وفاته في ذي الحجة منها عن سبع وتسعين سنة. الشيخ الفقيه كمال الدين مودود (٤) ابن الشاغوري الشافعي. كان يُقْرِئ بالجامع الأموي الفقهَ وشرح "التنبيه" للطلبة، ويتأنَّى عليهم حتى يفهمو (٥) احتسابًا تجاه المقصورة. ودفن بمقابر باب الصغير شمالي قبور الشهداء وعلى قبره شعر ذكره أبو شامة (٦) والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وستمئة قال أبو شامة (٧): فيها أحضرت الأوتار (٨) الخشب الأربعة لأجل قبة الثسر في الجامع بدمشق وعدتها أربعة (٩)، طول كل واحد منه (١٠) اثنان وثلاثون ذراعًا بذراع النجارين (١١). وفيها: شرع في تحرير (١٢) خندق باب السر (١٣) المقابل لدار الطعم العتيقة إِلى جانب نهر باناس (١٤).

стр. 6688

قلت (١): هي التي يقال لها اليوم اصطبل السلطان. وقد نقل السلطان بنفسه التراب ومماليكه تحمل بين يديه على قربوس السروج القفاف من التراب فيفرغونها (٢) في الميدان الأخضر، وكذلك أخوه الصالح [إِسماعيل] ومماليكه (يعمل هذا يومًا، وهذا) يومًا. وفيها: وقعت فتنة بين أهل الشاغور وأهل العقيبة فاقتتلوا بالرحبة والصيارف، فركب الجيش إِليهم ملبسين، وجاء المعظم بنفسه فمسك رؤوسهم وحبسهم (٣). وفيها: رُتِّب بالمصلَّى خطيبٌ مستقل، وأول من باشره الصدر (٤) معيد الفلكية (٥)، ثم خطب به بعد بهاء (٦) الدين بن أبي اليسر (٧)، ثم بنو حسان وإِلى الآن. وفيها: توفي [من الأعيان] (٨): [صاحب حلب، الملك الظاهر [أبو منصور] (٩)، غازي بن [السلطان] صلاح الدين يوسف بن أيوب. وكان من خيار الملوك وأسدِّهم سيرةً، (ولكن) كان فيه عسفٌ، ويعاقِبُ على الذنب اليسير كثيرًا (١٠)، وكان يكرم العلماء والشعراء والفقراء، أقام في الملك ثلاثين سنة وحضر كثيرًا من الغزوات مع أبيه. وكان ذكيًا، له رأي جيد وعبارة سديدة وفطنة حسنة، بلغ (١١) أربعًا وأربعين سنة، [ولما حضرته

стр. 6689

الوفاة] جعل الملك من بعده لولده العزيز غياث الدين محمد (١)، وكان حينئذ ابن ثلاث سنين، وكان (٢) له أولاد كبار ولكنه عهد إِلى هذا من بينهم لأنه (٣) كان (٤) من بنت عمه (العادل) وأخواله الأشرف والمعظم والكامل (٥)، وجده وأخواله لا ينازعونه، ولو عهد لغيره من أولاده لأخذوا الملك منه، وهكذا وقع سواء بايع له جده العادل وأخواله (٦)، وَهَمَّ المعظم بنقض ذلك (وبأخذ الملك منه) فلم يتفق له ذلك، وقام بتدبير مملكته (٧) الطواشي شهاب الدين طغريل (٨) الرومي الأبيض، وكان دينًا عاقلًا [عادلًا]. وممن توفي فيها أيضًا من المشاهير والأعيان (٩) الشيخ تاج الدين أبو اليمن الكندي، زيد بن الحسن (١٠) بن زيد بن الحسن (بن زيد بن الحسن) (١١) بن سعيد بن عصمة الشيخ الإمام (١٢) وحيد عصره ونسيج وحده تاج الدين أبو اليُمْنِ الكِنْدي. ولد ببغداد ونشأ بها واشتغل وحصَّل، ثم قدم دمشق (فأقام بها) وفاق أهل زمانه شرقًا وغربًا في (اللغة) والنحو وغير ذلك من فنون العلم، وعلوِّ الإسناد وحسن الطريقة والسيرة وصحة (١٣) العقيدة، وانتفع به علماء عصره (١٤) وأثنوا عليه وخضعوا له. وكان حنبليًا ثم صار حنفيًا. وكان مولده في

стр. 6690

اليوم (١) الخامس والعشرين من شعبان سنة عشرين وخمسمئة، فقرأ القرآن بالروايات وله (٢) عشر سنين، وسمع الكثير من الحديث العالي على الشيوخ الثقات، وعني به وتعلم العربية واللغة واشتهر بذلك، ثم صار إِلى (٣) الشام في سنة ثلاث وستين وخمسمئة، ثم سكن (٤) مصر واجتمع بالقاضي الفاضل، ثم انتقل إِلى دمشق فسكن بدرب (٥) العجم منها، وحظي عند الملوك والوزراء والأمراء، وتردد إِليه العلماء [والكبراء] والملوك وأبناؤهم، كان الأفضل (٦) ابن صلاح الدين وهو صاحب دمشق يتردد إِليه إِلى منزله، وكذلك أخوه المحسن (٧) والمعظم ملك دمشق (٨)، كان ينزل إِليه درب العجم يقرأ عليه في المُفَضَل (للزمخشري)، وكان المعظم يعطي لمن حفظ "المفصل" ثلاثين دينارًا جائزة، وكان يحضر مجلسه بدرب العجم جميع المصدَّرين بالجامع، كالشيخ علم الدين السخاوي (٩) ويحمرو بن معطي (١٠) والوجيه اللغوي (١١)، والفخر التركى (١٢) وغيرهم، وكان الفاضي الفاضل [في أيامه] يثني عليه [كثيرًا]. قال السخاوي: كان عنده من العلوم ما لا يوجد عند غيره، وأخذت عنه كتاب سيبويه، ومن العجب أن سيبويه كان اسمه عمرو، واسم [الشيخ أبي اليُمْن] (١٣): زيد. فقلت في ذلك (١٤): [من الرمل]

стр. 6691

لم يكنْ في عهدِ (١) عمروٍ مثلُه … وكذا الكِنْديُّ في آخرِ عصر (٢) فهما (٣) زيدٌ وعمرو إِنَّما … بُني النحوُ على زيدٍ وعمرِو قال أبو شامة: وهذا كما قال فيه ابن الدهان المذكور في سنة ثنتين وتسعين وخمسمئة: [من البسيط] يا زيدُ زادَكَ ربّي من مواهبه … نِعَمًا يقصِّرعن إِدراكها الأملُ النحوُ أنتَ أحقُّ العالمينَ به … أليسَ باسمك فيه يُضْرَبُ المثلُ وقد مدحه السخاوي بقصيدة (٤) حسنة، [وكذلك] أثنى عليه [غير واحدٍ منهم] أبو المظفر سبط ابن الجوزي (٥)، فقال: قرأت (عليه) وكان حسنَ العقيدة ظريف الخلق لا يسام الإنسانُ من مجالسته، وله النوادرُ العجيبةُ والخطُ المليحُ والشعرُ الرائقُ، وله ديوان (شعر) كبير، وكانت وفاته يوم الإثنين سادس شوال من هذه (٦) السنة وله ثلاث وتسعون سنة وشهر وستة (٧) عشر يومًا، وصلَّي عليه بجامع دمشق ثم حمل إِلى الصالحية فدفن بها ﵀، وكان قد وقف كتبًا نفيسة (٨) وهي سبعمئة وإِحدى وستون مجلدًا، على معتقه نجيب الدين (٩) ياقوت، [ثم على ولده من بعده]، ثم على العلماء في الحديث والفقه واللغة وغير ذلك، وجعلت في خزانة كبيرة في مقصورة ابن سنان (١٠) الحلبية (١١) المجاورة لمشهد علي زين العابدين، ثم إِن هذه الكتب تفرقت وبيع (١٢) كثير منها ولم يبق بالخزانة المشار إِليها إِلا القليل الرَّث، وهي بمقصورة الحلبية، وكانت قديمًا يقال لها مقصورة ابن سنان، وقد ترك [الشيخ تاج الدين ﵀] نعمة وافرة وأموالًا جزيلة، ومماليك متعددة من الترك الحسان، وقد كان رقيقَ الحاشية حسنَ الأخلاق يعامل الطلبة معاملة حسنة [من القيام والتعظيم] (١٣)، فلما كبر ترك القيام لهم وأنشأ يقول [اعتذارًا] (١٤): [من الطويل]

стр. 6692

تَرَكْتُ قِيامي للصَّديقِ يَزُورُني … ولا ذَنْبَ لي إِلَّا الإطالة في عمري فإِنْ بَلَغُوا مِنْ عَشْرِ تِسْعِينَ نصفها … تَبَيَّنَ في تَرْكِ القيامِ لهم عُذْرِي [وقد أسلفنا شيئًا من قبله في قتل عمارة اليمني في الدولة الصلاحية في سنة تسع وتسعين وخمسمئة وهي في غاية القوة والفصاحة والجناس. وقد أورد ابن الساعي في ترجمته من "تاريخه" أشعارًا حسنة، فمن ذلك قوله يمدح الملك المظفر (١) تقي الدين عمر بن شاهنشاه] (٢): [من الطويل] وصالُ الغواني كان أروى وأروجا (٣) وعصرُ التداني كانَ أبهى وأبهجا لياليَ كانَ العمرُ أحسنَ شافعٍ … تولَّى وكانَ اللهوُ أوضحَ منهجا بدا الشيبُ فانجابتْ طماعيةُ الصّبا … وقَبَّحَ لي ما كانَ يستحسنُ الحجا بلهنية ولَّت كأنْ لم أكن بها … أجلِّي بها وجهً (٤) النعيمِ مسرَّجا ولا اخْتَلْتُ في بُرْدِ الشبابِ مجرّرًا … ذيوليَ إِعجابًا بهِ وتبرّجا أعاركُ غيداءَ المعاطفِ طفلة … وأغيدَ معسولَ المراشفِ أدعجا تَقَضتْ لياليها بطيبٍ كأَنّهُ … لتقصيرهِ منهنّ يختطف (٥) الدُّجا فإن أُمسِ مكروبَ الفؤادِ حزينَه (٦) … أعاقرُ مسن درّ الصبابةِ منهجا (٧) وحيدًا على أني بفضلي متيَّم (٨) … مروعًا بأعداءَ الفضائلِ مزعجا فيا ربَّ ديني قد (٩) سررتُ وسرَّني … وأبهجتهُ بالصالحاتِ وأبهجا ويا ربَّ نادٍ قد شهدتُ وماجدٍ … شهدتُ وخصمٍ رعتُهُ فتلجلجا (١٠) صدعتُ بفضلي نقصهُ فتركتهُ … وفي قلبهِ شجو وفي حلقهِ شجا كأَنَّ ثنائي في مسامع حُسَّدي … وقد ضمَّ أبكارَ المعاني وأدرجا حسامُ تقي الدينِ في كلِّ مارقٍ … يقدُّ إِلى الأرضِ الكَميَّ المُدَجَّجا

стр. 6693

وقال يمدح أخاه معز الدين (١) فروخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، ﵏: [من الكامل] هَلْ أنتَ راحمُ عبرةٍ ومدلّه … ومجيرُ صبٍّ عندَ مأْمنه وهي هيهاتَ يرحمُ قاتلٌ مقتولَهُ … وسنانُهُ في القلبِ غيرُ منهنهِ مَنْ بَل مِنْ داءِ الغرامِ فإِنني … (٢) مذ حلَّ بي مرضُ الهوى لم أنقهِ إِني بُليتُ بحث أغيدَ ساحرٍ … بلحاظهِ رخصَ البنانُ بزهوهِ أبغي شفاءَ تدلّهي من دَلِّهِ (٣) … ومتى يرقُّ مدللٌ لمدلهِ كم آهة / لي/ في هواهُ وأَنَّة … لو كانَ ينفعني عليهِ تأوُّهي ومآربٌ في وصلهِ لو أنها … تُقْضَى لكانت عندَ مبسمهِ الشهي يا مفردًا بالحسنِ إِنكَ منتهٍ … فيهِ كما أنا في الصبابةِ منتهي قد لام فيك معاشرٌ كي أنتهي (٤) … باللومِ عن حبِ الحياةِ وأنتَ هي أبكي لديهِ فإِنْ أحسَّ بلوعةٍ … وتشهق أرمي بطرفِ مقهقهِ يا مَنْ محاسنهُ وحالي عندهُ … حيرانُ بينَ تفكرٍ وتكفُّهِ ضدانِ قد جُمعا بلفظٍ واحد … لي في هواهُ بمعنيينِ موجهِ أو لست ربَّ فضائلٍ لو حازَ أد … ناها وما أزهى بها غيري زهي والذي أنشده [الشيخ] تاج الدين الكندي (٥) في قتل عمارة اليمني حين كان مالًا الكفرة والملحدين قتل الملك صلاح الدين، وأرادوا [عودة] (٦) دولة الفاطميين، فظهر على أمره فصُلب مع مَنْ صلب (في سنة تسع وتسعين وخمسمئة): [من الطويل] (٧) عمارةُ في الإسلامِ أبدى جنايةٌ (٨) … وحالف (٩) فيها بيعةً وصليبا وأمسى شريكَ الشركِ في بعض أحمدٍ … فأصبح (١٠) في جبِّ الصليبِ صليبا

стр. 6694

وكان خبيث (١) الملتقى إِن عجمتهُ … تجد منهُ عودًا في النفاق صليبا سيلقى غدًا ما كان يسعى لأجله … ويسقى صديدًا في لظى وصليبا (٢) وله [أيضًا] [من الوافر]: صحبنا الدهرَ أيامًا حسانًا … نعومُ بهن في اللذاتِ عَوما وكانت بعدَ ما ولَّت كأني … لدى نقصانها حلمًا ونوما أناخَ بيَ المشيبُ فلا براحٌ … وإن أوسعته عتبًا ولوما نزيل لا يزالُ على التنائي (٣) … يسوقُ إِلى الردى يومًا فيوما وكنتُ أعدُّ لي عامًا فعاما … فصرتُ أعدُّ لي يومًا فيوما (٤) العز محمد بن الحافظ عبد الغني المقدسي (٥). ولد سنة ست وستين وخمسمئة، وأسمعه والدهُ الكثيرَ ورحل بنفسه إِلى بغداد وقرأ بها "مسند أحمد" وكانت له حلقةٌ بجامع دمشق، وكان من أصحاب المُعَظَّم، وكان صالحًا ديّنا ورعًا حافظًا ﵀ ورحم أباه. أبو الفتوح محمد بن علي بن المبارك (٦)، الجَلاجُلي (٧) البغدادي، سمع الكثير، وكان

стр. 6695

يتردد في الرسلية بين الخليفة والملك الأشرف ابن العادل وكان عاقلًا ديّنًا ثقة صدوقًا. الشريف أبو جعفر (١) يحيى بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن علي [بن أبي زيد] العلوي الحسيني. نقيب الطالبيين بالبصرة بعد أبيه، كان شيخًا أديبًا فاضلًا عالمًا بفنون كثيرة لاسيما علم الأنساب وأيام العرب وأشعارها، يحفظ كثيرًا منها، وكان من جلساء الخليفة الناصر، ومن لطيف شعره قوله: [من الطويل] ليهنِكَ سمعٌ لا يلائمهُ العذلُ … وقلبٌ قريحٌ لا يملُّ ولا يسلو كأَنَّ عليَّ الحب أمسى (٢) فريضةً … فليس لقلبي غيرهُ أبدًا شغلُ وإِني لأهوى الهجرَ ما كان أصلُه … دلالًا ولولا الهجرُ ما عَذُبَ الوصلُ وأما إِذا كان الصدودُ ملالةً … فأيسرُ ما همَّ الحبيبُ به القتلُ أبو علي مَزْيَد بن علي (٣) بن مَزْيد المعروف بابن الخشكري الشاعر المشهور، من أهل النعمانية (٤). جمع لنفسه ديوانًا أورد له ابن الساعي قطعة من شعره، فمن ذلك قوله: [من المتقارب] (سألتكِ يومَ النوى نظرةً … فلم تسمحي فغزالًاسلم (٥) وأعجبُ كيفَ تقولينَ لا … ووجهُكِ قد خُطَّ فيهِ نَعَمْ أما النُّونُ يا هذهِ حاجبٌ … أما العينُ عينٌ أما الميمُ فمْ أبو الفضل رشوان بن منصور بن رشوان الكردي المعروف بالنقف ولد بإِربل، وخدم جنديًا وكان أديبًا شاعرًا. خدم مع الملك العادل، ومن شعره قوله): [من الوافر] سَلَا عني الصوارمَ والرماحا … وخيلًا تسبقُ الهوجَ الرِّياحا

стр. 6696

وأُسدًا خِيسُها (١) سمرُ العوالي … إِذا ما الأسْدُ حاولتِ الكفاحا فإِني ثابتٌ عقلًا وَلُبًّا … إِذا ما صائحٌ في الحربِ صاحا وأُوردُ مُهجتي لُججَ المنايا … إِذا ماجت ولم أَخَفِ الجراحا وكمْ ليل سهرتُ وبت فيه … أُراعي النجمَ أرتقبُ الصباحا وكم في فدفدٍ فرسي ونضوي … بقائلةِ الهجيرِ غدا وراحا لعينكِ في العجاجةِ ما أُلاقي … وأُثبتُ في الكريهةِ لا براحا محمد بن يحيى (٢) بن هبة اللّه أبو نصر النَّخَاس (٣) الواسطي. كتب إِلى السبط من شعر (٤): [من الطويل] وقائلةٍ لمَّا عمرتُ وصارَ لي … ثمانونَ عامًا عشْ كذا وابقَ واسلمِ ودُمْ وانتشقْ روحَ الحياةِ فإنهُ … لأَطيبُ من بيتٍ بِصَعْدَةَ مظلمِ فقلتُ لها: عذري لديكِ ممهَّدٌ … ببيتِ زهيرٍ فاعلمي وتعلَّمي سئمتُ تكاليفَ الحياةِ ومن يعش … ثمانينَ حولًا لا محالةَ يسأَمِ (٥) ثم دخلت سنة أربع عشرة وستمئة في ثالث المحرم منها (٦) كمل تبليط داخل الجامع الأموي وجاء المعتمدُ مبارز الدين إِبراهيم (٧) المتولِّي بدمشق، فوضع آخر بلاطة منه بيده وكانت عند باب الزياده (٨) فرحًا بذلك.

стр. 6697

وفيها: زادت دجلة بغداد (١) زيادة عظيمة وارتفع الماء حتى ساوى السور (٢) إِلا مقدار أصبعين، ثم طفح الماء من فوقه وأيقن الناس بالهلكة، واستمر ذلك سبعَ ليالي وثمانية أيامٍ حسومًا، ثم منَّ اللّه فتناقص الماء وذهبت الزيادة، وقد بفيت بغداد تلولًا وتهدّمت أكثر البنايات فإِنا للّه وإِنَا إِليه راجعون. وفيها: درّس بالنظامية محمد بن يحيى بن فَضْلان وحضر عنده القضاة والأعيان. وفيها: سار (٣) الصدر (٤) بن حمويه رسولًا من العادل إِلى الخليفة (٥). وفيها: قدم ولده الفخر (رسولًا من) الكامل (٦) إِلى [أخيه] المعظم يخطب منه ابنته على ابنه أقسيس (٧) صاحب اليمن، فعقد العقد بدمشق على صداق هائل. وفيها: قدم السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش (٨) من همذان قاصدًا إِلى بغداد في أربعمئة ألف مقاتل، وقيل في ستمئة ألف، فاستعدَّ (٩) له الخليفة، واستخدم الجيوش [الكثيرة] وأرسل إِلى الخليفة يطلب منه أن يكون بين يديه على قاعدة من تقدمه من الملوك السلاجقة، وأن يخطب له ببغداد [على منابرها] فلم يجبه الخليفة إِلى ذلك، وأرسل إِليه الشيخ شهاب الدين السهروردي (١٠)، فلما وصل [إليه] شاهد عنده من العظمة وكثرة الملوك بين يديه وهو جالس في خركاه (١١) من ذهب على سرير ساج، وعليه قباء بخاري ما يساوي خمسة دراهم، وعلى رأسه جلدةٌ ما تساوي درهمًا، فسلّم

стр. 6698

عليه (١) فلم يردَّ عليه من الكِبْر ولم يأذن له في الجلوس، فقام إِلى جانب السرير وأخذ في خطبة هائلة، فذكر فيها فضل بني العباس وشرفهم، وأورد حديثًا في النهي عن أذاهم والترجمان يُعيد على الملك، فقال الملك: أمَّا ما ذكرت من فضل الخليفة فإِنه ليس كذلك، ولكني إِذا قدمت بغداد أقمت من يكون بهذه الصفة، وأما ما ذكرت من النهي عن أذاهم فإني لم أؤذ منهم أحدًا ولكن الخليفةَ في سجونه منهم طائفةٌ كثيرةٌ يتناسلون في السجون، فهو الذي آذى بني العباس، ثم تركه ولم يردّ عليه جوابًا بعد ذلك، وانصرف السهروردي (٢) راجعًا، وأرسل اللّه تعالى على الملك وجنده ثلجًا عظيمًا ثلاثة أيام حتى طم الخراكي والخيام، ووصل إِلى قريب رؤوس الأعلام، وتقطعت أيدي رجال وأرجلهم، وعمَّهم من البلاء [العظيم] ما لا يُحدُّ ولا يُوصف، فردَّهم الله خائبين، والحمد للّه رب العالمين. وفيها: انقضت الهدنةُ التي كانت بين العادل والفرنج واتفق قدوم العادل من الديار المصرية فاجتمع هو وولد (٣) المعظم ببيسان، فركب (٤) الفرنج من عكا وصحبتهم ملوك السواحل كلُّهم وساقوا كلهم قاصدين مغافصة (٥) العادل، فلما أحسَّ بهم فرَّ منهم لكثرة جيوشهم وقلة من معه، فقال ابنه المعظم: إِلى أين يا أبة؟ فشتمه [أبوه] بالعجمية، وقال له: أقطعتَ الشام مماليكك وتركتَ أبناء الناس، فتوجّه (٦) العادل إِلى دمشق وكتب إِلى واليها المعتمد (٧) ليحصِّنها من الفرنج وينقل إِليها من الغلّات من داريا إِلى القلعة، ويرسل الماء على أراضي داريا وقصر حجاج والشاغور، ففزع الناس من ذلك وابتهلوا إِلى اللّه بالدعاء وكثر ضجيجهم بالجامع، وأقبل السلطان فنزل بمرج الصفر (٨) وأرسل إِلى ملوك الشرق ليقدموا لقتال الفرنج، فكان أول من ورد (٩) صاحب حمص أسد الدين [شيركوه]، فتلقاه الناس فدخل من باب الفرج وجاء فسلم على ست الشام بدارها عند المارستان، ثم عاد إِلى داره، ولما قدم أسد الدين [شيركوه] سُرّيَ عن الناس [وأمنوا] فلما أصبح توجه نحو العادل إِلى مرج الصفر. وأما الفرنج فإنهم قدموا بيسان (١٠) فنهبوا ما كان بها من الغلات والدواب، وقتلوا وسبوا شيئًا كثيرًا، ثم عاثوا في الأرض

стр. 6699

فسادًا يقتلون وينهبون ويأسرون (١) ما بين بيسان إِلى بانياس، وخرجوا إِلى أراضي الجولان إِلى نوى وخسفين [وغير ذلك من الأراضي] (٢)، وسار الملك المعظم فنزل على عقبة اللبن بين القدس ونابلس خوفًا على القدس [الشريف] منهم، فإِنه هو الأهم الأكبر، ثم حاصر (٣) الفرنج حصن الطور حصارًا هائلًا ومانع عنه الذين به من الأبطال ممانعة هائلة (٤)، ثم كرَّ الفرنج راجعين إِلى عكا ومعهم الأسارى من المسلمين، وجاء الملك المعظَّم إِلى الطور فخلع على الأمراء الذين به وَطَيَّب نفوسَهم، ثم اتفق هو وأبوه على هدمه كما سيأتي. وممن توفي فيها من الأعيان (٥): الشيخ (٦) العماد (٧)، أخو الحافظ عبد الغني، أبو إِسحاق إِبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور الشيخ عماد الدين المقدسي (٨). كان أصغرَ من أخيه الحافظ عبد الغني بسنتين، وقدم معهم (٩) إِلى دمشق سنة إِحدى وخمسين وخمسمئة، ورحل إِلى (١٠) بغداد مرتين وسمع الحديث وكان عابدًا زاهدًا ورعًا كثيرَ الصيام، يصومُ يومًا ويفطر يومًا، وكان فقيهًا مفتيًا، له (١١) كتاب "الفروع" وصنَّف "أحكامًا" ولم يُتِمَّهُ، وكان يَؤُمُّ بمحراب الحنابلة مع الشيخ الموفَّق، وإِنَّما كانوا يُصَلّون بغير محراب، ثم وضع المحراب في سنة سبع عشرة وستمئة، وكان أيضًا يَؤُمُّ بالناس لقضاء الفوائت، وهو أوَّلُ من فعل ذلك. صَلَّى المغربَ ذاتَ ليلةٍ وكان صائمًا ثم رجعَ إِلى بيته (١٢) بدمشق فأفطر ثم مات فجأةً، فصلَّى عليه بالجامع الأموي

стр. 6700

الشيخ (١) عند مُصَلّاهم، ثم صعِدوا به إِلى السفح، وكان [يومُ موته] (٢) يومًا مشهودًا من كثرة الخَلق (٣). قال سبط ابن الجوزي (٤): كان الخلقُ من الكهفِ إِلى مغارةِ الدمِ إِلى الميطور (٥) ولو بُذِر السمسمُ ما وقعَ إِلا على رؤوس الناس. قال: ولما (٦) رجعتُ تلك الليلة فكَّرت فيه وفي جنازته وكثرة من شهدها وقلت: هذا كان رجلًا صالحًا، ولعله أن يكون نظر (٧) إِلى ربه حين وضع في لحده (٨)، ومرَّ بذهني أبيات الثوري التي أنشدها بعد موته (٩) في المنام (١٠): [من الطويل] نظرتُ إِلى ربّي كفاحًا فقال (١١) لي … هنيئًا رضائي عنكَ يابنَ سعيدِ فقد (١٢) كنتَ قوَّامًا إِذا أظلم (١٣) الدجى … بعبرةِ مشتاقٍ وقلب عميد فدونك فاختر أي قصرٍ أردتَهُ … وزرني فإِني منك (١٤) غيرُ بعيدِ ثم قلت: أرجو أن يكون العماد رأى ربَّه كما رآه الثوري، فنمت فرأيت الشيخ العماد في المنام (١٥) وعليه حلة خضراء (وعمامة خضراء)، وهو في مكان متسع كأنه روضةٌ، وهو يرقى في درج متسعة، فقلت: يا عماد الدين كيف بِتَّ فإِني واللّه مُفَكِّر فيك؟ فنظر إِليَّ وتبسَّم على عادته التي كنت أعرفه فيها في الدنيا ثم قال (١٦): [من الطويل]

стр. 6701

رأيتُ إِلهي حينَ أُنزلتُ حفرتي … وفارقتُ أصحابي وأهلي وجيرتي وقال (١) جُزيتَ الخيرَ عنّي فإِنَّني … رضيتُ فها عفوي لديكَ ورحمتي دأَبْتَ (٢) زمانًا تأمُلُ الفَوْز (٣) والرضا … فوُقَيْتَ نيراني ولُقّيت جَنّتي قال: فانتبهت وأنا مَذْعورٌ وكتبت (٤) الأبيات والله أعلم. القاضي جمال الدين بن الحرستاني (٥)، عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل، أبو القاسم الأنصاري، ابن الحرستاني قاضي القضاة بدمشق. ولد سنة عشرين وخمسمئة، وكان أبوهُ من أهل حَرَستا (٦)، فنزل داخل باب تُوما وأمَّ بمسجد الزينبي ونشأ ولدُه هذا نشأةً حسنةً سمع الحديثَ الكثيرَ وشاركَ الحافظَ ابنَ عساكر (٧) في كثيرٍ من شيوخه، وكان يجلسُ لإسماع الحديث (٨) بمقصورةِ الخضِر، وعندها كان يُصَلِّي دائمًا لا تفوته الجماعة بالجامع، وكان منزله بالحويرة (٩) ودرَّس بالمجاهدية وعُمّر دهرًا طويلًا على هذا القدم الصالح واللّه أعلم. ونابَ في الحكم عن ابن أبي عَصْرون (١٠)، ثم ترك ذلك ولزم بيته وصلاته بالجامع، ثم عَزَل العادل القاضي ابن الزكي [الطاهر بن محيى الدين محمد بن علي القرشي] وألزم [القاضي جمال الدين بن الحرستاني بولاية القضاء] (١١) وله ثنتان وتسعون سنة وأعطاه تدريس العزيزية، وأخذ التقوية أيضًا من ابن الزكي وولاها فخر الدين ابن عساكر (١٢).

стр. 6702

قال ابن عبد السلام (١) ما رأيتُ أحدًا أفقهَ من ابن الحرستاني، كان يحفظُ "الوسيط" للغزالي. وذكر غير واحد أَنَّه كان من أعدل القضاةِ وأقومهم بالحق، لا تأخذه في اللّه لومةُ لائمٍ، وكان ابنه عماد الدين يخطب بجامع دمشق، وولي مشيَخَة الأشرفية ينوب عنه، وكان القاضي جمال الدين يجلسُ للحكم بمدرسته المجاهدية، وأرسل إِليه السلطان طراحة ومسند (٢) لأجل أنه شيخ كبير، وكان ابنه يجلس بين يديه، فإِذا قام (٣) أبوه جلس في مكانه، ثم إِنه عزل ابنه عن نيابته لشيء بلغه عنه، واستناب شمس الدين بن الشيرازي (٤)، وكان يجلس تجاهه في شرقي الإيوان، واستناب [أيضًا] معه شمس الدين بن سنيّ (٥) الدولة، [وثبَّت له دكة في الزاوية الغربية القبلية من المدرسة] (٦) واستناب شرف الدين بن الموصلي (٧) الحنفي، فكان يجلس في محراب المدرسة، واستمر حاكمًا سنتين وسبعة أشهر، ثم كانت وفاته (٨) يوم السبت رابع [ذي] الحجة [من هذه السنة] وله [من العمر] (٩) خمس وتسعون سنة، وصُلّي عليه بجامع دمشق ثم دفن بسفح قاسيون (١٠). الأمير [الكبير] بدر الدين (١١) محمد بن أبي القاسم [بن محمد] الهكاري باني المدرسة التي بالقدس. وكان من خيار الأمراء، وكان محمد يتمنى الشهادة دائمًا فقتله (١٢) الفرنج بحصن الطور [هذه السنة ونقل إِلى القدس الشريف]، ودفن برتبة ماملا، وتربته تزار إِلى الآن (١٣) ﵀. الشجاع محمود المعروف بابن الدِّماع (١٤).

стр. 6703

كان من أصدقاء العادل يُضحكه، فحصَّل أموالًا جزيلة منهم، كانت داره داخل باب الفرج (١) فجعلتها زوجته عائشة مدرسة للشافعية (٢) والحنفية، ووقفت عليها أوقافًا دارَّةً، رحمها اللّه. الشيخة الصالحة العابدة (٣) الزاهدة، شيخة العالمات بدمشق، تلقب بدهن اللوز. بنت نورنجان (٤) وهي آخر بناته وفاة وجعلت أموالها وقفًا على تربة أختها بنت العصيبة (٥) المشهورة. ثم دخلت سنة خمس عشرة وستمئة استهلت والعادل [نازل] بمرج الصفر لمناجزة الفرنج وأمر ولده المُعَظَم بتخريب حصن الطور فأخربه (٦) ونقل ما فيه من آلات الحرب وغيرها إِلى البلدان خوفًا من الفرنج. وفي ربيع الأول نزلت الفرنج على دمياط وأخذوا برجَ السلسلة في [آخر] جمادى الأولى، وكان حصنًا منيعًا، وهو قفل بلاد مصر [فإِنَّا للّه وإِنا إِليه راجعون]. وفيها: التقى المُعظَّم، والفرنجُ على القَيْمُون (٧) فكسرهم وقتل منهم خلقًا [كثيرًا] وأسر من الداوية مئة فأدخلهم إِلى القدس منكَّسة أعلامهم. وفيها: جرت خطوب كثيرة ببلد الموصل بسبب موت ملوكها أولاد قرا أرسلان واحدًا بعد واحد، وتغلب غلام (٨) أبيهم بدر الدين لؤلؤ (٩) على الأمور [ويذكر أنه هو الذي كان يقتلهم في الباطن ليستحوذ هو على الأمور] واللّه أعلم. وفيها أقبل ملك الروم كيكاوس بن كيخسرو (١٠) يريد أخذَ مملكة حلب، وساعده على ذلك

стр. 6704

الأفضلُ (١) بن صلاح الدين صاحب سُمَيْساط (٢)، فصدَّه عن ذلك الملك الأشرف (٣) موسى بن العادل وقهر ملك الروم وكسر جيشه ورده خائبًا. وفيها تملَّك الأشرف مدينة سنجار مضافًا إِلى ما بيده من الممالك. وفيها: توفي (السلطان) الملك العادل (٤) أبو بكر بن أيوب، وأخذت (٥) الفرنج [لعنهم الله ثغر (٦)] دمياط [وقد تقدم أنه لمَّا أراد الفرنج مغافصته (٧) وهو جاء من الديار المصرية عند بيسان فرَّ منهم ونزل مرج الصفَّر وأرسل إِلى العساكر من الجزيرة وغيرها لتقدم عليه حتى يناجز بهم الفرنج وذلك عند انقضاء الهدنة، فركبت الفرنج من السواحل من عكا وانضاف إِليهم من شاء اللّه من عساكرهم البحرية] (٨) وقصدوا بلاد مصر من ثغر دمياط [فنزلوا عليه] فحاصروه مدة أربعة أشهر (٩)، والملك (١٠) الكامل [مقابلهم يقاتلهم ويمانعهم ويصدهم عما يريدونه]، فتملكوا (١١) برج السلسلة وهو كالقفل على ديار مصر، وصفته في وسط جزيرة في النيل عند انتهائه إِلى البحر، [ومن هذا البرج] إِلى دمياط، وهو (١٢) على شاطئ البحر وحافة [النيل] سلسلة منه إِلى الجانب الآخر، وعليه الجسر وسلسلة أخرى لتمنع دخول المراكب من البحر إِلى النيل، فلا يمكن الدخول، فلما ملكت الفرنج هذا البرج شَقَّ ذلك على المسلمين [بديار مصر وغيرها]، وحين وصل الخبر إِلى الملك العادل وهو بمرج الصُّفَّر تأوَّه لذلك تأوُهًا شديدًا ودقَّ بيده على صدره أسفًا وحزنًا على المسلمين وبلادها، ومرض من ساعته مرض الموت لأمر

стр. 6705

يريده اللّه ، فلما كان يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة توفي بقرية عالقين (١)، فجاءه ولده المعظم مسرعًا (٢) فجمع حواصلَه وأرسلَه في محفَّةٍ ومعه خادم بصفة (٣) أن السلطان مريض، (وكلما جاء أحد من الأمراء ليسلِّم عليه) بلَّغهم الطواشي عنه، أي: أنه ضعيف، عن الرد عليهم (٤)، فلما انتهى به إِلى القلعة دفن بها مدة ثم حول إِلى تربته بمدرسته العادلية (٥) الكبيرة. وقد كان الملك سيف الدين أبوبكر بن أيوب بن شاذي من خيار الملوك وأجودهم سيرة وأحسنهم سريرة]، دينًا عاقلًا صبورًا وقورًا، أبطل المحرمات والخمور والمعازف (٦) من مملكته (٧) كلها وقد كانت ممتدة من أقصى بلاد مصر واليمن والشام والجزيرة إِلى همَذان كلها، أخذها بعد أخيه صلاح الدين سوى حلب فإنه أقرها بيد ابن أخيه الظاهر غازي [بن صلاح الدين لأنه كان] (٨) زوج ابنته صفية الست خاتون. وكان العادل حليمًا صفوحًا صبورًا على الأذى كثير الجهاد حضر مع أخيه مواقفه (٩) كلها أو [أكثرها في مقاتلة الفرنج، وكانت] (١٠) له في ذلك اليد البيضاء، [والراية العليا] وكان غير ماسك اليد وقد (١١) أنفق في عام الغلاء بمصر [أموالًا كثيرة على الفقراء وتصدق] (١٢) على أهل الحاجة من أبناء الناس وغيرهم شيئًا [كثيرًا جدًا، ثم إِنه كفن في العام الثاني من بعد عام الغلاء في الفناء ثلاثمئة ألف إِنسان من الغرباء والفقراء، وكان كثير الصدقة في أيام مرضه حتى كان يخلع جميع ما عليه ويتصدق به وبمركوبه] (١٣)، وكان كثير الأكل ممتعًا بصحته وعافيته (١٤) مع كثرة صيامه، كان يأكل في اليوم الواحد أكلات جيدة، ثم بعد هذا يأكل عند النوم (١٥) رطلًا بالدمشقي من الحلوى (١٦) السكرية اليابسة، وكان

стр. 6706

يعتريه مرض في أنفه في زمن (١) الورد، وكان لا يقدر على الإقامة بدمشق حتى يفرغ زمن الورد، فكان (٢) يُضْرَبُ له الوطاق بمرج الصُّفَّر ثم يدخل البلد بعد ذلك. توفي عن خمس وسبعين سنة ﵀. وكان له من الأولاد جماعة: محمد الكامل (٣) صاحب مصر، وعيسى المعظم (٤) صاحب دمشق، وموسى الأشرف صاحب الجزيرة وخلاط وحران وغير ذلك، والأوحاد (٥) أيوب ومات قبله، والفائز (٦) إِبراهيم، والمظفر (٧) غازي صاحب الرُّها، والعزيز (٨) عثمان والأمجد (٩) حسن وهما شقيقا المعظم، والمغيث (١٠) محمود، والحافظ أرسلان (١١) صاحب جعبر، والصالح (١٢) إِسماعيل، والقاهر (١٣) إِسحاق، ومجير الدين يعقوب (١٤)، وقطب الدين أحمد (١٥)، وخليل (١٦) وكان أصغرهم، وتقي الدين عباس (١٧) وكان آخرهم وفاة، بقي إِلى سنة ستين (١٨) وستمئة، وكان له بنات أشهرهن الست صفيه (١٩) خاتون زوجة الظاهر (٢٠) غازي صاحب حلب وأم الملك العزيز (٢١) والد الناصر (٢٢) يوسف الذي ملك

стр. 6707

دمشق، وإِليه تنسب الناصريتان إِحداهما بدمشق والأخرى بالسفح، وهو الذي قتله هولاكو كما سيأتي (١). صفة أخذ الفرنج دمياط لما انتهى الخبر بموت العادل إِلى ابنه محمد الكامل (٢) وهو بثغر دمياط مرابط الفرنج (٣)، فَفَتَّ ذلك من أعضاد المسلمين وضعفوا، ثم بلغه (٤) خبر آخر أن الأمير ابن المشطوب (٥) وكان أكبر أمير بمصر، قد أراد أن يبايع للفائز عوضًا عن الكامل، فساق وحده جريدة فدخل مصر ليستدرك هذا الخطب الجسيم، فلما فقده (٦) الجيش من بينهم انحلَّ نظامُهم واعتقدوا أنه قد حدث أمر أكبر من موت العادل، فركبوا وراءه فدخلت الفرنج [حينئذ] بأمان إِلى الديار المصرية، واستحوذوا على معسكر الكامل وأثقاله [وحواصل الجيش]، فوقع خبط عظيم جدًا، وذلك تقدير العزيز العليم، فلما دخل الكامل مصر لم يقع (٧) مما ظنه شيء، وإِنما هي خديعة من الفرنج، وهرب منه ابن المشطوب إِلى الشام، ثم ركب من فوره في الجيش إِلى الفرنج فإِذا الأمر قد تزايد، [وقد] تمكنوا من البلدان وقتلوا خلقًا وغنموا [شيئًا] كثيرًا، وعاثت الأعراب التي هنالك على أموال الناس، فكانوا أضر عليهم من الفرنج (٨)، [فإِنَا للّه وإِنَّا إِليه راجعون]، فنزل الكامل تجاههم (٩) يمانعهم عن دخولهم إِلى القاهرة [ومصر] بعد أن كان يمانعهم عن دخول الثغر، وكتب إِلى إِخوانه يستحثهم ويستنجدهم ويقول الوحاءَ الوحاء (١٠) العجلَ العجلَ، أدركوا المسلمين قبل تملك الفرنج جميع أرض مصر (١١) فأقبلت العساكر الإسلامية [عند ذلك] إِليه من كل مكان، وكان أول

стр. 6708

من قدم عليه أخوه الأشرف [موسى صاحب الجزيرة] بَيَّضَ اللّه وَجْهَهُ، ثم المُعَظَّم وكان من أمرهم مع الفرنج ما سنذكره بعد هذه السنة. وفيها: ولي حسبة بغداد الصاحب محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي (١)، وهو مع ذلك يعمل ميعاد الوعظ على قاعدة أبيه، وشكرت مباشرته للحسبة (٢). وفيها: فوض إِليَّ (٣) المعظم النظر في التربة البدرية تجاه [مدرسة] الشبلية عند الجسر الذي على ثورا، ويقال له جسر كحيل، وهي منسوبة إِلى [بدر الدين] حسن بن الداية (٤)، كان هو وإِخوته من أكابر أمراء نور الدين محمود بن زنكي. [قلت:] وقد جعلت في حدود الأربعين وستمئة جامعًا يخطب فيه يوم الجمعة وللّه الحمد. وفيها: أرسل السلطان علاء الدين محمد بن تكش إِلى الملك العادل وهو مخيم بمرج الصُّفَّر رسولًا (٥)، فرد إِليه مع الرسول خطيب دمشق (٦) جمال الدين محمد بن عبد الملك الدولعي (٧)، واستنيب عنه في الخطابة الشيخ الموفق عمر بن يوسف (٨) خطيب بيت الأبار، فأقام بالعزيزية يباشر عنه، حتى قدم وقد مات العادل (٩) ﵀. وفيها: توفي الملك القاهر صاحب الموصل. فأقيم ابنه الصغير (١٠) مكانه. ثم قُتل وتَشَتَّتَ شملُ البيت الأتابكي، وتغلَّبَ على الأمور [الأمير] بدر الدين لؤلو (١١) غلام أبيهم [نور الدين أرسلان] (١٢). وفيها: كان عود الوزير صفي الدين (١٣) عبد الله بن علي بن شكر من بلاد الشرق [من آمد إِلى

стр. 6709

دمشق] بعد موت العادل، فعمل فيه [الشيخ] علم الدين [السخاوي] مقامة بالغ في مدحه فيها (١)، وقد ذكروا أنه كان متواضعًا يحب الفقراء والفقهاء، ويسلِّم على الناس إِذا اجتاز بهم وهو راكب في أُبَّهة وزارته، ثم إِنه نكب في هذه السنة، وذلك أن الكامل هو الذي كان سبب طرده وإِبعاده كتب إِلى أخيه المعظم فيه، فاحتاط على أمواله وحواصله، وعزل ابنه عن النظر في الدواوين (٢)، وقد كان ينوب عن أبيه في مدة غيبته. وفي رجب من هذه السنة (٣) أعاد المعظم ضمان القيان والخمور والمغنيات وغير ذلك من الفواحش والمنكرات التي كان أبوه قد أبطلها، بحيث إِنه لم يكن أحد يتجاسر أن ينقل (٤) ملء كف خمر إِلى دمشق إِلا بالحيلة الخفية، فجزى اللّه العادل خيرًا، ولا جزى المعظم خيرًا على ما فعل، واعتذر المعظم في ذلك بأنه إِنما صنع هذا المنكر لقلة الأموال (٥) على الجند، واحتياجهم إِلى النفقات في قتال الفرنج. [وهذا من جهله وقلة دينه وعدم معرفته بالأمور، فإِن هذا الصنيع يديل عليهم الأعداء وينصرهم عليهم، ويتمكن منهم الداء ويثبط الجند عن القتال، فيولون بسببه الأدبار، وهذا مما يدمِّر ويخرِّب الديار ويديل الدول، كما في الأثر "إِذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني". وهذا ظاهر لا يخفى على فطن] (٦). وممن تودي فيها من [المشاهير و]، الأعيان: السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب كما تقدم] (٧). القاضي شرف الدين (٨) أبو طالب عبد اللّه ابن زين القضاة عبد الرحمن بن سلطان بن يحيى بن علي القرشي الدمشقي من بني عم ابن الزكي. وكان أول من درس بالشامية البرانية وبالرواحية أيضًا وناب في الحكم عن ابن عمه محيي الدين بن

стр. 6710

الزكي (١). وتوفي في شعبان من هذه السنة ودفن عند مسجد القدم. أبو سليمان داود (٢) بن أبي الغنائم أحمد بن محيي المُلْهَمي (٣)] الضرير البغدادي. كان ينسب إِلى علم الأوائل، ولكنه كان يَتَسَتَّر بمذهب الظاهرية، [ولهذا] قال فيه ابن الساعي: الداودي مذهبًا (٤)، المعري أدبًا واعتقادًا، ومن شعره قوله (٥): [من الوافر] إِلى الرحمنِ أَشْكُو ما أُلاقي … غَداةَ غَدَوا (٦) على هُوجِ النِّياقِ سألتكم (٧) بمنْ زمَّ المطايا … أمرّ بكم أمرُّ من الفراقِ وهلْ دار (٨) أشدّ من التَّنائي … وهلْ عَيْشٌ ألذُّ من التلاقي؛ قاضي قضاة بغداد عماد الدين أبو القاسم (٩) عبد الله بن الحسين بن الدامغاني الحنفي. سمع الحديث وتفقه على مذهب أبي حنيفة، وولي القضاء ببغداد مرتين/ نحوًا من أربع عشرة سنة/ وكان مشكور السيرة عارفًا بالحساب والفرائض وقسمة التركات. أبو اليمن نجاح بن عبد اللّه الحبشي (١٠) الشَّرابي (١١) نجم الدين مولى الخليفة الناصر.

стр. 6711

كان يسمى سلمان دار الخلافة، وكان لا يفارق الخليفة، فلما مات وجد عليه الخليفة (١) وجدًا كثيرًا، وكان يوم جنازته يومًا مشهودًا، كان بين يدي نعشه مئة (٢) بقرة وألف شاة وأحمال من التمر والخبز والماورد، وقد صلَّى عليه الخليفة بنفسه تحت الثاج، وتصدق عنه بعشرة آلاف دينار على المشاهد، ومثلها على المجاورين بالحرمين، وأعتق مماليكه ووقف عنه خمسمئة مجلد. أبو المظفر محمد بن علوان (٣) بن مهاجر بن علي بن مهاجر الموصلي. تفقه بالنظامية وسمع الحديث، ثم عاد إِلى الموصل فساد أهل زمانه بها (٤)، وتقدم في الفتوى والتدريس بمدرسة بدر الدين لؤلؤ وغيرها، وكان صالحًا ديِّنًا، ﵀. أبو الطيب رزق اللّه بن يحيى بن رزق الله بن يحيى بن خليفة بن سليمان بن رزق اللّه بن غانم بن غنام الماحوزي (٥) المحدث الجوال الرحال الثقة الحافظ. الأديب الشاعر [أبو العباس] (٦) أحمد بن يرنقش (٧) بن عبد الله العمادي. كان من أمراء سنجار، وكان أبوه من موالي الملك عماد الدين زنكي (صاحبها، وكان أحمد هذا أديبًا (٨) شاعرًا ذا مال جزيل، وأملاك كثيرة، وقد احتاط (٩) على أمواله قطب الدين (١٠) بن عماد الدين زنكي) وأودعه سجنًا فنُسي فيه ومات كمدًا، ومن شعره: [من الطويل] تقولُ و (قد (٥) ودَّعتُها ودموعها … على خدها (١١) من خشية البينِ تلتقي (١٢)

стр. 6712

مضى أكثرُ العُمْرِ الذي كانَ نافعًا … رويدكَ فاعملْ صالحًا في الذي بقي ثم دخلت سنة ست عشرة وستمئة فيها أمر الشيخ محيي الدين بن الجوزي محتسب بغداد بإِزالة المنكر، وكسر الملاهي عكس ما أمر به المعظم، وكان أمره في ذلك في أول هذه السنة (١) وللّه الحمد والمنة. جنكيز خان [وعبور التتار] (٢) نهر جيحون. وفيها عبرت التتار نهر جيحون صحبة ملكهم جنكيز خان من بلادهم، وكانوا يسكنون جبال طمغاج من أرض الصين ولغتهم مخالفة للغة سائر التتار، وهم من أشجعهم وأصبرهم على القتال، وسبب دخولهم نهر [جيحون] (٣) أن جنكيز خان بعث تجارًا له ومعهم أموال كثيرة إِلى بلاد خوارزم شاه يتبضَّعون (٤) ثيابًا للكسوة، فكتب نائبها إِلى خوارزم (٥) شاه يذكر له ما معهم من كثرة الأموال، فأرسل إِليه بأن يقتلهم ويأخذ (٦) ما معهم، ففعل ذلك، فلما بلغ جنكيز خان خبرهم أرسل يتهدد خوارزم شاه، ولم يكن ما فعله خوارزم شاه فعلًا جيدًا، فلما تهدده أشار (٧) من أشار على خوارزم شاه بالمسير إِليهم، فسار إِليهم [فأقبل] وهم في شغل شاغل بقتال كشلي خان، فنهب خوارزم شاه أموالهم وسبى ذراريهم وأطفالَهم، فأقبلوا إِليه محروبين، فاقتتلوا معه أربعةَ أيام قتالًا لم يُسمع بمثله، أولئك يقاتلون عن حريمهم والمسلمون عن أنفسهم، يعلمون أنهم متى وَلَّوا استأصلوهم، فقُتل من الفريقين خلقٌ كثيرٌ، حتى إِن الخيول كانت تزلق في الدماء، وكان جملة من قتل من المسلمين نحوًا من عشرين ألفًا، ومن التتار أضعاف ذلك، ثم تحاجز الفريقان وولَّى كل منهم إِلى بلاده ولجأ خوارزم شاه وأصحابه إِلى بخارى وسمرقند، فحصَّنَها وبالغ في كثرة مَنْ تركَ فيها من المقاتلة، ورجع [خوارزم شاه] إِلى بلاده (٨) ليجهز الجيوش الكثيرة، فقصدتِ التتارُ بخارى وبها عشرون ألف مقاتل، فحاصرها جنكيز خان ثلاثة أيام، فطلب منه أهلها الأمان، فأمَّنهم ودخلها فأحسنَ السيرةَ فيهم مكرًا وخديعة، وامتنعت عليه القلعةُ

стр. 6713

فحاصرها وأشغل (١) أهل البلد في طم خندقها فكانت (٢) التتار يأتون بالمنابر والربعات فيطرحونها في الخندق يطمُّونه بها ففتحوها قسرًا في عشرة أيام، فقتل من كان بها. ثم عاد إِلى البلد فاصطفى أموال تجارها وأباحها (٣) لجنده فقتلوا من أهلها خلقًا لا يعلمهم إِلا اللّه ، وأسروا الذرية والنساء، وفعلوا بهن (٤) الفواحش بحضرة أهليهن، فمن الناس من قاتل دون حريمه حتى قتل، ومنهم من أُسر فعذب بأنواع العذاب، وكثر البكاء والضجيج بالبلد من النساء والأطفال والرجال، ثم ألقت التتار النار في دور بخارى ومدارسها ومساجدها فاحترقت حتى صارت بلاقع خاوية على عروشها، ثم كرُّوا راجعين عنها قاصدين سمرقند (٥)، فكان من أمرهم فيها ما سيأتي ذِكره في السنة الآتيه (٦). وفي مستهل هذه السنة خُرِّب سورُ بيتِ المقدس، عمره اللّه بذكره، وذلك عن أمر السلطان الملك المعظم عيسى بن العادل (٧) خوفًا من استيلاء الفرنج عليه بعد مشورة من أشار عليه بذلك منهم: أخوه العزيز عثمان بن العادل وأستاذ داره عز الدين أيبك أن يخرباه خوفًا من استيلاء الفرنج عليه في غيبته فيتمكَّنون فيه ويستقرون ويجعلون ذلك (٨) وسيلة إِلى أخذ الشام جميعه، فشُرع في تخريب السور في أول يوم من المحرم من هذه السنة (٩) فهرب منه أهله خوفًا من الفرنج أن يهجموا عليهم ليلًا أو نهارًا، وتركوا أموالهم وأثاثهم (١٠) وتمزَّقوا في البلاد كلَّ ممزق، حتى قيل إِنه أبيع (١١) القنطار [من] الزيت بعشرة دراهم والرطل (١٢) النحاس بنصف درهم. وضج الناس وابتهلوا إِلى اللّه عند الصخرة وفي الأقصى، وهي أيضًا فعلة شنعاء من المعظم، مع ما أظهر من الفواحش في العام الماضي، وقال (١٣) بعضهم يهجو المعظم في ذلك (١٤): [من الرجز]

стр. 6714

في رجبٍ حَلَّلَ المُحرَّم (١) … وخرَّب القُدْسَ في المُحَرَّم وفيها: استحوذت الفرنج [-لعنهم الله-] على مدينة دمياط ودخلوها بالأمان فغدروا بأهلها وقتلوا رجالها وسبوا نساءها وأطفالها، وفجروا بالنساء، وبعثوا بمنبر الجامع والربعات ورؤوس القَتْلى إِلى الجزائر، وجعلوا الجامعَ كنيسةً [ولو شاء ربك ما فعلوه]. وفيها: غضب المُعَظَّم (٢) على القاضي زكي الدين بن [محيى الدين بن] [قاضي البلد]، وسببه أن عمته ست الشام بنت أيوب [كانت قد] مرضت في دارها التي جعلتها بعدها مدرسة فأرسلت إِلى القاضي لتوصي إِليه، فذهب إِليها بشهود معه فكتب الوصيةَ كما قالت، فقال المعظم (٣) يذهب إِلى عَمَّتي بغير (٤) إِذني، ويسمع هو والشهود كلامها؛ واتفق أن القاضي طلب من جابي العزيزية حسابها وضربه بين يديه بالمقارع، وكان المعظم يبغض هذا القاضي من أيام أبيه [العادل]، فعند ذلك أرسل المعظم إِلى القاضي ببقجة فيها قباء وكلوتة، القباء أبيض والكلوتة صفراء. وقيل بل كانا حمراوين مدرنين (٥)، وحلف الرسول عن السلطان ليلبسنهما ويحكم بين الخصوم فيهما، وكان من لطف اللّه (٦) أن جاءته الرسالة بهذا وهو في دهليز داره التي بباب البريد، وهو منتصب للحكم، فلم يستطع إِلا أن يلبسهما (٧) وحكم فيهما، ثم دخل داره واستقبل مرض (موته)، وكانت [وفاته في صفر من السنة الآتية بعدها] (٨)، وكان الشرف بن عنين (٩) الزرعي الشاعر قد أظهر النسك والتعبد، ويقال: إِنه اعتكف بالجامع (١٠) أيضًا فارسل إليه المعظم بخمر ونرد ليشتغل بهما. فكتب إِليه ابن عُنَيْن (١١): [من الكامل]

стр. 6715

يا أيُّها الملكُ المعظِّمُ سنة … أَحْدَثْتَها تَبْقَى على الآبادِ تجري الملوكُ على طريقِكَ بعدَها … خلعُ القضاةِ وتحفةُ الزُّهادِ [وهذا من أقبح ما يكون أيضًا] (١). وقد كان نواب ابن الزكي أربعة: شمس الدين بن الشيرازي (٢) إِمام مشهد علي، كان يحكم به في الشباك (٣)، وربما برز إِلى طرف الرواق تجاه البلاطة السوداء. وشمس الدين ابن سَنّي الدولة (٤)، كان يحكم في الشباك الذي في الكلاسة تجاه تربة [الملك] صلاح الدين عند الغزالية. وجمال الدين المصري (٥) وكيل بيت المال كان يحكم في الشباك الكمالي بمشهد عثمان. وشرف الدين الموصلي (٦) الحنفي كان يحكم بالمدرسة الطرخانيه (٧) بجيرون والله تعالى أعلم. وممن توفي فيها من الأعيان (٨): ستِّ الشام (٩) واقفة المدرستين البرانية (١٠) والجوانية. الست الجليلة المصونة خاتون ست الشام (١١) بنت أيوب بن شاذي، أخت الملوك وعمة أولادهم،

стр. 6716

وأم الملوك، كان لها (١) من الملوك المحارم خمسة وثلاثون ملكًا، منهم شقيقها [الملك] المعظم توران شاه بن أيوب (٢) صاحب اليمن، وهو مدفون عندها في [تربتها في] القبر القبلي من الثلاثة، وفي الأوسط منها زوجها وابن عمها ناصر الدين (٣) محمد بن أسد الدين شيركوه بن شاذي صاحب حمص، وكانت قد تزوجته بعد أبي ابنها حسام الدين عمر بن لاجين، وهي وابنها حسام الدين [محمد بن] (٤) عمر في القبر الثالث، وهو الذي يلي مكان الدرس، ويقال للتربة والمدرسة الحسامية (٥) نسبة إلى ابنها هذا حسام الدين [محمد بن] عمر بن لاجين، وكان من أكابر العلماء عند خاله صلاح الدين، وكانت ست الشام [رحمها اللّه] من أكثر النساء صدقةً وإِحسانًا إِلى الفقراء والمحاويج، و (كانت) تعمل في كل سنة في دارها بألوفٍ من الذهب أشربةً وأدوية وعقاقيرَ وغير ذلك، وتفرقه على الناس، وكانت وفاتها يوم الجمعة آخر النهار السادس عشر من ذي القعدة من هذه السنة في دارها التي جعلتها مدرسة (٦)، وهي [عند المارستان وهي] (٧) الشامية الجوانية، ونقلت منها إِلى تربتها بالشامية البرانية، وكانت جنازتها حافلة رحمها الله. أبو البقاء (٨) صاحب "الإعراب" و"اللباب" عبد اللّه بن الحسين بن عبد اللّه، الشيخ أبو البقاء العُكْبَري (٩) الضَّرير النحوي الحنبلي. صاحب"إِعراب القرآن العزيز" وكتاب"اللباب" في النحو، وله "حواشٍ" على المقامات، و"مفصّل" الزمخشري، و"ديوان" المتنبي، وغير ذلك، وله في الحساب وغيره (١٠)، وكان صالحًا

стр. 6717

دينًا، مات وقد قارب الثمانين ﵀، وكان إِمامًا في اللغة (١) [والحساب والنحو]، فقيهًا مناظرًا عارفًا بالأصلين والفقه. وحكى القاضي ابن خلكان (٢) عنه أنه ذكر في شرح (٣) المقامات أن عتقاء مغرب كانت تأتي إِلى جبل شاهق عند أصحاب الرس (٤)، فربما اختطفت بعض أولادهم، فشكوها إِلى نبيهم حنظلة بن صفوان فدعا عليها فهلكت. قال: وكان وجهها كوجه الإنسان، وفيها شبه من كل طائر. وذكر الزمخشري في كتابه "ربيع الأبرار" أنها كانت في زمن (٥) موسى لها أربعة أجنحة من كل جانب، ووجه كوجه الإنسان، وفيه شبه كثير من سائر الحيوانات (٦)، وأنها تأخرت إِلى زمن خالد بن سنان العبسي الذي كان في الفترة، فدعا عليها فهلكت واللّه أعلم. وذكر ابن خلكان أن المعز الفاطمي جيء إِليه بطائر غريب الشكل من الصعيد (٧) يقال له عنقاء مغرب. قلت: وكل واحد من خالد بن سنان وحنظلة بن صفوان كان في زمن الفترة، وكان صالحًا ولم يكن نبيًّا، لقول رسول اللّه ﷺ "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه ليس بيني وبينه نبي" (٨). وقد قدمنا الكلام على ذلك هنالك (٩). الحافظ عماد الدين أبو القاسم (١٠) علي بن الحافظ بهاء الدين أبي محمد القاسم بن الحافظ الكبير أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة اللّه بن عساكر الدمشقي.

стр. 6718

سمع الكثير ورحل فمات ببغداد في هذه السنة، ومن لطيف شعره قوله في المروحه (١): [من الوافر] ومروحةٍ تروِّح كل هَمٍّ … ثلاثةَ أشهرٍ لابدّ منها حزيرانٍ وتموزٍ وآبٍ … وفي أيلولَ يُغني الله عَنْها [وفيها توفي] ابن الدوامي (٢) الشاعر. وقد أورد له ابن الساعي جملة (٣) صالحة من شعره. ابن الرزاز (٤) وأبو [منصور] سعيد [محمد بن سعيد بن محمد بن عمر] بن الرزاز (٥). وكان أحد المعدلين ببغداد. وسمع البخاري من أبي الوقت (٦). أبو سعيد المروزي وأبو سعيد محمد بن محمود (٧) بن [محمد بن محمد بن] عبد الرحمن المروزي (٨) الأصل الهمذاني المولد البغدادي المنشأ (والوفاة). وكان حسن الشكل، كامل الأوصاف، له خط حسن، ويعرف فنونًا كثيرة من العلوم، شافعي المذهب، ويتكلم في مسائل الخلاف، حسن الأخلاق. ومن شعره قولة (٩): [من الطويل] أرى قسمة (١٠) الأرزاق أعجبَ قسمةٍ … لذي دَعةٍ ومكديةٍ لذي كدِ (١١)

стр. 6719

وأحمقُ ذو مالٍ وأحمق معدمٌ … وعقلٌ بلا حظٍّ وعقلٍ له حدٌّ (١) يعم الغنى والفقرُ ذا الجهلِ والحجا … وللهِ من قبلُ الأمورُ ومن بعدُ أبو زكريا يحيى بن القاسم (٢) بن المفرج بن درع بن الخضر (٣) الشافعي الشيخ تاج الدين التِّكْريتي قاضيها، ثم دَرَّسَ بنظامية بغداد. وكان متقنًا لعلوم كثيرة منها التفسير (٤) والفقه والأدب والنحو واللغة، وله المصنفات في ذلك كله وجمع لنفسه تاريخًا حسنًا. ومن شعره قوله (٥): [من البسيط] لا بُدَّ للمرءَ من ضِيقٍ ومن سَعةٍ … ومن سُرورٍ يوافيهِ ومن حَزَنِ واللّهُ يطلبُ منهُ شُكرَ نعمتهِ … ما دامَ فيها ويبغي الصَّبرَ في المحنِ فكُنْ مَعَ اللهِ في الحالينِ مُعْتَنِقًا … فرضيكَ هذين فِي سرٍّ (٦) وفي علنِ فما على شدةٍ يبقى الزمانُ يكنْ … ولا على نِعمةٍ تبقى على الزمنِ ومن ذلك قوله (٧): [من المنسرح] لو كانَ قاضي الهوى عليَّ ولي … ما جارَ في الحكم مَن عليَّ ولي يا يوسفيَّ الجمالِ عَبْدُكَ لم … تَبْقَ له (٨) حيلةٌ من الحيلِ إِنْ كانَ قُدَّ القميصُ من دُبُرٍ … ففيكَ قُدَّ الفؤادُ من قُبُلِ صاحب الجواهر (٩) الشيخ الإمام العلامة [جلال الدين] (١٠) أبو محمد عبد اللّه بن نجم بن شاس بن

стр. 6720

نزار بن عشائر (١) بن عبد اللّه بن محمد بن شاس الجذامي السعدي الفقيه المالكي (٢). مصنف كتاب"الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة"، وهو من أكثر الكتب فوائدَ في الفروعِ، رتَّبه على طريقة الوجيز للغزالي. قال ابن (٣) خلّكان: وفيه دلالة على غزارة علمه وفضله والطائفة المالكية بمصر عاكفة عليه لحسنه وكثرة فوائده، وكان مدرسًا بمصر وتوفي (٤) بدمياط ﵀، واللّه سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة سبع عشرة وستمئة (٥) في هذه السنة عم البلاء وعظم العزاء بِجِنْكِيْز خان المسمى تُمرجي (٦) لعنه الله تعالى، ومن معه من التتار قبحهم اللّه أجمعين، واستفحل أمرهم وامتد (٧) إِفسادهم من أقصى بلاد الصين إِلى أن وصلوا بلاد العراق وما حولها حتى انتهوا إِلى إِربل وأعمالها، فملكوا في سنة واحدة وهي هذه السنة سائر الممالك إِلا العراق والجزيرة والشام ومصر، وقهروا جميع الطوائف التي بتلك النواحي الخوارزمية والقفجاق والكرج واللان والخزر وغيرهم، وقتلوا في هذه السنة من طوائف المسلمين وغيرهم في بلدان متعددة كبار (٨) ما لا يحد ولا يوصف، وبالجملة فلم يدخلوا بلدًا إِلا قتلوا جميع من فيه من المقاتلة والرجال، وكثيرًا من النساء والأطفال (٩)، وأتلفوا ما فيه بالنهب إِن احتاجوا إِليه، وبالحريق إِن لم يحتاجوا إِليه، حتى أنهم كانوا يجمعون الحرير الكثير الذي يعجزون عن حمله فيطلقون فيه النار [فيحرق] وهم ينظرون إِليه، ويخربون المنازل وما عجزوا عن تخريبه أحرقوه (١٠)، وأكثر ما يحرقون المساجد والجوامع، وكانوا يأخذون الأسارى من المسلمين فيقاتلون بهم ويحاصرون بهم، وإن لم ينصحوا في القتال قتلوهم. وقد بسط ابن الأثير في "كامله" (١١) خبرهم في هذه السنة بسطًا حسنًا مفصّلًا، وقدم على ذلك كلامًا

стр. 6721

هائلًا في تعظيم هذا الخطب العجيب، قال فنقول: هذا الفصل (١) يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي (٢) عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إِن العالم منذ خلق اللّه آدم وإِلى الآن لم يُبْتَلوا بمثلها لكان صادقًا، فإِن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا [ما] يدانيها، ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعل بُخْتَ نَصَّر ببني إِسرائيل من القتل وتخريب البيت المقدس، ومالبيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد التي كل مدينة أضعاف البيت المقدس وما (٣) بنو إِسرائيل بالنسبة إِلى من قتلوا، فإِن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إِسرائيل، ولعل الخلق (٤) لا يرون مثل هذه الحادثة إِلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا إِلا يأجوج ومأجوج، وأما الدجال فإنه يبقى على من اتّبعه ويهلك من خالفه، وهؤلاء لم يُبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال (٥) والأطفال، وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة. فإنا لله وإِنا إِليه راجعون، ولا حول ولا قوة إِلا بالله العلي العظيم، لهذه الحادثة التي استطار شررها وعم (٦) ضررها، وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح، فإِن قومًا خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاساغون، ثم منها إِلى بلاد ما وراء النهر مثل سمرقند وبخارى وغيرهما، فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثم تعبر (٧) طائفة منهم إِلى خراسان فيفرغون منها ملكًا وتخريبًا وقتلًا ونهبًا، ثم يتجاوزونها (٨) إِلى الري وهمذان وبلد الجبل (٩) وما فيه من البلاد إِلى حد العراق، ثم يقصدون بلاد أذربيجان وأرَّان (١٠) ويخربونها (١١) ويقتلون أكثر أهلها (١٢) ولم ينج منهم (١٣) إِلا الشريد النادر في أقل من سنة، هذا ما لم

стр. 6722

يسمع بمثله، ثم ساروا إِلى دربند شروان (١) فملكوا مدنه [ولم يسلم غير قلعته التي بها ملكهم، وعبروا عندها] (٢) إِلى بلد اللَّان (٣) واللَّكْز (٤) ومن في ذلك الصقع من الأمم المختلفة (٥)، فأوسعوهم (٦) قتلًا ونهبًا وتخريبًا، ثم قصدوا (٧) بلاد قفجاق وهم من أكثر الترك عددًا فقتلوا كلَّ مَنْ وقفَ لهم، وهربَ (٨) الباقون إِلى الغياض [ورؤوس الجبال وفارقوا بلادهم] (٩) واستولى هؤلاء التتر عليها، فعلوا ذلك في أسرع زمان لم يلبثوا إِلا بمقدار مسيرهم لا غير ومضى] طائفة أخرى إِلى غَزْنَةَ وأعمالها وما يجاورُها من بلاد الهند وسجستان/ وكرمان/ ففعلوا فيها مثل أفعال (١٠) هؤلاء وأشد، هذا ما لم يطرق الأسماعَ مثلُه، فإنَّ الإسكندر الذي اتفق المؤرخون على أنه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة (١١)، وإِنما ملكها في نحو عشر سنين، ولم يقتل (١٢) أحدًا بل رضي من الناس بالطاعة وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأطيبه (١٣)، وأحسنه عمارة، وأكثره أهلًا، وأعدلهم أخلاقًا وسيرة في نحو سنة. ولم يتفق لأحد من أهل البلاد التي لم يطرفوها بقاء إِلا وهو خائف مترقب وصولهم [إِليه. ثم إِنهم لا يحتاجون إِلى ميرة ومدد يأتيهم، فإنهم معهم الأغنام والبقر والخيل وغير ذلك من الدواب يأكلون لحومها لا غير، وأما دوابهم التي يركبونها فإنها تحفر الأرض بحوافرها وتأكل

стр. 6723

عروق النبات لا تعرف الشعير. فهم إِذا نزلوا منزلًا لا يحتاجون إِلى شيء من خارجٍ] (١). وأما [ديانتهم فإِنهم] (٢) يسجدون للشمس (٣) إِذا طلعت. ولا يحرّمون شيئًا، ويأكلون ما وجدوه من الحيوانات والميتات لعنهم اللّه تعالى. قال: وإِنما استقام لهم هذا الأمر لعدم المانع لأن السلطان خوارزم شاه محمدًا قد قتل الملوك من سائر الممالك واستقر في الأمور. فلما انهزم منهم في العام الماضي وضعف عنهم وساقوا وراءه (فهرب)، فلا يُدرى أين ذهب؟ وهلك في (بعض) جزائر البحر، خلت البلاد ولم يبق لها من يحميها، ليقضي اللّه أمرًا كان مفعولًا، وإِلى اللّه تُرجع الأمور. ثم شرع في تفصيل ما ذكره مجملًا: فذكر أولًا ما قدمنا ذكره في العام الماضي من بعث جنكيز خان أولئك التجار بمال له يأتونه (٤) بثمنه كسوة ولباسًا، وأخذ خوارزم شاه تلك الأموال فحنق عليه جنكيز خان وأرسل يتهدد (٥) فسار إِليه خوارزم شاه بنفسه وجنوده فوجد التتار مشغولين بقتال كشلي خان، فنهب أثقالهم ونساءهم وأطفالهم فرجعوا وقد انتصروا على عدوّهم، وازدادوا حنقًا وغيظًا، فتواقعوا هم وإِياه وابن (٦) جنكيز خان ثلاثة أيامٍ فقُتل من الفريقين خلقٌ كثير، ثم تحاجزوا ورجع خوارزم شاه إِلى أطراف بلاده فحصَّنها ثم كرَّ راجعًا إِلى مقرّ ملكه وهي مدينه (٧) خوارزم، فأقبل جنكيز خان فحصر بخارى كما ذكرنا فافتتحها صلحًا وغدر بأهلها حين (٨) افتتح قلعتها قهرًا وقتل الجميع، وأخذ الأموال وسبى النساء والأطفال وخرَّب الدور والمحال، وقد كان بها عشرون ألف مقاتل، فلم يُغْنِ عنهم شيئًا، ثم سار إِلى سمرقند فحاصرها في أول المحرم من هذه السنة وبها خمسون ألف مقاتل من الجند فنكلوا، وبرز إِليهم سبعون ألفًا من العامة فقتل الجميع في ساعة واحدة وألقى إِليه الخمسون ألفًا (٩) السلمَ فسلبهم سلاحهم وما يمتنعون به، وقتلهم في ذلك اليوم واستباح البلد فقتل الجميع وأخذ الأموال وسبى الذرية وحرقه وتركه بلاقع، فإِنا للّه وإِنا إِليه راجعون، وأقام لعنه اللّه هنالك وأرسل السرايا إِلى البلدان فأرسلْ (١٠) سرية إِلى

стр. 6724

بلاد خراسان وتسميها التتار المغربة (١)، وأرسل أخرى وراء خوارزم شاه، وكانوا عشرين ألفًا قال: اطلبوه فأدركوه ولو تعلَّق بالسماء فساروا وراءه فأدركوه (٢) وبينهم وبينه نهر جيحون وهو آمنٌ بسببه، فلم يجدوا سفنًا فعملوا لهم أحواضًا يحملون عليها (٣) الأسلحة ويرسل أحدهم فرسه ويأخذ بذنبها فتجره الفرس بالماء (٤) وهو يجر الحوض الذي فيه سلاحه، حتى صاروا كلُّهم في الجانب الآخر، فلم يشعر بهم خوارزم شاه إِلا وقد خالطوه، فهرب منهم إِلى نيسابور ثم منها إِلى غيرها وهم في أثره لا يمهلونه يجمع لهم (٥) فصار كلما أتى بلدًا ليجتمع فيه عساكره له يدركونه فيهرب منهم، حتى ركب في بحر طبرستان وسار إِلى قلعة في جزيرة فيه فكانت (٦) فيها وفاته. وقيل إِنه لا يعرف بعد ركوبه في البحر ما كان من أمره بل ذهب فلا يُدْرى أين ذهب، ولا إِلى أي مَفَرٍّ هرب، وملكت التتار (٧) حواصله فوجدوا في خزانته عشرة آلاف دينار، وألف حمل من الأطلس وغير (٨) وعشرون ألف فرس وبغل، ومن الغلمان والجواري والخيام شيئًا كثيرًا، وكان له عشرة آلاف مملوك كلُّ واحدٍ مثلُ ملك، فتمزَّقَ ذلك كله (٩)، وقد كان خوارزم شاه فقيهًا حنفيًا فاضلًا له مشاركات في فنونٍ من العلم، يفهم جيدًا، و [قد] ملك بلادًا متسعة وممالك متعددة إِحدى وعشرين سنة وشهورًا، ولم يكن بعد ملوك بني سلجوق أكثر (١٠) حرمةً منه ولا أعظم مُلْكًا منه، لأنه إِنما كانت همته في الملك لا في اللذات والشهوات، ولذلك (١١) قهر الملوك بتلك الأراضي وأحلَّ بالخطا بأسًا شديدًا، حتى لم يبق ببلاد خراسان وما وراء النهر [وكذلك] عراق العجم وغيرها من الممالك سلطان سواه، وجميع البلاد تحت أيدي (١٢) نوابه. ثم ساروا إِلى مازندران (١٣) وقلاعها من أمنع القلاع، بحيث إِن المسلمين لم

стр. 6725

يفتحوها (١) إِلا في سنة تسعين من أيام سليمان بن عبد الملك، ففتحها هؤلاء في أيسر (٢) مدة. ونهبوا ما فيها وقتلوا أهاليها كلهم وسبوا وأحرقوا، ثم ترحلوا عنها نحو الري فوجدوا في الطريق أمَّ خوارزم شاه ومعها أموال عظيمة جدًّا، فأخذوها وفيها كل غريب ونفيس مما لم يشاهد مثله من الجواهر وغيرها، ثم قصدوا الري فدخلوها على حين غفلة من أهلها فقتلوهم وسبوا وأسروا (٣)، ثم ساروا إِلى همذان فملكوها ثم إِلى زنجان (٤) فقتلوا وسبوا، ثم قصدوا قزوين فنهبوها وقتلوا من أهلها نحوًا من أربعين ألفًا، ثم تيمموا بلاد أذربيجان فصالحهم ملكها أوزبك (٥) بن البهلوان على مال حمله (٦) إِليهم لشغله بما هو فيه من السكر وارتكاب السيئات والانهماك على الشهوات، فتركوه وساروا إِلى موقان (٧) فقاتلهم الكرج في عشرة آلاف مقاتل فلم يقفوا بين أيديهم طرفة عين حتى انهزمت الكرج [وقتلت التتار منهم خلقًا كثيرًا ثم قصدوا تفليس وهي أكبر مدن الكرج فاجتمعت عند ذلك الكرج وأقبلوا] (٨) إِليهم بحدّهم وحديدهم، فكسرتهم التتار وقعه (٩) ثانية أقبح هزيمة وأشنعها. وها هنا قال ابن الأثير (١٠): ولقد جرى لهؤلاء التتر ما لم يُسمع بمثله من قديم الزمان وحديثه: طائفة تخرج من حدود الصين لا تنقضي عليهم (١١) سنة حتى يصل بعضهم إِلى حدود بلاد إِرْمينية من هذه الناحية ويجاوزون العراق من ناحية همذان وتاللّه (١٢) لا أشك أَنَّ مَنْ يجيءُ بعدنا إِذا بَعُدَ العهدُ ويرى هذه الحادثة مسطورة يُنْكرها ويستبعدها، والحقُّ بيده، فمتى استبعد ذلك فلينظر أننا سطرنا (١٣) نحن وكل مَنْ جمعَ
следующие страницы →