← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

وفي هذه السنة صُلِّيَتْ صلاةُ العيد يومَ الفطر بعد العصر، وهذا اتفاقٌ غريبٌ. وفيها: وصل إِلى الخليفة كتاب من صاحب اليمن (١) صلاح الدين يوسف (٢) بن عمر بن رسول يذكر فيه أن رجلًا باليمن خرج فادّعى الخلافة، وأنه أنفذ (٣) إِليه جيشًا فكسروه وقتلوا خلقًا من أصحابه وأخذ منهم صنعاء وهرب هو بنفسه في شرذمة ممن بقي من أصحابه. وفيها: أرسل الخليفة إِليه بالخلع والتقليد. وفيها: كانت وفاة: بهاء الدين (٤) علي بن هبة الله بن سلامة [ابن] الجُمَّيْزي (٥) خطيب القاهرة. رحل في (٦) صغره إلي العراق فسمع بها [شُهْدَة] (٧) وغيرها، وكان فاضلًا قد أتقن معرفه مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، وكان دينًا حسن الأخلاق واسع الصدر كثير البر، قلَّ أن يقدم (٨) عليه أحد إِلا أَطعمه شيئًا، وقد سمع الكثير على السِّلَفي وغيره، وأسمع الناس شيئًا كثيرًا من مروياته، وكانت وفاته في ذي الحجة من هذه السنة، وله تسعون سنة، ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى. وممن توفي فيها (٩): أقضى القضاة (١٠) أبو الفضل عبد الرحمن بن عبد السلام (١١) بن إِسماعيل بن عبد الرحمن بن إِبراهيم اللَّمْغاني (١٢) الحنفي.

стр. 6897

من بيت العلم والقضاء، دَرَّسَ بمشهد أبي حنيفة، وناب عن قاضي القضاة ابن فضلان الشافعي، ثم عن قاضي القضاة أبي صالح نصر بن عبد الرزاق (١) الحنبلي، ثم عن قاضي القضاة (٢) عبد الرحمن بن مُقْبل الواسطي (٣)، ثم بعد وفاته في سنة ثلاث وثلاثين استقل القاضي عبد الرحمن اللَّمْغَاني [المذكور] (٤) بولاية الحكم ببغداد، ولُقّب أقْضَى القضاة [ولم يخاطَب بقاضي القضاة] (٥)، ودرَّس للحنفية بالمستنصرية في سنة خمس وثلاثين، وكان مشكورَ السيرة في أحكامه ونقضه وإِبرامه. ولما توفي تَوَلَّى بعدَه قضاءَ القُضاة ببغداد شيخ النظامية سراج الدين النَّهْرقُلّي (٦) رحمهما الله تعالى وتجاوز عنهما بمنه وكرمه آمين (٧). ثم دخلت سنة (٨) خمسين وستمئة هجرية فيها: وصلتِ التتارُ إِلى الجزيرة وسروج ورأس العين وما والى هذه البلاد، فقتلوا وسَبَوْا ونهبوا وخَرَّبوا فإِنَّا لله وإِنَّا إِليه راجعون. ووقعوا بتُجّار (٩) يسيرون بين حَرّان ورأس العين، فأخذوا منهم ستمئة حملِ سكر (١٠) ومعمول من الديار المصرية، وستمئة ألف دينار، وكان عدةُ من قتلوا في هذه السنة من أهل الجزيرة نحوًا من عشرةِ آلاف قتيلٍ، وأسروا من الوُلدانِ والنساء ما يقارب ذلك، فإِنا لله وإِنا إِليه راجعون. قال السبط (١١): وفيها: حج الناس من بغداد، وكان لهم عشرُ سنين لم يحجوا من زمن المستنصر.

стр. 6898

وفيها: وقع حريق بحلب احترق بسببه ستمئة دار، ويقال إِنَّ الفرنج - لعنهم الله - ألقوهُ فيها (١) قصدًا. وفيها: أعاد قاضي القضاة عمر بن علي النَّهْرقُلِّي أمر المدرسة التاجية (٢) التي كان (٣) قد استحوذَ عليها طائفة من العوام، وجعلوها كالقيسارية يتبايعون (٤) فيها مدةً طويلةً، وهي مدرسةٌ جيدةٌ حسنةٌ قريبةُ الشبه (٥) من النظامية، وقد كان بانيها يقال له تاج الدين (٦)، وزير ملك شاه السلجوقي، وأول من درَّس بها الشيخ أبو بكر الشاشي (٧). وفيها: كانت وفاة: جمال الدين بن مطروح (٨) وقد كان فاضلًا رئيسًا كَيِّسًا شاعرًا من كبار (٩) المُتَعَمِّمين، ثم استنابه الملك (١٠) الصالح أيوب في وقتٍ على دمشق فلبس (١١) لبسَ الجند. قال السبط (١٢): وكان لا يليقُ في ذلك. ومن شعره في الناصر داود صاحب الكرك لما استعاد القدسَ من الفرنجِ حين سُلِّمت إِليهم في سنة ستٍ وثلاثين في الدولة الكاملية فقال هذا الشاعر، وهو (١٣) ابن مطروح ﵀ (١٤): [من السريع]

стр. 6899

المسجد (١) الأقصى له عَادة … سارتْ فصارت مثلًا سائرا إِذا غدا للكفْرِ مستوطنا … أنْ يَبْعَثَ اللهُ لهُ ناصرا فناصرٌ طَهَّرَهُ أوَّلًا … وناصِرٌ طَهَّرهُ آخرا ولمّا عزله الصالح من (٢) النيابة أقام خاملًا، وكان كثيرَ البرّ بالفقراء والمساكين، وكانت وفاته بمصر. وفيها توفي: شمس الدين محمد بن سعد المقدسي (٣) الكاتب الحسن الخط. كان كثيرَ الأدب، وسمع الحديث كثيرًا، وخدم السلطان الصالح (٤) إِسماعيل والناصر داود، وكان ديّنًا فاضلًا شاعرًا له قصيدة ينصح فيها السلطان (٥) الصالح إِسماعيل وما يلقاه الناس من وزيره وقاضيه وغيرهما، من حواشيه. [وكانت وفاته بدمشق ودفن بقاسيون] (٦). وممن توفي فيها [من الأعيان] (٧): عبد العزيز بن علي (٨) بن عبد الجبار المغربي (٩) أبوه. ولد ببغداد، وسمع بها الحديث، وعُني بطلب العلم وصنّفَ كتابًا في مجلداتٍ على حروف المعجم في الحديث، وحرر (١٠) فيه حكاية مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى. الشيخ أبو عبد الله محمد بن غانم بن [عبد الـ] كريم الأصبهاني، قدم بغداد وكان شابًا فاضلًا،

стр. 6900

فتتلمذ للشيخ شهاب الدين السهروردي (١)، وكان حسن الطريقة، له يد في التفسير على طريقة (٢) التصوف، وفيه لطافة، ومن كلامه في الوعظ: العالمُ كالذَّرَّةِ في فَضَاءِ عَظَمَتِهِ، والذَّرةُ كالعالِمِ في كتابِ حكمته. الأصولُ فروعٌ إِذا تَجَلَّى جمالُ أَوَّليَّته، والفروعُ أصولٌ إِذا طلعتْ من مغربِ نفي الوسائط شمس آخريّته، أستارُ الليلِ مسدولةٌ، وشموعُ الكواكب مشعولةٌ، وأعينُ الرُّقباءِ عن المُشتاقين مَشْغولة، وحجابُ الحُجُبِ عن أبوابِ الوصل [مَطْرودَةٌ]، معزولة، ما هذه الوقفة (٣) والحبيب قد فتحَ البابَ؟ ما هذه الفترة والمولى قد صَرَفَ (٤) حاجب الحجّاب؟ [من الطويل] وقوفي بأكْنافِ العَقيقِ عُقوقُ … إِذا لم أَرِدْ والدمعُ فيه عَقيقُ إِذا (٥) لم أَمُتْ شَوْقًا إِلى ساكِنِ الحِمَى … فما أنا فيما أدَّعيه صَدوقُ أيا رَبْعَ لَيْلَى ما المُحِبّونَ في الهَوَى … سواءٌ (٦)، ولا كُلُّ الشَّرابِ رَحيقُ ولا كُلُّ مَنْ تلقاهُ (٧) يلقاكَ قَلْبُهُ … ولا كُلُّ مَنْ يَحْنو إِلَيْكَ مَشُوقُ تكاثرت الدَّعْوَى على الحبِّ فاستوى … أسيرُ صَباباتِ الهَوى وطَليقُ أيها الآمنون، هل فيكم من يصعدُ إِلى السماء؟ أيها المحبوسون في مطامير مسمياتهم، هل فيكم سليمًا في الفهم يفهم رموز الوحوش (٨) والأطيار؟ هل فيكم مُوسَويّ الشوقِ يقولُ بلسان شوقهِ؛ أرني أنظرْ إِليك، فقد طالَ الانتظار؟ ولما استسقى الناس قال بعد الاستسقاء: لمّا صَعِدَتْ إِلى الله نفسُ المشتاقِ بَكَتْ آماقُ الآفاقِ، وجادَتْ بالدرّ مُرْضعة السّحاب، وامتص (٩) لبَن الرَّحمة رضيعُ الترابِ وخرجَ من أخلافِ الغمامِ نِطافُ الماءِ النَّمير، فاهتزَّتْ به الهامدةُ، وقرَّتْ عيونُ الغدير (١٠)، وتَزَيَّنَتِ الرياض بالسندس الأخضر، فحَبَّرَ الصبغُ حِبَرَها أحسن تَحْبير، وانفتق (١١) بأنملة الصبا أكمام

стр. 6901

الأنوار (١)، وانْشَقَّتْ بنفحاتِ أنفاسه جيوب الأزهار (٢)، ونطقت أجزاءُ الكائناتِ بلغات صفاتها، وعادات عِبَرها: أيها النائمون (٣) تيقظوا، أيها المبعدون (٤) تعرضوا ﴿فَانْظُرْ (٥) إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠]. أبو الفتح نصر الله بن هبة الله (٦) بن عبد الباقي بن هبة الله بن الحسين بن يحيى بن بُزاقة (٧) الغِفاري الكِناني المصري ثم الدمشقي. كان من أخِصّاءِ الملك المُعظَّم، وولدِه الناصرِ داود، وقد سافر معه إِلى بغداد في سنة ثلاثٍ وثلاثين وستمئة، وكان أديبًا مليحَ المحاضرة رحمه الله تعالى. ومن شعره قوله (٨): [من الطويل] وَلَمّا أَبيتمْ سادتي عن زيارتي … وعَوَّضْتُموني بالبعادِ عن القُرْبِ ولم تَسْمحوا بالوصل في حال يَقْظتي … ولم يصطبرْ عنكمْ لرقّتهِ قَلبي نصبتُ لصيْدِ الطَّيفِ جَفْني حبالة (٩) … فأدركتُ خَفْضَ العيشِ بالنَّوْمِ والنَّصْبِ (١٠) ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وستمئة فيها: دخل الشيخُ نجمُ الدين البادَرائي (١١) رسولُ الخليفة بين (١٢) صاحب مصر وصاحب الشام، وأصلح بين الجيشين، وكانوا قد اشتدت (١٣) الحربُ بينهم ونشبت، وقد مَالأَ الجيشُ المصري الفرنج ووعدوهم (١٤) أن يسلموا إِليهم بيتَ المقدس إِن نصروهم على الشاميّين، وجرتْ خطوبٌ كثيرةٌ، فاصلحَ

стр. 6902

بينهم وخلَّصَ جماعةً من بيوت الملوك من الديار المصرية، منهم أولادُ الصالح إِسماعيل، وبيت (١) الأشرف وغيرهم من أولادِ صاحب حمص وغيرهم، فجزاه (٢) الله خيرًا. وفيها: فيما ذكر ابن الساعي كان رجلٌ ببغداد على رأسه زبادي قاشاني (٣) فزلق فتكسّرت فوقف يبكي، فتألم الناسُ له لفقره وحاجته، وأنه لم يكن يملك غيرها، فأعطاه رجل من الحاضرين دينارًا، فلما أخذه نظر فيه طويلًا ثم قال: والله هذا الدينار أعرفه (٤)، وقد ذهب مني في جملة دنانير عام أول، فشتمه بعضُ الحاضرين فقال له ذلك الرجل: فما (٥) علامةُ ما قلت؟ قال زِنةُ هذا كذا وكذا، وكان معه ثلاثة وعشرون دينارًا، فوزنوه فوجدوه [كما ذكر، فأخرج له الرجل ثلاثة وعشرين دينارًا، وكان قد وجدها] (٦) كما قال حين سقطت منه، فتعجَّبَ الناس من ذلك (٧). قال: ويقرب من هذا (٨) أن رجلًا بمكة نزعَ ثيابه ليغتسلَ من ماءِ زمزم وأخرج من عضده دملجًا زنته خمسون (٩) مثقالًا فوضعه مع ثيابه، فلما فرغَ من اغتساله لبسَ ثيابه ونسي الدملجَ ومضى، وصار إِلى بغداد وبقي مدةَ سنتين بعد ذلك وأيس منه، ولم يبقَ معه شيء إِلا يسير (١٠) فاشترى به زجاجًا وقوارير (١١) ليبيعَها ويتكسب بها، فبينما هو يطوفُ بها إِذ زلق (١٢) فسقطت القواريرُ فتَكَسَّرت فوقف يبكي واجتمع الناسُ عليه يتألّمون له، فقال في جملة كلامه: والله يا جماعة لقد ذهب مني من مدة سنتين دملج من ذهب [عند بئر زمزم] زنته (١٣) خمسون مثقالًا، ما تألمت لفقده كما تألمت لتكسّر (١٤) هذه القوارير، وما ذاك إِلا لأن هذه كانت جميعَ ما أملك، فقال له رجلٌ من الجماعة: فأنا والله لقيت ذلك الدملج، وأخرجه من

стр. 6903

عضده [فدفعه إِليه] فتعجب الناس والحاضرون [أيضًا من ذلك]. والله أعلم بالصواب (١) ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وستمئة قال سبط ابن الجوزي في كتابه "مرآة الزمان" (٢): فيها وردت الأخبار من مكة شرفها الله تعالى بأن نارًا ظهرت في أرض عدن في بعض جبالها بحيث إِنه يطير شررُها إِلى البحر في الليل، ويصعد منها دخانٌ عظيمٌ في النهار (٣)، فما شكَّوا أنها النار التي ذكر النبي ﷺ أنها تظهر في آخر الزمان (٤)، فتاب الناس

стр. 6904

وأقلعوا عما كانوا عليه من المظالم والفساد (١)، وشرعوا في أفعال الخير والصدقات (٢). وفيها: قدم الفارسي أقطاي (٣) من الصعيد ونهب (٤) أموال المسلمين وأسر بعضهم، ومعه جماعةٌ من البحرية المفسدين في الأرض، وقد بَغَوْا وَطَغوا وتَجَبَّروا، ولا يلتفتون إِلى الملك المُعز أيبك التركماني، ولا إِلى زوجته شجر الدر. فشاور المُعزُّ زوجتَه شجر الدر في قتل أقطاي، فأذنت له، فعمل عليه حتى قتله في هذه السنة بالقلعة المنصورة بمصر، فاستراح المسلمون من شره [ولله الحمد والمنّة]. وفيها: درَّس الشيخ عز الدين بن عبد السلام (٥) بمدرسة الصالح أيوب بين القصرين. وفيها: قَدِمت بنتُ ملكِ الروم في تجمّل عظيمٍ وإِقامات هائلة إِلى دمشق زوجةً لصاحبها الناصر بن العزيز بن الظاهر بن الناصر، وجرت أوقات حافلة بدمشق بسببها (٦). وممن توفي فيها من المشاهير: [الخُسْرُوشاهي (٧) المتكلم] (٨) عبد الحميد بن عيسى الشيخ شمس الدين الخُسْرُوشاهي. أحد مشاهير المتكلمين، وممن اشتغل على الفخر الرازي في الأصول وغيرها، ثم قدم الشام فلزم الملكَ الناصرَ داودَ بن المُعَظَّم وحظي عنده. قال أبو شامة (٩): وكان شيخًا مهيبًا (١٠) فاضلًا متواضعًا حسن الظاهر رحمه الله تعالى. وقال السبط (١١): وكان متواضعًا كبير [القدر] (١٢) كيسًا محضر خير، لم يُنقل عنه أنه آذى أحدًا فإِن (١٣)

стр. 6905

قدر على نفع وإِلا سكت، توفي بدمشق ودفن بقاسيون على باب تربة الملك المعظم رحمه الله تعالى. [مجد الدين بن تيمية] (١) الشيخ مجد الدين بن تيمية صاحب الأحكام (٢). الشيخ كمال الدين بن طلحة (٣) الذي ولي الخطابة بدمشق بعد الدَّوْلَعي (٤)، ثم عُزل وصار إِلى الجزيرة فولي قضاء نصيبين، ثم صار إِلى حلبَ فتوفي بها في هذه السنة. قال أبو شامة (٥): وكان فاضلًا عالمًا طُلِبَ أن يلي الوزارة فامتنع من ذلك، وكان هذا من التأييد رحمه الله تعالى. السَّديد (٦) بن علان (٧). آخر من روى عن الحافظ ابن عساكر سماعًا بدمشق، [﵀]. الناصح فرج بن عبد الله الحبشي (٨). كان كثيرَ السماع مسندًا خيرًا صالحًا مواظبًا على سماع الحديث وإِسماعه إِلى أن مات بدار الحديث النورية بدمشق ﵀.

стр. 6906

النصرة (١) بن [الملك] صلاح الدين يوسف بن أيوب (٢) توفي بحلب في هذه السنة. وآخرون ﵏ أجمعين. ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وستمئة قال السبط (٣): فيها عاد الناصر داود من الأنبار إِلى دمشق، ثم عاد وحجَّ من العراق وأصلح بين العراقيين، وأهل مكة، ثم عاد معهم إِلى الحلة. قال أبو شامة (٤): وفيها: في ليلة الإثنين ثامن (٥) عشر صفر توفي بحلب الشيخ الفقيه: ضياء الدين صقر (٦) بن يحيى بن صقر (٧) وكان فاضلًا دينًا، ومن شعره [قوله رحمه الله تعالى] (٨): [من السريع] (٩) مَنِ ادَّعَى أَنَّ لهُ حالةً (١٠) … تُخْرِجُه عن مَنْهَجِ الشَّرْعِ فلا تَكُونَنَّ له صاحبًا … فإِنَّهُ ضَرٌّ بلا نَفْعِ وواقف القوصية (١١):

стр. 6907

أبو العزب إِسماعيل بن حامد (١) بن عبد الرحمن الأنصاري القوصي. وقف داره بالقرب من الرحبة على أهل الحديث وبها قبره، وكان مدرسًا بحلقة جمال الإسلام تجاه برادة، فعرفت به، وكان ظريفًا مطبوعًا حسنَ المحاضرة، وقد جمع له معجمًا حكى فيه عن مشايخه أشياء كثيرة مفيدة. قال أبو شامة (٢): وقد طالعته بخطه فرأيت فيه أغاليطَ وأوهامًا في أسماء الرجال وغيرها، فمن ذلك أنه انتسب إِلى سعد بن عبادة بن دليم فقال سعد بن عبادة بن الصامت وهذا غلط [فاحش]، وقال في سند (٣) خرقة التصوف فغلط وصحف حبيبًا (٤) أبا محمد حسينًا. قال أبو شامة: رأيت ذلك بخطه، توفي يوم الإثنين سابع عشر ربيع الأول من هذه السنة. وفيها: توفي (٥) الشريف المرتضى نقيب الأشراف بحلب، وكانت وفاته بها (٦)، رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة أربع وخمسين وستمئة (٧) فيها: كان ظهورُ النار من أرض الحجاز التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، كما نطق بذلك (٨) الحديث المتفق عليه، وقد بسط القول في ذلك الشيخ الإمام العلامة الحافظ شهاب الدين أبو شامة المقدسي في كتابه "الذيل" (٩) وشرحه، و [اختصره] واستحضره من كتب كثيرة وردت متواترة إلى دمشق من [أرض] الحجاز بصفة أمر هذه النار التي شوهدت معاينة، وكيفية خروجها وأمرها، وهذا محرر في كتاب: "دلائل النبوة من السيرة النبوية" في أوائل هذا الكتاب ولله الحمد والمنة. وملخص ما أورده أبو شامة أنه قال: وجاء إلى دمشق كتب من المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، بخروج نار عندهم في خامس جمادى الآخرة [- يعني -] من هذه السنة،

стр. 6908

وكتبت الكتب في خامس رجب، والنار بحالها، ووصلت الكتب إلينا في عاشر شعبان ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، ورد إلى مدينة دمشق [حرسها الله تعالى] في أوائل شعبان من سنة أربع وخمسين وستمئة كتبٌ من مدينة رسول الله ﷺ ، فيها شرحُ أمرٍ عظيمٍ حدثَ بها فيه تصديقٌ لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة. قال قال رسول الله ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ حتَّى تخرجَ نارٌ من أرضِ الحجازِ تُضيءُ أعناقَ الإِبلِ بِبُصْرى" (١) فأخبرني [بعض] من أثق به ممن شاهدها [بالمدينة] أنه بلغه أنه كُتبَ بتيماء على ضوئها الكتبُ. قال: وكنا في بيوتنا تلك الليالي، وكأنَّ في دار كلِّ واحدٍ منها سراج، ولم يكن لها حر ولفح على عظمها، إنما كانت آية من آيات الله . قال أبو شامة (٢): وهذه صورة ما وقفت عليه من الكتب الواردة فيها. لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمئة ظهر بالمدينة - يعني النبوية - دويٌ عظيم، ثم زلزلةٌ عظيمةٌ رَجَفَتْ منها الأرضُ والحيطانُ والسقوفُ والأخشابُ والأبوابُ، ساعةً بعدَ ساعةٍ إلى يوم الجمعة الخامس من الشهر المذكور، ثم ظهرت نارٌ عظيمةٌ في الحرة قريبة من قريظة نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، وهي نارٌ عظيمةٌ إشعالُها أكثرُ من ثلاث منائر (٣)، وقد سالت أودية [منها] بالنار إلى وادي شظاة مسيل الماء، وقد مدت سيل شظا وما عاد يسيل (٤)، والله لقد طلعنا جماعة نبصرها فإذا الجبال تسيلُ نيرانًا، وقد سدَّتِ الحرةُ طريقَ الحاجّ العراقي، فسارت إلى أن وصلت إلى الحرة فوقفت بعدما أشفقنا أن تجيء إلينا، ورجعت (٥) تسيل في الشرق فخرج (٦) من وسطها سهول (٧) وجبال نيران تأكل الحجارة، فيها أنموذج عما أخبر الله تعالى في كتابه ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٢، ٣٣] وقد أكلت الأرض، وقد كتبت هذا الكتاب يوم خامس رجب سنة أربع وخمسين وستمئة والنار في زيادة ما تغيرت، وقد عادت إلى الحرار في قريظة طريقة عير الحاج (٨) العراقي إلى الحرة (٩) كلُّها نيرانٌ تشتعل نُبصرها في الليل من المدينة كأنها مشاعلُ الحاج. وأما أمُّ

стр. 6909

النار (١) الكبيرةُ فهي جبالُ نيرانٍ حمرٌ، والأمُّ الكبيرة (٢) التي سالت النيرانُ منها من عند قريظة، وقد زادَتْ وما عادَ الناسُ يدرون (٣) أي شيء يتمّ بعد ذلك، والله يجعل العاقبة إلى خير، فما أقدر أصف هذه النار. قال أبو شامة (٤): وفي كتاب آخر ظهر (٥) في أول جمعةٍ من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمئة (٦) في شرقي المدينة (٧) نارٌ عظيمة بينها وبين المدينة نصفُ يوم: انفجرت من الأرض وسال منها وادٍ من نار حتَّى حاذَى جبلَ أُحد، ثم وقفت وعادت إلى الساعة، ولا ندري (٨) ماذا نفعل، ووقت ما ظهرت دخل أهل المدينة إلى نبيهم ﵊ مستغفرين تائبين إلى ربهم تعالى، وهذه دلائل القيامة. قال وفي كتاب آخر: لمَّا كانَ يومُ الإثنين مستهلَّ جمادى الآخرة، سنة أربع وخمسين وستمئة وقع بالمدينة صوتٌ يشبه صوت الرعدِ البعيد تارة وتارة، أقام على هذه الحالة يومين، فلما كانت (٩) ليلة الأربعاء ثالث الشهر المذكور تعقب الصوت الذي كنا نسمعه زلازل، فتقيم (١٠) على هذه الحال (١١) ثلاثة أيام يقع في اليوم والليلة أربع عشرة زلزلة، فلما كان يوم (١٢) الجمعة خامس الشهر المذكور انبجست (١٣) الحرة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد رسول الله ﷺ ، وهي برأي العين من المدينة، نشاهدها وهي ترمي بشرر كالقصر (١٤)، كما قال الله تعالى، وهي بموضع يقال له أُحْيَلَيْن (١٥) وقد سال من هذه النار واد يكونُ مقدارُه أربعَ فراسخ، وعرضُه أربعةُ أميالٍ، وعمقُهُ قامةٌ ونصف، وهي تجري على وجه الأرض

стр. 6910

ويخرج منها أمهاد وجبال صغار، وتسير على وجه الأرض وهو صخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك. فإذا خمد صار أسود، وقبل الخمود (١) لونه أحمر، وقد حصل بطريق (٢) هذه النار إقلاع عن المعاصي، والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات، وخرج أمير المدينة عن مظالم كثيرة إلى أهلها. قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٣) ومن كتاب شمس (٤) الدين سنان (٥) عبد الوهاب بن نميلة الحسيني قاضي المدينة إلى بعض أصحابه: لما كانت ليلة الأربعاء ثالث [شهر] جمادى الآخرة حدث بالمدينة بالثلث (٦) الأخير من الليل زلزلة عظيمة أشفقنا منها، وباتت باقي تلك الليلة تزلزل كل يوم وليلة قدر عشر نوبات، والله لقد زلزلت مرة ونحن حول حجرة (٧) رسول الله ﷺ اضطرب لها المنبر إلى أن أوجسنا منه (٨) صوتًا للحديد الذي فيه، واضطربت قناديل الحرم الشريف، ونامت (٩) الزلزلة إلى يوم الجمعة ضحى، ولها دوي مثل دوي الرعد القاصف، ثم طلع يوم الجمعة في طريق الحرة (١٠) في رأس أُحْيَلين نارٌ عظيمةٌ مثل المدينة العظيمة، وما بانت إلا ليلةَ السبت وأشفقنا منها وخفنا خوفًا عظيمًا، وطلعتُ إلى الأمير كلمته وقلت (١١) له: قد أحاطَ بنا العذابُ، ارجع إلى الله تعالى، فأعتقَ كلَّ مماليكه وردَّ على جماعة أموالهم، فلما فعل هذا (١٢) قلتُ اهبطِ الساعةَ معنا إلى النبي ﷺ ، فهبط وبتنا ليلة السبت والناسُ جميعُهم والنسوان (١٣) وأولادُهم، ولا (١٤) بقي أحدٌ لا في النخيل ولا في المدينة إلا عند النبي ﷺ [وأشفقنا منها وظهر ضوؤها إلى أن أبصرت من مكة ومن الفلاة جمها] (١٥)، ثم سال منها نهرٌ من نار، وأخذ في وادي أُحْيَلين وسدَّ الطويق ثم طلع إلى بحرةِ الحاج (١٦) وهو (بحر ناري) يجري، وفوقه

стр. 6911

جمرٌ (١) يسيرُ إلى أن قَطَعَتِ الوادي وادي الشظاة (٢) وما عاد يجيء في الوادي سيلٌ قطُّ لأنها حرة (٣) نحو (٤) قامتين وثلث (٥) علوها، وبالله (٦) يا أخي إن عيشَتَنا اليومَ مكدرةٌ والمدينةُ قد تابَ جميعُ أهلها، ولا بقي يُسمع (٧) فيها ربابٌ ولا دفٌّ ولا شربٌ، وتمَّتِ النارُ تسيلُ (٨) إلى أن سَدَّتْ بعضَ طريقِ الحاج وبعضَ بحرة الحاج، وجاء في الوادي إلينا منها قتير (٩) وخفنا (١٠) أنها تجيئنا (١١) فاجتمع الناس ودخلوا على النبي ﷺ وباتوا (١٢) عنده جميعهم ليلة الجمعة، وأما قتيرها الذي مما يلينا فقد طُفئ بقدرة الله وأنها إلى الساعة وما نقصت (١٣) إلا ترى مثل الجمال (١٤) حجارة [من نار] ولها دويٌّ ما يدعنا نرقد ولا نأكل ولا نشرب، وما أقدرُ أصفُ لك عظمها (١٥) ولا ما فيها من الأهوال، وأبصرها أهل ينبع وندبوا قاضيهم ابن أسعد وجاء وعدا إليها، وما صبح (١٦) يقدر يصفها من عظمها، وكتب الكتاب يوم خامس رجب، وهي على حالها، والناس منها خائفون، والشمس والقمر من يوم طلعت (١٧) ما يطلعان (١٨) إلا كاسفين، فنسأل الله العافية. قال أبو شامة (١٩): وبان (٢٠) عندنا بدمشق أثرُ الكسوفِ من ضعف نورها (٢١) على الحيطان، وكُنّا

стр. 6912

حيَارى من ذلك (١) إش هو؟ إلى أن جاءنا (٢) الخبر عن هذه النار. قلت: وكانَ أبو شامة قد أرَّخ قبل مجيء الكتب بأمر هذه النار، فقال (٣): وفيها في ليلة الإثنين السادس عشر من جمادى الآخرة خسف القمر أول الليل، وكان شديدَ الحُمْرة ثم انجلى، وكُسفتِ الشمسُ في (٤) غده احمرَّت وقتَ طلوعها وغروبها وبقيت كذلك أيامًا متغيرة اللون ضعيفة النورِ، والله تعالى على كل شيء قدير (٥). ثم قال (٦): واتَّضَح بذلك ما صوَّرَهُ الشافعيُّ من اجتماع الكسوف والعيد، واستبعده أهل النجابة. ثم قال أبو شامة (٧): ومن كتاب آخر من بعض بني الفاشاني بالمدينة يقول فيه: وصل إلينا في جمادى الآخرة نجابة من العراق وأخبروا عن بغداد أنه أصابها غرقٌ عظيمٌ حتى دخل الماء من أسوار بغداد إلى البلد، وغرقَ كثيرٌ من البلد، ودخلَ الماءُ دارَ الخليفة (٨) وسطَ البلد، وانهدمتْ دارُ الوزير وثلاثمئة وثمانون دارًا، وانهدمَ مخزنُ الخليفةِ، وهلكَ من خزانةِ السلاح شيءٌ كثيرٌ، وأشرفَ الناسُ على الهلاكِ وعادتِ السفنُ تدخلُ إلى وسط البلد (٩)، وتخترقُ أزقة بغداد (١٠). قال: وأما نحن فإنَّه جرى عندنا أمرٌ عظيمٌ: لما كان بتاريخ الأربعاء الثالث من جمادى الآخرة ومن قبلها بيومين، عاد الناسُ يسمعون صوتًا (١١) مثل صوتِ الرعد، [ساعة بعد ساعة وما في السماء غيم حتى نقول إنه من يومين إلى ليلة الأربعاء ثم ظهر الصوت حتى سمعه الناس، وتزلزلت الأرض ورجفت بنا رجفة لها صوت كدويّ الرعد] فانزعج لها الناسُ كلهم، وانتبهوا من مراقدهم وضجَّ الناسُ بالاستغفار إلى الله تعالى، وفزعوا إلى المسجد وصلُّوا فيه، وتمت (١٢) ترجف بالناس ساعةً بعد ساعةٍ إلى الصبح، وذلك اليوم كله يوم الأربعاء وليلة الخميس كلها [ويوم الخميس] وليلة الجمعة، وصبح يوم الجمعة

стр. 6913

[الخامس من الشهر] (١) ارتجَّت الأرض رجَّةً قويةً إلى أن اضطرب منار (٢) المسجد بعضه ببعض، وسُمع لسقف المسجد صريرٌ عظيمٌ، وأشفقَ الناسُ من ذنوبهم، وسكنتِ الزلزلةُ بعد صبح يومِ الجمعة إلى قبل الظهر، ثم ظهرت عندنا بالحرة وراء قريظة على طريق السوارقية بالمقاعد مسيرة من الصبح إلى الظهر نارٌ عظيمةٌ تنفجر من الأرض، فارتاع الناس لها (٣) روعةً عظيمةً، ثم ظهر لها دخانٌ عظيمٌ في السماء ينعقدُ حتى يبقى كالسحاب الأبيض، فيصل إلى قبل مغيب الشمس (٤) من يوم الجمعة، ثم ظهرت (٥) لها ألسن تصعد في الهواء إلى السماء حمراء كأنها القلعة، وعظمت وفزع الناسُ إلى المسجد النبوي [وإلى الحجرة الشريفة، واستجار الناس بها وأحاطوا بالحجرة وكشفوا رؤوسهم (٦) وأقرُّوا بذنوبهم وابتهلوا إلى الله تعالى واستجاروا بنبيّه ﵊ (٧)، وأتى الناسُ إلى المسجد من كلِّ فَجٍّ ومن النخل، وخرج النساءُ من البيوت والصبيان، واجتمعوا كلهم وأخلصوا إلى الله، وغطت (٨) حمرة النار السماء كلها حتى بقي الناس في مثل ضوء القمر، وبقيتِ السماءُ كالعَلَقة، وأيقنَ الناسُ بالهلاك أو العذاب، وباتَ الناسُ تلك الليلةَ بين مُصلٍّ وتالٍ للقرآن وراكعٍ وساجدٍ، وداعٍ إلى الله ، ومُتَنَصِّلٍ من ذنوبه ومستغفرٍ وتائبٍ، ولزمتِ النارُ مكانَها وتناقص تضاعفها ذلك ولهيبها، وصعِد الفقيهُ والقاضي إلى الأمير يعظونه، فطرحَ المَكْسَ وأعتقَ مماليكَه كلَّهم وعبيدَه، وردَّ علينا كلَّ مالنا تحت يده، وعلى غيرنا، وبقيتْ تلك النارُ على حالها تلتهبُ التهابًا، وهي كالجبل العظيم (٩) وكالمدينة ارتفاعًا (١٠) وعرضًا، يخرج منها حصى يصعد في السماء ويهوي (١١) فيها ويخرج منها كالجبل العظيم نار ترمي (١٢) كالرعد. وبقيتْ كذلك أيامًا ثم سالت سيلانًا إلى (١٣) وادي أُحْيَلين تنحدرُ مع الوادي إلى الشظاة حتى لحق سيلانها بالبحرة بحرة الحاج،

стр. 6914

والحجارة معها تتحرك وتسير حتى كادت تقارب حرة العريض، ثم سكنتْ ووقفتْ أيامًا، ثم عادت النار [تخرج] (١) ترمي بحجارة خلفها وأمامها، حتى بنت لها جبلين خلفها وأمامها وما بقي يخرج منها من بين الجبلين لسان (٢) لها أيامًا، ثم إنها عظمت الآن ولسانها (٣) إلى الآن، وهي تتقد كأعظم ما يكون، ولها كلَّ يومٍ صوتٌ عظيم من (٤) آخر الليل إلى ضحوة، ولها عجائب ما أقدر أن أشرحها لك على الكمال، وإنما هذا منها طرف كبير يكفي (٥). والشمس والقمر كأنهما منكسفان إلى الآن. وكتب هذا الكتاب ولها شهر وهي في مكانها ما تتقدم ولا تتأخر. وقد (٦) قال فيها بعضهم أبياتًا (٧): [من البسيط] يا كاشفَ الضُّرِّ صَفْحًا عن جرائمنا … لقدْ أحاطتْ بنا يا ربّ بَأْساءُ نَشْكُو إليكَ خطوبًا لا نطيقُ لها … حملًا ونحنُ بها حقًا أحقّاءُ زلازلًا (٨) تخشع الصمُّ الصلابُ لها … وكيف يقوى (٩) على الزّلزالِ شَمّاءُ أقامَ سَبْعًا يرجّ (١٠) الأرضَ فانصدعتْ … عن منظرٍ منه عينُ الشمسِ عَشْواءُ بحر من النارِ تجري (١١) فوقَهُ سُفُنٌ … من الهضابِ لها في الأرضِ إرْساءُ كأنَّما فَوْقَهُ الأجبالُ طافيةٌ … موجٌ عليه لفرط الهَيْجِ (١٢) وعثاءُ (١٣) تَرْمِي لها شَرَرًا (١٤) كالقَصْرِ طائشةً … كأنها ديمةٌ تَنْصَبُّ هَطْلاءُ تَنْشقُّ (١٥) منها قلوبُ الصَّخْرِ إن زَفَرَتْ … رُعْبًا وترعدُ مثل السَّعْفِ أضْواءُ منها تَكَاثفَ في الجوِّ الدُّخانُ إلى … أن عادتِ (١٦) الشمسُ منهُ وهي دَهْماءُ

стр. 6915

قد أثَّرتْ سفعةً في البدرِ لفحتُها … فلَيْلَةُ التِّمِّ بعدَ النّورِ ليلاءُ تُحدِّثُ (١) النَّيِّراتِ السَّبْع ألسنُها … بما يلاقي بها تحتَ الثَّرى الماءُ وقد أحاطَ (٢) لظاها بالبروجِ إلى … أنْ كادَ يلحقُها بالأرضِ إهواءُ فيا لها آيةً من معجزاتِ رسو … لِ اللهِ يعقلها القومُ الألِبّاءُ فباسمك الأعظمِ المكنونِ إن عظمتْ … منا الذنوبُ وساءَ القلبُ أسواءُ فاسْمَحْ وهَبْ وتفضَّلْ وامْحُ (٣) واعْفُ وجدْ … واضفَحْ فكُلٌّ لفرطِ الجَهْلِ (٤) خَطّاءُ فقومُ يونسَ لمّا آمنوا كُشِفَ الـ … ـعذابُ عنهمْ وعمَّ القومَ نعماءُ ونحنُ أمةُ هذا المصطفى ولنا … منهُ إلى عَفْوِكَ المرجوِّ إرْعاءُ (٥) هذا الرسولُ الذي لولاهُ ما سلكتْ … محجَّةٌ في سبيلِ اللهِ بيضاءُ فارحمْ وصلِّ على المختارِ ما خطبتْ … على علا (٦) منبرِ الأوراقِ ورقاءُ قلت: والحديث الواردُ في أمر هذه النار مُخرَج في الصحيحين من طريق الزهري عن سعيد بن المُسَيّب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقومُ الساعةُ حتى تخرجَ نارٌ من أرض الحجاز تُضيءُ أعناقُ الإبل ببُصْرى" وهذا لفظ البخاري (٧). وقد وقع هذا في هذه السنة - أعني سنة أربع وخمسين وستمئة - كما ذكرنا، وقد أخبرني قاضي القضاة صدر الدين علي بن أبي القاسم التميمي الحنفي الحاكم بدمشق في بعض الأيام في المذاكرة، وجرى ذِكر هذا الحديث وما كان من أمر هذه النار في هذه السنة فقال: سمعت رجلًا من الأعراب يخبر والدي ببصرى في تلك الليالي أنهم رأوا أعناقَ الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت في أرض الحجاز. قلت: وكان (٨) مولدُه في سنة ثنتين وأربعين وستمئة، وكان والده مدرسًا للحنفية بمدينة بصرى (٩) وكذلك كان جده، وهو قد درس بها أيضًا (١٠)، ثم انتقل إلى دمشق، فدرَّس بالصادرية

стр. 6916

وبالمقدَّمية (١)، ثم ولي قضاء القضاة الحنفية، وكان مشكورَ السيرة في الأحكام، وقد كان عمره حين وقعت هذه النار بالحجاز ثنتي (٢) عشرة سنة، ومثله ممن يضبط ما يسمع من الخبر أن الأعرابي أخبر والده في تلك الليالي، فصلوات (٣) الله وسلامه على نبيه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ومما نظمه بعض الشعراء في هذه النار الحجازية وغرق بغداد [العراقية] قوله (٤): [من المنسرح] سُبحانَ مَنْ أصبحتْ مَشيئَتُهُ … جاريةً في الوَرَى بمقدارِ أغرقَ بغدادَ بالمياهِ كما … أحْرقَ أرضَ الحجازِ بالنارِ قال أبو شامة: الصواب أن يُقال: في سنةٍ أغرقَ العراقَ وقَدْ … أحْرَقَ أرضَ الحجازِ بالنارِ وقال ابن الساعي في تاريخ سنة أربع وخمسين وستمئة: في يوم الجمعة ثامن عشر رجب - يعني من هذه السنة - كنت جالسًا (٥) بين يدي الوزير فورد عليه كتابٌ من مدينةِ الرسول (٦) ﷺ صحبةَ قاصدٍ يُعرفُ بقيماز العلوي الحسني المدني، فناوله الكتاب (٧) فقرأه وهو يتضمن أن مدينة رسول الله ﷺ زلزلت يوم الثلاثاء ثاني جمادى الآخرة حتى ارتجّ القبر (٨) الشريف النبوي، وسُمع صرير الحديد، وتحركت السلاسل، وظهرت نارٌ على مسيرة أربع فراسخ من المدينة، وكانت ترمي بشرر كأنه رؤوس (٩). الجبال، ودامت خمسة عشر يومًا. قال القاصد: وجئت ولم تنقطع بعد، بل كانت على حالها، وسأله إلى أي الجهات ترمي؟ فقال: إلى جهة الشرق، واجتزتُ عليها أنا ونجابة اليمن ورمينا فيها سعفةً فلم تحرقْها، بل كانت تحرق الحجارة وتذيبها. وأخرج قيماز المذكور شيئًا من الصخر المُحترق وهو كالفحم لونًا وخفةً. قال: وذكر في الكتاب وكان بخط قاضي المدينة أنهم لما زُلزل دخلوا الحرم وكشفوا رؤوسهم واستغفروا وأنّ نائب المدينة أعتق جميع مماليكه، وخرج من جميع المظالم، ولم يزالوا

стр. 6917

مستغفرين [متضرعين] حتى سكنت الزلزلة، إلا أن النارَ التي ظهرت لم تنقطع. وجاء القاصد المذكور ولها خمسة عشر يومًا وإلى الآن. قال ابن الساعي: وقرأت بخط العدل محمود بن يوسف الأمعاني شيخ حرم المدينة النبوية (١) على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، يقول: إن هذه النار التي ظهرت بالحجاز آية عظيمة، وإشارة صحيحة [مستقيمة] (٢) دالَّة على اقتراب الساعة، فالسعيد من انتهز الفرصةَ قبل الموت (٣)، وتداركَ أمرَه بإصلاح حاله مع الله قبل الموت. وهذه النار في أرضٍ ذاتِ حجرٍ لا شجر فيها ولا نبت (٤)، وهي تأكلُ بعضها بعضًا إن لم تجد ما تأكله، وهي تحرق الحجارة وتذيبها، حتى تعود كالطين المبلول، ثم يضربه الهواء حتى يعود (٥) كخبث الحديد الذي يخرج من الكير، فالله يجعلها عبرةً للمسلمين ورحمة للعالمين، بمحمد وآله الطاهرين (٦). قال أبو شامة (٧): وفي ليلةِ الجمعة مستهلَّ رمضان من هذه السنة احترقَ مسجدُ المدينة على ساكنه أفضل الصلاة والسلام، ابتدأ حريقُهُ من زاويته الغربية من الشمال، وكان دخل أحد القومة إلى خزانة ثَمَّ ومعه نار فعلقت في الأبواب (٨) ثمَّ اتَّصلت بالسقف بسرعة، ثم دبت في السقوف، آخذة (٩) قبلة فأعجزت الناس عن قطعها، فما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد جميعها (١٠) ووقع بعض أساطينه وذاب رصاصُها (١١)، وكلُّ ذلك قبل أن ينام الناسُ، واحترق سقفُ الحجرة النبوية ووقع ما وقع منه في الحجرة، وبقي على حاله لَمَّا (١٢) شُرع في عمارة سقفه وسقف المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة

стр. 6918

والسلام، وأصبح الناس فعَزَلوا موضعًا (١) للصلاة، وعُدَّ ما وقع من تلك النار الخارجة وحريق المسجد من جملة الآيات، وكأنها كانت (٢) منذرة بما يعقبها في السنة الآتية من الكائنات على ما سنذكره. هذا كلام الشيخ شهاب الدين أبي شامة (٣). وقد قال أبو شامة: في الذي وقع في هذه السنة وما بعدها شعرًا وهو قوله (٤): [من الخفيف] بعدَ ستٍّ من المئين وخمسيـ … ــين (٥) لدى أربعٍ جرى في العامِ نارُ أرضِ الحجازِ مع حرق المَسْـ … ــجدِ معهُ تغريق (٦) دار السلامِ ثم أخذ التتار (٧) بغدادَ في أو … لِ عامٍ، من بعد ذاكَ وعامِ (٨) لم يُعِنْ (٩) أهلَها وللكفرِ أعوا … نٌ عليهم، يا ضيعةَ الإسلامِ وانقضتْ دولةُ الخلافةِ منها … صارَ مستعصمٌ بغيرِ اعتصامِ فحنانًا على الحِجَازِ ومصرٍ … وَسَلامًا على بلادِ الشآمِ رَبِّ سلِّم وصُنْ وعافِ بقايا الـ … ــمدْنِ، يا ذا الجلالِ والإكرامِ (١٠) وفي هذه السنة كملت [عمارة] المدرسة الناصرية الجوانية (١١) داخل باب الفراديس، وحضر فيها الدرسَ واقفُها الملكُ الناصرُ صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز محمد ابن الملك الظاهر غياث الدين غازي ابن الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي فاتح بيت المقدس، ودرَّس فيها قاضي البلد بن سَنِيِّ (١٢) الدولة، وحضر عنده الأمراء. والدولةُ والعلماءُ وجمهورُ أهلِ الحلّ والعقد بدمشق. وفيها: أمر بعمارة الرباط الناصري بسفح قاسيون.

стр. 6919

وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: الشيخ عماد الدين عبد الله بن الحسن بن النحاس (١)، ترك الخلائق (٢) وأقبل على الزهادة والتلاوة والعبادة والصيام المتتابع والانقطاع بمسجده (٣) بسفح قاسيون نحوًا من ثلاثين سنةً، وكان من خيار الناس. ولما توفي دُفن عند مسجده بتربة مشهورة به، وحمامٍ ينسب إليه في مشارف (٤) الصالحية، [وقد أثنى عليه السبط] (٥)، وأرَّخُوا وفاتَه كما ذكرت (٦). وقد توفي السبط في أواخر هذه السنة: الشيخ شمس الدين سبط ابن الجوزي (٧) يوسف بن الأمير حسام الدين قُزْأوغلي بن عبد الله عتيق الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة الحنبلي رحمه الله تعالى، الشيخ شمس الدين، أبو المظفر الحنفي البغدادي ثم الدمشقي، سبط ابن الجوزي. أمه رابعة بنت الشيخ جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي الواعظ. وقد كان حسنَ الصورة طيّب الصوت حسنَ الوعظ كثيرَ الفضائل والمصنفات، وله "مرآة الزمان" في عشرين مجلدًا من أحسن التواريخ، انتظم فيها (٨) المنتظم لجده وزاد عليه وذيل إلى زمانه، وهو من أحسن التواريخ وأنهجها، قدم دمشق في حدود الستمئة وحظي عند ملوك بني أيوب، وقَدَّموه وأحسنوا إليه، وكان له مجلسُ وعظٍ كلَّ يومِ سبتٍ بكرةَ النهار عند السارية التي تقوم عندها الوُعّاظ اليوم عند باب مشهد علي بن ال حسين زين العابدين، وقد كان الناس يبيتون ليلة السبت بالجامع ويتركون البساتين في

стр. 6920

الصيف حتى يسمعوا ميعاده، ثم يسرعون إلى بساتينهم فيتذاكرون ما قاله من الفوائد والكلام الحسن، على طريقة جده. وقد كان الشيخ تاج الدين الكندي (١)، وغيره من المشايخ، يحضرون عنده تحت قبة يزيد، التي عند باب المشهد، ويستحسنون ما يقول. ودرس بالعزِّية (٢) البرانية التي بناها الأمير عز الدين أيبك المعظمي، أستاذ دار المعظم، وهو واقف العزية الجوانية التي بالكشك أيضًا، وكانت قديمًا تعرف بدرب (٣) ابن منقذ. ودرس السبط أيضًا بالشبلية (٤) التي بالجبل عند جسر كحيل، وفوض إليه البدرية (٥) التي قبالتها، فكانت (٦) سكنه، وبها توفي ليلة الثلاثاء الحادي والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة، وحضر جنازته سلطان البلد الناصر (٧) ابن العزيز فمن دونه. وقد أثنى عليه الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٨) في علومه وفضائله ورئاسته وحسن وعظه وطيب صوته ونضارة وجهه، وتواضعه وزهده وتودده، لكنه قال: وقد كنت مريضًا ليلة وفاته فرأيت وفاته في المنام قبل اليقظة، ورأيته في حالة منكرة (٩)، ورآه غيري أيضًا، فنسأل (١٠) الله العافية. ولم أقدر على حضور جنازته، وكانت جنازته حافلة (١١) حضره خلق كثير السلطان فمن دونه (١٢)، ودفن هناك. وقد كان فاضلًا عالمًا ظريفًا منقطعًا منكرًا على أرباب الدول ما هم عليه من المنكرات، وقد كان (١٣) مقتصدًا في لباسه مواظبًا على المطالعة والاشتغال والجمع والتصنيف، منصفًا لأهل العلم والفضل، مباينًا لأولي الجهل، وتأتي الملوك وأرباب الدول (١٤) إليه زائرين وقاصدين، ورُبّي في طول زمانه في

стр. 6921

[حياة طيبة] (١) وجاه عريض عند الملوك والعوام نحو خمسين سنة، وكان مجلس وعظه مطربًا، وصوته فيما يورده حسنًا طيبًا، رحمه الله تعالى ورضي عنه. قلت: وهو ممن يُنْشَدُ له عند موته قول الشاعر: [من البسيط] ما زلت تدأب في التاريخ مجتهدًا … حتى رأيتُك في التاريخ مكتوبا وقد سُئل في يوم عاشوراء زمن الملك الناصر صاحب حلب أن يذكر للناس شيئًا من مقتل الحسين فصعد المنبر وجلس طويلًا لا يتكلم، ثم وضع المنديل على وجهه وبكى شديدًا (٢) ثم أنشأ يقول وهو يبكي: [من الكامل] وَيْلٌ لمنْ شُفْعاؤُهُ خُصَماؤُهُ … والصُّورُ في نَشْرِ الخلائِقِ يَنْفُخُ لا بُدَّ أن تردَ القيامةَ فاطمٌ … وقميصُها بدمِ الحسينِ مُلَطَّخُ ثم نزل عن المنبر وهو يبكي وصعد إلى الصالحية وهو كذلك (٣) ﵀. واقف (٤) سرستان الصالحية الأمير الكبير سيف الدين أبو الحسن بن يوسف بن أبي الفوارس بن مُوسَك القيمري الكردي، أكبر أمراء القيمرية، كانوا يقفون بين يديه كما تعامل الملوك، ومن أكبر حسناته وقفه المارستان (٥) الذي بسفح قاسيون، وكانت وفاته ودفنه بالسفح في القبة التي تجاه المارستان المذكور، وكان ذا مال كثير وثروة رحمه الله تعالى. مجير الدين (٦) يعقوب بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب دفن عند والده بتربة العادلية. الأمير مظفر الدين إبراهيم (٧) ابن صاحب صرخد عز الدين أيبك أستاذ دار المعظم واقف المعزيتين البرانية والجوانبة على الحنفية، ودفن عند والده بالتربة تحت القبة عند الوراقة رحمهما الله تعالى.

стр. 6922

الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن نوح (١) المقدسي الفقيه الشافعي مدرِّس الرواحية (٢) بعد شيخه تقي الدين ابن الصلاح (٣)، ودفن بالصوفية أيضًا، وكانت له جنازة حافلة ﵀. قال أبو شامة (٤): وكثر في هذه السنة موت الفجأة. فمات خلق كثير بسبب ذلك. وممن توفي فيها: زكي الدين بن الفُوَيْره أحد المعدلين بدمشق (٥). وبدر الدين بن السني (٦) أحد رؤسائها. وعز الدين عبد العزيز بن أبي طالب بن عبد الغفار التغلبي (٧) [يعرف بابن النحوي] (٨) وهو سبط القاضي جمال الدين بن الحرستاني (٩) رحمهم الله تعالى وعفا عنهم أجمعين. ثم دخلت سنة خمس وخمسين وستمئة فيها: أصبح الملك المُعزّ صاحب مصر عز الدين أيبك [التركماني] بداره ميِّتًا وقد ولي الملكَ بعد أستاذه الملك الصالح [نجم الدين] (١٠) أيوب بشهور. كان فيها ملك توران شاه المعظم بن الصالح، ثم خلفته شجر (١١) الدُّرِّ أم خليل مدةَ ثلاثة أشهر، ثم أقيم هو في الملك، ومعه الملكُ الأشرفُ موسى بن الناصر يوسف بن أقسيس بن الكامل مدة، ثم استقلّ بالملك بلا منازعة، وكسر الناصر لما أراد أخذ

стр. 6923

الديار المصرية، وقتل الفارس أقطاي في سنة ثنتين وخمسين، وخلع بعده الأشرف واستقل بالملك وحده، ثم تزوج بشجر الدر أم خليل. وكان كريمًا شجاعًا حليمًا (١) دينًا، ثم كان موته في يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ربيع الأول، وهو واقف المدرسة المعزية بمصر ومجازها من أحسن الأشياء (٢)، وهي من داخل ليست بتلك الفائقة. وقد قال بعضهم [فيها]: هذه مجاز لا حقيقة له. ولما (٣) قتل ﵀ فاتَّهم مماليكه زوجته أم خليل شجر الدر به، وقد كان عزم على تزوج (٤) ابنة صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ (٥)، فأمرت جواريها أن يمسكنه لها فما زالت تضربه بقباقيبها، والجواري يعركن في معاريه (٦)، حتى مات وهو كذلك، ولما سمع (٧) مماليكه أقبلوا بصحبة (٨) مملوكه الأكبر سيف الدين قطز، فقتلوها وألقوها على مزبلة غير مستورة العورة، بعد الحجاب المنيع والمقام (٩) الرفيع، وقد عَلَّمَتْ على المناشير والتواقيع، وخطبَ الخطباءُ باسمها، وضُربت السِّكةُ برسمها، فذهبت فلا تعرف بعد ذلك بعينها ولا رسمها ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] وأقامت الأتراكُ بعدَ أستاذهم عزِّ الدين أيبك التركماني، بإشارة أكبرِ مماليكه الأمير سيف الدين قطز (١٠)، ولدَهُ نور الدين عليًّا ولقَّبوه الملكَ المنصور، وخُطب له على المنابر وضربت السِّكةُ باسمه وجرت الأمورُ على ما يختاره برأيه ورسمه. وفيها: كانت فتنةٌ عظيمةٌ ببغداد بين الرافضة وأهل السُّنة، فنُهب الكرخ ودور الرافضة حتى دور قرابات الوزير ابن العلقمي، وكان ذلك من أقوى الأسباب في ممالأته للتتار. وفيها: دخلت الفقراء الحيدرية (١١) الشام، ومن شعارهم لبس الفراجي (١٢) والطراطير ويقصّون

стр. 6924

لحاهم، ويتركون شواربهم، وهو خلافُ السُّنة، تركوها لمتابعة شيخهم حَيْدَر حين أسَرَهُ المَلَاحِدَةُ فَقَصُّوا لحيتَه وتركوا شواربه، فاقتدوا به في ذلك، وهو معذور مأجور. وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك (١)، وليس لهم في شيخهم قدوة. وقد بنيت لهم زاوية بظاهر دمشق قريبًا من العونية. وفي يوم الأربعاء ثامن عشر ذي الحجة من هذه السنة المباركة عُمل عزاءُ واقف البادرائية (٢) بها الشيخ نجم الدين عبد الله بن محمد البادرائي (٣) البغدادي مدرس النظامية، ورسول الخلافة إلى ملوك الآفاق في الأمور المهمة، وإصلاح الأحوال المدلهمَّة، وقد كان فاضلًا بارعًا رئيسًا وقورًا متواضعًا، وقد ابتنى بدمشق مدرسةً حسنةً مكان دار الأمير سامة، وشرط على المقيم بها العزوبة، وأن لا يكون الفقيه في غيرها من المدارس، وإنما أراد بذلك توفر خاطر الفقيه وجمعه على طلب العلم (٤)، ولكن حصل بذلك خلل كثير وشر لبعضهم كبير (٥) وقد كان شيخنا الإمام العلامة شيخ الشافعية بالشام وغيرها برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ تاج الدين الفزاري (٦) مدرس هذه المدرسة وابن مدرِّسها، يذكر أنه لما حضر الواقف في أول يوم درَّسَ بها وحضر عنده السلطان الناصر، قُرئ (٧) كتاب الوقف، وفيه: ولا تدخلها امرأةٌ. فقال السلطان ولا صبيٌّ؟ فقال الواقف: يا مولانا السلطان (٨) ربنا ما يَضْربُ بعصوين (٩). فإذا ذكر هذه الحكاية تبسم عندها رحمه الله تعالى. وكان هو (١٠) أول من درَّس بها ثم ولده كمال الدين من بعده، وجعل نظرها إلى وجيه الدين بن سويد، ثم صار في ذريته إلى الآن. وقد نظر فيه بعض الأوقات القاضي شمس الدين ابن الصائغ ثم انتزع منه حيث أثبت لهم النظر، وقد أوقف البادرائي على هذه

стр. 6925

المدرسة أوقافًا حسنةً دارَّةً، وجعل فيها خزانةَ كتبٍ حسنةً نافعةً، وقد عاد إلى بغداد في هذه السنة فولّي بها قضاء القضاة كرهًا منه، فأقام فيه سبعة عشر يومًا، ثمَّ توفي إلى رحمة الله تعالى في مستهل ذي الحجة من هذه السنة. ودفن بالشونيزية رحمه الله تعالى. وفي ذي الحجة من هذه السنة بعد موت البادرائي بأيام قلائل نزلت التتار على بغداد مقدمة لملكهم هولاكو (١) بن تولي بن جنكيز خان عليهم لعائن الرحمن، وكان افتتاحهم لها وجنايتهم عليها في أول السنة الآتية على ما سيأتي بيانه وتفصيله - وبالله المستعان. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: البادرائي واقف البادرائية التي بدمشق كما تقدم بيانه رحمه الله تعالى. والشيخ تَقِيُّ الدين عبد الرَّحمن بن أبي الفَهْم (٢) اليَلْداني (٣) بها في ثامن ربيع الأول وفيها دفن (٤)، وكان شيخًا صالحًا مشتغلًا بالحديث سَمَاعًا وكِتابةً وإسْماعًا، إلى أن توفي وله نحو مئة سنة. قلت: وأكثر كتبه ومجاميعه التي بخطّه موقوفة بخزانة الفاضلية من الكلاسة، وقد رأى في المنام (٥) رسول الله ﷺ فقال له: يا رسول الله ما أنا رجل جيد؟ قال: بلى أنت رجل جيد. ﵀ وأكرم مثواه. الشيخ شرف الدين (٦) محمد بن أبي الفضل المُرْسي. وكان شيخًا فاضلًا مُتْقنًا محققًا (٧) للبحث كثير الحج، له مكانة عند الأكابر، وقد اقتنى كتبًا كثيرة،

стр. 6926

وكان أكثر مقامه بالحجاز، وحيث حلّ عظَّمه رؤساءُ تلك البلدة وكان مقتصدًا في أموره، وكانت وفاته ﵀ بالزعقة بين العريش والداروم (١) في منتصف ربيع الأول من هذه السنة ﵀. المشد (٢) الشاعر الأمير سيف الدين (٣) علي بن عمر بن قزل مُشِدّ الديوان بدمشق. وكان شاعرًا مطبقًا له ديوانٌ مشهور، وقد رآه بعضهم بعد موته فسأله عن حاله فأنشده: [من الطويل] نُقلتُ إلى رمسِ القُبور وضِيقِها … وخَوْفي ذنوبي أنَّه بيَ تَعْثُرُ فصادفتُ رحمانًا رؤوفًا وأنعُمًا … حباني بها سقيًا لما كنتُ أحذرُ ومَنْ كانَ حسنُ الظنِّ في حال موته … جميلًا بعفوِ اللهِ فالعفوُ أجدرُ بشارة بن عبد الله (٤) الأرْمَني الأصل، بدر الدين الكاتب مولى شبل الدولة المعظمي. سمع الكندي (٥) وغيره، وكان يكتب خطًّا جيّدًا، وأسند إليه مولاه النظر في أوقافه وجعله في ذريته، فهم إلى الآن ينظرون في الشبليتين، وكانت وفاته في النصف من رمضان من هذه السنة. القاضي تاج الدين (٦) أبو عبد الله محمد بن قاضي القضاة جمال الدين المصري ناب عن أبيه ودرَّس بالشامية، وله شعرٌ، فمنه قوله: [دوبيت] صَيَّرْتُ فمي لفيهِ باللَّثْمِ لِثام … عَمْدًا ورشفتُ من ثناياهُ مدامْ فازوَرَّ وقالَ أنتَ في الفقهِ إمام … ريقي خمرٌ وعندكَ الخمر حرامْ الملك الناصر (٧) داود بن المُعَظَّم عيسى بن العادل، ملكَ دمشق بعد أبيه، ثم انتُزعت من يده وأخذها

стр. 6927

عمُّه الأشرف واقتصر على الكرك ونابلس، ثم تنقلت (١) به الأحوال وجرت له خطوب طوال حتى لم يبق معه شيء من المحال، وأودع وديعة تقارب مئة ألف دينار عند الخليفة المستنصر (٢) فأنكره إياها ولم يردّها عليه، وقد كان له فصاحة وشعرٌ جيد، ولديه فضائل جمَّةٌ، واشتغل في علم الكلام على الشمس الخسروشاهي (٣) تلميذ الفخر الرازي (٤)، وكان يعرف علم الأوائل جيدًا وقد حكوا عنه (٥) أشياء تدلّ إن صَحَّتْ على سوء عقيدته فالله أعلم. وذكر أنه حضر أولَ درس ذكر بالمستنصرية في سنة ثنتين وثلاثين وستمئة، وأن الشعراء أنشدوا المستنصر مدائح كثيرة، فقال بعضهم في جملة قصيدة له (٦): [من الكامل] لو كنتَ في يوم السقيفةِ شاهدًا … كنتَ المقدَّمَ والإمامَ الأعظما فقال الناصر داود للشاعر: اسكت فقد أخطأت، قد كان جدُّ أمير المؤمنين العباس شاهدًا يومئذ، ولم يكن المُقَدَّم، وما الإمام الأعظم إلا أبو بكر الصديق ﵁، فقال الخليفة: صدقت فكان (٧) هذا من أحسن ما نُقل عنه ﵀، وقد تقاصر أمره إلى أن رسم عليه الناصر بن العزيز بقرية البويضاء (٨) لعمه مجد الدين يعقوب حتى توفي بها في هذه السنة، فاجتمع الناس بجنازته، وحمل منها فصلي عليه ودفن عند والده بسفح قاسيون. الملك المعز (٩) عزّ الدين أيْبَك التّركماني. أول ملوك الأتراك، كان من أكبر مماليك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل، وكان ديّنًا صينًا عفيفًا كريمًا، مكث في الملك نحوًا من سبع سنين ثم قتلته زوجته شجر الدر أم خليل، وقام في الملك من بعده ولده نور الدين علي، ولقّب بالملك المنصور، وكان مدير مملكته مملوك أبيه سيف الدين قطز، ثم عزله

стр. 6928

واستقلّ بالملك بعده نحوًا من سنة وتلقّب بالمظفر، فقدر الله كسرة (١) التتار على يديه بعين جالوت. وقد بسطنا هذا كله في الحوادث فيما تقدم وما سيأتي، ولله الحمد. شجر (٢) الدر (٣) بنت عبد الله أُمُّ خليل التركية، كانت من حظايا الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكان ولدها منه خليل (٤) من أحسن الصور، فمات صغيرًا، وكانت تكون في خدمته لا تفارقه حَضَرًا ولا سَفَرًا من شدّة محبته لها، وقد ملكت الديار المصرية بعد مقتل ابن زوجها المعظم توران شاه، فكان يُخْطَبُ لها وتُضْرَبُ (٥) السكةُ باسمها وعَلَّمَتْ على المناشير مدةَ ثلاثة أشهر، ثم تملَّكَ المُعِزّ كما ذكرنا، ثم تزوجها بعد تملكه الديار المصرية بسنوات، ثم غارت عليه لمَّا بلغها أنه يريد أن يتزوَّج بنت صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ (٦) فعملت عليه حتى قتلته كما تقدم ذكره، فتمالأ عليها مماليكهُ المعزيةُ فقتلوها وألقَوْها على مزبلة ثلاثة أيام، ثم نُقلت إلى تربةٍ لها بالقرب من قبر السيدة نفيسة رحمها الله تعالى. وكانت قوية النفس، لمَّا علمت أنه قد أحيط بها أتلفت شيئًا كثيرًا من الجواهر النفيسة واللآلئ المثمنة، كسرته في الهاون لا لها ولا لغيرها، وكان وزيرها في دولتها الصاحب بهاء الدين علي بن محمد بن سليم (٧) المعروف بابن حنا وهو أول مناصبه. الشيخ الأسْعَد هِبةُ الله بن صاعِد (٨) بن شرف الدين الفائزي لخدمته قديمًا الملك الفائز (٩) سابق الدين إبراهيم بن الملك العادل. وكان نصرانيًا فأسلم، وكان كثير الصدقات والبر (١٠) والصِّلات، استوزره المعز وكان حظيًا عنده جدًا، لا يفعل شيئًا إلا بعد مراجعته ومشاورته، وكان قبله في الوزارة (١١) القاضي تاج الدين ابن بنت

стр. 6929

الأعزُ (١)، وقبله القاضي بدر الدين السنجاري (٢)، ثم صارت بعد ذلك كلّه إلى هذا الشيخ الأسعد المسلماني، وقد كان الفائزي يكاتبُه المعزُّ بالمملوك، ثم لما قُتل المُعز أُهين الأسعدُ حتى صار شقيًا، وأخذ الأمير سيف الدين قطز (٣) خطَّه بمئة ألف دينار، وقد هجاه بهاء الدين زهير بن محمد بن علي، فقال (٤): لَعَنَ اللهُ صاعدًا … وأباهُ، فصاعدا وبنيه فنازلًا … واحدًا ثم واحدا ثم قتل بعد ذلك كله ودفن بالقرافة، وقد رثاه القاضي ناصر الدين ابن المُنيَّر (٥)، وله فيه مدائح وأشعار حسنة فصيحة رائقة (٦). ابن أبي الحديد (٧) الشاعر العراقي (٨) عبد الحميد بن داود هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين أبو حامد ابن أبي الحديد عز الدين المدائني. الكاتب الشاعر المطبق الشيعي الغالي، له "شرح نهج البلاغة" في عشرين (٩) مجلدًا، ولد بالمدائن سنة ست وثمانين وخمسمئة، ثم صار إلى بغداد فكان أحد الكُتّاب والشعراء بالديوان الخليفتي، وكان حظيًا عند الوزير ابن العلقمي (١٠)، لما بينهما من المناسبة والمقاربة (١١) والمشابهة في التشيع والأدب والفضيلة. وقد أورد له ابن الساعي أشياء كثيرة من مدائحه وأشعاره الفائقة الرائقة (١٢)، وكان أكثر فضيلة وأدبًا من أخيه أبي المعالي موفق الدين بن هبة الله (١٣)، وإن كان

стр. 6930

الآخر فاضلًا بارعًا أيضًا، وقد ماتا في هذه السنة رحمهما الله تعالى (١). ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمئة فيها أخذت التتار بغداد وقتلوا أكثر أهلها حتى الخليفة، وانقضت دولة بني العباس منها. استهلت هذه السنة وجنود التتار فد نازلت بغداد صحبة الأميرين اللَّذين على مقدمة عساكر سلطان التتار، هولاكوخان (٢)، وجاءت [إليهم أمداد صاحب الموصل يساعدونهم على البغاددة وميرته وهداياه وتحفه، وكل ذلك خوفًا على نفسه من التتار، ومصانعة لهم قبحهم الله تعالى] (٣)، وقد سترت بغداد ونصبت فيها المجانيق والعرادات وغيرها من آلات (٤) الممانعة التي لا ترد من قدر الله (٥) شيئًا، كما ورد في الأثر "لن يغني حذر عن قدر" (٦) كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة حظاياه (٧)، وكانت مولَّدة تُسمَّى عرفة، جاءها سهمٌ من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقصُ بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفةُ من ذلك وفزع فزعًا شديدًا، وأحضر السهم الذي أصابها بين يَدَيْه فإذا عليه مكتوب إذا أراد إنفاذَ قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولَهم، فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، وكثرت الستائر على دار الخلافة - وكان قدوم هلاكوخان بجنوده كلها، وكانوا نحو مئتي (٨) ألف مقاتل - إلى بغداد في ثاني عشر المحرم من هذه السنة، وهو شديد الحنق على الخليفة بسبب ما كان تقدّم من الأمر الذي قدره الله وقضاه وأنفذه وأمضاه، وهو أن

стр. 6931

هلاكو لمّا كان أول بروزه من همذان متوجهًا إلى العراق أشار الوزير مُؤَيَّد الدين محمد بن العَلْقَمي (١) على الخليفة بأن يبعث إليه بهدايا سنيّة ليكونَ مداراةً له عما يريدُه من قصد بلادهم، فخذل الخليفة عن ذلك دُوَيْداره الصغيرُ أيْبك وغيره، وقالوا إن الوزير إنما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليه من الأموال، وأشاروا بأن يبعثَ بشيءٍ يسيرٍ، فأرسل شيئًا من الهدايا فاحتقرها هلاكوخان، وأرسل إلى الخليفة يطلب منه دويدارَهُ المذكور، وسليمانَ شاه، فلم يبعثهما إليه ولا بالى به حتى أزف قدومه، ووصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة، ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية، وجنود (٢) بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة، لا يبلغون عشرة آلاف فارس، وهم [في غاية الضعف]. وبقية الجيش كلّهم قد صُرفوا عن إقطاعاتهم حتى استَعْطَى كثيرٌ منهم في الأسواق وأبواب المساجد، وأنشد فيهم الشعراءُ قصائد (٣) يرثون لهم ويحزنون على الإسلام وأهله. وذلك كله عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي، وذلك أنه لما كان في السنة الماضية كان بين أهل السنة والرافضة حرب عظيمة نُهبت فيها الكرخُ ومحلةُ الرافضة حتى نُهبت دور قرابات الوزير، فاشتدَّ حنقُه على ذلك، فكان هذا مما أهاجَهُ على أن دَبّر على الإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يُؤَرَّخْ أبشع منه منذ بُنيت بغداد، وإلى هذه الأوقات، ولهذا كان أول من برز إلى التتار هو، فخرج بأهله (٤) وأصحابه وخدمه وحشمه، فاجتمع بالسلطان هلاكوخان (٥) لعنه الله، ثم عاد. فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحةُ على أن يكون نصف خراج العراق لهم ونصفه للخليفة. فاحتاج الخليفة إلى أن خرج في سبعمئة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية ورؤوس الأمراء والدولة والأعيان، فلما اقتربوا من منزل السلطان هولاكوخان حُجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر (٦) نفسًا، فخلص الخليفة بهؤلاء المذكورين، وأنزل الباقون عن مراكبهم ونُهبت وقتلوا عن آخرهم، وأُحضر الخليفة بين يدي هلاكو (٧) فسأله عن أشياء كثيرة فيقال إنه اضطرب كلام الخليفة من هَوْلِ ما رأى من الإهانة والجبروت.

стр. 6932

ثم عاد إلى بغداد وفي صحبته خوجه نصير الدين الطوسي (١)، والوزير ابن العلقمي وغيرهما، والخليفة تحت الحوطة والمصادرة، فأحضر من دار الخلافة شيئًا كثيرًا من الذهب والحلي والمصاغ والجواهر والأشياء النفيسة، وقد أشار أولئك الملأ من الرافضة وغيرهم من المنافقين على هولاكو أن لا يصالح. وقال الوزير: متى وقع الصلحُ على المناصفة لا يستمرّ هذا إلا عامًا أو عامين ثم يعودُ الأمرُ إلى ما كان عليه قبل ذلك، وحَسَّنُوا له قتلَ الخليفة، فلما عاد الخليفةُ إلى السلطان هولاكو (٢) أمر بقتله، ويقال إن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقمي، والمولى نصير الدين الطوسي، وكان النصير عند هولاكو قد استصحبه في خدمته لمَّا فتح قلاع الألموت، وانتزعها من أيدي الإسماعيلية، وكان النصير وزيرًا لشمس الشموس ولأبيه من قبله علاء الدين بن جلال الدين، وكانوا ينسبون إلى نزار بن المستنصر العُبيدي، وانتخب هولاكو النصير ليكون في خدمته كالوزير المشير، فلما قدم هولاكو وتهيَّب من قتل الخليفة هَوَّنَ عليه الوزير ذلك فقتلوه رفسًا، وهو في جوالق لئلا يقع على الأرض شيء من دمه، خافوا أن يُؤخذ بثأره فيما قيل لهم، وقيل بل خُنق، ويقال بل أُغرق، فالله أعلم، فباؤوا بإثمه وإثم من كان معه من سادات العلماء والقضاة والأكابر والرؤساء والأمراء وأولي الحل والعقد ببلاده (٣) - وستأتي ترجمة الخليفة في الوفيات. ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان ودخل كثيرٌ من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقنى الوسخ، وكمنوا كذلك أيامًا لا يظهرون، وكان الجماعة (٤) من الناس يجتمعون إلى (٥) الخانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها (٦) التتار إما بالكسر وإما (٧) بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة (٨)، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكذلك في المساجد والجوامع والرُّبُط، ولم ينجُ منهم أحدٌ سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي وطائفة من التجار أخذوا لهم أمانًا، بذلوا عليه أموالًا جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم. وعادت بغداد

стр. 6933

بعدما كانت آنس المدن كلّها كأنها خرابٌ ليس فيها (١) إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة، وكان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان، فكانت (٢) العساكر في آخر أيام المستنصر قريبًا من مئة ألف مقاتل، منهم من الأمراء مَنْ هو كالملوك الأكابر (٣)، فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى (٤) عشرة آلاف، ثم كاتب التتارَ وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحالِ، وكشف لهم ضعف الرجال، وذلك كله طمعًا منه أن يزيل السُّنَّة بالكلية، وأن يظهر البدعة الرافضةَ وأن يقيم خليفة من الفاطميين، وأن يبيد العلماء والمُفْتين، والله غالبٌ على أمره، وقد ردَّ كيدَه في نحره، وأذله بعد العزّة القَعْساء، وجعله حوشكاشا (٥) للتتار (٦) بعدما كان وزيرًا للخلفاء (٧)، واكتسب إثم من قتل ببغداد من الرجال والنساء والأطفال (٨)، فالحكم لله العلي الكبير رب الأرض والسماء. وقد جرى على بني إسرائيل ببيت المقدس قريبٌ مما جرى على أهل بغداد كما قصَّ الله تعالى علينا ذلك (٩) في كتابه العزيز، حيث يقول ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] الآيات. وقد قُتل من بني إسرائيل خلقٌ من الصُّلحاء وأُسر جماعة من أولاد الأنبياء، وخربَ بيت المقدس بعدما كان معمورًا بالعبَّاد والزُّهَّاد والأحبار والأنبياء، فصار خاويًا على عُروشه واهي البناء. وقد اختلف الناس في كمية من قُتل ببغداد من المسلمين [في هذه الوقعة] (١٠). فقيل ثمانمئة ألف، وقيل ألف ألف وثمان مئة ألف، وقيل بلغت القتلى ألفي ألفي نفس، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله [العزيز الحكيم]. وكان دخولهم بغداد في أواخر المحرم، وما زال السيفُ يقتل أهلَها أربعين يومًا (١١).

стр. 6934

وكان قتل الخليفة المستعصم بالله أمير المؤمنين يوم الأربعاء رابع عشر صفر وعُفِي قبره، وكان عمره يومئذ ستًا وأربعين سنة وأربعة أشهر، ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام، وقتل معه ولده الأكبر أبو العباس أحمد، وله خمس وعشرون سنة، ثم قتل ولده الأوسط أبو الفضل عبد الرحمن وله ثلاث وعشرون سنة، وأسر ولده الأصغر مبارك وأسرت أخواته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم، وأسر من دار الخلافة من الأبكار (١) ما يقارب ألف بكر فيما قيل والله (٢) أعلم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقتل أستاذ دار الخلافة الشيخ محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، وكان عدو الوزير، وقتل أولاده الثلاثة: عبد الله، وعبد الرحمن (٣)، وعبد الكريم، وأكابر الدولة واحدًا بعد واحد، منهم الدويدار (٤) الصغير مجاهد الدين أيبك، وشهاب الدين سليمان شاه، وجماعة من أمراء السنة وأكابر البلد. وكان الرجلُ يستدعى به من دار الخلافة من بني العباس فيخرج بأولاده ونسائه [وجواريه] فيذهب به إلى مقبرة الخلال، تجاه المنظرة، فيُذبح كما تُذبح الشاة، ويُؤسر من يختارون (٥) من بناته وجواريه. وقتل شيخ الشيوخ مؤدِّب الخليفة صدر الدين علي بن النيار، وقتل الخطباء والأئمة، وحملة القرآن، وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد، وأراد الوزير ابن العلقمي قبحه الله ولعنه أن يعطِّل المساجد والمدارس والربط ببغداد ويستمرّ بالمشاهد ومحالّ الرفض، وأن يبني للرافضة مدرسة هائلة ينشرون علمهم وعلَمهم بها وعليها، فلم يقدره الله تعالى على ذلك، بل أزال نعمته عنه وقصف عمره بعد شهور يسيرة من هذه الحادثة، وأتبعه بولده فاجتمعا - والله أعلم - بالدرك (٦) الأسفل من النار. ولما انقضى الأمرُ المقدّرُ (٧) وانقضتِ الأربعون يومًا بقيت بغدادُ خاويةً على عروشها ليس بها أحدٌ إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدَّى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباءُ والفناءُ والطعنُ والطاعونُ، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 6935

ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير (١) والقنى والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم (٢)، وقد أنكر بعضهم بعضًا فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى، واجتمعوا تحت الثرى (٣) بأمر الذي يعلم السرَّ وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى. وكان رحيل السلطان المسلط هولاكوخان (٤) عن بغداد في جمادى الآخرة من هذه السنة إلى مقرّ ملكه، وفوض أمر بغداد إلى الأمير علي بهادر، فوض إليه الشحنكية بها وإلى الوزير ابن العلقمي فلم (٥) يمهله الله ولا أهمله، بل أخذه أخذَ عزيزٍ مقتدر، في مستهل جمادى الآخرة عن ثلاثة وستين سنة، وكان عنده فضيلة في الإنشاء ولديه فضيلة في الأدب (٦)، ولكنه كان شيعيًا جلدًا رافضيًا خبيثًا، فمات جهدًا (٧) وغمًا وحزنًا وندمًا: إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم (٨) فولي بعده الوزارة ولده عز الدين أبو الفضل محمد (٩)، فألحقه الله بأبيه في بقية هذا العام، ولله الحمد والمنة. وذكر أبو شامة (١٠) وشيخنا أبو عبد الله الذهبي (١١) وقطب الدين اليونيني (١٢) أنه أصاب الناس في هذه السنة بالشام وباءٌ شديد، وذكروا أن سبب ذلك من فساد الهواء والجو (١٣)، فسد من كثرة القتلى ببلاد العراق وانتشر حتى تعدى إلى بلاد الشام فالله أعلم.
следующие страницы →