← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

هائلًا في تعظيم هذا الخطب العجيب، قال فنقول: هذا الفصل (١) يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي (٢) عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إِن العالم منذ خلق اللّه آدم وإِلى الآن لم يُبْتَلوا بمثلها لكان صادقًا، فإِن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا [ما] يدانيها، ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعل بُخْتَ نَصَّر ببني إِسرائيل من القتل وتخريب البيت المقدس، ومالبيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد التي كل مدينة أضعاف البيت المقدس وما (٣) بنو إِسرائيل بالنسبة إِلى من قتلوا، فإِن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إِسرائيل، ولعل الخلق (٤) لا يرون مثل هذه الحادثة إِلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا إِلا يأجوج ومأجوج، وأما الدجال فإنه يبقى على من اتّبعه ويهلك من خالفه، وهؤلاء لم يُبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال (٥) والأطفال، وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة. فإنا لله وإِنا إِليه راجعون، ولا حول ولا قوة إِلا بالله العلي العظيم، لهذه الحادثة التي استطار شررها وعم (٦) ضررها، وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح، فإِن قومًا خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاساغون، ثم منها إِلى بلاد ما وراء النهر مثل سمرقند وبخارى وغيرهما، فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثم تعبر (٧) طائفة منهم إِلى خراسان فيفرغون منها ملكًا وتخريبًا وقتلًا ونهبًا، ثم يتجاوزونها (٨) إِلى الري وهمذان وبلد الجبل (٩) وما فيه من البلاد إِلى حد العراق، ثم يقصدون بلاد أذربيجان وأرَّان (١٠) ويخربونها (١١) ويقتلون أكثر أهلها (١٢) ولم ينج منهم (١٣) إِلا الشريد النادر في أقل من سنة، هذا ما لم

стр. 6722

يسمع بمثله، ثم ساروا إِلى دربند شروان (١) فملكوا مدنه [ولم يسلم غير قلعته التي بها ملكهم، وعبروا عندها] (٢) إِلى بلد اللَّان (٣) واللَّكْز (٤) ومن في ذلك الصقع من الأمم المختلفة (٥)، فأوسعوهم (٦) قتلًا ونهبًا وتخريبًا، ثم قصدوا (٧) بلاد قفجاق وهم من أكثر الترك عددًا فقتلوا كلَّ مَنْ وقفَ لهم، وهربَ (٨) الباقون إِلى الغياض [ورؤوس الجبال وفارقوا بلادهم] (٩) واستولى هؤلاء التتر عليها، فعلوا ذلك في أسرع زمان لم يلبثوا إِلا بمقدار مسيرهم لا غير ومضى] طائفة أخرى إِلى غَزْنَةَ وأعمالها وما يجاورُها من بلاد الهند وسجستان/ وكرمان/ ففعلوا فيها مثل أفعال (١٠) هؤلاء وأشد، هذا ما لم يطرق الأسماعَ مثلُه، فإنَّ الإسكندر الذي اتفق المؤرخون على أنه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة (١١)، وإِنما ملكها في نحو عشر سنين، ولم يقتل (١٢) أحدًا بل رضي من الناس بالطاعة وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأطيبه (١٣)، وأحسنه عمارة، وأكثره أهلًا، وأعدلهم أخلاقًا وسيرة في نحو سنة. ولم يتفق لأحد من أهل البلاد التي لم يطرفوها بقاء إِلا وهو خائف مترقب وصولهم [إِليه. ثم إِنهم لا يحتاجون إِلى ميرة ومدد يأتيهم، فإنهم معهم الأغنام والبقر والخيل وغير ذلك من الدواب يأكلون لحومها لا غير، وأما دوابهم التي يركبونها فإنها تحفر الأرض بحوافرها وتأكل

стр. 6723

عروق النبات لا تعرف الشعير. فهم إِذا نزلوا منزلًا لا يحتاجون إِلى شيء من خارجٍ] (١). وأما [ديانتهم فإِنهم] (٢) يسجدون للشمس (٣) إِذا طلعت. ولا يحرّمون شيئًا، ويأكلون ما وجدوه من الحيوانات والميتات لعنهم اللّه تعالى. قال: وإِنما استقام لهم هذا الأمر لعدم المانع لأن السلطان خوارزم شاه محمدًا قد قتل الملوك من سائر الممالك واستقر في الأمور. فلما انهزم منهم في العام الماضي وضعف عنهم وساقوا وراءه (فهرب)، فلا يُدرى أين ذهب؟ وهلك في (بعض) جزائر البحر، خلت البلاد ولم يبق لها من يحميها، ليقضي اللّه أمرًا كان مفعولًا، وإِلى اللّه تُرجع الأمور. ثم شرع في تفصيل ما ذكره مجملًا: فذكر أولًا ما قدمنا ذكره في العام الماضي من بعث جنكيز خان أولئك التجار بمال له يأتونه (٤) بثمنه كسوة ولباسًا، وأخذ خوارزم شاه تلك الأموال فحنق عليه جنكيز خان وأرسل يتهدد (٥) فسار إِليه خوارزم شاه بنفسه وجنوده فوجد التتار مشغولين بقتال كشلي خان، فنهب أثقالهم ونساءهم وأطفالهم فرجعوا وقد انتصروا على عدوّهم، وازدادوا حنقًا وغيظًا، فتواقعوا هم وإِياه وابن (٦) جنكيز خان ثلاثة أيامٍ فقُتل من الفريقين خلقٌ كثير، ثم تحاجزوا ورجع خوارزم شاه إِلى أطراف بلاده فحصَّنها ثم كرَّ راجعًا إِلى مقرّ ملكه وهي مدينه (٧) خوارزم، فأقبل جنكيز خان فحصر بخارى كما ذكرنا فافتتحها صلحًا وغدر بأهلها حين (٨) افتتح قلعتها قهرًا وقتل الجميع، وأخذ الأموال وسبى النساء والأطفال وخرَّب الدور والمحال، وقد كان بها عشرون ألف مقاتل، فلم يُغْنِ عنهم شيئًا، ثم سار إِلى سمرقند فحاصرها في أول المحرم من هذه السنة وبها خمسون ألف مقاتل من الجند فنكلوا، وبرز إِليهم سبعون ألفًا من العامة فقتل الجميع في ساعة واحدة وألقى إِليه الخمسون ألفًا (٩) السلمَ فسلبهم سلاحهم وما يمتنعون به، وقتلهم في ذلك اليوم واستباح البلد فقتل الجميع وأخذ الأموال وسبى الذرية وحرقه وتركه بلاقع، فإِنا للّه وإِنا إِليه راجعون، وأقام لعنه اللّه هنالك وأرسل السرايا إِلى البلدان فأرسلْ (١٠) سرية إِلى

стр. 6724

بلاد خراسان وتسميها التتار المغربة (١)، وأرسل أخرى وراء خوارزم شاه، وكانوا عشرين ألفًا قال: اطلبوه فأدركوه ولو تعلَّق بالسماء فساروا وراءه فأدركوه (٢) وبينهم وبينه نهر جيحون وهو آمنٌ بسببه، فلم يجدوا سفنًا فعملوا لهم أحواضًا يحملون عليها (٣) الأسلحة ويرسل أحدهم فرسه ويأخذ بذنبها فتجره الفرس بالماء (٤) وهو يجر الحوض الذي فيه سلاحه، حتى صاروا كلُّهم في الجانب الآخر، فلم يشعر بهم خوارزم شاه إِلا وقد خالطوه، فهرب منهم إِلى نيسابور ثم منها إِلى غيرها وهم في أثره لا يمهلونه يجمع لهم (٥) فصار كلما أتى بلدًا ليجتمع فيه عساكره له يدركونه فيهرب منهم، حتى ركب في بحر طبرستان وسار إِلى قلعة في جزيرة فيه فكانت (٦) فيها وفاته. وقيل إِنه لا يعرف بعد ركوبه في البحر ما كان من أمره بل ذهب فلا يُدْرى أين ذهب، ولا إِلى أي مَفَرٍّ هرب، وملكت التتار (٧) حواصله فوجدوا في خزانته عشرة آلاف دينار، وألف حمل من الأطلس وغير (٨) وعشرون ألف فرس وبغل، ومن الغلمان والجواري والخيام شيئًا كثيرًا، وكان له عشرة آلاف مملوك كلُّ واحدٍ مثلُ ملك، فتمزَّقَ ذلك كله (٩)، وقد كان خوارزم شاه فقيهًا حنفيًا فاضلًا له مشاركات في فنونٍ من العلم، يفهم جيدًا، و [قد] ملك بلادًا متسعة وممالك متعددة إِحدى وعشرين سنة وشهورًا، ولم يكن بعد ملوك بني سلجوق أكثر (١٠) حرمةً منه ولا أعظم مُلْكًا منه، لأنه إِنما كانت همته في الملك لا في اللذات والشهوات، ولذلك (١١) قهر الملوك بتلك الأراضي وأحلَّ بالخطا بأسًا شديدًا، حتى لم يبق ببلاد خراسان وما وراء النهر [وكذلك] عراق العجم وغيرها من الممالك سلطان سواه، وجميع البلاد تحت أيدي (١٢) نوابه. ثم ساروا إِلى مازندران (١٣) وقلاعها من أمنع القلاع، بحيث إِن المسلمين لم

стр. 6725

يفتحوها (١) إِلا في سنة تسعين من أيام سليمان بن عبد الملك، ففتحها هؤلاء في أيسر (٢) مدة. ونهبوا ما فيها وقتلوا أهاليها كلهم وسبوا وأحرقوا، ثم ترحلوا عنها نحو الري فوجدوا في الطريق أمَّ خوارزم شاه ومعها أموال عظيمة جدًّا، فأخذوها وفيها كل غريب ونفيس مما لم يشاهد مثله من الجواهر وغيرها، ثم قصدوا الري فدخلوها على حين غفلة من أهلها فقتلوهم وسبوا وأسروا (٣)، ثم ساروا إِلى همذان فملكوها ثم إِلى زنجان (٤) فقتلوا وسبوا، ثم قصدوا قزوين فنهبوها وقتلوا من أهلها نحوًا من أربعين ألفًا، ثم تيمموا بلاد أذربيجان فصالحهم ملكها أوزبك (٥) بن البهلوان على مال حمله (٦) إِليهم لشغله بما هو فيه من السكر وارتكاب السيئات والانهماك على الشهوات، فتركوه وساروا إِلى موقان (٧) فقاتلهم الكرج في عشرة آلاف مقاتل فلم يقفوا بين أيديهم طرفة عين حتى انهزمت الكرج [وقتلت التتار منهم خلقًا كثيرًا ثم قصدوا تفليس وهي أكبر مدن الكرج فاجتمعت عند ذلك الكرج وأقبلوا] (٨) إِليهم بحدّهم وحديدهم، فكسرتهم التتار وقعه (٩) ثانية أقبح هزيمة وأشنعها. وها هنا قال ابن الأثير (١٠): ولقد جرى لهؤلاء التتر ما لم يُسمع بمثله من قديم الزمان وحديثه: طائفة تخرج من حدود الصين لا تنقضي عليهم (١١) سنة حتى يصل بعضهم إِلى حدود بلاد إِرْمينية من هذه الناحية ويجاوزون العراق من ناحية همذان وتاللّه (١٢) لا أشك أَنَّ مَنْ يجيءُ بعدنا إِذا بَعُدَ العهدُ ويرى هذه الحادثة مسطورة يُنْكرها ويستبعدها، والحقُّ بيده، فمتى استبعد ذلك فلينظر أننا سطرنا (١٣) نحن وكل مَنْ جمعَ

стр. 6726

التاريخ في أزماننا هذه في وقت كل من فيه يعلم (١) هذه الحادثة، قد استوى في معرفتها العالم والجاهل لشهرتها، يَسَّرَ اللّهُ للمسلمين والإسلام مَنْ يحفظهم ويحوطهم (٢)، فلقد دفعوا من العدو إِلى عظيم (٣)، ومن الملوك المسلمين إِلى من لا تتعدى (٤) همتُه بطنَه وفرجَه، [وقد عدم سلطان المسلمين خوارزم شاه] (٥). قال (٦): وانقضت هذه السنة وهم في بلاد الكرج، فلما رأوا منهم ممانعة ومقاتلة يطول عليهم بها المطال عدلوا إِلى غيرهم، وكذلك كانت عادتهم فساروا إِلى تبريز فصالحهم أهلها بمال. ثم ساروا إِلى مراغة فحصروها ونصبوا عليها المجانيق وتترسوا بالأسارى من المسلمين، وعلى البلد امرأة - ولن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة - ففتحوا البلد بعد أيام وقتلوا من أهله خلقًا لا يعلم عدتهم إِلَّا اللّه ، وغنموا منه شيئًا كثيرًا، وسَبوْا وأسروا على عادتهم لعنهم اللّه لعنة تدخلهم نار جهنم، وقد كان الناس يخافون منهم خوفًا عظيمًا جدًّا حتى [قيل] إِنه دخل رجل منهم (٧) إِلى درب من هذه البلدة (٨) وبه مئة رجل لم يستطع واحد (٩) منهم أن يتقدم إِليه، وما زال يقتلهم واحدًا بعد واحد حتى قتل الجميع ولم يرفع منهم أحد يده إِليه، ونهب ذلك الدرب وحده. ودخلت امرأة منهم في زي رجل [بيتًا] (١٠) فقتلت كل من في ذلك البيت وحدها ثم استشعر أسيرٌ معها أنها امرأةٌ فقتلها، لعنها اللّه. ثم قصدوا مدينة إِربل فضاق المسلمون لذلك ذرعًا وقال [أهل تلك] (١١) النواحي: هذا أمرٌ عصيبٌ، وكتب الخليفة إِلى أهل الموصل والملك الأشرف (١٢) صاحب الجزيرة يقول: إِني قد جهزتُ

стр. 6727

عسكرًا فكونوا معه لقتال هؤلاء التتار (١)، فأرسل الأشرف يعتذر إِلى الخليفة بأنه متوجّه نحو أخيه الكامل إِلى الديار المصرية بسبب ما قَدْ دَهَم المسلمين هناك من الفرنج، وأخذهم دمياط التي (٢) قد أشرفوا بأخذها (٣) على أخذ الديار المصرية قاطبة، وكان أخوه المعظم قد قدم عليه إِلى (٤) حران يستنجده لأخيهما الكامل ليتحاجزوا الفرنج بدمياط، وهو على أهبة المسير إِلى الديار المصرية. فكتب الخليفة إِلى مظفر الدين صاحب إِربل ليكون هو المقدم على العساكر التي يبعثها الخليفة وهي عشرة آلاف مقاتل، فلم يقدم عليه منهم ثمانمئة فارس ثم تفرقوا قبل أن يجتمعوا، فإنا للّه وإِنا إِليه راجعون، ولكن الله سلم (٥) بأن صرفَ همةَ التتار إِلى ناحية همذان فصالحهم أهلها وترك عندهم التتار (٦) شحنة، ثم اتفقوا على قتل شحنتهم فرجعوا إِليهم فحاصروهم حتى فتحوها قسرًا وقتلوا أهلها عن آخرهم، ثم ساروا إِلى أَذْرَبيجان ففتحوا أَرْدَبيل (٧) ثم تِبْريز (٨) ثم إِلى بيلقان (٩) فقتلوا من أهلها خلقًا كثيرًا وجمًا غفيرًا، وحرقوها وكانوا يفجرون بالنساء ثم يقتلونهن ويشقّون بطونهن عن الأجِنَّة. ثم عادوا إِلى بلاد الكُرْج وقد استعدت لهم الكُرْج فاقتتلوا معهم فكسروهم أيضًا كسرةً فظيعةً، ثم فتحوا بلدانًا كثيرة يقتلون أهلها ويسبون نساءها ويأسرون من الرجال ما يقاتلون بهم الحصون، يجعلونهم بين أيديهم تُرْسًا يتقون بهم الرمي وغيره، ومن سلم منهم قتلوه بعد انقضاء الحرب، ثم ساروا إِلى بلاد اللان والقبجاق (١٠) فاقتتلوا معهم قتالًا عظيمًا فكسروهم وقصدوا أكبر مدائن القبجاق (١١) وهي مدينة

стр. 6728

سوداق وفيها من الأمتعة والثياب والتجائر من البرطاسي والقندز والسِّنجاب شيء كثير جدًّا، ولجأت القبجاق إِلى بلاد الروس وكانوا نصارى فاتّفقوا معهم على قتال التتار (١) فالتقوا معهم فكسرتهم التتار كسرةً فظيعةً جدًّا (٢). ثم ساروا نحو بُلغار (٣) في حدود العشرين وستمئة ففرغوا من ذلك كله ثم عادوا إِلى (٤) نحو ملكهم جنكيز خان لعنه الله وإِياهم. هذا ما فعلته هذه السرية المغرّبة. وكان جنكيز خان قد أرسل سرية في هذه السنة إِلى ترمذ فأخذتها (٥) وأخرى إِلى فرغانة فملكوها، وجهز جيشًا آخر نحو خراسان فحاصروا بلخ فصالحهم أهلها، وكذلك صالحوا مدنًا كثيرة أخرى، حتى انتهوا إِلى الطالقان (٦) فأعجزتهم قلعتها وكانت حصينة فحاصروها ستة أشهر حتى عجزوا فكتبوا إِلى جنكيز خان فقدم بنفسه فحاصرها أربعة أشهر أخرى حتى فتحها قهرًا، ثم قتل كُلَّ مَنْ فيها وكل مَنْ في البلد بكماله خاصة وعامة (٧)، ثم قصدوا مدينة مرو مع جنكيز خان وقد (٨) عسكر بظاهرها نحو من مئتي ألف مقاتل من العرب وغيرهم فاقتتلوا معهم (٩) قتالًا عظيمًا حتى انكسر المسلمون فإِنَّا لله وإِنَّا إِليه راجعون، ثم حصروا البلدَ خمسةَ أيامٍ واستنزلوا نائبها خديعةً ثم غدروا به وباهل البلد فقتلوهم وغنموهم وسبوهم (١٠)، وعاقبوهم بأنواع العذاب (١١)، حتى إِنهم قتلوا في (١٢) يوم واحد سبعمئة ألف إِنسان، ثم ساروا إِلى نيسابور ففعلوا فيها ما فعلوا بأهل مرو (١٣)، ثم إِلى طوس فقتلوا وخربوا مشهد علي بن موسى الرشيد (١٤)

стр. 6729

الخليفة (١) فتركوه (٢) خرابًا، [ثم ساروا إِلى هراة فقتلوا خلقًا واستنابوا عليها] ثم ساروا إِلى غزنة فقاتلهم جلال الدين (بن) خوارزم شاه فكسرهم [فعادوا إِلى هراة فإِذا أهلها قد نقضوا فقتلوهم عن آخرهم] ثم عادوا إِلى ملكهم جنكيز خان لعنه اللّه وإِياهم، وأرسل جنكيز خان طائفة أخرى إِلى مدينة خوارزم فحاصروها حتى فتحوها قهرًا فقتلوا أهلها (٣) قتلًا ذريعًا، ونهبوها وسبوا أهلها (٤) وأرسلوا الجسر الذي يمنع ماء جيحون منها [فغرقت دورها وهلك جميع أهلها ثم عادوا إِلى جنكيز خان وهو مخيم على] (٥) الطالقان، فجهز منهم طائفة إِلى غزنة فاقتتل معهم جلال الدين (بن) خوارزم شاه فكسرهم جلال الدين كسرة عظيمة، واستنقذ منهم خلقًا من أسارى المسلمين، ثم كتب إِلى جنكيز خان يطلب منه أن يبرز بنفسه لقتاله، فقصده جنكيز خان فتواجها وقد تفرق على جلال الدين بعض جيشه ولم يبق بد من القتال، فاقتتلوا ثلاثةَ أيامٍ لم يُعْهد قبلها (٦) مثلها من قتالهم، ثم ضعف (٧) أصحاب جلال الدين فذهبوا (٨) فركبوا بحر (٩) السند فسارت التتار إِلى غزنة فأخذوها (١٠) بلا كلفة ولا ممانعة (١١)، كل هذا أو أكثره وقع في هذه السنة. وفي هذه السنة (١٢) ترك الأشرف موسى (١٣) بن العادل لأخيه شهاب الدين غازي (١٤) ملك خلاط وميافارقين وبلاد أرمينية [وحاني] (١٥) واعتاض (عن ذلك) بالرُّها وسَرُوج، وذلك لاشتغاله عن حفظ تلك النواحي بمساعدة أخيه الكامل ونصرته على الفرنج لعنهم اللّه تعالى.

стр. 6730

وفي المحرم منها هبت رياح ببغداد وجاءت بروق وسمعت رعود شديدة، وسقطت صاعقة بالجانب الغربي على المنارة المجاورة لعون ومعين (١) فثلمتها، ثم أصلحت، وغارت الصاعقة في الأرض. وفي هذه السنة نصب محراب الحنابلة في الرواق (٢) الثالث الغربي من جامع دمشق بعد ممانعة من بعض الناس لهم، ولكن ساعدهم بعض الأمراء في نصبه لهم، وهو الأمير ركن الدين المعظمي، وصلّى فيه الشيخ موفق الدين بن قدامة (٣). قلت: ثم رفع في حدود سنة ثلاثين وسبعمئة وعوضوا عنه بالمحراب الغربي عند باب الزيادة، كما عوض الحنفية عن محرابهم الذي كان في الجانب الغربي من الجامع بالمحراب المجدد لهم شرقي باب الزيادة، حين جدّد الحائط الذي هو فيه في الأيام التنكزية، على يدي ناظر الجامع تقي الدين بن مراجل أثابه اللّه تعالى كما سيأتي بيانه في موضعه إِن شاء اللّه تعالى. وفيها: قتل صاحب سنجار أخاه فملكها مستقلًا بها الملك الأشرف بن العادل. وفيها: نافق الأمير عماد الدين بن المشطوب (٤) على الملك الأشرف وكان قد آواه وحفظه من أذى أخيه الكامل حين أراد أن يبايع للفائز (٥)، ثم إِنه سعى في الأرض فسادًا في بلاد الجزيرة فسجنه الأشرف حتى مات كمدًا وذلًا وعذابًا. وفيها: أوقع الكامل بالفرنج الذين على دمياط بأسًا شديدًا فقتل منهم عشرة آلاف، وأخذ منهم خيولهم وأموالهم وللّه الحمد. وفيها: عزل المعظمُ المعتمدَ مبارز (٦) الدين إِبراهيمَ عن ولاية دمشق وولاها للعزيز خليل، ولما خرج الحاج إِلى مكة شرفها الله تعالى كان أميرهم المعتمد فحصل به خير كثير، وذلك أنه كف عبيد مكة عن نهب الحجاج (٧) بعد قتلهم أمير حاج العراقيين (٨) آقباش الناصري (٩)، وكان من أكبر الأمراء عند الخليفة الناصر وأخصّهم عنده، وذلك لأنه قدم معه بخلع للأمير حسن (١٠) بن أبي عزيز قتادة بن إِدريس بن

стр. 6731

مطاعن بن عبد الكريم العلوي الحسني الزيدي بولايته لإمرة مكة [بعد أبيه] (١)، وكانت وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة، فنازع في ذلك راجح وهو أكبر أولاد قتادة، وقال لا يتأمر عليها غيري، فوقعت فتنة أفضى الحال إِلى قتل آقباش غلطًا. وقد كان قتادة من أكابر الأشراف الحَسَنيّين الزيديين وكان عادلًا منصفًا منعمًا، نقمة على عبيد مكة والمفسدين بها، ثم عكس هذا السير فظلم وجدد المكوس ونهب الحاج غير مرة، فسلَّط اللّه عليه ولده حسنًا فقتله وقتل عمَّه وأخاه أيضًا، فلهذا لم يُمهل اللّه حسنًا هذا (٢)، بل سلبه الملك [وشرَّده في البلاد، وقيل بل قتل كما ذكرنا] (٣)، وكان قتادة شيخًا طويلًا مهيبًا لا يخاف من أحد من الخلفاء [ولا] الملوك، ويرى أنه أحق بالأمر من كل أحد، وكان الخليفة يود لو حضر عنده ليكرمه، وكان يأبى من ذلك ويمتنع عنه أشدَّ الامتناع، ولم يَفِدْ إِلى أحدٍ قطُ ولا ذلَّ لخليفةٍ ولا ملك، و [قد] كتب إِليه الخليفة مرة يستدعيه فكتب إِليه (٤): [من الطويل] ولي كفُّ ضرغامٍ أذلُّ ببطشها … وأشري (٥) بها بينَ الورى وأبيعُ وكلُّ (٦) ملوكِ الأرضِ تلثمُ (٧) ظَهْرَها … وفي وسطها للمجتبين (٨) ربيعُ أأجعلُها تحتَ الرَّحَى ثم أبتغي … خلاصًا لها إِنِّي إِذًا لرقيعُ وما أنا إِلا المسكُ في كلِّ بقعةٍ … يضوعُ وأمَّا عندَكُمْ فَيَضِيعُ وقد بلغ [قتادة] من السنين (٩) سبعين سنة، وقد ذكر ابن الأثير (١٠) وفاته في سنة ثماني عشرة فاللّه أعلم. وممن توفي فيها أيضًا (١١): الملك الفائز (١٢) غياث الدين إِبراهيم بن العادل، كان قد انتظم له الأمر في الملك بعد أبيه على الديار

стр. 6732

المصرية على يَدَي الأمير عماد الدين بن المشطوب، لولا أَنَّ الكاملَ تدارك ذلك سريعًا، ثم أرسله أخوه في هذه السنة إِلى أخيهما الأشرف موسى يستحثّه في سرعة المسير إِليهم بسبب الفرنج، فمات بين سنجار والموصل، وقيل أنه سُمَّ فَرُدَّ إِلى سنجار (١) فدفن بها، رحمه اللّه تعالى. شيخ الشيوخ صدر الدين (٢)، أبو الحسن محمد بن شيخ الشيوخ عماد الدين عُمر (٣) بن حمويه الجُوَيْنى (٤). من بيت رئاسة وإِمرة عند بني أيوب، وقد كان صدر الدين هذا فقيهًا فاضلًا، درس بتربة الشافعي بمصر، وبمشهد (٥) الحسين وولي مشيخة سعيد السعداء والنظر فيها، وكانت له حرمةٌ وافرةٌ عند الملوك، أرسله الكامل إِلى الخليفة يستنصر على الفرنج فمات بالموصل بالإسهال، ودفن بها عند قضيب البان عن ثلاث وسبعين سنة. وصاحب حماة (٦) الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب. وكان فاضلًا، له تاريخ في عشر مجلدات سماه "المضمار"، وكان شجاعًا فارسًا، فقام بالملك (٧) بعده ولده الناصر قليج (٨) أرسلان، ثم عزله عنها الكامل وحبسه حتى مات رحمه اللّه تعالى، وولَّى أخاه المظفر (٩) بن المنصور.

стр. 6733

وصاحب آمد (١) الملك الصالح ناصر الدين محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن أرتق (٢). وكان شجاعًا محبًا للعلماء، وكان مصاحبًا للأشرف موسى بن العادل يجيء إِلى خدمته مرارًا، وملك بعده ولده المسعود (٣)، وكان بخيلًا فاسقًا، فأخذه منه (٤) الكامل [آمد] وحبسه بمصر ثم أطلقه فأخذ أمواله وسار إِلى التتار، فأخذته منه (٥). الشيخ عبد اللّه اليونيني (٦) اللقب أسد الشام، ﵀ ورضي عنه [عبد اللّه بن عثمان بن جعفر] (٧) من قرية ببعلبك يقال لها يونين (٨). وكانت له زاوية [ببعلبك] يقصد فيها للزيارة، وكان من الصالحين الكبار المشهورين بالعبادة والرياضة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، له همة عالية في الزهد والورع، بحيث إِنه كان لا يقتني شيئًا ولا يملك مالًا ولا ثيابًا، بل يلبس عارية، ولا يتجاوز قميصًا في الصيف وفروة فوقه في الشتاء، وعلى رأسه قبعًا من جلود المعز، شعرُهُ ظاهر، وكان لا ينقطع عن غزاةٍ من الغزوات، ويرمي عن قوسٍ زنتُهُ ثمانون رطلًا، وكان يجاور في بعض الأحيان بجبل لبنان، ويأتي في الشتاء إِلى عيون الفاسريا التي (٩) في سفح الجبل المطلّ على قرية دومة شرقي دمشق، لأجل سخونة الماء، فيقصده الناس للزيارة هناك (١٠)، ويجيء تارة إِلى دمشق فينزل بسفح قاسيون عند المقادسة (١١)، وكانت له أحوال ومكاشفات صالحة، وكان يقال له أسد الشام.

стр. 6734

حكى الشيخ أبو المظفر سبط ابن الجوزي (١) عن القاضي جمال الدين يعقوب (٢) الحاكم بكرك (٣) البقاع أنه شاهد مرة الشيخَ عبد اللّه وهو يتوضَّأُ من ثورا عند الجسر الأبيض إِذ مرَّ نصرانيٌّ ومعه حملُ بغل خمرًا فعثرت الدابة عند الجسر فسقط الحمل فرأى الشيخ وقد فرغ من وضوئه ولا يعرفه، واستعان (٤) به على رفع الحمل فاستدعاني الشيخ فقال: تعال يا فقيه، فتساعدنا على تحميل ذلك الحمل على الدابة وذهب النصرانيُّ فتعجبتُ من ذلك وتبعتُ الحمل وأنا ذاهبٌ إِلى المدينة، فانتهى به إِلى العقيبة (٥) فأورده إِلى الخمار بها فإِذا [هو] خلٌّ فقال له الخَمّارُ: ويحك هذا (٦) خل، فقال النصراني أنا [واللّه] أعرف من أين أتيت، ثم ربط الدابة في الخان ورجع إِلى الصالحية فسأل عن الشيخ فعرفه فجاء إِليه فأسلم على يديه، وله أحوال وكرامات كثيرة جدًّا. وكان لا يقوم لأحد (٧) دخل عليه ويقول: إِنما يقوم الناس لرب العالمين، وكان المجد (٨) إِذا دخل عليه (٩) جلس بين يديه فيقول له: يا مُجَيْد (١٠) فعلت كذا وكذا ويأمره بما يأمره، وينهاه (١١) عما ينهاه عنه، وهو يمتثل جميع ما يقوله له، وما ذاك إِلا لصدقه في زهده وورعه وطريقه، وكان يقبل الفتوح، وكان لا يدَّخر منا (١٢) شيئًا لغد، وإِذا اشتد جوعه أخذ من ورق اللوز ففركه واستفَّه وشرب (١٣) فوقه الماء البارد، رحمه الله تعالى وأكرم مثواه. وذكروا أنه كان يحج في بعض السنين في الهواء، وقد وقع هذا لطائفة كثير (١٤) من الزهاد وصالحي العُبَّاد، ولم يبلغنا هذا عن أحد من أكابر العلماء، وأول من يذكر عنه هذا حبيب العجمي (١٥)، وكان من

стр. 6735

أصحاب الحسن البصري (١)، ثم من بعده من الصالحين رحمهم (٢) اللّه أجمعين. فلما كان يوم الجمعة من عشر ذي الحجة من هذه السنة صلى الشيخ عبد اللّه اليونيني صلاة (٣) الجمعة بجامع بعلبك، وكان قد دخل الحمام يومئذ قبل الصلاة وهو [سوي] صحيح، فلما انصرف من الصلاة (٤) قال للشيخ داود المؤذن، وكان يغسل الموتى، انظر كيف تكون غدًا (٥)، ثم صعد الشيخ إِلى زاويته فبات يذكر اللّه تعالى تلك الليلة ويتذكر أصحابه، ومن أحسن إِليه ولو بأدنى شيء ويدعو لهم، فلما دخل وقت الصُّبْح صلَّى بأصحابه ثم استند يذكر اللّه وفي يده سبحة (٦)، فمات وهو كذلك جالس لم يسقط، ولم تسقط السبحة من يده، فلما انتهى الخبر إِلى الملك الأمجد صاحب بعلبك جاء (٧) إِليه فعاينه كذلك فقال: لو بنينا عليه بنيانًا [وهو] هكذا لشاهَدَ الناس منه آيةً، فقيل له: ليس هذا من (٨) السُّنَّة، فنحي [وغُسِّل] وكُفِّن وصُلِّيَ عليه ودُفن تحتَ اللوزة التي كان يجلس تحتها يذكر اللّه تعالى (٩)، وكان الشيخ محمد الفقيه اليونيني (١٠) من جملة تلاميذه، وممن يلوذ به وهو جدُّ هؤلاء المشايخ بمدينة بعلبك. أبو عبد الله الحسين بن محمد بن أبي بكر بن المُجَلِّي الموصلي، ويعرف بابن الجهني. شاب فاضل ولي كتابة الإنشاء لبدر الدين لؤلؤ زعيم الموصل، ومن شعره: [من البسيط] نفسي فداءُ الذي فكَّرتُ فيه وقدْ … غدوتُ أغرقُ في بحرٍ من العجبِ يبدو بليلٍ على صبحٍ على قمرٍ … على قضيبٍ على وهمٍ على كثبِ ثم دخلت سنة ثمان عشرة وستمئة فيها استولت التتر (١١) على كثير من البلدان كمراغة (١٢) وهمذان وأردبيل وتبريز وكنجة، وقتلوا

стр. 6736

أهاليها (١) ونهبوا ما فيها، واستأسروا ذراريها، واقتربوا من بغداد فانزعج الخليفة لذلك (٢) وحصَّن بغداد واستخدم الأجناد، وقنت الناس في الصلوات والأوراد (٣). وفيها: قهروا الكُرْجَ واللَّانَ، ثم قاتلوا القفجاق (٤) فكسروهم، وكذلك الروس، وينهبون ما قدروا عليه من أموال هؤلاء ويسبون ذراريهم (٥). وفيها: سار المعظم إِلى أخيه الأشرف فاستعطفه على أخيه الكامل، وكان في نفسه موجدة عليه فأزالها وسارا جميعًا نحو الديار المصرية لمعاونة الكامل على الفرنج الذين قد أخذوا ثغر دمياط واستحكم أمرهم هنالك من سنة أربع عشرة، وعرض عليهم في بعض الأوقات أن يرد إِليهم بيت المقدس وجميع ما كان صلاح الدين فتحه من بلاد الساحل (٦) ويتركوا دمياط، فامتنعوا من ذلك ولم يفعلوا، فقدر اللّه تعالى أنهم ضاقت عليهم الأقوات فقدم عليهم مراكب فيها ميرة لهم فأخذها الأسطول البحري وأرسلت المياه على أراضي دمياط من كل ناحية، فلم يمكنهم بعد ذلك أن يتصرفوا في أنفسهم (٧)، وحصرهم المسلمون من الجهة الأخرى حتى اضطروهم إِلى أضيق الأماكن، فعند ذلك أنابوا إِلى المصالحة بلا معاوضة، فجاء مقدموهم إِليه وعنده أخواه المعظم عيسى وموسى الأشرف، وكانا قائمين بين يديه، وكان يومًا مشهودًا [وأمرا محمودًا]، فوقَّع الصلح على ما أراد الكامل محمد بيَّض اللّه وجهه، وملوك الفرنج والعساكر كلها واقفة بين يديه (٨)، ومدّ سماطًا عظيمًا، فاجتمع عليه المؤمنُ والكافرُ والبَرُّ والفاجرُ، وقام راجحُ الحلّي (٩) الشاعر فأنشد (١٠): [من الطويل] هنيئًا فإنَّ السعدَ راحَ مخلدًا … وقد أنجزَ الرحمنُ بالنصرِ موعدا

стр. 6737

حبانا إِلهُ الخلقِ فتحًا بدا لنا … مبينًا (١) وإِنعامًا وعِزًّا مُؤَبَّدا (٢) تهلَّلَ وجهُ الدهر بعدَ قُطُوبهِ … وأصبحَ وجهُ الشِّركِ بالظُّلْمِ أسودا ولما طَغَى البحْرُ الخِضَمُّ بأهلهِ الط … غاةِ وأَضحَى بالمراكبِ مُزْبِدا أقامَ لهذا الدينِ مَنْ سَلَّ عَزْمَه (٣) … صقيلًا كما سُلَّ الحسامُ مُجَرَّدا فلم ينجُ (٤) إِلا كلُّ شِلْوٍ مُجَدَّلٍ … ثَوَى منهمُ أو مَنْ تراهُ مُقَيَّدا ونادى لسانُ الكونِ في الأرضِ رافعًا … عقيرَتهُ في الخافِقَيْنِ ومُنْشِدا أَعُبَّادَ عِيسى إِنَّ عِيسى وحزبَهُ … وموسى جميعًا يخدمون (٥) محمدا قال أبو شامة (٦): وبلغني أنه أشار عند ذلك إِلى المعظم عيسى والأشرف موسى والكامل محمد، قال: وهذا من أحسن شيء اتفق. وكان ذلك يوم الأربعاء التاسع عشر من رجب من هذه السنة. وتراجعت الفرنج إِلى عكا وغيرها [من البلدان]، ورجع المعظم إِلى الشام واصطلح الأشرف والكامل على (٧) أخيهما المعظم. وفيها: وَلَّى الملك المعظم قضاءَ دمشق لجمال (٨) الدين المصري الذي كان وكيل بيت المال بها، وكان فاضلًا بارعًا يجلس في كل يوم جمعة قبل الصلاة بالعادلية بعد فراغها لإثبات المحاضر، ويحضر عنده في المدرسة جميع الشهود من كل المراكز حتى يتيسر على الناس إِثبات كتبهم في الساعة الواحدة، جزاه اللّه خيرًا. وممن توفي فيها من الأعيان: ياقوت الكاتب الموصلي (٩) ﵀ أمين الدين المشهور بطريقة ابن البواب.

стр. 6738

قال ابن الأثير (١): لم يكن في زمانه من [يكتب ما] (٢) يقاربه (٣)، ولا من يؤدي طريقة ابن البواب، وكانت لديه فضائل جمة والناس متفقون على الثناء عليه، وكان نعم الرجل. وقد قال فيه نجيب الدين الحسين بن علي الواسطي قصيدة يمدحه بها (٤): [من الخفيف] جامع شارد العلومِ ولولا … هـ لكانتْ أمُّ الفضائلِ ثَكْلَى ذو يراع تخافُ ريقَتهُ (٥) الأُسْ … دُ، وتعنو لهُ الكتائبُ ذُلَّا وإِذا افْتَرَّ ثَغْرُهُ عَن سَوادٍ … فِي بياض (٦) فالسُّمرُ والبيضُ خجلى أنتَ بدرٌ والكاتبُ ابن هلالٍ … كأبيهِ لا فَخْرَ فيمنْ تَوَلَّى إِن يكنْ أوَّلًا فإِنَّكَ بالتف … ضيلِ أَوْلَى فَقَد (٧) سَبَقْتَ وَصَلَّى (٨) جلال الدين الحسن (٩) من أولاد الحسن بن الصباح مقدَّم الإسماعيلية. وكان قد أظهر في قومه شعائر الإسلام، وحفظ الحدود والمحرمات والقيام فيها بالزواجر الشرعية. الشيخ الصالح (١٠) شهاب الدين محمد بن خَلَف بن راجِح المَقْدسي الحَنْبلي الزاهد العابد الناسك. كان يقرأ على الناس يوم الجمعة الحديثَ النبويَّ وهو جالس على أسفل منبر الخطابة بالجامع المُظَفَّري، وقد سمع الحديث الكثير، ورحل، وحفظ مقامات الحريري في خمسين ليلة، وكانت له فنونٌ كثيرةٌ، وكان ظريفًا مطبوعًا رحمه اللّه تعالى.

стр. 6739

والخطيب موفق الدين (١) أبو عبد اللّه عمر بن يوسف بن يحيى بن عمر بن كامل المقدسي، خطيب بيت الآبار، وقد ناب في دمشق (٢) عن الخطيب جمال (٣) الدين الدَّوْلَعي حين سار في الرسلية إِلى خوارزم شاه، حتى عاد. المحدث [البارع] تقي الدين (٤) أبو طاهر إِسماعيل بن عبد اللّه بن عبد المحسن بن الأنماطي. قرأَ الحديث ورحل وكتبه (٥)، وكان حسن الخَطِّ متقنًا في علوم الحديث، حافظًا له، وكان الشيخ تقي الدين بن الصلاح يثني عليه ويمدحه، وكانت له كتب (٦) بالبيت الغربي من الكلَّاسة الذي كان للملك المحسن (٧) بن صلاح الدين، ثم أخذ من ابن الأنماطي وسلم إِلى الشيخ عبد الصمد الدكالي (٨)، واستمر بيد أصحابه بعد ذلك، وكانت وفاته بدمشق ودفن بمقابر الصوفية وصلى عليه بالجامع الشيخ موفق الدين، وبباب النصر الشيخ فخر الدين بن عساكر (٩)، وبالمقبرة قاضي القضاة جمال الدين (١٠) المصري رحمه اللّه تعالى. أبو الغيث شعيب بن أبي طاهر بن كليب (١١) بن مُقبل الضرير الفقيه الشافعي. أقام ببغداد إِلى أن توفي [بها]، وكانت لديه فضائل وله رسائل، ومن شعره قوله: [من الطويل] إِذا كُنْتُمُ للنَّاسِ أهلَ سياسةٍ … فسُوسُوا كرامَ النَّاسِ بالجودِ والبَذْلِ وسُوسُوا لِئامَ النَّاسِ بالذلِ يُصْلَحُوا … عليهِ، فإِنَّ الذُّلَّ أصلحُ للنُّذْلِ

стр. 6740

أبو العِزّ مُشَرَّف (١) بن علي (٢) بن أبي جعفر بن كامل الخالصي المقرئ الضرير الفقيه الشافعي (٣). تفقَّه بالنظامية وسمع الحديث ورواه، وأنشد عن الحسن بن عمرو الحلبي: [من الطويل] تَمَثَّلْتُمُ لي والديارُ بعيدةٌ … فَخُيِّلَ لي أَنَّ الفؤادَ لكمْ مغنى (٤) وناجاكُمُ قلبي على البُعْدِ بَيْنَنَا … فَأَوْحَشْتُمُ لفظًا وآنَسْتُمُ مَعْنى أبو سليمان داود بن إبراهيم (٥) بن بندار (٦) الجيلي. أحد المعيدين بالمدرسة النظامية، ومما أنشده: [من الطويل] أيا جامعًا أَمْسِكْ عِنانكَ مُقْصِرًا … فإنَّ مطايا الدَّهْرِ تَكْبو وتقصرُ ستقرعُ سِنًّا أو تعضُّ ندامةً … يَدَيْكَ إِذا خانَ الزمانُ وتُبْصِرُ (٧) ويلقاك رشدٌ بعد غِيِّكَ واعظٌ (٨) … ولكنَّه يَلْقاكَ والأمرُ مُدْبِرُ أبو المظفر عبد الودود بن محمود بن المبارك (٩) بن علي بن المبارك بن الحسن الواسطي الأصل، البغدادي الدار والمولد، كمال الدين المعروف والده بالمُجير (١٠). تَفَقَّه على أبيه وقرأ عليه علم الكلام، ودرس بمدرسته (١١) عند باب الأزج، ووكله الخليفة الناصر واشتهر بالديانة والأمانة، وباشر مناصب كبارًا، وحجَّ مرارًا عديدة، وكان متواضعًا حسن الأخلاف وكان يقول: [من الطويل]

стр. 6741

وما تَرَكَتْ ستٌّ وستونَ حجةً … لنا حجةً أنْ نركبَ اللهوَ مركبا وكان ينشد [أيضًا]: من [مجزوء الكامل] العلمُ يأتي كُلَّ ذي … خَفْضٍ ويأبى (١) كلَّ آبي كالماءَ ينزلُ في الوها … دِ وليسَ يصعدُ في الروابي ثم دخلت سنة تسع عشرة وستمئة فيها نُقل تابوت العادل من القلعة إِلى تربته بالعادلية الكبيرة، فصُلي عليه أولًا تحت النسر بالجامع الأموي، ثم جاؤوا به إِلى التربة المذكورة فدفن فيها، ولم تكن (٢) المدرسة كملت بعد، وقد تكامل بناؤها في هذه السنة (٣) أيضًا، وذكر المدرس (٤) بها القاضي جمال الدين المصري، وحضر عنده السلطان المعظم فجلس في الصدر وعن شماله (٥) القاضي وعن يمينه جمال (٦) الدين الحَصِيري شيخ الحنفية، وكان في المجلس الشيخ تقي الدين بن الصلاح (٧) إِمام السلطان، والشيخ سيف الدين الآمدي (٨) (إِلى جانب المدرس)، وإِلى جانبه شمس الدين بن سنى الدولة (٩)، ويليه النجم خليل (١٠) قاضي العسكر، وتحت الحَصِيري شمس الدين بن الشيرازي (١١)، وتحته محيي الدين بن الزكي (١٢)، وفيه خلق من الأعيان والأكابر، وفيهم فخر الدين بن عساكر (١٣).

стр. 6742

وفيها: أرسل الملك المعظم الصدر البكري (١) محتسب دمشق إِلى جلال الدين بن خوارزم شاه يستعينه على أخويه الكامل والأشرف اللذين قد تمالأا عليه، فأجابه إِلى ذلك بالسمع والطاعة، ولما عاد الصدر المذكور أضاف إِليه مشيخة الشيوخ. وحج في هذه السنة الملك المسعود (٢) أقسيس بن الكامل صاحب اليمن فبدت منه أفعال ناقصة بالحرم [الشريف] من سكر ورشق حمام المسجد بالبندق من أعلى قبة زمزم، وكان إِذا نام في دار الإمارة يُضرب الطائفون بالمسعى بأطراف السيوف لئلا يشوِّشوا عليه وهو نائم (٣) نوم سكر قبَّحهُ اللّه، ولكنه (٤) كان مع هذا كلِّه مهيبًا محترمًا والبلاد به آمنة مطمئنة، وقد كاد (٥) يرفع سنجقَ أبيه يومَ عرفة على سنجق الخليفة فيجري بسبب ذلك فتنةٌ عظيمةٌ، وما مكَّن من طلوعه وصعوده إِلى الجبل إِلا في آخر النهار بعد جهد جهيد. وفيها: كان بالشام جرادٌ (٦) كثيرٌ أكلَ الزرعَ والثمارَ والأشجار (٧). وفيها: وقعت حروبٌ كثيرةٌ بين القفجاق (٨) والكرج، وقتالٌ كثيرٌ بسبب ضيق بلاد القفجاق عليهم. وفيها: ولي قضاءَ القضاةِ ببغداد أبو عبد اللّه محمد بن فضلان (٩). ولبس الخلعة في باب دار الوزارة مؤيد الدين محمد بن محمد القمي (١٠) بحضرة الأعيان والكبراء، وقُرئ تقليده بحضرتهم وساقه ابن الساعي بحروفه. وممن توفي فيها من الأعيان: عبد القادر بن داود (١١) أبو محمد الواسطي الفقيه الشافعي الملقب بالمُحبّ.

стр. 6743

استقل بالنظامية دهرًا، واشتغل بها (١)، وكان فاضلًا دينًا صالحًا، ومما أنشده من الشعر قوله (٢): [من الكامل] الفرقدانِ كلاهما شهدا له … والبدرُ ليلةَ تِمِّهِ بسهادهِ دَنِفٌ إِذا اعتبقَ الظلام تضرمت … نارُ الجوى في صدرهِ وفؤادهِ فجرتْ مدامعُ جفنهِ في خدّهِ … مثلَ المسيلِ يسيلُ من أطوارهِ (٣) شوقًا إِلى مضنيه لم أرَ هكذا … مشتاقَ مُضنًى جسمهُ ببعادهِ ليتَ الذي أضناهُ سحرُ جفونِه … قبلَ الممات يكونُ من عُوّادهِ أبو طالب يحيى بن علي (٤) البعقوبي (٥) الفقيه الشافعي أحد المعيدين (٦) ببغداد. كان شيخًا مليح الشيبة جميل الوجه، كان يلي بعض الأوقاف، ومما أنشده لبعض الفضلاء: [من الوافر] لحملُ تِهامةٍ وجبالِ أُحْد … وماءُ البحرِ ينقلُ بالزَّبيلِ ونقلُ الصخرِ فوقَ الظهر عُريًا (٧) … لأهونُ من مجالسةِ الثقيلِ ولبعضهم أيضًا، [وهو مما أنشده المذكور] (٨): وإِذا مضى للمرءَ من أعوامهِ … خمسون (٩) وهو إِلى التقى لا يجنحُ عكفتْ عليهِ المُخْزِياتُ بقَوْلها (١٠) … حالفتنا، فأقمْ كذا لا تبرحُ وإِذا رأى الشيطانُ غرَّةَ وجههِ … حيًّا، وقالَ فَدَيْتُ مَنْ لا يُفْلِحُ

стр. 6744

اتفق أنه طُولبَ بشيء من المال فلم يقدر عليه، فاستعمل شيئًا من الأفيون المصري فمات من يومه ودفن بالوردية. وفيها توفي: قطب الدين [بن] العادل (١) بالفيُّوم ونقل إِلى القاهرة. وفيها: توفي إمام الحنابلة بمكة الشيخ نصر بن أبي الفرج (٢) المعروف بابن الحُصْري، جاور بمكة مدة لم يسافر، ثم ساقَتْهُ المنيةُ إِلى اليمن، فمات بها في هذه السنة. وقد سمع الحديث من جماعة من المشايخ. الشهاب الحنبلي (٣) وفيها: في ربيع الأول توفي بدمشق الشهاب عبد الكريم بن نجم الحنبلي أخو البهاء (٤) والناصح (٥). وكان فقيهًا مناظرًا بصيرًا بالمحاكمات. وهو الذي أخرج مسجد الوزير من يد الشيخ علَم الدين السخاوي (٦) رحمه الله تعالى بمنه وكرمه. ثم دخلت سنة عشرين وستمئة فيها: عاد الأشرف موسى بن العادل من عند أخيه الكامل صاحب مصر [إِلى الشام]. فتلقاه أخوه المعظم وقد فهم أنهما تمالأا عليه، فبات ليلةً بدمشق وسار من آخر الليل، ولم يشعر أخوه بذلك، فسار إِلى بلاده فوجد أخاه الشهاب غازي الذي استنابه على خلاط وميَّافارقين وقد قوَّوا رأسه، وكاتبه (٧) المعظم

стр. 6745

وصاحب (١) إِربل وحسَّنوا له مخالفة الأشرف، فكتب إِليه الأشرف ينهاه عن ذلك فلم يقبل، فجمع له العساكر ليقاتله. وفيها: سار أقسيس الملك المسعود (٢) صاحب اليمن ابن الكامل من اليمن إِلى مكة شرفها اللّه تعالى فقاتله حسن بن قتادة ببطن مكة بين الصفا والمروة، فهزمه أقسيس وشرده، واستقل بملك مكة مع اليمن، وجرت أمور فظيعة وتشرد حسن بن قتادة قاتل أبيه وعمه وأخيه في تلك الشعاب والأودية. وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ الإمام موفق الدين بن قدامة المقدسى (٣) مصنّف "المغني" في الفقه. عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن قدامة (٤)، الشيخ موفق الدين أبو محمد المقدسي. إِمام عالم بارع. لم يكن في عصره، بل ولا قبل دهره بمدة أفقه منه، ولد بجَمَّاعيل (٥) في شعبان سنة إِحدى وأربعين وخمسمئة، وقدم مع أهله إِلى دمشق في سنة إِحدى وخمسين، وقرأ القرآن وسمع الحديث الكثير، ورحل مرتين إِلى العراق، إِحداهما في سنة إِحدى وستين مع ابن خالته (٦) الحافظ عبد الغني، والأخرى سنة سبع وستين، وحجَّ في سنة ثلاث وسبعين، وتفقّه ببغداد على مذهب الإمام أحمد، وبرع وأفتى وناظر وتبحَّر في فنونٍ كثيرة، مع زُهْدٍ وعبادةٍ وورعٍ وتواضعٍ وحسن أخلاق وجودٍ وحياءٍ وحسن سمتٍ ونورٍ وبهاءٍ وكثرةِ تلاوةٍ وصلاةٍ وصيام وقيامٍ وطريقةٍ حسنةٍ واتِّباع للسلفِ الصالح، وكانت له أحوالٌ ومكاشفاتٌ. وقد قال الشافعي رحمه اللّه تعالى: إِن لم يكن العلماء (٧) العاملون أولياء اللّه فلا أعلم للّه وليًا. وكان يؤمُّ الناس في الصلاة بمحراب (٨) الحنابلة هو والشيخ العماد، (فلما توفي العماد) استقل هو

стр. 6746

بالوظيفة، فإن غاب صلَّى عنه أبو سليمان عبد الرحمن (١) بن الحافظ عبد الغني (٢)، وكان يتنفَّل بين العشاءين بالقرب من محرابه، فإذا صلى العشاء انصرف إِلى منزله بدرب الدولعي بالرَّصيف، وأخذ معه من الفقراء من تيسَّر يأكلون معه من طعامه. وكان منزله الأصلي بقاسيون فينصرف بعض الليالي بعد العشاء إِلى الجبل، فاتفق في بعض الليالي أن خَطَفَ رجلٌ عمامتَه وكان فيها كاغد (٣) فيه رمل، فقال له الشيخ: خذ الكاغدَ وألقِ العمامةَ، (فظنَّ الرجلُ أَنَّ (٤) ذلك نفقة فأخذه وألقى العمامة). وهذا يدلُّ على ذكاءٍ مفرطٍ واستحضارٍ (٥) حسن في الساعةِ الراهنةِ، حتى خلَّصَ عمامَتَهُ من يده بتلطُّفٍ. وله مصنفاتٌ عديدةٌ مشهورةٌ، منها "المُغْني" في شرح مختصر الخرقي في عشرة مجلدات، و"الكافي" (٦) في مجلدين و"المقنع" للحفظ، و"الروضة" في أصول الفقه، وغير ذلك من التصانيف المفيدة. وكانت (وفاته) في يوم عيد الفطر في هذه السنة، وقد بلغ الثمانين، وكان يوم سبت، وحضر جنازته خلق كثير، ودُفن بتربته المشهورة، ورؤيت له مناماتٌ صالحةٌ رحمه اللّه تعالى. وكان له أولاد ذكورٌ وإِناثٌ، ماتوا (٧) في حياته. ولم يعقب منهم سوى ابنه عيسى ولدين ثم ماتا وانقطع نسله. قال أبو المظفر سبط (٨) ابن الجوزي (٩): نقلت من خط الشيخ موفق [الدين] رحمه اللّه تعالى (١٠): [مجزوء الكامل] لا تَجْلسَنَّ بباب منْ … يَأْبى عليكَ دخولَ (١١) دارِهْ

стр. 6747

وتقولُ (١) حاجاتي إِلي … هِ يعوقها إِن لم أُدارِهْ فاتركه (٢) واقصدْ ربَّها … تُقْضَى ورب الدارِ كارِهْ ومما أنشده الشيخ موفق الدين لنفسه رحمه اللّه تعالى ورضي عنه قوله (٣): [من الطويل] أَبَعْدَ بياضِ الشَّعْرِ أَعْمرُ مسكنًا … سوى القبر، إِنّي إِن فَعَلْتُ لأَحْمَقُ يخبّرني شيبي بأنيَ مَيِّتٌ … وشيكًا، وينعاني إِليَّ فيصدقُ (٤) يُخَرِّقُ عُمْري كُلُّ يومٍ وليلةٍ … فَهَلْ مُسْتَطِيعٌ رَفْوَ ما يتخرَّقُ (٥) كأني بجسمي فوقَ نعشي ممدَّدًا … فمن ساكتٍ أو معولٍ يتحرقُ (٦) إِذا سُئِلوا عنّي أجابوا وأعولو (٧) … وأدمعهم تنهلُّ هذا المُوَفَّقُ وغُيِّبْتُ في صدعٍ من الأرضِ ضَيِّقٍ … وأُودِعْتُ لحدًا فوقَه (٨) الصَّخْرُ مُطْبِقُ ويَحْثو عليَّ التُّرْبَ أوثقُ صاحبٍ … ويُسْلِمُني للقبرِ مَنْ هُوَ مُشْفِقُ فيا ربِّ كُنْ لي مؤنسًا يومَ وحشتي … فإِني بما أنزلتَهُ لمصدِّقُ (٩) وما ضَرَّني أنّي إِلى اللّه صائرٌ … ومَنْ هوَ منْ أهلي أبرُّ وأرفَقُ (١٠) فَخْرُ الدِّين ابن عَسَاكِر (١١)، عبد الرحمن بن [محمد بن] الحسن بن هِبَة الله بن عَساكر، [فخر الدين]، أبو منصور الدمشقي شيخ الشافعية بها.

стр. 6748

وأُمُّه (١) أسماء بنت محمد بن الحسن بن طاهر القرشية (٢) المعروف والدها بأبي البركات بن الران (٣)، وهو الذي جدد مسجد القدم في سنة سبع عشرة وخمسمئة وبه قبره وقبرها، ودفن هناك طائفة كبيرة (٤) من العلماء، وهي أخت آمنة (٥) والدة القاضي محيي الدين محمد بن علي بن الزكي (٦). اشتغل الشيخ فخر الدين من صغره بالعلم الشريف على شيخه قطب الدين مسعود النيسابوري (٧)، فتزوج (٨) بابنته ودرَّسَ مكانَهُ بالجاروخية، وبها كان يسكن في إِحدى القاعتين اللتين أنشأهما وبها توفي غربي الإيوان، ثم تولى تدريس الصلاحيَّة الناصرية بالقدس الشريف، ثم ولَّاه العادل تدريس التقوية، وكان عنده أعيانُ الفضلاء، ثم تفرَّغ فلزم المجاورة في الجامع في البيت الصغير إِلى جنب محراب الصحابة يخلو فيه للعبادة والمطالعة والفتاوى، وكانت (٩) تفد إِليه من الأقطار، وكان كثير الذِّكر حسن السمت، وكان يجلس تحت النّسر في كل إثنين وخميس مكانَ عمّه لإسماع الحديث بعد العصر، فيقرأ عليه "دلائل النبوة" وغيره، وكان يحضر مشيخة دار الحديث النورية، ومشهد ابن عروة أول ما فتح، وقد استدعاه الملك العادل بعد ما عزل قاضيه [زكي الدين] (١٠) ابن الزكي فأجلسه إِلى جانبه وقت السماط، وسأل منه أن يلي القضاء بدمشق، فقال حتى أستخير اللّه تعالى، ثم امتنع من ذلك فشق (١١) على السلطان امتناعه، وهمَّ أن يؤذيه فقيل له احمدِ الله الذي في بلادك (١٢) مثل هذا.

стр. 6749

ولما توفي العادل وأعاد ابنه المعظم الخمورَ أنكر عليه الشيخ فخر الدين، فبقي في نفسه منه، فانتزع منه تدريس الصلاحية التي بالقدس وتدريس التقوية، ولم يبق معه سوى الجاروخية ودار الحديث النُّورية ومشهد ابن عروة (١)، وكانت وفاته يوم الأربعاء بعد العصر عاشر رجب من هذه السنة وله خمس وستون سنة، وصُلِّي عليه بالجامع وكان يومًا مشهودًا، وحُملت جنازته إِلى مقابر الصوفية فدفن في أولها قريبًا من قبر شيخه قطب الدين مسعود. وابن عروة: شرف الدين محمد بن عروة الموصلي (٢) المنسوب إِليه مشهد ابن عروة - ويقول الناس: مشهد عروة - بالجامع الأموي، لأنه أول من فتحه، وقد (٣) كان مشحونًا بالحواصل الجامعية وبنى فيه البِرْكَة ووقف فيه على الحديث درسًا، وأوقف (٤) خزائن كتب فيه، وكان مقيمًا بالقدس الشريف ولكنه كان من خواص أصحاب الملك المعظم، فانتقل إِلى دمشق حين خرب سور بيت المقدس إِلى أن توفي بها، وقبرُه عند قباب أتابك طغتكين قبلي المُصَلَّى رحمه اللّه تعالى. الشيخ أبو الحسن الروزبهاري (٥) ودفن بالمكان المنسوب إِليه [بين السورين] عند باب الفراديس (٦). الشيخ عبد الرحمن اليمني (٧) [الذي] كان مقيمًا بالمنارة الشرفية. وكان صالحًا زاهدًا ورعًا [وفيه مكارم أخلاق] (٨)، ودفن بمقابر الصوفية. الرئيس عز الدين المظفر بن أسعد (٩) بن حمزة التميمي ابن القلانسي. أحد رؤساء دمشق وكبرائها، وجده أبو يعلى حمزة، له تاريخ ذَيَّل به على ابنِ عساكر، وقد سمع

стр. 6750

عزُّ الدين هذا الحديث من الحافظ أبي القاسم ابن عساكر وغيره، ولزم مجالسة الكندي وانتفع به. الأمير الكبير (١) أحد حجاب الخليفة محمد بن سليمان بن قُتُلْمِش بن تُرْكانْشاه أبو (٢) منصور السَّمَرْقَنْدِي. وكان من أولاد الأمراء، وولي حاجب الحجّاب بالديوان العزيز الخليفتي، وكان يكتب جيدًا جدًّا. وله معرفة حسنة بعلوم كثيرة، منها الأدب والعلوم الرياضية (٣)، وعمر دهرًا، وله حظ من نظم الشعر الحسن (٤) ومن شعره قوله (٥): [من المتقارب] سئمتُ تكاليفَ هذي الحياة … وكرّ (٦) الصباحِ بها والمساءْ وقد كنتُ كالطِّفلِ في عقلة (٧) … قليلَ الصَّوابِ كثيرَ الهراء (٨) أنامُ إِذا كنتُ في مجلس … وأسهرُ عندَ دخولِ الغناءْ وقَصَّرَ خطويَ قيدُ المشيبِ … وطالَ على ما عناني عناءْ (٩) وغودرتُ كالفرخِ في عُشِّهِ … وخَلَّفْتُ حلمي وراءَ وراءْ (١٠) وما جَرَّ ذلكَ غيرُ البقاء … فكيفَ بدا سوءُ فعلِ البقاءْ وله أيضًا، وهو من شعره الحسن ﵀: [من الوافر] إِلهي يا كثيرَ العفوِ غفرًا (١١) … لما أسلفتُ في زمنِ الشبابِ فقد سَوَّدْتُ في الآثامِ وجهًا … ذليلًا خاضعًا لكَ في التُّرابِ فَبَيِّضْهُ بحسنِ العفوِ عنّي … وسامحني وخفِّفْ من عذابي

стр. 6751

ولما توفي صُلِّي عليه بالنظامية ودفن بالشونيزية، ورآه بعضهم في المنام فقال: ما فعل بك ربك؟ فقال: [من الوافر] تحاشيتُ اللقاءَ لسوءِ فعلي … وخوفًا في المعادِ من الندامَهْ فلمَّا أنْ قدمتُ على إِلهي … وحاقَقَ في الحسابِ على قلامَهْ وكانَ العدلُ أن أَصْلَى جحيمًا … تعطَّفَ بالمكارمِ والكرامهْ وناداني لسانُ العفو منه … ألا يا عبدُ يهنيكَ السلامهْ (١) أبو علي الحسن بن أبي المحاسن زهرة (بن الحسن (٢) بن زهرة) العلوي الحسيني (٣) (الحلبي)، نقيب الأشراف بها. كان (٤) لديه فضل وعلم بالأدب والعربية وأخبار الناس (٥) والتواريخ والسير والحديث، ضابطًا حافظًا للقرآن المجيد (٦)، وله شعر جيد فمنه قوله: [من الخفيف] لقد رأيتُ المعشوقَ وهو من الهج … رِ بحالٍ (٧) تَنْبو النَّواظرُ عَنْهُ أَثَّرَ الدَّهْرُ فيهِ آثارَ سُوءٍ … وأدالتْ يدُ الحوادثِ منهُ عاد مُسْتَبْذِلًا ومُسْتَبْدِلًا (٨) عزً … ا بِذُلٍّ كَأَنَّهُ لم يَصُنْهُ أبو علي يحيى بن المبارك (٩) بن الجَلاجُلي (١٠). من أبناء التجار، سمع الحديث، وكان جميلَ الهيئة يسكن بدار الخلافة، وكان عنده علم وله شعر حسن، فمنه قوله: [من الخفيف] خيرُ إِخوانكَ المشاركُ في المرِّ … وأينَ الشريكُ في المرِّ أينا

стр. 6752

الذي إِن شهدتَ سرَّكَ في القو … مِ وإِن غبتَ كانَ أُذنًا وعينا مثلُ [سرِّ] العقيقِ (١) إِنْ مَسَّهُ النَّا … رُ جَلاهُ الجلاءُ فازدادَ زينا وأخو السوءِ إِن يغبْ عنكَ يشنئـ … كَ وإِن يحتضرْ (٢) يكُنْ ذاكَ شينا جيبُهُ غيرُ ناصحٍ ومناهُ … أن يصبَّ الخليلُ إِفكًا ومينا فَاصْرِمَنْه (٣) ولا تَلهَّفْ عليهِ … إِنَّ غُرْمًا له كَنَقْدِكَ دَيْنا (٤) ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وستمئة فيها وصلت سريةٌ من جهة جنكيز خان غير الأوليين (٥) إِلى الريِّ، وكانت قد عمرت قليلًا فقتلوا أهلها أيضًا، ثم ساروا إِلى ساوة، ثم إِلى قم وقاشان، ولم تكونا طرقتا إِلا هذه المرة، ففعلوا بها مثل ما تقدم من القتل والسبي، ثم ساروا إِلى همذان فقتلوا أيضًا وسبوا، ثم ساروا إِلى خلف الخوارزمية إِلى أذربيجان فكسروهم (٦) وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، فهربوا منهم إِلى تبريز فلحقوهم وكتبوا إِلى ابن البهلوان: إِن كنت مصالحًا لنا فابعث لنا (٧) بالخوارزمية وإِلا فأنت مثلهم، فقتل منهم خلقًا وأرسل برؤوسهم إليهم، مع تحفٍ وهدايا [كثيرة، هذا كله وإِنما كانت هذه السرية ثلاثة آلاف والخوارزمية وأصحاب [ابن] البهلوان] (٨) أضعاف أضعافهم، ولكن اللّه تعالى ألقى عليهم (٩) الخذلان والفشل، فإنا للّه وإِنَّا إِليه راجعون. وفيها: ملك غياث الدين بن خوارزم شاه بلاد فارس مع ما في يده (١٠) من مملكة أصفهان وهمذان. وفيها: استعاد الملك الأشرف مدينة خلاط من أخيه شهاب الدين غازي، وكان قد جعلها إِليه مع جميع بلاد أرمينية وميافارقين وحاني (١١) وجبل جور (١٢)، وجعله ولي عهده من بعده، فلما عصى عليه

стр. 6753

وتشعب دماغه بما كتب إِليه المعظم من تحسينه له مخالفته، فركب إِليه وحاصره (١) بخلاط فسلمت إِليه وامتنع أخوه في القلعة، فلما كان الليل نزل إِلى أخيه معتذرًا فقبل عذره ولم يعاقبه بل أقره على ميّافارقين وحدها، وكان صاحب إِربل والمعظم متفقين (٢) مع الشهاب غازي على الأشرف، فكتب الكامل إِلى [أخيه] المعظم يتهدده لئن ساعد على الأشرف ليأخذنه وبلاده، وكان بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل مع الأشرف، فركب إِليه صاحب إِربل فحاصره بسبب قلّة جنده لأنه أرسلهم إِلى الأشرف حين نازل خلاط، فلما انفصلت الأمور على ما ذكرنا ندم صاحب إِربل، والمعظم بدمشق أيضًا. وفيها: أرسل المعظم ولده الناصر داود إِلى صاحب إِربل يقويه (٣) على مخالفة الأشرف، وأرسل صوفيًا من السميساطية يقال له الملّق إِلى جلال الدين بن خوارزم شاه وكان قد أخذ أذربيجان في هذه السنة وقوي جأشه - يتفق معه على أخيه الأشرف، فوعده النصر والرفادة. وفيها: قدم الملك المسعود أقسيس ملك (٤) اليمن على أبيه الكامل بالديار المصرية ومعه شيء كثير من الهدايا والتحف، من ذلك مئتا خادم وثلاثة أفيلة هائلة، وأحمال عود وند ومسك وعنبر، وخرج أبوه الكامل لتلقِّيه ومن نية أقسيس أن ينزع الشام من يدعمّه المعظم. وفيها: كمل عمارة دار الحديث الكاملية بمصر، وولي مشيخثها الحافظ أبو الخطاب ابن دحية الكلبي، وكان مكثارًا كثير الفنون، وعنده فوائد وعجائب (٥) رحمه اللّه تعالى. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد (٦) بن علي القادسي (٧) الضرير الحنبلي (٨)، والد صاحب الذيل على تاريخ ابن الجوزي.

стр. 6754

وكان القادسي هذا يلازم حضور مجلس الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، ويزهره لما يسمعه من الغرائب، ويقول واللّه إِن ذا مليح، فاستقرض منه الشيخ مرة عشرة دنانير فلم يعطه، وصار يحضر ولا يتكلم، فقال الشيخ مرة: هذا القادسي لا يقرضنا شيئًا ولا يقول واللّه إِن ذا مليح؟ رحمهم اللّه تعالى، وقد طُلب القادسي مرة إِلى دار المستضيء ليصلي بالخليفة التراويحَ فقيل له والخليفة يسمع: ما مذهبُك؟ فقال حنبلي، فقال له لا تصل بدار الخلافة وأنت حنبلي، فقال أنا حنبلي ولا أصلي بكم، فقال الخليفة: اتركوه لا يصلي بنا إِلا هو، فصلى بهم. أبو الكرم المظفر بن المبارك (١) بن أحمد [بن محمد] (٢) البغدادي الحنفي شيخ مشهد أبي حنيفة وغيره. ولي الحسبة بالجانب الغربي من بغداد، وكان فاضلًا ديّنًا شاعرًا فمن شعر (٣) قوله: [من الطويل] فَصُنْ بجميلِ الصَّبْرِ نَفسَكَ واغتنمْ … شريفَ المَزايا لا يَفُتْكَ ثَوابُها وعش (٤) سالمًا والقولُ فيكَ مُهَذَّبٌ … كريمًا وقد هانتْ عليكَ صِعابُها وتندرجُ الأيامُ والكُلُّ ذاهِبٌ … يَمُرُّ (٥) ويَفْنَى عذْبُها وعَذابُها وما (٦) الدهرُ إِلا مرُّ يومٍ وليلةٍ … وما العمرُ إِلا طيُّها وذهابُها وما الحزمُ إِلا في ادّخار (٧) عزيمةٍ … وفيكَ (٨) المَعالي صفْوُها ولبابها ودع عنكَ أحلامَ (٩) الأماني فإِنهُ … سيسفرُ يومًا غيُّها وصَوَابُها محمد بن أبي الفرج بن بركة (١٠) الشيخ فخر الدين أبو المعالي الموصلي.

стр. 6755

قدم بغداد واشتغل بالنظامية وأعاد بها، وكانت له معرفة بالقراءات، وصنّف كتابًا في مخارج الحروف، وأسند الحديث وله شعر لطيف. أبو بكر بن حلبة الموازيني البغدادي كان فردًا في علم الهندسة وصناعة الموازين يخترع أشياء عجيبة، من ذلك أنه ثقب حبة خشخاش سبعة ثقوب وجعل في كل ثقب شعرة، وكان له حظوة عند الدولة. أحمد بن جعفر بن أحمد (١) بن محمد أبو العباس الدُّبَيْثي (٢) البَيِّع الواسطي. شيخ أديب فاضل له نظم ونثر، عارف بالأخبار والسير، وعنده كتب جيدة كثيرة، وله شرح قصيدة لأبي العلاء المعري في ثلاث مجلدات، وقد أورد له ابن الساعي شعرًا حسنًا فصيحًا حلوًا لذيذًا في السمع لطيفًا في القلب. ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وستمئة فيها: عاثت الخوارزميةُ حين قدموا مع جلال الدين بن خوارزم شاه من بلاد الهند مقهورين من التتار إِلى بلاد خوزستان ونواحي العراق، فأفسدوا فيه وحاصروا مدنه ونهبوا قراه (٣). وفيها: استحوذ جلال الدين بن خوارزم شاه على بلاد أذربيجان وكثيرًا من بلاد الكرج، وكسر الكرج وهم في سبعين ألف مقاتل، فقتل منهم عشرين ألفًا من المقاتلة، واستفحل أمره جدًّا وعظم شأنه، وفتح تفليس فقتل منها ثلاثين ألفًا. وزعم (٤) أبو شامة أنه قتل من الكرج سبعين ألفًا في المعركة، وقتل من تفليس تمام المئة ألف، وقد (٥) اشتغل بهذه الغزوة عن قصد بغداد، وذلك أنه لما حاصر دقوقا سبه أهلها ففتحها قسرًا (٦) وقتل من أهلها خلقًا كثيرًا، وخرب سورها وعزم على قصد الخليفة ببغداد لأنه فيما زعم عمل على أبيه حتى هلك، واستولت التتر (٧) على البلاد، وكتب إِلى المعظم بن العادل يستدعيه لقتال الخليفة ويحرضه على ذلك، فامتنع المعظم من ذلك، ولما علم الخليفة بقصد جلال الدين بن خوارزم

стр. 6756

شاه بغداد انزعج لذلك وحصَّن بغداد واستخدم الجيوش والأجناد، وأنفق (١) في الناس ألف ألف دينار، وكان جلال الدين قد بعث جيشًا إِلى الكرج فكتبوا (٢) إِليه أن أدركنا قبل أن نهلك عن آخرنا، وبغداد ما تفوت، فسار إِليهم وكان من أمره ما ذكرنا. وفيها: كان غلاء شديد بالعراق والشام بسبب قلة الأمطار وانتشار الجراد، ثم أعقب (٣) ذلك فناء كثير (٤) بالعراق والشام أيضًا، فمات بسببه خلق كثير في البلدان، فإنا للّه وإِنا إِليه راجعون. وفاة الخليفة الناصر لدين الله (٥) وخلافة ابنه الظاهر لما كان يوم الأحد آخر يوم من شهر رمضان المعظم من هذه السنة توفي الخليفة الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن المستضيء بأمر اللّه (أبي محمد الحسن ابن المستنجد بالله) (٦)، أبي المظفر يوسف بن المقتفي لأمر اللّه، أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله، أبي العباس (٧) أحمد بن المقتدي بأمر اللّه، أبي القاسم عبد اللّه بن الذخيرة محمد (٨) بن [القائم بأمر اللّه، أبي جعفر عبد الله بن القادر باللّه، أبي العباس أحمد (٩) بن إِسحاق] (١٠) بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد باللّه أبي العباس أحمد بن الموفق، أبي أحمد محمد (١١) بن المتوكل على اللّه جعفر بن المعتصم باللّه أبي إِسحاق محمد بن هارون الرشيد بن المهدي محمد بن عبد اللّه أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي، أمير المؤمنين.

стр. 6757

ولد ببغداد عاشر رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمئة، وبويع له بالخلافة بعد موت أبيه سنة خمس وسبعين، وتوفي في هذه السنة وله من العمر تسع وستون سنة وشهران وعشرون يومًا، وكانت مدة خلافته سبعًا وأربعين سنة إِلا شهرًا، ولم يقم أحد من الخلفاء العباسيين قبله في الخلافة هذه المدة الطويلة، ولم تطل مدة أحد من الخلفاء مطلقًا أكثر من المستنصر العبيدي، أقام بمصر حاكمًا ستين سنة، وقد انتظم في نسبه أربعة عشر خليفة، وولي (١) عهد على ما رأيت، وبقية الخلفاء العباسيين كلّهم من أعمامه وبني عمه. وكان مرضه قد طال به وجمهوره (١) من عسار البول، مع أنه كان يُجْلَب له الماء من مراحل عن بغداد ليكونَ أصفَى، وشُقَّ ذَكَرُهُ مراتٍ بسبب ذلك، ولم يُغْنِ عنه هذا الحذر شيئًا. وكان الذي ولي غسله محيي الدين ابن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، وصلَّى عليه ودُفن في دار الخلافة، ثم نُقل إِلى الترب من الرصافة في ثاني ذي الحجة من هذه السنة، وكان يومًا مشهودًا. قال ابن الساعي: وأما سيرته فقد تقدمت في الحوادث. وأما ابن الأثير في "كامله" (٢) فإنه قال: وبقي الناصر لدين الله ثلاثَ سنين عاطلًا عن الحركة بالكليّة، وقد ذهبت إِحدى عينيه والأخرى يبصر بها إِبصارًا ضعيفًا، وآخر الأمر أصابه دوسنطارية عشرين يومًا ومات، ووزر (٣) له عدةُ وزراء، وقد تقدم ذكرهم، ولم يطلق في أيام مرضه ما كان أحدثه من الرسوم الجائرة. وكان قبيحَ السيرة في رعيته ظالمًا لهم، فخرب في أيامه العراق وتفرق أهله في البلاد، وأخذ أموالهم وأملاكهم، وكان يفعل الشيء وضدَّه، فمن ذلك أنه عمل دُورًا (٤) للإِفطار في رمضان، ودورًا (٥) لضيافة الحجاج، ثم أبطل ذلك، وكان قد أسقط مكوسًا ثم أعادها وجعل جلّ همّه في رمي البندق والطيور المناسيب وسراويلات (٦) الفتوة. قال ابن الأثير: وإِن كان ما ينسبه العجم إِليه صحيحًا من أنه هو الذي أطمع التتار في البلاد وراسلهم فهو الطامة الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب عظيم. قلت: وقد ذكر عنه أشياء غريبة، من ذلك أنه كان يقول للرسل الوافدين عليه فعلتم في مكان كذا

стр. 6758

كذا، وفعلتم في الموضع الفلاني كذا، حتى ظنَّ بعض الناس أو (١) أكثرهم أنه كان يكاشَفُ (٢) أو أن جنِّيًا يأتيه بذلك، والله أعلم (٣). خلافة الظاهر بن الناصر (٤) لما توفي الخليفةُ الناصرُ لدين الله كانَ قد عهد إِلى ابنه أبي نصر محمد هذا ولقبه بالظاهر، وخُطب له على المنابر، ثم عزله عن ذلك بأخيه علي، فتوفي في حياة أبيه سنة ثنتي عشرة، فاحتاج إِلى إِعادة هذا لولاية (٥) العهد فخطب له ثانيًا، فحين توفي [أبوه] بويع [له] بالخلافة، وعمره يومئذ ثنتان وخمسون سنة، فلم يل الخلافة أحد (٦) بني العباس أسنّ منه، وكان عاقلًا (٧) وقورًا دينًا عادلًا محسنًا، ردّ مظالم كثيرة وأسقط مكوسًا كان قد أحدثها أبوه، وسار في الناس سيرة حسنة (٨)، حتى قيل: إِنه لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز أعدلَ منه لو طالت مدّته، لكنه لم يحل إِلى الحول، بل كانت مدته تسعة أشهر، أسقط الخراج الماضي عن الأراضي التي قد تعطَّلت، ووضع عن أهل بلدة واحدة وهي بَعْقُوبا (٩) سبعين ألف دينار كان أبوه قد زادها عليهم في الخراج، وكانت صنجة (١٠) المخزن تزيد على صنجة البلد نصف دينار في كل مئة إِذا قبضوا وإِذا أقبضوا دفعوا بصنجة البلد، فكتب إِلى الديوان ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ١ - ٦]. فكتب إِليه بعض الكتاب يقول: يا أمير المؤمنين إِن تفاوت هذا عن العام الماضي خمسة وثلاثون ألفًا، فأرسل ينكر عليه ويقول: هذا يترك وإِن كان تفاوته ثلاثمئة ألف وخمسين ألفًا، ﵀.

стр. 6759

وأمر القاضي (١) أَنَّ كلَّ من ثبت (٢) له حق بطريقٍ شرعي يوصلُ إِليه بلا مراجعة. وأقام في النظر على الأموال الحشرية (٣) رجلًا صالحًا. واستخلص على القضاء الشيخ العلامة عماد الدين أبا صالح نصر بن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلي (٤) في يوم الأربعاء ثامن ذي الحجة، فكان (٥) من خيار المسلمين (٦) ومن القضاة العادلين، ﵏ أجمعين. ولما عُرض عليه القضاء لم يقبله إِلا بشرط أن يورّث ذوي الأرحام، فقال: أعط كلَّ ذي حقّ حقَّه واتّقِ اللهَ ولا تتق سواه. وكان من عادة أبيه أن يرفع إِليه حراسُ الدروب في كل صباح (٧) بما كان عندهم في المحال من الاجتماعات الصالحة والطالحة، فلما ولي الظاهر أمر بتبطيل ذلك كلّه وقال: أي فائدة في كشف أحوال الناس وهتك أستارهم؟ فقيل له: إِن ترك ذلك يفسد الرعية، فقال نحن ندعو الله لهم أن يصلحهم، وأطلق من كان في السجون معتقلًا على الأموال الديوانية، وردّ عليهم ما كان استخرج منهم قبل ذلك من المظالم وأرسل إِلى القاضي بعشرة آلاف دينار يوفي بها ديون من في سجونه من المدينين (٨) الذين لا يجدون وفاءً، وفرّق في العلماء بقية المئة ألف، وقد لامه بعض الناس في هذه التّصرفات فقال: إِنما فتحت الدكان بعد العصر، فذروني أعمل صالحًا وأفعل الخير، فكم مقدار ما بقيت أعيش؟! ولم تزل هذه سيرته حتى توفي في العام الآتي كما سياتي. ورخصت الأسعار في أيامه وقد كانت قبل ذلك في غاية (٩) الغلاء حتى أنه فيما حكى ابن الأثير (١٠) أُكلت الكلاب والسنانير (١١) ببلاد الجزيرة والموصل، فزال ذلك والحمد لله. وكان [هذا الخليفة الظاهر] (١٢) حسنَ الشكلِ مليحَ الوجهِ أبيضَ مُشْربًا حمرة (١٣) حلوَ الشمائلِ شديدَ القوى.

стр. 6760

وممن توفي في هذه السنة (١) أيضًا من الأعيان: أبو الحسن علي الملقب بالملك الأفضل (٢) نور الدين ابن السلطان صلاح الدين يوسف (٣) بن أيوب. كان ولي عهد أبيه، وقد ملك دمشق بعده مدة سنتين ثم أخذها منه عمه العادل، ثم كاد أن يملك الديار المصرية بعد أخيه العزيز فأخذها منه عمه العادل أبو بكر، ثم اقتصر على ملك صرخد فأخذها منه أيضًا عمه العادل، ثم آل به الحال أن ملك سميساط (٤) وبها توفي في هذه السنة، وكان فاضلًا شاعرًا جيد الكتابة، ونقل إِلى مدينة حلب فدفن بها بظاهرها. وقد ذكر ابن خلكان (٥) أنه كتب إِلى الخليفة الناصر لدين الله يشكو إِليه عمه أبا بكر وأخاه عثمان وكان الناصر شيعيًا مثله (٦): [من البسيط] مولاي إِنَّ أبا بكرٍ وصاحبهُ … عثمان قد غصبا بالسيفِ حقَّ عَلي وهو الذي كانَ قد ولّاهُ والدهُ … عليهما فاستقامَ الأمرُ حينَ وَلي فخالفاهُ وحلّا عقدَ بيعته … والأمرُ بينهما والنصُّ فيه جَلي فانظر إِلى حظِّ هذا الاسم كيف لقي … من الأواخرِ ما لاقى من الأُوَلِ (٧) الأمير سيف الدين علي (٨) بن الأمير علم الدين سليمان (٩) بن جَنْدَر (١٠).
следующие страницы →