← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.

стр. 6861

قم فقد أمرنا (١) بحملك إِلى بعلبك، فأيقن بالهلاك حينئذ، فقال دعوني أصلي ركعتين، فقال له قم، فقام يصلي (٢) فأطال الصلاة فرفسه النصراني فألقاه من رأس الجبل إِلى أسفل الوادي الذي هناك، فما وصل حتى تقطع، وحكي أنه تعلّق ذيلُه بسنِّ الجبل فما زال داود يرميه بالحجارة حتى ألقاه إِلى أسفل الوادي، وذلك عند الشقيف (٣) المطلّ على نهر إِبراهيم. قال السبط (٤): وقد كان فاسدَ العقيدة دهريًا مستهزئًا بأمور الشرع، يخرج إِلى المجلس سكرانًا (٥) ويحضر إِلى الجمعة كذلك، وكانت داره كالحانات. فلا حول ولا قوة إِلا بالله العلي العظيم. قال (٦): وأخذ الموفق الواسطي أحد أمنائه - وكان (٧) من أكبر البلايا - أخذ لنفسه من أموال الناس ستمئة ألف درهم، فعُوقب عقوبةً عظيمةً حتى أُخذت منه، وقد كُسرت ساقاه ومات تحت الضرب، فألقي في مقابر اليهود والنصارى، وأكلته (٨) الكلاب. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ شمس الدين أبو الفتوح (٩) عمر بن أسعد بن المُنَجَّى التَّنوخي المَعَرّي الحنبلي. قاضي حران قديمًا، ثم قدم دمشق ودرس بالسمسارية وتولى خدمًا في الدولة المعظمية، وكانت له رواية عن ابن صابر (١٠) والقاضيين الشهرزوري (١١) وابن أبي عصرون (١٢)، وكانت وفاته في سابع ربيع الأول من هذه السنة رحمه الله تعالى.

стр. 6862

أخوه (١) عز الدين (٢) وتوفي أخوه العز بعده في ذي الحجة (٣) ودفن بمدرسته التي في الجبل. الشيخ الحافظ الصالح (٤) تقي الدين أبو إِسحاق إِبراهيم بن محمد بن الأزهر الصَّرِيفيني. كان يدري الحديث وله به معرفةٌ جيدة، أثنى عليه أبو شامة (٥) وصلي عليه بجامع دمشق ودفن بقاسيون ﵀. واقف (٦) الكَرَوَّسِيَّة (٧) محمد بن عقيل (٨) بن كَرَوَّس (٩)، جمال الدين محتسب دمشق. كان كيِّسًا متواضعًا، توفي بدمشق في شوال ودفن بداره التي جعلها مدرسةً، وله دار حديث رحمه الله تعالى وعفا عنه. الملك الجواد يونس بن مودود (١٠)، ابن العادل أبي بكر بن أيوب الملك الجواد. وكان أبوه أكبر أولاد العادل، تقلّبت به الأحوال وملكَ دمشقَ بعد عمِّه الكامل محمد بن العادل، وكان في نفسه جيدًا محبًا للصالحين، ولكن كان في بابه من يظلم الناس وينسب ذلك إِليه، فأبغضته العامة وسبُّوه وألجؤوه إِلى أن قايض بدمشق الملك الصالح أيوب بن الكامل إِلى سنجار وحصن كيفا، ثم

стр. 6863

لم يحفظهما بل خرجتا عن يده، ثم آل به الحال إِلى أن سجنه الصالح إِسماعيل بحصن عزتا، حتى كانت وفاته في هذه السنة، ونقل في شوال إِلى تربة المعظم بسفح (١) قاسيون، وكان عنده ابن يغمور (٢) معتقلًا فحوله الصالح إِسماعيل إِلى قلعة دمشق، فلما ملكها الصالح أيوب نقله إِلى الديار المصرية وشنقه مع الأمين غزال (٣) وزير الصالح إِسماعيل، على قلعة القاهرة، جزاءً على صنعهما في حق الصالح أيوب رحمه الله تعالى. أما ابن يغمور فإِنه عمل عليه حتى حول ملك دمشق إِلى [الملك] الصالح إِسماعيل، وأما أمين الدولة فإِنه منع الصالح من تسليم ولده عمر إِلى أبيه فانتقم منهما بهذا، وهو معذور بذلك (٤). مسعود بن أحمد بن مسعود بن مازه المحاربي. أحد الفقهاء الحنفيّة الفضلاء، وله علم بالتفسير وعلم الحديث، ولديه فضلٌ غزيرٌ، قدم بغداد صحبةَ رسول التتار للحج، فحُبس مدة سنين ثم أُفرج عنه، فحج (٥) ثم عاد، فمات ببغداد في هذه السنة رحمه الله تعالى. أبو الحسن علي بن يحيى (٦) بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد البَطْريق بن نصر بن حَمدون ابن ثابت الأَسَدي الحِلّي، ثم الواسطي، ثم البغدادي، الكاتب الشاعر الشيعي. فقيه الشيعة، أقام بدمشق مدة وامتدح كثيرًا من الأمراء والملوك، منهم الكامل صاحب مصر وغيره، ثم عاد إِلى بغداد فكان يشغل الشيعة في مذهبهم، وكان فاضلًا ذكيًا جيّدَ النظم والنثر، لكنه مخذولٌ محجوبٌ عن الحق. وقد أورد ابن الساعي قطعة جيدة من أشعاره [الدالة على غزارة مادته في العلم والذكاء ﵀ وعفا عنه] (٧) ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين وستمئة فيها: استوزر الخليفة المستعصم بالله مؤيد الدين أبا طالب محمد بن أحمد بن علي بن محمد [بن]

стр. 6864

العلقمي (١) المشؤوم على نفسه، وعلى أهل بغداد، والذي (٢) لم يعصم المستعصم في وزارته، فإِنه لم يكن وزير صدقٍ ولا مرضيَّ الطريقة، فإِنه هو الذي أعان على المسلمين في قضية هولاكو (٣) وجنوده قبحه الله وإِياهم، وقد كان ابن العلقمي قبل هذه الوزارة أستاذ دار الخلافة، فلما مات نصير (٤) الدين محمد (٥) بن الناقد استوزر ابن العلقمي وجعل مكانه في الاستادارية الشيخ محيي الدين يوسف بن أبي الفرج بن الجوزي، وكان من خيار الناس، وهو واقف الجوزية التي بالنشابين (٦) بدمشق تَقَبَّلَ الله منه. وفيها: جعل الشيخ شمس الدين علي بن محمد بن الحسين بن النيار (٧) مؤدب الخليفة شيخ الشيوخ ببغداد، وخلع عليه، ووكل الخليفة عبد (٨) الوهاب ابن المطهر وكالة مطلقة، وخلع عليه. وفيها: كانت وقعة عظيمة بين الخوارزمية الذين كان الصالح أيوب صاحب مصر استقدمهم ليستنجد بهم على الصالح إِسماعيل أبي الحسن صاحب دمشق، فنزلوا على غزة وأرسل إِليهم الصالح أيوب الخلع والأموال (٩) والأقمشة والعساكر، فاتفق الصالح إِسماعيل والناصر داود صاحب الكرك، والمنصور صاحب حمص، مع الفرنج واقتتلوا مع الخوارزمية قتالًا شديدًا، فهزمتهم الخوارزمية كسرةً منكرةً فظيعةً، هُزمت الفرنجُ بصلبانها وراياتها العالية، على رؤوس أطلاب المسلمين، وكانت كؤوس الخمر دائرة بين الجيوش فنابت (١٠) كؤوس المنون عن كؤوس الزَّرَجُون (١١)، فقتل من الفرنج في يوم واحد زيادة عن ثلاثين ألفًا (١٢)، وأسروا جماعة من ملوكهم وقسوسهم وأساقفتهم (١٣)، وخلقًا من أمراء المسلمين، وبعثوا بالأسارى إِلى الصالح أيوب بمصر، وكان يومئذ يومًا مشهودًا وأمرًا محمودًا، ولله الحمد. وقد قال بعض أمراء المسلمين: قد علمت أنّا لما وقفنا تحت صلبان الفرنج أنا لا نفلح. وغنمت الخوارزمية من الفرنج ومن كان معهم شيئًا كثيرًا، وأرسل الصالح أيوب إِلى دمشق ليحاصرها، فحصنها الصالح

стр. 6865

إِسماعيل وخرّب من حولها رباعًا كثيرة (١)، وكسر جسر باب توما فسار النهر فتراجع الماء حتى صار بحيرة (٢) من باب توما وباب السلامة، فغرق جميع ما كان بينهما من العمران، وافتقر كثير من الناس، فإِنا لله وإِنّا إِليه راجعون. وممن توفي فيها من الأعيان: الملك المغيث (٣) عمر بن الصالح أيّوب كان الصالح إِسماعيل قد أسره وسجنه في برج قلعة دمشق، حين أخذها في غيبة الصالح أيوب. فاجتهد أبوه بكلِّ ممكنٍ في خلَاصه فلم يقدر، وعارضه فيه أمينُ الدولة غزالٌ المَسْلَماني (٤)، واقف المدرسة الأمينية ببعلبك (٥)، فلم يزل الشابُّ محبوسًا في القلعة من سنةِ ثمانٍ وثلاثين إِلى ليلةِ الجمعةِ ثاني عشر ربيع الآخر من هذه السنة، فأصبح ميتًا في محبسه غمًا وحزنًا، ويقال إِنه قتل فالله أعلم. وكان من خيار أبناء الملوك، وأحسنهم شكلًا، وأكملهم عقلًا. ودفن عند جدِّه الكامل في تربته شمالي الجامع، فاشتد حنق أبيه الصالح أيوب على صاحب دمشق (٦). شيخ الشيوخ بدمشق تاج الدين أبو محمد عبد الله بن (٧) عمر بن محمد بن حمويه. أحدُ الفضلاءِ المؤرّخين المُصَنّفين، له كتاب في ثماني مجلدات، ذكر فيه أصول [الأشياء]، وله "السياسة الملوكية" صنَّفها للكامل محمد وغير ذلك، وسمع الحديث وحفظ القرآن، وكان قد بلغ الثمانين، وقيل إِنه لم يبلغها، وقد سافر إِلى بلاد المغرب في سنة ثلاث وتسعين، واتَّصل بمراكش عند ملكها المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، فأقام هناك إِلى سنة ستمئة، فقدم إِلى ديار مصر (٨) وولي مشيخة الشيوخ بعد أخيه صدر الدين بن حمويه (٩) رحمه الله تعالى.

стр. 6866

الوزير نصير الدين أبو الأزهر (١) أحمد بن محمد بن علي بن أحمد [بن] الناقد البغدادي وزير المستنصر ثم ابنه المستعصم. كان من أبناء التّجار، ثم توصَّل إِلى أن وزر لهذين الخليفتين، وكان فاضلًا بارعًا حافظًا للقرآن كثيرَ التلاوة، نشأ في حشمةٍ باذخهٍ، ثم كان في وجاهةٍ هائلةٍ، وقد أقعد في آخر عمره (٢)، وهو مع هذا في غاية الاحترام والإِكرام، وله أشعار حسنة [كثيرة] أورد منها ابن الساعي قطعةً صالحةً، توفي في هذه السنة وقد جاوز الخمسين رحمه الله تعالى. نقيب النقباء وخطيب الخطباء ووكيل الخلفاء، أبو طالب الحسين (٣) بن أحمد بن علي بن أحمد بن هبة الله (٤) بن محمد بن علي بن الخليفة المُهْتَدي بالله العباسي. كان من سادات العباسيّين وأئمة المسلمين، وخطباء المؤمنين، واستمرت أحواله على السَّداد والصلاح، ولم ينقطع قط عن الخطابة ولم يمرض قطُّ حتى كانت ليلة السبت الثاني (٥) والعشرين من [رجب من] هذه السنة، قام في أثناء الليل لبعض حاجاته فسقط على أم رأسه، فسقط من فمه دم كثير وسكت (٦) فلم ينطق كلمةً واحدةً يومَه ذلك إِلى الليل، فمات وكانت له جنازةٌ حافلةٌ رحمه الله تعالى وعفا عنه بمنه وكرمه. ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وستمئة وهي سنة الخوارزمية، وذلك أن الصالح أيوب بن الكامل صاحب مصر بعث الخوارزمية ومعهم ملكهم بركات خان في صحبة معين الدين (٧) ابن الشيخ، فأحاطوا بدمشق يحاصرون عمه الصالح [إِسماعيل] أبا الخيش (٨) صاحب دمشق، وأحرق (٩) قصرَ حجاج، وحكرَ السُّمّاق، وجامع جرّاح

стр. 6867

خارج باب الصغير، ومساجدَ كثيرةً، ونصبَ المنجنيق عند باب الصغير وعند باب الجابية، ونصب من داخل البلد منجنيقان أيضًا، وترامى (١) الفريقان وأرسل الصالحُ إِسماعيلُ إِلى الأمير معين الدين بن الشيخ بسجّادةٍ وعكّاز وإِبريق، وأرسل يقول: اشتغالُك بهذا أولى من اشتغالك بمحاصرةِ الملوك، فأرسل إِليه المعين بزَمْرٍ وَجْنكٍ وغلالةِ حريرٍ أحمر وأصفر، وأرسل يقول له: أما السجّادة فإِنها تصلحُ لي، وأما أنت فهذا أولى بك. ثم أصبح ابنُ الشيخ فاشتدّ الحصارُ بدمشق، وأرسل الصالحُ إِسماعيل فأحرق جوسق (٢) والده العادل، وامتد (٣) الحريق في زقاق الرمان (٤) إِلى العُقَيْبة فأحرقت (٥) بأسرها، وقطعت الأنهار وغلت الأسعار، وأخيفت الطرق (٦) وجرى بدمشق أمور [شنيعة] بشعة جدًا، لم يتم (٧) عليها قط، وامتد الحصار شهورًا من هذه السنة إِلى جمادى الأولى، فأرسل أمين الدولة (٨) يطلب من [الأمير معين الدين] ابن الشيخ شيئًا من ملابسه، فأرسل إِليه بفرجية وعمامة وقميص ومنديل، فلبس ذلك الأمين وخرج إِلى معين الدين، فاجتمع به بعد العشاء طويلًا، ثم عاد ثم خرج مرةً أخرى فاتّفق الحال على أن يخرج الصالح إِسماعيل إِلى بعلبك ويسلّم دمشق إِلى الصالح أيوب، [فاستبشر الناس بذلك وأصبح الصالح إِسماعيل خارجًا إِلى بعلبك] (٩) ودخل معين الدين ابن الشيخ فنزل في دار سامة، فولّى وعزل وقطعَ ووصل (١٠)، وفوّض قضاءَ القضاةِ إِلى صدر الدين بن سَنيّ الدولة (١١) وعزل القاضي محيي الدين بن الزَّكي (١٢)، واستناب ابنُ سَنِيّ الدولة التفليسيَّ (١٣) الذي ناب لابن الزكي والبدر (١٤) السنجاري، وأرسل معين الدين ابن الشيخ أمين الدولة غزال المسلماني وزير الصالح إِسماعيل تحت الحوطة إِلى الديار المصرية.

стр. 6868

وأما الخوارزمية فإِنهم لم يكونوا حاضرين وقت الصلح، فلما علموا بوقوع الصلح غضبوا وساروا نحو داريا فنهبوها وساقوا (١) نحو بلاد الشرق، وكاتبوا الصالح إِسماعيل فحالفوه على الصالح أيوب، ففرح بذلك ونقض الصلح الذي كان وقع منه، وعادت الخوارزمية فحاصروا دمشق، وجاء إِليهم الصالح إِسماعيل من بعلبك فضاق الحالُ على الدماشقة، فعدمت الأقوات (٢) وغلتِ الأسعارُ جدًا، حتى إِنه بلغ ثمن الغرارة (٣) ألف وستمئة، وقنطار الدقيق بسبعمئة (٤)، والخبز كل أوقيتين إِلا ربعًا بدرهم (٥)، ورطل اللحم بسبعة وأُبيعت (٦) الأملاك بالدقيق، وأُكلت القطاطُ والكلابُ والميتاتُ والجِيَفُ (٧)، وتماوت الناس في الطرقات وعجزوا عن التغسيل والتكفين والإِقبار (٨)، فكانوا يلقون موتاهم في الآبار، حتى أنتنت المدينة وضجر الناس، فإِنا لله وإِنّا إِليه راجعون. وفي هذه الأيام توفي الشيخ تقي الدين ابن الصلاح، شيخ دار الحديث وغيرها من المدارس، فما أخرج من باب الفرج إِلا بعد جهد جهيد، ودفن بالصوفية ﵀ (٩). قال السبط (١٠): ومع هذا كانت الخمور دائرة والفسق ظاهرًا، والمكوس بحالها. وذكر الشيخ شهاب الدين (١١) أَنَّ الأسعار غلت في هذه السنة جدًا، وهلك الصعاليك بالطرقات، وكانوا يسألون (١٢) لقمةً، ثم صاروا يسألون لبابة، ثم تنازلوا إِلى فلس يشترون به نخالة يبلُّونها ويأكلونها، كالدجاج. قال: وأنا شاهدت ذلك. وذكر تفاصيل الأسعار وغلاءها في الأطعمة وغيرها، ثم زال (١٣) هذا كله في آخر السنة بعد عيد الأضحى ولله الحمد والمنة. ولما بلغ الصالح أيوب أن الخوارزمية قد مالؤوا عليه وصالحوا عمه الصالح إِسماعيل، كاتب الملك

стр. 6869

المنصور إِبراهيم بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص، فاستماله إِليه وقوي جانب نائب دمشق معين الدين حسن ابن الشيخ، ولكنه توفي في رمضان من هذه السنة كما سيأتي في الوفيات (١). ولما رجع المنصور صاحب حمص عن موالاة الصالح إِسماعيل شرع في جمع الجيوش من الحلبيين والتركمان والأعراب لاستنقاذ دمشق من الخوارزمية، وحصارهم إِياها، فبلغ ذلك الخوارزمية فخافوا من ذلك وغائلته، وقالوا دمشق ما تفوت، والمصلحة قتاله عند بلده، فساروا [إِليه] إِلى [عند] بحيرة حمص، وأرسل الناصر داود جيشَه إِلى الصالح إِسماعيل مع الخوارزمية، وساق جيش دمشق فانضافوا إِلى صاحب حمص، والتقوا مع الخوارزمية عند بحيرة حمص، وكان (٢) يومًا مشهودًا، قتل فيه عامة الخوارزمية، وقتل ملكهم بركات خان، وجيء برأسه على رمح، فتفرق (٣) شملهم وتمزقوا شَذَرَ مذرَ، وساق المنصور صاحب حمص إِلى بعلبك فتسلَّمها الصالح أيوب، وجاء إِلى دمشق فنزل ببستان سامة خدمة للصالح أيوب، ثم حدثته نفسه بأخذها فاتفق مرضه، فمات ﵀ في السنة الآتية، ونقل إِلى حمص، فكانت (٤) مدة ملكه (٥) بعد أبيه عشر سنين، وقام من بعده فيها ابنه الملك الأشرف مدة سنتين، ثم أخذت منه على ما سيأتي، وتسلم نواب الصالح أيوب بعلبك وبصرى، ولم يبق بيد الصالح إِسماعيل بلد يأوي إِليه ولا أهل ولا ولد ولا مال، بل أخذ (٦) جميع أمواله (٧) ونُقلت عياله تحت الحوطة إِلى الديار المصرية، وسار هو فاستجار بالملك الناصر بن العزيز بن الظاهر غازي صاحب حلب، فآواه وأكرمه واحترمه، وقال الأتابك لؤلؤ الحلبي لابن أستاذه الناصر، و/ كان/ شابًا صغيرًا: انظر إِلى عاقبة الظلم. وأما الخوارزمية فإِنهم ساروا إِلى ناحية الكرك فأكرمهم الناصر داود صاحبها، وأحسن إِليهم وصاهرهم وأنزلهم بالصلت فأخذوا معها نابلس، فأرسل إِليهم الملك الصالح أيوب جيشًا مع فخر الدين ابن الشيخ (٨) فكسرهم على الصلت وأجلاهم عن تلك البلاد، وحاصر الناصر بالكرك وأهانه غاية الإِهانة، وقدم الملك الصالح نجم الدين أيوب من الديار المصرية فدخل دمشق في أُبَّهةٍ عظيمة، وأحسن إِلى أهلها، وتصدق على الفقراء والمساكين، وسار إِلى بعلبك وإِلى بصرى وإِلى صرخد، فتسلمها من صاحبها عز الدين أيبك

стр. 6870

المعظمي، وعوضه عنها ثم عاد إِلى مصر مؤيدًا منصورًا. [مسرورًا محبورًا]. وهذا كله في السنة (١) الآتية. وفي هذه السنة كانت وقعة عظيمة بين جيش الخليفة وبين التتار لعنهم الله، فكسرهم المسلمون كسرةً عظيمةً وفرّقوا شملهم، وهربوا (٢) من بين أيديهم، فلم يلحقوهم ولم يتبعوهم، خوفًا من غائلة مكرهم وعملًا بقوله ﷺ "اتركوا الترك ما تركوكم" (٣). وفي هذه السنة ظهر ببلاد خوزستان على شق جبل داخله (٤) من الأبنية الغريبة العجيبة ما يحار فيه الناظر، وقد قيل إِن ذلك من بناء الجن، وأورد (٥) صفته ابن الساعي في "تاريخه". وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: الشيخ تَقِيّ الدين أبو [عمرو بن] الصَّلاح (٦)، عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان [الشيخ] الإِمام العلّامة، مفتي الشام ومحدثها، أبو عمرو بن الصلاح الشَّهْرزوري ثم الدمشقي. سمع الحديث ببلاد الشرق وتفقَّه هنالك بالموصل وحلب وغيرها، وكان أبوه مدرِّسًا بالأسدية التي بحلب، وواقفها أسد الدين شيركوه ابن شاذي، وقدم هو (٧) الشام وهو في عداد الفضلاء الكبار. وأقام بالقدس الشريف (٨) مدة ودرس بالصلاحية، ثم تحول منه إِلى دمشق، فدرس (٩) بالرواحية ثم بدار الحديث الأشرفية، وهو أوّلُ من وليها من شيوخ الحديث، وهو الذي صنَّف كتاب وقفها، ثم بالشامية الجوانية (١٠)، وقد صنف كتبًا كثيرة مفيدة في علوم الحديث والفقه (١١) وتعاليق (١٢) حسنة على "الوسيط" وغيره من الفوائد التي يُرحل إِليها.

стр. 6871

وكان ديّنًا زاهدًا ورعًا (١) ناسكًا، على طريق السَّلفِ الصالحِ، كما هي (٢) طريقة متأخري أكثر المُحدّثين، مع الفضيلة التامة في فنون كثيرة، ولم يزل على طريقة جيدة حتى كانت وفاته بمنزله في دار الحديث الأشرفية ليلة (٣) الأربعاء الخامس والعشرين من ربيع الآخر من سنة ثلاثٍ وأربعين وستمئة، وصُلّي عليه بجامع دمشق وشَيَّعه الناسُ إِلى داخل باب الفرج، ولم يمكنهم البروز لظاهره (٤) لحصار الخوارزمية، وما صحبه إِلى جبَّانة (٥) الصوفية إِلا نحو العشرة ﵀ وتغمده برحمته (٦). وقد أثنى عليه القاضي شمس الدين بن خلّكان (٧)، وكان من شيوخه. قال السبط (٨) أنشدني الشيخ تقي الدين (٩) من لفظه ﵀: [من مجزوء الكامل] احذرْ من الواوات أر … بعة فهنَّ من الحتوفْ واو الوصيةِ والوديعةِ … والوكالةِ (١٠) والوقوفْ وحكى (١١) ابن خلكان عنه (١٢) أنه قال (١٣): أُلهمتُ في المنام هؤلاء الكلمات: ادفع (١٤) المسألةَ ما وجدت التحمُّلَ يمكنك فإِنَّ لكل يومٍ رزقًا جديدًا، والإِلحاحُ في الطّلب يُذْهبُ البهاءَ، وما أقرب (١٥) الصنيعَ من الملهوف، وربما كان العسر نوعًا من آداب (١٦) الله، والحظوظُ مراتبٌ فلا تعجل على ثمرةٍ قبل

стр. 6872

أن تدرك فإِنك ستنالها في أوانها (١)، [ولا تعجل في حوائجك فتضيق بها ذرعًا، ويغشاك القنوط] (٢). ابن النجار (٣) الحافظ صاحب "التاريخ" محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن ابن النجار، أبو عبد الله البغدادي الحافظ الكبير. سمع الكثير ورحل شرقًا وغربًا، ولد سنة ثمانٍ (٤) وسبعين وخمسمئة، وشرع في كتابة التاريخ وعمره خمس عشرة سنة، [وقرأ النحو والأدب]، والقراءات وقرأ بنفسه على المشايخ كثيرًا حتى حصَّل نحوًا من ثلاثة آلاف شيخ، من ذلك نحو من أربعمئة امرأة، وتغرَّب ثمانيًا وعشرين سنة، ثم جاء (٥) إِلى بغداد وقد جمع أشياء كثيرة، من ذلك "القمر المنير في المسند الكبير"، يذكر لكل صحابي ما روى. و"كنز الأيام في معرفة السنن والأحكام"، و"المختلف والمؤتلف"، و"السابق واللاحق"، و"المتفق والمفترق"، و"كتاب الألقاب"، و"نهج الإِصابة في معرفة الصحابة"، و"الكمال (٦) في أسماء الرجال"، وغير ذلك مما لم يتم أكثره وله "كتاب الذيل على تاريخ مدينة السلام"، في ستة عشر مجلدًا كاملًا (٧)، وله "أخبار مكة والمدينة وبيت المقدس"، و"غرر الفوائد" في خمس مجلدات، وأشياء كثيرة جدًا سردها ابن الساعي في ترجمته، وذكر أنه لما عاد إِلى بغداد عرض عليه الإِقامة في المدارس فأبى وقال (٨): معي ما أستغني به [عن ذلك] (٩) فاشترى جارية وأولدها (١٠) وأقام برهة ينفق مدة على نفسه من كيسه، ثم احتاج إِلى أن نزل محدِّثًا في جماعة المحدثين بالمدرسة المستنصرية حين

стр. 6873

وضعت، ثم مرض (١) شهرين وأوصى إِلى ابن الساعي في أمر تركته، وكانت وفاته يوم الثلاثاء الخامس من شعبان من هذه السنة، وله من العمر خمس وسبعون سنة، وصُلّي عليه بالمدرسة النظامية، وشهد جنازته خلقٌ كثير، وكان يُنادَى حول جنازته: هذا حافظ حديث رسول الله ﷺ ، الذي كان ينفي الكذب (٢) عنه. ولم يترك وارثًا، وكانت تركته عشرين دينارًا وثيابَ بدنه، وأوصى أن يُتصدّق بها، ووقف خزانتين من الكتب بالنظامية تساوي ألف دينار، فأمضى ذلك الخليفة المستعصم، وقد أثنى عليه الناس ورثوه بمراثٍ (٣) كثيرة، سردها ابن الساعي في آخر ترجمته. الحافظ ضياء الدين المقدسي (٤)، [صاحب "الأحكام"] محمد (٥) بن عبد الواحد بن [أحمد بن عبد الرحمن المقدسي]. سمع الحديث الكثير وكتب كثيرًا [ورحل] وطوف وجمع وصنف وألّف كتبًا مفيدةً حسنةً كثيرة الفوائد، من ذلك كتاب "الأحكام" ولم يتمّه، وكتاب "المختارة" وفيه علوم حسنة حديثية، وهي أجود من "مستدرك الحاكم" لو كمل، وله فضائل الأعمال وغير ذلك من الكتب الحسنة الدالة على حفظه واطلاعه وتضلعه من علوم (٦) الحديث متنًا وإِسنادًا. وكان ﵀ في غاية العبادة والزهادة والورع والخير، وقد وقف كتبًا كثيرة عظيمة لخزانة (٧) المدرسة الضيائية التي وقفها على أصحابهم من المحدثين (٨) والفقهاء، وقد وقفت عليها (٩) أوقاف أخر كثيرة بعد ذلك. الشيخ علم الدين أبو الحسن (١٠) السخاوي (١١)، علي بن محمد بن عبد الصمد بن

стр. 6874

عبد الأحد (١) بن عبد الغالب الهمذاني المصري، ثم الدمشقي شيخ القراء بدمشق. ختم عليه ألوف من الناس، وكان قد قرأ على الشاطبي وشرح قصيدته، وله "شرح المفصل" وله تفاسير وتصانيف كثيرة، ومدائح في رسول الله ﷺ ، وكانت له حلقة بجامع دمشق، وولي مشيخة الإِقراء بتربة أم الصالح، وبها كان مسكنه (٢) وبه توفي ليلة الأحد ثاني عشر جمادى الآخرة، ودفن بقاسيون. وذكر القاضي ابن خلكان (٣) أن مولده في سنة ثمانٍ وخمسين وخمسمئة وذكر من شعره قوله: [من السريع] قالوا غدًا نأتي ديارَ الحمى … وينزلُ الركبُ بمَغْناهمُ وكلُّ منْ كان مُطيعًا لهم … أصبحَ مَسْرورًا بلقياهمُ قلتُ فلي ذنبٌ فما حِيلتي … بأيِّ وجهٍ أَتَلَقَّاهمُ قالوا أليسَ العفوُ من شأنهمْ … لاسيَّما عَمَّنْ تَرَجّاهمُ الخاتون ربيعة (٤) خاتون واقفة الصاحبة بقاسيون، ربيعة خاتون بنت أيوب أختُ السلطان صلاح الدين. زوجها أخوها أولًا بالأمير سعد الدين مسعود بن معين الدين، وتزوج هو بأخته عصمة الدين خاتون، التي كانت زوجة الملك نور الدين واقفة (٥) الخاتونية الجوانية، والخانقاه البرانية (٦). ثم لما مات الأمير سعد الدين زوَّجها من الملك مظفر الدين (٧) صاحب إِربل، فأقامت عنده بإِربل أزيد من أربعين سنة حتى مات، ثم قدمت دمشق فسكنت بدار العقيقي (٨) حتى كانت وفاتها في هذه السنة وقد جاوزت الثمانين،

стр. 6875

ودفنت بقاسيون (١)، وكانت في خدمتها الشيخة الصالحة العالمة أمة اللطيف (٢) بنت الناصح الحنبلي، وكانت فاضلة، ولها تصانيف (٣)، وهي التي أرشدتها إِلى وقف المدرسة بسفح قاسيون على الحنابلة، ووقفت (٤) أمة اللطيف على الحنابلة مدرسة أخرى (٥) وهي الآن شرقي الرباط الناصري، ثم لما ماتت الخاتون وقعت العالمة بالمصادرات وحُبست مدة ثم أُفرج عنها وتزوجها الأشرفُ صاحب حمص، وسافرت معه إِلى الرحبة وتل باشر (٦)، ثم توفيت في سنة ثلاث وخمسين، ووجد لها بدمشق ذخائر كثيرة وجواهر ثمينة (٧)، تقارب ستمئة ألف درهم، غير الأملاك والأوقاف رحمها الله تعالى. مُعين الدين الحسن بن شَيْخ الشُّيوخ (٨) وزير الصالح نجم الدين أيوب، أرسله (٩) إِلى دمشق فحاصرها مع الخَوارزميَّة أولَ مرَّةٍ حتى أخذها من يد الصالح إِسماعيل، وأقام بها نائبًا من جهة الصالح أيوب، ثم تمالأ (١٠) الخوارزميةُ مع الصالح إِسماعيل عليه فحصروه بدمشق، ثم كانت وفاتُه في العشر الأخير (١١) من رمضان هذه السنة، عن ستٍّ وخمسين سنةً، فكانت مدةُ ولايته بدمشق أربعةَ أشهرٍ ونصف. وصُلِّي عليه بجامع دمشق، ودُفن بقاسيون إِلى جانب أخيه عماد الدين. وفيها: كانت وفاةُ واقف القَليجية للحنفيّة. وهو الأمير: سيف الدين بن قلج (١٢) ودُفن بتربته التي بمدرسته المذكورة، التي كانت سكنه بدار فلوس تقبل الله تعالى منه.

стр. 6876

وخطيب [الجبل] (١) شرف الدين عبد الله بن الشيخ أبي عمر ﵀. والسيف أحمد بن عيسى (٢) بن الإِمام موفق الدين بن قدامة. وفيها: توفي إِمام الكلاسة الشيخ تاج الدين أبو الحسن محمد (٣) بن أبي جعفر مسند وقته، وشيخ الحديث في زمانه رواية وصلاحًا رحمه الله تعالى. والمحدثان الكبيران الحافظان المفيدان شرف الدين أحمد بن الجوهري (٤). وتاج الدين عبد الجليل الأبهري (٥). ثم دخلت سنة أربع وأربعين وستمئة فيها: كَسَرَ المنصورُ الخوارزميةَ عند بحيرة حمص واستقرَّتْ يدُ نوابِ الصّالحِ أيوب على دمشق وبعلبك وبصرى، ثم في جمادى الآخرة كسرَ فخرُ الدين بن الشيخ الخوارزميةَ على الصَّلْتِ كسرةً فَرَّقَ (٦) بقية شملهم، ثم حاصَر الناصر بالكرك ورجع عنه إِلى دمشق. وقدم الصالحُ أيوب إِلى دمشق في ذي القعدة فأحسنَ إِلى أهلها وتسلَّم هذه المدن المذكورة (٧)، وانتزعَ صرخدَ من يد عزِّ الدين أيبك، وعوَّضه عنها، وأخذ الصلتَ من الناصر داود بن المُعَظَّم وأخذ حصن الصُّبَيْبَة (٨) من السَّعيدِ بن العَزيز بن العادل، وعَظُمَ شأنُه جدًا، وزار في رجوعه بيتَ المقدس وتفقَّد أحوالَه وأمر بإِعادة أسوارهِ أن تُعمرَ كما كانت في

стр. 6877

الدولة الناصرية، فاتح القدس، وأن يُصْرَف (١) الخراجُ وما يتحصَّل من غلَّاتِ بيتِ المقدس في ذلك، وإِن عاز شيئًا صرفَه من عنده. وفيها: قدمت الرسلُ من عند البابا (٢) الذي للنصارى تخبِّرُ بأنه قد أباحَ دم الأنبرور (٣) ملك الفرنج لتهاونه في قتال المسلمين، وأرسل طائفةً من عنده ليقتلوه، فلما انتهوا إِليه كان استعدَّ لهم وأجلس مملوكًا له على السرير فاعتقدوه الملكَ فقتلوه، فعند ذلك أخذهم الأنبرور فصلبهم على باب قصره بعدما ذبحهم وسلخهم وحَشَى جلودَهم تبنًا، فلما بلغ ذلك البابا (٤) أرسل إِليه جيشًا كثيفًا لقتاله فأوقع الله الخلفَ بينهم بسبب ذلك، وله الحمد والمنة (٥) وفيها: هبتْ رياحٌ عاصفةٌ (٦) شديدةٌ بمكة في يوم الثلاثاء من عشر ربيع الآخر، فألقت ستارة الكعبة المشرفة (٧)، وكانت قد عَتقت، فإِنَّها من سنة أربعين لم تُجَدَّد لعدم الحج في تلك السنين من ناحية الخليفة، فما سكنت الريحُ إِلا والكعبةُ عريانة وقد زال عنها شعارُ السَّوادِ، وكان هذا فألًا على زوال دولة بني العبّاس، ومنذرًا بما سيقع بعدَ هذا من كائنة التتار لعنهم الله تعالى. فاستأذن نائب اليمن عُمر بن رسول (٨) شيخَ الحرم العفيف (٩) بن منعة في أن يكسوَ الكعبة، فقال لا يكون هذا إِلا من مال الخليفة، ولم يكن عنده مال فاقترض ثلاثمئة [ألف] دينار واشترى ثيابَ قطنٍ وصبغها سوادًا وركب عليها طرازاتها العتيقة وكسى بها الكعبةَ ومكثت الكعبةُ ليس عليها كسوة إِحدى وعشرين ليلة (١٠). وفيها: فتحت دار الكتب التي أنشأها الوزير مؤيد الدين محمد بن أحمد العلقمي (١١) بدار الوزارة، وكانت (١٢) في نهاية الحسن، ووضع فيها من الكتب النفيسة والنافعة (١٣) شيءٌ كثيرٌ، وامتدحها الشعراء بأبيات وقصائد حسانًا.

стр. 6878

وفي أواخر ذي الحجة طَهَّر الخليفة المستعصم بالله [أمير المؤمنين] ولديه الأميرين أبا العباس أحمد، وأبا الفضائل عبد الرحمن، وعملت ولائم فيها كل أفراح ومسرَّة (١)، لا يسمع بمثلها من أزمان متطاولة، وكان ذلك وداعًا لمسرَّات بغداد وأهلها في ذلك الزمان. وفيها: احتاط الناصر داود صاحب الكرك على الأمير عماد الدين داود بن موسك بن جكر (٢)، وكان من خيار الأمراء الأجواد (٣)، واصطفى أمواله كلَّها وسجنه عنده في الكرك، فشفع فيه فخر الدين ابن الشيخ (٤) لما كان محاصره في الكرك فأطلقه، فخرجت في حلقه خرّاجة (٥) فَبَطَّها فمات ودُفن عند قبر جعفر والشهداء بمؤتة (٦) رحمه الله تعالى. وفيها: توفي ملك الخوارزمية قبلًا بركات خان لما كسرت أصحابه عند بحيرة حمص كما تقدم ذكره. وفيها توفي: الملك المنصور (٧) ناصر الدين إِبراهيم بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص بدمشق، بعد أن سلَّم بعلبك للصالح أيوب (٨)، ونقل إِلى حمص، وكان نزوله أولًا ببستان سامة، فلما مرض حمل إِلى الدهشة بستان الأشرف بالنيرب فمات فيه (٩). وفيها توفي: الصائن محمد بن حسان (١٠) بن رافع العامري الخطيب. وكان كثير السماع مسندًا، وكانت وفاته بقصر حجاج رحمه الله تعالى.

стр. 6879

وفيها توفي: الفقيه العلامة محمد بن محمود بن عبد المنعم (١) المراتبي الحنبلي. وكان فاضلًا ذا فنون، أثنى عليه أبو شامة وقال (٢): صحبته قديمًا ولم يترك بعده بدمشق مثله في الحنابلة، وصُلِّي عليه بجامع دمشق ودفن بسفح قاسيون ﵀. والضياء (٣) عبد الرحمن الغُماري (٤) المالكي الذي (٥) ولي وظائف الشيخ أبي عمرو بن الحاجب حين خرج من دمشق سنة ثمانٍ وثلاثين وجلس في حلقته ودرس مكانه بزاوية المالكية والفقيه تاج الدين إِسماعيل بن جهبل (٦) بحلب، وكان (٧) فاضلًا ديّنًا سليمَ الصدر ﵀. ثم دخلت سنة خمس وأربعين وستمئة فيها: كان عود السلطان [الملك] الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل من الشام إِلى الديار المصرية، وزار في طريقه بيتَ المقدس وفرّق في أهله أموالًا كثيرة، وأمر بإِعادة سوره كما كان في أيام عمِّ أبيه الملك الناصر فاتح القدس. ونزَّل الجيوش لحصار الفرنج ففتحت طبرية في عاشر صفر، وفتحت عسقلان في أواخر جمادى الآخرة. وفي رجب عزل الخطيب عماد الدين داود بن خطيب بيت الآبار عن الخطابة بالجامع (٨) الأموي، وتدريس الغزالية، وولي ذلك للقاضي عماد الدين عبد الكريم بن الحرستاني (٩) شيخ دار الحديث بعد ابن الصلاح.

стр. 6880

وفيها: أرسل الصالح أيوب يطلب جماعةً من أعيان الدماشقة اتُّهموا بممالأة الصالح إِسماعيل، منهم القاضي محيي الدين بن الزكي (١)، وبنو صَصْرَى وابن العماد الكاتب، والحليمي مملوك الصالح إِسماعيل، والشهاب غازي والي بصرى، فلما وصلوا إِلى مصر لم يكن إِليهم شيء من العقوبات والإهانة (٢)، بل خُلع على بعضهم وتركوا باختيارهم مكرمين. وممن توفي فيها من الأعيان (٣): الحسين بن الحسن (٤) بن علي (٥) بن حمزة العلوي الحُسَيْني، أبو عبد الله الأَقساسي النَّقيب قطب الدين. أصله من الكوفة وأقام ببغداد، وولي النقابة، ثم اعتقل بالكوفة، وكان فاضلًا أديبًا شاعرًا مطبقًا، أورد له ابن الساعي أشعارًا كثيرة ﵀. الشَّلَوْبِين (٦) النحوي (٧) هو عُمر بن محمد بن عبد الله الأزدي، أبو علي الأندلسي الإشبيلي، المعروف بالشلوبين، وهو بلغة الأندلسيين الأبيض الأشقر. قال ابن خلكان (٨): خُتم به أئمة النحو، وكان فيه تَغَفُّلٌ، وذكر له شعرًا ومصنفات، منها "شرح الجزولية" و"كتاب التوطئة". وأرَّخ وفاته بهذه السنة. وقد جاوز الثمانين رحمه الله تعالى وعفا عنه. الشيخ علي بن [أبي الحسن بن منصور البُسْري] (٩) المعروف بالحَرِيري (١٠).

стр. 6881

أصله من قرية بُسْر (١) شرقي زُرْع، وأقام بدمشق مدةً يعمل صنعة الحرير، ثم ترك ذلك وأقبل يعمل الفقير (٢) على يد الشيخ علي المغَرْبل (٣)، وابتنى له زاويةً على الشرف القبلي، وبدرتْ منه أفعالٌ أنكرها عليه الفقهاءُ، كالشَّيخ عز الدين بن عبد السلام (٤)، والشيخ تقي الدين بن الصلاح (٥)، والشيخ أبي عمرو (٦) بن الحاجب شيخ المالكية وغيرهم، فلما كانت الدولة الأشرفية حبس في قلعة عزتا مدة سنين (٧) ثم أطلقه الصالح إِسماعيل واشترط عليه أن لا يقيم بدمشق، فلزم بلده بُسر مدةً حتى كانت وفاته في هذه السنة. قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة في "الذيل" (٨): وفي رمضان أيضًا توفي الشيخ علي المعروف بالحريري المقيم بقرية بُسر في زاويته، وكان يتردَّدُ إِلى دمشق، وتبعه طائفةٌ من الفقراء وهم المعروفون بالحريرية (٩) أصحاب الزّيّ المُنافي للشريعة، وباطنهم شرٌّ من ظاهرهم، إِلا من رجع إِلى الله منهم، وكان عند هذا الحريري من الاستهزاء بأمور الشريعة والتهاون بها من إِظهار شعار (١٠) أهل الفسوق والعصيان شيء كثير، وانفسد بسببه جماعة كثيرة (١١) من أولاد كبراء دمشق (١٢) وصاروا على زيّ أصحابه، وتبعوه بسبب أنه كان خليع (١٣) العذار، ويجمع مجلسه الغناء الدائم والرقصَ والمردان، وترك الإنكار (١٤) على أحد فيما يفعله، وتركَ الصلوات وكثرة (١٥) النفقات، فأضلّ (١٦) خلقًا كثيرًا وأفسد جمًا

стр. 6882

غفيرًا، ولقد أفتى في قتله مرارًا جماعةٌ من علماء الشريعة، ثم أراح الله تعالى منه. هذا لفظه بحروفه (١). واقف (٢) العزّيَّةِ الأمير عِزُّ الدين أيبك (٣) أستاذ دار المعظم. كان من العقلاء الأجواد الأمجاد، استنابه المعظمُ على صرخد (٤) وظهرت منه نهضة وكفاية وسداد (٥)، ووقف (٦) العِزِّيتين الجُوَّانية والبَرَّانية، ولما أخذ منه الصالحُ أيوبُ صرخدَ عوَّضه عنها وأقام بدمشق ثم وشى به (٧) بأنه يكاتب الصالح إِسماعيل فاحتيط عليه وعلى أمواله وحواصله فمرض وسقط إِلى الأرض، وقال (٨): هذا آخر عهدي. ولم يتكلم حتى مات ودفن بباب النصر بمصر رحمه الله تعالى، ثم نقل إِلى تربته التي فوق الوراقة. وإِنما أرَّخ السبط وفاته في سنة سبع (٩) وأربعين فالله أعلم. الشهاب غازي بن العادل (١٠) صاحب ميافارقين وخلاط وغيرهما من البلدان. كان من عقلاء بني أيوب وفضلائهم، وأهل الديانة منهم، ومما أنشد قوله (١١): [من الطويل] ومنْ عَجَبِ الأيامِ أَنَّكَ جالسٌ … على الأرضِ في الدُّنيا وأنتَ تَسيرُ فَسيْرُكَ يا هذا كَسَيْرِ سَفينةٍ … بقومٍ جُلوسٍ والقُلوعُ تَطيرُ ثم دخلت سنة ست وأربعين وستمئة فيها: قدم السلطان الملك (١٢) الصالح نجم الدين أيوب من الديار المصرية إِلى دمشق وجهز الجيوش

стр. 6883

والمجانيق إِلى حمص، لأنه كان صاحبها الملك الأشرف (١) موسى بن المنصور بن أسد الدين شيركوه (٢) قد قايض بها إِلى تل باشر لصاحب حلب الناصر يوسف بن العزيز، ولما علمت الحلبيون بخروج الدماشقة برزوا أيضًا في جحفل عظيم (٣) ليمنعوا حمص منهم، واتفق الشيخ [مجيء] نجم الدين الباذرائي (٤) مدرس النظامية ببغداد في رسالة فأصلح بين الفريقين، وردَّ كلًا من الفئتين إلى مستقرها ولله الحمد. وفيها: قتل مملوك تركيّ شاب صبي لسيّده على دفعه (٥) عنه لما أراد به من الفاحشة، فصلب الغلامُ مُسَمَّرًا، وكان شابًا حسنًا جدًا فتأسَّفَ الناسُ له لكونه (٦) صغيرًا ومظلومًا وحسنًا، ونظموا فيه قصائد، وممن نظم فيه الشيخ شهاب الدين أبو شامة في "الذيل" (٧)، وقد أطال قصته جدًا. وفيها: سقطت قنطرة رومية قديمة البناء بسوق الدقيق (٨) من دمشق، عند قصر أم حكيم، فتهدَّم بسببها شيء كثير من الدور والدكاكين، وكان سقوطها نهارًا. وفي ليلة الأحد الخامس والعشرين من رجب وقع حريق بالمنارة الشرقية فأحرق (٩) جميع حشوها، وكانت سلالمها سقالات من خشب، وهلك للناس ودائع كثيرة كانت فيها، وسلَّم الله الجامع وله الحمد. وقدم السلطان بعد أيام إِلى دمشق فأمر بإِعادتها كما كانت. قلت: ثم احترقت وسقطت بالكلية بعد سنة أربعين وسبعمئة وأُعيدت عمارتها أحسن مما كانت ولله الحمد. وبقيت حينئذ المنارة البيضاء الشرقية بدمشق كما نطق به الحديث في نزول عيسى [ابن مريم] ﵇ عليها (١٠)، كما سيأتي بيانه وتقريره في موضعه إِن شاء الله تعالى.

стр. 6884

ثم عاد السلطان الصالح أيوب مريضًا في محفة إِلى الديار المصرية وهو ثقيل مدنف، ما شغله مرضه وما هو فيه (١) عن أمره بقتل أخيه العادل أبي بكر بن الكامل الذي كان صاحبَ الديار المصرية بعد أبيه، وقد كان سجنَه سنة استحوذ على مصر، فلما كان في هذه السنة في شوَّالها أمر بخنقه، فخنق [ودفن] بتربة شمس الدولة، فما عُمر بعده إِلا إِلى النصف من شعبان في العام القابل في أسوأ حالٍ، وأشدِّ مرضٍ، فسبحان من له الخلق والأمر. وفيها: كانت وفاة قاضي القضاة بالديار المصرية: أفضل (٢) الدين (٣) الخُونَجي (٤)، الحكيم المنطقي البارع في ذلك، وكان مع ذلك جيد السيرة في أحكامه. قال أبو شامة (٥): أثنى عليه غير واحد. وممن توفي فيها: علي بن يحيى (٦) جمال (٧) الدين أبو الحسن [البغدادي] المُخَرِّمي (٨)، كان شابًا فاضلًا أديبًا شاعرًا ماهرًا، صنف كتابًا مختصرًا وجيزًا جامعًا لفنون كثيرة في الرياضة والعقل وذمّ الهوى، وسماه "نتائج الأفكار". قال فيه من الكلم المستفادة الحكمية: السلطانُ إِمامٌ متبوعٌ، ودينٌ مشروعٌ، فإِن ظَلَمَ جارتِ الحكّامُ لظلمه، وإِن عدَلَ لم يَجُرْ أحدٌ في (٩)

стр. 6885

حكمه، منْ مَكَّنَهُ اللهُ في أرضِهِ وبلادِهِ وائْتَمَنَهُ على خلقِهِ وعبادِهِ، وبسَطَ يَدَهُ وسلطانَهُ، ورَفَعَ مَحَلَّهُ ومكانَهُ، فحقيقٌ عليهِ أن يُؤَدّيَ الأمانَةَ، ويُخْلِصَ الديانةَ، ويُجْمِلَ السَّريرةَ، ويُحْسِنَ السِّيرةَ، ويَجْعَلَ العَدْلَ دَأْبَهُ المَعْهُود، والأَجْرَ (١) غَرَضَهُ المَقْصود، فالظُّلْمَ يُزِلُّ القَدَم، ويُزِيلُ النِّعم، ويجلبُ النِّقَم، ويُهْلِكُ الأُمَم. وقال أيضًا: معارضَةُ الطَّبيب تُوجِبُ التَّعذيب. رُبَّ حِيلَةٍ أنفعُ من قَبيلة. الموتُ في طلب الثأر خيرٌ من الحياة في عار. سَمينُ الغضب مَهْزُول، وَوالي الغَدْرِ مَعْزول. قلوبُ الحكماءِ تَسْتَشِفُّ (٢) الأَسْرار من لَمَحَاتِ الأَبْصار. اِرْضَ مِنْ أخيكَ في ولايتهِ بعُشْرِ ما كُنْتَ تَعْهَدُهُ في مَوَدَّتِهِ. التَّواضعُ من مَصَائِدِ الشَّرَفِ. ما أَحْسَنَ حُسْنَ الظَّنِّ لولا أَنَّ فيهِ العَجْزَ. ما أَقْبَحَ سُوءَ الظَّنِّ لولا أَنَّ فيهِ الحَزْمَ. وذكر في غضون (٣) كلامه أَنَّ خادمًا لعبد الله بن عمر أذنبَ فأرادَ ابنُ عمر أن يعاقبَهُ على ذنبه فقال: يا سيدي أما لَكَ ذَنْبٌ تخافُ من الله فيه (٤)؟ قال: بلى، قال: فبالذي (٥) أمهلكَ لما أَمْهَلتني، ثم أَذْنَبَ العبدُ ثانية (٦) فأرادَ عقوبتَه فقال له مثلَ ذلك فعفا عنه، ثم أذنبَ الثالثةَ فعاقبه وهو لا يتكلم فقال له ابن عمر: مالك لم تَقُلْ مِثل ما قلتَ في الأوليين (٧)؟ فقال: يا سيّدي حياءً من حلمك مع تكرار جُرْمي. فَبَكى ابن عمر وقال: أنا أحقُّ بالحياءِ من ربّي، أنتَ حُرٌّ لوجه الله تعالى. ومن شعره يمدح الخليفة: [من الكامل]

стр. 6886

يَا مَنْ إِذا بخلَ السَّحابُ بمائهِ … هَطَلَتْ يَدَاهُ عَلَى البريَّةِ عَسْجَدا جَوَّدْتَ كِسْرَى يا مُبَخِّلَ حاتَمٍ … فَغَدَتْ بَنو الآمالِ نَحْوَكَ سُجَّدا وقد أورد له ابن السَّاعي أشعارًا كثيرةً حسنةً رحمه الله تعالى. الشيخ أبو عمرو بن الحاجب (١) المالكي عثمان بن عُمر بن أبي بكر بن يونس الدّويني (٢) ثم المصري، العلامة أبو عمرو [ابن الحاجب] شيخ المالكية. كان أبوه صاحبًا للأمير عِزّ الدين موسك الصَّلاحي، واشتغل هو بالعلم فقرأ القراءات وحرَّر النحو تحريرًا بليغًا، وتفقّه وساد أهلَ عصره (٣)، ثم كان رأسًا في علوم كثيرة، منها الأصول والفروع والعربية [والنحو] والتصريف والعروض والتفسير وغير ذلك. وقد (٤) كان استوطن دمشق في سنة سبع عشرة وستمئة، ودرس بها للمالكية بالجامع حتى كان خروجه بصحبة (٥) الشيخ عز الدين بن عبد السلام (٦) في سنة ثمانٍ وثلاثين، فصارا إِلى الديار المصرية حتى كانت وفاة الشيخ أبي عمرو في هذه السنة بالإسكندرية، ودفن بالمقبرة التي بين المنارة والبلد. قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٧): وكان من أذكى الأُمَّة (٨) قريحةً، وكان ثقةً حجةً متواضعًا عفيفًا كثيرَ الحياء منصفًا محبًّا للعلم وأهله، ناشرًا له محتملًا للأذى، صبورًا على البلوى، قدم دمشق مرارًا آخرها سنة سبع عشرة، فأقام بها مدرّسًا للمالكية وشيخًا للمستفيدين عليه في عِلْمَي القراءات والعربية (٩)، وكان ركنًا من أركان الدين في العلم والعمل، بارعًا في العلوم

стр. 6887

[الأصولية وتحقيق علم العربية] (١) متقنًا لمذهب مالك بن أنس رحمه الله تعالى. وقد أثنى عليه ابن خلكان (٢) ثناءً كثيرًا، وذكر أنه جاء إِليه في أداء شهادة حين كان [ابن خلكان] نائبًا في الحكم بمصر، وسأله عن مسألة اعتراض (٣) الشرط على الشرط، إِذا قال: "إِن أكلتِ، إِن شربتِ فأنت طالق". لِمَ كان [لا] يقع الطلاق حين شربت أولًا؟ (٤) وذكر (أنه) أجاب عن ذلك في تُؤدةٍ وسكون. قلت ومختصره (٥) في الفقه من أحسن المختصرات، انتظم فيه جواهر (٦) ابن شاس (٧)، ومختصره (٨) في أصول الفقه، استوعب فيه عامة فوائد الأحكام لسيف الدين الآمدي (٩)، وقد منَّ الله تعالى عليَّ بحفظه وجمعتُ كراريس في الكلام على ما أودعه فيه من الأحاديث النبوية، ولله الحمد. وله "شرح المفصل" و"الأمالي" في العربية و"المقدمة" المشهورة في النحو، اختصر فيها "مفصل الزمخشري" وشرحها، وقد شرحها غيره أيضًا، وله التصريف وشرحه، وله عروض (١٠) على وزن الشاطبية ﵀ ورضي عنه. ثم دخلت سنة سبع وأربعين وستمئة فيها: كانت وفاة الملك الصالح أيوب، وقتل ابنه (١١) توران شاه وتولية المعز عز الدين أيبك التركماني، [على ما سيأتي]. وفي (١٢) رابع المحرم يوم الإثنين توجه (١٣) الملك الصالح من دمشق إِلى الديار المصرية في محفَّةٍ.

стр. 6888

قاله السبط (١). وكان قد نادى في دمشق: من له عندنا شيء فليأت، فاجتمع خلق كثير بالقلعة، فدفعت إِليهم أموالهم. وفي عاشر صفر دخل إِلى دمشق نائبها الأمير جمال الدين بن يغمور من جهة الصالح أيوب فنزل بدرب الشعارين داخل باب الجابية. وفي جمادى الآخرة أمر النائب بتخريب الدكاكين المحدَثة وسط باب البريد، وأمر أن لا يبقى فيها دكان سوى ما في جانبيه إِلى جانب الخياطين القبلي والشامي (٢)، وما في الوسط يهدم (٣). قال أبو شامة (٤): وقد كان العادل هدم ذلك ثم أعيد ثم هدمه ابن يغمور، والمرجو استمراره على هذه الصفة. وفيها: توجَّهَ الناصر داود من الكرك إِلى حلب فأرسل الصالح أيوب إِلى نائبه بدمشق جمال الدين بن يغمور بخراب دار أسامة المنسوبة إِلى الناصر بدمشق، وبستانه الذي بالقابون، وهو بستان القصر، وأن تقلع أشجاره ويخرب القصر، وتسلَّم الصالح (٥) أيوب الكرك من الأمجد حسن بن الناصر، وأخرج من كان بها من بيت المعظم، واستحوذ على حواصلها وأموالها، فكان فيها من الذهب ألف ألف دينار، وأقطع الصالح الأمجد هذا إِقطاعًا جيدًا. وفيها: طغى الماء ببغداد حتى أتلف شيئًا كثيرًا من المحال والدور الشهيرة، وتعذّرت الجُمَع في أكثر الجوامع بسبب ذلك سوى ثلاثة (٦) جوامع، ونقلت توابيت جماعة من الخلفاء إِلى الترب من الرصافة خوفًا عليهم من أن تغرق محالهم، منهم المعتضد (٧) بن الأمير أبي أحمد [بن] المتوكل، وذلك بعد دفنه بنيّفٍ وخمسين سنة وثلاثمئة سنة، وكذا نقل (٨) ولده المكتفي، وكذا المُتَّقي (٩) بن المقتدر بالله رحمهم الله تعالى. وفيها: هجمت الفرنجُ على دمياط فهربَ مَنْ كانَ فيها من الجند والعامة واستحوذ الفرنجُ على الثغر وقتلوا خلقًا كثيرًا من المسلمين، وذلك في ربيع الأول منها، فنصب السلطانُ المخيّم تجاهَ العدوّ بجميع

стр. 6889

الجيش، وشنق خلقًا ممن هربَ من الفرنج، ولامهم على ترك المصابرة قليلًا ليرهبوا عدوَّ الله وعدوَّهم، وقوي المرضُ وتزايد بالسلطان جدًا، فلما كانت ليلة النصف من شعبان توفي إِلى رحمة الله تعالى بالمنصورة، فأخفت جاريتُه أم [ولده] خليل المدعوَّة شجرةَ الدرِّ موتَه، وأظهرت أَنَّهُ مريضٌ مُدْنفٌ لا يوصَل إِليه، وبقيتْ تعلِّم عنه بعلامته سواء. وأعلمت إِلى أعيان الأمراء فأرسلوا إِلى ابنه الملك المعظم تورانشاه وهو بحصن كيفا، فأقدموه إِليهم سريعًا، وذلك بإِشارة أكابر الأمراء منهم فخر الدين ابن الشيخ (١)، فلما قدم عليهم مَلَّكُوه عليهم وبايعوه أجمعون (٢)، فركبَ في عصائب الملك وقاتلَ الفرنجَ فكسرهم وقتل منهم ثلاثين ألفًا ولله الحمد. وذلك في أول السنة الداخلة. ثم قتلوه بعد شهرين من ملكه، ضربه بعض الأمراء وهو عز الدين أيبك التركماني، [فضربه في يده فقطع بعض أصابعه] (٣) فهرب إِلى قصر من خشبٍ في المُخيم فحاصروه فيه وأحرقوه عليه، فخرجَ من بابه مُسْتَجيرًا برسولِ الخليفة فلم يقبلوا منه، فهربَ إِلى النّيل فانغمر فيه ثم خرج فقُتل سريعًا شَرَّ قِتْلَةٍ، وداسوه بأرجلهم ودُفن كالجيفة، فإِنَّا لله وإِنَّا إِليه راجعون. وكان فيمن ضَرَبَهُ البندقداري على كتفه فخرج السيف من تحت إِبطه الآخر (٤) وهو يستغيث فلا يغاث. وممن قتل في هذه السنة: فخر الدين يوسف بن الشيخ بن حمويه (٥). وكان فاضلًا دينًا مهيبًا وقورًا خليقًا بالملك، كانت الأمراء تعظمه جدًا، ولو دعاهم إِلى مبايعته بعد الصالح (٦) لما اختلف عليه اثنان، ولكنه كان لا يرى ذلك حماية لجانب بني أيوب، قتلته الداوية (٧) من الفرنج شهيدًا قبلَ قدوم المُعَظَّم توران شاه إِلى مصر، في ذي القعدة، ونهبت أمواله وحواصله وخيوله،

стр. 6890

وخرَّبت دارَهُ ولم يتركوا شيئًا من الأفعال الشنيعة البشعة إِلا صنعوه به، مع أَنَّ الذين تعاطوا ذلك من الأمراء كانوا مُعَظِّمين له غايةَ التَّعظيم. ومن شعره: [من الطويل] عصيتُ هَوَى نَفْسي صَغيرًا فعندما … رَمَتْني اللَّيالي بالمَشِيبِ وبالكبرِ أَطَعْتُ الهَوَى عَكْسَ القَضِيَّةِ لَيْتَنِي … خُلِقْتُ كبيرًا ثُمَّ عُدْتُ (١) إِلى الصّغرِ ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وستمئة في ثالث المحرم يوم الأربعاء كان كَسرُ المعظم توران شاه للفرنج على ثغر دمياط، فقتل منهم ثلاثين ألفًا وقيل مئة ألف، وغنموا شيئًا كثيرًا ولله الحمد. ثم قتل جماعة من الأمراء الذين أسروا، وكان فيمن أسر ملك الإفرنسيس (٢) وأخوه، وأُرسلت غفارةُ ملك الإفرنسيس إِلى دمشق فلبسها نائبها في يوم الموكب، وكانت من سَقِرْلاط (٣) [أحمر] تحتها فرو سنجاب، فأنشد في ذلك جماعة من الشعراء فرحًا بما وقع (٤)، ودخل الفقراءُ كنيسةَ مريمَ فأقاموا بها فرحًا بما (٥) نصر الله تعالى على النصارى، وكادوا أن يخربوها، وكانت النصارى (٧) ببعلبك فرحوا (٦) حين أخذت النصارى دمياط، فلمّا كانت هذه الكسرة عليهم سَخَّموا وجوه الصور (٧)، فأرسل نائب البلد (٨) فجناهم وأمر اليهود فصفعوهم، ثم لم يخرج شهر المحرم حتى قتل الأمراء ابن أستاذهم [المُعَظَّم] توران شاه، ودفنوه إِلى جانب النيل من الناحية الأخرى رحمه الله تعالى ورحم أسلافه بمنه وكرمه.

стр. 6891

تمليك الملك المعز عز الدين أيبك التركماني بمصر (١) بعد بني أيوب وهذا أول دولة الأتراك لما قتل الأمراء البحرية وغيرهم من الصالحية ابنَ أستاذهم المُعَظَّم غياث الدين توران شاه بن الصالح أيوب بن الكامل بن العادل أبي بكر بن [نجم الدين] (٢) أيوب، وكان ملكه بعد أبيه بشهرين كما تقدم [شرحه و] بيانه، ولما انفصل أمره (٣) بالقتل نادوا فيما بينهم لا بأس لا بأس، واستدعوا من بينهم الأمير عز الدين أيبك التركماني، فملكوه عليهم وبايعوه ولقبوه بالملك المعز، وركبوا إِلى القاهرة، ثم بعد خمسة أيام أقاموا لهم صبيًا من بني أيوب ابن عشر سنين وهو الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الناصر يوسف ابن المسعود (٤) أقسيس بن الكامل، وجعلوا المعزَّ أتابكه فكانت السكة والخطبة (٥) بينهما، وكاتبوا أمراء الشام بذلك، فما تمَّ لهم الأمر بالشام، بل خرج عن أيديهم ولم تستقر لهم المملكة (٦) إِلا على الديار المصرية، وكل (٧) ذلك عن أمر الخاتون شجرة الدر أم خليل حَظِيَّة الصالح أيوب، فتزوجت بالمعز، وكانت الخطبة والسكة لها (٨)، يُدْعَى لها على المنابر أيامَ الجمع بمصر وأعمالها، وكذا تضرب السكة باسمها أم خليل، والعلامة على المناشير والتواقيع بخطها واسمها، مدة ثلاثة أشهر [قبل المعز] (٩)، ثم آل أمرها إِلى ما سنذكره من الهوان والقتل. ذكر ملك الناصر بن العزيز بن الظاهر (١٠) صاحب حلب لدمشق (١١) لما وقع بالديار المصرية من قتل الأمراء للمعظم (١٢) توران شاه بن الصالح أيوب ركب الحلبيون معهم

стр. 6892

ابن أستاذهم الناصر يوسف بن العزيز محمد بن الظاهر غازي بن الناصر يوسف فاتح بيت المقدس (١)، ومن كان عندهم من ملوك بني أيوب منهم الصالح إِسماعيل بن العادل، وكان أحق الموجودين بالملك، من حيث السن والتعدد والحرمة والرئاسة، ومنهم الناصر داود بن المعظم بن العادل، والأشرف موسى بن المنصور إِبراهيم بن أسد الدين شيركوه، الذي كان صاحب حمص وغيرهم، فجاؤوا إِلى دمشق فحاصروها فملكوها سريعًا، ونُهبت دار ابن يغمور وحُبس في القلعة وتسلّموا ما حولها كبعلبك وبصرى والصلت [وعجلون] وصرخد، وامتنعت (٢) عليهم الكرك والشوبك بالملك المغيث عمر بن العادل بن الكامل، كان قد تغلب عليهما في هذه الفتنة (٣) حين قتل المعظم توران شاه، فطلبه المصريون ليملِّكوه عليهم، فخاف مما حل بابن (٤) عمه، فلم يذهب إِليهم ولما استقرت يد الحلبيين على دمشق وما حولها جلس الناصر في القلعة وطيَّبَ قلوبَ الناس، ثم ركبوا إِلى غزة ليتسلموا الديار المصرية، فبرز إِليهم الجيشُ المصري فاقتتلوا معهم أشدَّ القتال، فكُسر المصريون أولًا بحيث إِنه خُطب للناصر في ذلك بها (٥)، ثم كانت الدائرة على الشاميين فانهزموا وأسروا من أعيانهم خلقًا كثيرًا (٦)، وعدم من الجيش (٧) الصالح إِسماعيل رحمه الله تعالى. وقد أنشد هنا (٨) الشيخ أبو شامة لبعضهم: ضيّعَ إِسماعيلُ أموالنا … وخرَّب المغنى بلا معنى وراحَ من جلِّقَ هذا جزاءُ … من أفقرَ الناسَ وما استغنى ذكر شيء من ترجمة من الصالح أبي الخيش (٩) إِسماعيل (١٠) وهو واقف تربة أم الصالح، وقد كان الصالح ﵀ ملكًا عاقلًا حازمًا تَقَلَّبَتْ (١١) به الأحوال أطوارًا كثيرة، وقد كان الأشرف أوصى له بدمشق من بعده، فملكها شهورًا ثم انتزعها منه أخوه الكامل،

стр. 6893

ثم ملكها من يد الصالح أيوب خديعة ومكرًا، فاستمر فيها أزيد من أربع سنين، ثم استعادها منه الصالح أيوب عام الخوارزمية سنة ثلاث وأربعين، واستقرت بيده بلدتا (١) بعلبك وبصرى، ثم أُخذتا منه كما ذكرنا، ولم يَبْقَ له بلدٌ يأوي إِليه، فلجأ إِلى المملكة الحلبية في جوار الناصر يوسف صاحبها (٢)، فلما كان في هذه السنة ما (٣) ذكرنا عُدِمَ بالديار المصرية في المعركة فلا يُدْرى ما فُعل به والله تعالى أعلم. وهو واقف التربة والمدرسة ودار الحديث والإقراء بدمشق ﵀ بكرمه. وممن توفي في هذه السنة (٤) من الأعيان والمشاهير: الملك المعظم (٥) توران شاه بن الصالح أيوب بن الكامل ابن العادل. كان أولًا صاحب حصن كيفا في حياة أبيه، وكان أبوه يستدعيه [إِليه] في أيامه فلا يجيبه، فلما توفي أبوه كما ذكرنا استدعاه الأمراء فأجابهم وجاء إِليهم فملَّكوه عليهم، ثم قتلوه كما ذكرنا، وذلك يوم الإثنين السابع والعشرين من المحرم، وقد قيل إِنه كان متخلِّفًا لا يصلح للملك، وقد رئي أبوه في المنام بعد قتل ابنه وهو يقول: [من مجزوء الرمل] قَتَلُوهُ شَرَّ قِتْلَهْ … صَارَ للعالَمِ مُثْلَهْ لَمْ يُراعُوا فيه إِلَّا … لا ولا مَنْ كانَ قَبْلَهْ سَتَراهم عَنْ قَريبٍ … لأقلِّ الناسِ أُكْلَهْ فكان كما ذكرنا (٦) من اقتتال المصريين والشاميين. وممن عدم فيما بين الصفين من أعيان الأمراء والمسلمين، فمنهم الشمس لؤلؤ مُدَبِّر مماليك الحلبيين، وكان من خيار عباد الله الصالحين الآمرين بالمعروف وعن المنكر ناهين (٧) وفيها: كانت وفاة [واقفة الحافظية]

стр. 6894

الخاتون (١) أرغوان (٢) الحافظية. سميت الحافظية لخدمتها وتربيتها الحافظ، صاحب قلعة جعبر، وكانت امرأةً عاقلةً مُدَبَّرةً عُمِّرت دهرًا ولها أموالٌ جزيلةٌ عظيمةٌ، وهي التي كانت تصلح الأطعمة للمغيث عمر بن الصالح أيوب، فصادرها الصالح إِسماعيل وأخذ (٣) منها أربعمئة صندوقٍ من المال، وقد وقفت دارها بدمشق على خدامها، واشترت بستانَ النجيب ياقوت (٤) الذي كان خادم الشيخ تاج الدين الكندي (٥)، وجعلت فيه تربة ومسجدًا، ووقفت فيه عليها أوقافًا كثيرة (٦) جيدة ﵀. واقف الأمينية التي ببعلبك: أمين الدولة أبو الحسن غزال المتطبب (٧) وزير الصالح إِسماعيل أبي الخيش الذي كان مشؤومًا على نفسه، وعلى سلطانه، وسببًا في زوال النعمة عنه وعن مخدومه، وهذا هو وزير السوء، وقد اتهمه السبط (٨) بأنه كان متسترًا (٩) بالدين، وأنه لم يكن له في الحقيقة دين، فأراح الله تعالى منه عامة المسلمين، وكان قتله في هذه السنة لما عدم الصالح إِسماعيل بديار مصر، عمد من عمد من الأمراء إِليه وإِلى ابن يغمور (١٠) فشنقوهما وصلبوهما على القلعة بمصر متناوحين (١١). وقد وجد لأمين الدولة غزال هذا من الأموال والتحف والجواهر والأثاث ما يساوي ثلاثةَ آلافِ ألفِ دينارٍ، وعشرة آلاف مجلد بخط منسوب وغير ذلك من الخطوط النفيسة الفائقة.

стр. 6895

ثم دخلت سنة تسع وأربعين وستمئة فيها: عاد الملك الناصر صاحب حلب إِلى دمشق وقدمت عساكر المصريين فحكموا على بلاد السواحل إِلى حد الشريعة، فجهز لهم الملك الناصر جيشًا فطردوهم حتى ردوهم إِلى الديار المصرية، وقصروهم عليها. وتزوجت في هذه السنة أم خليل شَجَر الدرّ بالملك المُعزّ عز الدين أيبك التركماني، مملوك زوجها الصالح أيوب. وفيها: نقل تابوت الصالح أيوب إِلى تربته بمدرسته، ولبست الأتراك ثياب العزاء، وتصدقت أم خليل عنه بأموال جزيلة [كثيرة]. وفيها: خَرَّبتِ التركُ دمياط ونقلوا الأهالي (١) إِلى مصر وأخْلَوا الجزيرةَ أيضًا خوفًا من عَود الفرنج. وفيها: كمل "شرح الكتاب المسمى بنهج البلاغة" في عشرين مجلدًا مما ألّفه عبد الحميد (٢) بن هبة الله بن أبي الحديد المدائني، الكاتب للوزير مؤيد الدين بن العلقمي (٣)، فأطلق له الوزير مئة دينار وخلعة وفرسًا (٤)، وامتدحه عبد الحميد بقصيدة، لأنه كان (٥) شيعيًا معتزليًا. وفي رمضان استدعي الشيخ سراج الدين عمر بن بركة النَّهرقُلِّي (٦) مدرس النظامية ببغداد (٧) فولى قضاء القضاة ببغداد مع التدريس المذكور، وخلع عليه. وفي شوال (٨) ولي تاج الدين عبد الكريم بن الشيخ محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي حسبة بغداد بعد أخيه عبد الله (٩) الذي تركها تزهدًا عنها، وخلع عليه بطرحة، ووضع (١٠) على رأسه غاشية، وركب الحُجّاب في خدمته.

стр. 6896

وفي هذه السنة صُلِّيَتْ صلاةُ العيد يومَ الفطر بعد العصر، وهذا اتفاقٌ غريبٌ. وفيها: وصل إِلى الخليفة كتاب من صاحب اليمن (١) صلاح الدين يوسف (٢) بن عمر بن رسول يذكر فيه أن رجلًا باليمن خرج فادّعى الخلافة، وأنه أنفذ (٣) إِليه جيشًا فكسروه وقتلوا خلقًا من أصحابه وأخذ منهم صنعاء وهرب هو بنفسه في شرذمة ممن بقي من أصحابه. وفيها: أرسل الخليفة إِليه بالخلع والتقليد. وفيها: كانت وفاة: بهاء الدين (٤) علي بن هبة الله بن سلامة [ابن] الجُمَّيْزي (٥) خطيب القاهرة. رحل في (٦) صغره إلي العراق فسمع بها [شُهْدَة] (٧) وغيرها، وكان فاضلًا قد أتقن معرفه مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، وكان دينًا حسن الأخلاق واسع الصدر كثير البر، قلَّ أن يقدم (٨) عليه أحد إِلا أَطعمه شيئًا، وقد سمع الكثير على السِّلَفي وغيره، وأسمع الناس شيئًا كثيرًا من مروياته، وكانت وفاته في ذي الحجة من هذه السنة، وله تسعون سنة، ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى. وممن توفي فيها (٩): أقضى القضاة (١٠) أبو الفضل عبد الرحمن بن عبد السلام (١١) بن إِسماعيل بن عبد الرحمن بن إِبراهيم اللَّمْغاني (١٢) الحنفي.

стр. 6897

من بيت العلم والقضاء، دَرَّسَ بمشهد أبي حنيفة، وناب عن قاضي القضاة ابن فضلان الشافعي، ثم عن قاضي القضاة أبي صالح نصر بن عبد الرزاق (١) الحنبلي، ثم عن قاضي القضاة (٢) عبد الرحمن بن مُقْبل الواسطي (٣)، ثم بعد وفاته في سنة ثلاث وثلاثين استقل القاضي عبد الرحمن اللَّمْغَاني [المذكور] (٤) بولاية الحكم ببغداد، ولُقّب أقْضَى القضاة [ولم يخاطَب بقاضي القضاة] (٥)، ودرَّس للحنفية بالمستنصرية في سنة خمس وثلاثين، وكان مشكورَ السيرة في أحكامه ونقضه وإِبرامه. ولما توفي تَوَلَّى بعدَه قضاءَ القُضاة ببغداد شيخ النظامية سراج الدين النَّهْرقُلّي (٦) رحمهما الله تعالى وتجاوز عنهما بمنه وكرمه آمين (٧). ثم دخلت سنة (٨) خمسين وستمئة هجرية فيها: وصلتِ التتارُ إِلى الجزيرة وسروج ورأس العين وما والى هذه البلاد، فقتلوا وسَبَوْا ونهبوا وخَرَّبوا فإِنَّا لله وإِنَّا إِليه راجعون. ووقعوا بتُجّار (٩) يسيرون بين حَرّان ورأس العين، فأخذوا منهم ستمئة حملِ سكر (١٠) ومعمول من الديار المصرية، وستمئة ألف دينار، وكان عدةُ من قتلوا في هذه السنة من أهل الجزيرة نحوًا من عشرةِ آلاف قتيلٍ، وأسروا من الوُلدانِ والنساء ما يقارب ذلك، فإِنا لله وإِنا إِليه راجعون. قال السبط (١١): وفيها: حج الناس من بغداد، وكان لهم عشرُ سنين لم يحجوا من زمن المستنصر.

стр. 6898

وفيها: وقع حريق بحلب احترق بسببه ستمئة دار، ويقال إِنَّ الفرنج - لعنهم الله - ألقوهُ فيها (١) قصدًا. وفيها: أعاد قاضي القضاة عمر بن علي النَّهْرقُلِّي أمر المدرسة التاجية (٢) التي كان (٣) قد استحوذَ عليها طائفة من العوام، وجعلوها كالقيسارية يتبايعون (٤) فيها مدةً طويلةً، وهي مدرسةٌ جيدةٌ حسنةٌ قريبةُ الشبه (٥) من النظامية، وقد كان بانيها يقال له تاج الدين (٦)، وزير ملك شاه السلجوقي، وأول من درَّس بها الشيخ أبو بكر الشاشي (٧). وفيها: كانت وفاة: جمال الدين بن مطروح (٨) وقد كان فاضلًا رئيسًا كَيِّسًا شاعرًا من كبار (٩) المُتَعَمِّمين، ثم استنابه الملك (١٠) الصالح أيوب في وقتٍ على دمشق فلبس (١١) لبسَ الجند. قال السبط (١٢): وكان لا يليقُ في ذلك. ومن شعره في الناصر داود صاحب الكرك لما استعاد القدسَ من الفرنجِ حين سُلِّمت إِليهم في سنة ستٍ وثلاثين في الدولة الكاملية فقال هذا الشاعر، وهو (١٣) ابن مطروح ﵀ (١٤): [من السريع]

стр. 6899

المسجد (١) الأقصى له عَادة … سارتْ فصارت مثلًا سائرا إِذا غدا للكفْرِ مستوطنا … أنْ يَبْعَثَ اللهُ لهُ ناصرا فناصرٌ طَهَّرَهُ أوَّلًا … وناصِرٌ طَهَّرهُ آخرا ولمّا عزله الصالح من (٢) النيابة أقام خاملًا، وكان كثيرَ البرّ بالفقراء والمساكين، وكانت وفاته بمصر. وفيها توفي: شمس الدين محمد بن سعد المقدسي (٣) الكاتب الحسن الخط. كان كثيرَ الأدب، وسمع الحديث كثيرًا، وخدم السلطان الصالح (٤) إِسماعيل والناصر داود، وكان ديّنًا فاضلًا شاعرًا له قصيدة ينصح فيها السلطان (٥) الصالح إِسماعيل وما يلقاه الناس من وزيره وقاضيه وغيرهما، من حواشيه. [وكانت وفاته بدمشق ودفن بقاسيون] (٦). وممن توفي فيها [من الأعيان] (٧): عبد العزيز بن علي (٨) بن عبد الجبار المغربي (٩) أبوه. ولد ببغداد، وسمع بها الحديث، وعُني بطلب العلم وصنّفَ كتابًا في مجلداتٍ على حروف المعجم في الحديث، وحرر (١٠) فيه حكاية مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى. الشيخ أبو عبد الله محمد بن غانم بن [عبد الـ] كريم الأصبهاني، قدم بغداد وكان شابًا فاضلًا،

стр. 6900

فتتلمذ للشيخ شهاب الدين السهروردي (١)، وكان حسن الطريقة، له يد في التفسير على طريقة (٢) التصوف، وفيه لطافة، ومن كلامه في الوعظ: العالمُ كالذَّرَّةِ في فَضَاءِ عَظَمَتِهِ، والذَّرةُ كالعالِمِ في كتابِ حكمته. الأصولُ فروعٌ إِذا تَجَلَّى جمالُ أَوَّليَّته، والفروعُ أصولٌ إِذا طلعتْ من مغربِ نفي الوسائط شمس آخريّته، أستارُ الليلِ مسدولةٌ، وشموعُ الكواكب مشعولةٌ، وأعينُ الرُّقباءِ عن المُشتاقين مَشْغولة، وحجابُ الحُجُبِ عن أبوابِ الوصل [مَطْرودَةٌ]، معزولة، ما هذه الوقفة (٣) والحبيب قد فتحَ البابَ؟ ما هذه الفترة والمولى قد صَرَفَ (٤) حاجب الحجّاب؟ [من الطويل] وقوفي بأكْنافِ العَقيقِ عُقوقُ … إِذا لم أَرِدْ والدمعُ فيه عَقيقُ إِذا (٥) لم أَمُتْ شَوْقًا إِلى ساكِنِ الحِمَى … فما أنا فيما أدَّعيه صَدوقُ أيا رَبْعَ لَيْلَى ما المُحِبّونَ في الهَوَى … سواءٌ (٦)، ولا كُلُّ الشَّرابِ رَحيقُ ولا كُلُّ مَنْ تلقاهُ (٧) يلقاكَ قَلْبُهُ … ولا كُلُّ مَنْ يَحْنو إِلَيْكَ مَشُوقُ تكاثرت الدَّعْوَى على الحبِّ فاستوى … أسيرُ صَباباتِ الهَوى وطَليقُ أيها الآمنون، هل فيكم من يصعدُ إِلى السماء؟ أيها المحبوسون في مطامير مسمياتهم، هل فيكم سليمًا في الفهم يفهم رموز الوحوش (٨) والأطيار؟ هل فيكم مُوسَويّ الشوقِ يقولُ بلسان شوقهِ؛ أرني أنظرْ إِليك، فقد طالَ الانتظار؟ ولما استسقى الناس قال بعد الاستسقاء: لمّا صَعِدَتْ إِلى الله نفسُ المشتاقِ بَكَتْ آماقُ الآفاقِ، وجادَتْ بالدرّ مُرْضعة السّحاب، وامتص (٩) لبَن الرَّحمة رضيعُ الترابِ وخرجَ من أخلافِ الغمامِ نِطافُ الماءِ النَّمير، فاهتزَّتْ به الهامدةُ، وقرَّتْ عيونُ الغدير (١٠)، وتَزَيَّنَتِ الرياض بالسندس الأخضر، فحَبَّرَ الصبغُ حِبَرَها أحسن تَحْبير، وانفتق (١١) بأنملة الصبا أكمام
следующие страницы →