← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

هلاكو لمّا كان أول بروزه من همذان متوجهًا إلى العراق أشار الوزير مُؤَيَّد الدين محمد بن العَلْقَمي (١) على الخليفة بأن يبعث إليه بهدايا سنيّة ليكونَ مداراةً له عما يريدُه من قصد بلادهم، فخذل الخليفة عن ذلك دُوَيْداره الصغيرُ أيْبك وغيره، وقالوا إن الوزير إنما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليه من الأموال، وأشاروا بأن يبعثَ بشيءٍ يسيرٍ، فأرسل شيئًا من الهدايا فاحتقرها هلاكوخان، وأرسل إلى الخليفة يطلب منه دويدارَهُ المذكور، وسليمانَ شاه، فلم يبعثهما إليه ولا بالى به حتى أزف قدومه، ووصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة، ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية، وجنود (٢) بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة، لا يبلغون عشرة آلاف فارس، وهم [في غاية الضعف]. وبقية الجيش كلّهم قد صُرفوا عن إقطاعاتهم حتى استَعْطَى كثيرٌ منهم في الأسواق وأبواب المساجد، وأنشد فيهم الشعراءُ قصائد (٣) يرثون لهم ويحزنون على الإسلام وأهله. وذلك كله عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي، وذلك أنه لما كان في السنة الماضية كان بين أهل السنة والرافضة حرب عظيمة نُهبت فيها الكرخُ ومحلةُ الرافضة حتى نُهبت دور قرابات الوزير، فاشتدَّ حنقُه على ذلك، فكان هذا مما أهاجَهُ على أن دَبّر على الإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يُؤَرَّخْ أبشع منه منذ بُنيت بغداد، وإلى هذه الأوقات، ولهذا كان أول من برز إلى التتار هو، فخرج بأهله (٤) وأصحابه وخدمه وحشمه، فاجتمع بالسلطان هلاكوخان (٥) لعنه الله، ثم عاد. فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحةُ على أن يكون نصف خراج العراق لهم ونصفه للخليفة. فاحتاج الخليفة إلى أن خرج في سبعمئة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية ورؤوس الأمراء والدولة والأعيان، فلما اقتربوا من منزل السلطان هولاكوخان حُجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر (٦) نفسًا، فخلص الخليفة بهؤلاء المذكورين، وأنزل الباقون عن مراكبهم ونُهبت وقتلوا عن آخرهم، وأُحضر الخليفة بين يدي هلاكو (٧) فسأله عن أشياء كثيرة فيقال إنه اضطرب كلام الخليفة من هَوْلِ ما رأى من الإهانة والجبروت.

стр. 6932

ثم عاد إلى بغداد وفي صحبته خوجه نصير الدين الطوسي (١)، والوزير ابن العلقمي وغيرهما، والخليفة تحت الحوطة والمصادرة، فأحضر من دار الخلافة شيئًا كثيرًا من الذهب والحلي والمصاغ والجواهر والأشياء النفيسة، وقد أشار أولئك الملأ من الرافضة وغيرهم من المنافقين على هولاكو أن لا يصالح. وقال الوزير: متى وقع الصلحُ على المناصفة لا يستمرّ هذا إلا عامًا أو عامين ثم يعودُ الأمرُ إلى ما كان عليه قبل ذلك، وحَسَّنُوا له قتلَ الخليفة، فلما عاد الخليفةُ إلى السلطان هولاكو (٢) أمر بقتله، ويقال إن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقمي، والمولى نصير الدين الطوسي، وكان النصير عند هولاكو قد استصحبه في خدمته لمَّا فتح قلاع الألموت، وانتزعها من أيدي الإسماعيلية، وكان النصير وزيرًا لشمس الشموس ولأبيه من قبله علاء الدين بن جلال الدين، وكانوا ينسبون إلى نزار بن المستنصر العُبيدي، وانتخب هولاكو النصير ليكون في خدمته كالوزير المشير، فلما قدم هولاكو وتهيَّب من قتل الخليفة هَوَّنَ عليه الوزير ذلك فقتلوه رفسًا، وهو في جوالق لئلا يقع على الأرض شيء من دمه، خافوا أن يُؤخذ بثأره فيما قيل لهم، وقيل بل خُنق، ويقال بل أُغرق، فالله أعلم، فباؤوا بإثمه وإثم من كان معه من سادات العلماء والقضاة والأكابر والرؤساء والأمراء وأولي الحل والعقد ببلاده (٣) - وستأتي ترجمة الخليفة في الوفيات. ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان ودخل كثيرٌ من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقنى الوسخ، وكمنوا كذلك أيامًا لا يظهرون، وكان الجماعة (٤) من الناس يجتمعون إلى (٥) الخانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها (٦) التتار إما بالكسر وإما (٧) بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة (٨)، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكذلك في المساجد والجوامع والرُّبُط، ولم ينجُ منهم أحدٌ سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي وطائفة من التجار أخذوا لهم أمانًا، بذلوا عليه أموالًا جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم. وعادت بغداد

стр. 6933

بعدما كانت آنس المدن كلّها كأنها خرابٌ ليس فيها (١) إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة، وكان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان، فكانت (٢) العساكر في آخر أيام المستنصر قريبًا من مئة ألف مقاتل، منهم من الأمراء مَنْ هو كالملوك الأكابر (٣)، فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى (٤) عشرة آلاف، ثم كاتب التتارَ وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحالِ، وكشف لهم ضعف الرجال، وذلك كله طمعًا منه أن يزيل السُّنَّة بالكلية، وأن يظهر البدعة الرافضةَ وأن يقيم خليفة من الفاطميين، وأن يبيد العلماء والمُفْتين، والله غالبٌ على أمره، وقد ردَّ كيدَه في نحره، وأذله بعد العزّة القَعْساء، وجعله حوشكاشا (٥) للتتار (٦) بعدما كان وزيرًا للخلفاء (٧)، واكتسب إثم من قتل ببغداد من الرجال والنساء والأطفال (٨)، فالحكم لله العلي الكبير رب الأرض والسماء. وقد جرى على بني إسرائيل ببيت المقدس قريبٌ مما جرى على أهل بغداد كما قصَّ الله تعالى علينا ذلك (٩) في كتابه العزيز، حيث يقول ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] الآيات. وقد قُتل من بني إسرائيل خلقٌ من الصُّلحاء وأُسر جماعة من أولاد الأنبياء، وخربَ بيت المقدس بعدما كان معمورًا بالعبَّاد والزُّهَّاد والأحبار والأنبياء، فصار خاويًا على عُروشه واهي البناء. وقد اختلف الناس في كمية من قُتل ببغداد من المسلمين [في هذه الوقعة] (١٠). فقيل ثمانمئة ألف، وقيل ألف ألف وثمان مئة ألف، وقيل بلغت القتلى ألفي ألفي نفس، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله [العزيز الحكيم]. وكان دخولهم بغداد في أواخر المحرم، وما زال السيفُ يقتل أهلَها أربعين يومًا (١١).

стр. 6934

وكان قتل الخليفة المستعصم بالله أمير المؤمنين يوم الأربعاء رابع عشر صفر وعُفِي قبره، وكان عمره يومئذ ستًا وأربعين سنة وأربعة أشهر، ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام، وقتل معه ولده الأكبر أبو العباس أحمد، وله خمس وعشرون سنة، ثم قتل ولده الأوسط أبو الفضل عبد الرحمن وله ثلاث وعشرون سنة، وأسر ولده الأصغر مبارك وأسرت أخواته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم، وأسر من دار الخلافة من الأبكار (١) ما يقارب ألف بكر فيما قيل والله (٢) أعلم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقتل أستاذ دار الخلافة الشيخ محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، وكان عدو الوزير، وقتل أولاده الثلاثة: عبد الله، وعبد الرحمن (٣)، وعبد الكريم، وأكابر الدولة واحدًا بعد واحد، منهم الدويدار (٤) الصغير مجاهد الدين أيبك، وشهاب الدين سليمان شاه، وجماعة من أمراء السنة وأكابر البلد. وكان الرجلُ يستدعى به من دار الخلافة من بني العباس فيخرج بأولاده ونسائه [وجواريه] فيذهب به إلى مقبرة الخلال، تجاه المنظرة، فيُذبح كما تُذبح الشاة، ويُؤسر من يختارون (٥) من بناته وجواريه. وقتل شيخ الشيوخ مؤدِّب الخليفة صدر الدين علي بن النيار، وقتل الخطباء والأئمة، وحملة القرآن، وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد، وأراد الوزير ابن العلقمي قبحه الله ولعنه أن يعطِّل المساجد والمدارس والربط ببغداد ويستمرّ بالمشاهد ومحالّ الرفض، وأن يبني للرافضة مدرسة هائلة ينشرون علمهم وعلَمهم بها وعليها، فلم يقدره الله تعالى على ذلك، بل أزال نعمته عنه وقصف عمره بعد شهور يسيرة من هذه الحادثة، وأتبعه بولده فاجتمعا - والله أعلم - بالدرك (٦) الأسفل من النار. ولما انقضى الأمرُ المقدّرُ (٧) وانقضتِ الأربعون يومًا بقيت بغدادُ خاويةً على عروشها ليس بها أحدٌ إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدَّى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباءُ والفناءُ والطعنُ والطاعونُ، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 6935

ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير (١) والقنى والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم (٢)، وقد أنكر بعضهم بعضًا فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى، واجتمعوا تحت الثرى (٣) بأمر الذي يعلم السرَّ وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى. وكان رحيل السلطان المسلط هولاكوخان (٤) عن بغداد في جمادى الآخرة من هذه السنة إلى مقرّ ملكه، وفوض أمر بغداد إلى الأمير علي بهادر، فوض إليه الشحنكية بها وإلى الوزير ابن العلقمي فلم (٥) يمهله الله ولا أهمله، بل أخذه أخذَ عزيزٍ مقتدر، في مستهل جمادى الآخرة عن ثلاثة وستين سنة، وكان عنده فضيلة في الإنشاء ولديه فضيلة في الأدب (٦)، ولكنه كان شيعيًا جلدًا رافضيًا خبيثًا، فمات جهدًا (٧) وغمًا وحزنًا وندمًا: إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم (٨) فولي بعده الوزارة ولده عز الدين أبو الفضل محمد (٩)، فألحقه الله بأبيه في بقية هذا العام، ولله الحمد والمنة. وذكر أبو شامة (١٠) وشيخنا أبو عبد الله الذهبي (١١) وقطب الدين اليونيني (١٢) أنه أصاب الناس في هذه السنة بالشام وباءٌ شديد، وذكروا أن سبب ذلك من فساد الهواء والجو (١٣)، فسد من كثرة القتلى ببلاد العراق وانتشر حتى تعدى إلى بلاد الشام فالله أعلم.

стр. 6936

وفي هذه السنة اقتتل (١) المصريون مع صاحب الكرك الملك المغيث عمر بن العادل [بن أبي بكر العادل] الكبير (٢)، وكان في جيشه (٣) جماعة من أمراء (٤) البحرية، منهم ركن الدين بيبرس البندقداري، فكسرهم المصريون ونهبوا ما كان معهم من الأثقال والأموال، وأسروا (٥) جماعة من رؤوس الأمراء [فقتلوا صبرًا] (٦)، وعادوا إلى الكرك في أسوأ حال وأشنعه (٧)، وجعلوا يفسدون في الأرض ويعيثون في البلاد، فأرسل الله (٨) الناصرَ صاحب دمشق فبعث جيشًا ليكفّهم عن ذلك، فكسرهم البحرية واستنصروا فبرز إليهم الناصر بنفسه فلم يلتفتوا إليه وقطعوا أطناب خيمته التي هو فيها بإشارة ركن الدين بيبرس المذكور، وجرت حروب وخطوب يطول بسطها وبالله المستعان. ذكر من توفي في هذه السنة من المشاهير والأعيان (٩): خليفة الوقت المستعصم بالله (١٠) أمير المؤمنين آخر خلفاء بني العباس بالعراق ﵀، وهو أبو أحمد عبد الله بن [أمير المؤمنين] المستنصر بالله أبي جعفر منصور بن [أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن] (١١) المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن بن [أمير المؤمنين] المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بن [أمير المؤمنين] المقتدي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن [أمير المؤمنين] المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله (١٢) أبي القاسم عبد الله بن الذخيرة أبي العباس محمد بن القائم بأمر الله [أبي جعفر] عبد الله بن القادر بالله أبي العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الأمير الموفق أبي أحمد طلحة بن المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن

стр. 6937

الرشيد أبي محمد هارون بن المهدي أبي عبد الله محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي العباسي. ولد (١) سنةَ تسع وستمئة، وبويع له بالخلافة في العشرين من جمادى الأولى سنة أربعين، وكان مقتله في يوم الأربعاء الرابع عشر من صفر سنة ست وخمسين وستمئة، فيكون عمره يوم قتل سبعًا وأربعين سنة رحمه الله تعالى. وقد كان حسن الصورة جيد السريرة، صحيح العقيدة (٢) مقتديًا بأبيه المستنصر في المعدلة وكثرة الصدقات وإكرام العلماء والعباد. وقد استجاز له الحافظ ابن النجار (٣) من جماعة من مشايخ خراسان منهم المُؤَيَّد الطوسي (٤)، وأبو روح عبد العزيز بن محمد الهروي (٥) وأبو بكر القاسم بن عبد الله بن الصفار (٦) وغيرهم، وحدَّث عنه جماعة منهم مؤدّبه شيخ الشيوخ صدر الدين أبو الحسن علي بن محمد بن النيّار (٧)، وأجاز هو للإمام محيي الدين بن الجوزي (٨)، وللشيخ نجم الدين البادرائي (٩)، وحُدِّثا عنه بهذه الإجازة. وقد كان ﵀ سُنِّيًا على طريقة السلف واعتقاد الجماعة كما كان أبوه وجدُّه، ولكن (١٠) كان فيه لينٌ وعدمُ تَيقُّظٍ ومحبةٌ للمالِ وجمعهِ، ومن جملة ذلك أنه استحلَّ الوديعة التي استودعه إياها الناصرُ داود بن المُعظَّم وكانت قيمتُها نحوًا من مئة ألف دينار فاستُقْبِحَ هذا من مثل الخليفة، وهو مُسْتَقْبَح ممّن هو دونه بكثير، بل ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]. قتلته التتار مظلومًا مُضْطَهَدًا في يوم الأربعاء رابع عشر صفر من هذه السنة، وله من العمر ستةٌ وأربعون سنةً وأربعةُ أشهرٍ. وكانت مدةُ خلافته خمسةَ عشرَ سنةً وثمانيَة أشهر وأيامًا، فرحمه الله وأكرم

стр. 6938

مثواه، وبلَّ بالرأفة ثراه. وقد قُتل بعده ولداه وأُسر الثالثُ مع بنات ثلاث (١) من صلبه، وشغر منصب الخلافة بعده، ولم يبق في بني العباس من سدَّ مسدَّه، فكان آخر الخلفاء من بني العباس الحاكمين بالعدل بين الناس، ومن يُرْتَجى منهم النوالُ ويُخشى البأسُ، وخُتموا بعبد الله المستعصم كما افتتحوا (٢) بعبد الله السفاح، [وكان عدة خلفاء بني العباس إلى المستعصم سبعة وثلاثين خليفة وكان أولهم عبد الله السفاح] بويع له بالخلافة وظهر ملكُه وأمرُه في سنة ثنتين وثلاثين ومئة، بعد انقضاء دولة بني أمية كما تقدم بيانه، وآخرهم عبد الله المستعصم وقد زال ملكهم وانقضت خلافتهم (٣) في هذا العام [أعني سنة ست وخمسين وستمئة] (٤) فجملة أيامهم خمسمئة سنة وأربع وعشرون سنة، وزال ملكهم (٥) عن العراق والحكم بالكلية مدة سنة وشهور في أيام البساسيري بعد الخمسين وأربعمئة، ثم عادت كما كانت. وقد بسطنا ذلك في موضعه في أيام القائم بأمر الله ولله الحمد. ولم تكن أيدي بني العباس حاكمةً على جميع البلاد كما كانت بنو أمية قاهرةً لجميع البلاد والأقطار والأمصار، فإنه خرج عن بني العباس بلادُ المغرب، ملكها في أوائل الأمر بعضُ بني أمية ممن بقي منهم من ذرية عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، ثم تغلّب عليه الملك بعد دهور متطاولة كما ذكرنا، وقارن (٦) بني العباس دولة المدّعين أنهم من الفاطميين ببلاد مصر وبعض بلاد المغرب، وما هنالك، وبلاد الشام في بعض الأحيان والحرمين في أزمان طويلة [وكذلك أخذت من أيديهم بلاد خراسان وما وراء النهر، وتداولتها الملوك دولًا بعد دول، حتى لم يبق مع الخليفة منهم إلا بغداد وبعض بلاد العراق، وذلك لضعف خلافتهم واشتغالهم بالشهوات وجمع الأموال في أكثر الأوقات، كما ذكر ذلك مبسوطًا في الحوادث والوفيات] (٧). واستمرت دولة الفاطميين قريبًا من ثلاثمئة سنة حتى كان آخرهم العاضد الذي مات بعد الستين وخمسمئة في الدولة الصلاحية الناصرية القدسية [كما ذكرنا]، وكانت عدةُ ملوك الفاطميين أربعة عشر خليفة [وإن شئت قلت] (٨) متخلِّفًا، ومدةُ ملكهم تحريرًا من سنة سبع وتسعين ومئتين إلى أن توفي

стр. 6939

العاضدُ سنة بضع وستين وخمسمئة، والعجب أن خلافة النبوة التالية لزمان رسول الله ﷺ ، كانت ثلاثين سنة كما نطق بها الحديث الصحيح (١) فكان فيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم ابنه الحسن بن علي ستة شهور حتى كملت [بها] الثلاثون كما قررنا ذلك في دلائل النبوة، ثم كانت ملكًا فكان أول ملوك الإسلام من بني أبي سفيان معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، ثم ابنه يزيد، ثم ابن ابنه معاوية بن يزيد بن معاوية، وانقرض هذا البطن المفتتح بمعاوية المختتم بمعاوية، ثم ملك مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، ثم ابنه عبد الملك، ثم الوليد بن عبد الملك، ثم أخوه سليمان ثم ابن عمه عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم الوليد بن يزيد، ثم يزيد بن الوليد الناقص، ثم أخوه إبراهيم وهو ابن الوليد أيضًا، ثم مروان بن محمد بن مروان الملقب بالحمار، وكان آخرهم، فكان (٢) أولهم اسمه مروان وآخرهم اسمه مروان، [ثم انقرضوا من أولهم إلى خاتمهم] (٣). وكان أول خلفاء بني العباس السفاح واسمه عبد الله، وآخرهم المستعصم واسمه عبد الله (٤). وكذلك أول خلفاء الفاطميين اسمه عبد الله المهدي (٥)، وآخرهم عبد الله العاضد، وهذا اتفاق غريب جدًا قَلَّ مَنْ يَتَنبَّهُ له، والله سبحانه أعلم. وهذه أرجوزة لبعض الفضلاء ذكر فيها جميعَ الخلفاء: [من الرجز] الحمدُ للهِ العظيمِ عرشُهُ … القاهرِ الفردِ القويّ بطشُهُ مُقَلِّبِ الأيامِ والدُّهورِ … وجامعِ الأنامِ للنشورِ ثم الصلاةُ بدوامِ الأبدِ … على النبيِّ المُصطفى محمدِ وآله وصحبهِ الكرامِ … السَّادةِ الأئمةِ الأعلامِ وبعدُ فإِنَّ (٦) هذهِ أرجوزَهْ … نظمتُها لطيفةً وجيزهْ نظمتُ فيها الرَّاشدينَ الخُلفا … مَنْ قاَمَ بَعْدَ النبيِّ المُصْطَفَى (٧) وَمَنْ تلاهُمْ وهَلُمَّ جرّا … جَعَلْتُها تَبْصِرَةً وذِكْرى ليعلمَ العاقلُ ذو التصويرِ … كيفَ جرتْ حوادثُ الأمورِ

стр. 6940

وكلُّ ذي مقدرةٍ ومُلْكِ … مُعَرَّضونَ للفنا والهلكِ وفي اختلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ … تبصرةٌ لكلِّ ذي اعتبارِ والملِكُ الجبَّارُ في بلادهِ … يورثُهُ من شاء من عبادهِ وكلُّ مخلوقٍ فللفناء … وكلُّ مُلكٍ فإلى انتهاءِ ولا يدومُ غيرُ مُلْكِ الباري … سبحانَهُ من ملكٍ قهّارِ منفردٌ بالعزِّ والبقاءِ … وما سواهُ فإلى انقضاءِ أولُ مَنْ بُويعَ بالخلافهْ … بعدَ النبيِّ ابنُ أبي قُحافة (١) أعني الإمامَ الهاديَ الصِّدِّيقا … ثم ارتَضَى من بعده الفاروقا (٢) ففتحَ البلادَ والأمصارا … واستأْصَلَتْ سيوفُهُ الكُفّارا وقامَ بالعدلِ قيامًا يُرْضي … بذاكَ جبَّارَ السما والأرضِ ورَضِيَ النَّاسُ بذي النُّورين (٣) … ثمَّ عليُّ (٤) والد السِّبْطَيْنِ ثُمَّ أتَتْ كتائبٌ مَعَ الحسنْ (٥) … كادوا بأن يجدّدُوا بها الفِتَنْ فأصلحَ الله على يَدَيْهِ … كما عزا نبيّنا إليهِ وأجمعَ (٦) الناسُ على معاويَه (٧) … ونَقَلَ القِصَّةَ كلُّ راويَهْ فمهّدَ المُلكَ كما يُريدُ … وقامَ فيهِ بعدَهُ يَزيدُ (٨) ثم ابنُهُ وكانَ بَرًّا راشدًا … أعني أبا ليلى (٩) وكانَ زاهِدا

стр. 6941

فتَرَكَ الإمْرَةَ لا عَنْ غَلَبَهْ … ولم يكنْ إليها منهُ طَلَبَهْ وابنُ الزُّبيرِ (١) بالحجازِ يَدأَبُ … في طلبِ المُلْكِ وفيه ينصَبُ وبالشآمِ بايعوا مروانا (٢) … بحكم مَنْ يقولُ كُنْ فكَانا ولم يَدُم في المُلْكِ غَيْرَ عام … وعاقَصَتْهُ (٣) أسهمُ الحمامِ واستوثقَ المُلْكُ لعبدِ المَلِك (٤) … ونارُ نَجْمِ سعدِهِ في الفُلْكِ وكلُّ مَنْ نازَعَهُ في المُلْكِ … خَرَّ صريعًا بسيوفِ الهُلْكِ فقَتَل (٥) المُصْعَبَ بالعراقِ … وسَيَّرَ الحَجّاجَ ذا الشِّقاقِ إلى الحجازِ بسُيوفِ النِّقم … وابنُ الزُّبَيْرِ لائِذٌ بالحرَمِ فجار (٦) بعدَ قتله بصَلْبِه … ولم يَخَفْ في أمرهِ من ربِّهِ وعِنْدَما صَفَتْ لهُ الأُمورُ … تقَلَّبَتْ من تحته (٧) الدُّهُورُ ثُمَّ أتى مِنْ بَعْدِهِ الوليدُ (٨) … ثُمَّ سُلَيمان (٩) الفَتى الرَّشيدُ ثُمَّ اسْتفاضَ في الورى عَدْلُ عُمر (١٠) … تابَعَ أمرَ رَبِّهِ كما أمَرْ وكانَ يُدْعَى بأشجِّ القومِ … وذي الصلاةِ والتُّقى والصَّومِ

стр. 6942

فجاءَ بالعَدْلِ وبالإحْسانِ (١) … وكفَّ أهلَ الظلمِ والطُّغْيانِ مُقْتَديًا بسُنَّةِ الرَّسولِ … والرَّاشدينَ من ذَوِي العُقُولِ فَجَرَعَ الإسلامُ كأسَ فَقْدِه … ولم يَرَوْا مِثْلًا لهُ مِنْ بَعْدِهِ ثُمَّ يَزيد (٢) بَعْدَهُ هِشام (٣) … ثُمَّ الوليدُ (٤) فُتَّ منه الهامُ ثُمَّ يزيد (٥) وهو يُدْعَى النَّاقِصا … فجاءَهُ حِمامُهُ مغافصا (٦) ولم (٧) تَطُلْ مُدَّةُ إبراهيما (٨) … وكانَ كلُّ أمْرِهِ سقيما وأُسْنِدَ المُلْكُ إلى مرْوانا (٩) … فكانَ من أُمورهِ ما كانا وانقرضَ المُلْكُ على يَدَيْهِ … وحادثُ الدَّهْرِ سَطَا عَلَيْهِ وقَتْلُهُ قَدْ كانَ بالصَّعيدِ … ولَمْ تُفِدْهُ (١٠) كثرةُ العَديدِ وكانَ فيهِ حَتْفُ (١١) آلِ الحَكَمِ … وانْتُزِعَتْ (١٢) عنهم ضروبُ (١٣) النِّعَم ثم أتى مُلْكُ بني العَبَّاسِ … لا زالَ فينا ثابتَ الأساسِ وجاءَت البيعةُ من أرضِ العَجَمْ … وقَلَّدتْ بَيْعَتَهُمْ كُلُّ الأُمَمْ وكلُّ مَنْ نازعَهُمْ من أُمَمِ … خَرَّ صَريعًا لليَدَيْنِ والفَمِ

стр. 6943

وقَدْ ذَكرْتُ مَنْ تَوَلّى مِنْهُمُ … حينَ تَوَلّى القائمُ المُسْتَعصِمُ أَوَّلُهُم يُنْعَتُ بالسَّفاحِ (١) … وبَعْدَهُ المَنْصُورُ (٢) ذو النَّجاحِ (٣) ثُمَّ أتى من بعدهِ (٤) المهديّ (٥) … يَتْلُوهُ موسى (٦) الهاديُ (٧) الصفيُّ وجاءَ هارونُ الرشيدُ (٨) بَعْدَهُ … ثُمَّ الأمينُ (٩) حينَ ذاقَ فَقْدَهُ وقامَ بعدَ قَتْله المأمونُ (١٠) … وبعده المُعْتَصِمُ (١١) المَكينُ واستُخلِفَ الواثق (١٢) بعد المُعْتَصِم … ثُمَّ أخوهُ جعفرٌ (١٣) مُوفي الذِّمَمْ وأخْلَصَ النيةَ في المُتوكِّلِ … للهِ ذي العَرْشِ القَديمِ الأولِ (١٤) فأدْحَضَ البدعة في زمانهِ … وقامتِ السُّنَّةُ في أوانهِ

стр. 6944

ولم يَبْقَ بِدْعةٌ مُضِلَّهْ … وألْبَسَ المُعْتَزليَّ ذِلَّه (١) فرَحْمَةُ اللهِ عليهِ أبدا … ما غارَ نجمٌ في السماءِ أو بَدَا وعندما اسْتُشهِدَ قامَ المُنْتَصِرْ (٢) … والمُسْتَعين (٣) بعدَه كما ذُكرْ وجاءَ بعدَ موتِه المُعْتزُ (٤) … والمُهْتدي (٥) المُلْتَزِم (٦) الأعَزُّ وبعده استولى وقامَ المعتمِدْ (٧) … ومَهَّدَ الملكَ وساسَ المُعْتَضِدْ (٨) والمكتفي (٩) في صُحفِ العليا سطِر (١٠) … وبعدَه ساسَ الأمورَ المقتدر (١١) واستوثق (١٢) الملكُ بعزِّ القاهر (١٣) … وبعده الراضي (١٤) أخو المفاخرِ

стр. 6945

والمتقي (١) من بعد ذا المستكفي (٢) … ثم المطيعُ (٣) ما بهِ من خُلْفِ والطائعُ (٤) المطيع ثم القادر (٥) … والقائم (٦) الزاهدُ وهو الشاكرُ والمقتدي (٧) من بعدهِ المستظهرُ (٨) … ثم أتى المسترشدُ (٩) الموقَّرُ وبعدهُ الراشدُ (١٠) ثم المقتفي (١١) … وحينَ ماتَ استنجدوا (١٢) بيوسفِ والمُستضي (١٣) العادلُ في أفعالهِ … الصادقُ الصدوقُ في أقوالهِ والناصرُ (١٤) الشهمُ الشديدُ الباسِ … ودامَ طول مكثهِ في الناسِ ثم تلاهُ الظاهرُ (١٥) الكريمُ … وعدلهُ كلٌّ به عليمُ ولم تَطُلْ أيامُهُ في المَمْلَكَهْ … غيرَ شهورٍ واعترتْهُ الهَلَكَهْ وعهدُهُ كانَ إلى المُسْتَنْصِرِ (١٦) … العادلِ البرِّ الكريمِ العُنْصرِ دامَ يسوسُ الناسَ سبعَ عَشْرهْ … وأشهرًا بعزماتٍ برّهْ (١٧) ثمَّ توفي عامَ أربعينا … وفي جُمادى صادفَ المنونا

стр. 6946

وبايع الخلائقُ المُسْتَعصِما (١) … صلَّى عليه رَبُّنا وسلَّما فأرسلَ الرسلَ إلى الآفاقِ … يقضونَ بالبيعةِ والوفاق (٢) وشرَّفوا بذكرهِ المنابرا … ونشروا (٣) في جودهِ المفاخرا وسارَ في الآفاقِ حسنُ سيرتهْ … وعدلُهُ الزائدُ في رَعيَّتِهْ (قال الشيخ (٤) عماد الدين ابن كثير رحمه الله تعالى): ثم (٥) قلت أنا بعد ذلك أبياتًا (٦): ثمَّ ابتلاهُ اللهُ بالتتارِ … أتباع جَنْكيزِ خان الجبارِ صحبتهُ ابنُ ابن له (٧) هولاكو … فلم يكُنْ من أمْرِهِ فِكاكُ فمزَّقُوا جنودَه وشملَهْ … وقَتلوهُ نفسَهُ وأهلَهْ ودمَّروا بغداد والبلادا … وقتلوا الأحفادَ والأجدادا وانتهبوا المالَ معَ الحريمِ … ولم يخافوا سَطْوةَ العظيمِ وغَرَّهُم نظارُهُ وحِلْمُهُ … وما اقتضاهُ عَدْلُهُ وحُكْمُهُ وشَغَرَتْ من بعدهِ الخلافهْ … ولم يُؤرَّخْ مِثلها من آفهْ ثم أقامَ الملكَ أعني الظّاهرا … خليفةً أعني به المُسْتنصِرا (٨) ثم ولي من بعد ذاكَ الحاكم (٩) … مسيم بيبرسَ الإمامُ العالمُ ثم ابنهُ الخليفةُ المستكفي (١٠) … وبعضُ هذا للبيبِ يكفي ثم ولي من بعدهِ جماعهْ (١١) … ما عندَهم علمٌ ولا بضاعهْ

стр. 6947

خليفةُ الوقت الإمام (١) المعتضد (٢) … ولا يكادُ الدهرُ مثله يجدْ في حسنِ خلقٍ واعتقادٍ وحلى … وكيف لا وهو من السِّيمِ (٣) الأُلى سادوا البلادَ والعباد (٤) فضلا … وملؤوا الأقطارَ حكمًا عدلا أولادُ عمِّ المُصْطفى محمدِ … وأفضلُ الخلقِ بلا تردُّدِ صلى عليهِ اللهُ ذو الجلالِ … ما دامتِ الأيامُ واللَّيالي فصل والفاطِميُّونَ قليلو العِدَّهْ … لكنَّهم مُدَّ لهم في المُدَّهْ فملكُوا بضعًا وستينَ سنَهْ … من بعدِ مِيتَيْنِ وكانتْ كالسَّنَهْ (٥) والعِدَّةُ أربع عشرةَ المهديُّ … والقائمُ المنصورُ والمعديُّ (٦) أعني به المُعزّ باني القاهرهْ … ثم العزيز الحاكمُ الكوافرهْ والظاهرُ المستنصرُ المستعلي … فالآمرُ الحافظُ عنه سوءُ الفعلِ (٧) والظافرُ الفائزُ ثم العاضدُ … آخرهمْ وما لهذا جاحدُ أُهْلِكَ بعدَ البضعِ والسِّتينا … من قبلها خمسمئهْ سنينا وقد رقمتُ العمرَ فوقَ الاسمِ … ومدة الدولةِ تحت الرسم (٨)

стр. 6948

وقد بسطنا ذاك فيما سلفا … وأصلهم يهود ما هم شرفا كذاك أفتى السادة الأئمَّهْ … أنصار دين الله من ذي الأُمَّهْ فصل وهكذا خُلفا بَني أمية … عِدَّتُهم كعدةِ الرفضية (١) ولكن المُدَّةُ كانتْ ناقصهْ … عن مئةٍ من السِّنينَ خالصَهْ وكُلُّهم قدْ كانَ ناصِبيّا … إلا الإمامَ عمرَ التَّقِيّا مُعاويهْ ثمَّ ابنُه يزيدُ … وابنُ ابنِه معاويهْ السَّديدُ مروانُ ثمَّ ابْنٌ لهَ عبدُ الملكْ … منَابذٌ لابن الزُّبيرِ حتى هُلِكْ ثمَّ استقلَّ بعده بالملكِ … في سائرِ الأرضِ بغَيْرِ شَكِّ ثمَّ الوليدُ النَّجْلُ باني الجامعِ … وليس مِثْلَ شَكْلِهِ من جامعِ (٢) ثمَّ سُلَيْمانُ الجوادُ وعمرْ … ثم يَزيدُ وهشامُ وغُدَرْ (٣) أعني الوليدَ بن يزيدَ الفاسقا … ثم يزيدَ بن الوليدِ فائقا يُلقَّبُ الناقصَ وهو كاملُ … ثمَّت (٤) إبراهيمُ وهو عاقل (٥) ثُمَّ مروانُ الحمارُ الجَعْدي … آخرهم فاظفرْ بذا من عندي (٦) والحمدُ للهِ على التَّمامِ … كذا نحمدُهُ على الإنعامِ (٧) ثُمَّ الصلاةُ معْ تمامِ العَدَدِ … على النبيِّ المُصْطَفى مُحَمَّدِ وآلهِ وصَحْبِه الأخْيارِ … في سائرِ الأوقاتِ والأعصارِ وهذه الأبياتُ نظمُ الكاتبِ … ثمانيهْ (٨) تتمَّةُ المناقبِ

стр. 6949

وممن قتل مع الخليفة: واقف الجوزية بدمشق (١). وممن قتل مع الخليفة [واقف الجوزية بدمشق] (٢) أستاذ دار الخلافة [الصاحب] محيي الدين يوسف (٣) بن الشيخ جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن (٤) عبيد الله بن حُمّادَى (٥) بن أحمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن النضر (٦) بن محمد بن أبي بكر الصديق القُرشي التَّيْمي البَكْري البغدادي الحنبلي المعروف بابن الجَوْزي (٧)، ولد في ذي القعدة سنة ثمانين وخمسمئة، ونشأ شابًا حسنًا، وحين توفي أبوه وعظ في موضعه فأحسن وأجاد وأفاد، ثم تقدّم وولي (٨) حسبة بغداد مع الوعظ الفائق [الرائق] والأشعار

стр. 6950

الحسنة، الرائقة (١) وولي تدريس الحنابلة بالمستنصرية سنة اثنتين وثلاثين وستمئة، وكانت له تداريس (٢) أخر، [ولما ولي مؤيد الدين ابن العلقمي الوزارة وشغر عنه الأستاذ دارية وليها عنه محيي الدين هذا] (٣) وانتصب ابنه عبد الرحمن مكانه (٤) للحسبة والوعظ فأجاد [فيها وسار سيرة حسنة] (٥)، ثم كانت الحسبة تنتقل (٦) في بنيه الثلاثة [جمال الدين] عبد الرحمن، [وشرف الدين] عبد الله، و [تاج الدين] عبد الكريم. وقد قُتلوا معه في هذه السنة ﵏. ولمحيي الدين هذا مُصنَّفٌ في مذهب أحمد، وقد ذكر له ابن الساعي أشعارًا حسنة يُهنِّئ بها الخليفة في المواسم والأعياد، تدلّ على فضيلة [تامة] وفصاحة [بالغة]، وقد وقف [المدرسة] الجوزية بدمشق وهي من أحسن المدارس [وأوجهها]، تقبَّل الله منه وأثابه الرحمة والجنة وإيانا وجميع المسلمين أجمعين آمين. الصَّرْصَري (٧) المادح ﵀ يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور بن المعمر عبد السلام الشيخ الإمام العلامة (٨) البارع الفاضل في أنواع من العلوم، جمال الدين أبو زكريا الصرصري (٩)، الشاعر (١٠) المادح الحنبلي الضرير البغدادي. معظم شعره في مدح رسول الله ﷺ ، وديوانه في ذلك مشهورٌ معروفٌ غير (١١) منكر، [ولد سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمئة. وسمع الحديث وحفظ الفقه واللغة]، ويقال إنه كان يحفظ صحاحَ الجوهري

стр. 6951

[بتمامه في اللغة] (١). وصحب الشيخ علي بن إدريس (٢) تلميذ الشيخ عبد القادر (٣)، وكان ذكيًا [يتوقد نورًا، وكان] (٤) ينظم على البديهة سريعًا أشياءَ حسنةً فصيحةً بليغةً، وقد نظم الكافي الذي ألفه (٥) موفق الدين بن قدامة] (٦)، ومختصر الخِرَقي، وأما مدائحه في رسول الله ﷺ ، فيقال إنها تبلغ عشرين مجلدًا، [وما اشتهر عنه أنه مدح أحدًا من المخلوقين من بني آدم إلا الأنبياء] (٧)، ولما دخل التتار بغداد دُعي إلى دارٍ بها (٨) كرمون (٩) بن هلاكو فأبى أن يجيبَ إليه، وأعدَّ في داره حجارةً فحين دخلَ عليه التتار رماهُم بتلك الأحجار فهشَّم منهم جماعةً، فلما خلصوا إليه قتلَ بعكازه أحدهم، ثم قتلوه (١٠) شهيدًا رحمه الله تعالى، وله من العمر ثمانٍ وستّون سنةً. وقد أورد له [الشيخ] قطب الدين اليونيني من ديوانه قطعة صالحة في ترجمته في "الذيل" (١١) استوعب حروف المعجم، وذكر [غير ذلك] (١٢) قصائدَ طوالًا كثيرة حسنة، رحمه الله تعالى. البهاء زُهَير (١٣) صاحب الديوان (١٤)، وهو زُهَير بن محمد بن علي بن يحيى بن الحسين (١٥) بن جعفر

стр. 6952

[بن منصور بن عاصم] المُهَلَّبي (١) العتكي المصري، ولد بمكة ونشأ بقوص، وأقام بالقاهرة، الشاعر المطبق الجواد في حسن الخط، له ديوان مشهور، وقدم على (٢) السلطان [الملك] الصالح [نجم الدين] أيوب، وكان غزيرَ المروءة حسنَ التوسُّط في الخير إلى الناس، ودفعِ الشرِّ عنهم، وقد أثنى عليه [القاضي شمس الدين] ابن خلِّكان (٣) وقال: أجاز لي رواية ديوانه [وهو مشهود]، وقد بسط ترجمته [الشيخ] قطب [الدين] اليونيني. الحافظ زكي الدين المنذري (٤) عبد العظيم بن عبد القوِيّ بن عبد الله بن سلامة بن سعد بن سعيد، الإمام العلَّامة الحافظ أبو محمد زكي (٥) الدين المُنْذري الشافعي المصري، أصله (٦) من الشام [ولكنه] ولد بمصر، وكان شيخَ الحديث بها مدةً طويلةً، إليه الوفادةُ والرحلةُ من سنين متطاولةٍ، [وقيل إنه (٧) ولد بالشام سنة إحدى وثمانين وخمسمئة، وسمع الكثير ورحل وطلب وعني بهذا الشأن، حتى فاق أهل زمانه فيه، وصنَّف وخرَّج، واختصر "صحيح مسلم"، و"سنن أبي داود"، وهو أحسنُ اختصارًا من الأول، وله اليدُ الطُّولى (٨) في اللغة والفقه والتاريخ، وكان ثقةً حجةً متحرّيًا زاهدًا، وتوفي يوم السبت رابع (٩) ذي القعدة من هذه السنة بدار الحديث الكاملية بمصر. ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى. النور أبو بكر محمد (١٠) بن محمد بن عبد العزيز (١١) بن عبد الرحيم بن رستم الأسعردي (١٢) الشاعر

стр. 6953

المشهور الخليع، كان القاضي صدر الدين بن سَنِيّ (١) الدولة قد أجلسه مع الشهود (٢) تحت الساعات، ثم استدعاه الناصر صاحب البلد فجعله (٣) من جلسائه وندمائه، وخلع عليه خلع (٤) الأجناد، فانسلخ من هذا الفن إلى غيره، وجمع كتابًا سماه "الزَّرَجُون في الخَلاعة والمُجُون" وذكر فيه أشياء كثيرة من النظم والنثر والخلاعة، ومن شعره [الذي لا يحمد] (٥): [من الخفيف] لذَّةُ العُمرِ خَمْسَةٌ فاقْتَنِيها … مِنْ خَليعٍ غَدا أديبًا فَقيها في نَديمٍ وقَيْنَةٍ وحَبيب … ومُدامٍ وسَبِّ مَنْ لام فيها الوزير (٦) ابن العلقمي [الرافضي قبحه الله] (٧)، محمد بن أحمد (٨) بن محمد بن علي بن أبي طالب، الوزير مُؤيَّد الدين أبو طالب ابن العلقمي، وزير المُسْتَعصم البغدادي. وخدم في زمان المستنصر (٩) أستاذ دار الخلافة مدة طويلة، ثم استوزره المستعصم [ولم يكن وزير صدق] بل (١٠) كان [وزير سوء على نفسه وعلى الخليفة وعلى المسلمين] (١١)، مع أنه من الفضلاء في الإنشاء والأدب، وكان (١٢) رافضيًا خبيثًا رديء الطَّوية على الإسلام وأهله، وقد حصل له من التعظيم والوجاهة في أيام المستعصم ما لم يحصل لغيره (١٣) من الوزراء، ثم مالأ على الإسلام وأهله للتتار أصحاب (١٤)

стр. 6954

هولاكوخان (١)، حتى فعل ما فعل بالإسلام وأهله مما تقدم ذكره (٢)، ثم حصل له بعد ذلك من الإهانة والذل على أيدي التتار الذين مالأهم وزال عنه ستر الله، وذاق الخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (٣)، وقد رأته امرأةٌ وهو في الذلّ والهوانِ وهو راكبٌ في أيام التتار برذونًا وهو مرسم عليه، وسائقٌ يسوقُ به ويضرب فرسه، فوقفتْ (٤) إلى جانبه وقالت له: يا بن العلقمي هكذا كان بنو العباس يعاملونك؟ فوقعت كلمتها في قلبه وانقطع في داره إلى أن مات كمدًا [وغبينة (٥) وضيقًا، وقلة وذلة] (٦)، في مُستهلّ جمادى الآخرة من هذه السنة، وله من العمر ثلاثٌ وستون سنة، ودُفن في قبور الرَّوافض، وقد سمع بأُذنيه، ورأى بعينيه من الإهانة من التتار والمسلمين ما لا يُحدّ ولا يُوصف. وتولَّى بعدَه ولدُه الخبيثُ الوزارةَ، ثم أخذهُ الله أخذ القُرى وهي ظالمة سريعًا، وقد هجاه بعض الشعراء فقال فيه: [من الكامل] يا فرقةَ الإسلامِ نُوحوا واندبوا … أسفًا على ما حَلَّ بالمستعصمِ (٧) دَسْتُ الوزارةِ كانَ قبلَ زمانهِ … لابنِ الفراتِ فصارَ لابنِ العَلْقَمي محمد بن عبد الصَّمد بن عبد الله بن حَيْدرة (٨) فَتْحُ الدين أبو عبد الله العَدْل مُحْتَسِبُ دمشق. كان مشكورًا (٩) حسن الطريقة، وجدُّه العدل نجيب الدين أبو محمد عبد الله بن حيدرة (١٠)، وهو واقف المدرسة التي بالزبداني في سنة تسعين وخمسمئة تقبَّل الله تعالى منه وجزاه خيرًا. القُرْطُبي (١١) صاحب "المفهم في شرح مسلم" أحمد بن عُمر بن إبراهيم بن عُمر أبو العباس الأنصاري القُرْطُبي المالكي الفقيه المُحَدِّث المُدَرِّس بالإسكندرية.

стр. 6955

ولد بقرطبة سنة ثمان وسبعين وخمسمئة، وسمع الكثير هناك، واختصر الصحيحين، وشرح "صحيح مسلم" المسمى بـ "المفهم"، وفيه أشياء حسنة مفيدة محرَّرة ﵀. الكمال إسحاق بن أحمد بن عثمان (١). أحد مشايخ الشافعية، أخذ عنه الشيخُ محيي الدين النَّووي (٢)، وغيره، وكان مُدَرِّسًا بالرَّواحيّة (٣)، توفي في ذي القعدة من هذه السنة (٤). العماد داود بن عمر بن يحيى بن عمر بن كامل (٥) أبو المعالي وأبو سليمان الزُّبَيْدي المَقدسي ثم الدمشقي خطيب بَيْت الآبار (٦). وقد خطب بالأموي [بدمشق] ست سنين بعد [انفصال الشيخ عز الدين] بن عبد السلام [عنها]، ودرَّس بالغزالية (٧) [ثم عزل عنها]، ثم عاد إلى بيت الآبار فمات بها. علي بن محمد الحسين (٨) صدر الدين أبو الحسن بن النيار شيخ الشيوخ ببغداد. وكان أولًا مؤدبًا للإمام المستعصم [بالله]، فلما (٩) صارت الخلافة إليه نال الشيخ رفعة

стр. 6956

عظيمة ووجاهة هائلة، وولي مشيخة الشيوخ ببغداد (١) رحمه الله تعالى. وانضمت إليه (٢) أزمَّةُ الأمور، ثم إنه ذُبح بدار الخلافة كما تُذبَحُ الشاةُ على أيدي التتار (٣). الشيخ العابد (٤) علي الخباز (٥). كان له أصحابٌ وأتباعٌ ببغداد، وله زاوية يُزار فيها، قَتَلَتْهُ التتارُ وأُلقي على مزبلة بباب زاويته ثلاثة أيام حتى أكلت الكلابُ من لحمه، ويُقال إنه أخبر بذلك عن نفسه في حال حياته رحمه الله تعالى. محمد بن إسماعيل (٦) بن أحمد بن أبي الفتح أبو عبد الله المقدسي (٧) خطيب مَرْدا (٨). سمع الكثيرَ، وعاش تسعين سنةً، وقدم (٩) في سنة ثلاث وخمسين فسمع الناس عليه الكثير بدمشق، ثم عاد فمات ببلده [مَرْدا (١٠) في هذه السنة، ﵀] (١١). البدر لؤلؤ (١٢) صاحب الموصل، الملَقَّب بالملك الرَّحيم. توفي (١٣) في شعبان [في هذه السنة] عن مئة سنة (١٤) وقد ملك الموصل نحوًا من خمسين سنة، وكان ذا عقل ودَهاء ومَكْر، لم يزل يعمل على أولاد أستاذه حتى أبادهم، وأزال الدولة الأتابكية عن

стр. 6957

الموصل، ولما انفصل هولاكوخان (١) عن بغداد - بعد الوقعة الفظيعة العظيمة (٢) - سار إلى خدمته طاعةً له (٣)، ومعه الهدايا والتحف، فأكرمه واحترمه، ورحع من عنده فمكث [بعد مرجعه (٤)] بالموصل أيامًا يسيرة، ثم مات ودفن بمدرسته البدرية، وتأسف الناس عليه لحسن سيرته وجودة معدلته، وقد جمع له الشيخ عز (٥) الدين [ابن الأثير] كتابه المسمى بـ "الكامل في التاريخ" فأجازه عليه وأحسن إليه، وكان يعطي لبعض الشعراء ألف دينار [ونحوها وقد] قام في الملك بعده ولده الصالح إسماعيل. وقد كان بدر الدين لؤلؤ هذا (٦) أرمنيًّا اشتراه رجلٌ خيّاطٌ، ثم صار إلى الملك نور الدين أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي بن آقْسنقر الأتابكي صاحب الموصل، وكان مليحَ الصورة، فحظيَ عنده وتقدَّم في دولته إلى أن صارت الكلمةُ دائرةً عليه، والوفود من سائر جهات ملكهم إليه. ثم إنه قتل أولاد أستاذه (٧) غيلةً واحدًا بعد واحد إلى أن لم يبق معه أحدٌ منهم، فاستقلَّ هو بالملك، وَصَفَتْ له الأمور [وراقت]، وكان يبعث في كل سنة إلى مشهد علي قنديلًا ذهبًا (٨) زِنَتُهُ ألفُ دينار، وقد بلغ من العمر قريبًا من تسعين سنة (٩)، وكأنه شاب (١٠) حسن الشباب من نضارة وجهه، وحسن شكله، وكانت العامة تلقبه قضيب الذهب، وكان ذا همة عالية وداهية شديد المكر، بعيد الغور (١١). الملك الناصر (١٢) داود [بن] المعظم ترجمه الشيخ قطب الدين اليونيني في "تذييله (١٣) على المرآة" في هذه السنة وبسط ترجمته جدًا وما جرى (١٤) له من مبتدأ أمره إلى آخر زمانه. وأورد من أشعاره وأقواله شيئًا كثيرًا وأفاد أشياء حسنة رحمه الله تعالى.

стр. 6958

وقد ذكرنا ترجمته قبل ذلك والله أعلم. وقد ملك بعد أبيه مدينة دمشق وأعمالها مدة ثم تمالأ (١) عليه عمَّاه الكامل والأشرف وانتزعوها من يده وعوضاه منها الكرك والصلت وعجلون ونابلس، ثم ذهب ذلك كله من يده وصار إلى العراق فاستودع الخليفة المستعصم في سنة سبع وأربعين وديعة قيمتها (٢) مئة ألف دينار فجحدها ولم يردها إليه، وتكرر وفوده إليه وتوسله بالناس فلم يردها عليه، ومن أحسن مقامات الناصر داود لما حضر الدرس بالمستنصرية في سنة ثلاث وثلاثين وست مئة والخليفة حاضر فقام الفقيه وجيه الدين الفزاري (٣) فامتدح الخليفة بقصيدة قال في بعضها: [من الكامل] لَوْ كُنْتَ في يوم السقيفةِ حاضرًا … كنتَ المُقدَّمَ والإمامَ الأورعا (٤) فقال له الناصر داود: أخطأت فقد كان جدُّ أمير المؤمنين العبّاس حاضرًا يوم السَّقيفة ولم يكن المقدم، وهو أفضل من أمير المؤمنين، وإنما كان المُقَدَّم [والإمام الأورعا] أبو بكر الصديق، فقال الخليفة: صدق وخلع عليه، ونفى ذلك الشاعر - وهو الوجيه الفزاري - إلى مصر [فدرّس في مدرسة الوزير صفي الدين بن شكر]. وكانت وفاةُ الناصر بقرية البُوَيْضا مُرْسَمًا عليه وشهد جنازته صاحب دمشق (٥). ثم دخلت سنة سبع وخمسين وستمئة استُهِلَّت هذه السنة وليس للمسلمين خليفة، وسلطانُ دمشق وحلب الملكُ الناصرُ صلاحُ الدين يوسفُ بن العزيز محمد بن (٦) الظاهر غازي بن الناصر [صلاح الدين] (٧) [فاتح بيت المقدس]، وهو واقع بينه وبين المصريين وقد ملكوا [عليهم بها ابن أستاذهم] نور الدين علي بن المُعِزّ أيبك التركماني،

стр. 6959

ولقَّبوه بالمنصور، وقد أرسل الملك الغاشم هولاكوخان (١) إلى الملك الناصر صاحب (٢) دمشق] (٣) يستدعيه إليه، فأرسل إليه ولده العزيزُ وهو صغيرٌ ومعه هدايا كثيرةٌ وتحفٌ، فلم يحتفل به هولاكوخان بل غضب (٤) على أبيه إذ لم يقبل إليه، وأخذ ابنه وقال: أنا أسيرُ إلى بلاده بنفسي، فانزعج الناصرُ لذلك، وبعث بحريمه وأهله إلى الكرك ليحصّنهم بها وخاف أهلُ دمشق خوفًا شديدًا، [ولا سيما لمَّا] (٥) بلغهم أنَّ التتار قد قطعوا الفرات، سافر كثير منهم إلى مصر في زمن الشتاء، فمات ناس كثير منهم ونهبوا (٦)، فإنا لله وإنَّا إليه راجعون. وأقبل هولاكوخان فقصد الشام (٧) بجنوده وعساكره، وقد امتنعت عليها ميافارقين (٨) مدة سنة ونصف، فأرسل إليها ولده أشموط فافتتحها قسرًا وأنزل ملكها (٩) الكامل ابن الشهاب غازي بن العادل فأرسله إلى أبيه وهو محاصرٌ حلب فقتله بين يديه، واستناب عليها بعض مماليك الأشرف، وطيف برأس الكامل في البلاد، ودخلوا برأسه إلى دمشق، فنُصب على باب الفراديس البرَّاني، ثم دفن بمسجد الرأس [داخل باب الفراديس الجُوَّاني] (١٠)، فنظَمَ أبو شامة (١١) في ذلك قصيدةً يذكر فيها فضلَه وجهادَه، وشبَّهه بالحسين في قتله مظلومًا ودُفِنَ رأسُه عند رأسِه (١٢). وفيها: عمل الخواجة نصير الدين الطُّوسي (١٣) الرَّصْد بمدينة مراغة (١٤)، ونقل إليه شيئًا كثيرًا من

стр. 6960

كتب الأوقاف التي كانت ببغداد، وعمل دار حكمة ورتب فيها فلاسفة، ورتب لكل واحد في اليوم والليلة ثلاثة دراهم، ودارَ طب فيها للطبيب (١) في اليوم درهمان، ومدرسة لكل فقيه في اليوم درهم، ودار حديث لكل محدث نصف درهم في اليوم. وفيها: قدم القاضي الوزير كمال الدين عمر بن أبي جرادة المعروف بابن العديم (٢) إلى الديار المصرية رسولًا من صاحب دمشق الناصر بن العزيز يستنجد المصريين على قتال التتار، وأنهم (٣) قد اقترب قدومهم إلى الشام، وقد استولوا على بلاد الجزيرة وحرَّان وغيرها [في هذه السنة]، وقد جاز أشموط بن هولاكوخان الفرات وقرب من حلب، فعند ذلك عقدوا مجلسًا (٤) بين يدي المنصور بن المعزّ التركماني، وحضر قاضي مصر (٥) بدر الدين السنجاري (٦)، والشيخ عز الدين بن عبد السلام (٧)، وتفاوضوا (٨) الكلام فيما يتعلق بأخذ شيء من أموال العامة لمساعدة الجند، وكانت العمدة على ما يقوله ابن عبد السلام، وكان حاصل كلامه أنه قال إذا (٩) لم يبق في بيت المال شيء ثم أنفقتم (١٠) أموال الحوائص المذهبة وغيرها من الفضة والزينة، وتساويتم أنتم والعامة في الملابس سوى آلات الحرب بحيث لم يبق للجندي سوى (١١) فرسه التي يركبها، ساغ للحاكم حينئذ أخذ شيء من أموال الناس في دفع الأعداء عنهم، لأنه إذا دهم العدو البلاد (١٢)، وجب على الناس كافة دفعهم (١٣) بأموالهم وأنفسهم. ولاية الملك المظفر قطز [بمصر] وفيها: قبضَ الأميرُ سيفُ الدين قطز على ابن أستاذه نور الدين علي الملقب بالمنصور، وذلك في

стр. 6961

غيبة أكثر الأمراء من مماليك أبيه وغيرهم في الصيد، فلما مسكه سيَّره (١) مع أمه وابنيه وإخوته إلى بلاد الأشكري (٢)، وتسلطن هو وسمى نفسه بالملك المظفر، وكان هذا من رحمة الله بالمسلمين، فإن الله جعل على يديه كسر التتار (٣) كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وبان عذره (٤) الذي اعتذر به إلى الفقهاء والقضاة وإلى ابن العديم، فإنه قال: لا بدَّ للناس من سلطانٍ قاهرٍ يقاتل عن المسلمين عدوَّهم، وهذا صبي صغير لا يعرف تدبير المملكة. وفيها: برز الملك الناصر صاحب دمشق إلى وطأة برزة (٥) في جحافل كثيرة من الجيش والمطَّوِّعة (٦) والأعراب وغيرهم، ولما علم ضعفهم عن مقاومة المغول ارفضَّ ذلك الجمع، ولم يسر (٧) لا هو ولا هم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها: توفي من الأعيان (٨): واقف الصدرية [الرَّئيس] (٩) صَدْرُ الدين أسْعَدُ بن المُنَجَّى (١٠) بن بركات بن مؤمل، التَّنوخي المغربي ثم الدمشقي الحنبلي أحدُ المُعدّلين، ذوي الأموال، والمروءات والصدقات الدارَّة البارَّة، وقف مدرسة (١١) للحنابلة، وقبره بها إلى جانب تربة القاضي المصري (١٢) في رأس درب الرَّيْحان من ناحية

стр. 6962

الجامع الأموي (١)، وقد ولي نظرَ الجامع مدةً، واستجدَّ أشياءَ كثيرةً منها سوق النحاسين قبلي الجامع، ونقل الصاغة إلى مكانها الآن، وقد كانت قبل ذلك في الصاغة العتيقة، وجدَّد الدكاكين التي بين أعمدة الزيادة، وثمَّرَ الجامع أموالًا جزيلة، وكانت له صدقاتٌ كثيرةٌ، وذكر عنه أنه كان يعرف صنعة الكيمياء وأنه صحَّ معه عمل الفضَّة، وعندي أن هذا لا يصح، ولا يصح عنه، والله أعلم. الشيخ يوسف (٢) الأقميني (٣) كان يعرف بالأقْميني لأنه كان يسكن قمين حمام نور الدين الشهيد، وكان يلبس ثيابًا طوالًا تحف (٤) على الأرض، ويبول في ثيابه، ورأسه مكشوف (٥)، ويزعمون أن له أحوالًا وكشوفًا كثيرة (٦)، وكان كثيرٌ من العوام وغيرهم يعتقدون صلاحَه وولايته، [وذلك لأنهم لا يعلمون شرائط الولاية ولا الصلاح، ولا يعلمون أن الكشوف قد تصدر من البر والفاجر، والمؤمن والكافر، كالرهبان وغيرهم، وكالدجال وابن صياد وغيرهم، فإن الجن تسترق السمع وتلقيه على أذن الإنسي، ولا سيما من يكون مجنونًا أو غير نقي الثياب من النجاسة] (٧)، فلا بدَّ من اختبار صاحب الحال بالكتاب والسنة، فمن وافق حاله كتاب الله وسنة رسوله فهو رجل صالح سواء كاشف أو لم يكاشف (٨)، ومن لم يوافق فليس برجل صالح سواء كاشف أم لا. قال الشافعي [﵀]: إذا رأيتم الرجلَ يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة. ولما مات هذا [الرجل] (٩)

стр. 6963

دفن بتربة بسفح قاسيون وهي مشهورة به شرقي تربة أبي عمر المقدسي (١)، وهي مزخرفة قد اعتنى بها [بعض العوام ممن كان يعتقده، فزخرفها وعمل على قبره حجارة منقوشة بالكتابة وهذا كله من البدع] (٢)، وكانت وفاته في سادس شعبان من هذه السنة، وكان الشيخ إبراهيم بن سعيد جيعانة لا يتجاسر فيما يزعم (٣) أن يدخل البلد والقميني حي (٤)، فيوم مات الأقميني دخلها [وكان بالشاغور]، وكانت العوام معه فدخلوا وهم يصيحون ويصرخون أذن لنا في دخول البلد، وهم أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم، فقيل لجيعانة: ما منعك من دخولها قبل اليوم؟ فقال: كنت كلما جئت إلى باب من أبواب البلد أجد هذا السبع رابضًا فيه فلا أستطيع الدخول، وقد كان سكن الشاغور، وهذا كذب واحتيال ومكر وشعبذة، وقد دفن جيعانة عنده في تربته بالسفح والله أعلم بأحوال العباد] (٥). الشمس (٦) علي بن [المُظَفَّر بن القاسم الرّبَعي] النُّشْبِيُّ (٧) [الدمشقي العدل] المحدث ناب في الحسبة عن الصدر البكري [في أيامه] (٨)، وقرأ الكثير بنفسه، وسمع وأسمع، وكتب بخطه كثيرًا رحمه الله تعالى. أبو عبد الله الفاسي (٩) شارح "الشاطبية" اشتهر بالكنية، وقيل إن اسمه القاسم (١٠).

стр. 6964

مات (١) بحلب، وكان عالمًا فاضلًا في العربية والقراءات وغير ذلك، وقد أجاد في شرحه للشاطبية وأفاد، واستحسنه الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٢) شارحها أيضًا. النجم (٣) أخو البدر مفضل وكان شيخ الفاضلية (٤) بالكلاسة. وكان له إجازة من السلفي خطيب العقيبة بدر الدين يحيى بن الشيخ عز الدين بن عبد السلام (٥)، ودفن بباب الصغير على جده، وكانت جنازته حافلة ﵀. سعد الدين (٦) محمد (٧) بن الشيخ محيي الدين بن عربي [الحاتمي]. ذكره أبو شامة (٨) وأثنى عليه في فضيلته وأدبه وشعره [وذكر ما يدلّ على فضيلة وأدب وشعر فيه قوة]، هذا إن لم يكن من أتباع أبيه. (وقد ذكر أبو شامة (٩) وفاة الناصر داود في هذه السنة) [وقد قدمنا ترجمته في التي قبلها] (١٠). سيف الدين بن صبرة (١١) متولي شرطة دمشق. ذكر أبو شامة (١٢) أنه حين مات جاءت حية فنهشتْ أفخاذه، وقيل (١٣): إنها التفَّتْ في أكفانه، وأعيى الناس دفعها. قال: إنه كان نُصَيْرِيًّا رافضيًّا خبيثًا مدمنَ خمرٍ، نسأل الله الستر والعافية.

стр. 6965

النجيب بن شُقَيْشِقَة الدمشقي (١) أحد الشهود بها. له سماع حديث، ووقف داره بدرب البانياسي دار حديث، وهي التي كان يسكنها شيخنا الحافظ المزي قبل انتقاله إلى دار الحديث الأشرفية، قال أبو شامة: وكان ابن شُقَيْشِقَة وهو النَّجيب أبو الفتح نصر الله بن [أبي العز بن] أبي طالب الشَّيباني، مشهورًا بالكذب ورقَّة الدين وغير ذلك، وهو أحد الشهود المقدوح فيهم، ولم يكن بأهل (٢) أن يُؤْخَذ عنه، قال: وقد أجلسه أحمد بن يحيى [بن هبة الله] الملقب بالصدر ابن سَنيّ الدولة (٣) في حالة ولايته القضاء (٤) لدمشق، فأنشد فيه بعض الشعراء (٥): [من الكامل] جلسَ الشُّقَيْشِقَةُ الشَّقيُّ ليشهدا … تبًّا لكم (٦) ماذا عدا فيما (٧) بدا؟ هل زُلزل الزِّلزالُ؟ أم قد أُخرج (٨) الدَّ … جّالُ أم عُدِمَ (٩) الرجالُ ذوو الهدى؟ عجبًا لمحلولِ العقيدةِ جاهلٍ … بالشَّرعِ قَدْ أذنوا له أن يَقْعُدَا قال أبو شامة (١٠): في سنة سبع وخمسين وستمئة توفي (١١) شخصٌ زنديقٌ يتعاطى الفلسفةَ والنظرَ في علم الأوائل، وكان يسكن مدارس [فقهاء] المسلمين، وقد أفسدَ عقائد جماعةٍ من الشُّبان المشتغلين فيما بلغني، [وكان يتجاهر باستنقاص الأنبياء ﵈، وهو يعرف بالفخر بن البديع البندهي]

стр. 6966

كان (١) أبوه يزعم أنه من تلامذة [الفخر الرازي] (٢) ابن خطيب الري (٣) صاحب المصنفات (٤). ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وستمئة استُّهلت هذه السنة بيوم الخميس وليس للناس خليفة. ومُلْكُ العراقين وخراسان وغيرها (٥) من بلاد المشرق للسلطان هولاكوخان (٦) [بن تولي بن جنكيز خان] ملك التتار. وسلطان ديار مصر الملك المظفر سيف الدين قطز، مملوك المعز أيبك (٧) التركماني، وسلطان دمشق وحلب الملك الناصر بن العزيز بن الظاهر [غازي بن الناصر فاتح القدس]، وبلاد الكرك والشوبك للملك المغيث بن العادل بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، وهو حرب مع الناصر صاحب دمشق على المصريين، ومعهما الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، وقد عزموا (٨) على قتال المصريين وأخذ مصر (٩) منهم. أخذ حلب ودمشق (١٠) وبينما الناس على هذه الحال وقد تواترت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام إذ دخل جيش المغول صحبة ملكهم هولاكوخان، وجازوا الفرات على جسور (١١) عملوها، ووصلوا إلى حلب في ثاني صفر من هذه السنة، فحاصروها سبعة أيام ثم افتتحوها بالأمان، ثم غدروا بأهلها وقتلوا (١٢) منهم خلقًا لا يعلمهم إلا الله ، ونهبوا الأموال، وسَبَوا النساء والأطفال، وجرى عليهم قريبٌ مما جرى على أهل بغداد،

стр. 6967

فجاسوا خلال الديار وجعلوا أعزَّة أهلها أذلَّة (١)، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وامتنعت عليهم القلعة شهرًا ثم استلموها (٢) بالأمان، وخرب أسوار البلد وأسوار القلعة وبقيت حلب (٣) كأنها حمار أجرب، وكان نائبها الملك المعظم توران شاه بن صلاح الدين وكان عاقلًا حازمًا، لكنه لم يوافقه الجيش على القتال (٤)، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا. وقد كان أرسل هولاكو يقول لأهل حلب (٥): نحن إنما جئنا لقتال الملك الناصر بدمشق، فاجعلوا لنا عندكم شحنة (٦)، فإن كانت النصرة لنا فالبلاد كلها في حكمنا، وإن كانت علينا فإن شئتم قتلتم (٧) الشحنة وإن شئتم أطلقتموه. فأجابوه (٨): مالك عندنا إلا السيف، فتعجب من ضعفهم وجوابهم (٩)، فزحف حينئذ إليهم وأحاط بالبلد، وكان ما كان بقدر الله سبحانه (١٠). ولما فتحت حلب أرسل صاحب حماه بمفاتيحها إلى هولاكو (١١)، فاستناب عليها رجلًا من العجم يدَّعي أنه من ذرية خالد بن الوليد يقال له خسروشاه، فخرَّب أسوارها كمدينة حلب (١٢). صفة أخذهم دمشق (١٣) وزوال ملكهم عنها سريعًا أرسل هولاكو وهو نازل على حلب جيشًا مع أمير من كبار دولته يقال له كتبغانوين، فوردوا دمشق في آخر صفر فأخذوها سريعًا من غير ممانعة ولا مدافعة (١٤)، بل تلقّاهم كبارُها بالرحبِ والسَّعة، وقد كتب هولاكو أمانًا (١٥) لأهل البلد، فقرئ بالميدان الأخضر ونودي به في البلد، فأمن الناس على وجلٍ من الغدر (١٦)، كما فعل بأهل حلب. هذا والقلعةُ ممتنعةٌ مستورةٌ، وفي أعاليها المجانيقُ منصوبة والحال

стр. 6968

شديدة، فأحضرت التتار مجانيق تحمل (١) على عجل والخيول تجرُّها، وهم راكبون على الخيل وأسلحتهم [تحمل] على أبقار كثيرة، فنصبوا المجانيق (٢) على القلعة من غربيّها، وخربوا حيطانًا كثيرة وأخذوا حجارتها ورموا بها القلعةَ رميًا متواترًا كالمطر المتدارك، فهدموا كثيرًا من أعاليها وشرفاتها وتداعت للسقوط، فأجابهم متولّيها في آخر ذلك النهار للمصالحة (٣)، ففتحوها وخرّبوا كل بدنة فيها، وأعالي بروجها، وذلك في المنتصف من (٤) جمادى الأولى من هذه السنة، وقتلوا المتولي بها بدر الدين بن قراجا، ونقيبها جمال الدين ابن الصيرفي الحلبي، وسلموا البلد والقلعة إلى أمير منهم يقال له إبل سيان، وكان لعنه الله معظّمًا لدين النصارى، فاجتمع به أساقفتهم وقسوسهم، فعظَّمهم جدًا، وزار كنائسهم، فصارت لهم دولة [وجولة] وصولة بسببه، وذهب طائفة من النصارى إلى هولاكو وأخذوا معهم بهدايا وتحف، وقدموا من عنده ومعهم أمان فرمان من جهته، ودخلوا من باب توما (٥) ومعهم صليب منصوب يحملونه على رؤوس الناس، وهم ينادون بشعارهم ويقولون: ظهر الدين الصحيح دين المسيح. ويذمون دين الإسلام (٦) وأهله، ومعهم أواني فيها خمرٌ لا يمرُّون على باب مسجد إلا رشّوا عنده خمرًا، وقماقم ملآنة خمرًا يرشون منها على وجوه الناس (٧) وثيابهم، ويأمرون كل من يجتازون به في الأزقة (٨) والأسواق أن يقوم لصليبهم، ودخلوا من درب الحجر فوقفوا عند رباط الشيخ أبي البيان (٩)، ورشوا عنده (١٠) خمرًا، وكذلك على باب مسجد درب الحجر الصغير والكبير، واجتازوا في السوق حتى وصلوا درب الريحان (١١) أو قريب منه، فتكاثر عليهم المسلمون فردوهم إلى سوق كنيسة مريم، فوقف خطيبهم إلى دكة دكانٍ في عطفة السوق فمدح دين (١٢) النَّصارى وذمّ دين الإسلام وأهله، فإنا لله وإنا إليه

стр. 6969

راجعون. ثم دخلوا (١) بعد ذلك إلى كنيسة مريم وكانت عامرةً ولكن كان هذا سبب خرابها ولله الحمد. وحكى الشيخ قطب الدين في "ذيله (٢) على المرآة" أنهم ضربوا بالناقوس في كنيسة مريم فالله أعلم. قال: وذكر أنهم دخلوا إلى الجامع بخمر، وكان في (٣) نيتهم إن طالت مدة التتار أن يخربوا كثيرًا من المساجد وغيرها (٤)، ولما وقع هذا في البلد اجتمع قضاة المسلمين والشهود والفقهاء فدخلوا القلعة يشكون هذا الحال إلى متسلِّمها إبل سيان (٥) فأهينوا وطردوا، وقدم كلام رؤساء النصارى عليهم فإنا لله وإنا إليه راجعون. وهذا كان في أول هذه السنة وسلطان الشام النصر بن العزيز وهو مقيم في وطأة برزة، ومعه جيوش كثيرة من الأمراء (٦) وأبناء الملوك ليناجزوا التتار إن قدموا عليهم، وكان في جملة (٧) من معه الأمير [ركن الدين] بيبرس البندقداري في جماعة من البحرية، ولكن الكلمة (٨) بين الجيوش مختلفة غير مؤتلفة، لما يريده الله . وقد عزمت طائفة من الأمراء على خلع [الملك] الناصر وسجنه ومبايعة أخيه شقيقه الملك الظاهر علي، فلمّا عرف (٩) الناصر ذلك هرب إلى القلعة (١٠) وتفرقت العساكر شذر مذر (١١) وساق الأمير ركن الدين بيبرس [البندقداري] في أصحابه إلى ناحية غزة، فاستدعاه الملك المظفر قطز إليه واستقدمه عليه، وأقطعه قليوب، وأنزله بدار الوزارة وعظم شأنه لديه، وإنما كان حتفه على يديه. وقعة عين جالوت اتفق وقوع هذا كله في العشر الأخير من رمضان من هذه السنة، فما مضت سوى ثلاثة أيام (١٢) حتى

стр. 6970

جاءت البشارة بنصرة المسلمين على التتار بعين جالوت، ولله الحمد وذلك أن الملك المظفر [سيف الدين] قطز صاحب مصر (١) لما بلغه أن التتار قد فعلوا بالشام ما ذكرنا، وقد نهبوا البلاد كلها حتى وصلوا إلى غزة، [وقد أسروا ملكها الناصر بن العزيز وكان قد هرب منهم حتى وصل إلى غزة] (٢)، وقد عزموا على الدخول إلى مصر (٣)، وقد (٤) عزم الملك الناصر صاحب دمشق على الرحيل إلى مصر، وليته فعل، وكان في صحبته الملك المنصور صاحب حماه وخلق من الأمراء وأبناء الملوك، وقد وصل إلى قَطْيَة (٥)، وفيها الملك المظفر للقائه فأرسل إليه وإلى المنصور مستحثِّين، وأرسل إليه يقول تقدَّمْ حتى نكون كتفًا واحدًا على التتار فتخيَّل من ذلك وخاف أن ينتصر عليه، وأكرم الملك المظفر قطز صاحب حماة ووعده ببلده ووفاه له، ولم يدخل الملك الناصر مصر بل كرَّ راجعًا إلى ناحية تيه بني إسرائيل، ودخل عامةُ مَنْ كان معه إلى مصر، ولو دخل كان أيسر عليه مما صار إليه، ولكنه خاف منهم لأجل العداوة (٦) فعدل إلى ناحية الكرك فتحصن بها وليته استمر فيها، ولكنه قلق فركب نحو البرية -وليته ذهب فيها - واستجار ببعض أمراء الأعراب، فقصدته التتار وأتلفوا [ونهبوا ما هنالك] من الأموال [وخربوا الديار] (٧) وقتلوا الكبار والصغار، وهجموا على الأعراب التي بتلك النواحي فقتلوا منهم خلقًا [كثيرًا] وسبوا من نسلهم ونسائهم، وقد اقتص (٨) منهم العرب بعد ذلك، فأغاروا على خيل حشارهم في نصف شعبان فساقوها بأسرها، فساقت وراءهم التتار فلم يدركوا لهم الغابر ولا استردوا منهم فرسًا ولا حمارًا (٩)، وما زال التتار وراء الناصر حتى أخذوه عند بركة زيزي (١٠) وأرسلوه مع ولده العزيز وهو صغير وأخيه إلى ملكهم هولاكوخان وهو نازل على حلب، فما زالوا في أسره حتى قتلهم في السنة الآتية كما سنذكره. والمقصود أن المظفر قطز لما بلغه ما كان من أمر التتار بالشام المحروسة (١١) وأنهم عازمون على
следующие страницы →