← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

شاه بغداد انزعج لذلك وحصَّن بغداد واستخدم الجيوش والأجناد، وأنفق (١) في الناس ألف ألف دينار، وكان جلال الدين قد بعث جيشًا إِلى الكرج فكتبوا (٢) إِليه أن أدركنا قبل أن نهلك عن آخرنا، وبغداد ما تفوت، فسار إِليهم وكان من أمره ما ذكرنا. وفيها: كان غلاء شديد بالعراق والشام بسبب قلة الأمطار وانتشار الجراد، ثم أعقب (٣) ذلك فناء كثير (٤) بالعراق والشام أيضًا، فمات بسببه خلق كثير في البلدان، فإنا للّه وإِنا إِليه راجعون. وفاة الخليفة الناصر لدين الله (٥) وخلافة ابنه الظاهر لما كان يوم الأحد آخر يوم من شهر رمضان المعظم من هذه السنة توفي الخليفة الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن المستضيء بأمر اللّه (أبي محمد الحسن ابن المستنجد بالله) (٦)، أبي المظفر يوسف بن المقتفي لأمر اللّه، أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله، أبي العباس (٧) أحمد بن المقتدي بأمر اللّه، أبي القاسم عبد اللّه بن الذخيرة محمد (٨) بن [القائم بأمر اللّه، أبي جعفر عبد الله بن القادر باللّه، أبي العباس أحمد (٩) بن إِسحاق] (١٠) بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد باللّه أبي العباس أحمد بن الموفق، أبي أحمد محمد (١١) بن المتوكل على اللّه جعفر بن المعتصم باللّه أبي إِسحاق محمد بن هارون الرشيد بن المهدي محمد بن عبد اللّه أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي، أمير المؤمنين.

стр. 6757

ولد ببغداد عاشر رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمئة، وبويع له بالخلافة بعد موت أبيه سنة خمس وسبعين، وتوفي في هذه السنة وله من العمر تسع وستون سنة وشهران وعشرون يومًا، وكانت مدة خلافته سبعًا وأربعين سنة إِلا شهرًا، ولم يقم أحد من الخلفاء العباسيين قبله في الخلافة هذه المدة الطويلة، ولم تطل مدة أحد من الخلفاء مطلقًا أكثر من المستنصر العبيدي، أقام بمصر حاكمًا ستين سنة، وقد انتظم في نسبه أربعة عشر خليفة، وولي (١) عهد على ما رأيت، وبقية الخلفاء العباسيين كلّهم من أعمامه وبني عمه. وكان مرضه قد طال به وجمهوره (١) من عسار البول، مع أنه كان يُجْلَب له الماء من مراحل عن بغداد ليكونَ أصفَى، وشُقَّ ذَكَرُهُ مراتٍ بسبب ذلك، ولم يُغْنِ عنه هذا الحذر شيئًا. وكان الذي ولي غسله محيي الدين ابن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، وصلَّى عليه ودُفن في دار الخلافة، ثم نُقل إِلى الترب من الرصافة في ثاني ذي الحجة من هذه السنة، وكان يومًا مشهودًا. قال ابن الساعي: وأما سيرته فقد تقدمت في الحوادث. وأما ابن الأثير في "كامله" (٢) فإنه قال: وبقي الناصر لدين الله ثلاثَ سنين عاطلًا عن الحركة بالكليّة، وقد ذهبت إِحدى عينيه والأخرى يبصر بها إِبصارًا ضعيفًا، وآخر الأمر أصابه دوسنطارية عشرين يومًا ومات، ووزر (٣) له عدةُ وزراء، وقد تقدم ذكرهم، ولم يطلق في أيام مرضه ما كان أحدثه من الرسوم الجائرة. وكان قبيحَ السيرة في رعيته ظالمًا لهم، فخرب في أيامه العراق وتفرق أهله في البلاد، وأخذ أموالهم وأملاكهم، وكان يفعل الشيء وضدَّه، فمن ذلك أنه عمل دُورًا (٤) للإِفطار في رمضان، ودورًا (٥) لضيافة الحجاج، ثم أبطل ذلك، وكان قد أسقط مكوسًا ثم أعادها وجعل جلّ همّه في رمي البندق والطيور المناسيب وسراويلات (٦) الفتوة. قال ابن الأثير: وإِن كان ما ينسبه العجم إِليه صحيحًا من أنه هو الذي أطمع التتار في البلاد وراسلهم فهو الطامة الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب عظيم. قلت: وقد ذكر عنه أشياء غريبة، من ذلك أنه كان يقول للرسل الوافدين عليه فعلتم في مكان كذا

стр. 6758

كذا، وفعلتم في الموضع الفلاني كذا، حتى ظنَّ بعض الناس أو (١) أكثرهم أنه كان يكاشَفُ (٢) أو أن جنِّيًا يأتيه بذلك، والله أعلم (٣). خلافة الظاهر بن الناصر (٤) لما توفي الخليفةُ الناصرُ لدين الله كانَ قد عهد إِلى ابنه أبي نصر محمد هذا ولقبه بالظاهر، وخُطب له على المنابر، ثم عزله عن ذلك بأخيه علي، فتوفي في حياة أبيه سنة ثنتي عشرة، فاحتاج إِلى إِعادة هذا لولاية (٥) العهد فخطب له ثانيًا، فحين توفي [أبوه] بويع [له] بالخلافة، وعمره يومئذ ثنتان وخمسون سنة، فلم يل الخلافة أحد (٦) بني العباس أسنّ منه، وكان عاقلًا (٧) وقورًا دينًا عادلًا محسنًا، ردّ مظالم كثيرة وأسقط مكوسًا كان قد أحدثها أبوه، وسار في الناس سيرة حسنة (٨)، حتى قيل: إِنه لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز أعدلَ منه لو طالت مدّته، لكنه لم يحل إِلى الحول، بل كانت مدته تسعة أشهر، أسقط الخراج الماضي عن الأراضي التي قد تعطَّلت، ووضع عن أهل بلدة واحدة وهي بَعْقُوبا (٩) سبعين ألف دينار كان أبوه قد زادها عليهم في الخراج، وكانت صنجة (١٠) المخزن تزيد على صنجة البلد نصف دينار في كل مئة إِذا قبضوا وإِذا أقبضوا دفعوا بصنجة البلد، فكتب إِلى الديوان ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ١ - ٦]. فكتب إِليه بعض الكتاب يقول: يا أمير المؤمنين إِن تفاوت هذا عن العام الماضي خمسة وثلاثون ألفًا، فأرسل ينكر عليه ويقول: هذا يترك وإِن كان تفاوته ثلاثمئة ألف وخمسين ألفًا، ﵀.

стр. 6759

وأمر القاضي (١) أَنَّ كلَّ من ثبت (٢) له حق بطريقٍ شرعي يوصلُ إِليه بلا مراجعة. وأقام في النظر على الأموال الحشرية (٣) رجلًا صالحًا. واستخلص على القضاء الشيخ العلامة عماد الدين أبا صالح نصر بن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلي (٤) في يوم الأربعاء ثامن ذي الحجة، فكان (٥) من خيار المسلمين (٦) ومن القضاة العادلين، ﵏ أجمعين. ولما عُرض عليه القضاء لم يقبله إِلا بشرط أن يورّث ذوي الأرحام، فقال: أعط كلَّ ذي حقّ حقَّه واتّقِ اللهَ ولا تتق سواه. وكان من عادة أبيه أن يرفع إِليه حراسُ الدروب في كل صباح (٧) بما كان عندهم في المحال من الاجتماعات الصالحة والطالحة، فلما ولي الظاهر أمر بتبطيل ذلك كلّه وقال: أي فائدة في كشف أحوال الناس وهتك أستارهم؟ فقيل له: إِن ترك ذلك يفسد الرعية، فقال نحن ندعو الله لهم أن يصلحهم، وأطلق من كان في السجون معتقلًا على الأموال الديوانية، وردّ عليهم ما كان استخرج منهم قبل ذلك من المظالم وأرسل إِلى القاضي بعشرة آلاف دينار يوفي بها ديون من في سجونه من المدينين (٨) الذين لا يجدون وفاءً، وفرّق في العلماء بقية المئة ألف، وقد لامه بعض الناس في هذه التّصرفات فقال: إِنما فتحت الدكان بعد العصر، فذروني أعمل صالحًا وأفعل الخير، فكم مقدار ما بقيت أعيش؟! ولم تزل هذه سيرته حتى توفي في العام الآتي كما سياتي. ورخصت الأسعار في أيامه وقد كانت قبل ذلك في غاية (٩) الغلاء حتى أنه فيما حكى ابن الأثير (١٠) أُكلت الكلاب والسنانير (١١) ببلاد الجزيرة والموصل، فزال ذلك والحمد لله. وكان [هذا الخليفة الظاهر] (١٢) حسنَ الشكلِ مليحَ الوجهِ أبيضَ مُشْربًا حمرة (١٣) حلوَ الشمائلِ شديدَ القوى.

стр. 6760

وممن توفي في هذه السنة (١) أيضًا من الأعيان: أبو الحسن علي الملقب بالملك الأفضل (٢) نور الدين ابن السلطان صلاح الدين يوسف (٣) بن أيوب. كان ولي عهد أبيه، وقد ملك دمشق بعده مدة سنتين ثم أخذها منه عمه العادل، ثم كاد أن يملك الديار المصرية بعد أخيه العزيز فأخذها منه عمه العادل أبو بكر، ثم اقتصر على ملك صرخد فأخذها منه أيضًا عمه العادل، ثم آل به الحال أن ملك سميساط (٤) وبها توفي في هذه السنة، وكان فاضلًا شاعرًا جيد الكتابة، ونقل إِلى مدينة حلب فدفن بها بظاهرها. وقد ذكر ابن خلكان (٥) أنه كتب إِلى الخليفة الناصر لدين الله يشكو إِليه عمه أبا بكر وأخاه عثمان وكان الناصر شيعيًا مثله (٦): [من البسيط] مولاي إِنَّ أبا بكرٍ وصاحبهُ … عثمان قد غصبا بالسيفِ حقَّ عَلي وهو الذي كانَ قد ولّاهُ والدهُ … عليهما فاستقامَ الأمرُ حينَ وَلي فخالفاهُ وحلّا عقدَ بيعته … والأمرُ بينهما والنصُّ فيه جَلي فانظر إِلى حظِّ هذا الاسم كيف لقي … من الأواخرِ ما لاقى من الأُوَلِ (٧) الأمير سيف الدين علي (٨) بن الأمير علم الدين سليمان (٩) بن جَنْدَر (١٠).

стр. 6761

كان من أكابر الأمراء (١) بحلب، وله الصدقات الكثيرة ووقف بها مدرستين إِحداهما على الشافعية والأخرى على الحنفية، وبنى الخانات والقناطر وغير ذلك من سبل الخيرات [وغزا] الغزوات ﵀. الشيخ علي الكردي (٢) المُوَلَّه المقيم بظاهر باب الجابية. قال أبو شامة (٣): وقد اختلفوا فيه، فبعض الدماشقة يزعم أنه كان صاحب (٤) كرامات، وأنكر ذلك آخرون، وقالوا ما رآه أحد يصلي ولا يصوم ولا لبس مداسًا، بل كان يدوس النجاسات [ويدخل المسجد على حاله] (٥)، وقال آخرون كان له تابع من الجن يتحدث على لسانه، وحكى السبط (٦) عن امرأة قالت جاء خبر بموت أمي باللاذقية أنها ماتت وقال لي بعضهم إِنها لم تمت، قالت فمررت به وهو قاعد عند المقابر فوقفت عنده فرفع رأسه وقال لي (٧) ماتت ماتت إِيش تعملين؟ فكان كما قال. وحكى (٨) لي عبد الله صاحبي قال جُعْتُ (٩) يومًا وما كان معي شيء فاجتزت به فدفع إِلي نصف درهم وقال: يكفي هذا للخبز والفت بدبس، وقال: مرَّ (١٠) يومًا على الخطيب جمال (١١) الدين الدولعي فقال (١٢) (له): يا شيخ علي أكلت (١٣) اليوم كسيرات يابسة وشربت عليها الماء فكفتني، فقال له الشيخ علي الكردي وما تطلب نفسك شيئًا آخر غير هذا؟ قال لا، فقال يا مسكين (١٤) من يقنع بكسرة يابسة يحبس نفسه في هذه المقصورة (١٥) ولا يقضي ما فرضه الله عليه من الحج.

стр. 6762

الفخر ابن تيمية (١) محمد بن أبي القاسم (٢) بن محمد الشيخ فخر الدين أبو عبد الله بن تيمية الحرَّاني، عالمها (٣) وخطيبها وواعظها. اشتغل على مذهب الإمام أحمد وبرع فيه وبرز وحصل وجمع تفسيرًا حافلًا في مجلدات كثيرة، وله الخطب المشهورة المنسوبة إِليه، وهم عم الشيخ مجد الدين صاحب "المنتقى في الأحكام". قال أبو المظفر (٤) سبط ابن الجوزي: سمعته يوم جمعة بعد الصلاة وهو يعظ الناس، ينشد: [من السريع] أحبابنا قد نَدَرتْ مقلَتي … ما تَلْتَقي بالنومِ أو نَلْتقي رِفقًا بقلبٍ مُغْرَمٍ واعطِفوا … على سِقامِ الجسدِ المحرَقِ (٥) كم تمطلوني بليالي اللّقا … قد ذَهَبَ العمرُ ولم نَلْتَقِ وقد ذكرنا أنه قدم بغداد حاجًا بعد وفاة شيخه أبي الفرج بن الجوزي ووعظ بها في مكان وعظه (٦). الوزير ابن شكر (٧) صفي الدين أبو محمد عبد الله بن علي (بن الحسين) (٨) بن عبد الخالق بن شكر، ولد بالديار المصرية بدَمِيرَة (٩) بين مصر وإِسكندرية سنة أربعين وخمسمئة، ودفن بتربته عند مدرسته بمصر، وقد وزر للملك العادل وعمل أشياء في أيامه، منها تبليط جامع دمشق وأحاط سور المُصَلَّى عليه،

стр. 6763

وعمل الفوارة ومسجدها وعمارة جامع المزة، وقد نكب وعزل سنة خمس عشرة وستمئة وبقي معزولًا إِلى هذه السنة فكانت (فيها) وفاته (١)، وقد كان مشكور السيرة، ومنهم من يقول كان ظالمًا، فالله أعلم. أبو إِسحاق إِبراهيم بن المظفر (٢) بن إِبراهيم بن علي المعروف بابن البَرْني (٣) الواعظ البغدادي. أخذ الفنَّ عن شيخه أبي الفرج بن الجوزي وسمع الحديث الكثير، ومن شعره قوله في الزهد (٤): ما هذهِ الدُّنْيا بدارِ مَسرَّةٍ … فَتَخوُّفي (٥) مَكْرًا لها وخِدَاعا بَيْنا الفَتى فيها يُسَرُّ بِنَفْسِهِ … وبِمالِهِ يَسْتَمْتِعُ اسْتِمْتَاعا حَتَّى سَقَتْهُ مِنَ المَنِيَّةِ شَرْبَةً … وَحَمَتْهُ فيهِ بعدَ ذاكَ رِضاعا (٦) فغدا بما كسبتْ يداهُ رَهِينةً … لَا يستَطِيعُ لما عَرَتْهُ (٧) دِفاعا لَوْ كانَ يَنْطِقُ قالَ من تَحْتِ الثَّرَى … فَلْيُحْسِنِ العَمَلَ الفَتَى ما اشطَاعا (٨) البهاء السِّنجاري (٩) أبو السعادات أسعد بن يحيى (١٠) بن موسى الفقيه الشافعي الشاعر. قال ابن خلّكان (١١): كان فقيهًا ويتكلَّم في الخلاف، إِلا أنه غلب عليه الشعر، وأجاد (١٢) فيه واشتهر بنظمه وخدم به الملوك، وأخذ منهم الجوائز وطاف البلاد، وله ديوان بالتربة الأشرفية بدمشق، ومن رقيق شعره ورائقه قوله: [من الكامل]

стр. 6764

وهواكِ ما خطرَ السُّلوُّ ببالهِ … ولأنتِ أعلمُ في الغرامِ بِحالهِ ومتى وشى واشٍ إِليكِ بأنهُ … سالٍ هواكِ فذاكَ من عُذّالهِ أو ليسَ للكلفِ المُعَنَّى شاهدٌ … من حالهِ يُغْنيكِ عن تسآلهِ جددتِ ثوبَ سقامهِ وهتكتِ ست … ــرَ غرامهِ وصرمتِ حبلَ وصالهِ وهي قصيدة طويلة (١) امتدح فيها القاضي كمال الدين الشهرزوري. وله (٢): [من السريع] للهِ أيامي على رامةٍ … وطيبِ أوقاتي على حاجرِ تكادُ للسرعةِ في مَرِّها … أولها يعثرُ بالآخِرِ وكانت وفاته في هذه السنة عن تسعين سنة ﵀ بمنه وفضله. عثمان بن عيسى (٣) بن درباس بن فِيْر (٤) بن جَهْم (٥) بن عَبْدُوس (٦) الهَذَبَاني (٧) الماراني (٨) ضياء الدين أخو القاضي صدر الدين (٩) عبد الملك حاكم الديار المصرية في الدولة الصلاحية. وضياء الدين هذا هو شارح "المهذب" (١٠) إِلى كتاب الشهادات في نحو من عشرين مجلدًا، وشرح "اللمع" في أصول الفقه و"التنبيه" (١١) للشرازي، وكان (١٢) بارعًا عالمًا بالمذهب ﵀.

стр. 6765

أبو الحسن علي بن الحسن الرازي ثم البغدادي الواعظ، عنده فضائل وله شعر حسن، فمنه قوله في الزهد: [من الخفيف] اِسْتَعدّي يا نَفْسُ للموتِ وَاسْعَيْ … لِنَجَاةٍ فالحازِمُ الْمُسْتَعِدُّ قد تبينتِ أَنَّه ليسَ للحي … خلودٌ ولا مِنَ المَوْتِ بُدُّ إِنَّما أَنْتِ مستعيرةٌ ما سو … فَ تردِّينَ والعواري تُردُّ أَنْتِ تَسْهَيْنَ والحوادِثُ لا … تَسْهُو وَتَلهينَ والمنايا تَجِدُّ لا ترجّي البقاءَ في معدنِ المو … تِ ولا أرضًا بها لَكِ ورْدُ (١) أيُّ مُلْكٍ في الأرضِ أم أيُّ حَظٍّ … لامرئً حظُّهُ من الأرضِ لحدُ؟ كيفَ يَهْوى امرؤٌ لذاذةَ أيا … مٍ عليهِ الأَنفاسُ فيها تعدُّ أبو محمد عبد الله بن (علي بن) (٢) أحمد (٣) بن الزيتوني (٤)، البَوَازِيجي (٥) ثم البغدادي. شيخٌ فاضلٌ له روايةٌ، ومما أنشده: [من الخفيف] ضَيَّقَ العُذْرَ في الضَّراعةِ أنَّا … لو قَنِعْنا بقسمنا لَكَفانا ما لنا نعبدُ العبادَ إِذا كا … نَ إِلى اللهِ فقرُنا وغنانا أبو الفضل عبد الرحيم بن نصر الله بن علي بن منصور بن الكَيّال الواسطي. من بيت الفقه والقضاء (٦)، وكان أحد المعدّلين ببغداد ومن شعره (٧): [من الطويل] فتبًّا لدنيا لا يدومُ نعيمُها … تُسِرُّ يسيرًا ثم تُبدي المساويا تُريكَ رواء (٨) في النّقابِ وزخرفًا … وتسفرُ عن شوهاء طحياء عاميا

стр. 6766

ومن ذلك قوله: [من الكامل] إِن كنتُ بعد الطاعتين تسامحتْ … بالفحصِ أجفاني فما أجفاني أو كنتُ من بعدِ الأحبَّةِ ناظرًا … حسنًا بإِنساني فما أنساني الدهرُ مغفورٌ لهُ زلاتهُ … إِن عادَ أوطاني على أوطاني أبو علي الحسن (١) بن علي بن الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمار بن فهر (٢) بن وقاح الياسري نسبة إِلى عمار بن ياسر. شيخ بغدادي فاضل، له مصنفات في التفسير والفرائض، وله خطب ورسائل وأشعار حسنة وكان مقبول الشهادة عند الحكام. أبو بكر محمد بن يوسف بن الطباخ الواسطي البغدادي الصوفي، باشر بعض الولايات ببغداد، ومما أنشده: [من المنسرح] ما وهبَ اللهُ لامرئٍ هبة … أحسنَ من عقلهِ ومن أدبهْ نعما جمالُ الفتى فإِن فقدا … ففقدهُ للحياةِ أجمل بهْ ابن يونس (٣) شارحِ "التنبيه" أبو الفضل أحمد بن الشيخ [العلامة] كمال الدين أبي الفتح موسى بن يونس بن محمد بن مَنعة بن مالك بن محمد بن سعد بن سعيد بن عاصم بن عابد بن كعب بن قيس بن إِبراهيم الإربلي الأصل ثم الموصلي. من بيت العلم والرئاسة، اشتغل على أبيه في فنونه وعلومه فبرع وتقدم. وقد درس وشرح "التنبيه" واختصر "إِحياء علوم الدين" للغزالي مرتين صغيرًا وكبيرًا، وكان يدرس منه. قال ابن خلّكان (٤): وقد ولي بإِربل مدرسة الملك المظفر بعد موت والدي في سنة عشر وستمئة، وكنت أحضر عنده وأنا صغير ولم أر أحدًا يدرس مثله، ثم صار إِلى بلده سنة سبع عشرة، ومات في يوم الإثنين الرابع والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة عن سبع وأربعين سنة رحمه الله تعالى.

стр. 6767

ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وستمئة فيها: التقى الملك جلال الدين بن خوارزم شاه الخوارزمي مع الكُرْج فكسرهم كسرة عظيمة، وصمد إِلى أكبر معاقلهم (١) تفليس ففتحها عنوة وقتل من فيها من الكفرة وسبى ذراريهم ولم يتعرض لأحد من المسلمين الذين كانوا بها، واستقرّ ملكه عليها، وقد كان الكُرْج أخذوها من المسلمين في سنة خمس عشرة وخمسمئة، وهي بأيديهم إِلى الآن حتى استنقذها منهم جلال الدين هذا، فكان (٢) فتحًا عظيمًا ولله الحمد والمنة. وفيها: سار إِلى خلاط ليأخذها من نائب الملك الأشرف فلم يتمكن من أخذها وقاتله أهلها قتالًا عظيمًا فرجع عنهم بسبب اشتغاله بعصيان نائبه بمدينة كرمان وخلافه له، فسار إِليهم وتركهم. وفيها: اصطلح الملكُ الأشرفُ مع أخيه المعظم وسار إِليه إِلى دمشق، وكان المعظّم ممالئًا (٣) عليه مع جلال الدين وصاحب إِربل وصاحب ماردين وصاحب الروم، وكان مع الأشرف أخوه الكامل وصاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ، ثم استمال أخاه المعظم إِلى ناحيته فقوي (٤) جانبه. وفيها: كان قتال كبير (٥) بينَ إِبرنس (٦) إِنطاكية وبين الأرمن، وجرت خطوب كثيرة بينهم. وفيها: أوقع الملك جلال الدين بالتركمان الإيوانية (٧) بأسًا شديدًا، وكانوا يقطعون الطرق (٨) على المسلمين. وفيها: قدم محيي الدين يوسف بن الشيخ جمال الدين بن الجوزي من بغداد في الرسلية إِلى الملك المعظم بدمشق، ومعه الخلع والتشاريف لأولاد العادل من الخليفة الظاهر بأمر الله، ومضمون الرسالة نهيه عن موالاة جلال الدين بن خوارزم شاه، فإنه خارجي من عزمه (٩) قتال الخليفة وأخذ بغداد منهم،

стр. 6768

فأجابه إِلى ذلك (١) وركب القاضي محيي الدين بن الجوزي إِلى الملك الكامل بالديار المصرية، وكان ذلك أول قدومه إِلى الشام ومصر، وحصل له جوائز كثيرة من الملوك، منها كان بناء مدرسته (٢) الجوزية بالنشابين بدمشق. وفيها: ولي تدريس الشبلية بالسفح شمس الدين [محمد بن] (٣) قزغلي سبط ابن الجوزي بمرسوم الملك المعظم، وحضر عنده أول يوم القضاة والأعيان. وفاة الخليفة الظاهر [وخلافة ابنه المستنصر] (٤) كانت وفاة الخليفة (٥) ﵀ يوم الجمعة ضحى الثالث عشر من رجب من هذه السنة، أعني سنة ثلاث وعشرين وستمئة، ولم يعلم الناس بموته إِلا بعد الصلاة، فدعا له الخطباء يومئذ على المنابر على عادتهم وكانت (٦) خلافته تسعة أشهر وأربعة عشر يومًا، وعمره اثنتان وخمسون سنة، وكان من أجود بني العباس سيرة وأحسنهم سريرة (٧)، وأكثرهم عطاءً وأحسنهم منظرًا ورواءً، ولو طالت مدته لصلحت الأمة صلاحًا كثيرًا على يديه، ولكن أحب الله تقريبه وإِزلافه لديه، فاختار له ما عنده وأجزل له إِحسانه (٨) ورفده، وقد ذكرنا ما اعتمده في أول ولايته من إِطلاق الأموال الديوانية ورد المظالم وإِسقاط المكوس، وتخفيف الخراج عن الناس، وأداء الديون عَمَّن عجز عن أدائها (٩)، والإحسان إِلى العلماء والفقراء وتولية ذوي الديانة والأمانة (١٠). وقد كان كتب كتابًا لولاة الرعية فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، اعلموا أنه ليس إِمهالنا إِهمالًا، ولا إِغضاؤنا إغفالًا، ولكن لنبلوكم أيكم أحسن عملًا، وقد غفرنا لكم ما سلف من إِخراب (١١) البلاد وتشريد الرعايا وتقبيح السمعة، وإِظهار

стр. 6769

الباطل الجلي في صورة الحق الخفي، حيلةً ومكيدةً، وتسمية الاستئصال والاجتياح استيفاءً واستدراكًا لأغراض انتهزتم فرصها مختلسة من براثن ليث باسل، وأنياب أسد مهيب، تتفقون بألفاظ مختلفة على معنى واحد، وأنتم أمناؤه وثقاته فتميلون رأيه إِلى هواكم (١)، وتمزجون باطلكم (٢) بحقه، فيطيعكم وأنتم له عاصون، ويوافقكم وأنتم له مخالفون، والآن قد بدل الله (٣) سبحانه بخوفكم أمنًا، وبفقركم غنى، وبباطلكم حقًا، ورزقكم سلطانًا يقيل (٤) العثرة، ولا يؤاخذ إِلا من أصر، ولا ينتقم إِلا ممن استمر، يأمركم بالعدل وهو يريده منكم، وينهاكم عن الجور وهو يكرهه لكم، يخاف الله تعالى فيخوِّفكم (٥) مكره، ويرجو الله تعالى ويرغبكم في طاعته، فإِن سلكتم مسالك نواب خلفاء الله في أرضه وأمنائه على خلقه، وإِلا هلكتم والسلام". ووجد في داره رقاع (٦) مختومة لم يفتحها سترًا للناس وردءًا عن أعراضهم ﵀. وقد خلف من الأولاد عشرة ذكورًا وإِناثًا، منهم ابنه الأكبر الذي بويع له بالخلافة من بعده أبو جعفر المنصور، ولقب بالمستنصر بالله. وغسله الشيخ محمد الخياط الواعظ، ودفن في دار الخلافة، ثم نقل إِلى الترب من الرصافة. خلافة المستنصر بالله العباسي (٧) أمير المؤمنين أبي جعفر منصور بن الظاهر محمد بن الناصر أحمد، بويع بالخلافة يوم مات أبوه يوم جمعة ثالث عشر رجب من هذه السنة، سنة ثلاث وعشرين وستمئة، استدعوا به من التاج (٨) فبايعه الخاصة والعامة من أهل الحل والعقد، وكان يومًا مشهودًا، وكان عمره يومئذ خمسًا وثلاثين سنة (٩) وخمسة أشهر وأحد عشر يومًا، وكان من أحسن الناس شكلًا وأبهاهم منظرًا، وهو كما قال القائل: [من الطويل]

стр. 6770

كَأَنَّ الثُّرَيا عُلّقَتْ فِي جَبينهِ … وفي خَدِّهِ الشِّعْرى وفي وَجْهِهِ القَمَرُ وفي نسبه الشريف خمسة عشر خليفة، منهم خمسة من آبائه وُلُّوا نسقًا، وتلقى هو الخلافة عنهم وراثةً كابرًا عن كابر، وهذا شيء لم يتّفق لأحد من الخلفاء قبله، وسار في الناس كسيرة أبيه الظاهر في الجود وحسن السيرة والإحسان إِلى الرعية، وبنى المدرسة الكبيرة المستنصرية التي لم تبن مدرسة في الدنيا مثلها، وسيأتي بيان ذلك في موضعه إِن شاء الله، واستمر أرباب الولايات الذين كانوا في عهد أبيه على ما كانوا عليه. ولما كان يوم الجمعة المقبلة خطب للإمام المستنصر بالله على المنابر ونثر الذهب والفضة عند ذكر اسمه (١)، وكان يومًا مشهودًا، وأنشد الشعراء المدائح والمراثي، وأطلقت لهم الخلع والجوائز، وقدم رسولٌ من صاحب الموصل يوم غرَّة شعبان الوزير ضياء الدين أبو الفتح (٢) نصر الله بن الأثير، (يحمل رسالة) (٣) فيها التهنئة والتعزية بعبارة فصيحة بليغة. ثم إِن المستنصر بالله كان يواظب على حضور الجمعة راكبًا ظاهرًا للناس، وإِنَّما معه خادمان وركبدار (٤)، وخرج مرة وهو راكب فسمع ضجة عظيمة فقال: ما هذا؟ فقيل له: التأذين، فترجَّل عن مركوبه (٥) وسعى ماشيًا، ثم صار يدمن المشي إِلى الجمعة رغبة في التواضع والخشوع، ويجلس قريبًا من الإمام ويستمع الخطبة، ثم أصلح له المطبق فكان يمشي فيه إِلى الجمعة، وركب في الثاني والعشرين (٦) من شعبان ركوبًا ظاهرًا للنّاس عامة، ولما كانت أول ليلة من رمضان تصدّق بصدقات كثيرة من الدقيق والغنم والنفقات على العلماء والفقراء والمحاويج، إِعانة لهم على الصيام، وتقوية لهم على القيام. وفي يوم السابع والعشرين من رمضان نقل تابوت الظاهر (٧) من دار الخلافة إِلى التربة (٨) من الرصافة، وكان يومًا مشهودًا، وبعث الخليفة المستنصر يوم الجد صدقات كثيرة وإِنعامًا جزيلًا إِلى الفقهاء والصوفية وأئمة المساجد، على يدي محيي الدين ابن الجوزي. وذكر ابن الأثير (٩) أنه كانت زلزلة عظيمة في هذه السنة، هدّمت شيئًا كثيرًا من القرى والقلاع (١٠) ببلادهم.

стр. 6771

وذكر أنه ذبح شاة ببلدهم فوجد لحمها مُرًّا حتى رأسها وأكارعها. وممن توفي فيها من الأعيان بعد الخليفة الظاهر كما تقدم: الجمال المصري (١) يونس بن بَدْران بن فَيْروز جمال الدين المصري، قاضي القضاة [بدمشق] في هذا الحين. اشتغل وحصل وبرع، واختصر كتاب "الأم" للإمام الشافعي، وله "كتاب مطول في الفرائض"، وولي تدريس الأمينية بعد التقي صالح الضرير (٢) الذي قتل نفسه، ولّاه إِياه الوزير صفي الدين بن شكر، وكان معتنيًا بامره ثم ولي وكالة بيت المال بدمشق [، وترسل إلى الملوك والخلفاء عن صاحب دمشق، ثم ولاه المعظم قضاء القضاة بدمشق] (٣) بعد عزله الزكي ابن الزكي، وولاه تدريس العادلية الكبيرة، حين كمل بناؤها، فكان أول من درس بها وحضر (٤) الأعيان كما ذكرنا. وكان يقول أولًا درسًا في التفسير حتى أكمل التفسير إِلى آخره، ويقول درس الفقه بعد التفسير، [ثم توفي عقب ذلك] وكان يعتمد في أمر إِثبات السجلات اعتمادًا حسنًا، وهو أنه كان يجلس في كل يوم جمعة بكرة ويوم الثلاثاء ويستحضر عنده في إِيوان العادلية جميع شهود البلد، ومن كان له كتاب يثبته حضر واستدعى شهوده فأدوا على الحاكم وثبت ذلك سريعًا، وكان يجلس كل يوم جمعة بعد العصر إِلى الشباك الكمال بمشهد عثمان فيحكم حتى يصلي المغرب، وربما مكث حتى يصلي العشاء أيضًا، وكان كثير المذاكرة للعلم كثير الاشتغال حسن الطريقة، لم ينقم عليه أنه أخذ شيئًا لأحد. قال أبو شامة (٥): وإِنما كان ينقم عليه أنه كان يشير على بعض الورثة بمصالحة بيت المال، وأنه استناب ولده التاج محمدًا ولم يكن مَرضيَّ الطريقة، وأما هو فكان عفيفًا في نفسه نزهًا مهيبًا. قال أبو شامة (٦): وكان يدَّعي أنه قرشي شيبي فتكلَّم الناس فيه بسبب ذلك، وتولَّى القضاء بعده شمس الدين أحمد بن الخليل الخوييّ (٧).

стр. 6772

قلت: وكانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن بداره (١) التي في رأس درب الريحان من ناحية الجامع، ولتربته شباك شرق المدرسة الصدرية اليوم، وقد قال فيه ابن عنين وكان هجاء (٢): ما قَصَّرَ (٣) المصريُّ في فعلهِ … إِذ جعل التربة (٤) في داره فَخَلَّصَ الأحياء (٥) من رجمهِ … وأبعدَ (٦) الأمواتَ من ناره المعتمد والي دمشق (٧) المبارز إِبراهيم المعروف بالمعتمد والي دمشق. [كان] من خيار الولاة وأعفّهم وأحسنهم سيرة وأجودهم سريرة، أصله من الموصل، وقدم الشام فخدم فروخشاه بن شاهنشاه ابن أيوب، ثم استنابه البدر مودود أخو فروخشاه، وكان شحنة دمشق، فَحُمِدَتْ سيرتُه في ذلك، ثم صار هو شحنةَ دمشق أربعين سنة، فجرت في أيامه عجائب وغرائب، وكان كثير الستر على ذوي الهيئات، ولا سيما من كان من أبناء الناس (٨) وأهل البيوتات. واتفق في أيامه أَنَّ رجلًا حائكًا كان له ولد (٩) صغير في آذانه حلقٌ، فعدا عليه رجلٌ من جيرانهم فقتله غيلةً وأخذ ما عليه من الحلي ودفنه في بعض المقابر، فاشتكوا عليه (١٠) فلم يقر، فبكت (١١) والدته من ذلك وسألتْ زوجَها أن يطلِّقها، فطلَّقَها فذهبت إِلى ذلك الرجل [الذي قتل ولدَها] وسألته أن يتزوجها وأظهرت له أنها أحبَّتْهُ فتزوَّجها، ومكثتْ عنده حينًا، ثم سألته في بعض الأوقات عن ولدها الذي اشتكوا عليه بسببه فقال: نعم أنا قتلته. فقالت: أشتهي (١٢) أن تريني قبره حتى أنظر إِليه، فذهب بها إِلى قبر خشخاشة (١٣) ففتحه فنظرت إِلى ولدها فاستعبرت وقد أخذت معها سكينًا أعدَّتها لهذا اليوم، فضربته حتى قتلته، ودفنته مع ولدها في ذلك القبر، فجاء أهل المقبرة فحملوها

стр. 6773

إِلى الوالي المعتمد هذا، فسألها فذكرت له خبرها، فاستحسن ذلك منها وأطلقها وأحسن إليها (١). وحكى عنه السبط (٢)، قال: بينما (٣) أنا يومًا خارج من باب الفرج وإِذا برجل يحمل طبلًا وهو سكران فأمرتُ به فضُرب الحدّ، وأمرتهم فكسروا الطبلَ وإِذا زُكْرة كبيرة خمرًا (٤) فشقُّوها، وكان العادل قد منع أن يُعْصَر خمر ويُحْمَل إِلى دمشق شيء منه بالكلية، فكان الناس يتحيّلون بأنواع الحيل ولطائف المكر. قال السبط (٥): فسألته من أين علمت أَنَّ في الطبل شيئًا. قال: رأيته يمشي ترجف سيقانه (٦) فعرفت أنه يحمل شيئًا ثقيلًا في الطبل. وله من هذا الجنس غرائب، وقد عزله المُعَظَّم وكان في نفسه منه، وسجنه في القلعة نحوًا من خمس سنين، ونادى عليه في البلد فلم يجئ أحدٌ ذكر أنه أخذ منه حبة خردل، ولما مات ﵀ دفن بتربته (٧) المجاورة لمدرسة أبي عمر من شامها قبلي السوق، وله عند تربته مسجد يعرف به ﵀. واقف الشبلية التي بطريق الصالحية (٨)، شبل، الدولة كافور الحسامي نسبة إِلى حسام الدين محمد بن لاجين، ولد (٩) ست الشام، وهو الذي كان مُستَحثًّا على عمارة الشامية البرانية لمولاته ست الشام، وهو الذي بنى الشبلية للحنفية والخانقاه على الصوفية إِلى جانبها، وكانت منزله، وأوقف (١٠) القناة والمصنع والساباط، وفتح للناس طريقًا من عند المقبرة غربي الشامية البرانية إِلى طريق عين الكرش (١١)، ولم يكن الناس لهم طريق إِلى الجبل من هناك، إِنما كانوا يسلكون من عند مسجد الصفي بالعُقيبة، وكانت وفاته

стр. 6774

في رجب ودفن في تربته إِلى جانب مدرسته (١)، وقد سمع الحديث على الكندي (٢) وغيره رحمه الله تعالى. واقف الرواحية بدمشق وحلب (٣)، أبو القاسم هبة الله [بن محمد بن عبد الواحد بن أبي الوفاء] المعروف بابن رواحة. كان أحد التجار، وذوي (٤) الثروة المعدّلين بدمشق، وكان في غاية الطول والعرض، ولا لحية له، وقد ابتنى المدرسة الرَّواحية داخل باب الفراديس ووقفها على الشافعية، وفوَّض نظرها (٥) وتدريسها إِلى الشيخ تقي الدين بن الصلاح (٦) الشهرزوري، وله بحلب مدرسة أخرى مثلها. وقد انقطع في آخر عمره في المدرسة التي بدمشق وكان يسكن البيت الذي في إِيوانها من الشرق، ورغب فيما بعد أن يدفن فيه إِذا مات، فلم يمكن من ذلك، بل دفن بمقابر الصوفية، وبعد وفاته شهد محيي الدين بن عربي (٧) الطائي الصوفي، وتقي الدين خزعل (٨) النحوي المصري ثم المقدسي إِمام مشهد علي، شهدا على ابن رواحة بأنه عزل الشيخ تقي الدين [بن الصلاح] عن هذه المدرسة، فجرت خطوب طويلة ولم ينتظم ما راماه (٩) من الأمر، ومات خَزْعل (١٠) في هذه السنة أيضًا فبطل ما سلكوه. أبو محمد محمود (١١) بن مودود بن محمود [بن] بلدجي الحنفي المَوْصِلي، وله بها مدرسة تعرف

стр. 6775

به، وكان من أبناء الترك، وصار من مشايخ العلماء [الحنفية] وله دين متين وشعر حسن جيد، فمنه قوله: [من السريع] مَنِ ادَّعَى أَنَّ لهُ حالةً … تُخرجُهُ عن مَنْهَجِ الشَّرْعِ فَلَا تَكونَنَّ له صَاحِبًا … فإِنهُ ضَرٌّ (١) بلا نفعِ كانت وفاته بالموصل في السادس والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، وله نحو من ثمانين سنة. ياقوت ويقال له يعقوب بن عبد الله (٢) نجيب الدين متولي الشيخ تاج الدين الكندي. وقد وقف عليه (٣) الكتب التي بالخزانة بالزاوية الشرقية الشمالية من جامع دمشق، وكانت سبعمئة وأحد (٤) وستين مجلدًا، ثم على ولده من بعده ثم على العلماء فتمحَّقت هذه الكتب وبيع (٥) أكثرها، وقد كان ياقوت هذا لديه فضيلة وأدب وشعر جيد، وكانت وفاته ببغداد في مستهل رجب، ودفن بمقبرة الخيزران بالقرب من مشهد أبي حنيفة. ثم دخلت سنة أربع وعشرين وستمئة فيها: استدعت عامة أهل تفليس الكُرْج، فجاؤوا إِليهم فدخلوها فقتلوا العامة والخاصة، ونهبوا وسَبَوْا وخَرَّبوا وأحرقوا، وخرجوا على حمية، وبلغ ذلك جلال الدين فسار سريعًا ليدركهم فلم يدركهم. وفيها: قتلت الإسماعيلية أميرًا كبيرًا من نُوَّاب جلال الدين بن خوارزم شاه، فسار إِلى بلادهم فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وخرَّب مدينتهم وسَبَى ذراريهم ونهب أموالهم، وقد كانوا - قبحهم الله - من أكبر العون على المسلمين لما قدم التتار إِلى الناس، وكانوا أضرَّ على الناس منهم. وفيها: تواقع جلال الدين وطائفة كبيرة (٦) من التتار فهزمهم وأوسعهم قتلًا وأسرًا، وساق وراءهم أيامًا (٧)

стр. 6776

يقتلهم (١) حتى وصل إِلى الري فبلغه أن طائفة قد جاؤوا لقصده فأقام ينتظرهم، فكان (٢) من أمره وأمرهم مما سيأتي في سنة خمسٍ وعشرين. وفيها: دخلت عساكر الملك الأشرف بن العادل إِلى أذربيجان فملكوا منها مدنًا كثيرة وغنموا أموالًا جزيلةً، وخرجوا معهم بزوجة جلال الدين بنت طغرل (٣)، وكانت تبغضه وتعاديه، فأنزلوها (٤) مدينة خلاط، وسيأتي ما كان من خبرهم في السنة الآتية. وفيها: قدم رسول الأنبرور (٥) ملك الفرنج في البحر إِلى المعظم (٦) يطلب منه ما كان فتحه عمه السلطان (٧) الملك (الناصر) صلاح الدين من بلاد السواحل، فأغلظ لهم المعظم في الجواب وقال له: قل لصاحبك ما عندي إِلا السيف، والله أعلم. وفيها: جهز الأشرف أخاه شهاب الدين غازي إِلى الحج في محملٍ عظيمٍ يحمل ثقله ستمئة جمل، ومعه خمسون هجينًا، على كل هجين مملوك، فسار من ناحية العراق وجاءته هدايا الخليفة إِلى أثناء الطريق، وعاد على (٨) طريقه التي حج منها. وفيها: ولي قضاء القضاة ببغداد نجم الدين أبو المعالي عبد الرحمن بن مقبل الواسطي (٩)، وخلع عليه كما هي عادة الحكام، وكان يومًا مشهودًا. وفيها: كان غلاء شديد ببلاد الجزيرة وقلَّ اللحمُ حتى حكى ابن الأثير (١٠) أنه لم يذبح بمدينة الموصل في بعض الأيام سوى خروف واحد في زمن الربيع. قال: وسقط فيها عاشرَ آذار ثلجٌ كثيرٌ بالجزيرة والعراق مرتين، فأهلك الأزهار وغيرها، قال: وهذا شيء لم يُعْهَد مثله، والعجب كل العجب من العراق مع كثرة حَرِّه كيف وقع فيه مثل هذا.

стр. 6777

وممن توفي فيها من الأعيان: جِنْكِيز خان (١) السلطان الأعظم عند التتار والد ملوكهم اليوم، ينتسبون إِليه، ومن عظَّم القان إِنما يريد هذا (٢) الملك وهو الذي وضع لهم الياسا (٣) التي يتحاكمون إِليها، ويحكمون بها، وأكثرها مخالف لشرائع الله تعالى وكتبه، وهو شيء اقترحه من عند نفسه، وتبعوه في ذلك، وقد كانت أمه تزعم أنها حملت به (٤) من شعاع الشمس، فلهذا لا يعرف له أب، والظاهر أنه مجهول النسب، وقد رأيت مجلدًا جمعه الوزير ببغداد علاء الدين الجويني في ترجمته فذكر فيه سيرته، وما كان يشتمل (٥) عليه من العقل (٦) السياسي والكرم والشجاعة والتدبير الجيد للملك والرعايا، والحروب (٧). فذكر أنه كان في ابتداء أمره خصيصًا عند الملك أزبك خان، وكان إِذ ذاك شابًا حسنًا وكان اسمه أولًا تمرجي (٨)، ثم لما عظم سمَّى نفسه جنكيز خان، وكان هذا الملك قد قرَّبه وأدناه، فحسده عظماء الملك ووشوا به إِليه حتى أخرجوه عليه، ولم يقتله ولم يجد له طريقًا في ذنب يتسلط عليه به، فهو في ذلك إِذ تَغَضَّبَ الملكُ على مملوكين صغيرين فهربا منه ولجأا إِلى جنكيز خان فأكرمهما (٩) وأحسن إِليهما فأخبراه بما يضمره الملك أزبك خان من قتله (١٠)، فأخذ حذره وتحيز منه ومن دولته فاتبعه (١١) طوائف من التتار

стр. 6778

وصار كثير (١) من أصحاب أزبك خان ينفرون إِليه ويفدون عليه فيكرمهم ويعطيهم حتى قويت شوكته وكثرت جنوده (٢)، ثم حارب بعد ذلك أزبك خان فظفر به وقتله واستحوذ على مملكته وملكه، وانضاف إِليه عَدده وعُدده، وعظم أمره وبَعُدَ صيتُه وخضعت له قبائل الترك ببلاد طمغاج كلها حتى صار يركب في نحو ثمانمئة ألف مقاتل، وأكثر (٣) القبائل قبيلته التي هو منها يقال لهم قيان (٤)، ثم أقربُ القبائل إِليه بعدهم قبيلتان كبيرتا العدد وهما أزان وقنقوران (٥) وكان يصطاد من السنة ثلاثة (٦) أشهر والباقي للحرب والحكم. قال الجويني: وكان يضرب الحلقة يكون [بعد] ما بين طرفيها ثلاثة أشهر ثم تتضايق فيجتمع فيها من أنواع الحيوانات شيء كثير لا يحد كثرة، ثم نشبت الحرب بينه وبين الملك جلال (٧) الدين خوارزم شاه صاحب بلاد خراسان والعراق وأذربيجان وغير ذلك من الأقاليم والممالك (٨)، فقهره جنكيز خان وكسره وغلبه وسلبه، واستحوذ على سائر بلاده بنفسه وبأولاده في أيسر مدة كما ذكرنا ذلك في الحوادث، وكان ابتداء ملك جنكيز خان سنة تسع وتسعين وخمسمئة، وكان قتاله لخوارزم شاه في حدود سنة ست عشرة وستمئة، ومات خوارزم شاه في سنة سبع عشرة كما ذكرنا، فاستحوذ حينئذ على الممالك بلا منازع ولا ممانع، وكانت وفاته في سنة أربع وعشرين وستمئة فجعلوه في تابوت من حديد وربطوه بسلاسل وعلقوه بين جبلين هنالك. وأما كتابه الياسا (٩) فإنه يكتب في مجلدين بخط غليظ، ويحمل على بعير [معظّم] عندهم، وقد ذكر بعضهم (١٠) أنه كان يصعد جبلًا ثم ينزل ثم يصعد ثم ينزل مرارًا حتى يعيى ويقع مغشيًا عليه، ويأمر من عنده أن يكتب ما يلقى على لسانه حينئذٍ، فإِن كان هذا هكذا فالظاهر أن الشيطان كان ينطق على لسانه بما فيها. وذكر الجويني أن بعض عُبّادهم كان يصعد الجبال في البرد الشديد للعبادة فسمع قائلًا يقول له إِنا قد

стр. 6779

ملكنا جنكيز خان وذريته وجه الأرض، قال الجويني: فمشايخ المغول يصدقون بهذا ويأخذونه مسلمًا. ثم ذكر الجويني شيئًا (١) من الياسا (٢) من ذلك: أنه من زنا قتل (٣)، مُحْصَنًا كان أو غير مُحْصَنٍ، وكذلك من لاط قُتل، ومن تعمَّد الكذبَ قُتل، ومن سحر قُتل، ومن تَجَسَّسَ قُتل، ومن دخل بين اثنين يختصمان فأعان أحدهما قُتل، ومن بال في الماء الواقف قُتل، ومن انغمس فيه قُتل، ومن أطعم أسيرًا أو سقاه أو كساه (٤) بغير إِذن أهله قُتل، ومن وجد هاربًا (٥) ولم يردَّه قتل، ومن [أطعم أسيرًا] (٦) أو رمى إِلى أحد شيئًا من المأكول قُتل، بل يناوله من يده إِلى يده. ومن أطعم أحدًا شيئًا فليأكل منه أولًا ولو كان المطعوم أميرًا لا أسيرًا. ومن أكل ولم يطعم من عنده قُتل. ومن ذبح حيوانًا ذُبح مثله بل يُشَقُّ جوفُه، ويتناول قلبه بيده يستخرجه من جوفه أولًا. وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المُنَزَّلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرعَ المُحْكَم المُنَزَّلَ على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إِلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إِلى الياسا (٧) وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإِجماع المسلمين. قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، وقال [الله] تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] صدق الله العظيم. ومن آدابهم: الطاعة لسلطانهم (٨) غايةَ الاستطاعة، وأن يعرضوا عليه أبكارَهم الحسان ليختار لنفسه ومن شاء من حاشيته ما شاء منهن. ومن شأنهم أن يخاطبوا الملكَ باسمه. ومَنْ مَرَّ بقوم يأكلون فله أن يأكل معهم من غير استئذان ولا يَتَخَطَّى موقد النار ولا طبق الطعام، ولا يقف على أسكفة الخركاه (٩) ولا يغسلون ثيابهم حتى يبدو وسخُها، ولا يكلِّفون العلماء من كل ما ذكر شيئًا من الجنايات، ولا يتعرّضون لمال ميت. وقد ذكر علاء الدين الجويني طرفًا كبيرًا (١٠) من أخبار جنكيز خان ومكارم كان يفعلها

стр. 6780

بسجيته (١) وما أداه إِليه عقله وإِن كان مشركًا بالله كان يعبد معه غيره، وقد قَتل من الخلائق ما لا يعلم عددهم إِلا الذي خلقهم، ولكن كان البداء (٢) من خوارزم شاه، فإِنه لما أرسل جنكيز خان تجارًا من جهته معهم بضائع كثيرة من بلاده فانتهوا إِلى إِيران فقتلهم نائبها من جهة خوارزم شاه، وهو والد زوجة كشلي خان، وأخذ جميع ما كان معهم، فأرسل جنكيز خان إِلى خوارزم شاه يستعلمه (٣) هل وقع هذا الأمر عن رضىً منه أو أنه لا يعلم (٤) به، فأنكره وقال له فيما أرسل إِليه: من المعهود من الملوك أن التجار لا يقتلون لأنهم عمارة الأقاليم، وهم الذين يحملون إِلى الملوك التحف (٥) والأشياء النفيسة، ثم إِن هؤلاء التجار كانوا على دينك فقتلهم نائبك، فإِن كان أمرًا أمرت به طلبنا (٦) بدمائهم، وإِلا فأنت تنكره وتقتص من نائبك. فلما سمع خوارزم شاه من رسول جنكيز خان لم يكن له جوابٌ سوى أنه أمر بضرب عنقه (٧) فأساء التدبير، وقد كان خرف وكبرت سنه، وقد ورد الحديث "اتركوا الترك ما تركوكم" (٨) فلما بلغ ذلك جنكيز خان تجهز لقتاله وأخذ بلاده، فكان بقدر الله تعالى ما كان من الأمور التي لم يسمع بأغرب منها ولا أبشع. فمما ذكره الجويني أنه قدم له بعض الفلاحين بالصيد (٩) ثلاث بطيخات فلم يتفق أن عند جنكيز خان أحد من الخزندارية، فقال لزوجته الخاتون: أعطيه هذين القرطين الذين في أذنيك، وكان فيهما جوهرتان نفيستان جدًا، فشحت المرأة بهما وقالت: أنظره إِلى غد (١٠)، فقال إِنه يبيت هذه الليلة مقلقل الخاطر، وربما لا يجعل (١١) له شيء بعد هذا، وإِن هذين لا يمكن أحدًا إِذا اشتراهما إِلا جاء بهما إِليك

стр. 6781

فانتزعتهما فدفعتهما إِلى الفلاح فطار عقله بهما وذهب بهما فباعهما لأحد (١) التجار بألف دينار، ولم يعرف قيمتهما، فحملهما التاجر إلى الملك فردَّهما على زوجته، ثم أنشد الجويني عند ذلك: [من الطويل] ومن قال إِن البحرَ والقطرَ أشبها … يداه (٢) فقد اثنى على البحرِ والقطرِ قالوا: واجتاز يومًا في سوق فرأى عند بقال عنّابًا فأعجبه لونه ومالت نفسه إِليه فأمر الحاجب أن يشتري منه ببالس، فاشترى الحاجب بربع بالس، فلما وضعه بين يديه أعجبه وقال: هذا كله ببالس؟ قال وبقي منه هذا - وأشار إِلى ما بقي معه من المال - فغضب وقال: متى (٣) يجد من يشتري منه مثلي؟ تمموا له عشرة بوالس. قالوا (٤): وأهدى له رجل جامَ زجاجٍ من معمول حلب، فاستحسنه جنكيز خان فَوَهَّن أمرَهُ عنده بعضُ خواصه وقال: خوند هذا زجاج لا قيمةَ له، فقال: أليس قد حمله من بلادٍ بعيدة حتى وصل إِلينا سالمًا؟ أعطوه مئتي بالس. قال (٥): وقيل له إِنَّ في هذا المكان كنزًا عظيمًا إِن (٦) فتحته أخذت منه مالًا جزيلًا، فقال: الذي في أيدينا يكفينا، ودع هذا يفتحه الناس ويأكلونه فهم أحقُّ به منّا، ولم يتعرض له. قال: واشتهر عن رجل في بلاده يقول: أنا أعرف موضع كنز ولا أقول إِلا للقان، وألحّ عليه الأمراء أن يعلمهم فلم يفعل، فذكروا ذلك للقان فأحضره على خيل الأولاق - يعني البريد - سريعًا، فلما حضر إِلى بين يديه سأله عن الكنز فقال: إِنما (٧) كنتُ أقولُ ذلك حيلةً لأرى وجهك. فلما رأى تغيُّرَ كلامه غضب وقال له: قد حصل لك ما طلبت فارجع إِلى موضعك وأمر برده سالمًا (٨) ولم يعطه شيئًا. [قال الجويني: وهذا غريب] قال: وأهدى له إِنسان رمَّانةً فكسرها وفرَّق حبَّها على الحاضرين وأمر (٩) له بعدد حبِّها بوالس ثم أنشد [عند ذلك] [من الكامل] فلذاكَ تزدحمُ الوفودُ ببابهِ … مثلَ ازدحامِ الحَبّ في الرُّمَّانِ

стр. 6782

قال: وقدم عليه رجلٌ كافرٌ يقول رأيت في النوم جنكيز خان يقول قل لابني يقتل (١) المسلمين، فقال له هذا كذب، وأمر بقتله (٢). قال: وأمر بقتل ثلاثةٍ قد قضت الياسا (٣) بقتلهم، فإِذا امرأة تبكي وتلطم. فقال: ما هذه؟ أحضروها، فقالت: هذا ابني، وهذا أخي، وهذا زوجي، فقال اختاري واحدًا منهم حتى أطلقَه لكِ، فقالت: الزوج يجيء مثلهُ، والابنُ كذلك، والأخ لا عوضَ له، فاستحسن (٤) ذلك منها وأطلق الثلاثةَ لها. قال: وكان يحبُّ المصارعين وأهلَ الشطارة، وقد اجتمع عنده منهم جماعة، فذُكِرَ له إِنسان بخراسان فأحضره فصرع جميع من عنده، فأكرمه وأعطاه وأطلق له بنتًا من بنات الملوك (٥) حسناء. فمكثت عنده مدة لا يتعرض لها، فاتفق مجيئها زائرةً بيت القان (٦) فجعل السلطان يمازحها ويقول: كيف رأيت المستعرب؟ فذكرت له أنه لم يقربها، فتعجب من ذلك وأحضره فسأله عن ذلك فقال: يا خوند أنا إِنما حظيت عندك بالشطارة ومتى قربتها نقصت منزلتي عندك [، فقال: لا بأس عليك وأحضر ابن عم له وكان مثله، فأراد أن يصارع الأول فقال السلطان: أنتما قرابة ولا يليق هذا بينكما وأمر له بمال جزيل] (٧). قال: ولما احتضر أوصى أولاده بالاتفاق وعدم الافتراق، وضرب لهم في ذلك الأمثال، وأحضر بين يديه نشابًا وأخذ سهمًا أعطاه لواحد منهم فكسره، ثم أحضر حزمة ودفعها إِليهم مجموعة (٨) فلم يطيقوا كسرها، فقال: هذا مثلكم إِذا اجتمعتم واتفقتم، وذلك مثلكم إِذا انفردتم واختلفتم. قال: وكان له عدة أولاد ذكور وإِناث منهم أربعة هم عظماء أولاده (٩) أكبرهم تولي (١٠) وهريول وباتو (١١) وبركة وتركجار، وكان كل منهم له وظيفة عنده.

стр. 6783

ثم تكلم الجويني على ملك ذريته (١) إِلى زمان هولاكو خان، وهو يقول في اسمه بادشاه زاده هولاكو، وذكر ما وقع في زمانه من الأوابد والأمور المعروفة المزعجة كما بسطناه في الحوادث والله أعلم. السلطان الملك المعظم (٢) عيسى بن العادل أبي بكر بن أيوب، ملك دمشق والشام. وكانت وفاته يوم الجمعة سلخ ذي القعدة من هذه السنة، وكان استقلاله بملك دمشق لما توفي أبوه سنة خمس عشرة، وكان شجاعًا [عاقلًا] باسلًا عالمًا فاضلًا. اشتغل في الفقه على مذهب أبي حنيفة على الحَصِيري (٣) مدرس النورية، وفي اللغة والنحو على التاج الكندي (٤)، وكان محفوظه "مفصل" الزمخشري، وكان يجيز (٥) من حفظه بثلاثين دينارًا وكان قد أمر أن يُجمع له كتابٌ في اللغة يشمل (٦) "صحاح الجوهري" و"الجمهرة" لابن دريد و"التهذيب" للأزهري وغير ذلك، وأمر أن يُرتَّب له "مسند" الإمام أحمد. وكان يحب العلماء ويكرمهم، ويجتهد في متابعة الخير ويقول: أنا على عقيدة الطحاوي، وأوصى (٧) عند وفاته أن لا يكفَّن إِلا في البياض، وأن يُلْحَدَ له ويُدفن في الصحراء ولا يُبنى عليه، وكان يقول: واقعة دمياط ادّخرها عند الله تعالى وأرجو أن يرحمني بها - يعني أنه أبلى بها بلاءً حسنًا - رحمه الله تعالى، وقد جمع له بين الشجاعة [والسماحة] والبراعة والعلم ومحبة أهله. وكان يجيء في كل جمعة إِلى تربة والده فيجلس قليلًا ثم إِذا ذكر المؤذنون ينطلق إِلى تربة عمه صلاح الدين فيصلّي فيها الجمعة، وكان قليل التعاظم، يركب في بعض الأحيان وحده، ثم يلحقه بعض غلمانه سوقًا. وقال فيه بعض أصحابه وهو محب الدين بن أبي السعود البغدادي (٨): [من الطويل] لئن غُودِرَتْ تلكَ المحاسنُ في الثَّرى … بَوَالٍ فما وجدي عليكَ ببالِ

стр. 6784

ومذ غبت (١) عنّي ما ظفرتُ بصاحبٍ … أخي ثقة إِلا خطرتَ ببالي وملك بعده دمشق (٢) ولده الناصر داود بن المعظم، وبايعه الأمراء. أبو المعالي أسعد بن يحيى (٣) بن موسى بن منصور بن عبد العزيز بن وهب الفقيه الشافعي السِّنْجاري. شيخ أديب فاضل خيّر، له نظم ونثر ظريف، وله نوادر حسنة وجاوز التسعين. وقد استوزره صاحب حماة في وقت، وله شعر رائق أورد منه ابن الساعي قطعة جيدة. فمن ذلك قوله (٤): [من الكامل] وَهَواكَ ما خَطَرَ السُلُوُّ ببالهِ … ولأنت (٥) أعلمُ في الغرامِ بحالهِ فمتى وشى واشٍ إِليكَ بأنهُ … سالٍ هواكَ فذاكَ من عُذَّالهِ (٦) أو ليسَ للكَلفِ (٧) المعنَّى شاهدٌ … من حالهِ يغنيكَ عن تسآلهِ جدَّدتِ ثوبَ سقامهِ، وهتكتِ ستـ … ــرَ غرامهِ، وصرمتِ حبلَ وصالهِ يا للعجائب من أسيرٍ دأبهُ … يفدي الطليقَ بنفسهِ وبماله (٨) وله أيضًا: [من الكامل] لامَ العواذلُ في هواكِ فأكثروا … هيهاتَ ميعادُ السلوّ المحشرِ جهلوا مكانكِ في القلوبِ وطَوَّلوا (٩) … لو أنهم وجدوا كوجدي أقصروا

стр. 6785

صبرًا على عذب الهوى وعذابهِ … وأخو الهوى أبدًا يلامُ ويعذَرُ (١) أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن حمدان (٢) الطببي المعروف بالصائن. أحد المعيدين بالنظامية، ودرس بالثقتية (٣) وكان عارفًا بالمذهب والفرائض والحساب، صنف شرحًا "للتنبيه". ذكره ابن الساعي. أبو النجم محمد بن القاسم بن هبة الله التكريتي (٤) الفقيه الشافعي. تفقه على أبي القاسم بن فضلان (٥) ثم أعاد بالنظامية ودرس بغيرها (٦)، وكان يشغل كلَّ يوم عشرين درسًا، ليس له دأب إِلا الإشغال وتلاوة القرآن ليلًا ونهارًا، وكان بارعًا كثير العلوم، قد أتقن المذهب والخلاف، وكان يفتي في مسألة الطلاق الثلاث بواحدة، فتغيظ عليه قاضي القضاة أبو القاسم عبد الله بن الحسين الدامغاني (٧)، فلم يسمع منه، ثم أُخرج إِلى تكريت فأقام بها، ثم استدعي إِلى بغداد، فعاد إلى الإشغال وأعاده قاضي القضاة نصر بن عبد الرزاق (٨) إِلى إِعادته بالنظامية، وعاد إِلى ما كان عليه من الإشغال والفتوى والوجاهة إِلى أن توفي في هذه السنة رحمه الله تعالى. وهذا ذكره ابن الساعي.

стр. 6786

ثم دخلت سنة خمس وعشرين وستمئة فيها: كانت حروبٌ كثيرةٌ بين جلال الدين والتتر (١)، كسروهُ غيرَ مرةٍ، ثم بعد ذلك كلّه كسرهم كسرةً عظيمةً، وقتل منهم خلقًا وأُممًا لا يُحْصَوْن [كثرة]، وكان هؤلاء التتر قد انفردوا وعَصَوْا على جنكيز خان فكتب جنكيز خان (٢) إِلى جلال الدين يقول له: إِن هؤلاء ليسوا منَّا ونحن أبعدناهم، ولكن سترى منَّا ما لا قبل لك به. وفيها: قدمت طائفةٌ كبيرةٌ من الفرنج من ناحية صقلية فنزلوا عكَّا وصُور وحملوا على مدينة صَيْدا فانتزعوها من أيدي المؤمنين، وعبروها (٣) وقويت شوكتهم، وجاء الانبرور فملك جزيرة قبرس (٤) ثم سار فنزل عكا فخاف المسلمون من شره وبالله المستعان. وركب الملك الكامل محمد بن العادل صاحب مصر إِلى بيت المقدس الشريف (٥) فدخله، ثم سار إلى نابلس فخاف الناصر داود بن المعظم من عمه الكامل، فكتب إِلى عمه الأشرف فقدم عليه جريدة، وكتب إِلى أخيه الكامل يستعطفه ويكفُّه عن ابن أخيه، فاجابه الكامل بأني إِنما جئت لحفظ بيت المقدس وصونه عن الفرنج الذين يريدون أخذه، وحاشا لله أن أحاصر أخي أو ابن أخي، وبعد أن جئت أنت إِلى الشام فأنت تحفظها وأنا راجع إِلى الديار المصرية، فخشي الأشرف وأهل دمشق (٦) إِن رجع الكامل أن تمتد (٧) أطماع الفرنج إِلى بيت المقدس، فركب الأشرف إِلى أخيه الكامل فثبَّطه عن الرجوع، وأقاما جميعًا هنالك جزاهما الله خيرًا، يحفظان بيت المقدس (٨) عن الفرنج لعنهم الله. واجتمع إِلى الملك [العادل] جماعة من ملوكهم، كأخيه الأشرف وأخيهما الشهاب غازي بن العادل وأخيهم الصالح إِسماعيل بن العادل، وصاحب حمص أسد الدين شيركوه بن ناصر الدين [محمد بن شيركوه]،

стр. 6787

وغيرهم، واتفقوا كلهم على نزع الناصر داود عن ملك دمشق وتسليمها إِلى الأشرف موسى لأجل حفظ الشام من الفرنج وسيأتي تنفيذ ذلك في السنة المستقبلة إِن شاء الله تعالى. وفيها: عزل الصدر البكري (١) عن حسبة دمشق ومشيخة الشيوخ وولي فيها اثنان غيره. وقال [الشيخ شهاب الدين] (٢) أبو شامة (٣): وفي أوائل رجب توفي الشيخ الفقيه الصالح (٤) أبو الحسن علي بن المراكشي المقيم بالمدرسة المالكية، ودفن بالمقبرة التي وقفها الرئيس (٥) خليل بن زويزان قبلي مقابر الصوفية، وكان أول من دفن بها رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة ست وعشرين وستمئة استُهِلَّتْ هذه السنة وملوكُ بني أيوب مفترقون مختلفون، قد صاروا أحزابًا وفرقًا، وقد اجتمع ملوكُهم إِلى الكامل محمد صاحب مصر، وهو مقيم بنواحي القدس الشريف، فقويت نفوس الفرنج لعنهم الله بكثرتهم بمن وفد إِليهم من البحر، وبموت المعظم واختلاف مَنْ بعده من الملوك، فطلبوا من المسلمين أن يردُّوا إِليهم ما كان الناصر صلاح الدين أخذ منهم، فوقعت المصالحة بينهم وبين الملوك [على] أن يردُّوا لهم بيت المقدس وحده، وتبقى بأيديهم بقية البلاد، فتسلموا (٦) القدس الشريف، وكان المعظم قد هدم أسواره، فعظم ذلك على المسلمين جدًا وحصل وهن شديد وإِرجاف عظيم، فإِنَّا لله وإِنا إِليه راجعون. ثم قدم الملك الكامل فحاصر دمشق وضيَّق على أهلها فقطع (٧) الأنهار، ونهبت الحواصل (٨) وغلت الأسعار، ولم يزل الجنود حولها حتى أخرج منها ابن أخيه صلاح الدين الملك الناصر داود بن المعظم، على أن يقيم ملكًا بمدينة الكرك والشوبك ونابلس وقرايا من (٩) الغور والبلقاء ويكون الأمير عز الدين أيبك أستاذ دار المعظم صاحب صرخد، ثم تقايض الأشرف وأخاه الكامل، فأخذ الأشرف دمشق، وأعطى

стр. 6788

أخاه حران (١) والرُّها والرقة ورأس العين وسروج، ثم سار الكامل فحاصر حماة وكان صاحبها الملك المنصور بن تقي الدين عمر (٢) قد توفي وعهد بالأمر من بعده إِلى أكبر ولده المظفر محمد (٣)، وهو زوج بنت الكامل، فاستحوذ على حماة أخوه صلاح الدين قلج أرسلان فحاصره الكامل حتى أنزله من قلعتها وسلمها إِلى أخيه المظفر محمد، ثم سار فتسلم البلاد التي قايض بها عن دمشق من أخيه الملك الأشرف كما ذكرنا. وكان الناس بدمشق قد اشتغلوا بعلم الأوائل في أيام الملك الناصر داود، وكان يعاني ذلك وربما (٤) نسبه بعضهم إِلى نوع من الانحلال فالله أعلم، فنادى الملك الأشرف بالبلدان أن لا يشتغل الناس بذلك وأن يشتغلوا بعلم التفسير والحديث والفقه. وكان سيف الدين الآمدي مدرسًا بالعزيزية فعزله عنها وبقي ملازمًا منزله حتى مات في سنة إِحدى وثلاثين كما سيأتي. وفيها: كان الناصر داود قد أضاف إِلى قاضي القضاة شمس الدين بن الخُوَيّي (٥) القاضي محيي الدين (٦) يحيى بن محمد بن علي بن الزكي، فحكم أيامًا بالشباك، شرقي باب الكلاسة، ثم صار الحكم بداره، مشاركًا لابن الخُويّي (٧). وممن توفي فيها من الأعيان: الملك المسعود (٨) أقسيس بن الكامل صاحبُ اليمن. وقد ملك مكةَ سنة تسعَ عشرةَ فأحسن بها المعدلة، ونفى الزيدية منها، وأمنت الطرقاتُ والحجاجُ، ولكنّه كان مسرفًا على نفسه، فيه عسف وظلم أيضًا. وكانت وفاته بمكةَ ودفن بباب المعلى.

стр. 6789

محمد السَّبْتي النَّجار (١). كان يعدُّهُ بعضهم من الأبدال، قال أبو شامة (٢): وهو الذي بنى المسجد غربي دار الركوة عن يسار المارّ في الشارع من ماله، ودفن بالجبل. وكانت جنازته مشهودة رحمه الله تعالى. [العبادي الشاعر] أبو الحسن علي بن سالم بن يزبك بن محمد بن مقلد العبادي الشاعر من الحديثة، قدِم بغداد مرارًا وامتدح المستنصر (٣) وغيره، وكان فاضلًا شاعرًا يكثر التغزُّل. أبو يوسف يعقوب بن صابر الحَرَّاني (٤) ثم البغدادي المَنْجَنيقي. كان فاضلًا في فنه، وشاعرًا مطبقًا، لطيف الشعر حسن المعاني، وقد (٥) أورد له ابن الساعي قطعة صالحة، ومن أحسن ما أورد له قصيدة فيها تعزية عظيمة لجميع الناس (٦) وهي: [قوله] [من الخفيف] هَلْ لمنْ يَرْتَجي البقاءَ خلودٌ … وسوى اللهِ كل شيءٍ يبيدُ والذي كانَ من ترابٍ وإِنْ … عاشَ طويلًا للتراب (٧) يعودُ فمصيرُ الأنامِ طُرًّا إِلى ما … صارَ فيه آباؤهمْ والجدودُ أينَ حوَّاءُ أينَ آدمُ إِذ فا … تَهمُ الخلدُ والثَّوَى والخُلودُ؟ أينَ هابيلُ أينَ قابيلُ إِذا عَـ … ــدَا (٨) لهذا معاندٌ وحسودُ؟ أينَ نوحٌ ومَنْ نَجَا معهُ بالفُلْـ … ــكِ والعالمونَ طُرًّا فقيدُ أسلمتهُ الأيامُ كالطِّفْلِ للمو … تِ ولم يغنِ عمره (٩) الممدودُ أينَ عادٌ؟ بَلْ أينَ جَنَّةُ عادٍ … أم تُرَى أينَ صالحٌ وثمودُ؟ أينَ إِبراهيمُ الذي شادَ بيـ … ــتَ اللهِ فهو المُعَظَّمُ المقصودُ

стр. 6790

حسدوا يوسفًا أخاهمْ فكادو … هُ وماتَ الحاسدُ (١) والمحسودُ وسليمانُ في النبوَّةِ والملكِ … قضى مثل ما قَضَى داودُ فَغَدَوا بعدَ ما أُطيعَ له (٢) الخلـ … ــق وهذا لهُ أُلينَ الحديدُ (٣) وابنُ عمرانَ بعدَ آياتهِ التسـ … ــعِ وشقّ الخضمّ فهو صَعيدُ والمسيحُ ابنُ مريمَ وهو روح اللـ … ــهِ كادتْ تَقْضي عليهِ اليهودُ وقضى سيدُ النبيّينَ والها … دي إِلى الحقِّ أحمدُ المحمودُ وبنوهُ وآلهُ الطاهرون الـ … ــزّهرُ صَلَّى عليهمُ المعبودُ ونجومُ السماءَ مُنْتَثِراتٌ … بعدَ حينٍ وللهواءِ ركودُ ولنارِ الدنيا التي توقد الصخـ … ــرَ خمودٌ وللمياهِ (٤) جمودُ وكذا للثرى غداةَ يؤمُّ النـ … ــاسَ منها تزلزلٌ وهمودُ هذه الأمَهاتُ نارٌ وتربٌ … وهواءٌ رطبٌ وماءٌ برودُ سوفَ تفنى (٥) كما فنينا فلا … يبقى من الخلقِ والدٌ ووليدُ لا الشقيُّ الغويُّ من نُوَبِ الأَيَّـ … ــامِ ينجو ولا السعيدُ الرشيدُ ومتى سَلَّتِ المنايا سيوفًا … فالموالي حصيدُها والعبيدُ وممن [توفي فيها] (٦): أبو الفتوح نصر بن علي البغدادي الفقيه الشافعي، ويلقب بثعلب، اشتغل في المذهب والخلاف ومن شعره قوله: [من البسيط] جِسْمي مَعي غَيْرَ أَنَّ الرُّوحَ عندكمُ … فالجِسْمُ في غُرْبةٍ والرُّوحُ في وَطَنِ فَليعجبِ النَّاسُ منّي أَنَّ لي بَدنًا … لا رُوحَ فيهِ ولي رُوحٌ بِلَا بَدَنِ أبو الفضل جبرائيل (٧) بن منصور بن هبة الله بن جبريل بن الحسن بن غالب بن يحيى بن موسى بن

стр. 6791

يحيى بن الحسن بن غالب بن الحسن بن عمرو بن الحسن بن النعمان بن المنذر المعروف بابن زطينا البغدادي كاتب الديوان بها. أسلم - وكان نصرانيًا - فحسن إِسلامه، وكان من أفصح الناس وأبلغهم موعظة. ومن ذلك قوله: خيرُ أوقاتك ساعةٌ صَفَتْ لله، وخلصت (١) من الفكرة لغيره والرجاء لسواه (٢). وما دمتَ في خدمة السلطانِ فلا تَغْتَرَّ بالزمان. اكفف كفَّكَ، واصرف طرفكَ، وأكثر صومكَ، وأقلل نومكَ يُؤَمِّنْكَ. واشكر ربَّكَ يُحمدْ أمرُكَ. وقال: زادُ المسافر مُقَدَّمٌ (٣) على رحيله، فأعدَّ الزادَ تبلغْ بالمعاد المرادَ. وقال: إِلى متى تَتَمادَى في الغفلةِ كأَنَّكَ قد أَمِنْتَ عواقبَ المهلة، عُمْرُ اللَّهْوِ مضى، وعمرُ الشبيبة انقضى، وما حصلت من ربك على ثقة بالرضا، وقد انتهى بك الأمرُ إِلى سنِّ التخاذلِ وزمنِ التكاسلِ، وما حظيت بطائل. وقال: روحك تخضع، وعينك لا تدمع، وقلبك [لا] يخشع، ونفسك تجشع، وتظلم (٤) نفسك وأنت لها تتوجَّع، وتظهر الزهد في الدنيا وفي المال (٥) تطمع، وتطلب ما ليس لك بحق وما [قد] وجب عليك من الحق لا تدفع (٦)، وترومُ فضلَ ربِّك وللماعون تمنع، وتعيب (٧) نفسك الأمَّارَة وهي عن اللهوِ لا ترجع، وتوقظ الغافلين بإِنذارك وتتناوم عن سهمك (٨) وتهجع، وتخصّ غيرَك بخيرك ونفسَكَ الفقيرةَ لا تنفع، وتحومُ على الحقِّ وأنت بالباطل مولَع (٩)، وتتعثَّر في المضائق وطرق (١٠) النجاة مهيع، وتَتَهَجَّمُ على الذنوب وفي المجرمين تشفع [وتركن إِلى دار السلامة وأنت بالعطب مُرَوَّع - وتحرص على زيادة الاكتساب وحسابك في كفّ غيرك يوضع] وتُظهر القناعة بالقليل وبالكثير لا تشبع، وتعمر الدار الفانيةَ ودارُكَ الباقيةُ خرابٌ بلقع، وتستوطنُ في منزلِ رحيلٍ كأَنَّك إِلى ربك لا ترجع، وتظنُّ أَنَّك بلا رقيبٍ وأعمالك إِلى المراقِب تُرْفَع، تُقْدم على الكبائر وعن الصغائر تتورَّع، وتُؤمِّل الغفرانَ وأنت عن

стр. 6792

الذنوب لا تُقلع، وترى الأهوالَ محيطةً بك وأنت في ميدان اللهو ترتع، وتستقبحُ أفعال (١) الجُهَّال وبابَ الجهل تقرع، وقد آن لك أن تأنف من التعنيف وعن الدنايا (٢) تترفع، وقد سار المخِفُّون وتخلفت (٣) فماذا تتوقَّع. وقد أورد (٤) ابن الساعي له شعرًا حسنًا، فمنه [قوله] [من السريع] إِن سهرتْ عيناك (٥) في طاعةٍ … فذاكَ خيرٌ لكَ من نومِ أمسكَ قدْ فاتَ بِعلَّاتهِ … فاستدركِ الفائتَ في اليومِ وقوله (٦): [من الخفيف] إِن ربًّا هَداكَ بعدَ ضَلالٍ … سُبلَ الرشدِ مستحقٌّ للعبادَهْ فَتَعَبَّدْ لهُ تَجِدْ منهُ عتقا … وَاسْتَدمْ فَضْلهُ بطولِ الزهادَهْ وله [[من مخلع البسيط] إِذا تَعَفَّفْتَ عَنْ حَرامٍ … عوَّضتَ بالطّيبِ الحلالْ فاقنعْ تجدْ في الحرامِ حلًّا … فضلًا من اللهِ ذي الجلالْ] (٧). ثم دخلت سنة سبع وعشرين وستمئة فيها: كانت وقعةٌ عظيمةٌ بين الأشرف موسى بن العادل وبين جلال الدين بن خوارزم شاه (٨)، وكان سببها أن جلال الدين كان قد أخذ مدينة خلاط في الماضي وخربها وشرَّد أهلها، وحاربه علاء (٩) الدين كيقُباذ ملك الروم وأرسل إِلى الأشرف يستحثه على القدوم عليه ولو جريدة وحده، فقدم الأشرف في طائفة كبيرة من عسكر دمشق، وانضاف إِليهم عسكر بلاد الجزيرة ومن تَبَقى (١٠) من عسكر خلاط،

стр. 6793

فكانوا (١) خمسة آلاف مقاتل [صليبة]، معهم العدَّة الكاملة، والخيول الهائلة، فالتقوا مع جلال الدين بأذربيجان وهو في عشرين ألف مقاتل، فلم يقم لهم ساعة واحدة، ولا صبر، فتقهقر (٢) وانهزم واتبعوه (٣) على الأثر، ولم يزالوا في طلبه إِلى مدينة خُوَيْ، وعاد الأشرف إِلى مدينة خلاط فوجدها خاويةً على عروشها، فمهّدها وأطَّدها، ثم تصالح [هو] وجلال الدين وعاد إِلى مستقر ملكه [بدمشق] حرسها الله [تعالى وإِياه]. وفيها: تسلَّم الأشرفُ قلعةَ بعلبك من الملك الأمجد بهرام شاه بعد حصار طويل، ثم استخلف على دمشق أخاه الصالح إِسماعيل، ثم سار إِلى الشرق (٤) بسبب أن جلال الدين الخوارزمي استحوذ على بلاد خلاط وقتل من أهلها خلقًا كثيرًا ونهب أموالًا كثيرة، فالتقى معه الأشرف (٥) واقتتلوا قتالًا عظيمًا فهزمه الأشرف هزيمةً منكرةً، وهلك من الخوارزمية خلقٌ كثيرٌ، ودقَّتِ البشائر في البلاد فرحًا بنصرة الأشرف على الخوارزمية، فإِنَّهم كانوا لا يفتحون بلدًا إِلا قتلوا من فيه ونهبوا أموالهم (٦)، فكسرهم الله تعالى. وقد كان الأشرف رأى النبي ﷺ ، في المنام قبل الوقعة وهو يقول له: يا موسى أنت منصور عليهم ولما فرع (٧) من كسرتهم عاد إِلى بلاد خلاط فرمم شعثها وأصلح ما كان فسد منها (٨). ولم يحجَّ أحد من أهل الشام في هذه السنة ولا في التي قبلها، وكذا فيما قبلها أيضًا، فهذه ثلاث سنين لم يَسِرْ من الشام أحد حاجٌّ إِلى الحجاز (٩). وفيها: أخذتِ الفرنجُ جزيرة ميورقة وقتلوا بها خلقًا وأسروا آخرين، فقدموا بهم إِلى الساحل فاستقبلهم المسلمون فأخبروا بما جرى عليهم من الفرنج. وممن توفي فيها من الأعيان: زين الأمناء الشيخ الصالح (١٠) أبو البركات، الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله

стр. 6794

زين الأمناء (١)، ابن عساكر الدمشقي الشافعي. سمع على عَمَّيْه الحافظ أبي القاسم والصائن وغير واحد، وعُمِّر وتَفَرَّدَ بالرواية وجاوز الثمانين بنحو من ثلاث سنين، وأُقعد في آخر عمره فكان يُحمل في محفَّةٍ إِلى الجامع وإِلى دار الحديث النورية لإسماع الحديث، وانتفع به الناس (٢) مدة طويلة، ولما توفي حضر الناسُ جنازتَه ودُفن عند أخيه الشيخ فخر الدين بن عساكر (٣) بمقابر الصوفية رحمه الله تعالى. الشيخ بيرم (٤) المارديني. كان صالحًا منقطعًا محبًا للعزلة عن الناس، وكان مقيمًا بالزاوية الغربية من الجامع، وهي التي يقال لها الغزالية، وتعرف بزاوية الدولعي وبزاوية القطب النيسابوري، وبزاوية الشيخ نصر (٥) المقدسي، قاله الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٦)، وكان يوم جنازته مشهودًا (٧)، ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى وعفا عنه بمنه وكرمه. ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وستمئة استُهلَّت هذه السنة والملك (٨) الأشرف موسى بن العادل مقيم بالجزيرة (٩) مشغول فيها بإِصلاح ما كان جلال الدين الخوارزمي قد أفسده من بلاده. وقد قدمت التتار في هذه السنة إِلى الجزيرة (١٠) وديار بكر فعاثوا بالفساد يمينًا وشمالًا فقتلوا ونهبوا وسَبَوْا على عادتهم خذلهم الله تعالى.

стр. 6795

وفيها: رتب إِمام بمشهد أبي بكر من جامع دمشق، وصُلِّيت فيه الصلواتُ الخمسُ. وفيها: درس الشيخ تقي الدين بن الصلاح (١) الشهرزوري الشافعي في المدرسة [الشامية] الجوانية في جوار (٢) المارستان في جمادى الأولى منها. وفيها: درس الناصح [ابن الحنبلي بالصاحبة] (٣) بسفح قاسيون التي أنشأتها الخاتون ربيعة (٤) بنت أيوب أخت ست الشام. وفيها: حبس الملك الأشرف الشيخ علي الحريري (٥) بقلعة عزتا. وفيها: كان غلاء شديد بديار مصر وبلاد الشام وحلب والجزيرة بسبب قلة المياه السماوية والأرضية، فكانت (٦) هذه السنة كما قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥، ١٥٦]. وذكر ابن الأثير (٧) كلامًا طويلًا مضمونهُ خروجُ طائفةٍ من التتار مرةً أخرى من بلاد ما وراء النهر، وكان سببُ قدومهم هذه السنة أَنَّ الإسماعيلية كتبوا إِليهم يخبرونهم بضعف أمر جلال الدين بن خوارزم شاه، وأنه قد عادى جميعَ الملوك حوله حتى الخليفة، وأنه قد كسره الأشرف بن العادل مرتين، وكان جلال الدين قد ظهرت منه أفعال ناقصة تدلُّ على قلَّةِ عقله، وذلك أنه توفي له غلام خصيّ يقال له قلج، وكان يحبّه، فوجد عليه وجدًا عظيمًا بحيث إِنه أمر الأمراء أن يمشوا بجنازته (٨) فمشوا فراسخ [إِلى تربته]، وأمر أهل البلد أن يخرجوا بحزنٍ وتعدادٍ عليه، فتوانى بعضهم في ذلك، فهمَّ بقتلهم حتى تشفَّع فيهم بعضُ الأمراء ثم لم يسمح بدفن قلج فكان يحمل معه بمحفةٍ، وكلما أحضر بين يديه طعام يقول احملوا هذا إِلى قلج، فقال له بعضهم: أيها الملك إِن قلج قد مات (٩)، فأمر بقتله فقتل (١٠)، فكانوا بعد ذلك يقولون: قبله وهو يقبل الأرض، ويقول هو الآن أصلح مما كان - يعني أنه مريض وليس بميت -
следующие страницы →