← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

أنفق الظاهر عليه حتى أقام له جيشًا بألف ألف (١) دينار وأزيد، وسار في خدمته ومعه خلق من أكابر الأمراء وأولاد صاحب الموصل، وكان الملك الصالح إسماعيل من الوفد الذين قدموا على الظاهر فأرسله صحبة الخليفة، فلما كانت الوقعة فقد المستنصر ورجع الصالح إلى بلاده (٢) فجاءته التتار فحاصروه كما ذكرنا، وقتلوه وخربوا بلاده وقتلوا أهلها، فإنا لله وإنا إليه راجعون. العز الضرير (٣) النحوي اللغوي اسمه الحسن بن محمد بن أحمد بن نَجا. من أهل نَصيبين (٤) ونشأ بإربل فاشتغل (٥) بعلوم كثيرة من علوم الأوائل، وكان يشتغل عليه أهل الذمة وغيرهم، ونُسب إلى الانحلال وقلّة الدين، وترك الصلوات، وكان ذكيًا، وليس بذكي، عالم اللسان جاهل القلب، ذكي القول خبيث الفعل، وله شعر أورد (٦) منه الشيخ قطب الدين (٧) قطعة في ترجمته، وهو شبيه (٨) بأبي العلاء المعري قبَّحهما الله. ابن عبد السلام (٩) عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي (١٠) القاسم بن الحسن بن محمد المهذب، الشيخ عز الدين [بن عبد السلام] (١١) أبو محمد السلمي الدمشقي الشافعي.

стр. 7002

شيخ المذهب ومفيد أهله، وله مصنفات (١) حسان، منها "التفسير"، و"اختصار النهاية"، و"القواعد الكبرى والصغرى"، وكتاب "الصلاة" و"الفتاوى الموصلية" وغير ذلك. ولد سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمئة، وسمع كثيرًا واشتغل على [الشيخ] فخر الدين بن عساكر (٢) وغيره وبرع في المذهب، وجمع علومًا كثيرة، وأفاد الطلبة ودرَّس بعدة مدارس بدمشق، وولي خطابتها ثم سافر إلى مصر ودرس (٣) بها وخطب وحكم، وانتهت إليه رئاسة المذهب (٤)، وقصد بالفتاوى من الآفاق، وكان لطيفًا ظريفًا يستشهد بالأشعار، وكان سبب خروجه من الشام إنكاره على الصالح (٥) إسماعيل تسليمه صفد والشقيف إلى الفرنج (٦)، ووافقه الشيخ أبو عمرو ابن الحاجب (٧) المالكي، فأخرجهما من بلده، فسار أبو عمرو إلى الناصر داود صاحب الكرك فأكرمه، وسار ابن عبد السلام (٨) إلى الملك الصالح أيوب [بن الكامل] (٩) صاحب مصر فأكرمه (١٠)، وولاه قضاء مصر وخطابة الجامع العتيق، ثم انتزعهما منه وأقره على تدريس الصالحية، فلما حضره الموت أوصى بها للقاضي تاج الدين ابن بنت الأعز (١١)، وتوفي في عاشر جمادى الأولى (١٢) وقد نيَّفَ على الثمانين، ودفن من الغد بسفح المُقَطَّم، وحضر جنازته السلطان الظاهر وخلق كثير رحمه الله تعالى (١٣). كمال الدين بن العديم (١٤) الحنفي عُمر بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبي جَرادة عامر بن ربيعة بن خُويلد بن

стр. 7003

عوف (١) بن عامر بن عقيل [العُقيلي] الحلبي الحنفي [كمال الدين] أبو القاسم بن العَديم، الأمير الوزير الرئيس الكبير. ولد سنة ست وثمانين وخمسمئة، وسمع الحديث وحدَّث وتفقَّه وأفتى ودرَّس وصنف، وكان إمامًا في فنون كثيرة، وقد ترسّل إلى الخلفاء والملوك مرارًا عديدة، وكان يكتب حسنًا طريقة مشهورة، وصنف لحلب تاريخًا (٢) مفيدًا قريبًا في أربعين مجلدًا، وكان جيّد المعرفة بالحديث، حسنَ الظنّ بالفقراء والصالحين كثيرَ الإحسان إليهم، وقد أقام بدمشق في الدولة الناصرية المتأخرة، توفي (٣) بمصر ودفن بسفح المُقَطَّم بعد ابن عبد السلام (٤) بعشرة أيام، وقد أورد له قطب الدين (٥) أشعارًا حسنة. يوسف بن يوسف بن [يوسف بن] سلامة (٦) بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن سليمان بن محمد الفَأْفاء (٧) الزَّينَبيّ بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، محيي الدين أيو العزّ (٨)، ويقال أبو المحاسن الهاشمي العباسي المَوْصِلي (٩) المعروف بابن زِبْلاق (١٠) الشاعر، قتلته التتار (١١) لما أخذوا الموصل في هذه السنة عن سبع وخمسين سنة، ومن (١٢)

стр. 7004

شعره قوله [من بعض قصيدة من ديوانه] (١): [من الطويل] بعثتِ لنا من سحرِ مقلتكِ الوَسْنى … سهادًا يزود الكرى أن يألفَ الجفنا وأبصرَ جسمي حسنَ خصركِ ناحلًا … فحاكاهُ لكنْ زادَ في دقَّةِ المعنى (٢) وأبرزتِ وجهًا أخجل (٣) الصبحَ طالعًا … وملتِ (٤) بقدٍّ علَّم الهيفَ الغُصْنا (٥) حكيتِ أخاكِ البدرَ ليلة (٦) تِمِّهِ … سنًا وسناءً إذ تشابهتما سِنّا (٧) وقال أيضًا وقد دعي إلى موضع، فبعث يعتذر بهذين البيتين: أنا في منزلي وقد وهبَ اللـ … ــهُ نديمًا وقينةً وعقارا فابسطوا العذرَ في التأخّرِ عنكم … شغل الخلي أهله أن يعارا (٨) قال أبو شامة (٩): وفيها في ثاني عشر جمادى الآخرة توفي: البَدْرُ المَرَاغي الخِلافي المعروف بالطويل، وكان قليلَ الدين تاركًا للصلاة مغتبطًا بما كان فيه من معرفة الجدل والخلاف على اصطلاح المتأخرين، راضيًا [بما لا يفيد] (١٠) رحمنا الله وجميع المسلمين. وفيها توفي: [ناصر الدين] (١١) محمد بن داود بن ياقوت الصارمي (١٢) المحدث. كتب كثيرًا الطباقات (١٣)

стр. 7005

وغيرها، وكان ديّنا خيرًا يعير كتبه ويداوم (١) على الاشتغال بسماع (٢) الحديث رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة إحدى وستين وستمئة استهلت وسلطان البلاد الشامية والمصرية بيبرس، وعلى الشام نائبه [جمال الدين] آقوش النجيبي، وقاضي دمشق [شمس الدين] (٣) ابن خلكان، والوزير بها عز الدين بن وداعة (٤)، وليس للناس خليفة، وإنما تضرب السكة باسم المستنصر الذي قتل في السنة الماضية. ذكر خلافة الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن الأمير أبي علي القبي ابن الأمير علي بن الأمير أبي بكر بن الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين أبي منصور الفضل بن الإمام المستظهر بالله [أبي العباس] أحمد العباسي الهاشمي. لما كان ثامن (٥) المحرم وهو يوم الخميس، جلس السلطان [الملك] الظاهر [ركن الدين بيبرس] والأمراء [وأهل الحلّ والعقد] في الإيوان الكبير بقلعة الجبل، وجاء الخليفة الحاكم بأمر الله راكبًا حتى نزل عند الإيوان، وقد بسط له إلى جانب السلطان وذلك بعد ثبوت نسبه، [ثم قرئ نسبه على الناس ثم أقبل عليه الظاهر بيبرس فبايعه] (٦) وبايعه الناس بعده، وكان يومًا مشهودًا. فلما (٧) كان يوم الجمعة ثانيه (٨) خطب الخليفةُ بالناس فقال في خطبته: "الحمدُ لله الذي أقام لآل العباس ركنًا وظهيرًا، وجعل لهم من لدنه سلطانًا نصيرًا، أحمده على السرّاء والضرّاء، وأستعينه على شكر ما أسبغ من النعماء، وأستنصره على دفع الأعداء، وأشهد أن لا إله إلا الله

стр. 7006

وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، ﷺ وعلى آله وصحبه نجوم الاهتداء وأئمة الاقتداء، الأربعة (١) [الخلفاء]، وعلى العباس [عمّه و] كاشف غمه أبي السادة الخلفاء [الراشدين والأئمة المهديين] وعلى بقية الصحابة أجمعين (٢) والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أيها الناس اعلموا أن الإمامة فرضٌ من فروض الإسلام، والجهاد محتوم على جميع الأنام، ولا يقوم علم الجهاد إلا باجتماع كلمة العباد، ولا سبيت الحرم إلا بانتهاك المحارم، ولا سفكت الدماء إلا بارتكاب الجرائم (٣)، فلو شاهدتم أعداء الإسلام لما (٤) دخلوا دار السلام، واستباحوا الدماء والأموال وقتلوا الرجال والأطفال (٥)، وهتكوا حرم الخلافة والحريم، [وأذاقوا من اسْتَبَقُوا العذابَ الأليم، فارتفعت الأصوات بالبكاء] وعلَتْ الضَّجّات (٦) من هول ذلك اليوم الطويل، فكم من شيخ خُضبت شيبته بدمائه، وكم من طفل بكى فلم يُرحم لبكائه، فشَمِّرُوا عباد [الله] (٧) عن ساقِ الاجتهاد في إحياء فرض الجهاد ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] فلم يبقَ معذرةٌ في القعود عن أعداء الدين، والمحاماة عن المسلمين. وهذا السلطان الملك الظاهر السيد الأجلّ العالم العادل المجاهد المؤيّد ركن الدنيا والدين، قد قام بنصر الإمامة عند قلة الأنصار، وشرَّد جيوشَ الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار، فأصبحت البيعة باهتمامه (٨) منتظمة العقود، والدولة العباسية به متكاثرة الجنود، فبادروا عباد الله إلى شكر هذه النعمة، وأخلصوا نياتكم تنصروا، وقاتلوا أولياء الشيطان تظفروا، ولا يروعنّكم ما جرى، فالحرب سجال والعاقبة للمتقين، والدهر يومان والأجر (٩) للمؤمنين، جمع اللهُ على الهدى (١٠) أمركم، وأعز بالإيمان نصركم، وأستغفر الله [العظيم] لي [ولكم] ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم". ثم خطب الثانية (١١) ونزل فصلى (١٢) وكتب بيعته إلى الآفاق ليخطب له، وضربت السكة باسمه.

стр. 7007

قال أبو شامة: فخطب له بجامع دمشق وسائر (١) الجوامع يوم الجمعة سادس عشر المحرم من هذه السنة. وهذا الخليفة هو التاسع والثلاثون من خلفاء بني العباس، ولم يل الخلافة من بني العباس مَنْ ليس والده وجدُّه خليفة بعد السفّاح والمنصور سوى هذا، فأما من ليس والده خليفة فكثير منهم، المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم، والمعتضد بن طلحة بن المتوكل، والقادر بن إسحاق بن المقتدر، والمقتدي بن الذخيرة بن القائم بأمر الله. ذكر أخذ الظاهر الكرك وإعدام صاحبها [وفيها]: ركب الظاهر من مصر (٢) في العساكر المنصورة قاصدًا ناحية بلاد الكرك، واستدعى صاحبها الملك المغيث عمر بن العادل أبي بكر بن الكامل (٣)، فلما قدم عليه بعد جهد أرسله إلى مصر معتقلًا فكان (٤) آخر العهد به، وذلك أنه كاتب هولاكو (٥) وحثَّه على القدوم إلى الشام مرة أخرى، وجاءته كتب التتار بالثبات ونيابة البلاد، وأنه سيقدم (٦) عليه عشرون ألفًا لفتح الديار المصرية، وأخرج السلطان فتاوى الفقهاء بقتله وعرض ذلك على ابن خلكان (٧)، وكان قد استدعاه من دمشق، وعلى جماعة من الأمراء، ثم سار فتسلم الكرك يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الأولى ودخلها يومئذ في أُبَّهة الملك (٨)، ثم عاد إلى مصر مؤيدًا منصورًا. وفيها: قدمت رسل بركة خان (٩) إلى الظاهر يقول له: قد علمت محبتي للإسلام (١٠)، وعلمت ما فعل هولاكو بالمسلمين، فاركب أنت من ناحية حتى آتيه من ناحية حتى نصطلمه أو نخرجه من البلاد وأعطيك جميع ما كان بيده من البلاد (١١)، فاستصوب الظاهر هذا الرأي وشكره وخلع على رسله وأكرمهم.

стр. 7008

وفيها: زلزلت الموصل زلزلة عظيمة وتهدَّمت أكثر دورها. وفي رمضان جهز [الملك] الظاهر صناعًا وأخشابًا وآلات كثيرة لعمارة مسجد رسول الله ﷺ بعد حريقه فطيف بتلك الأخشاب والآلات بمصر فرحة وتعظيمًا لشأنها (١)، ثم ساروا بها إلى المدينة النبوية. وفي شوال سار الظاهر إلى الإسكندرية فنظر في أحوالها وأمورها، وعزل قاضيها وخطيبها ناصر الدين أحمد بن المنيَّر ووَلَّى غيره. وفيها: التقى بركة خان وهولاكو ومع كل واجد جيوش كثيرة فاقتتلوا فهزم الله هولاكو (٢) هزيمة فظيعة وقتل أكثر أصحابه وغرق أكثر من بقي وهرب هو في شرذمة يسيرة (٣) ولله الحمد. ولما نظر بركة خان (٤) كثرة القتلى قال يعز عليَّ أن يقتل المغول بعضهم بعضًا ولكن كيف الحيلة فيمن غيَّر سنَّةَ جنكيزخان ثم غار بركة خان على بلاد القسطنطينية فصانعه (٥) صاحبها وأرسل الظاهر هدايا عظيمة إلى بركة خان (٦). وقد (٧) أقام البرلي (٨) بحلب خليفةً آخر لقبه بالحاكم، فلما اجتاز به المستنصر سار معه إلى العراق واتفقا على المصلحة، وانقاد الحاكم للمستنصر (٩) لكونه أكبر منه ولله الحمد، ولكن خرج عليهما (١٠) طائفة من التتار ففرقوا شملهما وقتلوا خلقًا ممن كان معهما، وعُدم المستنصر وهرب الحاكم مع الأعراب. وقد كان المستنصر هذا فتح بلدانًا كثيرة في مسيره [من الشام] (١١) إلى العراق، ولما قاتله بهادر علي شحنة بغداد كسره المستنصر وقتل أكثر أصحابه، ولكن خرج كمين من التتار نجدة فهرب العربان والأكراد الذين كانوا مع المستنصر وثبت هو في طائفة ممن كان معه من الترك فقُتل أكثرهم. وفُقد هو من

стр. 7009

بينهم (١)، ونجا الحاكم في طائفة، وكانت الوقعة (٢) في أول المحرم من سنة ستين وستمئة. وهذا هو الذي أشبه الحسين بن علي في توغّله في أرض العراق مع كثرة جنودها، وكان الأوْلى له أن يستقر في بلاد الشام (٣) حتى تتمهد له الأمور ويصفو الحال (٤)، ولكن قدَّر الله وما شاء فعل. وجهز السلطان [الملك الظاهر] جيشًا آخر من دمشق إلى بلاد الفرنج فأغاروا وقتلوا وسَبَوْا ورجعوا سالمين، وطلبت الفرنج منه المصالحة فصالحهم مدةً لاشتغاله بحلب وأعمالها. وكان قد عزل في شوال قاضي مصر تاج الدين ابن بنت الأعز (٥) وولي عليها برهان الدين الخضر بن الحسين السنجاري (٦)، وعزل قاضي دمشق نجم الدين أبا بكر بن صدر الدين أحمد بن شمس الدين بن هبة الله بن سَنيّ الدولة (٧)، وولي عليها شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان (٨)، وقد ناب في الحكم بالقاهرة مدةً طويلةً عن بدر الدين السنجاري (٩)، وأضاف (١٠) إليه مع القضاء نظر الأوقاف، والجامع والمارستان، وتدريس سبع مدارس: العادلية، والناصرية، والعذراوية، والفلكية، والركنية، والإقبالية، والبهنسية، وقرئ تقليده يوم عرفة يوم الجمعة بعد الصلاة بالشباك الكمالي من جامع دمشق. وسافر القاضي المعزول مُرْسَمًا عليه. وقد تكلم فيه الشيخ أبو شامة (١١) وذكر أنه خان في وديعة ذهب جعلها فلوسًا فالله أعلم، وكانت مدة ولايته سنةً وأشهرًا. وفي يوم العيد يوم السبت سافر السلطان إلى مصر (١٢). وقد كان رسول الإسماعيلية قدم على السلطان بدمشق يتهدَّدونه ويتوعدونه (١٣)، ويطلبون منه

стр. 7010

إقطاعات كثيرة، فلم يزل السلطان (١) يوقع بينهم حتى استأصل شأفتهم واستولى على بلادهم (٢). [وفيها]: في السادس والعشرين من ربيع الأول عُمل عزاء السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن [العزيز محمد بن الظاهر غازي بن الناصر صلاح الدين يوسف] (٣) بن أيوب بن شاذي فاتح بيت المقدس وكان عمل هذا العزاء بقلعة الجبل بمصر (٤)، بأمر السلطان الظاهر ركن الدين بيبرس، وذلك لما بلغهم أن هولاكو ملك التتار قتله، وقد كان في قبضته منذ مدة (٥) فلما بلغ هولاكو أن أصحابه قد كسروا (٦) بعين جالوت طلبه إلى بين يديه وقال له: أنت أرسلت إلى الجيوش بمصر حتى جاؤوا فاقتتلوا مع المغول (٧) فكسروهم ثم أمر بقتله، ويقال إنه اعتذر إليه (٨) وذكر له أن المصريين كانوا أعداءه وبينه وبينهم شنآن [وقتال]، فأقاله ولكنه انحطت رتبته عنده، وقد كان مكرمًا في خدمته، وقد وعده أنه إذا ملك مصر استنابه في الشام فلما كانت وقعة حمص في هذه السنة وقتل فيها أصحاب هولاكو مع مقدمهم (٩) بيدرة غضب وقال له [: هؤلاء] أصحابك من (١٠) العزيزية أمراء أبيك، والناصرية من أصحابك قتلوا أصحابنا، ثم أمر بقتله. [وذكروا في كيفية قتله أنه رماه] (١١) بالنشاب، وهو واقفٌ بين يديه يسأله العفوَ فلم يعفُ عنه حتى (١٢) قتله وقتل أخاه شقيقه [الملك] الظاهر عليًّا. وأطلق ولديهما العزيز محمد بن الناصر وزبالة بن الظاهر، وكانا صغيرين من أحسن أشكال بني آدم. فأما العزيز فإنه مات هناك في أسر التتار، وأما زبالة فإنه سار إلى مصر وكان (١٣) أحسن مَنْ بها، وكانت أمه أمَّ ولدٍ يقال لها وجه القمر، فتزوجها بعض الأمراء بعد أستاذها [المذكور]. ويقال: إن هولاكو لما أراد قتل الناصر أمر بأربع من الشجر متباعدات [بعضها عن بعض] (١٤)،

стр. 7011

فجُمعت رؤوسها بحبال (١) ثم رُبط الناصر في الأربع (٢) بأربعته، ثم أطلقت الحبال، فرجعت كلُّ واحدة إلى مركزها بعضوٍ من أعضائه (٣) ﵀. وقد قيل إن ذلك كان في الخامس والعشرين من شوال في سنة ثمان وخمسين، وكان مولده في سنة سبع وعشرين بحلب. ولما توفي أبوه سنة أربع وثلاثين بُويع بالسلطنة بحلب وعُمره سبع سنين، وقام بتدبير مملكته جماعةٌ من مماليك أبيه [العزيز]، وكان الأمر كله عن رأي جدته أم [أبيه صفية] خاتون بنت العادل أبي بكر بن أيوب، فلما توفيت في سنة أربعين وستمئة استقّل الناصر بالمُلْكِ، وكان جيّد السيرة في الرعية محببًا إليهم، كثير النفقات، ولا سيما لما ملك دمشق مع حلب وأعمالها وبعلبك وحران وطائفة كبيرة من بلاد الجزيرة. فيقال إن سماطه كان كل يوم يشتمل (٤) أربعمئة رأس غنم سوى الدجاج والأوز وأنواع الطير، مطبوخًا (٥) بأنواع الأطعمة والقلوبات (٦) غير المشوي والمقلي، وكان مجموع ما يعزم على السماط في كل يوم عشرين ألفًا وعامته يخرج من يديه كما هو كأنه لم يؤكل منه شيء، فيُباع على باب القلعة بأرخص الأثمان حتى إنَّ كثيرًا من أرباب البيوت كانوا لا يطبخون في بيوتهم شيئًا من الطرف والأطعمة بل يشترون (٧) برخصٍ ما لا يقدرون على مثله إلا بكلفة ونفقة كثيرة، فيشتري أحدهم بنصف درهم أو بدرهم ما لا يقدر عليه إلا بخسارة كثيرة، ولعله لا يقدر على مثله، وكانت الأرزاق كثيرة دارَّةً في زمانه وأيامه. وقد كان خليعةً ظريفًا حسن الشكل أديبًا يقول الشعر المتوسط القوي بالنسبة إليه. وقد أورد له الشيخ قطب الدين في الذيل (٨) قطعة صالحة من شعره وهي رائقة لائقة. قتل (٩) ببلاد المشرق ودفن هناك، وقد كان (١٠) أعدَّ له تربةً برباطه الذي بناه بسفح قاسيون فلم يُقدَّر دفنه بها.

стр. 7012

والناصرية البرانية (١) بالسفح من أغرب الأبنية (٢) وأحسنها بنيانًا من المؤكد المحكم قبلي جامع الأفرم (٣)، وقد بنى بعدها بمدة طويلة، وكذلك الناصرية الجوانية (٤) التي بناها داخل باب الفراديس هي من أحسن المدارس، وبنى الخان الكبير تجاه الزنجاري وحولت إليه دار الطعم، وقد كانت قبل ذلك غربي القلعة في اصطبل السلطان اليوم ﵀. وفيها توفي من الأعيان (٥): أحمد (٦) بن محمد بن عبد الله (٧) بن محمد بن يحيى بن سيِّد الناس أبو بكر اليَعْمري الأندلسي الحافظ. ولد سنة سبع وتسعين وخمسمئة وسمع الكثير، وحصل كتبًا عظيمة، وصنف أشياء حسنة، وختم به الحفاظ في تلك (٨) البلاد، وكانت وفاته بمدينة تونس في الرابع والعشرين (٩) من رجب من هذه السنة. وممن توفي فيها أيضًا: عبد الرزاق بن رزق الله (١٠) بن أبي بكر بن خلف عز الدين أبو محمد الرسعني (١١) المحدث المفسر.

стр. 7013

سمع الكثير، وحدث، وكان من الفضلاء الأدباء، له مكانةٌ عند البدر لؤلؤ (١) صاحب الموصل، وكان له منزلة أيضًا عند صاحب سنجار، وبها توفي في ليلة الجمعة الثاني عشر من ربيع الآخر وقد جاوز السبعين، ومن شعره: [من الكامل] نعبَ الغرابُ فدلّنا بنعيبهِ … أن الحبيبَ دنا أوانُ مغيبهِ يا سائلي عن طيبِ عَيْشي بعدهمْ … جُدْ لي بعيشٍ ثم سلْ عن طيبهِ محمد بن أحمد بن عنتر السلمي (٢) الدمشقي محتسبها، ومن (٣) عدولها وأعيانها، وله بها أملاك وأوقاف (٤)، توفي بالقاهرة ودفن بالمقطم. علم الدين أبو [محمد] القاسم بن أحمد (٥) بن الموفق بن جعفر المُرْسي اللورقي اللغوي النحوي المقرئ. شرح الشاطبية شرحًا مختصرًا، وشرح المفصل في عدة مجلدات، وشرح الجزولية وقد اجتمع بمصنفها وسأله عن بعض مسائلها، وكان ذا فنون عديدة (٦) حسن الشكل مليح الوجه له هيئة حسنة وبزة وجمال، وقد سمع الكِنْدي (٧) وغيره. الشيخ أبو بكر الدينوري (٨) وهو باني الزاوية بالصالحية، وكان له فيها جماعة مريدون يذكرون الله بأصوات حسنة طيبة ﵀. مولد الشيخ تقي الدين ابن تَيْمِيّة شيخ الإسلام (٩) قال الشيخ شمس الدين الذهبي (١٠): وفي هذه السنة

стр. 7014

ولد شيخنا تقي الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ شهاب الدين عبد الحليم بن أبي القاسم بن تَيْمِيّة الحَرّاني بحرّان يوم الإثنين عاشر ربيع الأول من سنة إحدى وستين وستمئة. الأمير الكبير مجير الدين (١) أبو الهيجاء [بن] عيسى بن خُشْتَرين (٢) الأزْكُشي الكردي الأموي. كان من أعيان الأمراء وشجعانهم، وله يوم عين جالوت اليد البيضاء في كسر (٣) التتار، ولما دخل الملك المظفر إلى دمشق بعد الوقعة جعله مع الأمير علم الدين سنجر (٤) الحلبي نائبًا على دمشق مستشارًا ومشتركًا (٥) في الرأي والمراسيم والتدبير، وكان يجلس معه في دار العدل وله الإقطاع الكامل والرزق الواسع، إلى أن توفي في هذه السنة. قال أبو شامة (٦): ووالده الأمير حسام الدين توفي في جيش الملك الأشرف ببلاد الشرق هو والأمير عماد الدين أحمد بن المشطوب (٧). قلت: وولده الأمير عز الدين تولى (٨) هذه المدينة أعني دمشق مدة، وكان مشكور السيرة وإليه ينسب درب ابن سنون (٩) بالصاغة العتيقة، فيقال درب ابن أبي الهيجاء لأنه كان يسكنه (١٠) وكان يعمل الولاية فيه فعُرف به، وبعد موته بقليل كان فيه نزولنا حين قدمنا من حوران وأنا صغير فختمت فيه القرآن [العظيم]، ولله الحمد والمنة ونسأله أن يتوفانا على الكتاب والسنة (١١).

стр. 7015

ثم دخلت سنة ثنتين وستين وستمئة استُهِلّت (١) والخليفة الحاكم بأمر الله العباسي، والسلطان الظاهر بيبرس، ونائب دمشق الأمير جمال الدين آقوش النجيبي (٢) وقاضيه [شمس الدين] ابن خلكان (٣). وفيها: في أولها كملت المدرسة الظاهرية التي بين القصرين، ورتب لتدريس الشافعية بها القاضي تقي الدين محمد بن الحسين بن رزين (٤)، ولتدريس الحنفية مجد الدين عبد الرحمن بن كمال الدين عمر ابن العديم (٥)، ولمشيخة الحديث بها الشيخ شرف الدين عبد المؤمن (٦) بن خلف الحافظ الدمياطي (٧). وفيها: عمر الظاهر (٨) بالقدس خانًا ووقف عليه أوقافًا للنازلين به من إصلاح نعالهم وأكلهم وغير ذلك، وبنى به طاحونًا وفرنًا. وفيها: قدمت رسل بركة خان إلى الملك الظاهر ومعهم الأشرف ابن الشهاب غازي بن العادل، ومعهم من الكتب والمشافهات ما فيه سرور للإسلام وأهله مما حل بهولاكو وأهله. وفي جمادى الآخرة منها درس الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٩) عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي بدار الحديث الأشرفية، بعد وفاة [القاضي] عماد الدين بن الحرستاني، وحضر عنده القاضي [شمس الدين] بن خلكان وجماعة من القضاة (١٠) والأعيان، وذكر خطبة كتابه "المبعث"، وأورد الحديث بسنده ومتنه، وذكر فوائد كثيرة مستحسنة، ويقال إنه لم يراجع شيئًا حتى ولا درسه ومثله لا يستكثر ذلك عليه (١١) والله أعلم.

стр. 7016

وفيها: قدم نصير الدين الطوسي (١) إلى بغداد من جهة هولاكو (٢)، فنظر في الأوقاف وأحوال البلد، وأخذ كتبًا كثيرة (٣) من سائر المدارس وحولها إلى رصده (٤) الذي بناه بمراغة، ثم انحدر إلى واسط والبصرة. وفيها كانت وفاة: الملك الأشرف (٥) موسى بن الملك المنصور إبراهيم بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه الكبير. [كانوا ملوك حمص كابرًا عن كابر إلى هذا الحين، وقد كان من الكرماء الموصوفين] (٦)، وكبراء الدماشقة المترفين، ويعتني بالمآكل والمشارب (٧)، والملابس والمراكب، وقضاء الشهوات والمآرب، وكثرة التنعم بالمغاني والحبائب، ثم ذهب ذلك كأن لم يكن أو كأضغاث أحلام، أو كظل زائل، وبقيت تبعاته وعقوباته وحسابه وعاره. ولما توفي وجدت له حواصل من الجواهر النفيسة والأموال الكثيرة، وصار (٨) ملكه إلى الدولة الظاهرية [، واستناب ببلاده من الممالك البحرية]. حسام الدين لاجين (٩) وتوفي معه في هذه السنة الأمير حسام الجوكندار نائب حلب. وفيها: كانت كسرة التتار على حمص وقتل مقدمهم بَيْدرة بقضاء الله وقدره الحسن الجميل. الرشيد العطار (١٠) وفيها توفي الرشيد العطار المحدث بمصر.

стр. 7017

والزين خضر (١) مسخرة الملك الأشرف موسى بن العادل. نصر التاجر (٢) والتاجر المشهور (٣) الحاج نصر بن تَرْوس (٤) وكان ملازمًا للصلوات بالجامع، وكان من ذوي اليسار والخير. الخطيب عماد الدين بن الحرستاني (٥) عبد الكريم بن [قاضي القضاة] جمال الدين عبد الصمد بن محمد بن الحرستاني [عماد الدين الخطيب بدمشق]. كان خطيبًا بدمشق وناب في الحكم عن أبيه في الدولة الأشرفية، بعد ابن الصلاح إلى أن توفي في دار (٦) الخطابة في تاسع عِشْري جمادى الأولى، وصلي عليه بالجامع (٧) ودفن عند أبيه بقاسيون، وكانت جنازته حافلة، وقد جاوز الثمانين بخمس سنين، وتولى (٨) بعده الخطابة والغزالية ولده محيي (٩) الدين، وباشر [بعده] مشيخة دار الحديث الشيخ شهاب الدين أبو شامة (١٠). محيي الدين (١١) محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الحسين بن سراقة الحافظ المحدث الأنصاري الشاطبي أبو بكر المغربي.

стр. 7018

عالم فاضل ديّن وأقام بحلب مدة، ثم اجتاز بدمشق قاصدًا مصر. وقد تولى (١) دار الحديث الكاملية بعد زكي الدين عبد العظيم المنذري (٢)، وقد كان له سماعٌ جيدٌ ببغداد وغيرها من البلاد، وقد جاوز السبعين (٣). القبّاري (٤) الشيخ الصالح محمد بن منصور بن يحيى الشيخ أبو القاسم القَبّاري الإسكندراني. كان مقيمًا بغيط له يقتات منه ويعمل فيه ويبدره، ويتورّع جدًا ويطعم الناس من ثماره. توفي في سادس شعبان [من هذه السنة] بالإسكندرية وله خمس وسبعون سنة، وكان يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر ويردع الولاة عن الظلم فيسمعون منه ويطيعونه لزهده، وإذا جاء الناس إلى زيارته إنما يكلمهم من طاقة المنزل وهم راضون منه بذلك. ومن غريب ما حُكي عنه أنه باع دابةً له من رجل، فلما كان بعد أيام جاء الرجل الذي اشتراها فقال: يا سيدي إن الدابة التي اشتريتها منك لا تأكل عندي شيئًا، فنظر إليه الشيخ فقال له: ماذا تعاني من الأسباب (٥)؟ فقال رَقّاصٌ عند الوالي، فقال له: إن دابتنا لا تأكل الحرام، ودخل منزله فأعطاه دراهم ومعها دراهم كثيرة قد اختلطت بها فلا تميز (٦)، فاشترى الناس من الرقَّاص كلَّ درهمٍ بثلاثةٍ لأجل البركة، وأخذ دابته، ولما توفي ترك من الأثاث (٧). ما يساوي خمسين درهمًا فبيع (٨) بمبلغ عشرين ألفًا. قال أبو شامة (٩): وفي الثامن والعشرين من رمضان توفي: محيي الدين عبد الله (١٠) بن صفي الدين إبراهيم بن مرزوق بداره بدمشق المجاورة للمدرسة النورية رحمه الله تعالى.

стр. 7019

قلت: داره هذه هي التي جعلت مدرسة للشافعية وقفها الأمير جمال الدين (١) آقوش النجيبي [التي يقال لها النجيبية] (٢) تقبل الله منه. وبها إقامتنا جعلها الله دارًا تعقبها دار القرار في الفوز العظيم. قد كان أبو جمال الدين النجيبي وهو صفي الدين وزير الملك الأشرف، وملك من الذهب ستمئة ألف دينار خارجًا عن الأملاك (٣) والأثاث والبضائع، وكانت وفاة أبيه بمصر سنة تسع وخمسين، ودفن بتربته عند المقطم. عين غين قال أبو شامة (٤): وجاء الخبر من مصر بوفاة عثمان المصري المعروف بعين غين. الوتار الموصلي وفي ثامن عشر ذي الحجة توفي الشمس الوتّار (٥) الموصلي، وكان قد حَصَّل شيئًا من علم الأدب، وخطب بجامع المزة مدةً. فأنشدني لنفسه في الشيب وخضابه قوله: [من الطويل] (٦) وكنتُ وإيّاها مُذ اختطَّ عارضي … كرُوحينِ (٧) في جسمٍ وما نَقَضَتْ عَهدا فلمّا أتاني الشيبُ يقطعُ بيننا … توهمتُهُ سيفًا فألبستُهُ غِمْدا الزين الحافظي (٨) وفيها: استحضر الملك هولاكو خان [ملك التتار] الزين الحافظي وهو سليمان ابن [المؤيد بن] عامر العَقْرباني (٩) المعروف بالزين الحافظي، وقال له قد ثبت عندي خيانتك، وقد كان هذا المغتر لما قدم التتار سند هولاكو ومالأ (١٠) على المسلمين ودلَّ على عوراتهم، حتى سلطهم الله عليه [فأهلكوه] بأنواع العقوبات والمثلات [قال الله تعالى] ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ [الأنعام: ١٢٩]

стр. 7020

و [في الجملة] "من أعانَ ظالمًا سُلِّط عليه" (١)، فإنّ الله ينتقم من الظالم بالظالم ثم ينتقم من الظالمين جميعًا، نسأل الله العافية من انتقامه وغضبه وعقابه وشر عباده. ثم دخلت سنة ثلاث وستين وستمئة وفيها: جهز السلطان [الملك] الظاهر عسكرًا جمًّا كثيفًا إلى ناحية الفرات لطرد التتار النازلين بالبيرة (٢)، فلما سمعوا بالعساكر [الظاهرية] قد أقبلت ولوا مدبرين (٣)، فطابت تلك الناحية وأمنت تلك المعاملة، وقد كانت قبل ذلك لا تسكن من كثرة الفساد والخوف، فعمرت وأمنت. وفيها: خرج الملك الظاهر في عساكره فقصد بلاد الساحل لقتال الفرنج (٤) ففتح قيسارية في ثلاث ساعات من يوم الخميس ثامن جمادى الأولى يوم (٥) نزوله عليها، وتَسَلَّم قلعتَها في يوم الخميس الآخر خامس عشرة فهدمها وانتقل إلى غيرها، ثم جاء الخبر بأنه فتح مدينة أرسوف (٦) وقتل من بها من الفرنج وجاءت البريدية بذلك. فدقت البشائر في بلاد (٧) المسلمين وفرحوا بذلك فرحًا شديدًا. وفيها: ورد (٨) خبر من بلاد المغرب بأنهم انتصروا على الفرنج وقتلوا منهم خمسة وأربعين ألف مقاتل (٩)، وأسروا عشرة آلاف، واسترجعوا منهم ثنتين وأربعين (١٠) بلدة منها شريش (١١) وإشبيلية وقرطبة ومرسية، وكانت النصرة في يوم الخميس رابع عشر رمضان (١٢) سنة ثنتين وستين. وفي رمضان من هذه السنة شُرع في تبليط باب البريد من باب الجامع إلى القناة (١٣) التي عند الدرج

стр. 7021

وعمل في الصف القبلي منها (١) بركة وشاذروان. وكان في مكانها (٢) قناة من القنوات ينتفع الناس بها (٣) عند انقطاع نهر بانياس (٤) فغيرت وعمل [هذا] الشاذروان. [قلت]: ثم غُيِّرت (٥) وعمل مكانها دكاكين. وفيها: استدعى الظاهر نائبه على دمشق الأمير آقوش، فسار إليه سامعًا مطيعًا، وناب عنه (٦) الأمير علم الدين الحصني حتى عاد مكرمًا معزوزًا (٧). وفيها: ولى [الملك] الظاهر قضاة من بقية المذاهب في مصر (٨) مستقلين بالحكم يولون من جهتهم في البلدان أيضًا كما يولي الشافعي، فتولَّى قضاء الشافعية التاج عبد الوهاب ابن بنت الأعز (٩)، و [تولى قضاء] الحنفية شمس (١٠) الدين سليمان، و [قضاء] المالكية شمس الدين السُّبْكي (١١)، والحنابلة شمس الدين محمد المقدسي (١٢)، وكان ذلك يوم الإثنين الثاني والعشرين من ذي الحجة بدار العدل (١٣)، وكان سبب ذلك كثرة توقف القاضي [تاج الدين] بن بنت الأعز في أمور تخالف مذهب الشافعي، وتوافق غيره من المذاهب، فأشار الأمير جمال الدين أيدغدي (١٤) العزيزي على السلطان بأن يولي من كل مذهب قاضيًا (١٥) مستقلًا يحكم بمقتضى مذهبه، فأجابه إلى ذلك، وكان يحب رأيه ومشورته (١٦).

стр. 7022

وبعث (١) بأخشاب ورصاص وآلات كثيرة لعمارة مسجد رسول الله ﷺ وأرسل منبرًا فنصب هنالك. وفيها: وقع حريق عظيم ببلاد مصر واتّهم النصارى فعاقبهم الملك الظاهر عقوبة عظيمة. وفيها: جاءت الأخبار (٢) بأن سلطان التتار هولاكو هلك إلى لعنة الله وغضبه في سابع ربيع الآخر بمرض الصرع بمدينة مراغة، ودفن بقلعة تلا وبنيت عليه قبة واجتمعت التتار على ولده أبغا، فقصده الملك بركة خان فكسره وفرق جموعه، ففرح الملك الظاهر بذلك، [فرحًا شديدًا] وعزم على جمع العساكر ليأخذ بلاد العراق فلم يتمكن من ذلك لتفرق العساكر في الإقطاعات. وفيها: في ثاني عشر شوال سلطن الملك الظاهر ولده الملك السعيد محمد بركة خان (٣)، وأخذ له البيعة من الأمراء وأركبه ومشى الأمراء بين يديه، وحمل والده الظاهر (٤) الغاشية بنفسه والأمير بدر الدين بيسرى [الشمسي] حامل الجتر (٥)، والقاضي تاج الدين [بن بنت الأعز] والوزير بهاء الدين ابن حنا راكبان وبين يديه، وأعيان الأمراء ركبان وبقيتهم مشاة حتى شقوا القاهرة وهم كذلك، وكان يومًا مشهودًا. وفي ذي القعدة ختن الظاهر ولده الملك السيد المذكور، وختن معه جماعة من أولاد الأمراء وكان يومًا مشهودًا (٦). وفيها توفي (٧): [الزين] خالد بن يوسف بن سعد النابلسي (٨) الشيخ زَينُ الدين ابن الحافظ شيخ دار الحديث النُّورية بدمشق. كان عالمًا بصناعة الحديث حافظًا لأسماء الرجال، وقد اشتغل عليه في ذلك الشيخ محيي الدين النواوي (٩)

стр. 7023

وغيره، وتولى بعده مشيخة [دار الحديث] (١) النورية الشيخ تاج الدين الفزاري (٢)، وكان الشيخ زين الدين حسنَ الأخلاق فكه النفس كثيرَ المزاح على طريقة المحدثين، رحل (٣) إلى بغداد واشتغل بها، وسمع الحديث وكان فيه خير وصلاح وعبادة، وكانت جنازته حافلة (٤) ودفن بمقابر باب الصغير ﵀. الشيخ أبو القاسم الحُوَّاري (٥) هو أبو القاسم [بن] يوسف بن أبي القاسم بن عبد السلام الأموي (٦) الشيخ المشهور صاحب الزاوية بحُوَّارى (٧). توفي ببلده، وكان خيّرًا صالحًا، له أتباعٌ وأصحابٌ يُحبّونه، وله مُريدون كثير من قرايا حوران الجبل والبِثَنيَّة (٨) وهم حنابلة لا يرون الضرب بالدف بل بالكف، وهم أمثل من غيرهم. القاضي بدر الدين الكردي السنجاري (٩) الذي باشر القضاء بمصر مرارًا توفي بالقاهرة (١٠). قال أبو شامة (١١): و [كانت] سيرته معروفة في أخذ الرشا من قضاة الأطراف [والشهود] والمتحاكمين إليه، إلا أنه كان جوادًا كريمًا صُودر هو وأهله. ثم دخلت سنة أربع وستين وستمئة استُهلَّت والخليفة الحاكم العباسي والسلطان (١٢) الملك الظاهر وقضاة مصر أربعة. وفيها

стр. 7024

جعل (١) بدمشق أربعة قضاة من كل مذهب قاض كما فعل بمصر عام أول (٢)، ونائب الشام آقوش النجيبي. [وفيها: وردت الولايات لقضاء القضاة من المذاهب الثلاثة فصار كل مذهب فيه قاضي قضاة فكان في منصب الشافعية شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم] ابن خلكان (٣) [البرمكي، وصار على قضاء] الحنفية شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء (٤)، والحنابلة شمس الدين عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر (٥) [محمد بن أحمد بن قدامة]، والمالكية عبد السلام بن الزواوي (٦)، وقد امتنع من الولاية فألزم بها حتى قبل ثم عزل نفسه، ثم ألزم بها فقبل بشرط أن لا يباشر أوقافًا ولا يأخذ جامكية على [الحكم (٧) فأجيب إلى ذلك وكذلك قاضي الحنابلة لم يأخذ على] أحكامه [أجرًا]. وقال: نحن في كفاية فأُعفي من ذلك أيضًا ﵏. وقد كان هذا الصنيع الذي لم يسبق إلى مثله قد فُعل في العام الأول بمصر كما تقدم (٨)، واستقرت الأحوال على هذا المنوال. وفيها: كمل عمارة الحوض الذي شرقي قناة البريد وعمل له شاذروان وقبة وأنابيب (٩) يجري منها الماء إلى جانب الدرج الشمالي (١٠). وفيها: نازل الظاهر صفد (١١) واستدعى بالمجانيق من دمشق وأحاط بها ولم يزل حتى افتتحها، ونزل أهلها على حكمه، فتسلَّم البلد في يوم الجمعة ثامن عشر شوال [من هذه السنة]، وقتل المقاتلة وسبى الذرية، وقد افتتحها صلاح الدين يوسف بن أيوب (١٢) في شوال أيضًا في أربع وثمانين وخمسمئة، ثم استعادها الفرنج (١٣) فانتزعها الظاهر منهم قهرًا في هذه السنة ولله الحمد (١٤)، وكان السلطان الظاهر في

стр. 7025

نفسه منهم شيء كثير، فلما توجه إلى (١) فتحها طلبوا الأمان [على أن يعطيهم السلطان الأمان]، فأجلس على سرير مملكته الأمير سيف الدين كرمون التتري، وجاءت رسلهم فخلعوه (٢) وانصرفوا ولا يشعرون أن الذي أعطاهم العهود بالأمان إنما هو الأمير الذي أجلسه على السرير والحرب خدعة، فلما خرجت الاسبتارية (٣) والداوية من القلعة وقد فعلوا بالمسلمين الأفاعيل القبيحة، فأمكن الله منهم فأمر السلطان بضرب رقابهم عن آخرهم (٤)، وجاءت البريدية إلى البلاد بذلك، فدقت البشائر وزينت البلاد، ثم بث السرايا يمينًا وشمالًا في بلاد الفرنج فاستولى المسلمون على حصون كثيرة تقارب عشرين حصنًا، وأسروا قريبًا من ألف أسير ما بين امرأة وصبي، وغنموا شيئًا كثيرًا (٥). وفيها: قدم ولد الخليفة المستعصم بن المستنصر من الأسر واسمه علي (٦) فأُكرم وأُنزل بالدار الأسدية تجاه العزيزية، وقد كان أسيرًا في أيدي التتار، فلما كسرهم بركة خان تخلص من أيديهم وسار إلى دمشق، ولما فتح السلطان صفدًا أخبره (٧) بعض مَنْ كان فيها من أسرى المسلمين أن سبب أسرهم أن أهل قرية قارة (٨) كانوا يأخذونهم فيحملونهم إلى الفرنج فيبيعونهم منهم، فعند ذلك ركب السلطان (٩) قاصدًا قارة فأوقع بهم بأسًا شديدًا وقتل منهم خلقًا كثيرًا، وأسر من أبنائهم ونسائهم أخذًا بثأر المسلمين جزاه الله خيرًا. ثم أرسل السلطان [الملك الظاهر] جيشًا هائلًا إلى بلاد سيس، فجاسوا خلال الديار (١٠) وفتحوا سيس عنوة وأسروا ابن ملكها وقتلوا أخاه ونهبوها، وقتلوا أهلها وأخذوا بثأر الإسلام وأهله منهم، وذلك أنهم كانوا أضرَّ شيء زمن التتار، لما أخذوا مدينة حلب وغيرها أسروا (١١) من نساء المسلمين وأطفالهم خلقًا كثيرًا، [وجمًّا غفيرًا] ثم كانوا بعد ذلك يغيرون على بلاد المسلمين في زمن

стр. 7026

هولاكو فكبته الله [وأهانه على يدي أنصار الإسلام، هو وأميره كتبغا، وكان أخذ سيس يوم] (١) الثلاثاء العشرين من ذي القعدة من هذه السنة، وجاءت (٢) الأخبار بذلك إلى البلاد وضُربت البشائر. وفي الخامس والعشرين من ذي الحجة دخل السلطان [الملك الظاهر دمشق المحروسة] وبين يديه ابن صاحب سيس وجماعة من ملوك الأرمن أسارى أذلّاء صغرة، والعساكر صحبته وكان يومًا مشهودًا. ثم سار إلى مصر (٣) مؤيَّدًا منصورًا، [مسرورًا محبورًا ولله الحمد] وطلب صاحب سيس أن يفادي ولده، فقال السلطان (٤) لا نفاديه إلا بأسير لنا عند التتار يقال له سنقر الأشقر، فذهب صاحب سيس إلى ملك التتر فتذلل له [وتمسكن وخضع له] (٥)، حتى أطلقه له، فلما وصل سنقر الأشقر إلى السلطان أطلق ابن صاحب سيس (٦). وفيها: عمر الظاهر الجسر المشهور بين فراوى (٧) ودامية، تولى عمارته الأمير جمال الدين محمد بن بهادر وبدر الدين محمد بن رحال والي نابلس والأغوار، ولما تمَّ بناؤه اضطرب بعضُ أركانه فقلق السلطان من ذلك (٨) وأمر بتأكيده فلم يستطيعوا من قوة جري الماء حينئذ، فاتفق بإذن الله أن انسالت على النهر أكمة من تلك الناحية، فسكن الماء بمقدار أن أصلحوا (٩) ما يريدون، ثم عاد الماء كما كان وذلك بتيسير الله وعونه وعنايته العظيمة. وفيها توفي من الأعيان (١٠): أيْدُغْدِي (١١) بن عبد الله الأمير جمال الدين العزيزي.

стр. 7027

كان من أكابر الأمراء وأحظاهم عند الملك الظاهر، لا يكاد الظاهر يخرج عن رأيه، وهو الذي أشار عليه بولاية القضاة من كل مذهب قاضٍ على سبيل الاستقلال، وكان متواضعًا لا يلبس محرّمًا، كريمًا وقورًا رئيسًا معظمًا في الدولة، أصابته جراحةٌ في حصار صفد فلم يزل مريضًا منها حتى مات ليلة عرفة، ودفن بالرباط الناصري بسفح قاسيون [من صلاحية دمشق] (١) ﵀. هولاكو (٢) خان بن تولي خان (٣) بن جنكيز خان، ملك التتار ابن ملك التتار. وهو والد ملوكهم، والعامةُ يقولون هولاوون مثل قلاوون. وقد كان هولاكو ملكًا جبارًا فاجرًا كفارًا [عنيدًا] لعنه الله، قَتَلَ من المسلمين شرقًا وغربًا ما لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم وسيجازيه على ذلك شرَّ الجزاء، كان لا يتقيَّد بدينٍ من الأديان، وإنما كانت زوجته ظفر خاتون قد تَنَصَّرت وكانت (٤) تفضِّل النصارى على سائر الخلق، وكان هو يَتَرامى على محبّة المعقولات، ولا يتصوّر منها شيئًا، وكان أهلُها من أفراخ الفلاسفة لهم عنده (٥) وجاهةٌ ومكانةٌ، وإنّما كانت همَّتُهُ في تدبير مملكته وتملّك البلاد شيئًا فشيئًا، حتى أباده الله في هذه السنة، وقيل في سنة ثلاث وستين، ودفن في مدينة (٦) تلا (٧)، لا ﵀، وقام في الملك من بعده ولده أبغا خان (٨) وكان أبغا أحد إخوة عشرة (٩) ذكور. والله سبحانه أعلم وهو حسبنا ونعم الوكيل. ثم دخلت سنة خمس وستين وستمئة في يوم الأحد ثاني المحرم توجه [السلطان] الملك الظاهر من دمشق إلى الديار المصرية وصحبتُهُ

стр. 7028

العساكرُ المنصورةُ، وقد استولتِ الدولةُ الإسلاميةُ على بلاد سيس (١) بكمالها، وعلى كثيرٍ من معاقل الفرنج في هذه السنة، وقد أرسلَ العساكرَ بين يديه إلى غزة، وعدل هو إلى ناحية الكرك لينظر في أحوالها، فلما كان عند بركة زيزي (٢) تصيَّد هنالك فسقط عن فرسه فانكسرت فخذه، فأقام هناك (٣) أيامًا يَتَداوى حتى أمكنه أن يركب في المحفَّة، وسار إلى مصر فبرأت رجله في أثناء الطريق فأمكنه الركوب وحده على الفرس. ودخل القاهرة في أُبَّهة عظيمةٍ، وتجمُّلٍ هائلٍ، وقد زُيِّنَتِ البلدُ، واحتفل الناس له احتفالًا عظيمًا، وفرحوا بقدومه وعافيته فرحًا كثيرًا. ثم في رجب منها رجع من القاهرة إلى صفد وحفر خندقًا حول قلعتها وعمل فيه بنفسه وأمرائه وجيشه وأغار على ناحية عكا، فقتل وأسر وغنم وسلم وضُربت لذلك البشائر بدمشق. وفي ثاني (٤) عشر ربيع الأول صلى الظاهر بالجامع الأزهر الجمعة، ولم تكن تقام فيه (٥) الجمعة من زمن العُبَيديين إلى هذا الحين، مع أنه أول مسجد بني (٦) بالقاهرة، بناه جوهرُ القائد (٧) وأقام فيه الجمعة، فلما بنى الحاكم جامعه حَوَّل الجمعة منه إليه، وتركَ الأزهر لا جمعة فيه فصار في حكم بقية المساجد وشعث حالُه وتغيَّرت أحواله، فأمر السلطان بعمارته وبياضه وإقامة الجمعة، وأمر بعمارة جامع الحسينية وكمل في سنة سبع وستين كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وفيها: أمر الظاهر أن لا يبيت أحدٌ من المجاورين بجامع دمشق فيه وأمر بإخراج الخزائن منه، والمقاصير التي كانت فيه، فكانت قريبًا من ثلاثمئة (٨) ووجدوا فيها قوارير البول والفرش والسجاجيد الكثيرة، فاستراح الناس والجامع من ذلك واتسع على المصلين. وفيها: أمر السلطان بعمارة أسوار صفد وقلعتها، وأن يكتب عليها ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢].

стр. 7029

وفيها: التقى أبغا ومنكوتمر الذي قام مقام بركة خان فكسره أبغا وغنم منه شيئًا كثيرًا. وحكى (١) ابن خلكان فيما نقل من خط الشيخ قطب الدين اليونيني قال: بلغنا أن رجلًا بِدَيْرِ أبي سلامة من ناحية بصرى، كان فيه مجون واستهتار، فذكر عنده السواك وما فيه من الفضيلة، فقال: والله لا أستاك إلا في المخرج - يعني دبره - فأخذ سواكًا فوضعه في مخرجه ثم أخرجه، فمكث بعده تسعة أشهر [وهو يشكو من ألم البطن والمخرج، ثم أصابه مثل طلق الحامل (٢)] فوضح ولدًا على صفة الجرذان له أربع (٣) قوائم، ورأسه كرأس السمكة، [وله أربعة أنياب بارزة، وذنب طويل مثل شبر وأربع أصابع] وله دُبُر كدُبُرِ الأرنب. ولما وضعه صاح ذلك الحيوان ثلاث صيحات، فقامت ابنة ذلك الرجل فرضخت رأسه فمات، وعاش ذلك الرجل بعد وضعه له يومين ومات في الثالث، وكان يقول: هذا الحيوان قتلني وقطَّع أمعائي، وقد شاهد ذلك جماعة من أهل تلك الناحية وخطباء ذلك المكان، ومنهم من رأى الحيوان حيًا، ومنهم من رآه بعد موته. وممن توفي من الأعيان: السلطان بَرَكة خان (٤) بن تُوشي بن جِنْكِيزْ خان (٥) وهو ابن عم هولاكو، وقد أسلم بَرَكة خان هذا، وكان يحبُّ العلماءَ والصالحين، ومن أكبر حسناته كسره لهولاكو وتفريق جنوده، وكان يُناصحُ الملكَ الظاهر ويعظّمه ويكرم رسله إليه، ويطلق لهم شيئًا كثيرًا، وقد قام في الملك بعده بعض أهل بيته وهو منكوتمر بن طغان بن بابو (٦) بن تولي بن جنكيز خان، وكان على طريقته ومنواله ولله الحمد. قاضي القضاة (٧) بالديار المصرية تاجُ الدين عبد الوهاب بن خَلَف بن محمود بن بدر بن بنت الأعزّ

стр. 7030

الشافعي، كان ديّنًا عفيفًا نزهًا لا تأخذه في الله لومةُ لائمٍ، ولا يقبلُ شفاعةَ أحدٍ، وجمع له قضاء الديار المصرية بكمالها، والخطابة، والحسبة ومشيخة الشيوخ، ونظر الأجياش (١)، وتدريس الشافعي والصالحية وإمامة الجامع، وكان بيده خمس عشرة (٢) وظيفة، وباشر الوزارة في بعض الأوقات، وكان السلطان يعظمه، والوزير ابن حنا (٣) يخاف منه كثيرًا، وكان يحب أن ينكبه عند السلطان ويضعه فلا يستطيع ذلك، وكان يشتهي أن يأتي داره ولو عائدًا، فمرض في بعض الأحيان فجاء القاضي عائدًا، فقام إلى تلقيه لوسط الدار، فقال له القاضي: إنما جئنا لعيادتك فإذا أنت سويٌّ صحيح، سلام عليكم، فرجع (٤) ولم يجلس عنده. وكان مولده في سنة أربع وستمئة، وتولى بعده القضاء تقي الدين بن رزين (٥). واقف القَيْمُرِيَّة الأمير الكبير ناصر الدين (٦) أبو المعالي الحسين بن العزيز (٧) بن أبي الفوارس القَيْمُرِي (٨) الكردي. كان من أعظم الأمراء مكانةً عند الملوك، وهو الذي سَلَّمَ الشام إلى الملك الناصر صاحب حلب، حين قتل توران شاه بن الصالح أيوب بمصر، وهو واقفُ المدرسة القيمرية (٩) عند مأذنة فيروز، وعمل على بابها الساعات التي لم يسبق إلى مثلها، ولا عمل على شكلها، يقال إنه غرم عليها أربعين ألف درهم. الشيخ شهاب الدين أبو شامة (١٠) عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر بن عباس

стр. 7031

أبو محمد وأبو القاسم المقدسي الشيخ الإمام العالم الحافظ المحدث الفقيه المؤرخ المعروف بأبي شامة. شيخ دار الحديث الأشرفية، ومدرس الركنية، وصاحب المصنفات العديدة المفيدة، له "اختصار تاريخ دمشق" في مجلدات كثيرة، وله "شرح الشاطبية"، وله "الرد إلى الأمر الأول"، وله في "المبعث" (١) وفي "الإسراء"، وكتاب "الروضتين في الدولتين النورية والصلاحية"، وله "الذيل على ذلك"، وله غير ذلك من الفوائد الحسان والغرائب (٢) التي هي كالعقيان. ولد ليلة الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وخمسمئة، وذكر لنفسه ترجمة في هذه السنة في الذيل (٣)، وذكر مرباه ومنشأه، وطلبه العلم، وسماعه الحديث، وتفقهه على الفخر بن عساكر (٤) وابن عبد السلام (٥)، والسيف الآمدي (٦)، والشيخ موفق الدين بن قدامة (٧)، وما رُئي له من المنامات الحسنة. وكان ذا فنون كثيرة. أخبرني [الشيخ] علَم الدين البرزالي (٨) الحافظ عن الشيخ تاج الدين الفزاري (٩)، أنه كان يقول: بلغ الشيخ شهاب الدين أبو شامة رتبة الاجتهاد، وقد كان ينظم أشعارًا في أوقات، فمنها ما هو مستحلى، ومنها ما لا يستحلى، فالله يغفر لنا وله. وبالجملة فلم يكن في وقته مثله في نفسه وديانته، وعفته وأمانته، وكانت وفاته بسبب محنة (١٠) ألَّبوا عليه، وأرسلوا إليه من اغتاله وهو بمنزل له بطواحين الأشنان، وقد كان اتُّهم برأي، الظاهر براءته منه، وقد قال جماعة من أهل الحديث وغيرهم: إنه كان مظلومًا، ولم يزل يكتب في التاريخ حتى وصل إلى

стр. 7032

رجب (١) من هذه السنة، فذكر أنه أصيب بمحنة في منزله بطواحين الأشنان، وكان الذين قتلوه جاؤوه قبل فضربوه ليموت فلم يمت، فقيل له: ألا تشتكي عليهم، فلم يفعل، وأنشأ يقول (٢): [من السريع] قلتُ لمنْ قَالَ ألا تَشْتكي … ما قَدْ جَرَى فهوَ عَظيمٌ جَلِيلْ يُقَيِّضُ اللهُ تعالى لَنا … مَنْ يأخُذ الحقَّ ويَشْفِي الغَليلْ إذا تَوَكَّلْنَا عليهِ كَفَى … فَحَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوكيلْ (٣) وكأنَّهم عادوا إليه مرةً ثانيةً وهو في المنزل المذكور فقتلوه بالكلية في ليلة الثلاثاء تاسع عشر رمضان (٤) ﵀. ودفن [من يومه بمقابر باب الفراديس] (٥)، وباشر بعده مشيخة دار الحديث الأشرفية الشيخ محيي الدين النووي (٦). [مولد القاسم بن محمد البرزالي] في هذه السنة كان مولد الحافظ علم الدين القاسم بن محمد البرزالي (٧)، وقد ذيَّلَ على تاريخ أبي شامة لأنّ مولده في سنة وفاته، فحذا حَذْوَه وسَلَكَ نحوَهُ، ورتَّب ترتيبه، وهذب تهذيبه. وهذا أيضًا ممن ينشد في ترجمته (٨). [من البسيط] ما زلتَ تَكْتُبُ في التاريخِ مُجْتَهِدًا … حتى رَأيتُكَ في التَّاريخِ مَكْتُوبا ويناسب أن ينشد هنا [قول الشاعر]: [من الطويل] إذا سَيِّدٌ منّا خَلَا قامَ سَيِّدٌ … قَؤُولٌ لما قالَ الكرامُ فَعولُ ثم دخلت سنة ست وستين وستمئة استهلت هذه السنة والحاكم (٩) العباسي خليفة، وسلطانُ البلاد الملكُ الظاهر، وفي أول جمادى

стр. 7033

الآخرة (١) خرج السلطانُ من الديار المصرية بالعساكر المنصورة، فنزل على مدينة يافا بغتةً فأخذها عنوةً، وسلّم إليه أهلها قلعتَها صلحًا، فأجلاهم منها إلى عكا وخرَّبَ القلعةَ والمدينة [أيضًا وكان الفرنج اعتنوا بعمارتها وتحصينها فجعلها بلقعًا لئلا يكون لهم إليها عودة] وسار منها في رجب قاصدًا حصن الشقيف، وفي بطن (٢) الطريق أخذ من بعض بريدية الفرنج كتابًا من أهل عكا إلى أهل الشّقيف يعلمونهم بقدوم (٣) السلطان عليهم، ويأمرونهم بتحصين البلد، والمبادرة إلى إصلاح أماكن يخشى على البلد منها. ففهم السلطان كيف يأخذ البلد وعرف من أين تؤكل الكتف، واستدعى من فوره رجلًا من الفرنج فأمره أن يكتب بدله كتابًا على ألسنتهم إلى أهل الشقيف، يحذّر الملك من الوزير، والوزير من الملك، ويرمي الخلفَ بين رجال الدولة، فوصل إليهم فأوقع الله الخلفَ بينهم بحوله وقوته، وجاء السلطان فحاصرهم ورماهم بالمنجنيق فسلموه الحصن في التاسع والعشرين من رجب وأجلاهم إلى صور، وبعث بالأنفال (٤) إلى دمشق، ثم ركب جريدة فيمن نشط من الجيش فشنَّ الغارةَ على طرابلس وأعمالها، فنهبَ وقتلَ وكرّ راجعًا مؤيَّدًا منصورًا، فنزل على حصن الأكراد تحته في المرج، فحمل إليه أهله من الفرنج الإقامات (٥) فأبى أن يقبلها وقال: أنتم قتلتم جنديًا من جيشي وأريد ديته مئة ألف دينار، ثم سار فنزل على حمص، ثم منها إلى حماة، ثم إلى فامية (٦) ثم سار منزلة أخرى، ثم سار ليلًا وتقدم العسكر فلبسوا العدة وساق حتى أحاط بمدينة أنطاكية. فتح (٧) أنطاكية على يد السلطان الملك الظاهر وهي مدينة عظيمة كثيرة الخير، يقال إن دور سورها اثنا عشر ميلًا، وعدد بروجها مئة وستة وثلاثون برجًا، وعددُ شُرُفاتها أربعةٌ وعشرون ألف شرافة، كان (٨) نزوله عليها في مستهل شهر رمضان، فخرج

стр. 7034

إليها أهلها يطلبون منه الأمان، وشرطوا شروطًا له عليهم (١) فأبى أن يجيبهم وردَّهم خائبين وصمَّم على حصارها، ففتحها يوم السبت رابع عشر رمضان (٢) بحول الله وقوته وتأييده ونصره، وغنم منها شيئًا كثيرًا، وأطلق للأمراء أموالًا جزيلةً، ووجد من أسارى المسلمين من الحلبيّين فيها خلقًا كثيرًا، كلّ هذا في مقدار أربعة أيام. وقد كان الإفرنس (٣) صاحبها وصاحب طرابلس، من أشد الناس أذيةً للمسلمين، حين ملك التتارُ حلب وفرّ الناسُ منها، فانتقم الله سبحانه منه بمن أقامه للإسلام ناصرًا وللصليب دامغًا وكاسرًا، ولله الحمد (٤) والمنة، وجاءت البشارة بذلك مع البريدية، فجاوبتها البشائرُ من القلعة المنصورة. وأرسل أهلُ بَغْراس (٥) حين سمعوا بقصد السلطان إليهم يطلبون منه أن يبعث إليهم من يَتَسَلَّمها، فأرسل إليهم أستاذ داره الأمير آقسنقر الفارقاني (٦) في ثالث عشر رمضان فتسلمها، وتسلموا حصونًا كبيرة (٧) وقلاعًا كثيرة. وعاد السلطان مؤيدًا منصورًا، فدخل دمشق في السابع والعشرين من رمضان من هذه السنة في أبَّهة عظيمة وهيبة هائلة، وقد زُينت له البلد ودقَّت له البشائر فرحًا بنصرة الإسلام على الكفرة الطغام. لكنه كان قد عزم على أخذ أراضي (٨) كثيرة من القرى والبساتين التي بأيدي ملاكها بزعم (٩) أنه قد كانت التتار استحوذوا عليها ثم استنقذها (١٠) منهم، وقد أفتاه بعض الفقهاء من الحنفية [بذلك] تفريعًا على أن الكفار إذا أخذوا شيئًا من أموال المسلمين ملكوه، فإذا استرجعت لم ترد إلى أصحابها، وهذه المسألة مشهورة وللناس فيها قولان:

стр. 7035

(أصحهما) قول الجمهور أنه يجب ردها إلى أصحابها لحديث العضباء ناقة رسول الله ﷺ ، حين استرجعها رسول الله ﷺ ، وقد كان أخذها المشركون، استدلّوا بهذا وأمثاله على أبي حنيفة. وقال بعض العلماء: إذا أخذ الكفار أموال المسلمين وأسلموا وهي في أيديهم استقرّت على أملاكهم، واستدل على ذلك بقوله ﵊ "وهَلْ ترَكَ لنا عقيلٌ من رباعٍ" (١) وقد كان استحوذ على أملاك المسلمين الذين هاجروا وأسلم عقيل وهي في يده، فلم تنتزع من يده، وأما إذا انتزعت من أيديهم قبل، فإنها ترد إلى أربابها لحديث العضباء. والمقصود أن الظاهر عقد مجلسًا اجتمع فيه القضاة من سائر المذاهب وتكلموا في ذلك وصمَّم السلطان على ذلك اعتمادًا على ما بيده من الفتاوى، وخاف الناسُ من غائلة ذلك فتوسَّط الصاحب فخر الدين بن الوزير بهاء الدين بن الحنا (٢)، وكان قد درَّس بالشافعي بعد ابن بنت الأعز، فقال: يا خوند أهل البلد يصالحونك عن ذلك كله بألف ألف درهم، تقسط كل سنة مئتي (٣) ألف درهم، فأبى إلا أن تكون معجلة بعد أيام، وخرج متوجهًا إلى الديار المصرية، وقد أجاب (٤) إلى تقسيطها، وجاءت البشارة بذلك، [فقرئت على المنبر ففرح الناس بذلك] ورسم أن يعجّلوا من ذلك أربعمئة ألف درهم، وأن تعاد إليهم (٥) الغلّات التي كانوا قد احتاطوا عليها في زمن القسم والثمار، وكانت هذه الفعلة مما شعثت خواطر الناس على السلطان. ولما استقر أمر أبغا على التتار أمر باستمرار وزيره نصير الدين الطوسي (٦)، واستناب على بلاد الروم (٧) البرواناه (٨) وارتفع قدره عنده جدًا واستقلّ بتدبير تلك البلاد وعظم شأنه فيها. وفيها: كتب صاحبُ اليمن إلى الظاهر بالخضوع والانتماء إلى جانبه وأن يخطب له ببلاد اليمن، وأرسل إليه بهدايا وتحفًا كثيرة، فأرسل إليه السلطان هدايا وخلعًا وسنجقًا وتقليدًا.

стр. 7036

وفيها: رافع ضياء الدين بن الفقاعي (١) للصاحب بهاء الدين بن الحنا عند الظاهر واستظهر عليه ابن الحنا، فسلَّمه الظاهر إليه، فلم يزل يضربه بالمقارع ويستخلص أمواله إلى أن مات، فيقال إنه ضربه قبل أن يموت سبعة عشر ألف مقرعة وسبعمئة فالله أعلم. وفيها: عمل البرواناه على قتل الملك علاء الدين (٢) صاحب قونية وأقام ولده غياث الدين (٣) مكانه وهو ابن عشر سنين، وتمكن البرواناه في البلاد والعباد وأطاعه جيش الروم. وفيها: قتل الصاحب علاءُ الدين صاحبُ الديوان ببغداد ابنَ الخشكري النعماني الشاعر، وذلك أنه اشتهر عنه أشياء عظيمة، منها أنه يعتقد فضل شِعْرِه على القرآن المجيد، واتفق أن الصاحب انحدر إلى واسط فلما كان بالنعمانية حضر ابن الخشكري عنده وأنشده قصيدة قد قالها فيه، فبينما هو ينشدها بين يديه إذ أذَّن المُؤَذِّنُ فاستنصته الصاحب، فقال ابن الخشكري: يا مولانا اسمع شيئًا جديدًا، وأعرض عن شيء له سنين، فثبت عند الصاحب ما كان يقال عنده عنه، ثم باسطه وأظهر أنه لا ينكر عليه شيئًا مما قال حتى استعلم ما عنده، فإذا هو زنديق، فلما ركب قال لإنسان معه: استفرده في أثناء الطريق واقتله، فسايره ذلك الرجل حتى إذا انقطع عن الناس قال لجماعة معه: أنزلوه عن فرسه كالمداعب له، فأنزلوه وهو يشتمهم ويلعنهم، ثم قال انزعوا عنه ثيابه فسلبوها وهو يخاصمهم، ويقول إنكم أجلافٌ، وإن هذا لعب بارد، ثم قال: اضربوا عنقه، فتقدم أحدهم فضربه بسيفه فأبان رأسه. وفيها توفي: الشيخ عفيف الدين يوسف بن البقال (٤) شيخ رباط المرزبانية. كان صالحًا ورعًا زاهدًا حكى عن نفسه قال: كنتُ بمصر فبلغني ما وقع من القتل الذريع ببغداد في فتنة التتار، فأنكرت في قلبي (٥) وقلت: يا ربِّ كيف هذا وفيهم الأطفال ومن لا ذنب له؟ فرأيتُ في المنام رجلًا وفي يده كتاب فأخذته فقرأتُه فإذا فيه هذه الأبيات فيها الإنكار عليّ: [المتقارب] دعِ الاعتراضَ فما الأمرُ لكْ … ولا الحكمُ في حَركاتِ الفَلَكْ ولا تسألِ اللهَ عن فعلهِ … فمنْ خاضَ لجَّةَ بحْرٍ هَلَكْ

стр. 7037

إليهِ تصيرُ أُمورُ العبادِ … دعِ الاعتراضَ فما أجْهَلَكْ وممن توفي فيها من الأعيان (١). الحافظ أبو إبراهيم إسحاق بن عبد الله بن عمر بن عبد الله (٢) المعروف بابن قاضي اليمن، عن ثمان وستين سنة، ودفن بالشَّرف الأعلى، وكان قد تفرَّد بروايات جيدة وانتفع الناس به. [مولد الشرف ابن تيمية (٣) والقزويني (٤)] وفيها: ولد الشيخ شرف الدين عبد الله بن تيمية أخو الشيخ تقي الدين ابن تيمية، والخطيب القزويني. ثم دخلت سنة سبع وستين وستمئة في صفر منها جدَّد السلطانُ الظاهرُ البيعةَ لولده من بعده الملك السعيد محمد بركة خان، وأحضر الأمراء كلهم والقضاة والأعيان وأركبه ومشى بين يديه، وكتب له ابن لقمان (٥) تقليدًا هائلًا بالملك من بعد أبيه، وأن يحكم عنه أيضًا في حال حياته، ثم ركب السلطان في عساكره في جمادى الآخرة قاصدًا الشام، فلما دخل دمشق جاءته رسل من أبغا ملك التتار (٦) معهم مكاتبات ومشافهات، فمن جملة المشافهات: أنتَ مملوكٌ أُبِعتَ (٧) بسيواس فكيف يصلحُ لكَ أن تخالفَ ملوكَ الأرض؟ واعلم أنك لو صعدتَ إلى السماء أو هبطت إلى الأرض ما تخلصتَ منّي فاعمل لنفسكَ على مصالحةِ السلطان أبغا، فلم يلتفت إلى ذلك ولا عده شيئًا بل أجاب عنه أتمَّ جواب، وقال لرسله: أعلموه أني من ورائه بالمطالبة ولا أزال حتى أنتزع منه (٨) جميع البلاد التي استحوذ عليها من بلاد الخليفة، وسائر أقطار الأرض. وفي جمادى الآخرة رسم السلطان الملك الظاهر بإراقة الخمور وتبطيل المفسدات والخواطئ بالبلاد

стр. 7038

كلها، فنهبت الخواطئ وسلبن جميع ما كان معهن حتى يتزوجن (١)، وكتب إلى جميع البلاد بذلك، وأسقط (٢) المكوس التي كانت مرتبةً على ذلك، وعُوّض من كان محالًا على ذلك بغيرها ولله الحمد والمنة. ثم عاد السلطان بعساكره إلى مصر، فلما كان في أثناء الطريق عند خربة اللصوص تعرضت له امرأة فذكرت له أن ولدها دخل إلى مدينة صور، وأن صاحبها الفرنجي غدر به وقتله وأخذ ماله، فركب السلطان وشنّ الغارة على صور فأخذ منها شيئًا كثيرًا، وقتل خلقًا، فأرسل إليه ملكها ما سبب هذا؟ فذكر له غدره ومكره بالتجار، ثم قال السلطان لمقدم الجيوش: أوهم الناس: أني مريض وأني بالمحفة (٣) وأحضرِ الأطباء واستوصفْ لي منهم ما يصلحُ لمريضٍ به كذا وكذا، وإذا وصفوا لك فأحضر الأشربةَ إلى المحفة وأنتم سائرون. ثم ركب السلطان على البريد وساق مسرعًا [حتى دخل الديار المصرية] فكشف أحوال ولده وكيف الأمر بالديار المصرية بعده، ثم عاد مسرعًا إلى الجيش فجلس في المحفة وأظهروا عافيته وتباشروا بذلك. وهذه جرأة عظيمة، وإقدام هائل. وفيها: حج السلطان الملك الظاهر وفي صحبته الأمير بدر الدين الخزندار، وقاضي القضاة صدر الدين سليمان الحنفي (٤)، وفخر الدين بن لقمان، وتاج الدين بن الأثير ونحو من ثلاثمئة مملوك، وأجناد من الخلقة (٥) المنصورة، فسار على طريق الكرك ونظر في أحوالها ثم منها إلى المدينة النبوية، فأحسن إلى أهلها ونظر في أحوالها، ثم منها إلى مكة فتصدق على المجاورين ثم وقف بعرفة وطاف طواف الإفاضة وفتحت له الكعبة فغسلها بماء الورد وطيَّبها بيده، ثم وقف بباب الكعبة فتناول أيدي الناس ليدخلوا الكعبة وهو بينهم، ثم رجع فرمى الجمرات ثم تعجل النفر فعاد على المدينة المنورة فزار القبر الشريف مرة ثانية [على ساكنه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وعلى آله وأهل بيته الطيبين الطاهرين وصحابته الكرام أجمعين إلى يوم الدين] (٦) ثم سار إلى الكرك فدخلها في التاسع والعشرين من ذي الحجة، وأرسلَ البشيرَ إلى دمشق بقدومه سالمًا، فخرج الأميرُ جمال الدين آقوش النجيبي (٧) نائبها ليتلقَّى البشيرَ في ثاني المحرم، فإذا هو السلطان نفسه يسيرُ في الميدان الأخضر، وقد سبقَ الجميعَ،

стр. 7039

فتعجَّبَ الناس من سرعةِ سيره وصبره وجلده، ثم ساق (١) من فوره حتى دخلَ حلبَ في سادس المحرم ليتفقَّدَ أحوالها، ثم عاد إلى حماة ثم رجع إلى دمشق ثم سار إلى مصر فدخلها يوم الثلاثاء ثالث صفر من السنة المقبلة رحمه الله تعالى. وفي أواخر ذي الحجة هبت ريح شديدة أغرقت (٢) مئتي مركب في النيل، وهلك فيها خلقٌ كثيرٌ، ووقع هناك مطرٌ شديدٌ جدًا، وأصاب الشامَ من ذلك صقعة (٣) أهلكتِ الثمار، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها: أوقع الله تعالى الخلف بين التتار من أصحاب أبغا (٤) وأصحاب ابن منكوتمر ابن عمه وتفرقوا واشتغلوا ببعضهم بعضًا، ولله الحمد. وفيها: خرج أهل حرَّان منها وقدموا الشام، وكان فيهم شيخُنا العلامة أبو العباس أحمد بن تيمية (٥) صحبة أبيه وعمره ست سنين، وأخوه زين الدين عبد الرحمن وشرف الدين عبد الله (٦)، وهما أصغر منه. وممن توفي فيها من الأعيان: الأمير عز الدين أيْدَمُر بن عبد الله (٧) الحلبي الصالحي. كان من أكابر الأمراء وأحظاهم عند الملوك، ثم عند الملك الظاهر، كان يستنيبُه إذا غابَ، فلما كانت هذه السنة أخذه معه وكانت وفاته بقلعةِ دمشق، ودفن بتربة بالقرب من اليَغْمورية، وخلَّفَ أموالًا جزيلة، وأوصى إلى السلطان في أولاده، وحضر السلطان عزاءه بجامع دمشق. شرف الدين أبو الطاهر (٨) محمد بن الحافظ أبي الخطّاب عُمر بن دِحْية المصري. ولد سنة عشر وستمئة، وسمع أباه وجماعة، وتولى مشيخة دار الحديث الكاملية، وحدّث وكان فاضلًا.

стр. 7040

القاضي تاج الدين أبو عبد الله (١) محمد بن وَثّاب بن رافع النُّخَيْلي (٢) الحنفي، دَرَّس وأفتى عن ابن عطاء بدمشق، ومات بعد خروجه من الحمّام على مساطب الحمام فجأةً ودفن بقاسيون. الطبيب الماهر شرف الدين أبو الحسن (٣) علي بن يوسف بن حَيْدَرة الرَّحْبي شيخ الأطباء بدمشق، ومدرّس الدخورية عن وصية واقفها بذلك وله التقدمة في هذه الصناعة على أقرانه من أهل زمانه، ومن شعره قوله (٤): [من الطويل] يساقُ بنو الدّنْيا إلى الحَتْفِ عُنْوَةً … ولا يَشْعر الباقي بحالة مَنْ يَمضي كأنهمُ الأنعامُ في جهْلِ بَعْضها … بما تَمَّ مِنْ سَفْكِ الدِّماءِ على بَعْضِ الشيخ نصير الدين (٥) المُبارك بن يحيى بن أبي الحسن أبو (٦) البركات بن الطَّبَّاخ (٧) الشافعي، العلَّامة في الفقه والحديث، درَّس وأفْتى وصنَّفَ وانتفع به (٨)، وعُمر ثمانين سنة، وكانت وفاته في حادي عشر جمادى الآخرة (٩) من [هذه السنة، رحمه الله تعالى] (١٠). الشيخ أبو الحسن (١١) علي بن عبد الله بن إبراهيم الكوفي المقرئ (١٢) النَّحوي المُلَقَّب بسيبويه. وكان فاضلًا بارعًا في صناعة النحو، توفي بمارستان القاهرة [في هذه السنة] (١٣) عن سبع وستين سنة ﵀. ومن شعره: [من البسيط] عَذَّبْتَ قَلْبِي بهَجْرٍ منكَ مُتَّصلِ … يا مَنْ هواهُ ضَميرٌ غَيْرُ مُنْفَصلِ
следующие страницы →