← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

يحيى بن الحسن بن غالب بن الحسن بن عمرو بن الحسن بن النعمان بن المنذر المعروف بابن زطينا البغدادي كاتب الديوان بها. أسلم - وكان نصرانيًا - فحسن إِسلامه، وكان من أفصح الناس وأبلغهم موعظة. ومن ذلك قوله: خيرُ أوقاتك ساعةٌ صَفَتْ لله، وخلصت (١) من الفكرة لغيره والرجاء لسواه (٢). وما دمتَ في خدمة السلطانِ فلا تَغْتَرَّ بالزمان. اكفف كفَّكَ، واصرف طرفكَ، وأكثر صومكَ، وأقلل نومكَ يُؤَمِّنْكَ. واشكر ربَّكَ يُحمدْ أمرُكَ. وقال: زادُ المسافر مُقَدَّمٌ (٣) على رحيله، فأعدَّ الزادَ تبلغْ بالمعاد المرادَ. وقال: إِلى متى تَتَمادَى في الغفلةِ كأَنَّكَ قد أَمِنْتَ عواقبَ المهلة، عُمْرُ اللَّهْوِ مضى، وعمرُ الشبيبة انقضى، وما حصلت من ربك على ثقة بالرضا، وقد انتهى بك الأمرُ إِلى سنِّ التخاذلِ وزمنِ التكاسلِ، وما حظيت بطائل. وقال: روحك تخضع، وعينك لا تدمع، وقلبك [لا] يخشع، ونفسك تجشع، وتظلم (٤) نفسك وأنت لها تتوجَّع، وتظهر الزهد في الدنيا وفي المال (٥) تطمع، وتطلب ما ليس لك بحق وما [قد] وجب عليك من الحق لا تدفع (٦)، وترومُ فضلَ ربِّك وللماعون تمنع، وتعيب (٧) نفسك الأمَّارَة وهي عن اللهوِ لا ترجع، وتوقظ الغافلين بإِنذارك وتتناوم عن سهمك (٨) وتهجع، وتخصّ غيرَك بخيرك ونفسَكَ الفقيرةَ لا تنفع، وتحومُ على الحقِّ وأنت بالباطل مولَع (٩)، وتتعثَّر في المضائق وطرق (١٠) النجاة مهيع، وتَتَهَجَّمُ على الذنوب وفي المجرمين تشفع [وتركن إِلى دار السلامة وأنت بالعطب مُرَوَّع - وتحرص على زيادة الاكتساب وحسابك في كفّ غيرك يوضع] وتُظهر القناعة بالقليل وبالكثير لا تشبع، وتعمر الدار الفانيةَ ودارُكَ الباقيةُ خرابٌ بلقع، وتستوطنُ في منزلِ رحيلٍ كأَنَّك إِلى ربك لا ترجع، وتظنُّ أَنَّك بلا رقيبٍ وأعمالك إِلى المراقِب تُرْفَع، تُقْدم على الكبائر وعن الصغائر تتورَّع، وتُؤمِّل الغفرانَ وأنت عن

стр. 6792

الذنوب لا تُقلع، وترى الأهوالَ محيطةً بك وأنت في ميدان اللهو ترتع، وتستقبحُ أفعال (١) الجُهَّال وبابَ الجهل تقرع، وقد آن لك أن تأنف من التعنيف وعن الدنايا (٢) تترفع، وقد سار المخِفُّون وتخلفت (٣) فماذا تتوقَّع. وقد أورد (٤) ابن الساعي له شعرًا حسنًا، فمنه [قوله] [من السريع] إِن سهرتْ عيناك (٥) في طاعةٍ … فذاكَ خيرٌ لكَ من نومِ أمسكَ قدْ فاتَ بِعلَّاتهِ … فاستدركِ الفائتَ في اليومِ وقوله (٦): [من الخفيف] إِن ربًّا هَداكَ بعدَ ضَلالٍ … سُبلَ الرشدِ مستحقٌّ للعبادَهْ فَتَعَبَّدْ لهُ تَجِدْ منهُ عتقا … وَاسْتَدمْ فَضْلهُ بطولِ الزهادَهْ وله [[من مخلع البسيط] إِذا تَعَفَّفْتَ عَنْ حَرامٍ … عوَّضتَ بالطّيبِ الحلالْ فاقنعْ تجدْ في الحرامِ حلًّا … فضلًا من اللهِ ذي الجلالْ] (٧). ثم دخلت سنة سبع وعشرين وستمئة فيها: كانت وقعةٌ عظيمةٌ بين الأشرف موسى بن العادل وبين جلال الدين بن خوارزم شاه (٨)، وكان سببها أن جلال الدين كان قد أخذ مدينة خلاط في الماضي وخربها وشرَّد أهلها، وحاربه علاء (٩) الدين كيقُباذ ملك الروم وأرسل إِلى الأشرف يستحثه على القدوم عليه ولو جريدة وحده، فقدم الأشرف في طائفة كبيرة من عسكر دمشق، وانضاف إِليهم عسكر بلاد الجزيرة ومن تَبَقى (١٠) من عسكر خلاط،

стр. 6793

فكانوا (١) خمسة آلاف مقاتل [صليبة]، معهم العدَّة الكاملة، والخيول الهائلة، فالتقوا مع جلال الدين بأذربيجان وهو في عشرين ألف مقاتل، فلم يقم لهم ساعة واحدة، ولا صبر، فتقهقر (٢) وانهزم واتبعوه (٣) على الأثر، ولم يزالوا في طلبه إِلى مدينة خُوَيْ، وعاد الأشرف إِلى مدينة خلاط فوجدها خاويةً على عروشها، فمهّدها وأطَّدها، ثم تصالح [هو] وجلال الدين وعاد إِلى مستقر ملكه [بدمشق] حرسها الله [تعالى وإِياه]. وفيها: تسلَّم الأشرفُ قلعةَ بعلبك من الملك الأمجد بهرام شاه بعد حصار طويل، ثم استخلف على دمشق أخاه الصالح إِسماعيل، ثم سار إِلى الشرق (٤) بسبب أن جلال الدين الخوارزمي استحوذ على بلاد خلاط وقتل من أهلها خلقًا كثيرًا ونهب أموالًا كثيرة، فالتقى معه الأشرف (٥) واقتتلوا قتالًا عظيمًا فهزمه الأشرف هزيمةً منكرةً، وهلك من الخوارزمية خلقٌ كثيرٌ، ودقَّتِ البشائر في البلاد فرحًا بنصرة الأشرف على الخوارزمية، فإِنَّهم كانوا لا يفتحون بلدًا إِلا قتلوا من فيه ونهبوا أموالهم (٦)، فكسرهم الله تعالى. وقد كان الأشرف رأى النبي ﷺ ، في المنام قبل الوقعة وهو يقول له: يا موسى أنت منصور عليهم ولما فرع (٧) من كسرتهم عاد إِلى بلاد خلاط فرمم شعثها وأصلح ما كان فسد منها (٨). ولم يحجَّ أحد من أهل الشام في هذه السنة ولا في التي قبلها، وكذا فيما قبلها أيضًا، فهذه ثلاث سنين لم يَسِرْ من الشام أحد حاجٌّ إِلى الحجاز (٩). وفيها: أخذتِ الفرنجُ جزيرة ميورقة وقتلوا بها خلقًا وأسروا آخرين، فقدموا بهم إِلى الساحل فاستقبلهم المسلمون فأخبروا بما جرى عليهم من الفرنج. وممن توفي فيها من الأعيان: زين الأمناء الشيخ الصالح (١٠) أبو البركات، الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله

стр. 6794

زين الأمناء (١)، ابن عساكر الدمشقي الشافعي. سمع على عَمَّيْه الحافظ أبي القاسم والصائن وغير واحد، وعُمِّر وتَفَرَّدَ بالرواية وجاوز الثمانين بنحو من ثلاث سنين، وأُقعد في آخر عمره فكان يُحمل في محفَّةٍ إِلى الجامع وإِلى دار الحديث النورية لإسماع الحديث، وانتفع به الناس (٢) مدة طويلة، ولما توفي حضر الناسُ جنازتَه ودُفن عند أخيه الشيخ فخر الدين بن عساكر (٣) بمقابر الصوفية رحمه الله تعالى. الشيخ بيرم (٤) المارديني. كان صالحًا منقطعًا محبًا للعزلة عن الناس، وكان مقيمًا بالزاوية الغربية من الجامع، وهي التي يقال لها الغزالية، وتعرف بزاوية الدولعي وبزاوية القطب النيسابوري، وبزاوية الشيخ نصر (٥) المقدسي، قاله الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٦)، وكان يوم جنازته مشهودًا (٧)، ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى وعفا عنه بمنه وكرمه. ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وستمئة استُهلَّت هذه السنة والملك (٨) الأشرف موسى بن العادل مقيم بالجزيرة (٩) مشغول فيها بإِصلاح ما كان جلال الدين الخوارزمي قد أفسده من بلاده. وقد قدمت التتار في هذه السنة إِلى الجزيرة (١٠) وديار بكر فعاثوا بالفساد يمينًا وشمالًا فقتلوا ونهبوا وسَبَوْا على عادتهم خذلهم الله تعالى.

стр. 6795

وفيها: رتب إِمام بمشهد أبي بكر من جامع دمشق، وصُلِّيت فيه الصلواتُ الخمسُ. وفيها: درس الشيخ تقي الدين بن الصلاح (١) الشهرزوري الشافعي في المدرسة [الشامية] الجوانية في جوار (٢) المارستان في جمادى الأولى منها. وفيها: درس الناصح [ابن الحنبلي بالصاحبة] (٣) بسفح قاسيون التي أنشأتها الخاتون ربيعة (٤) بنت أيوب أخت ست الشام. وفيها: حبس الملك الأشرف الشيخ علي الحريري (٥) بقلعة عزتا. وفيها: كان غلاء شديد بديار مصر وبلاد الشام وحلب والجزيرة بسبب قلة المياه السماوية والأرضية، فكانت (٦) هذه السنة كما قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥، ١٥٦]. وذكر ابن الأثير (٧) كلامًا طويلًا مضمونهُ خروجُ طائفةٍ من التتار مرةً أخرى من بلاد ما وراء النهر، وكان سببُ قدومهم هذه السنة أَنَّ الإسماعيلية كتبوا إِليهم يخبرونهم بضعف أمر جلال الدين بن خوارزم شاه، وأنه قد عادى جميعَ الملوك حوله حتى الخليفة، وأنه قد كسره الأشرف بن العادل مرتين، وكان جلال الدين قد ظهرت منه أفعال ناقصة تدلُّ على قلَّةِ عقله، وذلك أنه توفي له غلام خصيّ يقال له قلج، وكان يحبّه، فوجد عليه وجدًا عظيمًا بحيث إِنه أمر الأمراء أن يمشوا بجنازته (٨) فمشوا فراسخ [إِلى تربته]، وأمر أهل البلد أن يخرجوا بحزنٍ وتعدادٍ عليه، فتوانى بعضهم في ذلك، فهمَّ بقتلهم حتى تشفَّع فيهم بعضُ الأمراء ثم لم يسمح بدفن قلج فكان يحمل معه بمحفةٍ، وكلما أحضر بين يديه طعام يقول احملوا هذا إِلى قلج، فقال له بعضهم: أيها الملك إِن قلج قد مات (٩)، فأمر بقتله فقتل (١٠)، فكانوا بعد ذلك يقولون: قبله وهو يقبل الأرض، ويقول هو الآن أصلح مما كان - يعني أنه مريض وليس بميت -

стр. 6796

فيجد الملك بذلك راحة (١) من قلة عقله ودينه قبحه الله. فلما جاءت التتار اشتغل بهم وأمر بدفن قلج وهرب من بين أيديهم وامتلأ قلبه خوفًا منهم، وكان (٢) كلما سار من قطر لحقوه إِليه وخربوا ما اجتازوا به من الأقاليم والبلدان حتى انتهوا إِلى الجزيرة وجاوزوها إِلى سنجار وماردين وآمد، يفسدون ما قدروا عليه قتلًا ونهبًا وأسرًا (٣) وتمزَّقَ شملُ جلال الدين وتفرَّق عنه جيشهُ، فصاروا شَذَرَ مَذَرَ، وبُدِّلوا بالأمن خوفًا، وبالعزّ ذلًّا، وبالاجتماع تفريقًا، فسبحان من بيده الملك لا إِله إِلا هو. وانقطع خبر جلال الدين فلا يُدْرَى أين سلك، ولا أين ذهب، وتمكنت (٤) التتار من الناس في سائر البلاد لا يجدون من يمنعهم ولا من يردعهم، وألقى الله تعالى الوهنَ والضعفَ في قلوب الناس منهم، كانوا كثيرًا يقتلون الناس فيقول المسلم: لا بالله، لا بالله، فكانوا يلعبون على الخيل (٥) ويغنون ويحاكون الناس لا بالله لا بالله، وهذه طامة عظمى وداهية كبرى، فإِنا لله وإِنا إِليه راجعون. وحج الناس في هذه السنة من الشام وكان ممن حج (٦) فيها الشيخ تقي الدين أبو عمرو (٧) بن الصلاح، ثم لم يحج الناس بعد هذه السنة أيضًا لكثرة الحروب والخوف من التتار (٨) والفرنج، فإِنا لله وإِنا إِليه راجعون. وفيها: تكامل بناء المدرسة التي بسوق العجم ببغداد المنسوبة إِلى إِقبال الشرابي (٩)، وحضر الدرس بها، وكان يومًا مشهودًا، اجتمع (١٠) فيه جميع المدرسين والمفتين ببغداد، وعُمل بصحنها قبابُ الحلوى فحُمل منها إِلى جميع المدارس والربط، ورُتِّبَ فيها خمسة وعشرون (١١) فقيهًا لهم الجوامك الدارّةُ في كل [شهر والطعام في كل] يوم، والحلوى في أوقات المواسم، والفواكه في زمانها، وخلع على المدرِّس والمعيدين والفقهاء في ذلك اليوم (١٢)، وكان وقتًا (١٣) حسنًا تقبل الله تعالى منه.

стр. 6797

وفيها: سار الأشرف (١) أبو العباس أحمد بن القاضي الفاضل في الرسلية عن الكامل محمد صاحب مصر إِلى الخليفة المستنصر بالله [ببغداد]، فأكرم وأُعيد مُعَظَّمًا. وفيها: دخل الملك المظفر أبو سعيد كُوكْبُري (٢) بن زين الدين صاحب إِربل إِلى بغداد ولم يكن دخلها قطُّ، فتلقاه الموكب وشافهه الخليفة بالسلام مرتين في وقتين، وكان ذلك شرفًا له غبطه به سائر ملوك الآفاق، وسألوا أن يهاجروا ليحصل لهم مثل ذلك، فلم يمكنوا لحفظ الثغور، ورجع إِلى مملكته مُعَظَّمًا مُكَرَّمًا. وممن توفي فيها من الأعيان: ابن معطي (٣) النحوي، يحيى بن [عبد] (٤) المعطي بن عبد النور النحوي صاحب "الألفية" (٥) وغيرها من المصنفات النحوية المفيدة، ويلقب زين الدين. أخذ عن الكندي وغيره، ثم سافر إِلى مصر فكانت وفاته بالقاهرة في مستهل ذي الحجة من هذه السنة، وشهد جنازته الشيخ شهاب الدين أبو شامة، وكان قد رحل إِلى مصر في هذه السنة، وحكي أن الملك الكامل شهد جنازته (٦) أيضًا، وأنه دفن قريبًا من قبر المزني بالقرافة في طريق الشافعي عن يسرة المار ﵀. الدَّخْوَار الطَّبيب واقف الدَّخْوارية (٧) مُهَذَّب الدين عبد الرحيم بن علي بن حامد، المعروف بالدَّخْوار.

стр. 6798

شيخ الأطباء بدمشق، وقد وقف دارَه بدربِ العميد بالقرب من الصاغة العتيقة على الأطباء بدمشق [المحروسة] مدرسة (١) لهم، وكانت وفاته بصفر (٢) من هذه السنة، ودفن بسفح قاسيون، وعلى قبره قبة على أعمدة في أصل الجبل شرقي الركنية، وقد ابتلي بستة أمراض متعاكسة، منها ريح اللقوة (٣)، وكان مولده سنة خمس وستين وخمسمئة وكان عمره ثلاثًا وستين سنة. قال ابن الأثير (٤): وفيها توفي: القاضي أبو غنائم بن العديم (٥) الشيخ الصالح وكان من المجتهدين في العبادة والرياضة، والعاملين بعلمهم، ولو قال قائل إِنه لم يكن في زمانه أعبد منه لكان صادقًا، فرضي الله تعالى عنه وأرضاه، فإِنه من جماعة شيوخنا، سمعنا عليه الحديث وانتفعنا برؤيته وكلامه. قال: وفيها أيضًا في الثاني عشر من ربيع الأول توفي صديقنا: أبو القاسم عبد المجيد (٦) بن العجمي الحلبي، وهو وأهل (٧) بيته مقدمو السنة بحلب، وكان رجلًا ذا مروءة غزيرة، وخلق حسن، وحلم وافر، ورئاسة كثيرة، يحبّ إِطعام الطعام، وأحب الناس إِليه من يأكل من طعامه ويقبل برّة (٨)، وكان يلقى أضيافه بوجه منبسط، ولا يقعد عن إِيصال راحة وقضاء حاجة، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة. قلت: وهذا آخر ما وجد من "الكامل في التاريخ" للحافظ عز الدين أبي الحسن علي بن محمد بن الأثير رحمه الله تعالى (٩).

стр. 6799

أبو إِسحاق إِبراهيم (١) بن عبد الكريم بن أبي السعادات (٢) بن كريم الموصلي (٣)، أحد الفقهاء الحنفيين، شرح قطعة كبيرة من القدوري، وكتب الإِنشاء لصاحبها بدر الدين لؤلؤ (٤)، ثم استقال من ذلك، وكان فاضلًا شاعرًا، ومن شعره: [من الطويل] دَعُوهُ كما شاءَ الغَرامُ يكونُ … فلستُ وإِن خانَ العهودَ أخونُ ولينوا له في قولكم ما استطعتمُ … عسى قلبُهُ القاسي عليَّ يلينُ وبُثُّوا صباباتي إِليه وكَرِّروا … حديثي عليه فالحديثُ شُجونُ بنفسي الأُلى بانوا عن العين حصةً (٥) … وحبهمُ في القلبِ ليسَ يبينُ وسَلُّوا على العُشّاقِ يومَ تَحَمَّلوا … سيوفًا لها وَطْفُ الجفونِ جفونُ المجد البَهْنَسي (٦)، وزير الملك الأشرف ثم عزله وصادره، ولما توفي دفن بتربته (٧) التي أنشأها بسفح قاسيون وجعل كتبه بها وقفًا، وأجرى عليها أوقافًا جيّدة دارَّة رحمه الله تعالى. جمال الدولة (٨) خليل بن زويزان رئيس قصر حجاج، كان كيِّسًا ذا مروءة، له صدقات كثيرة، وله زيارة في مقابر الصوفية من ناحية القبلة، ودفن بتربته عند مسجد قلوس (٩) رحمه الله تعالى. الملك الأمجد (١٠) واقف المدرسة (١١) الأمجدية.

стр. 6800

وفيها: كانت وفاة: [الأمجد] بهرام شاه بن فروخشاه بن شاهنشاه (١) بن أيوب صاحب بعلبك (٢). لم يزل بها حتى قدم الأشرف موسى بن العادل إِلى دمشق فملكها في سنة ست وعشرين، فانتزع من يده بعلبك في سنة سبع وعشرين، وأسكنه عنده بدمشق بدار أبيه، فلما كان شهر شوال من هذه السنة عدا عليه مملوك من مماليكه تركي فقتله ليلًا، وكان قد اتهمه بحياصة (٣) له وحبسه، فتغلب عليه في بعض الليالي فقتله وقُتل المملوكُ بعده، ودفن الأمجد في تربته التي إِلى جانب تربة أبيه في الشرف (٤) الشمالي رحمه الله تعالى، وقد كان شاعرًا فاضلًا له ديوان شعر، وقد أورد له ابن الساعي قطعة جيدة من شعره الرائق الفائق. وترجمته في "طبقات الشافعية". ولم يذكره أبو شامة في "الذيل". وهذا عجيب منه. ومما أورد له ابن الساعي (٥) في شاب رآه يقطع قضبان بانٍ، فأنشأ (٦) على البديهة يقول (٧): [من الكامل] مَنْ لِي بأهيفَ قالَ حينَ عتبتهُ … في قطعِ (٨) كلِّ قضيبِ بانٍ رائقِ تحكي شمائلهُ الرشاء (٩) إِذا انثنى … رَيّانَ بينَ جداولٍ وحدائقِ سرقتْ غصونُ البانِ لينَ شمائلي … فقطعتُها والقطعُ حدُّ السارقِ ومن شعره أيضًا رحمه الله تعالى: [من الوافر] يُؤَرِّقني حَنينٌ وادّكارُ … وقد خَلَتِ المرابعُ والديارُ تَناءى الظَّاعِنونُ ولي فُؤادٌ … يسيرُ مع الهوادج حيثُ ساروا

стр. 6801

حنيني (١) مثلما شاءَ التّنائي … وشوقٌ كلَّما بَعُدَ المزارُ وليلي (٢) بَعْدُ بينهمُ طويلٌ … فأينَ مَضَتْ لياليَّ القصارُ؟ وقد حكمَ السهادُ على جُفوني … تساوَى الليلُ عندي والنهارُ سهادي بعد نأيهمُ كثيرٌ … ونَوْمي بعدَ ما رحلوا غرارُ (٣) فمنْ ذا يستعيرُ لنا عيونًا … تنامُ وهل (٤) ترى عينًا (٥) تعارُ فلا لَيْلي لهُ صُبْحٌ منيرٌ … ولا وَجْدي يُقالُ له عِثارُ (٦) وكمْ من قائلٍ والحيُّ غادٍ … يحجبُ ظعنَهُ النقعُ المثارُ وقوفكَ في الديارِ وأنتَ حيّ … وقدْ رَحَلَ الخليطُ عليكَ عارُ وله دوبيت (٧): كم يذهب هذا العمر في الخسرانِ … ما أَغْفَلني فيه (٨) وما أنساني ضيعتُ زماني كله في لعبٍ … يا عُمْرُ هل بعدكَ عمر ثاني (٩) وقد رآه بعضهم في المنام فقال له: ما فعل الله تعالى بك؟ فقال: [من المديد] كنتُ من ذنبي (١٠) على وجلٍ … زالَ عَنّي ذلكَ الوجلُ أَمِنَتْ نَفْسي بوائِقَها … عشتُ لما متّ يا (١١) رجلُ ﵀ وعفا عنه. جلال الدين تكش (١٢)، وقيل: محمود بن علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش الخوارزمي،

стр. 6802

وهم من سلالة طاهر بن الحسين، وتكش جدهم هو الذي أزال دولة السلجوقية. كانت التتار [قد] قهروا أباه حتى شردوه في البلاد فمات في بعض جزائر البحر، ثم ساقوا وراء جلال الدين هذا حتى مَزَّقوا عساكره شَذَرَ مَذَرَ وتفرّقوا عنه أيدي سَبَأ، وانفرد هو وَحْدَه فلقيه فلاح من قريةٍ بأرض مَيَّافارقين فأنكره لما عليه من الجواهر والذهب، وعلى فرسه، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا ملك الخوارزمية - وكانوا قد قتلوا للفلاح أخا - فأنزله وأظهر إِكرامه، فلما نام قتله بفأس كانت عنده، وأخذ ما عليه، فبلغ الخبر إِلى شهاب الدين غازي (١) بن العادل صاحب ميافارقين فاستدعى بالفلاح فأخذ ما كان عليه من الجواهر [والحلي]، وأخذ الفرس أيضًا، وكان [الملك] الأشرف يقول هو سدُّ ما بيننا وبين التتار، كما أن السدَّ بيننا وبين يأجوج ومأجوج. ثم دخلت سنة تسع وعشرين وستمئة فيها: عُزل القاضيان بدمشق: شمس الدين بن الخُوَيي (٢) وشمس الدين بن سَنِي الدولة (٣)، وولي قضاء القضاة عماد (٤) الدين ابن الحَرستاني، ثم عُزل في سنة إِحدى وثلاثين وأُعيد شمس الدين بن سَنيّ الدولة كما سيأتي. وفي (٥) سابع عشر شوالها عَزل الخليفةُ المستنصرُ وزيرَه مؤيد الدين محمد بن محمد بن عبد الكريم القُمّي (٦)، وقُبض عليه وعلى أخيه حسن وابنه فخر الدين أحمد بن محمد القُمّي وأصحابهم وحُبسوا، واستوزر الخليفة مكانه أستاذ الدار شمس الدين أبا الأزهر، أحمد بن محمد بن الناقد (٧)، وخَلَعَ عليه خلعةً سنيةً وفرح الناس بذلك. وفيها (٨) أقبلت طائفةٌ من التتار فوصلوا إِلى شهرزور فندب الخليفة صاحب إِربل مُظَفّر الدين كوْكُبري (٩) بن زين الدين، وأضاف إِليه عساكر من عنده، فساروا نحوهم فهربت منهم التتار وأقاموا في

стр. 6803

مقابلتهم (١) مدة شهور، ثم تمرَّض مظفر الدين وعاد إِلى بلده إِربل، وتراجعت التتار (٢) إِلى بلادها. وممن توفي فيها من الأعيان: ابن نقطة (٣)، الحافظ محمد بن عبد الغني (٤) بن أبي البغدادي، أبو بكر بن نقطة الحافظ المحدّث الفاضل، صاحب الكتاب النافع المسمى "بالتَّقييد في تراجم رواة الكتب والمشاهير من المحدثين" (٥)، وكان أبوه فقيهًا فقيرًا (٦) منقطعًا في بعض مساجد بغداد، يُؤثر أصحابه بما يحصل له، ونشأ ولده هذا فعُني (٧) بعلمِ الحديث وسماعه والرحلة فيه إِلى الآفاق شرقًا وغربًا، حتى برز فيه على الأقران، وفاق أهل ذلك الزمان [والأوان]، ولد سنة تسع (٨) وسبعين وخمسمئة، وتوفي يوم الجمعة الثاني والعشرين من صفر من هذه السنة، رحمه (٩) الله . الجمال عبد الله بن الحافظ عبد الغني المقدسي (١٠). كان فاضلًا كريمًا حييًا، سمع الكثير، ثم خالط الملوك وأبناء الدنيا، فتغيرت أحواله ومات ببستان ابن شكر عند الصالح إِسماعيل (١١) بن العادل، وهو الذي كفَّنه ودفن بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى.

стр. 6804

أبو علي الحسين بن أبي بكر المبارك (١) بن أبي عبد الله محمد بن يحيى بن مُسْلم (٢) الزَّبيدي ثم البغدادي. كان شيخًا صالحًا [وفقيهًا] حنفيًا فاضلًا ذا فنون كثيرة، ومن ذلك علم الفرائض والعروض، وله فيه أرجوزةٌ حسنةٌ، انتخب منها ابن الساعي من كل بحر بيتين، وسرد ذلك في تاريخه. أبو الفتح مسعود بن إِسماعيل بن [أبي] علي (٣) بن موسى السَّلماني. فقيه أديب شاعر، له تصانيف، وقد "شرح المقامات" و"الجُمل" في النحو، وله خطب وأشعار حسنة رحمه الله تعالى. الفخر بن الشِّيرجي (٤) أبو بكر محمد بن عبد الوهاب بن عبد الله الأنصاري فخر الدين ابن الشِّيرجي الدمشقي، أحد المُعَدّلين بها، ولد سنة تسع وأربعين وخمسمئة، وسمع الحديث وكان يلي ديوان الخاتون ست الشام (٥) بنت أيوب، وفوضت إِليه أمر أوقافها. قال السبط (٦): وكان ثقة أمينًا كيسًا متواضعًا. قال: وقد وزر ولده شرف الدين للناصر داود مدة يسيرة. وكانت وفاة فخر الدين في يوم عيد الأضحى ودفن بمقابر باب الصغير، رحمه الله تعالى وعفا عنه. العماد المحلي الشاعر (٧) حسام بن غزي (٨) بن يونس عماد الدين أبو المناقب المحلي المصري، ثم الدمشقي.

стр. 6805

كان شيخًا صالحًا فاضلًا فقيهًا شافعيًا، حسن المحاضرة وله أشعارٌ حسنة. قال أبو شامة (١): وله في معجم القوصي ترجمة حسنة، وذكر أنه توفي عاشر ربيع الآخر ودفن بمقابر الصوفية. قال السبط: وكان مقيمًا بالمدرسة الأمينية، وكان لا يأكل لأحد شيئًا ولا للسلطان، بل إِذا حضر طعامًا كان معه في كمِّه شيء يأكله، وكان لا يزال معه ألف دينار على وسطه، وحكى عنه قال: خلع عليّ الملك العادل ليلة طيلسانًا فلما خرجت مشى بين يدي نفّاط (٢) [وبيده مشعل] (٣) يحسبني القاضي، فلما وصلت باب البريد عند دار سيف خلعت الطيلسان وجعلته في كمِّي وتباطأت في المشي، فالتفتَ فلم يَرَ وراءه أحدًا، فقال لي: أين القاضي؟ فأشرتُ إِلى ناحية النُّورية وقلتُ: ذهب إِلى داره، فلما أسرع إِلى ناحية النُّورية هرولتُ إِلى المدرسة الأمينية واسترحتُ منه. وقال ابن الساعي: كان مولده سنة ستين وخمسمئة، وخلَّف أموالًا كثيرة ورثتها عصبته، قال: وكانت له معرفةٌ حسنة بالأخبار والتواريخ وأيام الناس، مع دينٍ وصلاحٍ وورعٍ، وأورد له ابن الساعي قطعًا من شعره فمن ذلك قوله: [من الخفيف] قيل لي مَنْ هويتَ قد عبثَ الشَّعْـ … ــرُ بخدَّيْه (٤) قلتُ ما ذاكَ عارُهْ حمرةُ الخدِّ أحرقتْ عنبرَ الخا … لِ فمنْ ذلكَ (٥) الدخان عذارُهْ وقوله (٦) [من السريع]: شَوقي إِليكُمْ دونَ أشواقكمْ … لكنه (٧) لابدَّ أنْ (٨) يُشْرحُ لأنَّني عن قلبكُمْ غائبٌ … وأنتمُ في القلبِ لن تبرحوا (٩) أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن الجارود الماراني (١٠)، الفقيه الشافعي، أحد الفضلاء.

стр. 6806

ولي القضاء بإِربل وكان ظريفًا خليعًا، وكان من محاسن الأيام، وله أشعار رائقة ومعان فائقة، منها (١) قوله: [من المتقارب] مشيبٌ أتى وشبابٌ رحل … أحل (٢) العنايةَ حيث حلْ وعمري تَقضَّى بلا طاعة … ويحكِ يا نفس ماذا الزلل (٣) وذَنْبُكِ جَمٌّ، ألا فارجعي … وعودي فقد حانَ وقتُ الأَجل وديني الإلهَ ولا تقصري … ولا يَخْدَعَنَّكِ طولُ الأمل فما لكِ غيرُ التُّقَى مُسعدٌ … ولا صاحب غير حسن العمل (٤) أبو الثناء محمود بن زاكي (٥) بن علي بن يحيى الطَّائي الرَّقِّي نزيل إرْبل، وولي النظر بها للملك مُظَفَّر الدين، وكان شيخًا أديبًا فاضلًا، ومن شعره قوله: [من الطويل] وأهيفُ ما الخَطِيُّ إلا قوامُهُ … وما الغُصْنُ إلا ما يثنيهِ لينُهُ وما الدَّعْص إلا ما تحمَّلَ خَصْرُهُ … وما النَّبْلُ إلا ما تَريش جُفُونُهُ وما الخمرُ إلا ما يروقُ ثَغْرُهُ … وما السّحرُ إلا ما تكنُّ عُيُونُهُ وما الحُسْنُ إلا كُله فمنِ الذي … إذا ما رآهُ لا يزيدُ جُنُونُهُ ابن معطي النَّحوي يحيى (٦) ترجمه أبو شامة في السنة الماضية، وهو أضبط لأنه شهد جنازته (٧) بمصر. وأما ابن الساعي فإنه ذكره في هذه السنة، وقال: إِنه كان حظيًا عند الكامل محمد صاحب مصر، وإِنه كان قد نظم "أرجوزةً في القراءات السبع" و"نظم ألفاظ الجمهرة" وكان قد عزم على نظم "صحاح الجوهري".

стр. 6807

ثم دخلت سنة ثلاثين وستمئة فيها: باشر خطابة بغداد ونقابة العباسيين العدل مجد الدين أبو القاسم هبة الله بن المنصوري (١)، وخلعَ عليه خلعة سنية، وكان فاضلًا قد صحب الفقراءَ والصوفيةَ وتزهَّدَ برهةً من الزمان، فلما دُعي إِلى هذا الأمر أجاب سريعًا وأقبلت عليه الدنيا بزهرتها، وخَدَمَهُ الغلمانُ الأتراكُ، ولبس لباس المُتْرَفين وقد عاتبه بعض تلامذته بقصيدة طويلة، وعنَّفه على ما صار إِليه، و [قد] سردها ابن الساعي بطولها في "تاريخه" (٢). وفيها: سار القاضي محيي الدين يوسف بن الشيخ جمال الدين أبي الفرج [بن الجوزي] في الرسلية من الخليفة إِلى الكامل [محمد] (٣) صاحب مصر، ومعه كتاب هائل فيه تقليده الملك، وفيه أوامر كثيرة مليحة من إِنشاء الوزير نصير (٤) الدين أحمد بن الناقد، سرده ابن الساعي أيضًا بكماله. وقد كان الكامل مخيِّمًا بظاهر آمد من أعمال الجزيرة، قد افتتحها بعد حصار طويل وهو مسرور بما نال من ملكها. وفيها: فتحت دار الضيافة ببغداد للحجيج حين قدموا من حجهم، وأجريت عليهم النفقات والكساوي والصلات، ولله الحمد والمنة. وفيها: سارت العساكر المستنصرية صحبة الأمير شرف (٥) الدين أبي الفضائل (٦) إِقبال الخاص المستنصري إِلى مدينة إِربل وأعمالها، وذلك لمرض مالكها مُظَفَّر الدين كُوْكُبُري (٧) بن زين الدين، وأنه ليس له من بعده مَنْ يملك البلاد، فحين وصلها الجيش منعه أهلُ البلد فحاصروه حتى افتتحوه عنوةً في السابع عشر من شوال في هذه السنة، وجاءت البشائر بذلك فضُربت الطبولُ ببغداد بسبب ذلك، وفرح

стр. 6808

أهلُها، وكُتب التقليد عليها لإقبال المذكور، فرتب فيها المناصب وسار فيها سيرةً جيدةً، وامتدح الشعراءُ هذا الفتح من حيث هو، وكذلك مدحوا فاتحها إِقبالًا (١)، ومن أحسن ما قال بعضهم [في ذلك] (٢): يا يومَ سابعَ عشرَ شوال الذي … رُزِقَ السعادةَ أَوَّلًا وأخيرًا هُنّيت فيه بفَتْح إِربلَ مِثْلَما … هُنيتَ فيه وقد جلستَ وزيرًا يعني أن الوزير نصير الدين بن العلقمي (٣)، قد كان وزر في مثل هذا اليوم من العام الماضي. وفي مستهل رمضان من هذه السنة شُرع في عمارة دار الحديث الأشرفية بدمشق، وكانت قبل ذلك دارًا للأمير قايماز (٤) وبها حمَّامٌ فهدمت وبنيت (٥) عوضها. وقد ذكر السبط (٦) في هذه السنة أن في ليلة النصف من شعبان فتحت دار الحديث الأشرفية المجاورة لقلعة دمشق، وأملى بها الشيخ تقي الدين بن الصلاح الحديث، ووقف عليها الأشرف الأوقاف، وجعل بها نعل النبيّ ﷺ . قال (٧): وسمع الأشرف صحيح البخاري في هذه السنة على الزبيدي (٨). قلت: وكذا سمعوا عليه بالدار وبالصالحية. قال (٩) وفيها: فتح الكامل آمد وحصن كيفا، ووجد عند صاحبها خمسمئة حرة للفراش فعذّبه الأشرف عذابًا أليمًا. [قال]: وفيها: قصد صاحب ماردين وجيش بلاد الروم الجزيرة فقتلوا وسبوا وفعلوا ما لم يفعله التتار بالمسلمين.

стр. 6809

وممن توفي من الأعيان في هذه السنة من المشاهير: أبو القاسم علي بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي (١). كان شيخًا [لطيفًا ظريفًا] (٢)، سمع الكثير وعمل صناعة الوعظ مدة، ثم ترك ذلك، وكان يحفظ شيئًا كثيرًا من الأخبار والنوادر والأشعار، ولد سنة إِحدى وخمسين وخمسمئة، وكانت وفاته في هذه السنة وله تسع وسبعون سنة. وقد ذكر السبط (٣) وفاة: الوزير صَفيّ الدين [عبد الله بن علي] بن شُكْر (٤)، في هذه السنة، وأثنى عليه وعلى محبته (٥) للعلم وأهله، وأن له مصنفًا سماه "البصائر" وأنه تغضَّب عليه العادل ثم ترضاه الكامل وأعاده إِلى وزارته وحرمته، ودفن بمدرسته المشهورة بمصر، وذكر أن أصله من قرية يُقال لها دَمِيرَة (٦) بمصر. الملك ناصر الدين محمود (٧) بن عز الدين مسعود بن نور الدين أرسلان شاه بن قطب الدين مودود بن عماد الدين (٨) زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل. كان مولده في سنة ثلاث عشرة وستمئة، وقد أقامه بدر الدين لؤلؤ صورة حتى تَمَكَّنَ أمرُه وقويت شَوْكَتُه، ثم حَجَرَ عليهِ فكان لا يصل إِلى أحدٍ من الجواري ولا شيء من السراري، حتى لا يعقب، وضيّق عليه في الطعام والشراب، فلما توفي جدّه لأمه مُظَفَّر الدين كُوْكبُري صاحب إِربل منعه حينئذ من الطعام والشراب ثلاثةَ عشر (٩) يومًا حتى مات كمدًا وجوعًا وعطشًا ﵀، وكان من أحسن الناس صورة، وهو آخر ملوك الموصل من بيت الأتابكي (١٠).

стр. 6810

القاضي شرف الدين إسماعيل بن إِبراهيم (١) أحد مشايخ الحنفيَّة. وله مصنفات في الفرائض وغيرها، وهو ابن خالة القاضي شمس الدين بن الشيرازي (٢) الشافعي، وكلاهما كان ينوبُ عن ابن الزكي (٣) وابن الحرستاني (٤)، وكان يدرس بالطرخانية (٥). وفيها سكنه (٦)، فلما أرسل إِليه المعظم أن يفتي بإِباحة نبيذ التمر وماء الرمان امتنع من ذلك وقال أنا على مذهب محمد بن الحسن في ذلك، والرواية عن أبي حنيفة شاذة، ولا يصحّ حديث ابن مسعود في ذلك، ولا الأثر عن عمر (٧) أيضًا. فغضب عليه المعظم وعزله عن التدريس وولاه لتلميذه الزين بن العتال (٨)، وأقام الشيخ بمنزله حتى مات، رحمه الله تعالى. قال أبو شامة (٩): وفي هذه السنة توفي (١٠) جماعةٌ من السلاطين منهم المغيث بن المغيث بن العادل، والعزيز عثمان بن العادل، ومظفر الدين صاحب إِربل. قلت: أما صاحب إِربل فهو:

стр. 6811

الملك المظفر (١) أبو سعيد كُوْكُبُري (٢) [مظفر الدين] بن زين الدين علي بن بُكْتَكين (٣). أحد الأجواد والسادات الكبراء والملوك الأمجاد، له آثارٌ حسنةٌ وقد عَمرَ الجامع المُظَفَّري (٤) بسفح قاسيون، وكان قد همَّ بسياقة الماء إِليه من ماء برزة (٥) فمنعه المعظم من ذلك، واعتلَّ بأنه قد يمرّ على مقابر المسلمين بالسفوح، وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالًا هائلًا. وكان مع ذلك شهمًا شجاعًا فاتكًا بطلًا عاقلًا عالمًا عادلًا ﵀ وأكرم مثواه. وقد صنف الشيخ أبو الخَطّاب ابن دِحْيَة (٦) له مجلدًا في المولد النبوي سماه "التنوير في مولد البشير النذير"، فأجازه على ذلك بألف دينار، وقد طالت مدّتُه في الملك في زمان الدولة الصَّلاحية، وقد كان محاصر عكا (٧) وإِلى هذه السنة محمود السيرة والسريرة. قال السبط (٨): حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد كان يمد (٩) في ذلك السماط خمسة آلاف رأسٍ مشويّ، وعشرةَ آلاف دجاجة، ومئة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى. قال: وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم ويطلق لهم ويعمل للصوفية سماعًا من الظهر إِلى الفجر، ويرقص بنفسه معهم (١٠)، وكانت له دار ضيافة للوافدين من أي جهة على أي صفة، وكانت صدقاته في جميع القرب والطاعات على الحرمين وغيرهما، ويستفك (١١) من الفرنج في كل سنة خلقًا من الأسارى، حتى قيل إِن جملة من استفكه (١٢) من أيديهم ستون ألف أسير، قالت زوجته (١٣) ربيعة

стр. 6812

خاتون بنت أيوب - وكان قد (١) زوجه إِياها أخوها صلاح الدين، لمَّا كان معه على عكا - قالت: كان قميصه لا يساوي خمسة دراهم (٢) فعاتبته بذلك فقال: أَلْبِس ثوبًا بخمسة وأتصدق بالباقي خير من أن ألبس ثوبًا مثمّنًا وأدع الفقير المسكين، وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمئة ألف دينار، وعلى دار الضيافة في كل سنة مئة ألف دينار. [وفي ثمن الأسارى في كل سنة مئتي (٣) ألف دينار] وعلى الحرمين والمياه بدرب الحجاز ثلاثين ألف دينار سوى صدقات السر، رحمه الله تعالى. وكانت وفاته بقلعة إِربل، وأوصى أن يحمل إِلى مكة فلم يتفق فدفن بمشهد عليّ. والملك العزيز عثمان (٤) بن العادل. وهو شقيق المُعَظَّم، وكان صاحب بانياس وتملك الحصون التي هنالك، وهو الذي بنى الصُّبَيْبَة. وكان عاقلًا قليل الكلام مطيعًا لأخيه المُعَظَّم، ودُفن عنده وكانت وفاته يوم الإثنين عاشر رمضان ببستانه الناعمة من [بيت] لهيا ﵀ وعفا عنه. ابن عنين الشاعر (٥) أبو المحاسن محمد بن نصر الله بن مكارم بن الحسن (٦) بن علي بن محمد بن غالب الأنصاري، المعروف بابن عُنَيْن الشاعر. قال ابن الساعي: أصله من الكوفة، وولد بدمشق ونشأ بها، وسافر عنها سنين (٧)، فجاب الأقطار والبلاد شرقًا وغربًا ودخل الجزيرة وبلاد الروم والعراق وخراسان وما وراء النهر والهند واليمن والحجاز وبغداد، ومدح أكثر أهل هذه البلاد، وحصَّلَ أموالًا جزيلة، وكان ظريفًا شاعرًا مطبقًا مشهورًا، حسن الأخلاق جميل المعاشرة، وقد رجع إِلى بلده دمشق فكان بها حتى مات هذه السنة في قول ابن الساعي.

стр. 6813

وأما السبط (١) وغيره فأرَّخوا (٢) وفاته في سنة ثلاث وثلاثين، وقد قيل إِنه مات في سنة إِحدى وثلاثين والله أعلم. والمشهور أن أصله من حوران من مدينة زرع، وكانت إِقامته بدمشق في الجزيرة قبلي الجامع، وكان هجّاءً له قدرةٌ على ذلك، وصنَّف كتابًا سماه "مقراض الأعراض"، يشتمل (٣) على نحو من خمسمئة بيت، قلَّ من سلم من الدماشقة من شَرِّهِ، ولا الملك صلاح الدين ولا أخوه العادل، وقد كان يُزَنُّ (٤) بترك الصلاة (٥) المكتوبة فالله أعلم. وقد نفاه الملك الناصر صلاح الدين إِلى الهند فامتدح ملوكها وحصّل أموالًا جزيلة، وصار إِلى اليمن فيقال إِنه وزر لبعض ملوكها، ثم عاد في أيام العادل إِلى دمشق، ولما ملك المعظم استوزره فأساء السيرةَ واستقال هو من تلقاء نفسه فعزله، وكان قد كتب إِلى الدماشقة من بلاد الهند (٦): [من الكامل] فعلامَ أبعدتُمْ أخا ثقةٍ … لم يقترف (٧) ذنبًا ولا سَرَقا أُنْفُوا المُؤَذّنَ من بلادكمُ … إِن كانَ يُنْفَى كلُّ من صَدَقا ومما هجا به الملك الناصر صلاح الدين رحمه الله تعالى (٨): [من المنسرح] سلطانُنا أعرجٌ وكاتبُهُ … ذُو عَمَشٍ والوزيرُ (٩) منحدبُ (١٠) والدولعيُّ الخطيبُ معتكفٌ … وهو على قشر بيضةٍ يثبُ (١١) ولابنِ باقا (١٢) وعظٌ يعزُ (١٣) به النـ … ـــاسَ وعبد اللطيفِ محتسبُ

стр. 6814

وصاحبُ الأمر خلقهُ شرسٌ … وعارضُ الجيش داؤهُ عجبُ وقال في السلطان (١) الملك العادل سيف الدين رحمه الله تعالى وعفا عنا (٢): [من الخفيف] إِن سلطاننا الذي نرتجيه … واسعُ المالِ ضيِّقُ الإنفاقِ هو سيفٌ كما يقال ولكن … قاطعٌ للرسومِ والأرزاقِ وقد حضر مرة مجلس الفخر الرازي (٣) بخراسان وهو على المنبر يعظ الناس، فجاءت (٤) حمامة خلفها جارح فألقت نفسها على الفخر الرازي كالمستجيرة به، فأنشأ ابن عنين يقول (٥): [من الكامل] جاءت سليمانَ الزمانِ حمامة (٦) … والموتُ يلمعُ من جناحي خاطفِ قرمٌ لَواهُ الجوعُ (٧) حتى ظلُّهُ … بإزائِه يجري بقلبٍ واجفِ (٨) من أعْلَم (٩) الورقاءَ أن محلَّكمْ … حرمٌ وأنكَ ملجأٌ للخائفِ الشيخ شهاب الدين السُّهْرَوَرْدِي (١٠)، صاحب "عوارف المعارف" عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عَمَّويه (١١)، واسمه عبد الله البَكْري البغدادي، شهاب الدين أبو حفص السُّهْرَوَرْدي، شيخ الصوفية ببغداد. كان من كبار الصالحين وسادات المسلمين، وتردد في الرسلية بين الخلفاء والملوك مرارًا،

стр. 6815

وحصلت له أموال جزيلة ففرَّقها بين الفقراء والمحتاجين، وقد حجَّ مرة وفي صحبته خلقٌ من الفقراء لا يعلمهم إِلا الله ، وكانت فيه مروءة وإِغاثة للملهوفين، [وإِعانة المحتاجين]، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وكان يعظ الناس وعليه ثياب البذلة (١). قال (٢) مرة هذا البيت: [من البسيط] ما في الصِّحاب أخو وجد نطارحه … حديث نجد ولا صبٌّ نجاريه وجعل يكرره ويتواجد، فناداه شاب عليه قباء وكلوتة من الحاضرين فقال: يا شيخ نستطيع وننتقص بالقوم، والله إِن فيهم مَنْ لا يرضى أن يجاريك ولا يصل فهمك إِلى ما يقول. هلَّا أنشدت: [من البسيط] ما في الصِّحاب وقد سارت حمولهمُ … إِلا محبّ له في الركب محبوبُ كأنما يوسف في كل راحلة … والحي في كل بيت منه يعقوبُ فصاح الشيخ ونزل عن (٣) المنبر وقصد الشاب ليعتذر إِليه فلم يجده ووجد مكانه حفرة فيها دم كثير من كثرة ما كان يفحص (٤) برجليه عند إِنشاد الشيخ البيت. وذكر له ابن (٥) خلكان (٦) أشياء كثيرة من أناشيده وأثنى عليه خيرًا، وأنه توفي في هذه السنة وله ثلاث وتسعون سنة رحمه الله تعالى. ابن الأثير (٧) مصنف "أسد (٨) الغابة" و"الكامل". هو الإمام العلَّامة عزّ الدين أبو الحسن علي بن [أبي الكرم محمد بن محمد بن] عبد الكريم بن عبد الواحد الشَّيْباني الجَزَري المَوْصِلي المعروف بابن الأَثير مصنف كتاب "أسد (٩) الغابة في أسماء

стр. 6816

الصحابة"، وكتاب "الكامل في التاريخ" وهو من أحسنها حوادث، ابتدأه من المبتدأ إِلى سنة ثمانٍ وعشرين وستمئة، وقد كان يتردد إِلى بغداد، [وكان] خصيصًا عند ملوك الموصل، ووزر لبعضهم كما تقدّم بيانه، وأقام بها في آخر عمره موقّرًا معظّمًا إِلى أن توفي بها في شعبان في هذه السنة، عن خمس وسبعين سنة ﵀. وأما أخوه [مجد الدين] أبو السعادات المبارك (١) فهو مصنف كتاب "جامع الأصول" وغيره. وأخوهما الوزير ضياء الدين أبو الفتح نصر الله (٢) كان (٣) وزيرًا للملك الأفضل (٤) علي بن الناصر فاتح بيت المقدس، صاحب دمشق كما تقدم. وجزيرة ابن عمر، قيل إِنها منسوبة إِلى رجل يقال له عبد العزيز (٥) بن عمر، من أهل برقعيد (٦)، وقيل بل هي منسوبة إِلى ابني عمر، وهما أوس وكامل ابنا عمر بن أوس [التغلبي فالله أعلم حرَّر ذلك القاضي ابن خلكان (٧) رحمه الله تعالى]. ابن المستوفي الإربلي (٨) مبارك بن أحمد بن مبارك بن موهوب بن غنيمة بن غالب العلامة شرف الدين أبو البركات اللَّخمي الإربلي. كان إِمامًا في علوم كثيرة كالحديث وأسماء الرجال والأدب والحساب (٩)، وله مصنفات كثيرة وفضائل غزيرة، وقد بسط ترجمته القاضي شمس الدين بن خلكان في "الوفيات" (١٠) فأجاد وأفاد، رحمهم الله تعالى.

стр. 6817

ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وستمئة فيها (١): كمل بناء المدرسة المستنصرية ببغداد (٢) ولم تُبن (٣) مدرسةٌ قبلَها مثلها، ووُقفت على المذاهب الأربعة من كل طائفة اثنان وستون فقيهًا، وأربعة معيدين، ومدرِّسٌ لكل مَذْهب، وشيخُ حديثٍ وقارئان وعشرةُ مستمعين (٤)، وشيخُ طبٍّ، وعشرةٌ من المسلمين يشتغلون بعلم (٥) الطب، ومكتبٌ للأيتام وقدر (٦) للجميع من الخبز واللحم والحلوى (٧) والنفقة ما فيه كفاية وافرة لكل واحد، ولما كان يوم الخميس خامس رجب حُضِرت الدروس (٨) بها وحضر الخليفةُ المستنصرُ بالله بنفسه الكريمة وأهلُ دولته من الأمراء والوزراء والقضاة والفقهاء والصوفية والشعراء، ولم يتخلف أحد من هؤلاء، وعُمل سماطٌ عظيمٌ بها أكل منه الحاضرون، وحُمل منه إِلى سائر دور (٩) بغداد من بيوتات الخواص والعوام، وخُلِعَ على جميع المدرسين بها والحاضرين فيها، وعلى جميع رجال الدولة والفقهاء والمعيدين (١٠)، وكان يومًا مشهودًا [وأمرًا محمودًا]، وأنشدت الشعراء الخليفة المدائح الرائقة والقصائد الفائقة (١١)، وقد ذكر ذلك (١٢) ابن الساعي في "تاريخه" مُطَوَّلًا مبسوطًا شافيًا كافيًا، [وافيًا، وقُرّر] (١٣) لتدريس الشافعية بها [الشيخ] الإمام [العلامة] محيي الدين أبو عبد الله بن فضلان (١٤)، وللحنفية الإمام العلامة رشيد الدين أبو حفص عمر بن محمد الفرغاني (١٥)، وللحنابلة الإمام العالم محيي (١٦) الدين يوسف بن الشيخ أبي

стр. 6818

الفرج بن الجوزي، ودرّس عنه يومئذ ابنه عبد الرحمن نيابة (١) لغيبته في بعض الرسالات إِلى الملوك، ودرّس للمالكية يومئذ الشيخ الصالح العالم أبو الحسن المغربي المالكي نيابة أيضًا، حتى يعين شيخ غيره، ووقفت خزائن (٢) كتبٍ لم يُسمعْ بمثلها في كثرتها وحسنِ نَسْخِها وجودةِ الكتب الموقوفة بها. وكان المتولّي لعمارة هذه المدرسة مؤيّد الدين أبو طالب محمد بن العلقمي (٣) الذي وزر بعد ذلك، وقد كان إِذ ذاك أستاذ دار الخلافة، وخلع عليه يومئذ وعلى الوزير نصير الدين (٤). ثم عزل مدرس الشافعية في رابع عشر ذي القعدة بقاضي القضاة أبي المعالي عبد الرحمن بن مقبل (٥)، مضافًا إِلى ما بيده من القضاء، وذلك بعد وفاة محيي الدين بن فضلان، وقد ولي القضاء [ببغداد] مدة ودرَّس بالنظامية وغيرها، ثم عُزل ثم رضي عنه ثم دَرَّس [آخر الوقت] (٦) بالمستنصرية كما ذكرنا، فلما توفي وليها بعده ابن مقبل رحمهم الله تعالى. وفيها: عَمر الأشرفُ مسجدَ جراح (٧) ظاهر باب الصغير. وفيها: قدم رسول الأنبرور ملك الفرنج إِلى الأشرف ومعه هدايا منها دبٌّ أبيضُ شعرُهُ مثلُ شعر الأسد، وذكروا (٨) أنه ينزل إِلى البحر فيخرج السمك فيأكله. وفيها (٩): طاووس أبيض أيضًا. وفيها: كملت عمارة القيسارية التي هي قبل (١٠) النحاسين، وحوّل إِليها سوق الصاغة وشغر سوق اللؤلؤ الذي كان فيه الصاغة العتيقة عند الحدادين. وفيها: جددت الدكاكين التي بالزيادة.

стр. 6819

قلت: وقد جددت شرقي هذه الصاغة الجديدة قيساريتان في زماننا، وسكنها الصياغ وتجار الذهب، وهما حسنتان وجميعهما (١) وقف الجامع المعمور. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: السيف الآمدي (٢) أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التَّغْلبي (٣)، الشيخ سيف الدين الآمدي، ثم الحموي ثم الدمشقي. صاحب المصنفات في الأصلين وغير ذلك، من ذلك "أبكار الأفكار" في الكلام، و"دقائق الحقائق" (٤) في الحكمة، و"إِحكام الأحكام" في أصول الفقه، وكان حنبلي المذهب فصار شافعيًا أصوليًا منطقيًا جدليًا خلافيًا. وكان حسنَ الأخلاق، سليمَ الصدر، كثيرَ البكاء، رقيقَ القلب، وقد تكلّموا فيه بأشياء الله أعلم بصحتها، والذي يغلب على الظن أنه ليس لغالبها صحة، وقد كانت ملوك بني أيوب كالمعظم والكامل يكرمونه وإِن كانوا لا يحبونه كثيرًا، وقد فوض إِليه المعظم تدريس العزيزية (٥)، فلما ولي الأشرف دمشق عزله عنها ونادى بالمدارس (٦) أن لا يشتغل أحد بغير التفسير والحديث والفقه، ومن اشتغل بعلوم الأوائل نفيته، فأقام الشيخ سيف الدين بمنزله إِلى أن توفي بدمشق في هذه السنة في صفر (٧)، ودفن بتربته بسفح قاسيون. وذكر القاضي ابن خلكان (٨) أنه اشتغل ببغداد على أبي الفتح نصر بن فتيان بن المني (٩) الحنبلي، ثم انتقل إِلى مذهب الشافعي فأخذ عن ابن فضلان (١٠) وغيره، وحرر طريقة الشريف في الخلاف (١١) وزوائد

стр. 6820

طريقة أسعد الميهني (١)، ثم انتقل إِلى الشام واشتغل بعلوم المعقول، ثم إِلى الديار (٢) المصرية فأعاد بمدرسة الشافعي (٣) بالقرافة الصغرى (٤)، وتصدّر بالجامع الظافري، واشتهر بها (٥) فضله وانتشرت فضائله، فحسده أقوام فسعوا فيه وكتبوا خطوطهم باتهامه بمذهب الأوائل والتعطيل والانحلال، فطلبوا من بعضهم أن يوافقهم فكتب: [من الكامل] حَسَدُوا الفتى إِذْ لم يَنَالوا سَعْيَهُ … فالقوم (٦) أعداءٌ لهُ وخُصومُ فانتقل (٧) سيف الدين إِلى حماه ثم تحوّل إِلى دمشق فدرس بالعزيزية، ثم عُزل عنها ولزم بيته إِلى أن مات في هذه السنة، وله ثمانون عامًا رحمه الله تعالى وعفا عنه. واقف الركنية (٨) [الحنفية] الأمير ركن الدين منكورس [الحنفي] الفلكي (٩) غلام فلك الدين (١٠) أخي الملك العادل لأُمّه (١١). وقف الفلكية كما تقدم، وكان هذا الرجل من خيار الأمراء، ينزل في كل ليلة وقت السحر إِلى الجامع (١٢) وحده بطوَّافة (١٣) ويواظب على حضور الصلوات فيه مع الجماعة، وكان قليل الكلام كثير

стр. 6821

الصدقات، وقد بنى المدرسة الركنية بسفح قاسيون، ووقف عليها أوقافًا كثيرة وعمل عندها تربة، وحين توفي بقرية جَرُود (١) حمل إِليها رحمه الله تعالى. الشيخ الإِمام العالم رضي الدين (٢) أبو [داود] سليمان بن المُظَفَّر بن غَنَائم الجِيليّ الشافعي. أحد فقهاء بغداد والمفتين بها والمشتغلين (٣) للطلبة مدة طويلة، له كتاب (٤) في المذهب نحو من خمسة عشر مجلدًا، يحكي فيه الوجوه الغريبة والأقوال المستغربة. وكان لطيفًا ظريفًا، توفي ﵀ يوم الأربعاء ثالث ربيع الأول من هذه السنة ببغداد (٥). الشيخ طي المصري (٦). أقام مدة بالشام في زاوية له بدمشق [عند الرحبة التي يباع منها الصناديق عند دار بني القلانسي شرقي حمام سامة]، وكان لطيفًا (٧) كيسًا زاهدًا، يتردد إِليه الأكابر ودفن بزاويته المذكورة رحمه الله تعالى. الشيخ عبد الله الأرمني (٨) أحد العُبّاد الزُّهاد الذين جابوا البلاد وسكنوا البراري والجبال والوهاد، واجتمعوا بالأقطاب والأبدال والأوتاد، وممن كانت له الأحوال والمكاشفات والمجاهدات والسياحات في سائر النواحي والجهات، وقد قرأ القرآن في بدايته وحفظ كتاب القدوري على مذهب أبي حنيفة، ثم اشتغل بالمعاملات والرياضات، ثم أقام آخر عمره (٩) بدمشق حتى مات بها ودفن بسفح قاسيون. وقد حُكي عنه أشياءُ حسنةٌ. منها: أنه قال: اجتزتُ مرةً في السياحة ببلدةٍ فطالبتني نفسي بدخولها فآليتُ أن لا أستطعم منها

стр. 6822

بطعامٍ، ودخلتُها فمررتُ برجلٍ غَسَّالٍ فنظر إِليَّ شزرًا فخفتُ منه، وخرجت من البلد هاربًا، فلحقني ومعه طعام فقال (١): كُلْ فقد خرجتَ من البلد، فقلتُ له: وأنت في هذا المقام وتغسل الثياب في الأسواق؟ فقال: لا تَرْفَعْ رأسَكَ ولا تَنْظُر إِلى شيءٍ من عملك، وكُنْ عبدًا لله ولو (٢) استعملك في الحش (٣) فارضَ به، ثم قال ﵀ [من الطويل] ولو قيلَ (٤) لي مُتْ قلتُ سمعًا وطاعةً … وقلتُ لداعي الموتِ أهلًا ومرحبا وقال اجتزت مرة في سياحتي براهبٍ في صومعة فقال لي: يا مسلم ما أقربَ الطرق (٥) عندكم (٦) إِلى الله ؟ قلتُ: مخالفة النفس، قال فرد رأسه إِلى صومعته، فلما كنت بمكة زمن الحج إِذا رجلٌ يسلم علي عند الكعبة فقلت: من أنت؟ فقال (٧) أنا الراهب، قلت: بم وصلت إِلى ها هنا؟ قال: بالذي قلت [لي]. وفي رواية [أَنَّه قال:] عرضتُ الإِسلام على نفسي فأبت (٨)، فعلمتُ أنه حقٌّ فأسلمتُ وخالفتُها، فأفلح وأنجح. وقال بينا أنا ذات يوم بجبل لبنان (٩) إِذ حرامية الفرنج فأخذوني فقيدوني وشدّوا وثاقي فكنت عندهم في أضيق حالٍ، فلما كان النهارُ شربوا وناموا، فبينا أنا موثوق إِذ حرامية (١٠) المسلمين قد أقبلوا نحوهم فأنبهتهم فلجؤوا إِلى مغارة هنالك فسلموا من أولئك المسلمين، فقالوا: كيف فعلت هذا وقد كان خلاصك على أيديهم؟ فقلتُ إِنكم أطعمتموني فكان من حقّ الصحبة أن لا أغشَّكم، فعرضوا علي شيئًا من متاعِ الدنيا فأبيت وأطلقوني (١١). وحكى السبط (١٢) قال: زرتُه مرةً ببيت المقدس وكنت قد أكلت سمكًا مالحًا، فلما جلستُ عنده

стр. 6823

أخذني عطش شديد (١) وإِلى جانبه إِبريقٌ فيه ماءٌ باردٌ فجعلتُ أستحيي منه، فمدَّ يدَهُ إِلى الإِبريقِ وقد احمرَّ وجهُهُ وناولني وقال خُذْ، كم تكاسر، فشربتُ. وذكر أنه لما ارتحل من بيت المقدس كان سورُها بعد قائمًا جديدًا على عمارة الملك صلاح الدين قبل أن يخربه المعظم، فوقف لأصحابه يودّعهم ونظر إِلى السور، وقال: كأني بالمعاول وهي تعمل في هذا السور عما قريب، فقيل له: معاول المسلمين أو الفرنج؟ فقال: بل معاول المسلمين، فكان (٢) كما قال. وقد ذُكرت له أحوالٌ كثيرةٌ حسنةٌ، ويقال إِنَّ أصلَه أرمنيٌّ وأنه أسلم على يَدَي الشيخ عبد الله اليونيني (٣)، وقيل بل أصلهُ روميٌّ من قونية (٤)، وأنه قدم على الشيخ عبد الله اليونيني وعليه برنسٌ كبرانسِ الرهبانِ، فقال له: أَسْلِم (٥). فقال: أسلمتُ لربّ العالمين. وقد كانت أمُّه دايةَ امرأةِ الخليفةِ، وقد جَرَتْ له كائنةٌ غريبةٌ (٦) فسلمه الله بسبب ذلك، وعرفه الخليفة فأطلقه. ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وستمئة فيها: خرب الملك الأشرف [موسى] بن العادل خان ابن الزنجاري الذي كان بالعُقَيْبَة فيه خواطئ وخمور ومنكرات متعددة، فهدمه وأمر بعمارة جامع مكانه سُمِّي (٧) جامع التوبة (٨)، تقبل الله تعالى منه. القاضي ابن شداد] (٩) وفيها: توفي القاضي بهاء الدين يوسف بن رافع بن تميم بن شَدّاد الحلبي. أحد رؤسائها من بيت العلم والسيادة، له علم بالتواريخ وأيام الناس وغير ذلك، وقد سمع الكثير وحدَّث.

стр. 6824

[ابن أبي عصرون] (١) والشيخ (٢) شهاب الدين عبد السلام بن المطهر بن عبد الله بن محمد بن أبي (٣) عصرون الحلبي أيضًا. كان فقيهًا زاهدًا عابدًا كانت له نحوٌ من عشرين سرية، وكان شيخًا يُكثر من الجماع، فاعترته أمراضٌ مختلفة فأتلفته ومات بدمشق ودفن بقاسيون، وهو والد قطب الدين وتاج الدين. [صائن الدين الجيلي] (٤) والشيخ الإمام العالم صائن الدين أبو محمد عبد العزيز الجيلي الشافعي. أحد الفقهاء المفتين المشتغلين بالمدرسة النظامية ببغداد، وله "شرح على التنبيه" للشيخ أبي إِسحاق. توفي في ربيع الأول رحمه الله تعالى. [الأديب ابن مفتاح] (٥) والشيخ الإمام العالم الخطيب الأديب أبو محمد حمد بن حميد بن محمود بن حميد بن أبي الحسن بن أبي الفرج بن مفتاح التميمي الدُّنَيْسري (٦)، الخطيب بها والمفتي لأهلها، الفقيه الشافعي. تفقه ببغداد بالنظامية، ثم عاد إِلى بلده المشار (٧) إِليها (٨)، وقد صنف كتبًا. وأنشد عنه ابن الساعي [سماعًا منه] (٩): [من الطويل] رَوَتْ لي أحاديثَ الغَرامِ صَبَابَتِي … بإسنادِها عن بابة (١٠) العلَمِ الفردِ وحَدَّثني مرُّ النسيم عن الحمى … عن الدَّوْح عن وادي الغَضَا عن ربا نجدِ بأَنَّ غرامي والأسى قد تلازما … فلن يبرحا حتى أُوَسَّدَ في لحدي

стр. 6825

[الشهاب السهروردي] وقد أرَّخ الشيخ شهاب الدين أبو شامة في الذيل (١) وفاة الشهاب (٢) السهروردي (٣) صاحب "عوارف المعارف" في هذه السنة، وذكر أَنَّ مولده في سنة تسع وثلاثين وخمسمئة، وأنه جاوز التسعين. وأما السبط (٤) فإِنه (٥) أرَّخ وفاته في سنة ثلاثين كما تقدم. قاضي القضاة بحلب (٦) أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بن عتبة بن محمد الأسدي الموصلي الشافعي، كان رجلًا فاضلًا أديبًا مقرئًا ذا وجاهة عند الملوك، أقام بحلب وولي القضاء [ونظر الأوقاف] بها، وله تصانيف وشعر، توفي في هذه السنة رحمه الله تعالى. ابن الفارض (٧) ناظم التائية في السلوك على طريقة المتصوفة المنسوبين إِلى الاتحاد (٨)، هو أبو حفص عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد (٩) بن علي، الحموي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة. وكان أبوه يكتب فروض النساء والرجال، وقد تكلَّم فيه غيرُ واحد من مشايخنا بسبب قصيدته المشار إِليها، وقد ذكره شيخنا أبو عبد الله الذهبي في "ميزانه" (١٠) وحطَّ عليه. مات في هذه السنة وقد قارب السبعين (١١). ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وستمئة فيها: قطع الكامل وأخوه الأشرف الفراتَ، وأصلحا ما كان أفسده جيشُ الروم من بلادهما، وخَرَّبَ الكاملُ قلعةَ الرُّها، وأحلَّ بدنيسر بأسًا شديدًا، وجاء كتاب بدر الدين صاحب الموصل بأَنَّ التتار أقبلوا بمئة طلب كل طلب بخمسمئة فارس، فرجع الملكان إِلى دمشق سريعًا وعاد جيش الروم إِلى بلادهما

стр. 6826

بالجزيرة وأعادوا الحصار كما كان، ورجعت التتار عامهم ذلك إِلى بلادهم والله تعالى أعلم] (١). وممن توفي فيها من الأعيان والمشاهير: [ابن عنين] (٢) ابن عنين الشاعر، وقد تقدمت ترجمته في سنة ثلاثين. الحاجري (٣) الشاعر (٤) صاحب "الديوان" المشهور، وهو عيسى بن سنجر بن بهرام بن جبريل بن خمارتكين بن طاشتكين الإِربلي. شاعر مطبق، ترجمه ابن خلكان (٥) وذكر أشياء من شعره كثيرة، وذكر أنه كان صاحبهم وأنه كتب إِلى أخيه (٦) ضياء الدين عيسى يستوحش منه: [من البسيط] الله يعلمُ ما أَبْقَى سوى رَمَقٍ … منّي فِراقُكَ يا مَنْ قُربُهُ الأَملُ فابعثْ كتابَكَ واستَوْدِعْهُ تَعْزيةً … فربَّما مُتُّ شوقًا قبلَ ما يصلُ وذكر له في الخال رحمه الله تعالى: [من الكامل] ومهفهفٍ من شَعْرِهِ وجَبينهِ … أَمْسَى الوَرَى في ظُلْمةٍ وضِياءِ لَا تُنْكِروا الخالَ الذي في خدِّهِ … كلُّ الشَّقيقِ بنُقْطَةٍ سوْداءِ ابن دِحْيَة (٧) أبو الخطاب عُمَر بن الحَسَن بن علي بن محمد بن [الجُمَيِّل بن] (٨) فَرْح (٩) بن خلف

стр. 6827

ابن قُومِس (١) بن مَزْلال (٢) بن مَلَّال (٣) بن بدر بن أحمد بن دِحْيَة (٤) بن خليفة الكلبي (٥) الحافظ، شيخ الديار المصرية في الحديث، وهو أول من باشر مشيخةَ دار الحديث الكاملية بها. قال السبط: وقد كان كابن عنين في ثلب المسلمين والوقيعة فيهم، ويتزيد في كلامه، فترك الناس الرواية عنه وكذبوه، وقد كان الكامل مقبلًا عليه، فلما انكشف له حاله أخذ منه دار الحديث وأهانه، وتوفي في ربيع الأول بالقاهرة ودفن بقرافة مصر. وقد قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٦): وللشيخ السخاوي فيه أبيات حسنة. وقال القاضي ابن خلِّكان بعد سياق نسبه كما تقدم، وذكر أنه كتبه من خطه (٧)، قال (٨): وذكر أن أمه أمة الرحمن بنت أبي عبد الله بن [أبي] البسام موسى بن عبد الله بن الحسين بن جعفر بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فلهذا كان يكتب بخطه "ذو النسبين: دحية والحسين" (٩). قال ابن خلكان (١٠): وكان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء متقنًا لعلم الحديث وما يتعلّق به، عارفًا بالنحو واللغة وأيام العرب وأشعارها، اشتغل ببلاد المغرب ثم رحل إِلى الشام ثم إِلى العراق واجتاز بإربل سنة أربع وستمئة، فوجد ملكها المُعَظَّم مظفّر الدين (١١) بن زين الدين يعتني بالمولد النبوي، فعمل له كتاب "التنوير في مولد السِّراج المنير"، وقرأه عليه بنفسه، فأجازه بألف دينار. قال (١٢) وقد سمعناه على الملك (١٣) المعظم في ستة مجالس في سنة ست (١٤) وعشرين وستمئة.

стр. 6828

قلت (١): وقد وقفت على هذا الكتاب، وكتبتُ منه أشياء حسنة مفيدة. قال ابن خلكان (٢): وكان مولده في سنة أربع وأربعين وخمسمئة، وقيل [ست أو تسع وأربعين وخمسمئة] (٣). وتوفي في هذه السنة. وكان أخوه أبو عمرو عثمان قد باشر بعده دار الحديث الكاملية بمصر، وتوفي بعده بسنة. قلت: وقد تكلم الناس فيه بأنواع من الكلام، ونسبه بعضهم إِلى وضع حديث في قصر صلاة المغرب، وكنت أود أن أقف على إِسناده لنعلم (٤) كيف رجاله، وقد أجمع العلماء كما ذكره ابن المنذر وغيره على أن المغرب لا يقصر (٥)، والله يتجاوز عنا وعنه بمنه وكرمه. (٦) [وقد وقفت على جزء جمعه المحدث المتقن المفيد أبو صادق محمد بن الحافظ أبي الحسين يحيى بن علي بن عبد الله القرشي العطاري (٧) في ترجمة شيخه أبي الخطاب بن دحية هذا، جمع فيه أقوال الناس في ثلبه والكلام في مرباه ومنشئه واشتغاله وطلبه. وذكر بعضهم أنه ولي القضاء بسببه فالله أعلم طعن الناس في ادعائه نسبه إِلى دحية الكلبي أنه انقطع نسله من بعد ثلاثمئة. وأنشد لابن عنين فيه (٨) تينك البيتين الشهيرين وهما قوله (٩) [من السريع] دحية لم يُعقبْ فكم تفتري (١٠) … إِليه بالبهتان والإِفكِ ما صحَّ عند الناس شيء سوى … أنك من كلبٍ بلا شكّ وإِن من أقبح ما رأيت في هذا الجزء ما ذكره عن شيخه الحافظ ابن النجار (١١) عن الحافظ علي بن

стр. 6829

المفضل (١) أنه قال: اجتمعت أنا وابن دحية في مجلس السلطان. فسألني السلطان عن حديث، فأجبته فيه، فقال لي: مَنْ رواه؟ فلم يحضرني إِسناده، فلما خرجنا قال لي ابن دحية: لِمَ لَمْ تذكر له أي إِسناد شئت فإِنه ومن حضر مجلسه لا يدرون هل هو صحيح أم لا. فعظمت في أعينهم، فعلمتُ أنه متهاون في أمور الدين جريء على الكذب. ثم قال: وحدثني الفقيه تقي الدين عبيد بن محمد بن عباس الإِسعردي (٢) عن شيخنا (٣) الفقيه الإمام العالم أوحد الأنام مفتي المسلمين بهاء الدين أبي الحسن علي بن هبة الله بن سلامة بن المسلم اللخمي (٤) يعني ابن الجُمَّيري أنه قال: كان السلطان الملك الكامل قد خرج إِلى الشام فخرج أبو الخطاب عمر بن دحية معه وولد الشيخ معين الدين بن شيخ الشيوخ فحضر صلاة المغرب، فقدَّم السلطان ابنَ دحية فصلَّى بهم المغرب ركعتين، فلما أن فرغ من الصلاة، قال ابن شيخ الشيوخ: ما أعلم أحدًا من الأئمة يُجَوِّزُ قَصْرَ صلاة المغرب في السفر؛ فقال ابن دحية: كيف لا، وقد أخبرنا فلانٌ عن فلانٍ، وسرد إِسناده إِلى رسول الله ﷺ أنه قصر المغربَ في السفر؟! فلم يجبه ابن شيخ الشيوخ، وسكت عن حاله. قلت: هذا وضع فاحش مخالف لما أجمع عليه العلماء، كما ذكره ابن المنذر وغيره. ومثل هذا الإِسناد لا يحفظ لأن سامعه لم يضبطه، وواصفه لا يقدر على إِعادته ثانيًا والله أعلم]. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وستمئة فيها: حاصرت التتار إِربل بالمجانيق ونقبوا الأسوار حتى فتحوها عنوة فقتلوا أهلها وسَبَوْا ذَراريهم، وامتنعت عليهم القلعةُ مدة (٥)، وفيها النائب من جهة الخليفة، فدخل فصل الشتاء فأقلعوا عنها وانشمروا إِلى بلادهم، وقيل إِن الخليفة جهَّز لهم جيشًا فانهزم التتار (٦).

стр. 6830

وفيها: استخدم الصالح أيوب بن الكامل صاحب حصن كيفا الخوارزمية الذين تبقّوا من جيش جلال الدين وانفصلوا عن الرّومي، فقوي جأشُ الصالح أيوب. وفيها: طلب الأشرف موسى بن العادل من أخيه الكامل الرقة لتكون قوة له وعلفًا لدوابه إِذا جاز الفرات مع أخيه في البواكير، فقال الكامل: أما يكفيه أن معه دمشق مملكة بني أمية؟ فأرسل الأشرف الأمير فلك الدين (١) بن المسيري إِلى الكامل في ذلك، فأغلظ له الجواب، وقال: أيش يعمل بالملك؟ (٢) يكفيه عشرته للمغاني وتعلمه لصناعتهم. فغضب الأشرف لذلك (٣) وبدت الوحشة بينهما، وأرسل الأشرف إِلى حماة وحلب وبلاد الشرق فحالف أولئك الملوك على أخيه الكامل، فلو طال عمر الأشرف لأفسد الملك على أخيه، وذلك لكثرة مَيل الملوك (٤) إِليه لكرمه وشجاعته وشح أخيه الكامل، ولكنه (٥) أدركته منيته في أول السنة الداخلة رحمه الله تعالى. وممن توفي فيها من الأعيان: الملك العزيز [بن] الظاهر (٦) صاحب حلب محمد بن السلطان الملك الظاهر غياث الدين غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين فاتح القدس الشريف. وهو وأبوه وابنه الناصر أصحاب ملك حلب من أيام الناصر، وكانت أم العزيز الخاتون بنت الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وكان حسن الصورة كريمًا عفيفًا، توفي وله من العمر أربع وعشرون سنة، وكان مدبِّر دولته الطواشي شهاب الدين، وكان من الأمراء (٧) رحمه الله تعالى. وقام في الملك بعده ولده الناصر صلاح الدين يوسف، والله أعلم. صاحب الروم (٨) كيقُباذ الملك علاء الدين صاحب بلاد الروم.
следующие страницы →