← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

بالجزيرة وأعادوا الحصار كما كان، ورجعت التتار عامهم ذلك إِلى بلادهم والله تعالى أعلم] (١). وممن توفي فيها من الأعيان والمشاهير: [ابن عنين] (٢) ابن عنين الشاعر، وقد تقدمت ترجمته في سنة ثلاثين. الحاجري (٣) الشاعر (٤) صاحب "الديوان" المشهور، وهو عيسى بن سنجر بن بهرام بن جبريل بن خمارتكين بن طاشتكين الإِربلي. شاعر مطبق، ترجمه ابن خلكان (٥) وذكر أشياء من شعره كثيرة، وذكر أنه كان صاحبهم وأنه كتب إِلى أخيه (٦) ضياء الدين عيسى يستوحش منه: [من البسيط] الله يعلمُ ما أَبْقَى سوى رَمَقٍ … منّي فِراقُكَ يا مَنْ قُربُهُ الأَملُ فابعثْ كتابَكَ واستَوْدِعْهُ تَعْزيةً … فربَّما مُتُّ شوقًا قبلَ ما يصلُ وذكر له في الخال رحمه الله تعالى: [من الكامل] ومهفهفٍ من شَعْرِهِ وجَبينهِ … أَمْسَى الوَرَى في ظُلْمةٍ وضِياءِ لَا تُنْكِروا الخالَ الذي في خدِّهِ … كلُّ الشَّقيقِ بنُقْطَةٍ سوْداءِ ابن دِحْيَة (٧) أبو الخطاب عُمَر بن الحَسَن بن علي بن محمد بن [الجُمَيِّل بن] (٨) فَرْح (٩) بن خلف

стр. 6827

ابن قُومِس (١) بن مَزْلال (٢) بن مَلَّال (٣) بن بدر بن أحمد بن دِحْيَة (٤) بن خليفة الكلبي (٥) الحافظ، شيخ الديار المصرية في الحديث، وهو أول من باشر مشيخةَ دار الحديث الكاملية بها. قال السبط: وقد كان كابن عنين في ثلب المسلمين والوقيعة فيهم، ويتزيد في كلامه، فترك الناس الرواية عنه وكذبوه، وقد كان الكامل مقبلًا عليه، فلما انكشف له حاله أخذ منه دار الحديث وأهانه، وتوفي في ربيع الأول بالقاهرة ودفن بقرافة مصر. وقد قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٦): وللشيخ السخاوي فيه أبيات حسنة. وقال القاضي ابن خلِّكان بعد سياق نسبه كما تقدم، وذكر أنه كتبه من خطه (٧)، قال (٨): وذكر أن أمه أمة الرحمن بنت أبي عبد الله بن [أبي] البسام موسى بن عبد الله بن الحسين بن جعفر بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فلهذا كان يكتب بخطه "ذو النسبين: دحية والحسين" (٩). قال ابن خلكان (١٠): وكان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء متقنًا لعلم الحديث وما يتعلّق به، عارفًا بالنحو واللغة وأيام العرب وأشعارها، اشتغل ببلاد المغرب ثم رحل إِلى الشام ثم إِلى العراق واجتاز بإربل سنة أربع وستمئة، فوجد ملكها المُعَظَّم مظفّر الدين (١١) بن زين الدين يعتني بالمولد النبوي، فعمل له كتاب "التنوير في مولد السِّراج المنير"، وقرأه عليه بنفسه، فأجازه بألف دينار. قال (١٢) وقد سمعناه على الملك (١٣) المعظم في ستة مجالس في سنة ست (١٤) وعشرين وستمئة.

стр. 6828

قلت (١): وقد وقفت على هذا الكتاب، وكتبتُ منه أشياء حسنة مفيدة. قال ابن خلكان (٢): وكان مولده في سنة أربع وأربعين وخمسمئة، وقيل [ست أو تسع وأربعين وخمسمئة] (٣). وتوفي في هذه السنة. وكان أخوه أبو عمرو عثمان قد باشر بعده دار الحديث الكاملية بمصر، وتوفي بعده بسنة. قلت: وقد تكلم الناس فيه بأنواع من الكلام، ونسبه بعضهم إِلى وضع حديث في قصر صلاة المغرب، وكنت أود أن أقف على إِسناده لنعلم (٤) كيف رجاله، وقد أجمع العلماء كما ذكره ابن المنذر وغيره على أن المغرب لا يقصر (٥)، والله يتجاوز عنا وعنه بمنه وكرمه. (٦) [وقد وقفت على جزء جمعه المحدث المتقن المفيد أبو صادق محمد بن الحافظ أبي الحسين يحيى بن علي بن عبد الله القرشي العطاري (٧) في ترجمة شيخه أبي الخطاب بن دحية هذا، جمع فيه أقوال الناس في ثلبه والكلام في مرباه ومنشئه واشتغاله وطلبه. وذكر بعضهم أنه ولي القضاء بسببه فالله أعلم طعن الناس في ادعائه نسبه إِلى دحية الكلبي أنه انقطع نسله من بعد ثلاثمئة. وأنشد لابن عنين فيه (٨) تينك البيتين الشهيرين وهما قوله (٩) [من السريع] دحية لم يُعقبْ فكم تفتري (١٠) … إِليه بالبهتان والإِفكِ ما صحَّ عند الناس شيء سوى … أنك من كلبٍ بلا شكّ وإِن من أقبح ما رأيت في هذا الجزء ما ذكره عن شيخه الحافظ ابن النجار (١١) عن الحافظ علي بن

стр. 6829

المفضل (١) أنه قال: اجتمعت أنا وابن دحية في مجلس السلطان. فسألني السلطان عن حديث، فأجبته فيه، فقال لي: مَنْ رواه؟ فلم يحضرني إِسناده، فلما خرجنا قال لي ابن دحية: لِمَ لَمْ تذكر له أي إِسناد شئت فإِنه ومن حضر مجلسه لا يدرون هل هو صحيح أم لا. فعظمت في أعينهم، فعلمتُ أنه متهاون في أمور الدين جريء على الكذب. ثم قال: وحدثني الفقيه تقي الدين عبيد بن محمد بن عباس الإِسعردي (٢) عن شيخنا (٣) الفقيه الإمام العالم أوحد الأنام مفتي المسلمين بهاء الدين أبي الحسن علي بن هبة الله بن سلامة بن المسلم اللخمي (٤) يعني ابن الجُمَّيري أنه قال: كان السلطان الملك الكامل قد خرج إِلى الشام فخرج أبو الخطاب عمر بن دحية معه وولد الشيخ معين الدين بن شيخ الشيوخ فحضر صلاة المغرب، فقدَّم السلطان ابنَ دحية فصلَّى بهم المغرب ركعتين، فلما أن فرغ من الصلاة، قال ابن شيخ الشيوخ: ما أعلم أحدًا من الأئمة يُجَوِّزُ قَصْرَ صلاة المغرب في السفر؛ فقال ابن دحية: كيف لا، وقد أخبرنا فلانٌ عن فلانٍ، وسرد إِسناده إِلى رسول الله ﷺ أنه قصر المغربَ في السفر؟! فلم يجبه ابن شيخ الشيوخ، وسكت عن حاله. قلت: هذا وضع فاحش مخالف لما أجمع عليه العلماء، كما ذكره ابن المنذر وغيره. ومثل هذا الإِسناد لا يحفظ لأن سامعه لم يضبطه، وواصفه لا يقدر على إِعادته ثانيًا والله أعلم]. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وستمئة فيها: حاصرت التتار إِربل بالمجانيق ونقبوا الأسوار حتى فتحوها عنوة فقتلوا أهلها وسَبَوْا ذَراريهم، وامتنعت عليهم القلعةُ مدة (٥)، وفيها النائب من جهة الخليفة، فدخل فصل الشتاء فأقلعوا عنها وانشمروا إِلى بلادهم، وقيل إِن الخليفة جهَّز لهم جيشًا فانهزم التتار (٦).

стр. 6830

وفيها: استخدم الصالح أيوب بن الكامل صاحب حصن كيفا الخوارزمية الذين تبقّوا من جيش جلال الدين وانفصلوا عن الرّومي، فقوي جأشُ الصالح أيوب. وفيها: طلب الأشرف موسى بن العادل من أخيه الكامل الرقة لتكون قوة له وعلفًا لدوابه إِذا جاز الفرات مع أخيه في البواكير، فقال الكامل: أما يكفيه أن معه دمشق مملكة بني أمية؟ فأرسل الأشرف الأمير فلك الدين (١) بن المسيري إِلى الكامل في ذلك، فأغلظ له الجواب، وقال: أيش يعمل بالملك؟ (٢) يكفيه عشرته للمغاني وتعلمه لصناعتهم. فغضب الأشرف لذلك (٣) وبدت الوحشة بينهما، وأرسل الأشرف إِلى حماة وحلب وبلاد الشرق فحالف أولئك الملوك على أخيه الكامل، فلو طال عمر الأشرف لأفسد الملك على أخيه، وذلك لكثرة مَيل الملوك (٤) إِليه لكرمه وشجاعته وشح أخيه الكامل، ولكنه (٥) أدركته منيته في أول السنة الداخلة رحمه الله تعالى. وممن توفي فيها من الأعيان: الملك العزيز [بن] الظاهر (٦) صاحب حلب محمد بن السلطان الملك الظاهر غياث الدين غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين فاتح القدس الشريف. وهو وأبوه وابنه الناصر أصحاب ملك حلب من أيام الناصر، وكانت أم العزيز الخاتون بنت الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وكان حسن الصورة كريمًا عفيفًا، توفي وله من العمر أربع وعشرون سنة، وكان مدبِّر دولته الطواشي شهاب الدين، وكان من الأمراء (٧) رحمه الله تعالى. وقام في الملك بعده ولده الناصر صلاح الدين يوسف، والله أعلم. صاحب الروم (٨) كيقُباذ الملك علاء الدين صاحب بلاد الروم.

стр. 6831

كان من أكابر (١) الملوك وأحسنهم سيرة، وقد زوَّجَهُ العادلُ ابنتَه وأولدها، وقد استولى على بلاد الجزيرة في وقتٍ وأخذ أكثرها من يد الكامل محمد، وكسر الخوارزميةَ مع الأشرف موسى رحمهما الله. الناصح الحنبلي (٢) في ثالث المحرم توفي الشيخ ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب بن الشيخ أبي الفرج الشيرازي، وهم ينتسبون (٣) إِلى سعد بن عبادة ﵁. ولد الناصحُ سنةَ أربع وخمسين وخمسمئة، وقرأ القرآن وسمعَ الحديثَ، وكان يعظُ في بعض الأحيان. وقد ذكرنا قبل (٤) أنه وعظَ في حياة الشيخ (٥) الحافظ عبد الغني، وهو أولُ من درس بالصاحبة (٦) التي بالجبل، وله بنيت، وله مصنفات (٧). وقد اشتغل على ابن المنّي البغدادي (٨)، وكان فاضلًا صالحًا، وكانت وفاته بالصالحية ودفن هناك ﵀. الكمال بن المهاجر (٩) التاجر. كان كثير الصدّقات والإِحسان إِلى الناس، ماتَ فجأةً في جمادى الأولى بدمشق فدفن بقاسيون، واستحوذ الأشرف على أمواله، فبلغتِ التركةُ قريبًا من ثلاثمئة ألف دينار، من ذلك سبحة فيها مئة حبة لؤلؤ [، كل واحدة] (١٠) مثل بيضة الحمامة. الشيخ الحافظ أبو عمرو عثمان بن دحية (١١) أخو الحافظ أبي الخطاب بن دحية.

стр. 6832

كان قد ولي دار الحديث الكاملية حين عزل أخوه عنها، حتى توفي في عامه هذا (١)، وكان ندر (٢) في صناعة الحديث أيضًا رحمه الله تعالى. القاضي عبد الرحمن التكريتي (٣) الحاكم بالكرك، ومدرس مدرسة الزبداني، فلما أخذت أوقافها سار إِلى القدس ثم إِلى دمشق، فكان (٤) ينوب بها عن القضاة، وكان فاضلًا نزهًا عفيفًا دينًا رحمه الله تعالى ورضي عنه. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وستمئة فيها: كانت وفاة الأشرف ثم أخوه الكامل، أما الأشرف موسى بن العادل باني دار الحديث الأشرفية وجامع التوبة وجامع جراح، فإِنه توفي في يوم الخميس رابع المحرم من هذه السنة، بالقلعة المنصورة، ودفن بها حتى نجزت تربته التي بنيت له شمالي الكلاسة، ثم حول إِليها رحمه الله تعالى، في جمادى الأولى، وقد كان ابتداء مرضه في رجب من السنة (٥) الماضية، واختلفت عليه الأدواء حتى كان الجرائحي يخرج العظام من رأسه وهو يسبح الله ، فلما كان آخر السنة تزايد به المرض واعتراه إِسهالٌ مفرطٌ فخارت قوته فشرعَ في التهيُّؤ للقاء الله ، فاعتق مئتي غلام وجارية، ووقف دار فروخشاه التي يُقال لها دار السعادة، وبستانَه بالنيرب على ابنيه، وتصدَّقَ بأموالٍ جزيلةٍ. وأحضر له كفنًا كان قد أعدَّه من ملابس الفقراء والمشايخ الذين لقيهم من الصالحين. وقد كان رحمه الله تعالى شهمًا شجاعًا كريمًا جوادًا محبًا [للعلم وأهله] (٦)، ولا سيَّما أهل الحديث (٧)، ومقادسة [الصالحية] (٨)، وقد بنى لهم دارَ حديث بالسَّفْحِ، وبالمدينة للشافعيّة أخرى، وجعل فيها نعلَ النبي ﷺ الذي ما زال حريصًا على طلبه (٩) من النظام ابن أبي الحديد التاجر، وقد كان

стр. 6833

النظام ضنينًا به فعزم الأشرف أن يأخذ منه قطعة (١)، ثم ترك ذلك خوفًا من أن يذهب بالكلية، فقدر الله موت ابن أبي الحديد بدمشق فأوصى للملك الأشرف به، فجعله الأشرف بدار الحديث. ونقل إِليها كتبًا سنية نفيسة. وبنى جامع التوبة بالعُقيبة، وقد كان خانًا لابن الزنجاري فيه من المنكرات شيء كثير. وبنى مسجدَ القصب وجامعَ جرّاح ومسجدَ دارِ السعادة. وقد كان مولده في سنة ست وسبعين وخمسمئة، ونشأ بالقدس الشريف بكفالة (٢) الأمير فخر الدين عثمان الزنجاري، وكان أبوه يحبه، وكذلك أخوه المعظم، ثم استنابه أبوه على مدن كثيرة بالجزيرة منها الرُّها وحرَّان، ثم اتسعت مملكته حين (٣) ملك خلاط، وكان من أعفِّ الناس وأحسنهم سيرةً وسريرةً، لا يعرف غير نسائه وسراريه (٤)، مع أنه قد كان يعاني الشراب، وهذا من أعجب الأمور. حكى السبط (٥) عنه قال: كنت يومًا بهذه المنظرة (٦) من خلاط إِذ دخل الخادم فقال: بالباب امرأة تستأذنُ، فدخلتْ فإِذا صورةٌ لم أرَ أحسنَ منها، وإِذا هي ابنة الملك الذي كان بخلاط قبلي، فذكرتْ أن الحاجبَ علي قد استحوذَ على قريةٍ لها، وأنها قد احتاجت إِلى بيوت الكرى، وأنها إِنما تتقوَّتُ من عمل النقوش للنساء، فأمرتُ برد ضيعتها إِليها وأمرتُ لها بدار تسكنها، وقد كنتُ قمتُ لها حين دخلتْ وأجلستُها بين يدي وأمرتُها بستر وجهها حين أسفرت عنه، ومعها عجوزٌ، فحين قضت شغلَها قلتُ لها انهضي على اسم الله تعالى، فقالت العجوز: يا خوند إِنما جاءتْ لتحظى بخدمتك هذه الليلة، فقلتُ: معاذَ الله لا يكونُ هذا، واستحضرتُ في ذهني ابنتي ربما يصيبها نظيرَ ما أصابَ هذه، فقامت [وهي تقول بالأرمني: سترك الله مثل] (٧) ما سترتني، وقلت لها: مهما كان من حاجة فانهيها (٨) إِليَّ أقضها لك، فدعت لي وانصرفت، فقالت لي نفسي: في (٩) الحلال مندوحة عن الحرام، فتزوجها، فقلت: لا والله لا كان هذا أبدًا، أين الحياء والكرم والمروءة؟

стр. 6834

قال: ومات مملوك من مماليكي وترك ولدًا ليس يكون في الناس بتلك البلاد أحسن شبابًا، ولا أحلى شكلًا منه، فأحببتُه وقرَّبتُه، وكان من لا يفهم أمري يتهمني به، فاتفق أنه عدا على إِنسان فضربه حتى قتله، فاشتكى عليه إِليَّ أولياءُ المقتول، فقلت أثبتوا أنه قتله، فأثبتوا ذلك فجاحفت (١) عنه مماليكي وأرادوا إِرضاءهم بعشر ديات فلم يقبلوا، ووقفوا لي في الطريق وقالوا: قد أثبتنا أنه قتله، فقلت: خذوه فتسلموه [فأخذوه] فقتلوه، ولو طلبوا مني ملكي فداءً له لدفعته إِليهم، ولكنني استحييت (٢) من الله أن أعارض شرعه بحظ نفسي، رحمه الله تعالى وعفا عنه. ولما ملك دمشق في سنة ست وعشرين وستمئة نادى مناديه فيها (٣) أن لا يشتغلَ أحدٌ من الفقهاء بشيء من العلوم سوى التفسير والحديث والفقه، ومَن اشتغلَ بالمنطق وعلوم الأوائل نُفي من البلد. وكان البلد به في غاية الأمن والعدل، وكثرة الصدقات والخيرات، كانت القلعة لا تُغلق في ليالي رمضان كلها، وصحون الحلاوات خارجة منها إِلى الجامع والخوانق (٤) والرُّبُط، والصالحية، وإِلى الصالحين والفقراء والرؤساء وغيرهم، وكان أكثر جلوسه بمسجد أبي الدرداء الذي جدَّده وزخرفه بالقلعة [، وكان ميمون النقيبة] (٥) ما كسرت (٦) له راية قط، وقد استدعى الزَّبيدي (٧) من بغداد حتى سمع هو والناس عليه صحيح البخاري، وغيره، وكان له ميل [كثير] إِلى الحديث وأهله، ولما توفي ﵀ رآه بعض الناس (٨) وعليه ثيابٌ خضرٌ وهو يطيرُ مع جماعةٍ من الصالحين، فقال: ما هذا وقد كنت تعاني الشراب في الدنيا (٩)؟ فقال: ذاك البَدَن الذي كنّا نفعلُ به ذاك عندكم [في الدنيا]، وهذه الروح التي كنا نحبّ بها هؤلاء فهي معهم، ولقد (١٠) صدق ﵀، قال رسول الله ﷺ "المرءُ مَعَ مَنْ أَحبَّ" وقد كان أوصى بالملك من بعده لأخيه الصالح إِسماعيل، فلما توفي أخوه ركب في أُبَّهة الملك ومشى الناس بين يديه، وركب إِلى جانبه صاحبُ حمص وعزّ الدين أيبك المعظمي (١١) حامل الغاشية على رأسه، ثم إِنه صادر جماعةً من

стр. 6835

الدماشقة الذين قيل عنهم إِنَّهم مع الكامل، منهم العالم تعاسيف (١) وأولاد ابن مزهر وحبسهم ببصرى، وأطلق الحريري من قلعة عزاز (٢)، وشرط عليه أن لا يدخل دمشق، ثم قدم الكامل من مصر وانضاف إِليه الناصر داود صاحب الكرك ونابلس والقدس، فحاصروا دمشق حصارًا شديدًا، وقد حَصَّنَها الصالحُ إِسماعيل، وقطع (٣) المياه وردَّ الكامل ماءَ بردى إِلى ثورا، وأُحرقت العُقَيْبة وقصر حجاج، فافتقر (٤) خلقٌ كثير واحترق آخرون، وجرت خطوب طويلة (٥)، ثم آل الحال في آخر جمادى الأولى إِلى أن سلم الصالح إِسماعيل دمشق إِلى أخيه الكامل، على أَنَّ له بعلبك وبصرى، وسكن الأمر، وكان الصلح بينهما على يدي القاضي محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، اتفق أنه كان بدمشق قد قدم في رسلية من جهة الخليفة إِلى دمشق فجزاه الله تعالى خيرًا. ودخل الكامل دمشق وأطلق الفلك (٦) بن المسيري من سجن الحيّات بالقلعة الذي كان أودعه فيه الأشرف، ونقل الأشرف إِلى تربته، وأمر الكامل في يوم الإثنين سادس جمادى الآخرة أئمة (٧) الجامع أن لا يصلي أحدٌ منهم المغرب سوى الإمام الكبير، لما كان يقع من التَّشويش والاختلاف بسبب اجتماعهم في وقت واحد، ولنعم ما فعل ﵀. وقد فعل هذا في زماننا في صلاة التراويح، اجتمع الناس على قارئ واحد وهو الإمام الكبير في المحراب المقدم عند المنبر، ولم يبق به إِمام يومئذ (٨) سوى الذي بالحلبية عند مشهد علي ولو تُرك لكان حسنًا، والله أعلم. ذكر وفاة الملك الكامل (٩) محمد بن العادل رحمه الله تعالى. تملك الكامل [دمشق] مدة شهرين ثم أخذته (١٠) أمراض مختلفة، من ذلك سعالٌ وإِسهالٌ ونزلةٌ في حلقه، ونقرسٌ في رجليه، فاتفق موته في

стр. 6836

بيت صغير من دار القصبة (١)، وهو البيت الذي توفي فيه عمه الملك الناصر صلاح الدين، ولم يكن عند الكامل أحد عند موته (٢) من شدة هيبته، بل دخلوا فوجدوه ميتًا رحمه الله تعالى، وقد كان مولده في سنة ست (٣) وسبعين وخمسمئة، وكان أكبر أولاد العادل بعد حمدود (٤)، وإِليه أوصى العادل لعلمه بشأنه وكمال عقله، وتوفر (٥) معرفته، وقد كان جيدَ الفهم يحبُّ العلماء، ويسألهم أسئلةً مشكلةً، وله كلامٌ جيدٌ على صحيح مسلم، وكان ذكيًا مهيبًا ذا بأسٍ شديدٍ، عادلٍ منصفٍ له حرمة وافرة، وسطوة قوية، ملك مصر ثلاثين سنة (٦)، وكانت الطرقاتُ في زمانه آمنةً، والرعايا متناصفة، لا يتجاسر أحدٌ أن يظلم أحدًا، شَنَقَ جماعةً من الأجناد أخذوا شعيرًا لبعض الفلاحين بارض آمد، واشتكى إِليه بعض الركبدارية أن أستاذه استعمله ستةَ أشهرٍ بلا أجرةٍ، فأحضر الجندي وألبسه ثياب (٧) الركبدارية، وألبس الركبداري (٨) ثيابَ الجندي، وأمر الجندي أن يخدم الركبدار ستةَ أشهر على هذه الهيئة، ويحضر الركبدار الموكب والخدمة حتى ينقضي الأجل فتأدَّبَ الناسُ بذلك غاية الأدب. وكانت له اليدُ البيضاءُ في ردِّ ثغرِ دمياط إِلى المسلمين بعد أن استحوذ عليه الفرنج لعنهم الله، فرابطهم أربعَ سنين حتى استنقذه منهم، وكان يوم أخذه له واسترجاعه إِياه يومًا مشهودًا، كما ذكرنا مفصلًا رحمه الله تعالى. وكانت وفاته في ليلة الخميس الثاني والعشرين من رجب من هذه السنة، ودُفن بالقلعة حتى كملت تربته التي بالحائط الشمالي من الجامع ذات الشباك الذي هناك قريبًا من مقصورة ابن سنان، وهي الكندية التي عند الحلبية، نقل إِليها ليلة الجمعة الحادي والعشرين من رمضان من هذه السنة. ومن شعره يستحثّ أخاه [الملك] الأشرفَ من بلاد الجزيرة حين كان محاصرًا بدمياط: [من الكامل] يا مُسعفي إِنْ كنتَ حقًا مُسعفي … فارحلْ بغيرِ تقيَّدٍ وتوقفِ واطْوِ (٩) المنازلَ والديارَ ولا تنخْ … إِلا على بابِ المليكِ الأشرفِ

стр. 6837

قبّلْ يديهِ لا عدمتَ وقُلْ له … عنّي بحسنِ تَعطّفٍ وتلطّفِ (١) إِن ماتَ صنوكَ عن قريبٍ تَلْقَهُ … ما بينَ حَدِّ مُهَنّدٍ ومُثَقَّفِ أو تُبْطِ عن إِنجادهِ فلقاؤهُ … يومَ القيامةِ في عراصِ الموقفِ ذكر ما جرى بعده كان قد عَهِدَ لولده العادلِ وكان صغيرًا بالديار المصرية، وبالبلاد الدمشقية، ولولده الصالح أيوب ببلاد الجزيرة، فأمضى الأمراءُ ذلك، فأما دمشقُ فاختلف الأمراء بها في الملك الناصر داود بن المعظم، والملك الجواد مظفّر الدين يونس بن مودود بن الملك (٢) العادل، فكان ميلُ عماد الدين ابن الشيخ إِلى الجواد، وآخرون إِلى الناصر، وكان نازلًا بدار سامة، فانتظم أمر الجواد وجاءت الرسالة إِلى الناصر أن اخرج من البلد، فركب من دار سامة والعامة وراءه (٣) إِلى القلعة لا يشكون في ولايته الملك، فسلك نحوَ القلعة فلما جاوز العمادية عطف برأس فرسه نحو باب الفرج، فصرخت العامة: لا لا لا، فسار حتى نزل القابون عند وطأة برزة. فعزم (٤) بعض الأمراء الأشرفية على مسكه، فساق فبات بقصر أم حكيم، وساقوا وراءه فتقدم إِلى عجلون فتحصن بها وأمن (٥). وأما الجواد (٦) فإِنه ركب في أُبَّهة الملك وأنفق الأموال والخلع على الأمراء. قال السبط (٧): فَرَّقَ ستة آلاف ألف دينار وخمسة آلاف خلعة، وأبطل المكوس والخمور، ونفى الخواطئ واستقرّ ملكه بدمشق، واجتمع عليه الأمراء الشاميون والمصريون، ورحل الناصر داود من عجلون نحو غزة وبلاد الساحل (٨) فاستحوذ عليها، فركب الجواد في طلبه ومعه العساكر الشامية والمصرية، وقال للأشرفية كاتبوه وأطمعوه، فلما وصلت إِليه كتبهم طمع في موافقتهم، فرجع في سبعمئة راكب إِلى نابلس، فقصده الجواد وهو نازل على

стр. 6838

جِينين (١)، والناصر على سبسطيه، فهرب منه الناصر فاستحوذوا على حواصله وأثقاله، فاستغنوا بها وافتقر بسببها فقرًا مدقعًا، ورجع الناصر إِلى الكرك جريدة قد سلب أمواله وأثقاله، وعاد الجواد إِلى دمشق مؤيدًا منصورًا. وفيها: اختلفت الخوارزميةُ على الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل صاحب [حصن] كيفا، وتلك النواحي، وعزموا على القبض عليه، فهرب منهم ونهبوا أمواله وأثقاله، ولجأ إِلى سنجار فقصده بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ليحاصره ويأخذه في قفص إِلى الخليفة، وكان أهل تلك الناحية يكرهون مجاورته لتكبّره وقوة سطوته، فلم يبق إِلى أخذه إِلا القليل، فكاتب الخوارزمية واستنجد بهم (٢) ووعدهم بأشياء كثيرة، فقدموا إِليه جرائد ليمنعوه من البدر لؤلؤ، فلما أحس بهم لؤلؤ هرب منهم فاستحوذوا على أمواله وأثقاله، فوجدوا فيها شيئًا كثيرًا لا يحدّ ولا يوصف، ورجع إِلى بلده الموصل جريدة خائبًا، وسلم الصالح أيوب مما كان فيه من الشدة. وممن توفي فيها من الأعيان: الخطيب الدولعي (٣) محمد بن زيد بن ياسين الخطيب جمال (٤) الدين الدولعي، نسبة إِلى قرية بأصل الموصل، وقد ذكرنا ذلك عند ترجمة عمه عبد الملك بن ياسين الخطيب بدمشق أيضًا. وكان مدرسًا بالغزالية مع الخطابة، وقد منعه المعظم في وقت عن الإِفتاء (٥)، فعاتبه السبط في ذلك، فاعتذر بأن شيوخ بلده هم الذين أشاروا عليه بذلك (٦)، لكثرة خطئه في فتاويه، وقد كان شديد المواظبة على الوظيفة حتى كاد أن لا يفارق بيت الخطابة، ولم يحجّ قطّ مع أنه كانت له أموالٌ جزيلةٌ، وقف مدرسة (٧) بجيرون [وسبعًا في الجامع. ولما توفي ودُفن بمدرسته التي بجيرون] (٨) ولي الخطابة

стр. 6839

بعده أخ له وكان جاهلًا، ولم (١) يستقرّ فيها وتولّاها الكمال بن عمر بن أحمد بن هبة الله بن طلحة النَّصيبي (٢)، وولي تدريس الغزالية الشيخ [عز الدين] عبد العزيز بن عبد السلام (٣). القاضي شمس الدين الشيرازي محمد بن هبة الله (٤) بن محمد بن هبة الله بن مَمِيل (٥) الشيخ أبو نصر بن الشيرازي. ولد سنة تسعٍ وأربعين وخمسمئة، وسمع الكثير على الحافظ ابن عساكر (٦) وغيره، واشتغل في الفقه وأفتى ودرّس بالشامية البرانية، وناب في الحكم عدة (٧) سنين، وكان فقيهًا عالمًا فاضلًا ذكيًّا (٨) حسنَ الأخلاق عارفًا بالأخبار وأيام العرب والأشعار، كريمَ الطباع حميدَ الآثار، وكانت وفاته يوم الخميس الثالث من جمادى (٩) الآخرة، ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى. القاضي شمس الدين [بن سَنِيّ الدولة، أبو البركات] (١٠) يحيى بن هبة الله (١١) بن الحسن الدمشقي قاضيها (١٢). كان عالمًا عفيفًا فاضلًا عادلًا منصفًا نزهًا. كان الملك الأشرف يقول: ما ولي قضاء دمشق مثله، وقد ولي الحكم ببلده [بيت] المقدس [مدة] وناب بدمشق (١٣) عن القضاة، ثم استقل بالحكم،

стр. 6840

وكانت وفاته يوم الأحد السادس من ذي القعدة (١)، وصُلّي عليه بالجامع ودفن بقاسيون، وتأسف الناس عليه رحمه الله تعالى. وتوفي (٢) بعده: الشيخ شمس الدين بن الحلبي (٣) بن الأستاذ (٤) القاضي زين الدين عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي، عُرف بابن الأُستاذ الحلبي قاضيها بعد بهاء الدين بن شداد (٥). وكان رئيسًا عالمًا عارفًا فاضلًا، حسنَ الخلق والسَّمت، وكان أبوه من الصالحين الكبار رحمهم الله تعالى. الشيخ الصالح (٦) المعمر (٧) أبو بكر محمد بن مسعود بن بُهْرُوز (٨) البغدادي. ظهر سماعه من أبي الوقت (٩) في سنة خمس عشرة وستمئة فانثال الناس عليه يسمعون منه، وتفرّد بالرواية عنه في الدنيا بعد الزَّبيدي (١٠) وغيره، توفي ليلة السبت التاسع والعشرين من شعبان رحمه الله تعالى. الأمير الكبير المجاهد المرابط صارم الدين (١١) خطلبا بن عبد الله مملوك شركس ونائبه بعده مع ولده على تِبْنين (١٢) وتلك الحصون. وكان كثير الصدقات [والإحسان]، ودُفن مع أستاذه بقباب شركس (١٣)، وهو الذي بناها بعد أستاذه، وكان خيِّرًا قليل الكلام كثيرَ الغزو مرابطًا مدة سنين رحمه الله تعالى وعفا عنه بمنه وكرمه.

стр. 6841

ثم دخلت سنة ست وثلاثين وستمئة فيها: قضى الملك الجواد على الصفي بن مرزوق (١) وصادره بأربعمئة ألف دينار، وحبسه بقلعة حمص، فمكثَ ثلاثَ سنين لا يرى الضوءَ. وكان ابن مرزوق محسنًا (٢) إِلى الجواد قبل ذلك إِحسانًا كثيرًا. وسلَّطَ الجوادُ خادمًا لزوجته يقال له الناصح فصادر الدماشقة وأخذ منهم نحوًا من ستمئة ألف دينار، ومسك الأمير عماد الدين بن الشيخ (٣) الذين كان سبب تمليكه دمشق، ثم خاف من أخيه فخر الدين بن الشيخ (٤) الذي بديار مصر، وقلق من ملك دمشق، وقال إِيش أعمل بالملك؟ باز وكلب أحبّ إِليّ من هذا. ثم خرج إِلى الصيد وكاتب الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل، فتقايضا من حصن كيفا وسنجار وما تبع ذلك إِلى دمشق، فملك الصالح (٥) دمشق ودخلها في مستهل جمادى الأولى من هذه السنة، والجواد بين يديه بالغاشية (٦)، [ثم حملها عنه المظفر صاحب حماة وكان يومًا مشهودًا ثم نزل الجواد بدار السعادة] وندم على ما كان منه، فأراد أن يستدرك الفائت فلم يتفقْ له، وخرجَ من دمشقَ والناسُ يلعنونه بوجهه (٧)، بسبب ما أسداه إِليهم من المصادرات، وأرسل إِليه الصالحُ أيوبُ ليردّ إِلى الناس أموالهم فلم يلتفِتْ إِليه، وسار وبقيتْ في ذمّته. ولما استقرّ الصالحُ أيوب في ملك مصر كما سيأتي حبسَ الناصحَ الخادمَ، فمات في أسوأ حالةٍ، من القلَّةِ والقَمْلِ، جزاءً وفاقًا ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٨) [فصلت: ٤٦]. وفيها: ركب الصالحُ أيوبُ من دمشق في رمضان قاصدًا الديارَ المصرية ليأخذها من أخيه العادل لصغره، فنزل بنابلس واستولى عليها وأخرجها من يد الناصر داود، وأرسل إِلى عمّه الصالح إِسماعيل

стр. 6842

صاحب بعلبك ليقدمَ عليه ليكون في صحبته إِلى الديار المصرية، وكان قد جاء إِليه إِلى دمشق ليبايعه (١) فجعل يسوف به ويعمل عليه ويحالف (٢) الأمراء بدمشق ليكون ملكهم، ولا يتجاسرُ أحدٌ من الصالح أيوب لجبروته أن يخبره بذلك، وانقضت السنة وهو مقيمٌ بنابلس يستدعيه (٣) إِليه وهو يماطله. وممن توفي فيها من الأعيان: جمال الدين الحَصِيري الحنفي (٤)، محمود بن أحمد العلامة (٥) شيخ الحنفية بدمشق، ومدرّس النّورية. أصله من قريةٍ يقال لها حصير من معاملة بُخارى (٦)، تفقَّه بها وسمع الحديث الكثير، وصار إِلى دمشق فانتهت إِليه رئاسة الحنفية بها، ولا سيما في أيام المعظم، كان يقرأ عليه "الجامع الكبير"، وله عليه شرح، وكان يحترمه ويعظمه ويكرمه. وكان ﵀ غزيرَ الدمعة كثيرَ الصدقات (٧)، عاقلًا نزهًا عفيفًا، توفي يومَ الأحد ثامنَ صفر ودُفن بمقابر الصوفية تغمَّدَه الله برحمته. توفي وله تسعون سنة، وأوّل درسه بالنّورية في سنة إِحدى عشرة وستمئة، بعد الشَّرف داود (٨) الذي تولاها بعد البُرْهان مسعود (٩)، وأول مدرسيها (١٠) رحمهم الله تعالى. [عماد الدين بن شيخ الشيوخ] الأمير عماد الدين عمر بن شيخ الشيوخ صدر الدين (محمد ابن شيخ الشيوخ عماد الدين عمر بن) (١١) علي بن حمويه. كان سببًا في ولاية الجواد دمشق ثم سار (١٢) إِلى مصر فلامه صاحبها العادل بن الكامل بن العادل،

стр. 6843

فقال (١): الآن أرجع إِلى دمشق وآمر الجوادَ بالمسير إِليك، على أن تكون له إِسكندريةُ عوضَ دمشق، فإن امتنع عزلتُه عنها وكنتُ أنا نائبَك فيها، فنهاه أخوه فخر الدين بن الشيخ عن تعاطي ذلك فلم يقبلْ، ورجع إِلى دمشق فتلقاه الجواد إِلى المَصَلَّى وأنزله عنده بالقلعة بدار المسرة، وخادعه عن نفسه ثم دسّ إِليه من قتله جهرةً في صورة مستغيث به، واستحوذ على أمواله وحواصله، وكانت له جنازة حافلة، ودفن بقاسيون. الوزير جمال الدين (٢) علي بن جَرير (٣). وزر للأشرف واستوزره الصالح أيوب أيامًا، ثم مات عقب ذلك. كان أصله من الرّقَّة، وكان له أملاكٌ يسيرةٌ يعيش منها، ثم آل أمره [إِلى] أن وزر للأشرف (٤) بدمشق، وقد هجاه بعضُهم، وكانت وفاته بالخوانيق (٥) في جمادى الآخرة، ودفن بمقابر الصوفية. جعفر بن علي (٦) بن أبي البركات (هبة الله) بن جعفر بن يحيى الهَمْداني، راويةُ السِّلَفي. قدم إِلى دمشق صحبة الناصر داود، وسمع عليه أهلُها، وكانت وفاته بها، ودفن بمقابر الصوفية رحمه الله تعالى، وله تسعون سنة. الحافظ الكبير زكي (٧) الدين (٨) أبو عبد الله (٩) محمد بن يوسف بن محمد البِرْزالي الإِشبيلي. أحدُ من اعتنى بصناعةِ الحديث وبرَّزَ فيه، وأفاد الطلبةَ، وكان شيخَ الحديث بمشهد ابن عروة، ثم سافر إِلى حلب، فتوفي بحماة في رابع عشر رمضان من هذه السنة. وهو جد شيخنا الحافظ علَم الدين محمد بن القاسم (١٠)

стр. 6844

ابن محمد البِرْزالي، مؤرّخ دمشق الذي ذَيّل على الشيخ شهاب الدين أبي شامة (١)، وقد ذيلتُ أنا على تاريخه بعون الله تعالى [وقدرته]. ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وستمئة استُهِلَّتْ هذه السنة وسلطانُ دمشق نجمُ الدّين الصالح أيوب بن الكامل مُخَيِّمٌ عند نابلس، يستدعي عَمَّه الصالح إِسماعيل ليسير إِلى الديار المصرية، بسبب أخذها من صاحبها العادل بن الكامل، وقد أرسل الصالح إِسماعيل ولدَه وابن يَغْمور (٢) إِلى صحبة الصالح أيوب [بنابلس]، فهما يُنْفقان الأموالَ في الأمراء ويحلفانهم على الصالح (٣) أيوب للصالح إِسماعيل، فلما تمَّ الأمرُ وتمكَّن الصالحُ إِسماعيل من مراده أرسل إِلى الصالح أيوب يطلب منه ولده ليكون عوضه / ببعلبك/، ويسير هو إِلى خدمته، فأرسله إِليه وهو لا يشعر (٤) بشيء مما وقع، وكلُّ ذلك عن ترتيب أبي الحسن غزال (٥) المُتَطَبِّب وزير الصالح - وهو الأمين واقف أمينية بعلبك (٦)؛ فلما كان يوم الثلاثاء السابع والعشرين من صفر هجم (٧) الملك الصالح إِسماعيل وفي صحبته أسدُ الدين شيركوه صاحبُ حمص إِلى دمشق، فدخلاها بغتةً من باب الفراديس، فنزل الصالحُ إِسماعيلُ بداره من درب الشعارين (٨)، ونزل صاحب حمص بداره، وجاء نجم الدين بن سَلَّام (٩) فَهَنَّأ الصالح إِسماعيل ورقص بين يديه وهو يقول: إِلى بيتك جئت. وأصبحوا فحاصروا القلعةَ وبها المغيثُ عمرُ بن الصالح نجم الدين، ونَقَبوا القلعة من ناحية باب الفَرَج، وهتكوا حرمتها ودخلوها وتسلموها واعتقلوا المغيث في برجٍ هنالك. قال أبو شامة (١٠): واحترقت دار الحديث وما هنالك من الحوانيت والدور حول القلعة.

стр. 6845

ولما وصل الخبرُ بما وقع إِلى الصالح أيوب (١) تفرق عنه أصحابه والأمراء خوفًا على أهاليهم من الصالح إِسماعيل، وبقي الصالح أيوب وحدَه بمماليكه وجاريته أم ولده خليل، فطمع (٢) فيه الفلاحون والغوارنة (٣). وأرسل الناصر داود صاحب الكرك إِليه مَنْ أخذه من نابلس مهانًا على بغلةٍ بلا مهمازٍ ولا مقرعة، فاعتقله عنده سبعة أشهر، وأرسل العادل من مصر إِلى الناصر يطلب منه أخاه الصالح أيوب ويعطيه مئة ألف دينار، فما أجابه (٤) إِلى ذلك، بل عكس ما طلب منه بإِخراج الصالح من سجنه والإِفراج عنه وإِطلاقه من الحبس يركب وينزل. فعند ذلك حاربت الملوك من دمشق ومصر وغيرهما الناصر داود، وبرز العادل من الديار المصرية إِلى بلبيس قاصدًا قتال الناصر داود، فاضطرب الجيش عليه واختلفت الأمراء، وقَيَّدوا العادل واعتقلوه في خركاه (٥)، وأرسلوا إِلى الصالح أيوب يستدعونه إِليهم، فامتنع الناصر داود من إِرساله حتى اشترط عليه أن يأخذ له دمشقَ وحمصَ وحلبَ وبلاد الجزيرة وبلاد ديار بكر ونصفَ مملكةِ مصر، ونصفَ ما في الخزائن من الحواصل والأموال والجواهر. قال الصالح أيوب: فأجبت إِلى ذلك مكرهًا، ولا تقدر على ما اشترط جميع ملوك الأرض (٦)، وسرنا فأخذته معي خائفًا أن تكون هذه الكائنة (٧) من المصريين مكيدةً، ولم يكن لي به حاجةٌ، وذكر أنه كان يسكر ويخبط في الأمور ويخالف في الآراء السديدة. فلما وصل الصالح إِلى المصريين مَلَّكُوه عليهم ودخلَ الديارَ المصرية سالمًا مؤيدًا منصورًا مظفرًا محبورًا مسرورًا، فأرسل إلى الناصر داود عشرين ألف دينار فردَّها عليه ولم يقبلها منه. واستقرَّ ملكهُ بمصر. وأما الملك الجواد فإِنه أساء السيرة في سنجار (٨) وصادر أهلها وعسفهم، فكاتبوا (٩) بدرَ الدين لؤلؤًا

стр. 6846

صاحبَ الموصل فقصدهم - وقد خرج الجواد للصيد - فأخذ البلدَ بغير شيء وصار الجوادُ إِلى غانة (١)، ثم باعها من الخليفة بعد ذلك. وفي ربيع الأول درس القاضي الرفيع (٢) عبد العزيز بن عبد الواحد الجيلي بالشامية البرانية. وفي يوم الأربعاء ثالث ربيع الآخر ولي الشيخ عز الدين عبد العزيز (٣) بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي خطابةَ جامع دمشق، وخطب الصالح إِسماعيل لصاحب الروم ببلد دمشق وغيرها، لأنه حالفه على الصالح أيوب. قال أبو شامة (٤): وفي حزيران أيام المشمش جاء مطرٌ عظيمٌ هدم كثيرًا من الحيطان وغيرها، وكنت يومئذ بالمزة. وممن توفي فيها من الأعيان: صاحب حمص الملك المجاهد (٥) أسد الدين شيركوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شاذي. ولَّاه إِياها الملك الناصر صلاح الدين بعد موت أبيه سنة إِحدى وثمانين وخمسمئة، فمكث فيها سبعًا وخمسين سنة، وكان من أحسن الملوك سيرةً، طهَّر بلاده من الخمور والمكوس والمنكرات، وهي في غاية الأمن والعدل، لا يتجاسر أحدٌ من الفرنج ولا العرب يدخل بلاده إِلا أهانه غاية الإِهانة، وكانت ملوك بني أيوب يَتَّقُونه لأنه يرى أنه أحقُّ بالأمر منهم، لأن جدَّه هو الذي فتح مصر، وأَوَّل من ملكَ منهم، وكانت وفاته ﵀ بحمص، وعمل عزاءه بجامع دمشق عفا الله عنه بمنه. القاضي الخُوَيّي شمس الدين أحمد بن خليل (٦) بن سعادة بن جعفر الخُوَيّي (٧) قاضي القضاة بدمشق يومئذ.

стр. 6847

وكان عالمًا بفنونٍ كثيرةٍ من الأصول والفروع وغير ذلك، وكانت وفاتُه يومَ السبتِ بعدَ الظهر السابع من شعبان، وله خمسٌ وخمسون سنةً بالمدرسة العادلية. وكان حسنَ الأخلاق جميلَ المعاشرة، وكان يقول لا أقدر على إِيصال المناصب إِلى مستحقيها. له مصنفاتٌ منها "عروض" قال فيه أبو شامة (١): [من الخفيف] أحمدُ بنُ الخليلِ أرشدهُ الـ … ـلهُ لمّا أرشدَ الخليلَ بن أحمد ذاكَ مُسْتَخْرَجُ العروضِ وهذا … مَظْهَرُ السرِّ منه والعَودُ أحمد وقد ولي القضاء بعده رفيع الدين عبد العزيز بن عبد الواحد بن إِسماعيل بن عبد الهادي الجيلي مع تدريس العادلية، وكان قاضيًا ببعلبك. فأحضره إِلى دمشق الوزير أمين الدين (٢) الذي كان سامريًا فأسلم، وزر للصّالح إِسماعيل، واتفق هو وهذا القاضي على أكل أموال الناس بالباطل. قال أبو شامة (٣): ظهر منه سوءُ سيرة وعسفٌ وفسقٌ وجَورٌ ومصادرةٌ في الأموال. قلت: وقد ذكر غيره عنه أنه ربما حضر يوم الجمعة في المشهد الكمالي بالشباك وهو سكران (٤)، وأن قناني الخمر كانت تكون على بِرْكَةِ العادلية يوم السبت، وكان يعتمد في التركات اعتمادًا سيئًا جدًا، وقد عامله الله تعالى بنقيض مقصوده، وأهلكه الله على يَدَيْ مَنْ كان سبب سعادته، كما سيأتي بيانه قريبًا إِن شاء الله تعالى. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وستمئة فيها: سلم الصالح إِسماعيل صاحب دمشق حصن شقيف أرنون (٥) لصاحب صيدا الفرنجي، فاشتد الإِنكار عليه بسبب ذلك من الشيخ عز الدين (٦) بن عبد السلام خطيب البلد، والشيخ أبي عمرو بن الحاجب (٧) شيخ المالكية، فاعتقلهما مدة ثم أطلقهما وألزمهما منازلهما، وولي الخطابة وتدريس

стр. 6848

الغزالية لعماد الدين داود بن عمر بن يوسف المقدسي (١) خطيب بيت الآبار، ثم خرج الشيخان من دمشق فقصد أبو عمرو الناصر داود بالكرك، ودخل الشيخ عز الدين الديار المصرية، فتلقاه صاحبها أيوب بالاحترام والإِكرام، وولّاه خطابة القاهرة وقضاء مصر، واشتغل عليه أهلها فكان ممن أخذ عنه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد رحمهما الله تعالى. وفيها: قدم رسول من ملك التتار تولي بن جنكيز خان إِلى ملوك الإِسلام يدعوهم إِلى طاعته ويأمرهم بتخريب أسوار بلدانهم. وعنوان الكتاب: من نائب رب السماء ماسح وجه الأرض ملك الشرق والغرب قانقان (٢). وكان الكتاب مع رجل مسلم من أهل أصبهان لطيف الأخلاق، فأول ما ورد على شهاب الدين غازي بن العادل بميافارقين (٣)، وقد أخبر (٤) بعجائب في أرضهم غريبة: منها: أن في البلاد المتاخمة للسد أناسًا أعينهم في مناكبهم، وأفواههم في صدورهم، يأكلون (٥) السمك وإِذا رأوا أحدًا من الناس هربوا (٦). وذكر أن عندهم بزرًا ينبت الغنم، يعيش الخروف منها شهرين وثلاثة، ولا يتناسل. ومن ذلك أن بمازندران عينًا يطلع فيها كل ثلاثين سنة خشبة عظيمة مثل المنارة، فتقيم طول النهار فإِذا غابت (٧) الشمس غابت (٨) في العين فلا ترى إِلى مثل ذلك الوقت، وأن بعض الملوك احتال ليمسكوها بسلاسل رُبطت فيها، فغارت وقطعت تلك السلاسل، ثم كانت إِذا طلعت ترى فيها تلك السلاسل وهي إِلى الآن كذلك (٩). قال أبو شامة (١٠): وفيها قلَّتِ المياه من السماء (١١) والأرض، وفسد كثير من الزرع (١٢) والثمار والله أعلم.

стр. 6849

وممن توفي فيها من الأعيان والمشاهير: محيي الدين بن عربي (١)، صاحب "الفصوص" وغيره، محمد بن علي بن محمد بن عربي أبو عبد الله الطائي الحاتمي (٢) الأندلسي، طاف البلاد وأقام بمكة مدة، وصنّف فيها كتابه المسمى "الفتوحات المكية" في نحو عشرين مجلدًا، فيها (٣) ما يُعقل وما لا يُعقل، وما يُنكر وما لا يُنكر، وما يُعرف وما لا يُعرف، وله كتابه المسمى "فصوص الحكم" (٤) فيه أشياء كثيرة ظاهرها كفرٌ صريحٌ، وله كتاب "العبادلة" و"ديوان شعر" رائق، وله مصنفات أخر كثيرة جدًا، وأقام بدمشق مدة طويلة قبل وفاته، وكان بنو الزكي لهم عليه اشتمال وبه احتفال ولجميع ما يقوله احتمال. قال أبو شامة (٥): وله تصانيف كثيرة وعليه التصنيف (٦) سهل (٧)، وله شعر حسن وكلام طويل على طريق التصوف، وكانت له جنازة حسنة، ودفن بمقبرة القاضي محيي الدين بن الزكي بقاسيون، وكانت جنازته في الثاني والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة. وقال ابن السبط (٨): كان يقول إِنه يحفظ الاسم الأعظم ويقول إِنه يعرف الكيمياء بطريق المنازلة (٩) لا بطريق الكسب (١٠)، وكان فاضلًا في علم التصوّف، وله تصانيف كثيرة. القاضي نجم الدين أبو العباس (١١) أحمد بن محمد بن خلف بن راجح المقدسي الحنبلي [ثم] الشافعي، المعروف بابن الحنبلي.

стр. 6850

كان شيخًا فاضلًا دينًا بارعًا في علم الخلاف، ويحفظ "الجمع بين الصحيحين" للحميدي. وكان متواضعًا حسنَ الأخلاق، قد طاف البلدان يطلب (١) العلم ثم استقرّ بدمشق ودرس بالعذراوية (٢) والصارمية والشامية الجوانية وأم الصالح، وناب في الحكم عن جماعة من القضاة إِلى أن توفي بها، وهو نائب الرفيع (٣) الجيلي، وكانت وفاته يوم الجمعة سادس شوال ودفن بقاسيون. ياقوت بن عبد الله أمين الدين الرومي (٤). منسوب إِلى بيت أتابك، قدم بغداد مع رسول صاحب الموصل لؤلؤ. قال ابن الساعي: اجتمعت (٥) به وهو شاب أديب فاضل، يكتب خطًا حسنًا في غاية الجودة، وينظم شعرًا جيدًا، ثم روى عنه شيئًا من شعره. قال: وتوفي في جمادى الآخرة محبوسًا. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وستمئة فيها: قصد الملكُ الجوادُ أن يدخل مصر (٦) ليكون في خدمة الصالح أيوب، فلما وصل إِلى الرملة (٧) توهم منه الصالح أيوب وأرسل إِليه كمال الدين ابن الشيخ ليقبض عليه، فرجع الجواد فاستجار بالناصر داود، وكان إِذ ذاك بالقدس الشريف، وبعث معه (٨) جيشًا فالتقوا مع ابن الشيخ فكسروه وأسروه فوبّخه الناصر داود ثم أطلقه، وأقام الجواد في خدمة الناصر حتى توهم (٩) منه فقيَّده وأرسله تحت الحوطة إِلى بغداد، فأطلقه بطن من العرب عرفوه (١٠) فلجأ إِلى صاحب دمشق مدة، ثم انتقل إِلى الفرنج، ثم عاد إِلى دمشق فحبسه الصالح إِسماعيل بعزتا إِلى أن مات في سنة إِحدى وأربعين كما سيأتي. وفيها: شرع الصالح أيوب في بناء المدارس بمصر، وبنى قلعة بالجزيرة غرم عليها شيئًا كثيرًا من بيت المال، وأخذ أملاكَ الناس وخرّبَ نيفًا وثلاثين مسجدًا، وقطعَ ألفَ نخلةٍ. ثم أخربها الترك في سنة

стр. 6851

إِحدى وخمسين كما سيأتي بيانه. وفيها ركب الملك المنصور (١) إِبراهيم بن الملك المجاهد صاحب حمص ومعه الحلبيون، فاقتتلوا مع الخوارزمية بأرض حَرّان، فكسروهم ومزّقوهم كُلَّ مُمَزَّق، وعادوا منصورين إِلى بلادهم، فاصطلح شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين مع الخوارزمية وآواهم إِلى بلده ليكونوا من حزبه. قال أبو شامة (٢): وفيها كان دخول الشيخ عز الدين (٣) إِلى الديار المصرية فأكرمه صاحبها وولّاه الخطابة بالقاهرة وقضاء القضاة بمصر، بعد وفاة القاضي شرف الدين الموقع (٤) ثم عزل نفسه مرتين وانقطع في بيته رحمه الله تعالى. قال (٥): وفيها توفي [بالموصل] الشمس بن الخباز النحوي الضرير في سابع رجب. والكمال بن يونس الفقيه في النصف من شعبان، وكانا فاضلي بلدهما في فنهما. قلت أما: الشمس ابن الخَبَّاز (٦) فهو أبو عبد الله أحمد بن الحُسين بن أحمد بن مَعَالي بن منصور بن علي، الضَّرير النحوي الموصلي المعروف بابن الخباز. اشتغل بعلم العربية وحفظ "المفصل" و"الإِيضاح" و"التكملة" والعروض والحساب، وكان يحفظ "المجمل في اللغة" وغير ذلك، وكان شافعيَّ المذهب كثيرَ النوادر والملح، وله أشعارٌ جيدةٌ، وكانت وفاته عاشر رجب (٧) وله من العمر خمسون سنة رحمه الله تعالى. وأما: الكمال بن يُونُس (٨) فهو موسى بن يُونُس بن محمد بن مَنْعَة بن مالك العقيلي، أبو الفتح المَوْصلي.

стр. 6852

شيخ الشافعية بها، ومدرّسٌ بعدَّة مدارس فيها، وكانت له معرفة تامة بالأصول والفروع والمعقولات والمنطق والحكمة (١)، ورحل إِليه الطلبة من البلدان، وبلغ ثمانيًا وثمانين عامًا، وله شعر حسن. فمن ذلك ما امتدح به البدر لؤلؤ صاحب الموصل وهو قوله: [من الطويل] لئن زُينت الدنيا بمالكِ أمرها … فمملكةُ الدنيا بكم تتشرفُ بقيتَ بقاءَ الدهرِ أمركَ نافذٌ … وسعيكُ مشكورٌ وحكمكُ ينصفُ (٢) كان مولده سنة إِحدى وخمسين وخمسمائة، وتوفي للنصف من شعبان هذه السنة، رحمه الله تعالى. قال أبو شامة (٣): وفيها توفي بدمشق: عبد الواحد الصّوفي (٤) الذي كان قسًّا راهبًا بكنيسة (٥) مريم سبعين سنة، أسلم قبل موته بأيام، ثم توفي شيخًا كبيرًا بعد أن أقام بخانقاه السميساطية أيامًا، ودفن [بمقابر الصوفية، وكانت له جنازة حافلة، حضرت دفنه والصلاة عليه رحمه الله تعالى] (٦). أبو الفضل أحمد بن اسفنديار (٧) بن الموفق بن أبي علي البوشنجي الواعظ، شيخ رباط الأرجوانية. قال ابن الساعي: كان جميلَ الصورة حسنَ الأخلاق كثيرَ التودّد والتواضع، متكلمًا متفوّهًا منطيقًا حسنَ العبارة جيدَ الوعظ طيبَ الإِنشاد عذبَ الإِيراد، له نظم حسن، ثم ساق عنه قصيدة يمدح بها الخليفة المستنصر. أبو بكر محمد بن يحيى (٨) بن المُظَفَّر بن علي (٩) بن نعيم المعروف بابن الحُبَيْر (١٠) السلامي.

стр. 6853

شيخ [صالح] عالم فاضل، كان حنبليًا ثم صار شافعيًا، ودرّس بعدة مدارس ببغداد للشافعية، وكان أحد المُعَدّلين بها، تولّى (١) مباشرات كثيرة. وكان فقيهًا أصوليًا عالمًا بالخلاف، وتقدم ببلده وعظم كثيرًا، ثم استنابه (٢) ابن فضلان بدار الحريم، ثم صار من أمره أن درس بالنظامية وخلع عليه ببغلة، وحضر عنده الأعيان، ومازال بها حتى توفي عن ثمانين سنة، ودفن بباب حرب. قاضي القضاة ببغداد أبو المعالي عبد الرحمن بن مُقْبِل (٣) بن الحُسين بن علي الواسطي الشافعي. اشتغل ببغداد وحصل وأعاد في بعض المدارس، ثم استنابه قاضي القضاة عماد الدين أبو صالح نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر (٤) في أيام الخليفة الظاهر بن الناصر، ثم ولي قضاء القضاة مستقلًا، ثم ولي تدريس المستنصرية بعد موت أول من درس بها محيي الدين محمد بن فضلان، ثم عزل عن ذلك كله وعين لمشيخة (٥) بعض الربط. ثم كانت وفاته في هذا العام، وكان فاضلًا ديّنًا متواضعًا رحمه الله تعالى وعفا عنه. [ثم دخلت] (٦) سنة أربعين وستمئة [من الهجرة النبوية] فيها: توفي الخليفة المستنصر بالله وخلافة ولده المستعصم بالله، فكانت (٧) وفاة الخليفة [المستنصر بالله] (٨) أمير المؤمنين بكرةَ يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة، وله من العمر إِحدى وخمسون سنة، وأربعة أشهر وسبعة أيام، وكتم موته حتى كان الدعاء له على المنابر ذلك اليوم، وكانت مدة ولايته ست عشرة سنة وعشرة أشهر وسبعة وعشرين يومًا، ودُفن بدار الخلافة، ثم نُقل إِلى التُّرَب من الرُّصافة.

стр. 6854

وكان جميلَ الصورة حسنَ السريرة جيد (١) السيرة، كثيرَ الصدقات والبرّ والصِّلات، مُحْسنًا إِلى الرعية بكل ما يقدر عليه. كان جدُّهُ الناصر قد جمع ما يتحصَّل من الذهب في بركة في دار (٢) الخلافة، فكان يقف على حافتها ويقول: أترى أعيش حتى أملأها، وكان المستنصر يقف على حافتها ويقول أترى أعيش حتى أنفقها كلها. وكان (٣) يبني الربط والخانات والقناطر في الطرقات من سائر الجهات، وقد عمل بكل محلةٍ من محالِّ بغداد دارَ ضيافة للفقراء، لاسيّما في شهر رمضان. وكان يتقصَّد الجواري اللائي قد بلغن الأربعين فيُشْتَرَيْنَ له فيعتقهن ويجهّزهن ويزوّجهن. وفي كل وقتٍ يبرز صِلاته ألوف متعددة من الذهب، تُفَرَّق في المحالِّ ببغداد على ذوي الحاجات والأرامل والأيتام وغيرهم، تقبل الله تعالى منه وجزاه خيرًا. وقد وضع ببغداد المدرسة المستنصرية للمذاهب الأربعة، وجعل فيها دار حديث ومرستانًا وحمامًا ودار طبٍّ، وجعل لمستحقّيها من الجوامك والأطعمة والحلاوات والفاكهة (٤) ما يحتاجون إِليه في أوقاته، ووقف (٥) عليها أوقافًا عظيمة حتى قيل إِنَّ ثمنَ التبن (٦) من غلّاتِ ريعها يكفي المدرسة وأهلها (٧). ووقف (٨) فيها كتبًا نفيسةً ليس في الدنيا لها (٩) نظير، فكانت هذه المدرسة جمالًا لبغداد بل لسائر (١٠) البلاد. وقد احترق في أول هذه السنة المشهدُ الذي بسامرّاء المنسوب إِلى عليّ الهادي والحسن العسكري، وقد كان بناه أرسلان البساسيري (١١) في أيام تغلّبه على تلك النواحي، في حدود سنة

стр. 6855

خمسين (١) وأربعمئة، فأمر الخليفة المستنصر بإِعادته إِلى ما كان عليه، وقد تكلمتِ الروافضُ في الاعتذار عن حريقِ هذا المشهدِ بكلامٍ طويلٍ باردٍ لا حاصل له، وصنفوا فيه أجزاء (٢) وأنشدوا أشعارًا كثيرة لا معنى لها، وهو المشهد الذي يزعمون أنه يخرج منه المنتظر الذي لا حقيقةَ له، فلا (٣) عين ولا أثر، ولو لم يبن لكان أجدر (٤)، وهو الحسن بن علي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر (٥) بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بكربلاء ابن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، وقبح من يغلو فيهم ويبغض بسببهم من هو أفضل منهم. وكان المستنصر ﵀ كريمًا حليمًا رئيسًا متوددًا إِلى الناس، وكان جميلَ الصورة حسنَ الأخلاق بهيَّ المنظر، عليه نورُ بيتِ النبوّة ﵁ وأرضاه. وحُكي (٦) أنه اجتاز راكبًا في بعض أزقّة بغداد قبل غروب الشمس من رمضان، فرأى شيخًا كبيرًا ومعه إِناءٌ فيه طعامٌ قد حمله من محلةٍ إِلى محلةٍ أخرى. فقال: أيها الشيخ لم لا أخذت الطعام من محلّتك؟ أو أنت محتاجٌ تأخذ (٧) من المحلَّتين؟ فقال: لا والله يا سيدي - ولم يعرفْ أنه الخليفةُ - ولكنّي شيخٌ كبيرٌ، وقد نزل بي الوقتُ، وأنا (٨) أستحيي من أهل محلتي أن أزاحمهم وقت الطعام، فيشمت بي من كان يبغضني، فأنا أذهب إِلى غير محلتي فآخذ الطعام وأتحين (٩) وقتَ كون الناس في صلاةِ المغربِ فأدخل بالطعام إِلى منزلي بحيث (١٠) لا يراني أحدٌ. فبكى الخليفةُ ﵀ وأمر له بألف دينار، فلما دُفعت إِليه فرح الشيخُ فرحًا شديدًا حتَّى قيل إِنه انشقَّ قلبُه من شدّة الفرح، ولم يعش بعد ذلك إِلا عشرين يومًا، ثم مات فحملت (١١) الألف دينار إِلى الخليفة، لأنه لم يترك (١٢) وارثًا. وقد أنفق منها دينارًا واحدًا، فتعجّب

стр. 6856

الخليفةُ من ذلك وقال: شيءٌ قد خرجنا عنه (١) لا يعود إِلينا، تَصَدَّقوا بها على فقراء محلته، فرحمه الله تعالى. وقد خلَّف من الأولاد ثلاثةً، اثنان شقيقان وهما (٢) أمير المؤمنين المستعصم بالله الذي ولي الخلافة بعده (٣) أبو أحمد عبد الله، والأمير أبو القاسم عبد العزيز وأختهما من أم أخرى كريمة صان الله حجابها. وقد رثاه الناس بأشعار كثيرة أورد منها ابن الساعي قطعةً صالحةً، ولم يستوزر أحدًا بل أقرَّ أبا الحسن محمد بن محمد القمي (٤) على نيابة الوزارة، ثم كان بعده نصير (٥) الدين أبو الأزهر أحمد بن محمد الناقد الذي كان أستاذ دار الخلافة، والله تعالى أعلم بالصواب. خلافة المستعصم بالله أمير المؤمنين وهو آخر خلفاء بني العباس ببغداد، وهو الخليفةُ الشهيدُ الذي قتله التتار بأمر هلاكو (٦) بن تولي ملك التتار بن جنكيز خان لعنهم (٧) الله، في سنة ست وخمسين وستمئة كما سيأتي بيانه إِن شاء الله تعالى، وهو أمير المؤمنين المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله بن أمير المؤمنين المستنصر بالله أبي جعفر منصور بن أمير المؤمنين الظاهر بالله أبي نصر محمد بن أمير المؤمنين الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن أمير المؤمنين المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن بن أمير المؤمنين المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بن أمير المؤمنين الخليفة المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن أمير المؤمنين الخليفة المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن الخليفة المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله وبقية نسبه إِلى العباس في ترجمة جده الناصر، وهؤلاء الذين ذكرناهم كلهم ولي الخلافة يتلو بعضهم بعضًا، ولم يتفق هذا لأحد قبل المستعصم، أن في نسبه ثمانية نسقًا ولوا الخلافة (٨) لم يتخللهم أحدٌ، وهو التاسع رحمه الله تعالى بمنه. لما توفي أبوه بكرةَ الجمعة عاشر جمادى الآخرة من سنة أربعين وستمئة استُدْعي هو من التاج

стр. 6857

يومئذ بعد الصلاة فبويع بالخلافة، ولُقّب بالمستعصم، وله من العمر يومئذ ثلاثون سنة وشهور. وقد أتقن في شبيبته تلاوة القرآن حفظًا وتجويدًا، وأتقنَ العربيةَ والخطَّ الحسنَ وغير ذلك من الفضائل على الشيخ شمس الدين أبي المظفر علي بن محمد بن النيار (١) أحد أئمة الشافعية في زمانه، وقد أكرمه (٢) وأحسن إِليه في خلافته. وكان المستعصم على ما ذكر كثيرَ التلاوة حسنَ الأداء طيّبَ الصوت، يَظهر عليه خشوعٌ وإِنابةٌ، وقد نظر في شيء من التفسير (٣) وحل المشكلات، وكان مشهورًا بالخير مشكورًا مقتديًا بأبيه المستنصر جهده وطاقته، وقد مشتِ الأمور في أيامه على السَّداد والاستقامة بحمد الله، وكان القائم بهذه البيعة المستعصمية شرف الدين أبو الفضائلِ إِقْبال المُسْتَنْصِري (٤)، فبايعه أولًا بنو عمه وأهلهُ من بني العباس، ثم أعيانُ الدولة من الأمراء والوزراء والقضاة والعلماء والفقهاء ومَنْ بعدهم من أولي الحلِّ والعقد والعامة وغيرهم، وكان يومًا مشهودًا ومجمعًا محمودًا ورأيًا سعيدًا، وأمرًا حميدًا، وجاءت البيعة من سائر الجهات والأقطار والبلدان (٥) والأمصار، وخطب له في سائر البلدان، والأقاليم والرساتيق، وعلى سائر المنابر شرقًا وغربًا، بُعدًا وقُربًا، كما كان أبوه وأجداده، [من بني العباس] ﵏ أجمعين. وفيها: وقع من الحوادث (٦) أنه كان بالعراق وباءٌ شديدٌ في آخر أيام المستنصر وغلا السكَّرُ والأدويةُ فتصدق الخليفة (٧) المستنصر بالله (٨) ﵀ بسكر كثير على المرضى، تقبل الله منه. وفي يوم الجمعة رابع عشر شعبان أذن الخليفة المستعصم بالله لأبي الفرج عبد الرحمن بن محيي الدين يوسف ابن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي - وكان شابًا ظريفًا فاضلًا (٩) - في الوعظ بباب البدرية، فتكلم وأجاد وأفاد وامتدح الخليفة المستعصم بقصيدة مفيدة (١٠) طويلة جليلة (١١) فصيحة مليحة (١٢)،

стр. 6858

سردها ابن الساعي بكمالها، ومن يشابه (١) أباه فما ظلم، والشبل في المخبر (٢) مثل الأسد. وفيها: كانت وقعة عظيمة بين الحلبيين وبين الخوارزمية، و (مع الخوارزمية) شهاب الدين غازي صاحب ميّافارقين، فكسرهم الحلبيون كسرة عظيمة منكرة، وغنموا من أموالهم شيئًا كثيرًا جدًا، ونُهبت نصيبين مرة أخرى، وهذه سابع عشرة مرة نهبت في هذه السنين، فإِنّا لله وإِنا إِليه راجعون. وعاد الغازي إِلى ميافارقين وتفرقت الخوارزمية يفسدون في الأرض (٣) صحبة مقدمهم بركات خان، لا بارك الله فيه. وقدم على الشهاب غازي منشور بمدينة خلاط فتسلمها وما فيها من الحواصل. وفيها: عزم الصالح أيوب صاحب مصر على دخول الشام فقيل له إِن العساكر مختلفة فجهّز عسكرًا إِليها وأقام هو بمصر يدير مملكتها. وممن توفي فيها من الأعيان: المستنصر بالله (٤) أمير المؤمنين كما تقدم. والحرمة (٥) المصونة الجليلة: تركان (٦) خاتون بنت عز الدين مسعود (٧) بن مودود بن زنكي بن آقسنقر الأتابكية واقفة المدرسة الأتابكية (٨) بالصالحية، وكانت زوجة السلطان الملك الأشرف ﵀ وفي ليلة وفاتها كان وقف (٩) مدرستها وتربتها بالجبل قاله أبو شامة: ودفنت بها رحمها الله تعالى وتقبل منها.

стр. 6859

ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وستمئة فيها: ترددت الرسل بين الصالح أيوب صاحب مصر وبين عمه الصالح إِسماعيل صاحب دمشق (١)، على أن يرد إِليه ولده المغيث عمر، وفيها الصالح أيوب المعتقل في قلعة دمشق، وتستقر دمشق في يد (٢) الصالح إِسماعيل، فوقع الصلح على ذلك، وخطب للصالح أيوب بدمشق، فخاف الوزير أمين الدولة أبو الحسن غزال المسلماني (٣)، وزير الصالح إِسماعيل من غائلة هذا الأمر، فقال لمخدومه: لا ترد هذا الغلام لأبيه (٤) تخرج البلاد من يدك، هذا خاتم سليمان بيدك (٥) للبلاد، فعند ذلك أبطل ما كان وقع من الصلح ورد الغلام إِلى القلعة، وقُطعت الخطبةُ للصالح أيوب، ووقعت الوحشة بين الملكين، وأرسل الصالح أيوب إِلى الخوارزمية يستحضرهم لحصار دمشق فإِنا لله وإِنّا إِليه راجعون. وكانت الخوارزمية قد فتحوا في هذه السنة بلادَ الروم وأخذوها من أيدي ملكها ابن علاء الدين (٦)، وكان قليل العقل يلعب بالكلاب والسباع، ويسلِّطها على الناس، فاتفق أنه عضَّه سبُعٌ فمات فتغلبوا على البلاد حينئذ. وفيها: احتيط على أعوان القاضي الرفيع الجيلي (٧)، وضُرب بعضهم بالمقارع، وصُودروا ورُسم على القاضي الرفيع بالمدرسة المقدمية داخل باب الفراديس، ثم أُخرج ليلًا وذهب به فسجن بمغارة أفقه من نواحي البقاع، ثم انقطع خبره. وذكر أبو شامة (٨) أنه توفي، ومنهم من قال إِنه أُلقي من شاهقٍ، ومنهم من قال خُنق، وذلك كله بذي الحجة من هذه السنة. وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين منه قرئ منشور ولاية القضاء بدمشق لمحيي الدين

стр. 6860

[يحيى] (١) بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى القرشي، بالشباك الكمالي من الجامع، كذا قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٢). وزعم السبط (٣) أن عزله إِنما كان في السنة الآتية، وذكر أن سبب هلاكه أنه كتب إِلى الملك الصالح يقول له: إِنه قد أورد إِلى خزانته من الأموال ألف ألف دينار من أموال الناس فأنكر الصالح ذلك، ورد عليه (٤) الجواب أنه لم يرد سوى ألف ألف درهم، فأرسل القاضي يقول فأنا أحاقق الوزير، وكان الصالح لا يخالف الوزير (٥)، فأشار حينئذ على الصالح فعزله لتبرأ ساحة السلطان من شناعات الناس، فعزله وكان من أمره ما كان (٦). وفوض أمر مدارسه إِلى الشيخ تقي الدين ابن الصلاح (٧) فعين العادلية للكمال التفليسي (٨)، والعذراوية لمحيي الدين بن الزكي الذي ولي القضاء بعده، والأمينية لابن عبد الكافي (٩)، والشامية البرانية للتقي الحموي (١٠)، وغيب القاضي الرفيع وأسقطت (١١) عدالة شهوده. قال السبط (١٢): أرسله الأمين مع جماعة على بغل بإِكافٍ (١٣) لبعض النصارى إِلى مغارة أفقه في جبل لبنان من ناحية الساحل، فأقام بها أيامًا ثم أرسل إِليه عَدْلَيْن من بعلبك ليشهدا (١٤) عليه ببيعِ أملاكه من أمين الدولة، فذكرا أنهما شاهداه وعليه تخفيفة وقندورة (١٥)، وأنه استطعمهما شيئًا من الزاد وذكر أن له ثلاثة أيام لم يأكل شيئًا، فأطعماه (١٦) من زوادتهما وشهدا (١٧) عليه وانصرفا، ثم جاءه داود النصراني فقال له

стр. 6861

قم فقد أمرنا (١) بحملك إِلى بعلبك، فأيقن بالهلاك حينئذ، فقال دعوني أصلي ركعتين، فقال له قم، فقام يصلي (٢) فأطال الصلاة فرفسه النصراني فألقاه من رأس الجبل إِلى أسفل الوادي الذي هناك، فما وصل حتى تقطع، وحكي أنه تعلّق ذيلُه بسنِّ الجبل فما زال داود يرميه بالحجارة حتى ألقاه إِلى أسفل الوادي، وذلك عند الشقيف (٣) المطلّ على نهر إِبراهيم. قال السبط (٤): وقد كان فاسدَ العقيدة دهريًا مستهزئًا بأمور الشرع، يخرج إِلى المجلس سكرانًا (٥) ويحضر إِلى الجمعة كذلك، وكانت داره كالحانات. فلا حول ولا قوة إِلا بالله العلي العظيم. قال (٦): وأخذ الموفق الواسطي أحد أمنائه - وكان (٧) من أكبر البلايا - أخذ لنفسه من أموال الناس ستمئة ألف درهم، فعُوقب عقوبةً عظيمةً حتى أُخذت منه، وقد كُسرت ساقاه ومات تحت الضرب، فألقي في مقابر اليهود والنصارى، وأكلته (٨) الكلاب. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ شمس الدين أبو الفتوح (٩) عمر بن أسعد بن المُنَجَّى التَّنوخي المَعَرّي الحنبلي. قاضي حران قديمًا، ثم قدم دمشق ودرس بالسمسارية وتولى خدمًا في الدولة المعظمية، وكانت له رواية عن ابن صابر (١٠) والقاضيين الشهرزوري (١١) وابن أبي عصرون (١٢)، وكانت وفاته في سابع ربيع الأول من هذه السنة رحمه الله تعالى.

стр. 6862

أخوه (١) عز الدين (٢) وتوفي أخوه العز بعده في ذي الحجة (٣) ودفن بمدرسته التي في الجبل. الشيخ الحافظ الصالح (٤) تقي الدين أبو إِسحاق إِبراهيم بن محمد بن الأزهر الصَّرِيفيني. كان يدري الحديث وله به معرفةٌ جيدة، أثنى عليه أبو شامة (٥) وصلي عليه بجامع دمشق ودفن بقاسيون ﵀. واقف (٦) الكَرَوَّسِيَّة (٧) محمد بن عقيل (٨) بن كَرَوَّس (٩)، جمال الدين محتسب دمشق. كان كيِّسًا متواضعًا، توفي بدمشق في شوال ودفن بداره التي جعلها مدرسةً، وله دار حديث رحمه الله تعالى وعفا عنه. الملك الجواد يونس بن مودود (١٠)، ابن العادل أبي بكر بن أيوب الملك الجواد. وكان أبوه أكبر أولاد العادل، تقلّبت به الأحوال وملكَ دمشقَ بعد عمِّه الكامل محمد بن العادل، وكان في نفسه جيدًا محبًا للصالحين، ولكن كان في بابه من يظلم الناس وينسب ذلك إِليه، فأبغضته العامة وسبُّوه وألجؤوه إِلى أن قايض بدمشق الملك الصالح أيوب بن الكامل إِلى سنجار وحصن كيفا، ثم

стр. 6863

لم يحفظهما بل خرجتا عن يده، ثم آل به الحال إِلى أن سجنه الصالح إِسماعيل بحصن عزتا، حتى كانت وفاته في هذه السنة، ونقل في شوال إِلى تربة المعظم بسفح (١) قاسيون، وكان عنده ابن يغمور (٢) معتقلًا فحوله الصالح إِسماعيل إِلى قلعة دمشق، فلما ملكها الصالح أيوب نقله إِلى الديار المصرية وشنقه مع الأمين غزال (٣) وزير الصالح إِسماعيل، على قلعة القاهرة، جزاءً على صنعهما في حق الصالح أيوب رحمه الله تعالى. أما ابن يغمور فإِنه عمل عليه حتى حول ملك دمشق إِلى [الملك] الصالح إِسماعيل، وأما أمين الدولة فإِنه منع الصالح من تسليم ولده عمر إِلى أبيه فانتقم منهما بهذا، وهو معذور بذلك (٤). مسعود بن أحمد بن مسعود بن مازه المحاربي. أحد الفقهاء الحنفيّة الفضلاء، وله علم بالتفسير وعلم الحديث، ولديه فضلٌ غزيرٌ، قدم بغداد صحبةَ رسول التتار للحج، فحُبس مدة سنين ثم أُفرج عنه، فحج (٥) ثم عاد، فمات ببغداد في هذه السنة رحمه الله تعالى. أبو الحسن علي بن يحيى (٦) بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد البَطْريق بن نصر بن حَمدون ابن ثابت الأَسَدي الحِلّي، ثم الواسطي، ثم البغدادي، الكاتب الشاعر الشيعي. فقيه الشيعة، أقام بدمشق مدة وامتدح كثيرًا من الأمراء والملوك، منهم الكامل صاحب مصر وغيره، ثم عاد إِلى بغداد فكان يشغل الشيعة في مذهبهم، وكان فاضلًا ذكيًا جيّدَ النظم والنثر، لكنه مخذولٌ محجوبٌ عن الحق. وقد أورد ابن الساعي قطعة جيدة من أشعاره [الدالة على غزارة مادته في العلم والذكاء ﵀ وعفا عنه] (٧) ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين وستمئة فيها: استوزر الخليفة المستعصم بالله مؤيد الدين أبا طالب محمد بن أحمد بن علي بن محمد [بن]

стр. 6864

العلقمي (١) المشؤوم على نفسه، وعلى أهل بغداد، والذي (٢) لم يعصم المستعصم في وزارته، فإِنه لم يكن وزير صدقٍ ولا مرضيَّ الطريقة، فإِنه هو الذي أعان على المسلمين في قضية هولاكو (٣) وجنوده قبحه الله وإِياهم، وقد كان ابن العلقمي قبل هذه الوزارة أستاذ دار الخلافة، فلما مات نصير (٤) الدين محمد (٥) بن الناقد استوزر ابن العلقمي وجعل مكانه في الاستادارية الشيخ محيي الدين يوسف بن أبي الفرج بن الجوزي، وكان من خيار الناس، وهو واقف الجوزية التي بالنشابين (٦) بدمشق تَقَبَّلَ الله منه. وفيها: جعل الشيخ شمس الدين علي بن محمد بن الحسين بن النيار (٧) مؤدب الخليفة شيخ الشيوخ ببغداد، وخلع عليه، ووكل الخليفة عبد (٨) الوهاب ابن المطهر وكالة مطلقة، وخلع عليه. وفيها: كانت وقعة عظيمة بين الخوارزمية الذين كان الصالح أيوب صاحب مصر استقدمهم ليستنجد بهم على الصالح إِسماعيل أبي الحسن صاحب دمشق، فنزلوا على غزة وأرسل إِليهم الصالح أيوب الخلع والأموال (٩) والأقمشة والعساكر، فاتفق الصالح إِسماعيل والناصر داود صاحب الكرك، والمنصور صاحب حمص، مع الفرنج واقتتلوا مع الخوارزمية قتالًا شديدًا، فهزمتهم الخوارزمية كسرةً منكرةً فظيعةً، هُزمت الفرنجُ بصلبانها وراياتها العالية، على رؤوس أطلاب المسلمين، وكانت كؤوس الخمر دائرة بين الجيوش فنابت (١٠) كؤوس المنون عن كؤوس الزَّرَجُون (١١)، فقتل من الفرنج في يوم واحد زيادة عن ثلاثين ألفًا (١٢)، وأسروا جماعة من ملوكهم وقسوسهم وأساقفتهم (١٣)، وخلقًا من أمراء المسلمين، وبعثوا بالأسارى إِلى الصالح أيوب بمصر، وكان يومئذ يومًا مشهودًا وأمرًا محمودًا، ولله الحمد. وقد قال بعض أمراء المسلمين: قد علمت أنّا لما وقفنا تحت صلبان الفرنج أنا لا نفلح. وغنمت الخوارزمية من الفرنج ومن كان معهم شيئًا كثيرًا، وأرسل الصالح أيوب إِلى دمشق ليحاصرها، فحصنها الصالح

стр. 6865

إِسماعيل وخرّب من حولها رباعًا كثيرة (١)، وكسر جسر باب توما فسار النهر فتراجع الماء حتى صار بحيرة (٢) من باب توما وباب السلامة، فغرق جميع ما كان بينهما من العمران، وافتقر كثير من الناس، فإِنا لله وإِنّا إِليه راجعون. وممن توفي فيها من الأعيان: الملك المغيث (٣) عمر بن الصالح أيّوب كان الصالح إِسماعيل قد أسره وسجنه في برج قلعة دمشق، حين أخذها في غيبة الصالح أيوب. فاجتهد أبوه بكلِّ ممكنٍ في خلَاصه فلم يقدر، وعارضه فيه أمينُ الدولة غزالٌ المَسْلَماني (٤)، واقف المدرسة الأمينية ببعلبك (٥)، فلم يزل الشابُّ محبوسًا في القلعة من سنةِ ثمانٍ وثلاثين إِلى ليلةِ الجمعةِ ثاني عشر ربيع الآخر من هذه السنة، فأصبح ميتًا في محبسه غمًا وحزنًا، ويقال إِنه قتل فالله أعلم. وكان من خيار أبناء الملوك، وأحسنهم شكلًا، وأكملهم عقلًا. ودفن عند جدِّه الكامل في تربته شمالي الجامع، فاشتد حنق أبيه الصالح أيوب على صاحب دمشق (٦). شيخ الشيوخ بدمشق تاج الدين أبو محمد عبد الله بن (٧) عمر بن محمد بن حمويه. أحدُ الفضلاءِ المؤرّخين المُصَنّفين، له كتاب في ثماني مجلدات، ذكر فيه أصول [الأشياء]، وله "السياسة الملوكية" صنَّفها للكامل محمد وغير ذلك، وسمع الحديث وحفظ القرآن، وكان قد بلغ الثمانين، وقيل إِنه لم يبلغها، وقد سافر إِلى بلاد المغرب في سنة ثلاث وتسعين، واتَّصل بمراكش عند ملكها المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، فأقام هناك إِلى سنة ستمئة، فقدم إِلى ديار مصر (٨) وولي مشيخة الشيوخ بعد أخيه صدر الدين بن حمويه (٩) رحمه الله تعالى.
следующие страницы →