← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

كان (١) أبوه يزعم أنه من تلامذة [الفخر الرازي] (٢) ابن خطيب الري (٣) صاحب المصنفات (٤). ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وستمئة استُّهلت هذه السنة بيوم الخميس وليس للناس خليفة. ومُلْكُ العراقين وخراسان وغيرها (٥) من بلاد المشرق للسلطان هولاكوخان (٦) [بن تولي بن جنكيز خان] ملك التتار. وسلطان ديار مصر الملك المظفر سيف الدين قطز، مملوك المعز أيبك (٧) التركماني، وسلطان دمشق وحلب الملك الناصر بن العزيز بن الظاهر [غازي بن الناصر فاتح القدس]، وبلاد الكرك والشوبك للملك المغيث بن العادل بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، وهو حرب مع الناصر صاحب دمشق على المصريين، ومعهما الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، وقد عزموا (٨) على قتال المصريين وأخذ مصر (٩) منهم. أخذ حلب ودمشق (١٠) وبينما الناس على هذه الحال وقد تواترت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام إذ دخل جيش المغول صحبة ملكهم هولاكوخان، وجازوا الفرات على جسور (١١) عملوها، ووصلوا إلى حلب في ثاني صفر من هذه السنة، فحاصروها سبعة أيام ثم افتتحوها بالأمان، ثم غدروا بأهلها وقتلوا (١٢) منهم خلقًا لا يعلمهم إلا الله ، ونهبوا الأموال، وسَبَوا النساء والأطفال، وجرى عليهم قريبٌ مما جرى على أهل بغداد،

стр. 6967

فجاسوا خلال الديار وجعلوا أعزَّة أهلها أذلَّة (١)، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وامتنعت عليهم القلعة شهرًا ثم استلموها (٢) بالأمان، وخرب أسوار البلد وأسوار القلعة وبقيت حلب (٣) كأنها حمار أجرب، وكان نائبها الملك المعظم توران شاه بن صلاح الدين وكان عاقلًا حازمًا، لكنه لم يوافقه الجيش على القتال (٤)، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا. وقد كان أرسل هولاكو يقول لأهل حلب (٥): نحن إنما جئنا لقتال الملك الناصر بدمشق، فاجعلوا لنا عندكم شحنة (٦)، فإن كانت النصرة لنا فالبلاد كلها في حكمنا، وإن كانت علينا فإن شئتم قتلتم (٧) الشحنة وإن شئتم أطلقتموه. فأجابوه (٨): مالك عندنا إلا السيف، فتعجب من ضعفهم وجوابهم (٩)، فزحف حينئذ إليهم وأحاط بالبلد، وكان ما كان بقدر الله سبحانه (١٠). ولما فتحت حلب أرسل صاحب حماه بمفاتيحها إلى هولاكو (١١)، فاستناب عليها رجلًا من العجم يدَّعي أنه من ذرية خالد بن الوليد يقال له خسروشاه، فخرَّب أسوارها كمدينة حلب (١٢). صفة أخذهم دمشق (١٣) وزوال ملكهم عنها سريعًا أرسل هولاكو وهو نازل على حلب جيشًا مع أمير من كبار دولته يقال له كتبغانوين، فوردوا دمشق في آخر صفر فأخذوها سريعًا من غير ممانعة ولا مدافعة (١٤)، بل تلقّاهم كبارُها بالرحبِ والسَّعة، وقد كتب هولاكو أمانًا (١٥) لأهل البلد، فقرئ بالميدان الأخضر ونودي به في البلد، فأمن الناس على وجلٍ من الغدر (١٦)، كما فعل بأهل حلب. هذا والقلعةُ ممتنعةٌ مستورةٌ، وفي أعاليها المجانيقُ منصوبة والحال

стр. 6968

شديدة، فأحضرت التتار مجانيق تحمل (١) على عجل والخيول تجرُّها، وهم راكبون على الخيل وأسلحتهم [تحمل] على أبقار كثيرة، فنصبوا المجانيق (٢) على القلعة من غربيّها، وخربوا حيطانًا كثيرة وأخذوا حجارتها ورموا بها القلعةَ رميًا متواترًا كالمطر المتدارك، فهدموا كثيرًا من أعاليها وشرفاتها وتداعت للسقوط، فأجابهم متولّيها في آخر ذلك النهار للمصالحة (٣)، ففتحوها وخرّبوا كل بدنة فيها، وأعالي بروجها، وذلك في المنتصف من (٤) جمادى الأولى من هذه السنة، وقتلوا المتولي بها بدر الدين بن قراجا، ونقيبها جمال الدين ابن الصيرفي الحلبي، وسلموا البلد والقلعة إلى أمير منهم يقال له إبل سيان، وكان لعنه الله معظّمًا لدين النصارى، فاجتمع به أساقفتهم وقسوسهم، فعظَّمهم جدًا، وزار كنائسهم، فصارت لهم دولة [وجولة] وصولة بسببه، وذهب طائفة من النصارى إلى هولاكو وأخذوا معهم بهدايا وتحف، وقدموا من عنده ومعهم أمان فرمان من جهته، ودخلوا من باب توما (٥) ومعهم صليب منصوب يحملونه على رؤوس الناس، وهم ينادون بشعارهم ويقولون: ظهر الدين الصحيح دين المسيح. ويذمون دين الإسلام (٦) وأهله، ومعهم أواني فيها خمرٌ لا يمرُّون على باب مسجد إلا رشّوا عنده خمرًا، وقماقم ملآنة خمرًا يرشون منها على وجوه الناس (٧) وثيابهم، ويأمرون كل من يجتازون به في الأزقة (٨) والأسواق أن يقوم لصليبهم، ودخلوا من درب الحجر فوقفوا عند رباط الشيخ أبي البيان (٩)، ورشوا عنده (١٠) خمرًا، وكذلك على باب مسجد درب الحجر الصغير والكبير، واجتازوا في السوق حتى وصلوا درب الريحان (١١) أو قريب منه، فتكاثر عليهم المسلمون فردوهم إلى سوق كنيسة مريم، فوقف خطيبهم إلى دكة دكانٍ في عطفة السوق فمدح دين (١٢) النَّصارى وذمّ دين الإسلام وأهله، فإنا لله وإنا إليه

стр. 6969

راجعون. ثم دخلوا (١) بعد ذلك إلى كنيسة مريم وكانت عامرةً ولكن كان هذا سبب خرابها ولله الحمد. وحكى الشيخ قطب الدين في "ذيله (٢) على المرآة" أنهم ضربوا بالناقوس في كنيسة مريم فالله أعلم. قال: وذكر أنهم دخلوا إلى الجامع بخمر، وكان في (٣) نيتهم إن طالت مدة التتار أن يخربوا كثيرًا من المساجد وغيرها (٤)، ولما وقع هذا في البلد اجتمع قضاة المسلمين والشهود والفقهاء فدخلوا القلعة يشكون هذا الحال إلى متسلِّمها إبل سيان (٥) فأهينوا وطردوا، وقدم كلام رؤساء النصارى عليهم فإنا لله وإنا إليه راجعون. وهذا كان في أول هذه السنة وسلطان الشام النصر بن العزيز وهو مقيم في وطأة برزة، ومعه جيوش كثيرة من الأمراء (٦) وأبناء الملوك ليناجزوا التتار إن قدموا عليهم، وكان في جملة (٧) من معه الأمير [ركن الدين] بيبرس البندقداري في جماعة من البحرية، ولكن الكلمة (٨) بين الجيوش مختلفة غير مؤتلفة، لما يريده الله . وقد عزمت طائفة من الأمراء على خلع [الملك] الناصر وسجنه ومبايعة أخيه شقيقه الملك الظاهر علي، فلمّا عرف (٩) الناصر ذلك هرب إلى القلعة (١٠) وتفرقت العساكر شذر مذر (١١) وساق الأمير ركن الدين بيبرس [البندقداري] في أصحابه إلى ناحية غزة، فاستدعاه الملك المظفر قطز إليه واستقدمه عليه، وأقطعه قليوب، وأنزله بدار الوزارة وعظم شأنه لديه، وإنما كان حتفه على يديه. وقعة عين جالوت اتفق وقوع هذا كله في العشر الأخير من رمضان من هذه السنة، فما مضت سوى ثلاثة أيام (١٢) حتى

стр. 6970

جاءت البشارة بنصرة المسلمين على التتار بعين جالوت، ولله الحمد وذلك أن الملك المظفر [سيف الدين] قطز صاحب مصر (١) لما بلغه أن التتار قد فعلوا بالشام ما ذكرنا، وقد نهبوا البلاد كلها حتى وصلوا إلى غزة، [وقد أسروا ملكها الناصر بن العزيز وكان قد هرب منهم حتى وصل إلى غزة] (٢)، وقد عزموا على الدخول إلى مصر (٣)، وقد (٤) عزم الملك الناصر صاحب دمشق على الرحيل إلى مصر، وليته فعل، وكان في صحبته الملك المنصور صاحب حماه وخلق من الأمراء وأبناء الملوك، وقد وصل إلى قَطْيَة (٥)، وفيها الملك المظفر للقائه فأرسل إليه وإلى المنصور مستحثِّين، وأرسل إليه يقول تقدَّمْ حتى نكون كتفًا واحدًا على التتار فتخيَّل من ذلك وخاف أن ينتصر عليه، وأكرم الملك المظفر قطز صاحب حماة ووعده ببلده ووفاه له، ولم يدخل الملك الناصر مصر بل كرَّ راجعًا إلى ناحية تيه بني إسرائيل، ودخل عامةُ مَنْ كان معه إلى مصر، ولو دخل كان أيسر عليه مما صار إليه، ولكنه خاف منهم لأجل العداوة (٦) فعدل إلى ناحية الكرك فتحصن بها وليته استمر فيها، ولكنه قلق فركب نحو البرية -وليته ذهب فيها - واستجار ببعض أمراء الأعراب، فقصدته التتار وأتلفوا [ونهبوا ما هنالك] من الأموال [وخربوا الديار] (٧) وقتلوا الكبار والصغار، وهجموا على الأعراب التي بتلك النواحي فقتلوا منهم خلقًا [كثيرًا] وسبوا من نسلهم ونسائهم، وقد اقتص (٨) منهم العرب بعد ذلك، فأغاروا على خيل حشارهم في نصف شعبان فساقوها بأسرها، فساقت وراءهم التتار فلم يدركوا لهم الغابر ولا استردوا منهم فرسًا ولا حمارًا (٩)، وما زال التتار وراء الناصر حتى أخذوه عند بركة زيزي (١٠) وأرسلوه مع ولده العزيز وهو صغير وأخيه إلى ملكهم هولاكوخان وهو نازل على حلب، فما زالوا في أسره حتى قتلهم في السنة الآتية كما سنذكره. والمقصود أن المظفر قطز لما بلغه ما كان من أمر التتار بالشام المحروسة (١١) وأنهم عازمون على

стр. 6971

الدخول إلى ديار مصر [بعد تمهيد ملكهم بالشام] (١)، بادرهم [هو] قبل أن يبادروه وبرز إليهم وأقدم عليهم قبل أن يقدموا عليه، فخرج في عساكره (٢) وقد اجتمعت الكلمة عليه، حتى انتهى [بمن معه من العساكر المنصورة] إلى الشام واستيقظ له عسكر المغول وعليهم كتبغانوين، وكان إذ ذاك في البقاع فاستشار الأشرف صاحب حمص (٣) والمجير ابن الزكي (٤)، فأشاروا عليه بأنه لا قبل له بالمظفر حتى يستمد هولاكو، فأبى إلا أن يناجزه سريعًا، فساروا إليه وسار المظفر إليهم، فكان (٥) اجتماعهم على عين جالوت (٦) يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان، فاقتتلوا قتالًا عظيمًا، فكانت النصرة ولله الحمد للإسلام وأهله، فهزمهم المسلمون هزيمة هائلة وقتل [أمير المغول] (٧) كتبغانوين وجماعة من بيته (٨)، وقد قيل إن الذي قتل كتبغانوين الأمير جمال الدين آقوش الشمسي، واتبعهم الجيش الإسلامي يقتلونهم في كل موضع (٩)، وقد قاتل الملك المنصور صاحب حماة مع الملك المظفر [في هذه الوقعة] قتالًا شديدًا (١٠)، وكذلك الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب، وكان أتابك العسكر، وقد أسر من جماعة كتبغانوين الملك السعيد بن العزيز بن العادل فأمر المظفر بضرب عنقه، واستأمن الأشرف صاحب حمص، وكان مع التتار، وقد جعله هولاكوخان نائبًا على الشام كلِّه، فأمَّنه الملكُ المظفر وردَّ إليه حمص، وكذلك ردَّ حماة إلى المنصور وزاده المعرة وغيرها، وأطلق سلمية للأمير شرف الدين عيسى بن مُهَنّا بن مانع أمير العرب، واتبع الأمير [ركن الدين] بيبرس البندقداري وجماعة من الشجعان التتار يقتلونهم في كل مكان، إلى أن وصلوا خلفهم إلى حلب، وهرب مَنْ بدمشق منهم (١١) يوم الأحد السابع والعشرين من رمضان (١٢)، فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون فيهم ويستفِكُّون الأسارى من أيديهم، وجاءت بذلك البشارة ولله الحمد على جبره إياهم بلطفه فجاوبتها دقُّ البشائر من القلعة وفرح المؤمنون

стр. 6972

بنصر الله فرحًا شديدًا، وأيَّد الله الإسلام وأهله تأييدًا وكبت الله النصارى واليهود والمنافقين وظهر دينُ الله وهم كارهون. فتبادر عند ذلك المسلمون إلى كنيسة النصارى التي خرج منها الصليب فانتهبوا ما فيها وأحرقوها وألقوا النار فيما حولها فاحترقت (١) دورٌ كثيرةٌ إلى النصارى، وملأ الله بيوتَهم وقبورهم نارًا، وأحرق (٢) بعض كنيسة اليعاقبة. وهمَّتْ طائفةٌ بنهب اليهود، فقيل لهم: إنه لم يكن منهم (٣) من الطغيان كما كان من عبدة الصلبان. وقتلت العامةُ وسطَ الجامع شيخًا رافضيًّا كان مُصانعًا للتتار على أموال الناس يقال له الفخر محمد بن يوسف بن محمد الكنجي، كان خبيثَ الطويّة مشرقيًا مُمالئًا لهم على أموال المسلمين قبّحه الله، وقتلوا جماعة مثله من المنافقين [الممالئين على المسلمين] فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. وقد كان هولاكو (٤) أرسل تقليدًا بولاية القضاء على جميع (٥) المدائن: الشام، والجزيرة، والموصل، وماردين، [وميافارقين] والأكراد وغير ذلك، للقاضي كمال الدين عمر بن بندار التفليسي (٦). وقد كان نائب الحكم بدمشق عن القاضي صدر الدين أحمد بن يحيى بن هبة الله بن سَنيّ الدولة (٧) من مدة خمس عشرة سنة، فحين (٨) وصل التقليدُ في سادس عشرين ربيع الأول قُرئ بالميدان الأخضر فاستقلّ بالحكم في دمشق وقد كان فاضلًا (٩)، فسار القاضيان المعزولان (١٠) صدر الدين بن سني الدولة ومحيي الدين بن الزكي (١١) إلى خدمة هولاكوخان إلى حلب (١٢)، فخدع ابن الزكي لابن سني الدولة وبذل له أموالًا جزيلة، وتولى القضاء بدمشق ورجعا، فمات ابن سني الدولة ببعلبك، وقدم ابن

стр. 6973

الزكي على القضاء ومعه تقليده وخلعة مذهَّبة فلبسها وجلس في خدمة إبل سنان تحت قبة النسر عند الباب الكبير، وبينهما الخاتون زوجة إبل سنان حاسرة عن وجهها، وقرئ التقليد هناك والحالة كذلك (١)، وحين ذكر اسم هولاكو نثر الذهب والفضة فوق رؤوس الناس (٢)، فإنا لله وإنا إليه راجعون، قبح [الله ذلك القاضي والأمير والزوجة والسلطان] (٣). وذكر أبو شامة (٤) أن ابن الزكي استحوذ (٥) على مدارس كثيرة في مدته هذه القصيرة، فإنه عزل قبل رأس الحول، فأخذ في هذه المدة العذراوية والسلطانية والفلكية والركنية والقيمرية والعزيزية مع المدرستين اللتين كانتا بيده التقوية والعزيزية، وأخذ لولده عيسى تدريس الأمينية ومشيخة الشيوخ، وأخذ أم الصالح لبعض أصحابه وهو العماد المصري، وأخذ الشامية البرَّانية (٦) لصاحب له، واستناب أخاه لأمه شهاب الدين إسماعيل بن أسعد بن حبيش في القضاء وولاه الرواحية والشامية البرانية. قال أبو شامة (٧): مع أن شرط واقفها أن لا يجمع بينها وبين غيرها. ولما رجعت دمشق وغيرها إلى المسلمين، سعى في القضاء، وبذل أموالًا ليستمر فيه وفيما بيديه من المدارس، فلم يستمر بل عزل بالقاضي نجم الدين (٨) أبي بكر بن صدر الدين بن سنيّ الدولة، فقرئ توقيعه بالقضاء يوم الجمعة بعد الصلاة في الحادي والعشرين من ذي القعدة عند الشباك الكمالي من مشهد عثمان من جامع دمشق. ولما كسر الملك المظفر قطز عساكر التتار (٩) بعين جالوت ساق وراءهم ودخل دمشق في أُبَّهة عظيمة وفرح به الناس (١٠) فرحًا شديدًا وَدَعَوْا له دعاءً كثيرًا، وأقرَّ صاحب حمص الملكَ الأشرفَ عليها، وكذلك المنصور صاحب حماة، واسترد حلب من يد هولاكو (١١)، وعاد الحق إلى نصابه ومهد القواعد، وكان قد أرسل بين يديه الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري ليطرد التتار عن حلب

стр. 6974

ويتسلمها (١) ووعده بنيابتها، فلما طردهم عنها وأخرجهم منها وتسلمها المسلمون استناب عليها غيره وهو علاء الدين ابن صاحب الموصل (٢)، وكان ذلك سبب الوحشة التي وقعت بينهما واقتضت قتل الملك المظفر قطز سريعًا، ولله الأمر من قبل ومن بعد. فلما فرغ المظفر من الشام عزم على الرجوع إلى مصر واستناب (٣) على دمشق الأمير علم الدين سنجر الحلبي (٤). الكبير والأمير مجير الدين بن الحسين بن آقشتمر، وعزل القاضي ابن الزكي عن قضاء دمشق، وولي ابن سني الدولة ثم رجع (٥) إلى الديار المصرية والعساكر الإسلامية في خدمته، وعيون الأعيان تنظر إليه شزرًا من شدة هيبته. ذكر سلطنة الملك الظاهر (٦) بيبرس البندقداري وهو الأسد الضاري، وذلك أن السلطان الملك المظفر قطز لما عاد قاصدًا مصر، وصل إلى (٧) ما بين الغُرابيّ (٨) والصالحية، عدا عليه الأمراء فقتلوه هنالك، وقد كان رجلًا صالحًا كثير الصلاة في الجماعة، ولا يتعاطى المسكر ولا شيئًا مما يتعاطاه الملوك (٩)، وكانت مدة ملكه من حين عزل ابن أستاذه المنصور علي بن المُعِزّ التركماني إلى هذه المدة، وهي أواخر ذي القعدة نحوًا من سنة، ﵀ وجزاه عن الإسلام وأهله خيرًا. وكان الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري قد اتفق مع جماعة من الأمراء على قتله، فلما وصل إلى هذه المنزلة ضرب دهليزه وساق خلف أرنب، وساق معه أولئك الأمراء فشفع عنده ركن الدين بيبرس (١٠) في شيء فشفعه، فأخذ يده ليقبِّلها فأمسكها وحمل عليه أولئك الأمراء بالسيوف [فضربوه بها] (١١)، ألقوه عن فرسه ورشقوه بالنشاب حتى قتلوه (١٢) ﵀، ثم كَرُّوا راجعين إلى

стр. 6975

المخيم وبأيديهم السيوف مصْلَتَة، فأخبروا من هناك (١) بالخبر، فقال بعضهم من قتله؟ فقالوا (٢): ركن الدين بيبرس، [فقالوا: أنت قَتَلْتَهُ؟ فقال نعم، فقالوا (٣): أنت الملك إذًا، وقيل لما قتل حار الأمراء بينهم فيمن يولُّون الملك، وصار كل واحد منهم يخشى غائلة ذلك، وأن يصيبه ما أصاب غيره سريعًا، فاتفقت كلمتهم على أن بايعوا بيبرس البندقداري (٤)، ولم يكن هو من أكابر المُقَدَّمين، ولكن أرادوا أن يجرّبوا فيه، ولقَّبوه الملك الظاهر، فجلس على سرير المملكة وحكم، ودقَّت البشائر وضُربت الطبول والبوقات وصفرت الشبابة (٥)، وزعقت الشاوشية بين يديه، وكان يومًا مشهودًا وتَوَكَّلَ على الله واستعان به، ثم دخل مصر والعساكر (٦) في خدمته، فدخل قلعة الجبل وجلس على كرسيها، فحكم وعدل وقطع ووصل وولَّى وعزل، وكان (٧) شهمًا شجاعًا أقامه الله للناس لشدة احتياجهم إليه (٨) في هذا الوقت الشديد والأمر العسير، وكان أولًا لقَّب (٩) نفسه بالملك القاهر، فقال له الوزير: إن هذا اللقب لم يفلح من تَلَقَّب (١٠) به: تَلَقَّبَ به القاهر بن المعتضد (١١) فلم تطل أيامه حتى خلع وسملت عيناه، ولقب به القاهر (١٢) صاحب الموصل فسم فمات، فعدل عنه حينئذ إلى الملك الظاهر، ثم شرع في مسك من يرى في نفسه رئاسة من أكابر الأمراء حتى مهد الملك (١٣)، وقد كان هولاكوخان لمَّا بلغه ما جرى على جيشه من المسلمين بعين جالوت أرسل جماعة من جيشه الذين معه كثيرين ليستعيدوا الشام من أيدي المسلمين (١٤)، فحيل بينهم وبين ما يشتهون فرجعوا إليه خائبين خاسرين، وذلك أنه نهض إليهم الهزبر الكاسر والسيف البائر (١٥) الملك الظاهر، فقدم دمشق وأرسل العساكر في كل وجه لحفظ الثغور والمعاقل

стр. 6976

بالأسلحة (١)، فلم يقدر التتار على الدنو إليه (٢)، ووجدوا الدولة قد تغيرت، والسواعد قد شمرت، [والسيوف البواتر قد سلت، والرماح الخطية قد اعتقلت، والقسي قد وترت، والنبال قد حصلت، والخيول قد ضمرت، والطبول قد حصلت، وعناية الله بأهل الشام قد تنزَّلت، ورحمته به قد تداركت] (٣)، فعند ذلك نكصت شياطينهم على أعقابهم، وكروا راجعين (٤) القهقرى [على أذنابها]، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وقد كان الملك المظفر قطز ﵀ استناب على دمشق الأمير علم الدين سنجر (٥) الحلبي أحد الأتراك، فلما بلغه مقتل المظفر دخل القلعة ودعا إلى نفسه وتسمى بالملك المجاهد، فلما جاءت البيعة للملك الظاهر خطب له يوم الجمعة السادس من ذي الحجة، فدعا الخطيب أولًا للمجاهد ثم للظاهر ثانيًا وضُربت السكةُ باسمهما معًا، ثم ارتفع المجاهد هذا من البين كما سيأتي (٦). وقد اتفق في هذا العام أمورٌ عجيبةٌ، وهي أن أول هذه السنة كانت (٧) الشام للسلطان الناصر ابن العزيز، ثم في النصف (٨) من صفر صارت لهولاكو (٩) ملك التتار، ثم في آخر رمضان صارت للمظفر قطز ثم في أواخر [ذي] القعدة صارت للظاهر بيبرس (١٠)، وقد شركه في دمشق الملك المجاهد [علم الدين] سنجر [كما ذكرنا]، وكذلك كان القضاء في أولها بالشام لابن سني الدولة صدر الدين (١١)، ثم صار للكمال عمر التفليسي من جهة [هولاكو] (١٢) ثم لابن الزكي (١٣) ثم لنجم الدين ابن سنيّ الدولة. وكذلك كان خطيب جامع دمشق عماد الدين بن الحرستاني (١٤) من سنين متطاولة، فعزل في شوال

стр. 6977

منها (١) بالعماد الأسعردي، وكان صيّنًا قارئًا مجيدًا، ثم أعيد العماد الحرستاني في أول ذي القعدة منها. فسبحان من بيده الأمور يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (٢). وفيها: توفي من الأعيان (٣): قاضي القضاة صَدر الدين أبو العباس بن سَنيّ الدولة (٤) أحمد بن يحيى بن هبة الله بن الحسن (٥) بن يحيى بن محمد بن علي بن يحيى بن صَدَقة بن الخيَّاط، قاضي القضاة صدر الدين أبو العباس بن سنيّ الدولة التَّغْلبي الدمشقي الشافعي. وسَنيّ الدولة هو الحسن (٦) بن يحيى المذكور كان قاضيًا (٧) لبعض ملوك دمشق في حدود الخمسمئة، وله أوقاف على ذريته. وابن الخياط الشاعر صاحب الديوان وهو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة التغلبي هو عم سَني الدولة. ولد القاضي صدر الدين (٨) سنة تسع وخمسين وخمسمئة، وسمع الخشوعي (٩) وابن طبرزد (١٠)، والكندي (١١) وغيرهم، وحدث ودرس في عدة مدارس وأفتى، وكان [فاضلًا] عارفًا بالمذاهب مشكور السيرة، ولكن الشيخ شهاب الدين أبا شامة (١٢) ينال منه ويذمه، فالله أعلم.

стр. 6978

وقد ولي الحكم بدمشق استقلالًا سنة ثلاث وأربعين واستمر إلى هذه (١) السنة فسافر حين عزل بالكمال التفليسي هو والقاضي محيي الدين بن الزكي (٢)، إلى هولاكو لما أخذ حلب فولى ابن الزكي القضاء، واختار (٣) ابن سَنيّ الدولة بعلبك فقدمها وهو متمرض فمات بها ودفن عند الشيخ عبد الله اليونيني (٤)، وقد كان الملك الناصر يثني عليه كما كان الملك الأشرف يثني على والده شمس الدين (٥). ولما استقرَّ الملك الظاهر بيبرس ولَّى القضاء ولدَه نجم الدين (٦) أبا بكر بن قاضي القضاة صدر الدين القضاء بدمشق وعزل ابن الزكي، ثم عزله بعد سنة وثنى بابن خلكان على ما سيأتي بيانه وبالله المستعان. والقاضي صدر الدين بن سَنيّ الدولة هذا هو الذي أحدث (٧) في زمن المشمش بطالة الدروس لأنه كان له بستان بأرض السَّهم، فكان يشقُّ عليه النزول في ذلك الوقت إلى الدرس (٨) فبطل الناس هذه الأيام واتبعوه (٩) في ذلك، والنفوس إنما تؤثر الراحة والبطالة، ولا سيما أصحاب البساتين في أيام الفواكه وكثرة الشهوات في تلك الأيام ولا سيما القضاة. وفيها توفي: الملك السعيد (١٠) صاحب ماردين (١١)، نجم الدين (١٢) إيلْ غازي بن المنصور أرْتُق بن أرْسلان بن إيلْ غازي بن ألْبي (١٣) بن تِمِرْتاش بن أيلْ غازي بن أرتق (١٤). وكان شجاعًا [معظَّمًا] ملك يومًا، وقد وقع في قلعته توران (١٥) شاه بن الملك صلاح الدين

стр. 6979

[يوسف بن أيوب] كان نائبًا للملك الناصر (١) بن العزيز بن الظاهر بن الناصر صاحب دمشق على حلب [حتى تملك دمشق]، وقد حصن حلب من أيدي المغول مدة شهر، ثم تسلمها بعد محاصرة شديدة صلحًا. [ثم] كانت وفاته في هذه السنة ودفن بدهليز داره. وفيها قتل: الملك السعيد (٢) حسن بن العزيز عثمان بن الملك العادل (٣) أبي بكر بن أيوب. كان صاحب الصُّبَيْبَة وبانياس بعد أبيه، ثم أُخذتا منه وحُبس بقلعة البيرة (٤)، فلما جاءت التتار كان معهم وردوا عليه بلاده، فلما كانت وقعة عين جالوت أُتي به أسيرًا (٥) إلى بين يدي [الملك] المظفر قطز فضرب عنقه، لأنه كان قد لبس سَراقوج (٦) التتار وناصحهم على المسلمين. عبد الرحمن (٧) بن عبد الرحيم بن [عبد الرحمن] بن الحسن بن عبد الرحمن بن طاهر بن محمد بن محمد بن الحسين بن علي أبو طالب (٨)، شرف الدين ابن العَجَمي الحلبي الشافعي. من بيت العلم والرئاسة بحلب، درس بالظاهرية ووقف مدرسة بها ودفن بها، توفي (٩) حين دخلت التتار حلب في صفر، فعذبوه وصبوا عليه ماءً باردًا في الشتاء فتَشَنَّجَ حتى مات ﵀. الملك المظفر قُطُز (١٠) بن عبد الله سيف الدين التركي، أخَصُّ مماليك المعز [عز الدين أيبك] التركماني، أحد مماليك الصالح (١١) أيوب بن الكامل. لما قتل أستاذه المعز قام في تولية ولده نور الدين

стр. 6980

المنصور علي (١)، فلما سمع بأمر التتار خاف أن تختلف الكلمة لصغر (٢) ابن أستاذه فعزله ودعا إلى نفسه، فبويع في ذي القعدة سنة سبع وخمسين كما تقدم، ثم سار إلى التتار فقدر (٣) الله على يديه نصرة الإسلام كما ذكرنا، [بعين جالوت]، وقد كان شجاعًا بطلًا كثير الخير ناصحًا (٤) للإسلام وأهله [وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيرًا] (٥). ذكر عنه أنه لما كان يوم المعركة بعين جالوت قُتل جواده ولم يجد أحدًا في الساعة الراهنة من الوشاقية الذين معهم النجائب، فترجَّل وبقي واقفًا [كذلك] على الأرض ثابتًا، والقتال عمَّال في المعركة، وهو في موضع السلطان من القلب (٦)، فلما رآه بعض الأمراء تَرَجَّلَ عن فرسه وحلفَ على السلطان ليركبنها فامتنع وقال لذلك الأمير (٧): ما كنت لأحرم المسلمين نفعَكَ. ولم يزل كذلك حتى جاءته الوشاقية بالخيل فركب (٨)، فلامه بعضُ الأمراء وقال: يا خوند لم لا ركبت فرسَ فلانٍ؟ فلو أن بعض الأعداء رآك لقتلك (٩) وهلك الإسلام بسببك، فقال: أما أنا فكنتُ أروح إلى الجنة، وأما الإسلام فله ربٌّ لا يضيّعه، قد قُتل فلان وفلان وفلان حتى عدَّ خلقًا من الملوك، فأقام للإسلام من يحفظه غيرهم، ولم يضيّع الإسلام. ﵀. وكان حين سار من مصر في خدمته (١٠) خلق من كبار الأمراء البحرية وغيرهم، ومعه المنصور صاحب حماة وجماعة من أبناء الملوك. فأرسل إلى صاحب حماة يقول له لا تتعنّى في مد (١١) سماط في هذه الأيام، وليكن مع الجندي لحمة يأكلها (١٢)، والعجلَ العجلَ، وكان اجتماعه مع عدوه (١٣) كما ذكرنا في العشر الأخير من رمضان يوم الجمعة، وهذه بشارة عظيمة، فإن وقعة بدر كانت يوم الجمعة في

стр. 6981

رمضان (١)، وكان فيها نصر الإسلام. ولما قدم دمشق في شوال أقام بها العدل ورتب الأمور، وأرسل بيبرس خلف التتار ليخرجهم ويطردهم عن حلب (٢)، ووعده بنيابتها فلم يف [لما رآه من المصلحة] (٣)، فوقعت الوحشة بينهما بسبب ذلك، فلما عاد إلى مصر تمالأ عليه الأمراء مع بيبرس فقتلوه (٤) بين الغُرابي (٥) والصالحية ودفن بالقصر، وكان قبره يزار، فلما تمكن الظاهر من المُلك بعث إلى قبره فغيبه عن الناس، وكان لا يعرف بعد ذلك، قتل يوم السبت (٦) سادس عشر من ذي القعدة ﵀. وحكى الشيخ قطب الدين اليونيني (٧) في الذيل على المرآة عن الشيخ علاء الدين بن غانم (٨) عن المولى تاج الدين أحمد بن الأثير كاتب السر في أيام الناصر صاحب دمشق، قال: لما كنا مع [السلطان] الناصر بوطأة برزة جاءت البريدية بخبر أن قطز قد تولى الملك بمصر (٩)، فقرأت ذلك على السلطان، فقال: اذهب إلى فلان وفلان فأخبرهم بهذا، قال: فلما خرجت عنه لقيني بعض الأجناد فقال لي جاءكم الخبر من مصر (١٠) بأن قطز قد تملَّكَ؟ فقلت: ما عندي من هذا علم وما يدريك أنت بهذا؟ فقال بلى والله سيلي المملكة ويكسر التتار، فقلت من أين تعلم هذا؟ فقال (١١): كنت أخدمه وهو صغير وكان عليه قملٌ كثير فكنت أفلّيه وأهينه وأذمّه، فقال لي يومًا: ويلك إيش تريد أعطيك إذا ملكت الديار المصرية (١٢)؟ فقلت له أنت مجنون؟ فقال: [والله] لقد رأيت رسول الله ﷺ في المنام وقال لي: أنت تملك الديار المصرية وتكسر التتار (١٣)، وقول رسول الله ﷺ حقٌّ لا شكَّ فيه، فقلتُ له حينئذ - وكان صادقًا - أريدُ منك إمرة خمسين فارسًا (١٤)، فقال نعم أبشر. قال ابن الأثير: فلما قال لي هذا قلت هذه كتب المصريين

стр. 6982

بأنه قد تولَّى السلطنة، فقال والله ليكسرن التتار، وكان كذلك (١)، ولما رجع الناصر إلى ناحية الديار المصرية وأراد دخولها ورجع عنها ودخلها أكثر الجيوش الشامية كان هذا الأمير الحاكي في جملة من دخلها، فأعطاه (٢) المظفر إمرة خمسين فارسًا، ووفى له بالوعد، وهو الأمير جمال الدين البركخاني (٣). قال ابن الأثير: فلقيني بمصر بعد أن تأمر فذكرني (٤) بما كان أخبرني عن المظفر، فذكرته. ثم كانت وقعة التتار على إثر ذلك فكسرهم وطردهم عن البلاد. وقد روي عنه أنه لما رأى عصائب التتار قال للأمراء والجيوش الذين معه: لا تقاتلوهم حتى تزول الشمس وتفيء الظلال وتهب الرياح، ويدعو لنا الخطباء والناس في صلاتهم، رحمه الله تعالى. [كتبغانوين] (٥) وفيها: هلك كَتْبُغانُوِين نائب هولاكو على بلاد الشام لعنه الله. ومعنى نُوين يعني (٦) أمير عشرة آلاف، وكان هذا الخبيث قد فتح لأستاذه هولاكو من أقصى بلاد العجم إلى الشام، وقد أدرك جنكيز خان [الكبير] جد هولاكو، و [قد] كان كَتْبُغا هذا يعتمد في حروبه للمسلمين أشياء لم يسبقه أحد إليها (٧)، كان إذا فتح بلدًا ساق مقاتلة هذا البلد إلى البلد الآخر الذي يليه، ويطلب من أهل ذلك البلد أن يؤوا هؤلاء إليهم، فإن فعلوا حصل مقصوده في تضييق الأطعمة والأشربة عليهم، فتقصر مدة الحصار (٨) عليه (٩) لما ضاق على أهل البلد من أقواتهم، وإن امتنعوا من إيوائهم عندهم قاتلهم بأولئك المقاتلة الذين هم أهل البلد الذي فتحه قبل ذلك، فإن حصل الفتح وإلا كان قد أضعف أولئك بهؤلاء حتى يفني تلك المقاتلة، فإن حصل الفتح وإلا قاتلهم بجنده وأصحابه مع راحة أصحابه وتعب أهل البلد وضعفهم حتى يفتحهم سريعًا. وكان يبعث إلى الحصن يقول: إن ماءكم قد قل فنخشى أن نأخذكم عنوة فنقتلكم عن آخركم ونسبي نساءكم وأولادكم فما بقاؤكم بعد ذهاب مائكم، فافتحوا صلحًا قبل أن نأخذكم قسرًا، فيقولون له: إن الماء عندنا كثير فلا نحتاج إلى ماءٍ. فيقول: لا أصدق حتى أبعث من عندي من يشرف عليه فإن كان كثيرًا انصرفت عنكم، فيقولون: ابعث

стр. 6983

من يشرف عليه، فيرسل رجالًا من جيشه معهم رماح مجوفة محشوة سمًا، فإذا دخلوا الحصن الذي أعياه ساطوا ذلك الماء بتلك الرماح على أنهم يفتشونه ويعرفون قدره، فينفتح ذلك السم ويستقر في ذلك الماء فيكون سبب هلاكهم وهم لا يشعرون لعنه الله لعنة تدخل معه قبره. وكان شيخًا كبيرًا قد أسن وكان يميل إلى دين النصارى ولكن لا يمكنه الخروج من حكم جنكيزخان في الياساق. قال الشيخ قطب الدين اليونيني: وقد رأيته ببعلبك حين حاصر قلعتها، وكان شيخًا حسنًا له لحيةٌ طويلةٌ مسترسلة [رقيقة] قد ضفرها مثل الدبوقة، وتارة يعلّقها من خلفه بأُذنه، وكان مهيبًا شديد السطوة. قال: وقد دخل الجامع فصعد (١) المنارة ليتأمل القلعةَ منها، ثم خرج من الباب الغربي فدخل دكانًا خرابًا فقضى حاجته والناسُ ينظرون إليه وهو مكشوفُ العورةِ، فلما فرغ من حاجته مسحه بعض أصحابه بقطن ملبد مسحة واحدة (٢). قال: ولما بلغه خروج المظفر بالعساكر من مصر تلوم في أمره وحار ماذا يفعل، ثم حملته نفسه الأبية على لقائه، وظن أنه منصور على جاري عادته (٣)، فحمل يومئذ على الميسرة فكسرها ثم أيد الله المسلمين وثبتهم في المعركة فحملوا حملة صادقة على التتار فهزموهم هزيمة لا تجبر أبدًا، وقتل أميرهم كتبغانوين (٤) في المعركة وأُسر ابنُه، وكان شابًا حسنًا، فأُحضر بين يَدَي المُظَفَّر قطز فقال له: أهربَ أبوك؟ قال إنه لا يهرب، فطلبوه فوجدوه بين القتلى، فلما رآه ابنه صرخ وبكى، فلما تحققه المظفر سجد لله تعالى ثم قال: أنامُ طيبًا. كان هذا سعادة التتار (٥) وبقتله ذهب سعدهم، وهكذا كان كما قال ولم يفلحوا بعده أبدًا، وكان قتله يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان، وكان الذي قتله الأمير آقوش الشمسي (٦) ﵀. الشيخ محمد الفقيه اليونيني (٧)، الحنبلي البعلبكي الحافظ، هو محمد بن أحمد [بن عبد الله] (٨) بن

стр. 6984

عيسى بن أبي الرجال أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر الصادق، كذا نقل هذه النسبة الشيخ قطب الدين اليونيني (١) من خط أخيه الأكبر أبي الحسين علي وأخبره أن والده قال له: نحن من سلالة جعفر الصادق، قال: وإنما ذكر له هذا عند الموت ليخرج من قبول الصدقة (٢). أبو عبد الله بن أبي الحسين اليُونيني الحنبلي تقي الدين الفقيه (٣) الحافظ المفيد البارع العابد الناسك، ولد سنة ثنتين وسبعين وخمسمئة، وسمع الخُشوعي (٤) وحنبلًا (٥) والكندي (٦) والحافظ عبد الغني (٧) [المقدسي] وكان يثني عليه، وتفقه على [الشيخ] الموفق (٨)، ولزم الشيخ عبد الله اليونيني (٩) فانتفع به، وكان الشيخ عبد الله يُثْني عليه ويُقدمه ويَقتدي به في الفتاوى [الشرعية]، وقد لبس الخرقة من شيخ شيخه عبد الله البطائحي، وبرع في علم الحديث وحفظ الجمع بين الصحيحين بالفاء والواو، وحفظ (١٠) قطعةً صالحةً من مسند [الإمام] أحمد، وكان يعرف العربية، أخذها (١١) عن التاج الكندي، وكتب مليحًا حسنًا، وكان الناس ينتفعون بفنونه الكثيرة، ويأخذون عنه الطرق (١٢) الحسنة، وقد حصلت له وجاهة عظيمة عند الملوك. توضَّأ مرةً عند الملك الأشرف بالقلعة (١٣). حال سماع البخاري على الزبيدي، فلما فرغ من الوضوء نفض السلطان تخفيفته (١٤) وبسطها على الأرض (١٥) ليطأ عليها، وحلف السلطان (١٦) له أنَّها طاهرةٌ ولا بدّ أن يطأ برجلَيْهِ عليها ففعل ذلك (١٧).

стр. 6985

وقدم الكامل على أخيه الأشرف دمشق فأنزله القلعة وتحوَّل الأشرف لدار السعادة (١) وجعل يذكر للكامل محاسنَ الشيخ الفقيه، فقال الكامل (٢): أحب (٣) أن أراه، فأرسل إليه إلى بعلبك بطاقة واستحضره (٤) فوصل إلى دار السعادة، فنزل الكامل إليه وتحادثا وتذاكرا شيئًا من العلم، فجرت (٥) مسألة القتل بالمُثَقَّل (٦)، وجرى ذكرُ حديث الجارية التي قتلها اليهوديُّ، فرضَّ رأسها بين حجرين فأمر رسول الله ﷺ بقتله (٧)، فقال الكامل: إنه لم يعترف. فقال الشيخ الفقيه في صحيح مسلم "فاعترف"، فقال الكامل أنا اختصرت صحيح مسلم [ولم أجد هذا فيه] (٨)، فأرسل الكامل فأحضر خمس مجلدات اختصاره لمسلم، فأخذ الكامل مجلدًا، والأشرف آخر، وعماد الدين بن موسك (٩) آخر، وأخذ الشيخ الفقيه مجلدًا، فأول ما فتحه وجد الحديث كما قال الشيخ الفقيه، فتعجب الكامل من استحضاره وسرعة كشفه، وأراد أن يأخذه معه إلى الديار المصرية، فأرسله الأشرف سريعًا إلى بعلبك، وقال الكامل: إنه لا يُؤْثر ببعلبك شيئًا، فأرسل له الكاملُ ذهبًا كثيرًا. قال ولده قطبُ الدين: وكان والدي يقبلُ برَّ الملوك ويقول: أنا لي في بيت المال أكثرُ من هذا، ولا يقبل من الأمراء ولا من الوزراء شيئًا إلا أن يكون هدية مأكولٍ ونحوه، ويرسل إليهم [شيئًا] من ذلك فيقبلونه على سبيل التبرُّكِ والاستشفاء. وذكر أنه كثر ماله وأثرى (١٠)، وصار له سعة من المال كثيرة، وذكر له أن الأشرف كتبَ له كتابًا بقرية يونين (١١) وأعطاه لمحيي الدين بن الجوزي ليأخذ عليه خطَّ الخليفة، فلما شعر والدي بذلك أخذ الكتاب ومزَّقَه وقال: أنا في غنية عن ذلك. وقال: كان والدي لا يقبل شيئًا من الصدقة ويزعم أنه من ذرية [علي بن أبي طالب] (١٢)

стр. 6986

من جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي (١) بن الحسين بن علي بن أبي طالب. قال: وقد كان قبلَ ذلك فقيرًا لا شيء له، وكان (٢) للشيخ عبد الله زوجةٌ ولها ابنة جميلة، وكان (٣) الشيخ يقول لها: زوِّجيها من الشيخ محمد، فتقول إنه فقير وأنا أحبُّ أن تكون ابنتي سعيدةً، فيقول الشيخ عبد الله كأني [أنظر إليهما] (٤) إياه وإياها في دار وفيها بركةٌ وله رزقٌ كثيرٌ والملوكُ يتردَّدون إلى زيارته، فزوَّجتها منه، فكان الأمر كذلك، وكانت أولى زوجاته رحمه الله تعالى. و [قال] كانت الملوك كلهم يحترمونه ويعظمونه ويجيئون إلى مدينته (٥)، بنو العادل وغيرهم، وكذلك كان مشايخ الفقهاء كابن الصلاح (٦)، وابن عبد السلام (٧)، وابن الحاجب (٨)، والحَصِيري (٩)، وشمس الدين بن سَنيّ الدولة (١٠)، وابن الجوزي، وغيرهم يعظِّمونه ويرجعون إلى قوله لعلمه وعمله وديانته وأمانته. وقد ذكرت له أحوال ومكاشفات وكرامات كثيرة ﵀، وزعم بعضهم أنه قُطْبٌ (١١) منذ ثنتي عشرة سنة فالله أعلم. وذكر الشيخ الفقيه قال (١٢) عزمت مرة على الرحلة إلى حرَّان، وكان قد بلغني أن رجلًا بها يعلم علم الفرائض جيدًا، فلما كانت الليلة التي أريد أن أسافر (١٣) في صبيحتها جاءتني رسالة الشيخ عبد الله اليونيني يعزم عليَّ إلى القدس الشريف، وكأني كرهت ذلك وفتحت المصحف فطلع قوله: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢١] فخرجت معه إلى القدس [الشريف] فوجدت ذلك الرجل الحراني بالقدس الشريف، فأخذت عنه علم الفرائض حتى خيِّل لي أني صرت (١٤) أبرع فيه منه.

стр. 6987

وقال الشيخ أبو شامة (١) كان الشيخ الفقيه رجلًا ضخمًا، وحصل له قبول من الأمراء (٢) وغيرهم، وكان يلبس قبعًا صوفُه إلى خارج كما كان شيخه الشيخ عبد الله اليونيني (٣). قال: وقد صنَّف شيئًا في المعراج فرددت عليه في كتاب سميته "الواضح الجلي في الردّ على الحنبلي"، وذكر ولده قطب الدين أنه مات في التاسع عشر من رمضان من هذه السنة عن ثمان وثمانين سنة ﵀. محمد بن خليل (٤) بن عبد الوهاب بن بدر، أبو عبد الله البيطار الأكَّال. أصله من جبل بني هلال، وولد بقصر حجاج، وكان مقيمًا بالشاغور، وكان فيه صلاح ودين وإيثار للفقراء والمحاويج والمحابيس، وكانت له حال غريبة لا يأكل لأحد شيئًا إلا بأجرة، وكان أهل البلد يترامون عليه ليأكل لهم الأشياء المفتخرة الطيبة فيمتنع إلا بأجرة جيدة، وكلما امتنع (٥) من ذلك حلي عند الناس [وأحبوه ومالوا إليه ويأتونه] (٦) بأشياء كثيرة من الحلاوات والشواء وغير ذلك، فيرد عليهم عوض ذلك أجرة جيدة مع ذلك، وهذا غريب جدًا، رحمه الله تعالى ورضي عنه بمنه وكرمه آمين. ثم دخلت سنة تسع وخمسين وستمئة استهلت بيوم الإثنين لأيام خلون من كانون الأول، وليس للمسلمين خليفة وصاحب مكة أبو نُمي بن أبي سعيد بن علي بن قتادة الحسني، وعمه إدريس بن علي شريكه، وصاحب المدينة الأمير عز الدين جماز بن شيحة الحسيني. وصاحب مصر والشام (٧) السلطان الملك الظاهر [ركن الدين] بيبرس البندقداري. وشريكه في دمشق وبعلبك والصُّبَيْبة وبانياس علم الدين سنجر [الحلبي] الملقب بالملك المجاهد. وشريكه في حلب الأمير حسام الدين لاشين (٨) الجوكنداري العزيزي.

стр. 6988

والكرك والشوبك للملك المغيث فتح الدين عمر بن العادل (١) سيف الدين أبي بكر الكامل محمد بن العادل الكبير سيف الدين أبي بكر بن أيوب. وحصنا صهيون وبرزنة (٢) في يد الأمير مظفر عثمان بن ناصر الدين منكورس (٣). وصاحب حماة الملك المنصور بن تقي الدين محمود. وصاحب حمص الأشرف بن المنصور إبراهيم بن أسد الدين الناصر. وصاحب الموصل الملك الصالح (٤) [إسماعيل] بن البدر لؤلؤ. وأخوه الملك المجاهد (صاحب جزيرة ابن عمر). وصاحب ماردين الملك السعيد نجم الدين إيل غازي بن أرتق. وصاحب بلاد الروم ركن الدين قلج (٥) أرسلان بن كيخسرو السلجوقي. وشريكه في الملك أخوه كيكاوس والبلاد بينهما نصفين. وسائر بلاد المشرق (٦) بأيدي التتار أصحاب هولاكو (٧). وبلاد اليمن تملكها (٨) غير واحد من الملوك. وكذلك (٩) المغرب في كل قطر منها ملك. وفي هذه السنة أغارت التتار على حلب (١٠) فلقيهم صاحبها حسام الدين [الجوكندار] العزيزي، والمنصور صاحب حماة، والأشرف صاحب حمص، وكانت الوقعة شمالي (١١). حمص قريبًا من قبر خالد بن الوليد، والتتار في ستة آلاف والمسلمون (١٢) في ألف وأربعمئة فهزمهم (١٣) الله ، وقتل

стр. 6989

المسلمون (١) أكثرهم فرجع التتار إلى حلب فحصروها أربعة أشهر وضيقوا عليها الأقوات، وقتلوا من الغرباء خلقًا [كثيرًا] صبرًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والجيوش الذين كسروهم على حمص مقيمون (٢) لم يرجعوا إلى حلب بل ساقوا إلى مصر، فتلقاهم الملك الظاهر في أُبَّهة السلطنة وأحسن إليهم (٣)، وبقيت حلب محاصرة لا ناصر لها في هذه المدة ولكن سلم الله . وفي يوم الإثنين سابع صفر ركب الظاهر في أبهة الملك (٤) ومشى الأمراء والأجناد بين يديه، وكان ذلك أول ركوبه واستمر بعد ذلك يتابع الركوب واللعب بالكرة. وفي حادي (٥) عشر صفر خرج الأمراء بدمشق على ملكها علم الدين سنجر فقاتلوه فهزموه، فدخل القلعة فحاصروه فيها (٦) فهرب منها إلى قلعة بعلبك، وتسلَّم قلعة دمشق الأمير علاء الدين (٧) أيدكين البندقداري، وكان مملوكًا لجمال الدين يغمور ثم للصالح أيوب بن الكامل وإليه نسب الملك الظاهر، فأرسله الظاهر ليتسلم دمشق من الحلبي علم الدين سنجر، فأخذها وسكن قلعتها نيابة عن الظاهر (٨)، ثم حاصروا الحلبي ببعلبك حتى أخذوه فأرسلوه إلى الظاهر على بغل إلى مصر (٩)، فدخل عليه ليلًا فعاتبه ثم أطلق له أشياء وأكرمه. وفي يوم الإثنين ثامن ربيع الأول استوزر الظاهر (١٠) بهاء الدين علي بن محمد المعروف بابن الحنا (١١) وفي ربيع الآخر قبض الظاهر على جماعة من الأمراء بلغه عنهم أنهم يريدون الوثوب عليه. وفيه أرسل إلى الشوبك فتسلمها من أيدي نواب المغيث صاحب الكرك. وفيها (١٢): جهز الظاهر جيشًا إلى حلب ليطردوا التتار عنها (١٣)، فلما وصل الجيش إلى غزة كتب

стр. 6990

الفرنج إلى التتار ينذرونهم، فرحلوا عنه مسرعين واستولى على حلب جماعة من أهلها، فصادروا ونهبوا وبلغوا أغراضهم، وقدم إليهم الجيش الظاهري فأزالوا ذلك كله، وصادروا أهلها (١) بألف ألف وستمئة ألف، ثم قدم الأمير شمس الدين آقوش البرلي (٢) من جهة الظاهر فاستلم البلد فقطع ووصل وحكم وعدل (٣). وفي يوم الثلاثاء عاشر جمادى الأولى باشر القضاء بمصر (٤) تاج الدين عبد الوهاب (٥) بن القاضي الأعز أبي القاسم خلف بن [القاضي] رشيد الدين بن أبي الثناء محمود بن بدر العلائي، وذلك بعد شروط ذكرها للظّاهر شديدة، فدخل تحتها الملكُ الظاهر، وعُزل عن القضاء بدر الدين أبو المحاسن يوسف بن علي السنجاري (٦)، ورسم عليه أيامًا، ثم أفرج عنه. ذكر البيعة [بالخلافة للمستنصر بالله أبي القاسم أحمد بن أمير المؤمنين الظاهر] (٧) بأمر الله (٨) أبي نصر محمد بن أمير المؤمنين الناصر لدين الله أبي العباس أحمد العباسي، وهو عم المستعصم وكان معتقلًا ببغداد فأُطلق، وكان مع جماعة الأعراب بأرض العراق، ثم قصد [الملك] الظاهر حين بلغه ملكه، فقدم مصر صحبة جماعة من أمراء الأعراب عشرة (٩)، منهم الأمير ناصر الدين مهنا [وكان دخوله إلى القاهرة] في ثامن رجب، فخرج السلطان ومعه الوزير [والقاضي تاج الدين] والشهود والمؤمنون فتلقوه وكان يومًا مشهودًا، وخرج أهل التوراة بتوراتهم، والنصارى بإنجيلهم، ودخل من باب النصر في أبَّهة عظيمة. فلما (١٠) كان يوم الإثنين ثالث عشر رجب جلس السلطان والخليفة بالإيوان (١١) بقلعة الجبل، والوزير والقاضي والأمراء على طبقاتهم، وأثبت نسب الخليفة المذكور على الحاكم تاج الدين [عبد الوهاب] بن الأعزِّ.

стр. 6991

خلافة المستنصر أبي القاسم أحمد بن الظاهر بن الناصر العباسي بمصر وهذا الخليفة هو أخو المستنصر باني المستنصرية (١)، وعمّ المستعصم، بويع بالخلافة بمصر، بايعه الملك الظاهر والقاضي والوزير والأمراء، وركب في دست الخلافة بديار مصر والأمراء بين يديه والناس حوله، وشقّ القاهرة [وكان يومًا مشهودًا وذلك] في ثالث عشر رجب (٢)، وهذا الخليفة هو الثامن والثلاثون من خلفاء بني العباس، بينه وبين العباس أربعة وعشرون أبًا، وكان أول من بايعه القاضي تاج الدين لما ثبت نسبه (٣)، ثم السلطان [الملك الظاهر] ثم الشيخ عز الدين بن عبد السلام (٤) ثم الأمراء (٥) والدولة، وخطب له على المنابر وضُرب اسمه على السكة. وكان منصب الخلافة قد شغر منذ ثلاث (٦) سنين ونصفًا، لأن المستعصم قُتل في أول سنة ست وخمسين وستمئة، وبويع هذا في يوم الإثنين في ثالث عشر رجب من هذه السنة - أعني سنة تسع وخمسين وستمئة - وكان أسمر وسيمًا شديد القوى عالي الهمة له شجاعة وإقدام، وفد لقبوه (٧) بالمستنصر كما كان أخوه (٨) باني المدرسة [ببغداد تلقب]، وهذا أمر لم يُسبق إليه أن خليفتين أخوين يلقب كل منهما بالآخر، [وقد] ولي الخلافة أخوان (٩) كهذين السفاح وأخوه المنصور، ابنا (١٠) محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، والهادي والرشيد [ابنا المهدي بن المنصور، والواثق والمتوكل ابنا المعتصم بن الرشيد]، والمسترشد والمقتفي ولدا المتسظهر، وأما ثلاثة فالأمين والمأمون والمعتصم أولاد الرشيد، والمنتصر والمعتز [والمعتمد أولاد المتوكل، والمُتَّقي والراضي] (١١) والمطيع أولاد المقتدر، وأما أربعة فأولاد عبد الملك بن مروان

стр. 6992

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6993

الوليد وسليمان ويزيد وهشام (١).

стр. 6994

وقد ولي هذا الخلافة بعد أخيه المستعصم بن المستنصر. ولم يكن هذا قبله في خلافة المقتفي بن المستظهر فإنه وليها بعد أخيه الراشد بن المسترشد بن المستظهر والله أعلم]. وكانت مدة خلافته إلى أن فقد كما سيأتي [بيانه] خمسة أشهر وعشرين يومًا، [وكان] أقصرَ مدةٍ من جميع خلفاء بني العباس. وأما (١) بنو أمية فكانت مدة خلافة (٢) معاوية بن يزيد بن معاوية أربعين يومًا، وإبراهيم بن [الوليد] بن يزيد (٣) الناقص سبعين يومًا، وأخوه يزيد بن الوليد خمسة أشهر (٤). وكانت مدة خلافة الحسن بن علي بعد أبيه سبعة أشهر وأحد عشر يومًا. وكانت مدة مروان بن الحكم تسعة أشهر (٥) وعشرة أيام. وكان في خلفاء (٦) بني العباس من لم يستكمل سنة منهم المنتصر بن المتوكل ستة أشهر، والمهتدي بن الواثق أحد عشر شهرًا وأيامًا (٧). وقد أنزل الخليفة [المستنصر] هذا بقلعة الجبل في برج هو وحشمه [وخدمه] فلما كان يوم سابع رجب ركب في [أُبَّهة] السواد وجاء إلى الجامع بالقلعة فصعد المنبر وخطب خطبة ذكر فيها شرف بني العباس، ثم استفتح فقرأ صدرًا من سورة الأنعام ثم صلى على النبي ﷺ ثم تَرَضَّى عن الصحابة ودعا للسلطان الظاهر، ثم نزل فصلَّى بالناس فاستحسنوا ذلك منه، وكان وقتًا حسنًا ويومًا مشهودًا.

стр. 6995

تولية الخليفة المستنصر بالله للملك الظاهر السلطنة لما كان يوم الإثنين الرابع من شعبان، ركب الخليفة والسلطان والوزير والقضاة والأمراء وأهل الحَلّ والعَقْد إلى خيمة عظيمة قد ضُربت ظاهرَ القاهرة فجلسوا فيها، فألبس الخليفة السلطان بيده خلعةً سوداءَ، وطوقًا في عنقه، وقيدًا في رجليه وهما من ذهب، وصعد فخر الدين إبراهيم بن لقمان وهو رئيس الكتاب منبرًا فقرأ على الناس تقليد السلطان، وهو من إنشائه وبخطّ نفسه، ثم ركب السلطان بهذه الأُبَّهة والقيد في رجليه، والطوق في عنقه، والوزير بين يديه، وعلى رأسه التقليد والأمراء والدولة في خدمته مشاة سوى الوزير، فشق القاهرة وقد زُيّنت له، وكان يومًا مشهودًا، [يقصر اللسان عن وصفه] وقد ذكر الشيخ قطب الدين (١) هذا التقليد بتمامه، وهو مطول والله أعلم. ذكر تجهيز (٢) الخليفة قاصدًا إلى بغداد ثم إن الخليفة طلب من السلطان أن يجهزه إلى بغداد، فرتب السلطان له جندًا هائلة (٣) وأقام له من كل ما ينبغي للملوك [والخلفاء من الحشم والخدم والطبلخاناه وغير ذلك] (٤) ثم سار السلطان صحبته قاصدين دمشق المحروسة في أُبَّهة عظيمة، وكان سبب خروج السلطان من مصر إلى الشام أن البرلي (٥) كما تقدم كان قد استحوذ على حلب، فأرسل إليه الأمير (٦) علم الدين سنجر الحلبي الذي كان قد تغلَّب على دمشق (٧) فطرده عن حلب وتسلمها (٨)، وأقام بها نائبًا عن السلطان، ثم لم يزل البرلي (٩) حتى استعادها منه وأخرجه منها هاربًا، فاستناب الظاهر على مصر عز الدين (١٠) أيدمر الحلبي وجعل تدبير المملكة إلى الوزير بهاء الدين بن الحنا، وأخذ ولده فخر الدين (١١) معه وزيرًا (١٢) وجعل تدبيرَ العساكر

стр. 6996

والجيوش إلى الأمير بدر الدين بِيليك (١) الخازندار، ثم ساروا فدخلوا (٢) دمشق يوم الإثنين سابع ذي القعدة، وكان يومًا مشهودًا، وصلّيا الجمعة بجامع دمشق، وكان دخول الخليفة من باب البريد (٣)، ودخل السلطان من باب الزيادة (٤). وكان يومًا مشهودًا أيضًا، ثم جهز السلطانُ الخليفة إلى بغداد ومعه (٥) أولاد صاحب الموصل، وأنفق عليه وعليهم وعلى من استقلّ معه من الجيش الذين يردون عنه ما لم يقدر الله من الذهب [العين ألف ألف دينار] (٦)، وأطلق له، وزاده فجزاه الله خيرًا، وقدم إليه صاحب حمص الملك الأشرف فخلع عليه وأطلق له وزاده تل باشر، وقدم صاحب حماة المنصور فخلع عليه وأطلق له وكتب له تقليدًا (٧) ببلاده، ثم جهز جيشًا صحبة الأمير علاء الدين البندقداري (٨) إلى حلب لمحاربة البرلي (٩) المتغلب عليها المفسد فيها (١٠). وهذا كل ما بلغنا من وقائع هذه السنة ملخصًا. ثم دخلت سنة ستين وستمئة في أوائل هذه السنة في ثالث المحرم قتل الخليفة المستنصر بالله الذي بويع له في رجب في السنة الماضية بمصر، وكان قتله بأرض العراق [كما ذكرنا] بعدما هُزم مَنْ كان معه من الجنود فإنا لله وإنا إليه راجعون، واستقلّ الملكُ الظاهر بجميع الشام ومصر وصفت له الأمور، ولم يبق له مُنازع سوى البرلي فإنه قد استحوذ على البيرة وعصى عليه هنالك. وفي اليوم الثالث من المحرم من هذه السنة خَلَع السلطانُ الملكُ الظاهرُ ببلاد مصر على جميع الأمراء والحاشية وعلى الوزير وعلى القاضي تاج الدين (١١) ابن بنت الأعز وعزل عنها برهان الدين السنجاري (١٢).

стр. 6997

وفي أواخر المحرم أعرس الأميرُ بدر الدين بيليك الخازندار (١) على بنت الأمير لؤلؤ (٢) صاحب الموصل، واحتفل [الملك] الظاهر بهذا العرس احتفالًا بالغًا. قال ابن خلكان (٣): وفي هذه السنة اصطاد بعض أمراء الظاهر بحدود حماة (٤) حمار وحش فطبخوه فلم ينضج ولا أثر فيه كثرة الوقود، ثم افتقدوا جلده فإذا هو مرسوم على أذنه بهرام جور (٥)، قال: وقد أحضروه إليَّ فقرأته كذلك، وهو يقتضي أن لهذا الحمار قريبًا من ثمانمئة سنة، فإن بهرام جوركان قبل المبعث بمدة متطاولة، وحمر الوحش تعيش دهرًا طويلًا. قلت: يحتمل أن يكون هذا بهرام شاه الملك الأمجد، إذ يبعد بقاء مثل هذا بلا اصطياد هذه المدة الطويلة، ويكون الكاتب قد أخطأ فأراد كتابة بهرام شاه (٦) فكتب بهرام جور فحصل اللَّبس من هذا (٧) والله أعلم. ذكر بيعة الحاكم بأمر الله العباسي في السابع والعشرين من ربيع الآخر دخل الخليفة أبو العباس الحاكم بأمر الله أحمد بن الأمير أبي علي القُبِّي بن الأمير علي بن الأمير أبي بكر بن الإمام المسترشد بالله بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد من بلاد الشرق وصحبته جماعة من رؤوس تلك البلاد، وقد [كان] شهد الوقعة صحبة المستنصر، وهرب هو في جماعة من المعركة فسلم، فلما كان يوم دخوله تلقّاه السلطان الظاهر وأظهر السرور له والاحتفال به (٨)، وأنزله في البرج الكبير من قلعة الجبل، وأُجْرِيَتْ (٩) عليه الأرزاق الدارة والإحسان. وفي ربيع الآخر عزل الملك الظاهر الأمير جمال الدين آقوش النجيبي (١٠) عن استداريته (١١)

стр. 6998

واستبدل به غيره وبعد ذلك أرسله نائبًا على الشام (١) كما سيأتي. وفي يوم الثلاثاء تاسع رجب حضر السلطان [الملك] الظاهر إلى دار العدل في محاكمة في بئر إلى بين يدي [القاضي تاج الدين عبد الوهاب] (٢) ابن بنت الأعز فقام الناس إلا القاضي فإنه أشار عليه أن لا يقوم. وتداعيا وكان (٣) الحق مع السلطان وله بينة عادلة، فانتزعت البئر من يد الغريم وكان الغريم أحد الأمراء. وفي شوال استناب [السلطان الملك] الظاهر على حلب الأمير علاء الدين أيدكين (٤) الشهابي وحينئذٍ أغار (٥) عسكر سيس (٦) على الفُوعَة (٧) من أرض حلب فركب إليهم الشهابي فكسرهم وأسر منهم جماعة فبعثهم إلى مصر فقتلوا (٨). وفيها: استناب السلطان على دمشق الأمير جمال الدين آقوش النجيبي، وكان من أكابر الأمراء وعزل عنها علاء الدين طيبرس (٩) الوزيري وحمل إلى القاهرة. وفي ذي القعدة خرج مرسوم السلطان [الملك الظاهر] إلى القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز أن يستنيب من كل مذهب من المذاهب الثلاثة نائبًا فاستناب من الحنفية صدر الدين سليمان (١٠) الحنفي، ومن الحنابلة شمس الدين محمد (١١) بن الشيخ العماد، ومن المالكية شرف الدين عمر السبكي (١٢) المالكي. وفي ذي الحجة قدمت وفود كثيرة من التتار على الملك الظاهر مستأمنين فأكرمهم وأحسن إليهم

стр. 6999

وأقطعهم إقطاعات حسنة، وكذلك فعل (١) بأولاد صاحب الموصل ورتب لهم (٢) رواتب كافية. وفيها (٣): أرسل هولاكو طائفة من جنده نحو (٤) عشرة آلاف فحاصروا الموصل ونصبوا عليها أربعة وعشرين منجنيقًا، وضاقت بها الأقوات. وفيها: أرسل الملك الصالح إسماعيل بن لؤلؤ (٥) إلى البرلي (٦). يستنجده فقدم عليه فهزمت التتار ثم ثبتوا والتقوا (٧) معه، وإنما كان معه تسعمئة (٨) مقاتل فهزموه وجرحوه وعاد إلى البيرة (٩) وفارقه أكثر أصحابه فدخلوا الديار المصرية (١٠)، ثم دخل هو إلى الملك (١١) الظاهر فأنعم عليه وأحسن إليه وأقطعه سبعين (١٢) فارسًا، وأما التتار فإنهم عادوا إلى الموصل ولم يزالوا حتى استنزلوا صاحبها الملك الصالح إليهم ونادوا في البلد بالأمان حتى اطمأن الناس ثم مالوا عليهم فقتلوهم تسعة أيام وقتلوا الملك الصالح إسماعيل وولده علاء الدين (١٣) وخربوا أسوار البلد وتركوها بلاقع ثم كرُّوا راجعين قبحهم الله أجمعين (١٤). وفيها: وقع الخلف بين هولاكو وبين السلطان بركة خان ابن عمه، وأرسل إليه بركة يطلب منه نصيبًا مما فتحه من البلاد، على ما جرت به عادة (١٥) ملوكهم، فقتل رسله، فاشتد غضب بركة، وكاتب الظاهر ليتفقا على هولاكو (١٦).

стр. 7000

وفيها: وقع غلاء شديد بالشام فبيع (١) القمح الغرارة بأربعمئة والشعير بمئتين وخمسين، واللحم الرطل بستة أو سبعة (٢). وحصل في النصف من شعبان خوف شديد من التتار فتجهَّز كثيرٌ من الناس إلى مصر (٣)، وبيعت الغلات حتى حواصل القلعة والأمراء، ورسم أولياء الأمور (٤) على مَنْ له قدرةٌ أن يسافر من دمشق إلى بلاد (٥) مصر، ووقعت رجفة عظيمة في الشام (٦) وفي بلاد الروم، ويقال إنه حصل لبلاد التتر خوف شديد أيضًا، فسبحان الفعال لما يريد وبيده الأمر. وكان الآمر لأهل دمشق بالتحول منها إلى مصر نائبها الأمير (٧) علاء الدين طَيْبَرس (٨) الوزيري، فأرسل السلطان إليه في ذي القعدة فأمسكه وعزله واستناب عليها بهاء الدين عبد الله النجيبي، واستوزر لدمشق عز الدين بن وداعة (٩). وفيها (١٠): نزل [القاضي شمس الدين] ابن خلكان (١١) عن تدريس الركنية لأبي (١٢) شامة وحضر عنده حين درس وأخذ في أول "مختصر المزني". وممن توفي فيها من الأعيان (١٣): الخليفة المستنصر (١٤) بن الظاهر بأمر الله العباسي (١٥) الذي بايعه الظاهر بمصر [في رجب من السنة الماضية] كما ذكرنا، وكان قتله في ثالث المحرم من هذه السنة، وكان شهمًا شجاعًا بطلًا فاتكًا، وقد

стр. 7001

أنفق الظاهر عليه حتى أقام له جيشًا بألف ألف (١) دينار وأزيد، وسار في خدمته ومعه خلق من أكابر الأمراء وأولاد صاحب الموصل، وكان الملك الصالح إسماعيل من الوفد الذين قدموا على الظاهر فأرسله صحبة الخليفة، فلما كانت الوقعة فقد المستنصر ورجع الصالح إلى بلاده (٢) فجاءته التتار فحاصروه كما ذكرنا، وقتلوه وخربوا بلاده وقتلوا أهلها، فإنا لله وإنا إليه راجعون. العز الضرير (٣) النحوي اللغوي اسمه الحسن بن محمد بن أحمد بن نَجا. من أهل نَصيبين (٤) ونشأ بإربل فاشتغل (٥) بعلوم كثيرة من علوم الأوائل، وكان يشتغل عليه أهل الذمة وغيرهم، ونُسب إلى الانحلال وقلّة الدين، وترك الصلوات، وكان ذكيًا، وليس بذكي، عالم اللسان جاهل القلب، ذكي القول خبيث الفعل، وله شعر أورد (٦) منه الشيخ قطب الدين (٧) قطعة في ترجمته، وهو شبيه (٨) بأبي العلاء المعري قبَّحهما الله. ابن عبد السلام (٩) عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي (١٠) القاسم بن الحسن بن محمد المهذب، الشيخ عز الدين [بن عبد السلام] (١١) أبو محمد السلمي الدمشقي الشافعي.

стр. 7002

شيخ المذهب ومفيد أهله، وله مصنفات (١) حسان، منها "التفسير"، و"اختصار النهاية"، و"القواعد الكبرى والصغرى"، وكتاب "الصلاة" و"الفتاوى الموصلية" وغير ذلك. ولد سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمئة، وسمع كثيرًا واشتغل على [الشيخ] فخر الدين بن عساكر (٢) وغيره وبرع في المذهب، وجمع علومًا كثيرة، وأفاد الطلبة ودرَّس بعدة مدارس بدمشق، وولي خطابتها ثم سافر إلى مصر ودرس (٣) بها وخطب وحكم، وانتهت إليه رئاسة المذهب (٤)، وقصد بالفتاوى من الآفاق، وكان لطيفًا ظريفًا يستشهد بالأشعار، وكان سبب خروجه من الشام إنكاره على الصالح (٥) إسماعيل تسليمه صفد والشقيف إلى الفرنج (٦)، ووافقه الشيخ أبو عمرو ابن الحاجب (٧) المالكي، فأخرجهما من بلده، فسار أبو عمرو إلى الناصر داود صاحب الكرك فأكرمه، وسار ابن عبد السلام (٨) إلى الملك الصالح أيوب [بن الكامل] (٩) صاحب مصر فأكرمه (١٠)، وولاه قضاء مصر وخطابة الجامع العتيق، ثم انتزعهما منه وأقره على تدريس الصالحية، فلما حضره الموت أوصى بها للقاضي تاج الدين ابن بنت الأعز (١١)، وتوفي في عاشر جمادى الأولى (١٢) وقد نيَّفَ على الثمانين، ودفن من الغد بسفح المُقَطَّم، وحضر جنازته السلطان الظاهر وخلق كثير رحمه الله تعالى (١٣). كمال الدين بن العديم (١٤) الحنفي عُمر بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبي جَرادة عامر بن ربيعة بن خُويلد بن

стр. 7003

عوف (١) بن عامر بن عقيل [العُقيلي] الحلبي الحنفي [كمال الدين] أبو القاسم بن العَديم، الأمير الوزير الرئيس الكبير. ولد سنة ست وثمانين وخمسمئة، وسمع الحديث وحدَّث وتفقَّه وأفتى ودرَّس وصنف، وكان إمامًا في فنون كثيرة، وقد ترسّل إلى الخلفاء والملوك مرارًا عديدة، وكان يكتب حسنًا طريقة مشهورة، وصنف لحلب تاريخًا (٢) مفيدًا قريبًا في أربعين مجلدًا، وكان جيّد المعرفة بالحديث، حسنَ الظنّ بالفقراء والصالحين كثيرَ الإحسان إليهم، وقد أقام بدمشق في الدولة الناصرية المتأخرة، توفي (٣) بمصر ودفن بسفح المُقَطَّم بعد ابن عبد السلام (٤) بعشرة أيام، وقد أورد له قطب الدين (٥) أشعارًا حسنة. يوسف بن يوسف بن [يوسف بن] سلامة (٦) بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن سليمان بن محمد الفَأْفاء (٧) الزَّينَبيّ بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، محيي الدين أيو العزّ (٨)، ويقال أبو المحاسن الهاشمي العباسي المَوْصِلي (٩) المعروف بابن زِبْلاق (١٠) الشاعر، قتلته التتار (١١) لما أخذوا الموصل في هذه السنة عن سبع وخمسين سنة، ومن (١٢)

стр. 7004

شعره قوله [من بعض قصيدة من ديوانه] (١): [من الطويل] بعثتِ لنا من سحرِ مقلتكِ الوَسْنى … سهادًا يزود الكرى أن يألفَ الجفنا وأبصرَ جسمي حسنَ خصركِ ناحلًا … فحاكاهُ لكنْ زادَ في دقَّةِ المعنى (٢) وأبرزتِ وجهًا أخجل (٣) الصبحَ طالعًا … وملتِ (٤) بقدٍّ علَّم الهيفَ الغُصْنا (٥) حكيتِ أخاكِ البدرَ ليلة (٦) تِمِّهِ … سنًا وسناءً إذ تشابهتما سِنّا (٧) وقال أيضًا وقد دعي إلى موضع، فبعث يعتذر بهذين البيتين: أنا في منزلي وقد وهبَ اللـ … ــهُ نديمًا وقينةً وعقارا فابسطوا العذرَ في التأخّرِ عنكم … شغل الخلي أهله أن يعارا (٨) قال أبو شامة (٩): وفيها في ثاني عشر جمادى الآخرة توفي: البَدْرُ المَرَاغي الخِلافي المعروف بالطويل، وكان قليلَ الدين تاركًا للصلاة مغتبطًا بما كان فيه من معرفة الجدل والخلاف على اصطلاح المتأخرين، راضيًا [بما لا يفيد] (١٠) رحمنا الله وجميع المسلمين. وفيها توفي: [ناصر الدين] (١١) محمد بن داود بن ياقوت الصارمي (١٢) المحدث. كتب كثيرًا الطباقات (١٣)

стр. 7005

وغيرها، وكان ديّنا خيرًا يعير كتبه ويداوم (١) على الاشتغال بسماع (٢) الحديث رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة إحدى وستين وستمئة استهلت وسلطان البلاد الشامية والمصرية بيبرس، وعلى الشام نائبه [جمال الدين] آقوش النجيبي، وقاضي دمشق [شمس الدين] (٣) ابن خلكان، والوزير بها عز الدين بن وداعة (٤)، وليس للناس خليفة، وإنما تضرب السكة باسم المستنصر الذي قتل في السنة الماضية. ذكر خلافة الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن الأمير أبي علي القبي ابن الأمير علي بن الأمير أبي بكر بن الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين أبي منصور الفضل بن الإمام المستظهر بالله [أبي العباس] أحمد العباسي الهاشمي. لما كان ثامن (٥) المحرم وهو يوم الخميس، جلس السلطان [الملك] الظاهر [ركن الدين بيبرس] والأمراء [وأهل الحلّ والعقد] في الإيوان الكبير بقلعة الجبل، وجاء الخليفة الحاكم بأمر الله راكبًا حتى نزل عند الإيوان، وقد بسط له إلى جانب السلطان وذلك بعد ثبوت نسبه، [ثم قرئ نسبه على الناس ثم أقبل عليه الظاهر بيبرس فبايعه] (٦) وبايعه الناس بعده، وكان يومًا مشهودًا. فلما (٧) كان يوم الجمعة ثانيه (٨) خطب الخليفةُ بالناس فقال في خطبته: "الحمدُ لله الذي أقام لآل العباس ركنًا وظهيرًا، وجعل لهم من لدنه سلطانًا نصيرًا، أحمده على السرّاء والضرّاء، وأستعينه على شكر ما أسبغ من النعماء، وأستنصره على دفع الأعداء، وأشهد أن لا إله إلا الله
следующие страницы →