← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

وفيها: رافع ضياء الدين بن الفقاعي (١) للصاحب بهاء الدين بن الحنا عند الظاهر واستظهر عليه ابن الحنا، فسلَّمه الظاهر إليه، فلم يزل يضربه بالمقارع ويستخلص أمواله إلى أن مات، فيقال إنه ضربه قبل أن يموت سبعة عشر ألف مقرعة وسبعمئة فالله أعلم. وفيها: عمل البرواناه على قتل الملك علاء الدين (٢) صاحب قونية وأقام ولده غياث الدين (٣) مكانه وهو ابن عشر سنين، وتمكن البرواناه في البلاد والعباد وأطاعه جيش الروم. وفيها: قتل الصاحب علاءُ الدين صاحبُ الديوان ببغداد ابنَ الخشكري النعماني الشاعر، وذلك أنه اشتهر عنه أشياء عظيمة، منها أنه يعتقد فضل شِعْرِه على القرآن المجيد، واتفق أن الصاحب انحدر إلى واسط فلما كان بالنعمانية حضر ابن الخشكري عنده وأنشده قصيدة قد قالها فيه، فبينما هو ينشدها بين يديه إذ أذَّن المُؤَذِّنُ فاستنصته الصاحب، فقال ابن الخشكري: يا مولانا اسمع شيئًا جديدًا، وأعرض عن شيء له سنين، فثبت عند الصاحب ما كان يقال عنده عنه، ثم باسطه وأظهر أنه لا ينكر عليه شيئًا مما قال حتى استعلم ما عنده، فإذا هو زنديق، فلما ركب قال لإنسان معه: استفرده في أثناء الطريق واقتله، فسايره ذلك الرجل حتى إذا انقطع عن الناس قال لجماعة معه: أنزلوه عن فرسه كالمداعب له، فأنزلوه وهو يشتمهم ويلعنهم، ثم قال انزعوا عنه ثيابه فسلبوها وهو يخاصمهم، ويقول إنكم أجلافٌ، وإن هذا لعب بارد، ثم قال: اضربوا عنقه، فتقدم أحدهم فضربه بسيفه فأبان رأسه. وفيها توفي: الشيخ عفيف الدين يوسف بن البقال (٤) شيخ رباط المرزبانية. كان صالحًا ورعًا زاهدًا حكى عن نفسه قال: كنتُ بمصر فبلغني ما وقع من القتل الذريع ببغداد في فتنة التتار، فأنكرت في قلبي (٥) وقلت: يا ربِّ كيف هذا وفيهم الأطفال ومن لا ذنب له؟ فرأيتُ في المنام رجلًا وفي يده كتاب فأخذته فقرأتُه فإذا فيه هذه الأبيات فيها الإنكار عليّ: [المتقارب] دعِ الاعتراضَ فما الأمرُ لكْ … ولا الحكمُ في حَركاتِ الفَلَكْ ولا تسألِ اللهَ عن فعلهِ … فمنْ خاضَ لجَّةَ بحْرٍ هَلَكْ

стр. 7037

إليهِ تصيرُ أُمورُ العبادِ … دعِ الاعتراضَ فما أجْهَلَكْ وممن توفي فيها من الأعيان (١). الحافظ أبو إبراهيم إسحاق بن عبد الله بن عمر بن عبد الله (٢) المعروف بابن قاضي اليمن، عن ثمان وستين سنة، ودفن بالشَّرف الأعلى، وكان قد تفرَّد بروايات جيدة وانتفع الناس به. [مولد الشرف ابن تيمية (٣) والقزويني (٤)] وفيها: ولد الشيخ شرف الدين عبد الله بن تيمية أخو الشيخ تقي الدين ابن تيمية، والخطيب القزويني. ثم دخلت سنة سبع وستين وستمئة في صفر منها جدَّد السلطانُ الظاهرُ البيعةَ لولده من بعده الملك السعيد محمد بركة خان، وأحضر الأمراء كلهم والقضاة والأعيان وأركبه ومشى بين يديه، وكتب له ابن لقمان (٥) تقليدًا هائلًا بالملك من بعد أبيه، وأن يحكم عنه أيضًا في حال حياته، ثم ركب السلطان في عساكره في جمادى الآخرة قاصدًا الشام، فلما دخل دمشق جاءته رسل من أبغا ملك التتار (٦) معهم مكاتبات ومشافهات، فمن جملة المشافهات: أنتَ مملوكٌ أُبِعتَ (٧) بسيواس فكيف يصلحُ لكَ أن تخالفَ ملوكَ الأرض؟ واعلم أنك لو صعدتَ إلى السماء أو هبطت إلى الأرض ما تخلصتَ منّي فاعمل لنفسكَ على مصالحةِ السلطان أبغا، فلم يلتفت إلى ذلك ولا عده شيئًا بل أجاب عنه أتمَّ جواب، وقال لرسله: أعلموه أني من ورائه بالمطالبة ولا أزال حتى أنتزع منه (٨) جميع البلاد التي استحوذ عليها من بلاد الخليفة، وسائر أقطار الأرض. وفي جمادى الآخرة رسم السلطان الملك الظاهر بإراقة الخمور وتبطيل المفسدات والخواطئ بالبلاد

стр. 7038

كلها، فنهبت الخواطئ وسلبن جميع ما كان معهن حتى يتزوجن (١)، وكتب إلى جميع البلاد بذلك، وأسقط (٢) المكوس التي كانت مرتبةً على ذلك، وعُوّض من كان محالًا على ذلك بغيرها ولله الحمد والمنة. ثم عاد السلطان بعساكره إلى مصر، فلما كان في أثناء الطريق عند خربة اللصوص تعرضت له امرأة فذكرت له أن ولدها دخل إلى مدينة صور، وأن صاحبها الفرنجي غدر به وقتله وأخذ ماله، فركب السلطان وشنّ الغارة على صور فأخذ منها شيئًا كثيرًا، وقتل خلقًا، فأرسل إليه ملكها ما سبب هذا؟ فذكر له غدره ومكره بالتجار، ثم قال السلطان لمقدم الجيوش: أوهم الناس: أني مريض وأني بالمحفة (٣) وأحضرِ الأطباء واستوصفْ لي منهم ما يصلحُ لمريضٍ به كذا وكذا، وإذا وصفوا لك فأحضر الأشربةَ إلى المحفة وأنتم سائرون. ثم ركب السلطان على البريد وساق مسرعًا [حتى دخل الديار المصرية] فكشف أحوال ولده وكيف الأمر بالديار المصرية بعده، ثم عاد مسرعًا إلى الجيش فجلس في المحفة وأظهروا عافيته وتباشروا بذلك. وهذه جرأة عظيمة، وإقدام هائل. وفيها: حج السلطان الملك الظاهر وفي صحبته الأمير بدر الدين الخزندار، وقاضي القضاة صدر الدين سليمان الحنفي (٤)، وفخر الدين بن لقمان، وتاج الدين بن الأثير ونحو من ثلاثمئة مملوك، وأجناد من الخلقة (٥) المنصورة، فسار على طريق الكرك ونظر في أحوالها ثم منها إلى المدينة النبوية، فأحسن إلى أهلها ونظر في أحوالها، ثم منها إلى مكة فتصدق على المجاورين ثم وقف بعرفة وطاف طواف الإفاضة وفتحت له الكعبة فغسلها بماء الورد وطيَّبها بيده، ثم وقف بباب الكعبة فتناول أيدي الناس ليدخلوا الكعبة وهو بينهم، ثم رجع فرمى الجمرات ثم تعجل النفر فعاد على المدينة المنورة فزار القبر الشريف مرة ثانية [على ساكنه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وعلى آله وأهل بيته الطيبين الطاهرين وصحابته الكرام أجمعين إلى يوم الدين] (٦) ثم سار إلى الكرك فدخلها في التاسع والعشرين من ذي الحجة، وأرسلَ البشيرَ إلى دمشق بقدومه سالمًا، فخرج الأميرُ جمال الدين آقوش النجيبي (٧) نائبها ليتلقَّى البشيرَ في ثاني المحرم، فإذا هو السلطان نفسه يسيرُ في الميدان الأخضر، وقد سبقَ الجميعَ،

стр. 7039

فتعجَّبَ الناس من سرعةِ سيره وصبره وجلده، ثم ساق (١) من فوره حتى دخلَ حلبَ في سادس المحرم ليتفقَّدَ أحوالها، ثم عاد إلى حماة ثم رجع إلى دمشق ثم سار إلى مصر فدخلها يوم الثلاثاء ثالث صفر من السنة المقبلة رحمه الله تعالى. وفي أواخر ذي الحجة هبت ريح شديدة أغرقت (٢) مئتي مركب في النيل، وهلك فيها خلقٌ كثيرٌ، ووقع هناك مطرٌ شديدٌ جدًا، وأصاب الشامَ من ذلك صقعة (٣) أهلكتِ الثمار، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها: أوقع الله تعالى الخلف بين التتار من أصحاب أبغا (٤) وأصحاب ابن منكوتمر ابن عمه وتفرقوا واشتغلوا ببعضهم بعضًا، ولله الحمد. وفيها: خرج أهل حرَّان منها وقدموا الشام، وكان فيهم شيخُنا العلامة أبو العباس أحمد بن تيمية (٥) صحبة أبيه وعمره ست سنين، وأخوه زين الدين عبد الرحمن وشرف الدين عبد الله (٦)، وهما أصغر منه. وممن توفي فيها من الأعيان: الأمير عز الدين أيْدَمُر بن عبد الله (٧) الحلبي الصالحي. كان من أكابر الأمراء وأحظاهم عند الملوك، ثم عند الملك الظاهر، كان يستنيبُه إذا غابَ، فلما كانت هذه السنة أخذه معه وكانت وفاته بقلعةِ دمشق، ودفن بتربة بالقرب من اليَغْمورية، وخلَّفَ أموالًا جزيلة، وأوصى إلى السلطان في أولاده، وحضر السلطان عزاءه بجامع دمشق. شرف الدين أبو الطاهر (٨) محمد بن الحافظ أبي الخطّاب عُمر بن دِحْية المصري. ولد سنة عشر وستمئة، وسمع أباه وجماعة، وتولى مشيخة دار الحديث الكاملية، وحدّث وكان فاضلًا.

стр. 7040

القاضي تاج الدين أبو عبد الله (١) محمد بن وَثّاب بن رافع النُّخَيْلي (٢) الحنفي، دَرَّس وأفتى عن ابن عطاء بدمشق، ومات بعد خروجه من الحمّام على مساطب الحمام فجأةً ودفن بقاسيون. الطبيب الماهر شرف الدين أبو الحسن (٣) علي بن يوسف بن حَيْدَرة الرَّحْبي شيخ الأطباء بدمشق، ومدرّس الدخورية عن وصية واقفها بذلك وله التقدمة في هذه الصناعة على أقرانه من أهل زمانه، ومن شعره قوله (٤): [من الطويل] يساقُ بنو الدّنْيا إلى الحَتْفِ عُنْوَةً … ولا يَشْعر الباقي بحالة مَنْ يَمضي كأنهمُ الأنعامُ في جهْلِ بَعْضها … بما تَمَّ مِنْ سَفْكِ الدِّماءِ على بَعْضِ الشيخ نصير الدين (٥) المُبارك بن يحيى بن أبي الحسن أبو (٦) البركات بن الطَّبَّاخ (٧) الشافعي، العلَّامة في الفقه والحديث، درَّس وأفْتى وصنَّفَ وانتفع به (٨)، وعُمر ثمانين سنة، وكانت وفاته في حادي عشر جمادى الآخرة (٩) من [هذه السنة، رحمه الله تعالى] (١٠). الشيخ أبو الحسن (١١) علي بن عبد الله بن إبراهيم الكوفي المقرئ (١٢) النَّحوي المُلَقَّب بسيبويه. وكان فاضلًا بارعًا في صناعة النحو، توفي بمارستان القاهرة [في هذه السنة] (١٣) عن سبع وستين سنة ﵀. ومن شعره: [من البسيط] عَذَّبْتَ قَلْبِي بهَجْرٍ منكَ مُتَّصلِ … يا مَنْ هواهُ ضَميرٌ غَيْرُ مُنْفَصلِ

стр. 7041

ما زادني غَيْرَ تأكيدٍ صدُودُكم (١) … فما عدولكَ من عطفٍ إلى بدلِ [ولادة ابن الزملكاني] وفيها: ولد شيخنا العلامة كمال الدين محمد بن علي الأنصاري بن الزملكاني (٢) شيخ الشافعية. ثم دخلت سنة ثمان وستين وستمئة في ثاني (٣) المحرم منها دخلَ السلطانُ من الحجاز [الشريف على الهجن فلم يرع الناس إلا وهو في الميدان الأخضر يسير، ففرح الناس بذلك، وأراح الناس] (٤) من تلقيه بالهدايا والتحف، وهذه كانت عادته، وقد عجب الناس] (٥) من سرعة مسيره وعلوِّ همته، ثم سار إلى حلب، [ثم سار إلى مصر] (٦) فدخلها في سادس الشهر مع الركب المصري، وكانت زوجتُه أمّ الملك السعيد في الحجاز هذه السنة، ثم خرج في ثالث عشر صفر هو وولده والأمراء إلى الإسكندرية فتصيَّد هنالك، وأطلق للأمراء الأموال الكثيرة والخلع، ورجع (٧) مؤيدًا منصورًا. وفي المحرّم منها (٨) قُتل صاحب مراكش أبو العلاء إدريس بن عبد الله بن محمد بن يوسف الملقب بالواثق، قتله بنو مَرين في حرب كانت بينه وبينهم بالقرب من مراكش. وفي ثالث عشر ربيع الآخر (منها) وصل السلطان إلى دمشق في طائفة من جيشه، وقد لقوا في الطريق مَشَقَّةً كثيرةً من البرد والوحلِ، فخيم على الزنبقية وبلغه أنَّ ابن أخت زيتون خرج من عكا يقصدُ جيشَ المسلمين، فركب إليه سريعًا فوجده قريبًا من عكا فدخلها خوفًا منه.

стр. 7042

وفي رجب تسلم نواب السلطان مصياف (١) من الإسماعيلية، وهرب (٢) منها أميرهم الصارم مبارك بن الرضى، فتحيل عليه صاحب حماة حتى أسره وأرسله إلى السلطان فحبسه في بعض الأبرجة في القاهرة. وفيها: أرسل السلطان الدرابزينات إلى الحجرة النبوية، وأمر أن تقام حول القبر صيانة له، وعمل لها أبوابًا تُفتح وتُغلق من الديار المصرية، فركَّب ذلك عليها. وفيها: استفاضت الأخبارُ بقصد الفرنج بلاد الشام، فجهّز السلطان العساكر لقتالهم، وهو مع ذلك مهتم بالإسكندرية خوفًا عليها، وقد حَصَّنها وعمل جسوره إليها إن دهمها العدو، وأمر بقتل الكلاب منها. وفيها: انقرضت دولة بني عبد المؤمن من بلاد المغرب، وكان آخرهم إدريس بن عبد الله بن محمد بن يوسف صاحب مراكش، قتله بنو مرين في هذه السنة. وممن توفي فيها من الأعيان: الصاحب زين الدين (٣) يعقوب بن عبد الرفيع (٤) بن زيد بن مالك المصري المعروف بابن الزبيري (٥). كان فاضلًا رئيسًا، وَزَرَ للملك المظفر قطز ثم للظاهر بيبرس في أول دولته، ثم عزله وولى بهاء الدين بن الحنا (٦)، فلزم منزله حتى أدركته منيته في الرابع عشر من ربيع الآخر من هذه السنة، وله نظم جيد (٧). الشيخ موفق الدين (٨) أحمد بن القاسم بن خليفة الخزرجي الطبيب، المعروف (٩) بابن أبي أُصَيْبِعَة، له "تاريخ الأطباء" (١٠) في عشر مجلدات لطاف، وهو وقف بمشهد ابن عروة

стр. 7043

بالأموي، توفي بصرخد (١) وقد جاوز التسعين (٢). الشيخ زين الدين أحمد بن عبد الدائم (٣) بن نعمة بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن بكير، أبو العباس المقدسي النابلسي. تفرَّد بالرواية عن جماعةٍ من المشايخ، ولد سنة خمس وسبعين وخمسمئة، وقد سمع ورحل إلى بلدان شتى، وكان فاضلًا يكتبُ سريعًا، حكى الشيخ علَم الدين أنه كتبَ "مختصر الخرقي" في ليلة واحدة، وخطه حسن قوي، وقد كتب "تاريخ ابن عساكر" مرتين، واختصره لنفسه أيضًا، وأضر في آخر عمره أربع سنين، وله شعر أورد منه قطب الدين في تذييله (٤)، توفي بسفح قاسيون وبه دفن في بكرة الثلاثاء عاشر رجب، وقد جاوز التسعين رحمه الله تعالى. القاضي محيي الدين ابن الزكي (٥) أبو الفضل يحيى بن قاضي القضاة بهاء الدين أبي المعالي محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين (٦) بن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن الوليد بن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان القرشي الأموي بن الزكي (٧). تولَّى قضاء دمشق غير مرة، وكذلك آباؤه من قبله، كل قد وليها، وقد سمع الحديث من حَنْبل وابن طَبَرْزَذْ والكِندي وابن الحرستاني وجماعة، وحدّث في مدارس كثيرة، وقد ولي قضاء الشام في الهلاوونية (٨) فلم يحمد على ما ذكره أبو شامة، توفي (٩) بمصر في الرابع عشر من رجب، ودفن بالمُقَطَّم

стр. 7044

وقد جاوز السبعين. وله (١) شعر جيد قوي، وحكى الشيخ قطب الدين في ذلك بعد ما نسبه كما ذكرنا عن والده القاضي بهاء الدين أنه كان يذهب إلى تفضيل علي على عثمان موافقة لشيخه محيي الدين بن عربي، ولمنام رآه بجامع دمشق معرضًا عنه بسبب (٢) ما كان من بني أمية إليه في أيام صفين، فأصبح فنظم في ذلك قصيدة (يذكر فيها ميله إلى علي، وإن كان هو أموي) (٣): [من الطويل] أدينُ بما دانَ الوَصِيُّ ولا أرى … سواهُ وإنْ كانتْ أُميَّةُ مَحْتدي ولو شهدتْ صفِّين خَيْلي لأعذرتْ … وساء بني (٤) حرب هنالكَ مَشْهدي لكنتُ أسُنُّ البيضَ عنهُم تراضيًا … وأمنعهم نيلَ الخلافةِ باليدِ (٥) ومن شعره: [من السريع] قالوا أما في جلَّقٍ نُزهةٌ … تُسليكَ عمّن أنتَ بهِ مُغْرى يا عاذلي دُونَكَ في لَحْظِهِ … سَهْمًا وقد عارضَهُ سَطْرا الصاحب فخر الدين (٦) محمد بن الصاحب بهاء الدين علي بن محمد بن سليم بن الحنا المصري، كان وزير الصحة، وقد كان فاضلًا، بنى رباطًا بالقرافة الكبرى، ودرس بمدرسة والده بمصر، وبالشافعي بعد ابن بنت الأعز، توفي بشعبان ودفن بسفح المقطّم، وفوض السلطان وزارة الصحبة لولده تاج الدين. الشيخ أبو نصر بن أبي الحسن بن الخراز (٧) الصوفي البغدادي الشاعر. له ديوان حسن، وكان جميل المعاشرة حسن المذاكرة، دخل عليه بعض أصحابه فلم يقم له فأنشده قوله: [من الخفيف] نَهضَ القلبُ حين أقبلتَ إجلا … لًا لما فيه من صحيحِ الودادِ ونهوضُ القلوبِ بالودِّ أولى … من نهوض الأجساد للأجسادِ

стр. 7045

ثم دخلت سنة تسع وستين وستمئة في مستهل صفر منها ركب السلطان من الديار المصرية في طائفة من العسكر إلى عسقلان فهدم ما بقي من سورها مما كان أهمل في الدولة الصلاحية، ووجد فيما هدم كوزَين فيهما ألفا دينار ففرَّقهما على الأمراء. وجاءته البشارة وهو هناك بأن منكوتمر كسر جيش أبغا ففرح بذلك، ثم عاد إلى القاهرة. وفي ربيع الأول بلغ السلطان أن أهل عكا ضربوا رقاب مَنْ في أيديهم من أسرى المسلمين صبرًا بظاهر عكا، فأمر بمن كان في يده من أسرى أهل عكا فضربت رقابهم في صبيحة واحدة، وكانوا قريبًا من مئة (١) أسير. وفيها: كمل جامع المنشية (٢) وأقيمت فيه الجمعة في الثاني والعشرين من ربيع الآخر. وفيها: جرت حروب يطول ذكرها بين أهل تونس والفرنج، ثم تصالحوا بعد ذلك على الهدنة ووضع الحرب، بعد ما قُتل من الفريقين خلقٌ لا يحصون. وفي يوم الخميس ثامن رجب دخل الظاهرُ دمشقَ، وفي صحبته ولدُه الملكُ السعيدُ وابن الحِنا الوزير وجمهورُ الجيش ثم خرجوا متفرقين وتواعدوا أن يلتقوا بالساحل ليشنّوا الغارة على جَبلة واللاذقية ومرقب وعرقا (٣) وما هنالك من البلاد، فلما اجتمعوا فتحوا صافيتا (٤) والمَجْدَل، ثم ساروا فنزلوا على حصن الأكراد يوم الثلاثاء تاسع عشر رجب، وله ثلاثة أسوار، فنصبوا المنجنيقات ففتحها قسرًا (٥) يوم نصف شعبان، فدخل الجيش، وكان الذي يحاصره ولد السلطان الملك السعيد، فأطلق السلطان أهله ومنّ عليهم وأجلاهم إلى طرابلس، وتسلم القلعة بعد عشرة أيام من الفتح، فأجلى أهلها أيضًا وجعل كنيسة البلد جامعًا، وأقام فيه الجمعة، وولَّى فيها نائبًا وقاضيًا وأمر بعمارة البلد، وبعث صاحب أنطرسوس (٦) بمفاتيح بلده يطلب منه الصلحَ على أن يكون نصف مغلّ بلاده للسلطان، وأن يكون له بها نائبًا، فأجابه إلى ذلك، وكذلك فعل صاحبُ المرقب فصالحه أيضًا على المناصفة ووضع الحرب عشر سنين.

стр. 7046

وبلغ السلطان وهو مخيم على حصن الأكراد أن صاحب جزيرة قبرص قد ركب بجيشه إلى عكا لينصر أهلها خوفًا من السلطان، فأراد السلطان أن يغتنم هذه الفرصة فبعث جيشًا كثيفًا في سبعة عشر (١) شينيًا ليأخذوا جزيرةَ قبرص في غيبةِ صاحبها عنها، فسارتِ المراكبُ مسرعةً فلما قاربت الجزيرة (٢) جاءتها ريحٌ قاصف فصدم بعضُها بعضًا فانكسر فيها أربعة عشرَ مركبًا بإذن الله فغرقَ خلقٌ وأسرَ الفرنجُ من الصناع والرجال قريبًا من ألفِ وثمانمئة إنسان، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم سار السلطان فنصبَ المجانيقَ (٣) على حصن عكا فسأله أهلُها الأمانَ على أن يخليهم فأجابهم إلى ذلك، ودخلَ البلدَ يوم عيد الفطرِ فتسلَّمه، وكانَ الحصنُ شديدَ الضَّرر على المسلمين، وهو وادٍ بين جبلين. ثم سار السلطانُ نحو طرابلس فأرسل إليه صاحبها يقول: ما مرادُ السلطانِ في هذه الأرض؟ فقال: جئتُ لأرعى زروعَكم وأخرّب بلادَكم، ثم أعودُ إلى حصاركم في العام الآتي. فأرسلَ يستعطفُه ويطلبُ منه المصالحة ووَضْعَ الحرب بينهم عشرَ سنين فأجابه إلى ذلك. وأرسل إليه الإسماعيليةُ يستعطفونه على والدهم، وكان مسجونًا بالقاهرة، فقال: سلموا إليَّ العليقة وانزلوا فخذوا إقطاعاتٍ بالقاهرة، وتسلّموا أباكم. فلما نزلوا أمرَ بحبسهم بالقاهرة واستناب بحصن العليقة. وفي يوم الأحد الثاني عشر من شوال جاء سيلٌ (٤) عَظيمٌ إلى دمشق فأتلفَ شيئًا كثيرًا، وغرق بسببه ناسٌ كثير، لا سيما الحجاج من الروم الذي كانوا نزولًا بين النهرين، أخذهم السيل وجمالهم وأحمالهم، فهلكوا وغُلِّقت أبوابُ البلد، ودخل الماء إلى البلد من مراقي السُّور، ومن باب الفراديس فغرق خان ابن المقدم وأتلف شيئًا كثيرًا، وكان ذلك في زمن الصيف في أيام المشمش، ودخل السلطان إلى دمشق يوم الأربعاء خامس عشر شوال فعزل القاضي ابن خلكان (٥)، وكان له في القضاء عشر سنين، وولى القاضي عز الدين بن الصائغ (٦)، وخلع عليه، وكان تقليده قد كتب بظاهر طرابلس بسفارة الوزير ابن الحنا، فسار ابن خلكان في ذي القعدة إلى مصر.

стр. 7047

وفي ثاني (١) عشر شوال دخل خضر (٢) الكردي شيخ السلطان الملك الظاهر وأصحابه إلى كنيسة اليهود فصلوا فيها وأزالوا ما فيها من شعائر اليهود، ومدّوا فيها سماطًا وعملوا سماعًا، وبقُوا على ذلك أيامًا، ثم أُعيدت إلى اليهود، ثم خرج السلطانُ إلى السواحل فافتتحَ بعضَها وأشرفَ على عكا وتأمَّلها ثم سار إلى الديار المصرية، وكان مقدار [ما] غرمه في هذه المدة وفي الغزوات قريبًا من ثمانمئة ألف دينار، وأخلفَها اللهُ عليه، وكان وصولُه إلى القاهرة يوم الخميس ثالثَ عشرَ ذي الحجة. وفي اليوم السابعَ عشرَ من وصوله أمسك على جماعةٍ من الأمراء منهم الحلبي (٣) وغيره بلغه أنهم أرادوا مسكه على الشقيف. وفي اليوم السابع عشر من ذي الحجة أمر بإراقة الخمور من سائر بلاده وتهدَّد مَنْ يعصرها أو يعتصرها بالقتل، وأسقطَ ضمانَ ذلك، وكان ذلك بالقاهرة وحدها (كل يوم (٤) ضمانه) ألف دينار، ثم سارت البُرُدُ بذلك إلى الآفاق. وفيها: قبض السلطان على العزيز بن المغيث صاحب الكرك، وعلى جماعة من أصحابه كانوا عزموا على سلطنته. وممن توفي فيها من الأعيان: الملك تقي الدين عبّاس بن الملك العادل (٥) أبي بكر بن أيوب بن شاذي. وهو آخر من بقي من أولاد العادل، وقد سمع الحديثَ من الكِنْدي وابن الحرستاني، وكان محترمًا عند الملوك لا يرفع عليه أحد في المجالس والمواكب، وكان لينَ الأخلاق حسنَ العشرة، لا تملّ مجالسته. توفي يوم الجمعة الثاني والعشرين من جمادى الآخرة بدرب الريحان، ودفن بتربته بسفح قاسيون. قاضي القضاة شرف الدين أبو حفص (٦) عمر بن عبد الله بن صالح بن عيسى السُّبْكي (٧) المالكي.

стр. 7048

ولد سنة خمس وثمانين وخمسمئة، وسمع الحديثَ وتفقه وأفتى بالصالحية (١)، وولي حسبة القاهرة ثم ولي القضاء سنة ثلاث (٢) وستين، لما ولوا من كل مذهب قاضيًا، وقد امتنع أشدَّ الامتناع ثم أجاب بعد إكراه بشرط أن لا يأخذ على القضاء جامكيةً، وكان مشهورًا بالعلم والدين، روى عنه القاضي بدر الدين بن جماعة (٣) وغيره. توفي لخمسٍ بقين من ذي القعدة. الطواشي شجاع الدين مُرشِد المُظَفَّري الحموي (٤). كان شجاعًا بطلًا من الأبطال الشجعان، وكان له رأيٌ سديدٌ، كان أستاذه لا يخالفه، وكذلك الملك الظاهر، توفي بحماة ودفن بتربته بالقرب من مدرسته بحماة. ابن سبعين (٥): عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن محمد بن نصر بن محمد قطب الدين أبو محمد المُرْسي (٦) الرُّقوطي (٧)، نسبة إلى رُقوطة بلدة قريبة من مرسية (٨). ولد سنة أربع عشرة وستمئة، واشتغل بعلم الأوائل والفلسفة، فتولد له من ذلك نوع من الاتّحاد (٩)، وصنف فيه، وكان يعرف السيمياء، وكان يلبس بذلك على الأغبياء من الأمراء والأغنياء، ويزعم أنه حال من أحوال القوم، وله من المصنفات كتاب "البدء" (١٠)، و"كتاب الهو"، وقد أقام بمكة واستحوذ على

стр. 7049

عقل صاحبها ابن نُمَي (١)، وجاور في بعض الأوقات بغار حراء يرتجي فيما ينقل عنه أن يأتيه فيه وحيٌ كما أتى النبي ﷺ ، بناء على ما يعتقده من العقيدة الفاسدة من أن النبوةَ مكتسبةٌ، وأنها فيض يفيض على العقل إذا صفا، فما حصل له إلا الخزي في الدنيا والآخرة، إن كان مات على ذلك، وقد كان إذا رأى الطائفين حول البيت يقول عنهم: كأنهم نُقِلَتْ عنه عظائم من الأقوال والأفعال، توفي في الثامن والعشرين من شوال بمكة. ثم دخلت سنة سبعين وستمئة من الهجرة (٢) استهلت وخليفةُ الوقت الحاكمُ بأمر الله أبو العباس أحمد العباسي، وسلطان الإسلام الملك الظاهر. وفي يوم الأحد الرابع عشر من المحرم ركب السلطان إلى البحر لالتقاء الشّواني التي عملت عوضًا عمّا غرق بجزيرة قبرص، وهي [أربعون شينيًا] (٣)، فركب في شيني منها ومعه الأمير بدر الدين (٤)، فمالت بهم فسقط الخزندار في البحر فغاص في الماء فألقى إنسان نفسه وراءه فأخذ بشعره وأنقذه من الغرق، فخلع السلطان على ذلك الرجل وأحسن إليه. وفي أواخر المحرم ركب السلطان في نفر يسير من الخاصكية، والأمراء من الديار المصرية حتى قدم الكرك، واستصحب نائبها معه إلى دمشق، فدخلها في ثاني عشر صفر، ومعه الأمير عز الدين أيدمر (٥) نائب الكرك، فولاه نيابة دمشق وعزل عنها جمال الدين آقوش النجيبي (٦) في رابع عشر صفر، ثم خرج إلى حماة وعاد بعد عشرة أيام. وفي ربيع الأول وصلت الجفال (٧) من حلب وحماة وحمص إلى دمشق بسبب الخوف من التتار، وجفل خلق كثير من أهل دمشق. وفي ربيع الآخر وصلت العساكر المصرية إلى حضرة السلطان إلى دمشق فسار بهم منها في سابع

стр. 7050

الشهر، فاجتاز بحماة واستصحب ملكها المنصور، ثم سار إلى حلب فخيم بالميدان الأخضر بها، وكان سبب ذلك أن عساكر التتار جمعوا نحوًا من عشرة آلاف فارس وبعثوا طائفة منهم فأغاروا على عين تاب (١)، ووصلوا إلى قَسْطُون (٢) ووقعوا على طائفة من التركمان بين حارم وأنطاكية فاستأصلوهم فلما سمع التتار بوصول السلطان ومعه العساكر المنصورة ارتدوا على أعقابهم راجعين (٣)، وكان بلغه أن الفرنج أغاروا على بلاد قاقون (٤) ونهبوا طائفة من التركمان، فقبض (٥) على الأمراء الذين هناك حيث لم يهتموا بحفظ البلاد وعادوا إلى الديار المصرية. وفي ثالث شعبان أمسك (٦) السلطان قاضي الحنابلة بمصر شمس الدين أحمد بن العماد المقدسي، وأخذ ما عنده من الودائع فأخذ زكاتها ورد بعضها إلى أربابها، واعتقله إلى شعبان من سنة ثنتين وسبعين، وكان الذي وشى به رجل من أهل حران يقال له شبيب، ثم تبين للسلطان نزاهة القاضي وبراءته فأعاده إلى منصبه في سنة ثنتين وسبعين، وجاء السلطان في شعبان إلى أراضي عكا فأغار عليها فسأله صاحبها المهادنة فأجابه إلى ذلك فهادنه عشر (٧) سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام وعشر (٨) ساعات، وعاد إلى دمشق فقُرئ بدار السعادة كتابُ الصلح، واستمرّ الحال على ذلك ثم عاد السلطان إلى بلاد الإسماعيلية فأخذ عامتها. قال قطب الدين (٩): وفي جمادى الآخرة وُلدت زرافةٌ بقلعة الجبل، وأُرضعت من بقرة. قال: وهذا شيء لم يُعْهد مثله. وفيها توفي: الشيخ كمال الدين (١٠) سَلَّار (١١) بن حسن بن عمر بن سعيد الإربلي الشافعي.

стр. 7051

أحد مشايخ المذهب، وقد اشتغل عليه الشيخ محيي الدين النووي (١)، وقد اختصر "البحر" للروياني في مجلدات عديدة هي عندي بخط يده، وكانت الفتيا تدور عليه بدمشق، توفي في عشر السبعين، ودفن بباب الصغير، وكان مُعيدًا (٢) بالبادرائية من أيام الواقف، لم يطلب زيادة على ذلك إلى أن توفي في هذه السنة. وجيه الدين محمد بن علي بن أبي طالب (٣) ابن سُوَيْد (التكريتي التاجر الكبير بين التجار) (٤) ذو الأموال الكثيرة. وكان معظمًّا عند الدولة، ولا سيما عند الملك الظاهر، كان يُجلّه ويُكرمه لأنه كان قد أسدى إليه جميلًا في حال إمرته قبل أن يلي السلطنةَ، ودفن برباطه وتربته بالقرب من الرباط الناصري بقاسيون، وكانت كتب الخليفة ترد إليه في كل وقت، وكانت مكاتباته مقبولةً عند جميع الملوك، حتى ملوك الفرنج في السواحل وفي أيام التتار في أيام هولاكو (٥)، وكان كثير الصدقات والبر. نجم الدين يحيى بن محمد بن عبد الواحد بن اللبودي (٦)، واقف اللبودية (٧) التي عند حمام الفلك المبرر على الأطباء. ولديه فضيلة بمعرفة الطب، وقد ولي نظر الدواوين بدمشق، ودفن بتربته عند اللبودية. الشيخ علي البكاء (٨)، صاحب الزاوية بالقرب من بلد الخليل ﵇. كان مشهورًا بالصلاح والعبادة والإطعام لمن اجتاز به من المارَّةِ والزُّوَّار، وكان الملك المنصور قلاوون (٩) يُثْني عليه ويذكر أنه اجتمع (١٠) به وهو أمير، وأنه كاشفه (١١) في أشياء وقعت جميعُها، ومن

стр. 7052

جملتها أنه سيملكُ. نقل ذلك قطب الدين اليونيني (١)، وذكر أن سبب بكائه الكثير أنه صحب رجلًا كانت له أحوال وكرامات، وأنه خرج معه من بغداد فانتهوا في ساعة واحدة إلى بلدة بينها وبين بغداد مسيرة سنة، وأن ذلك الرجل قال له إني سأموت في الوقت الفلاني، فأشهدني في ذلك الوقت في البلد الفلاني. قال الشيخ علي (٢): فلما كان ذلك الوقت حضرت عنده وهو في السياق، وقد استدار (جهة) الشرق فحَوّلتُهُ إلى القبلة فاستدار إلى الشرق فحوّلتُه (أيضًا ففتح عينيه) وقال: لا تتعب فإني لا أموتُ إلَّا على هذه الجهة، وجعلَ يتكلم بكلامِ الرهبان حتى مات فحملناه فجئنا به إلى دير هناك فوجدناهم في حزن عظيم، فقلنا لهم: ما شأنكم؟ فقالوا كان عندنا شيخٌ كبير ابن مئة سنة، فلما كان اليوم مات على الإسلام، فقلنا لهم: خذوا هذا بدله وسلمونا (٣) صاحبنا، قال فوليناه فغسلناه وكفّناه وصلَّينا عليه ودفناه (٤) مع المسلمين، وَوَلوْا هم ذلك الرجل فدفنوه في مقبرة النصارى، نسأل الله حسن الخاتمة (٥). مات الشيخ علي في رجب من هذه السنة. ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وستمئة في خامس المحرم وصل الظاهر دمشق من بلاد السواحل التي فتحها وقد مهدها (٦)، وركب في أواخر المحرم إلى القاهرة فأقام بها سنة ثم عاد فدخل دمشق في رابع صفر (٧). وفي المحرم منها وصل النوبة إلى عيذاب (٨) فنهب تجارها (٩) وقتل خلقًا من أهلها، منهم الوالي والقاضي، فسار إليه الأمير علاء الدين أيدغدي (١٠) الخزندار فقتل خلقًا من بلاده ونهب وحرق وهدم ودوخ البلاد، وأخذ بالثأر ولله الحمد والمنة.

стр. 7053

وفي ربيع الأول توفي الأمير سيف (١) الدين محمد بن مُظَفَّر الدين عثمان بن ناصر الدين منكورس (٢) صاحب صهيون، ودُفن في تربة والده في عشر السبعين، وكان له في ملك صهيون وبَرْزَيَه إحدى عشرة سنة، وتسلمها بعده ولده سابق الدين، وأرسل إلى الملك الظاهر يستأذنه في الحضور (فأذن له)، فلما حضر أقطعه خيزا وبعث إلى البلدين نوابًا من جهته. وفي خامس جمادى الآخرة وصلَ السلطان بعسكره إلى الفرات لأنه بلغه أن طائفةً من التتار هنالك فخاض إليهم الفرات بنفسه وجنده، وقتل من أولئك مقتلة كبيرة وخلقًا كثيرًا (٣)، وكان أول (من) اقتحم الفرات يومئذ (٤) الأمير سيف الدين قلاوون (٥) وبدر الدين بَيْسَري (٦) وتبعهما السلطان، ثم فعل (٧) بالتتار ما فعل، ثم ساق إلى ناحية البيرة (٨) وقد كانت محاصرة بطائفة من التتار أخرى، فلما سمعوا بقدومه هربوا وتركوا أموالهم وأثقالهم، ودخل السلطان إلى البيرة في أُبَّهة عظيمة وفرَّق في أهلها أموالًا كثيرة، ثم عاد إلى دمشق في ثالث جمادى الآخرة ومعه الأسرى. وخرج منها في سابعه إلى الديار المصرية، وخرج ولده الملك السعيد لتلقّيه ودخلا إلى القاهرة، وكان يومًا مشهودًا. ومما قاله القاضي شهاب الدين محمود الكاتب (٩)، (وأولاده يقال لهم بنو الشهاب محمود،) في خوض (السلطان) الفرات (بالجيش:) (١٠) [من الكامل] سِرْ حَيْثُ شِئْتَ لكَ المُهَيْمِنُ جارُ … واحكُمْ فطَوعُ مرادِكَ الأقْدارُ (١١) لم يبقَ للدّين الذي أظهرتَهُ … يا ركنَهُ (عندَ) الأعادي ثار لما تراقصتِ الرؤوسُ تحرّكت (١٢) … من مطرباتِ قِسيِّكَ الأوتارُ

стр. 7054

خُضْتَ الفرات بعسكرٍ أفضى به … موجُ الفراتِ كما أتى الآثارُ (١) حَمَلَتْكَ أمواجُ الفراتِ ومَنْ رأى … بحرًا سواكَ تُقِلُّهُ الأنهارُ (٢) وتقَطَّعَتْ فرقًا ولم يكُ طودها … إذ ذاكَ إلا جَيْشكَ الجَرّارُ (٣) وقال بعض مَنْ شاهد ذلك (٤): [من الطويل] ولمَّا تَرَاءَيْنا الفراتَ بخيلنا … سَكَرناهُ منّا بالقَنا والصوارمِ (٥) فأوقَفَتِ التَّيارَ عن جَرَيانهِ (٦) … إلى حين عدنا بالغنى والغنائمِ وقال آخر ولا [بأس به] (٧): [من السريع] (٨) الملكُ الظاهرُ سُلْطانُنا … نَفْديهِ بالأموالِ والأهلِ اقتحمَ الماءَ ليُطْفي به … حَرَارةَ القَلْبِ من المغلِ (٩) وفي يوم الثلاثاء ثالث رجب خلع على جميع الأمراء (من حاشيته) ومقدمي الحلقة وأرباب الدولة وأعطى كلَّ إنسان ما يليقُ به من الخيل والذهب والحوائص (١٠)، وكان مبلغ ما أنفق بذلك نحو ثلاثمئة ألف دينار (١١). وفي شعبان أرسل السلطان إلى منكوتمر هدايا عظيمة (١٢).

стр. 7055

وفي يوم الإثنين ثاني عشر شوال استدعى السلطان شيخه الشيخ خضر الكردي (١) إلى بين يديه إلى القلعة وحوقق على أشياء كثيرة [رُمي بها وعلى منكرات كثيرة] ارتكبها، فأمر السلطان عند ذلك باعتقاله وحبسه، ثم أمر باغتياله وكان (٢) آخر العهد به. وفي ذي القعدة سلّمت الإسماعيلية ما كان بقي بأيديهم من الحصون وهي الكهف والقدموس والمنطقة (٣)، وعوضوا (٤) عن ذلك بإقطاعات، ولم يبقَ بالشام شيء لهم من القلاع، واستناب السلطان فيها. وفيها: أمر السلطان بعمارة جسوره في السواحل، وغرم عليها مالًا كثيرًا (٥)، وحصل للناس بذلك رفق كبير (٦). وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ تاج الدين أبو المظفر (محمد) بن أحمد بن حمزة بن علي بن هبة الله بن الْحوي (٧)، التغلبي الدمشقي. كان من أعيان أهل دمشق، ولي نظر الأيتام والحسبة، ثم وكالة بيت المال، وسمع الكثير، وخرَّج له ابن بلبان (٨) مشيخة قرأها عليه الشيخ شرف الدين الفزاري (٩) بالجامع، فسمعها جماعة من الأعيان والفضلاء رحمه الله تعالى. الخطيب فخر الدين أبو الفرج (١٠) عبد القاهر (١١) بن عبد الغني بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن

стр. 7056

تَيْمِيَّة الحرَّاني الخطيب بها، وبيته معروف (١) بالعلم والخطابة والرئاسة، ودفن بمقبرة الصوفية (٢) وقد قارب الستين ﵀. وقد سمع الحديث من جده [الخطيب] فخر الدين (٣) صاحب ديوان الخطب المشهورة، توفي (٤) بخانقاه القصر (٥) ظاهر دمشق. الشيخ خضر (٦) بن أبي بكر (٧) المهراني العدوي [الكردي]. شيخ الملك الظاهر بيبرس، كان حظيًّا عنده مكرّمًا لديه، له عنده المكانة الرفيعة، كان السلطانُ ينزل بنفسه إلى زاويته التي بناها له في الحسينية، في كل أسبوع مرة أو مرتين، وبنى له عندها جامعًا يخطب فيه للجمعة، وكان يعطيه مالًا كثيرًا (٨)، ويطلق له ما أراد، ووقف على زاويته شيئًا كثيرًا جدًا، وكان معظَّمًا عند الخاص والعام بسبب حبّ السلطان وتعظيمه له، وكانَ يمازحه إذا جلس عنده، وكان فيه خيرٌ ودينٌ وصلاحٌ، وقد كاشف (٩) السلطانَ بأشياء كثيرة، وقد دخل مرة كنيسةَ القمامة بالمقدس (١٠) فذبح قسيسها بيده، ووهب ما فيها لأصحابه، وكذلك فعل بالكنيسة التي بالإسكندرية وهي من أعظم كنائسهم، نهبها وحوَّلها مسجدًا ومدرسة أنفق عليها أموالًا كثيرة من بيت المال، وسمّاها المدرسة الخضراء، وكذلك فعل بكنيسة اليهود بدمشق، دخلها ونهب ما فيها من الآلات والأمتعة، ومدَّ فيها سماطًا، [وعمل فيها سماعًا] واتخذها مسجدًا مدة ثم سعوا إليه في ردها إليهم [وإبقائها عليهم] (١١)، ثم اتفق في هذه السنة أنه وقعت منه أشياء أنكرت عليه وحوقق عليها عند السلطان الملك الظاهر فظهر له

стр. 7057

منه ما أوجب سجنه، ثم أمر بإعدامه وهلاكه (١) وكانت وفاته في هذه السنة، ودفن بزاويته سامحه اللّه، وقد كان السلطان يُحبُّه محبةً عظيمةً حتى إنه سمَّى بعض أولاده خضرًا موافقة لاسمه، وإليه تنسب القبة التي على الجبل غربي الربوة التي يقال لها قبة الشيخ خضر. مصنف (٢) التعجيز العلامة تاج الدين عبد الرحيم بن محمد بن محمد بن يونس بن محمد بن سعد بن مالك أبو القاسم الموصلي. من بيت الفقه والرئاسة والتدريس، ولد سنة ثمان وتسعين وخمسمئة، وسمع واشتغل وحصَّل وصنَّف واختصر "الوجيز" في كتابه "التعجيز" واختصر "المحصول"، وله طريقة في الخلاف أخذها عن ركن الدين الطاووسي (٣)، وكان جدّه عماد الدين بن يونس (٤) شيخ المذهب في وقته كما تقدم. ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وستمئة في صفر منها قدم الظاهر إلى دمشق وقد بلغه أن أبغا وصل بغداد فتصيَّد بتلك الناحية، فأرسل إلى العساكر المصرية أن يتأهبوا للحضور، واستعد السلطان لذلك. وفي جمادى الآخرة أحضر ملك الكرج لبين يديه بدمشق، وكان قد جاء متنكرًا لزيارة بيت المقدس فظهر عليه فحمل إلى بين يديه فسجنه بالقلعة. وفيها: كمل بناء جامع دير الطين ظاهر القاهرة، وصلي فيه الجمعة. وفيها: سار السلطان إلى القاهرة فدخلها في سابع رجب. وفي أواخر رمضان دخل الملك السعيد ابن الظاهر إلى دمشق في طائفة من الجيش، فأقام بها شهرًا ثم عاد. وفي يوم عيد الفطر ختن السلطان ولده خضرًا الذي سمّاه باسم شيخه، وخَتَنَ معه جماعةً من أولاد الأمراء، وكان وقتًا هائلًا. وفيها: فوض ملك التتار إلى علاء الدين صاحب الديوان ببغداد النظر في تستر وأعمالها، فسار إليها

стр. 7058

ليتصفح أحوالها فوجد بها شابًا من أولاد التجار يقال له "لي" قد قرأ القرآن وشيئًا من الفقه والإشارات لابن سينا، ونظر في النجوم، ثم ادّعى أنه عيسى ابن مريم، وصدقه على ذلك جماعة من جهلة تلك الناحية، وقد أسقط لهم من الفرائض صلاةَ العصر وعشاء الآخرة، فاستحضره وسأله عن ذلك فرآه ذكيًا، إنما يفعل ذلك عن قصد، فأمر به فقتل بين يديه جزاه الله خيرًا، وأمر العوام فنهبوا أمتعة أتباعه وأمتعه العوام ممن كان اتبعه (١). وممن توفي فيها من الأعيان: مؤيَّد الدين أبو المعالي المصدر الرئيس (٢) أسعد غابى المُظَفَّري ابن الوزير مُؤَيَّد الدين أسعد بن حمزة بن أسعد بن علي بن محمد التميمي بن القَلَانِسي، جاوز التسعين وكان رئيسًا كبيرًا واسعَ النعمة، لا يغفل أن يباشر شيئًا من الوظائف وقد ألزموه بعد ابن سويد (٣) بمباشرة مصالح السلطان فباشرها بلا جامكية، وكانت وفاته ببستانه، ودفن بسفح قاسيون يوم الثلاثاء ثالث عشر المحرم. [وهو] والد الصدر عز الدين حمزة رئيس البلدين دمشق والقاهرة. وجدُّهم مؤيد الدين (٤) أسعد بن حمزة الكبير كانَ وزيرًا للملك الأفضل علي بن الناصر فاتح القدس، كان رئيسًا فاضلًا له كتاب "الوصية في الأخلاق المرضية" (٥) وغير ذلك، وكانت له يد جيدة في النظم، فمن ذلك قوله (٦): [من البسيط] يا ربُّ جُدْ لي إذا ما ضمَّني جَدَثي … برحمةٍ منكَ تُنْجيني من النار أحسنْ جواري إذا أمسيتُ (٧) جاركَ في … لحدي فإنكَ قد أوصيتَ بالجارِ وأما والد حمزة بن أسعد بن علي بن محمد التميمي فهو العميد، وكان يكتب جيدًا وصنف تاريخًا فيما بعد سنة أربعين وأربعمئة إلى سنة وفاته في خمس و [خمسين] وخمسمئة.

стр. 7059

الأمير الكبير فارس (١) الدين أقطاي (٢) المُسْتَعْرِب أتابك الديار المصرية. كان أولًا مملوكًا لابن يمن (٣)، ثم صار مملوكًا للصالح أيوب فأمره، ثم عظم شأنه في دولة المظفر وصار أتابك العساكر، فلما قتل امتدت أطماع الأمراء إلى المملكة فبايع أقطاي الملك الظاهر فتبعه الجيش على ذلك، وكان الظاهر يعرفها له ولا ينساها، ثم قبل وفاته بقليل انهضم عند الظاهر، ومات في هذه السنة بالقاهرة. الشيخ عبد الله بن غانم (٤) بن علي بن إبراهيم بن عساكر بن الحسين المقدسي. له زاوية بنابلس، وله أشعار رائقة، وكلام قوي في علم التصوف، وقد طوَّل اليونيني ترجمته وأورد من أشعاره شيئًا كثيرًا (٥). قاضي القضاة كمال الدين (٦) أبو الفتح عمر بن بُنْدار (٧) بن عمر بن علي التفليسي الشافعي. ولد بتفليس (٨) سنة إحدى وستمئة، وكان فاضلًا أصوليًا مناظرًا، ولي نيابة الحكم مدة ثم استقلّ بالقضاء في دولة هلاوون - هولاكو - وكان عفيفًا نزهًا لم يرد منصبًا ولا تدريسًا مع كثرة عياله وقلّة ماله، ولما انقضت أيامهم تَغَضَّبَ عليه بعضُ الناس ثم أُلزم بالمسير إلى القاهرة، فأقام بها يُفيد الناس إلى أن توفي في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن بالقرافة الصغرى. إسماعيل بن إبراهيم بن شاكر (٩) بن عبد الله التَّنوخي، وتَنوخُ من قُضاعة.

стр. 7060

كان صدرًا كبيرًا، وكتب الإنشاء للناصر داود بن المعظم، وتولَّى نظرَ المارستان النُّوري (١) وغيره، وكان مشكورَ السيرة، وقد أثنى عليه غيرُ واحدٍ، وقد جاوز الثمانين، ومن شعره قوله (٢): [من المنسرح] خابَ رجاءُ امرئٍ له أملٌ … بغيرِ ربِّ السَّماءِ قدْ وَصَلَهُ أيَبْتَغِي غَيْرَهُ أخو ثقةٍ … وهو ببطنِ الأحشاءَ قد كَفله وله أيضًا (٣): [من الكامل] خرِسَ اللسانُ وكَلَّ عَنْ أوصافِكُمْ … ماذا يقولُ (٤) وأنتمُ ما أنتمُ الأمرُ أعظمُ من مقالةِ قائلٍ … قد تاهَ عقلٌ أن (٥) يعبِّر عنكمُ العَجْزُ والتَّقْصيرُ وَصْفي دائمًا … والبِرُّ والإحسانُ يُعْرَفُ منكُمُ ابن مالك (٦) صاحب الألفية الشيخ جمال الدين محمد بن عبد اللّه بن مالك أبو عبد اللّه الطَّائي الجيَّاني (٧) النحوي. صاحب التصانيف المشهورة المُفيدة، منها "الكافية الشافية" وشرحها، و"التسهيل" وشرحه، و"الألفية" التي شرحها ولده بدر الدين شرحًا مفيدًا. ولد بجَيّان (٨) سنة ستمئة وأقام بحلب مدة، ثم

стр. 7061

بدمشق. وكان كثيرَ الاجتماع بابن خلكان (١) وأثنى عليه غير واحد، وروى عنه القاضي بدر الدين بن جماعة (٢)، وأجاز لشيخنا علم الدين البرزالي (٣). توفي ابن مالك بدمشق ليلة الأربعاء ثاني عشر رمضان، ودفن بتربة (٤) القاضي عز الدين بن الصائغ (٥) بقاسيون. النَّصير الطُّوسي (٦) محمد بن عبد اللّه الطُّوسي (٧)، كان يُقال له المَوْلى نصير الدين، ويقال الخواجا نصير الدين، اشتغل في شبيبته وحصَّلَ علم الأوائل جيدًا، وصنَّف في ذلك في علم الكلام، وشرح "الإشارات لابن سينا"، ووزر لأصحاب قلاع الألموت من الإسماعيلية، ثم وزر لهولاكو، وكان معه في واقعة بغداد، ومن الناس من يزعم أنه أشار على هولاكوخان بقتل الخليفة فاللّه أعلم، وعندي أن هذا لا يصدر من عاقل ولا فاضل (٨). وقد ذكره بعض البغاددة فأثنى عليه، وقال: كان عاقلًا فاضلًا كريم الأخلاق ودفن في مشهد موسى بن جعفر في سرداب كان قد أُعِدَّ للخليفة الناصر لدين اللّه، وهو الذي كان بَنَى الرصد بمراغة، ورتَّب فيه الحكماء من الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء والمحدثين والأطباء وغيرهم من أنواع الفضلاء، وبنى له فيه قبة عظيمة، وجعل فيه كتبًا كثيرة جدًّا، توفي في بغداد (٩) في ثاني عشر ذي الحجة من هذه السنة، وله خمس وسبعون سنة، وله شعرٌ جيدٌ قويٌّ وأصل اشتغاله على المعين سالم بن بدران (١٠) بن علي المصري المعتزلي المتشيّع، فنزع فيه عروق كثيرة منه، حتى أفسد (١١) اعتقاده.

стр. 7062

الشيخ سالم البرقي [البدوي] صاحب الرباط بالقرافة الصغرى، كان صالحًا متعبدًا يُقْصَد للزيارة والتبرك بدعائه، وله اليوم أصحابٌ معروفون على طريقته (١). ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وستمئة فيها: اطلع السلطان على ثلاثة عشر أميرًا [من المصريين]، منهم قجقار (٢) الحموي، وقد كانوا (٣) كاتبوا التتر يدعونهم إلى بلاد المسلمين، وأنهم معهم على السلطان، فاخذوا فأقروا بذلك، وجاءت كتبهم مع البريدية وكان (٤) آخر العهد بهم. وفيها أقبل السلطان بالعساكر فدخل بلاد سيس (٥) يوم الإثنين الحادي والعشرين من رمضان، فقتلوا خلقا لا يعلمهم إلا اللّه وغنموا شيئًا كثيرًا من الأبقار والأغنام والأثقال والدواب والأنعام، فبيع (٦) ذلك بارخص ثمن، ثم عاد فدخل دمشق مؤيدًا منصورًا في شهر ذي الحجة فأقام بها حتى دخلت (٧) السنة. وفيها: ثار على أهل الموصل رملٌ حتى عمَّ الأفق وخرجوا من دورهم يبتهلون إلى الله حتى كشف ذلك عنهم، واللّه تعالى أعلم. ومن توفي فيها من الأعيان: ابن عطاء الحنفي (٨) قاضي القضاة شمس الدين أبو محمد عبد اللّه بن الشيخ شرف الدين محمد بن عطاء بن حسن بن عطاء بن جبير بن جابر بن وهيب الأذرعي الحنفي، ولد سنة خمس وتسعين وخمسمئة، سمع الحديث وتفقه على مذهب أبي حنيفة، وناب في الحكم عن الشافعي مدةً، ثم استقل بقضاء الحنفية أول ما ولي القضاة (٩) من المذاهب الأربعة، ولما وقعت الحوطة على أملاك الناس أراد

стр. 7063

السلطان منه أن يحكم بها بمقتضى مذهبه، فغضب من ذلك فقال: هذه أملاك بيد أصحابها (١) وما يحلُّ لمسلم أن يتعرَّض لها، ثم نهض من المجلس فذهب، فغضب السلطان من ذلك غضبًا شديدًا، ثم سكن غضبه فكان يُثني عليه بعد ذلك ويمدحه، ويقول: لا تثبتوا كتبنا إلا عنده. كان ابن عطاء من العلماء الأخيار كثير التواضع قليل الرغبة في الدنيا، روى عنه ابن جماعه (٢) وأجاز للبرزالي (٣). توفي يوم الجمعة تاسع جمادى الأولى، ودفن بالقرب من المعظمية (٤) بسفح قاسيون رحمه اللّه تعالى. بيمناه بن بيمند بن بيمند (٥) أبرنس طرابلس الفرنجي. كان جدُّه نائبًا لبنت صنجيل (٦) الذي تملَّك طرابلس من ابن عمار في حدود الخمسمئة، وكانت يتيمة تسكن بعض جزائر البحر، فتغلَّب هذا على البلد لبعدها عنه، ثم استقل بها ولده ثم حفيده هذا، وكان شكلًا مليحًا (٧). قال قطب الدين اليونيني (٨): رأيتُه في بعلبك في سنة ثمانٍ وخمسين وستمئة حين جاء مُسَلِّمًا على كتبغانوين، ورام أن يطلب منه بعلبك، فثق ذلك على المسلمين. ولما توفي دفن في كنيسة (٩) طرابلس، ولما فتحها المسلمون في سنة ثمان وثمانين وستمئة نبش الناس قبرَه وأخرجوه منه وألقوا عظامه على المزابل للكلاب. ثم دخلت سنة أربع وسبعين وستمئة لما كان يوم الخميس ثامن جمادى الأولى نزل التتار على البيرة في ثلاثين ألف مقاتل، خمسة عشر (١٠) ألفًا من المغول، وخمسة عشر ألفًا من الروم، والمقدم على الجميع البَرْواناه (١١) بأمر أبغا ملك

стр. 7064

التتار ومعهم جش الموصل وجيش ماردين والأكراد، ونصبوا عليها ثلاثة وعشرين منجنيقًا، فخرج أهل البيرة في الليل (١) فكبسوا عسكرَ التتار وأحرقوا المنجنيقات ونهبوا شيئًا كثيرًا، ورجعوا إلى بيوتهم سألمين، فأقام عليها الجيشُ مدةً إلى تاسع عشر الشهر المذكور، ثم رجعوا عنها بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى اللّه المؤمنين القتال، وكان اللّه قويًا عزيزًا. ولما بلغ السلطان نزول التتار على البيرة أنفق في الجيش ستمئة ألف دينار، ثم ركب سريعًا وفي صحبته ولده السعيد، فلما كان في أثناء الطريق بلغه رحيل التتار (٢) عنها فعاد إلى دمشق، ثم ركب في رجب إلى القاهرة فدخلها في ثامن عشر فوجد بها خمسة وعشرين رسولًا من جهة ملوك الأرض ينتظرونه فتلقوه وحدثوه وقبَّلوا الأرض بين يديه ودخل القلعة في أُبَّهة عظيمة. ولما عاد البَرْواناه إلى بلاد الروم حلف الأمراء الكبار منهم شرف الدين مسعود وضياء الدين محمود ابنا الخطير (٣)، وأمين الدين ميكائيل، وحسام الدين بيجار (٤)، وولده بهاء الدين (٥)، على أن يكونوا من جهة السلطان الملك الظاهر وينابذوا أبغا، فحلفوا له على ذلك، وكتب إلى الظاهر بذلك، وأن يرسل إليه جيشًا ويحمل له ما كان يحمله إلى التتار، ويكون غياث الدين كنجري (٦) على ما هو عليه، يجلس على تخت الروم. وفي هذه السنة استسقى أهل دمشق ثلاثة أيام فلم يسقوا. وفيها: في رمضان منها وجد رجل وامرأة في نهار رمضان على فاحشة الزنا، فأمر علاء الدين صاحب الديوان برجمهما فرجما، ولم يُرْجَم بدمشق قبْلهما قطُ أحدٌ منذ بنيت. وهذا غريب جدًّا. وفيها: استسقى أهل دمشق أيضًا مرتين. في أواخر رجب وأوائل شعبان - وكان ذلك في آخر كانون الثاني - فلم يسقوا أيضًا. وفيها: أرسل السلطان جيشًا إلى دنقلة فكسر جيش السودان وقتلوا منهم خلقًا وأسروا شيئًا كثيرًا من السودان بحيث بيع (٧) الرقيق الرأس منها بثلاثة دراهم، وهرب ملكهم داوداه (٨) إلى صاحب النوبة فأرسله

стр. 7065

إلى الملك الظاهر محتاطًا عليه، وقرر الملك الظاهر على أهل دنقلة تحمل إليه في كل سنة. كل ذلك في شعبان من هذه السنة. وفيها: عُقِدَ عَقْدُ الملكِ السعيد بن الظاهر على بنتِ الأمير سيف الدين قلاوون الألفي، في الإيوان بحضرة السلطان والدولة على صَداق خمسةِ آلاف دينار، يُعَجَّلُ (١) منها ألفا دينار، وكان الذي كتبه وقرأه محيي الدين بن عبد الظاهر (٢)، فأُعطي مئة دينار، وخُلع عليه. ثم ركب السلطان مسرعًا فوصل إلى حصن الكرك فجمع القيمرية (٣) الذين به فإذا هم ستمئة نفر، فأمر بشنقهم فشُفع فيهم عنده فأطلقهم وأجلاهم منه إلى مصر، وكان قد بلغه عنهم أنهم يريدون قتل مَنْ فيه ويقيموا ملكًا عليهم، وسلم الحصن إلى الطواشي شمس الدين رضوان السهيلي، ثم عاد في بقية الشهر إلى دمشق فدخلها يوم الجمعة ثامن عشر الشهر. وفيها: كانت زلزلة بخلاط واتصلت ببلاد ديار بكر. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ الإمام العلامة (٤) الأديب تاج الدين أبو الثَّناء محمود بن عابد بن الحسين بن محمد بن علي التَّميمي الصَّرْخَدي الحنفي. كان مشهورًا بالفقه والأدب، والعفّة والصلاح، ونزاهة النفس ومكارم الأخلاق. ولد سنة ثمانٍ وسبعين وخمسمئة، وسمع الحديث وروى، ودُفن بمقابر الصوفية في ربيع الآخر منها، وله ست وتسعون سنة ﵀. الشيخ الإمام عماد الدين (٥) عبد العزيز بن محمد بن عبد القادر بن عبد الله بن خليل بن مُقَلِّد الأنصاري الدمشقي، المعروف بابن الصائغ، كان مدرسًا بالعذراوية وشاهدًا بالخزانة بالقلعة يعرف الحساب جيدًا، وله سماع ورواية، ودُفن بقاسيون. ابن الساعي (٦) المؤرخ تاج الدين بن المُحْتَسب المعروف بابن السَّاعي البغدادي.

стр. 7066

ولد سنة ثلاث وتسعين وسمع الحديث واعتنى بالتاريخ، وجمع وصنّف، ولم يكن بالحافظ ولا الضابط المتقن. وقد أوصى إليه ابن النّجّار (١) حين توفي، وله "تاريخ كبير" عندي أكثره (٢)، ومصنفات أُخر (٣) مفيدة، وآخر ما صنف كتابٌ في الزهاد (٤)، كتب في حاشيته زكي الدين عبد الله بن حبيب الكاتب: [من السريع] ما زالَ تاجُ الدينِ طولَ المدى … من عمرهِ يعتقُ في السَّيْرِ في طلبِ العلمِ وتدوينهِ … وفعله نفعٌ بلا ضَيْرِ علَا عَلِيٌّ بتصانيفهِ … وهذه خاتمةُ الخَيْرِ ثم دخلت سنة خمس وسبعين وستمئة في ثالث عشر المحرم منها دخل السلطان إلى دمشق وسبق العساكر إلى بلاد حلب، فلما توافت إليه أرسل بين يدي بدر الدين الأتابكي (٥) بألف فارس إلى البلستين (٦)، فصادف بها جماعة من عسكر الروم فركبوا إليه وحملوا إليه الإقامات، وطلب جماعة منهم أن يدخلوا بلاد الإسلام فأذن لهم، فدخل طائفة منهم بيجار (٧) وابن الخطير، فرسم لهم أن يدخلوا القاهرة فتلقاهم الملك السعيد، ثم عاد السلطان من حلب إلى القاهرة فدخلها في ثاني عشر ربيع الآخر. وفي خامس (٨) جمادى الأولى عمل السلطان عرس ولده الملك السعيد على بنت قلاوون، واحتفل السلطان به احتفالًا عظيمًا، وركب الجيش في الميدان خمسة أيام يلعبون ويتطاردون، ويحمل بعضهم

стр. 7067

على بعض، ثم خلع على الأمراء وأرباب المناصب، وكان مبلغ ما خلع ألفًا وثلاثمئة خلعة بمصر، وجاءت مراسيمه إلى الشام بالخلع على أهلها، ومدّ السلطان سماطًا عظيمًا حضره الخاص والعام، والشارد والوارد، وحبس فيه رسل التتار ورسل الفرنج وعليهم كلهم الخلع الهائلة، وكان وقتًا مشهودًا، وحمل صاحب حماة هدايا عظيمة وركب إلى مصر للتهنئة. وفي حادي عشر شوال طيف بالمحمل وبكسوة الكعبة المشرفة بالقاهرة، وكان يومًا مشهودًا. وقعة البلستين وفتح قيسارية ركب السلطان من مصر في العساكر فدخل دمشق في سابع عشر شوال، فأقام بها ثلاثة أيام، ثم سار حتى دخل حلب في مستهل ذي القعدة، فأقام بها يومًا ورسم لنائب حلب أن يقيم بعسكر حلب على الفرات لحفظ المناثر، وسار السلطان فقطع الدربند (١) في نصف يوم، ووقع سنقر الأشقر في أثناء الطريق بثلاثة آلاف من المغول فهزمهم يوم الخميس تاسع ذي القعدة وصعد العسكر على الجبال فأشرفوا على وطأة البلستين فرأوا التتار قد رتبوا عسكرهم وكانوا أحدَ عشرَ ألف مقاتل، وعزلوا عنهم عسكر الروم خوفًا من مخامرتهم، فلما تراءى الجمعان حملت ميسرة التتار فصدمت سناجق السلطان، ودخلت طائفة منهم بينهم فشقوها، وساقت إلى الميمنة، فلما رأى السلطان ذلك أردف المسلمين بنفسه ومن معه، ثم لاحت منه التفاتة فرأى الميسرة قد كادت أن تتحطم فأمر جماعة من الأمراء بإردافها، ثم حمل بالعسكر (٢) جميعه حملة واحدة على التتار فرّجلوا إلى الأرض عن آخرهم، وقاتلوا المسلمين قتالًا شديدًا، وصبر المسلمون صبرًا عظيمًا، فأنزل اللّه نصره على المسلمين، فأحاطت بالتتار العساكر من كل جانب، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وقتل من المسلمين أيضًا جماعة، وكان في جملة من قتل من سادات المسلمين الأمير الكبير ضياء الدين ابن الخطير، وسيف الدين قيران العلائي (٣)، وسيف الدين قَفْجاق (٤) الجاشْنَكير، وعز الدين أيْبَك الشَّقيفي (٥)، وأسر جماعة من أمراء المغول، ومن أمراء الروم، وهرب البَرْواناه (٦) فنجا بنفسه، ودخل قيسارية في بكرة الأحد ثاني عشر ذي القعدة، وأعلم أمراء ملكهم بكسرة التتار (٧) على البلستين، وأشار عليهم بالهزيمة فانهزموا منها وأخلوها، فدخلها الملك الظاهر وصلَّى بها الجمعة سابعَ

стр. 7068

ذي القعدة، وخطب له بها، ثم كرّ راجعًا مؤيدًا منصورًا. وسارت البشائر إلى البلدان ففرح المؤمنون يومئذ بنصر اللّه. ولما بلغ خبر هذه الوقعة أبغا جاء حتى وقف بنفسه وجيشه، وشاهد مكان المعركة ومَنْ فيها من قَتْلى المغول، فغاظه ذلك وأعظمه وحنق على البَرْواناه إذ لم يعلمه بجلية الحال، وكان يظن أمر الملك الظاهر دون هذا كله، واشتدّ غضبه على أهل قيسارية (١) وأهل تلك الناحية، فقتل منهم قريبًا من مئتي ألف، وقيل قتل منهم خمسمئة ألف من قيسارية وأرزن (٢) الروم، وكان في جملة من قتل القاضي جلال الدين حبيب، فإنا للّه وإنا إليه راجعون. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ أبو الفضل [عيسى] بن الشيخ عبيد (٣) بن عبد الخالق الدمشقي ودُفن بالقرب من الشيخ أرسلان. قال الشيخ علم الدين: وكان يذكر أن مولده كان سنة أربع وستين وخمسمئة. الطواشي يمن الحبشي (٤) شيخ الخدم (٥) بالحرم الشريف [النبوي على ساكنه أفضل الصلاة والسلام]. كان ديِّنًا عاقلًا عدلًا صادق اللهجة، مات في عشر السبعين ﵀. الشيخ المُحَدِّث شمس الدين أبو العباس أحمد (٦) بن محمد بن عبد اللّه بن أبي بكر الموصلي، ثم الدمشقي الصوفي. سمع الكثير وكتب الكتبَ الكبارَ بخطٍّ رفيعٍ جيِّد واضحٍ، جاوز السبعين ودُفن بباب الفراديس. الشاعر شهاب الدين أبو المكارم (٧) محمد بن يوسف بن مسعود بن بركة بن سالم بن عبد الله الشَّيْباني التَّلّعْفَري (٨)، صاحب ديوان الشعر.

стр. 7069

جاوز الثمانين، مات (١) بحماة، وكان الشعراء (مُقِرِّين له) معترفين بفضله وتقدمه في هذا الفن. ومن شعره (قوله): [من الطويل] لساني طريٌّ منكِ يا غايةَ المُنَى … ومِن وَلَهي أنّي خَطيبٌ وشاعرُ فهذا لمعنى حُسْنِ وَجْهكِ ناظمٌ … وهذا لدمعي في تَجَنِّيكِ ناشرُ (٢) القاضي شمس الدين (٣) علي بن محمود بن علي بن عاصم الشُّهْرَزُوري الدمشقي. مدرس القَيْمَرية بشرط واقفها له ولذريته من بعده [التدريس من تأهل منهم، فدرّس بها إلى أن توفي في هذه السنة، ودَرَّس بعده ولده] (٤) [صلاح الدين، ثم ابن ابنه بعد ابن جماعة، وطالت مدة حفيده. وقد ولي شمس الدين على نيابة ابن خلكان في الولاية الأولى، وكان فقيهًا جيدًا نقالًا للمذهب، ﵀] (٥) وقد سافر مع ابن العديم لبغداد فسمع بها ودفن بمقابر الصوفية بالقرب من ابن الصلاح. الشيخ الصالح العالم الزاهد (٦) أبو إسحاق إبراهيم بن سعد اللّه بن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم بن صخر (٧) الكناني الحموي. له معرفة بالفقه والحديث، ولد سنة ست وتسعين بحماة، وتوفي بالقدس الشريف ودفن بماملَّا، وسمع من الفخر ابن عساكر (٨)، وروى عنه ولده قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة (٩). الشيخ الصالح جند (١٠) بن محمد المنيني. كانت له عبادةٌ وزهادةٌ وأعمالٌ صالحةٌ، وكان الناس يتردَّدون إلى زيارته [زاره الملك الظاهر مرات

стр. 7070

وكذلك الأمراء] (١) بمنين [قال الشيخ برهان الدين الفزاري: وقد زرته، وصحبه والدي، وكان أبي يجلس بين يديه] (٢)، وكان يتكلم بكلام كثير لا يفهمه أحد من الحاضرين، بألفاظٍ غريبةٍ. وحكى عنه الشيخ تاج الدين أنه سمعه يقول: ما تَقَرَّبَ أحدٌ إلى اللّه بمثل الذل والتضرُّع إليه. وسمعه يقول: المُوَلَّهُ مَنْفي من طريق اللّه يعتقد أنه واصلٌ ولو علم أنه مَنْفي لرجع عما هو فيه، لأن طريق القوم من أهل السلوك لا يثبت عليها إِلَّا ذوو العقول الثابتة. وكان يقول: السماعُ وظيفةُ أهلِ البطالة. قال الشيخ تاج الدين: وكان الشيخ جندل من أهل الطريق وعلماء التحقيق. قال: وأخبرني في سنة إحدى وستين وستمئة أنه قد بلغ من العمر خمسًا وتسعين سنة. قلت: فعلى هذا فيكون قد جاوز المئة، لأنه توفي في رمضان من هذه السنة، ودفن في زاويته المشهورة بقرية منين (٣)، وتردد الناس لقبره يصلون عليه من دمشق وأعمالها أيامًا كثيرة ﵀. محمد بن عبد الرحمن (٤) بن محمد (٥)، الحافظ بدر الدين أبو عبد اللّه بن الفُوَيره (٦) السلمي الحنفي. اشتغل على الصدر سليمان وابن عطاء، وفي النحو على ابن مالك، وحَصَّل وبرع ونظمَ ونثر، ودرَّس في الشبلية والقصاعين، وطُلب لنيابة القضاء فامتنع، وكتب الكتابة المنسوبة. رآه بعض أصحابه في المنام بعد وفاته فقال: ما فعل الله بك؟ فأنشأ يقول: [من السريع] ما كان لي من شافع عنده … غير اعتقادي أنَّه واحدُ وكانت وفاته في جمادى الآخرة ودُفن بظاهرِ دمشق ﵀. محمد بن عبد الوهاب بن منصور (٧) شمس الدين أبو عبد اللّه الحراني الحنبلي تلميذ الشيخ مجد الدين بن تيمية.

стр. 7071

وهو أول من حكم بالديار المصرية من الحنابلة نيابةً عن القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز، ثم ولي شمس الدين ابن الشيخ العماد القضاء مستقلًا فاستناب (١) به، ثم ترك ذلك ورجع إلى الشام يشتغل ويفتي إلى أن توفي وقد نيف على الستين رحمه اللّه تعالى. ثم دخلت سنة ست وسبعين وستمئة فيها: كانت وفاةُ الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، صاحب البلاد المصرية والشامية والحلبية وغير ذلك، وأقام ولده ناصر الدين أبا المعالي محمد بركة خان الملقب [بالملك] السعيد من بعده. ووفاة الشيخ محيي الدين النّووي (٢) إمام الشافعية فيها في اليوم السابع من المحرم منها. ودخل السلطان الملك الظاهر من بلاد الروم وقد كسر التتار على البُلُسْتَين، ورجع مُؤَيَّدًا مَنْصورًا فدخل دمشق وكان يوم دخوله يومًا مشهودًا، فنزل بالقصر الأبلق الذي بناه غربي دمشق بين الميدانين الأخضرين، وتواترت الأخبار إليه (٣) بأن أبغا جاء إلى المعركة ونظر إليها (٤) وتأسف على مَنْ قُتل من المغول وأمر بقتل البَرواناه، وذكروا أنه قد عزم على قصد الشام، فأمر السلطان بجمع (٥) الأمراء وضرب مشورة فاتفق مع الأمراء على ملاقاته حيث كان، وتقدم بضرب الدهليز على القصر، ثم جاء الخبر بأن أبغا قد رجع إلى بلاده فأمر (٦) برد الدهليز وأقام بالقصر الأبلق يجتمع عنده الأعيان والأمراء والدولة في أسَرِّ حالٍ، وأنعمِ بالٍ. وأما أبغا فإنه أمر (٧) بقتل البَرْواناه (٨) - وكان نائبه على بلاد الروم - وكان اسمه معين الدين سليمان بن علي بن محمد بن حسن، وإنما قتله لأنه اتهمه بممالأته للملك الظاهر، وزعم أنه هو الذي حسَّن له دخول بلاد الروم، وكان البَرْواناه شجاعًا حازمًا كريمًا جوادًا، وله ميل إلى الملك الظاهر، وكان قد جاوز الخمسين لما قتل. ثم (٩) لما كان يوم السبت خامس عشر المحرم توفي الملك القاهر (١٠) بهاء الدين عبد الملك بن

стр. 7072

السلطان المعظم عيسى بن العادل أبي بكر بن أيوب، عن أربع وستين سنة، وكان رجلًا جيدًا سليم الصدر كريم الأخلاق، ليّن الكلمة كثيرَ التواضع، يعاني ملابس العرب ومراكبهم، وكان معظمًا في الدولة شجاعًا مقدامًا (١)، وقد روى عن ابن اللتي وأجاز للبرزالي. قال البرزالي: ويقال إنه سُمَّ، وذكر غيره أن السلطان الملك الظاهر سَمَّه في كأس قِمَّزٍ ناوله إياه فشربه وقام السلطان إلى المرتفق ثم عاد وأخذ الساقي الكأس من يد القاهر فملأه وناوله السلطان الظاهر والساقي لا يشعر بشيء مما (٢) جرى، وأنسى اللّه السلطان ذلك الكأس، أو ظن أنه غيره (٣) لأمر يريده اللّه ويقضيه، وكان قد بقي في الكأس بقية كثيرة من ذلك السم، فشرب الظاهر ما في الكأس (٤) ولم يشعر حتى شربه فاشتكى بطنه من ساعته، ووجد الوهج والحر والكرب الشديد من فوره. وأما القاهر فإنه حُمل إلى منزله وهو مغلوب فمات من ليلته. وتمرض [السلطان الملك] الظاهر من ذلك أيامًا حتى كانت وفاته يوم الخميس بعد الظهر في السابع والعشرين من المحرم بالقصر الأبلق، وكان ذلك يومًا عظيمًا على الأمراء، وحضر نائب السلطنة عز الدين أيدمر وكبار الأمراء والدولة، فصلوا عليه وجعلوه في تابوت ورفعوه إلى القلعة من القصر وجعلوه في بيت من بيوت البحرية إلى أن نقل إلى تربته التي بناها ولده له بعد موته، وهي دار العقيقي تجاه العادلية الكبيرة، ليلة الجمعة خامس رجب من هذه السنة، وكتم موته فلم يعلم جمهور الناس به حتى إذا كان العشر الأخير من ربيع الأول وجاءت البيعة لولده السعيد من مصر فحزن الناس عليه حزنًا شديدًا، وترحَّموا عليه ترحمًا كثيرًا، وجُددت البيعةُ أيضًا بدمشق وجاء تقليد النيابة بالشام مجددًا إلى عز الدين أيدمر نائبها (٥). وقد كان الملك الظاهر شهمًا شجاعًا عالي الهمة بعيد الغور مقدامًا جسورًا معتنيًا بأمر السلطنة، يشفق (٦) على الإسلام، متحليًا بالملك (٧)، له قصد صالح في نصرة الإسلام وأهله، وإقامة شعار الملك، واستمرت أيامه (٨) من يوم الأحد سابعَ عشرَ ذي القعدة سنةَ ثمانٍ وخمسين إلى هذا الحين، ففتح في هذه المدة فتوحات كثيرة قيسارية وأرْسُوف ويافا والشَّقيف وأنطاكية وبَغْراس وطبرية والقُصَيْر وحصن الأكراد وحصن عَكّا والقُرَيْن وصافيتا وغير ذلك من الحصون المنيعة التي كانت بأيدي الفرنج، ولم

стр. 7073

يدع (١) مع الإسماعيلية شيئًا من الحصون، وناصف الفرنج على المرقب، وبانياس وبلاد أنطرسوس، وسائر ما بقي بأيديهم من البلاد والحصون، وولى في نصيبه مما ناصفهم عليه النواب والعمال وفتح قيسارية (٢) من بلاد الروم، وأوقع بالروم (٣) والمغول على البلستين بأسًا لم يسمع بمثله من دهور متطاولة، واستعاد من صاحب سيس بلادًا كثيرة (٤)، وجلس خلال ديارهم وحصونهم (٥)، واسترد من أيدي المتغلبين من المسلمين بعلبك وبصرى وصرخد وحمص وعجلون والصلت وتدمر والرحبة وتل باشر وغيرها، والكرك والشوبك، وفتح بلاد النوبة بكمالها من بلاد السودان، وانتزع (٦) بلادًا من التتار كثيرة، منها شَيْزَر والبِيرَة، واتسعت مملكته من الفرات إلى أقصى بلاد النوبة، وعمر شيئًا كثيرًا من الحصون والمعاقل والجسور على الأنهار الكبار، وبنى دار الذهب بقلعة الجبل، وبنى قبة على اثني عشر عمودًا ملونة مذهبة، وصور فيها صور خاصكيته وأشكالهم، وحفر أنهارًا كثيرة (٧) وخلجانات ببلاد مصر، منها نهر السَّرْداس (٨)، وبنى جوامع كثيرة ومساجد عديدة، وجدد بناء مسجد رسول الله ﷺ حين احترق، ووضع الدرابزينات حول الحجرة الشريفة، وعمل فيه منبرًا وسقفه بالذهب، وجدد المارستان بالمدينة، وجدد قبر الخليل ﵇، وزاد في زاويته وما يصرف إلى المقيمين، وبنى على المكان المنسوب إلى قبر موسى ﵇ قبة قبلي أريحا، وجدد بالقدس أشياء حسنة من ذلك قبلة السلسلة، ورمم سقف الصخرة وغيرها، وبنى بالقدس خانًا هائلًا بماملّا، ونقل إليه باب قصر الخلفاء الفاطميين من مصر، وعمل فيه طاحونًا وفرنًا وبستانًا، وجعل للواردين إليه أشياء تصرف إليهم في نفقة وإصلاح أمتعتهم (٩) ﵀. وبنى على قبر أبي عبيدة بالقرب من عَمْتا (١٠) مشهدًا، ووقف عليه أشياء (١١) للواردين إليه، وعمر جسر دامية، وجدد قبر جعفر الطيار بناحية الكرك، ووقف على الزائرين له شيئًا

стр. 7074

كثيرًا، وجدد قلعة صَفَد (١) وجامعها، وجدَّد جامعَ الرملة وغيرها في كثير من البلاد التي كانت الفرنج [قد أخذلّها وخرَّبت جوامعها ومساجدها] (٢)، وبنى بحلب دارًا هائلة، وبدمشق القصر الأبلق والمدرسة الظاهرية وغيرها، [وضرب الدراهم والدنانير الجيدة الخالصة على النصح والمعاملة الجيدة الجارية بين الناس، فرحمه الله] (٣). وله من الآثار الحسنة والأماكن ما لم يبن في زمن الخلفاء وملوك بني أيوب، مع اشتغاله في الجهاد (٤) في سبيل الله واستخدم من الجيوش شيئًا كثيرًا (٥)، ورد إليه نحوًا من ثلاثة آلاف من المغول فأقطعهم وأمَّر كثيرًا منهم. وكان مقتصدًا في ملبسه ومطعمه وكذلك جيشه. وهو الذي أنشأ الدولة العباسية بعد دثورها، وبقي الناس بلا خليفة نحوًا من ثلاثًا (٦) سنين. وهو الذي أقام (٧) من كل مذهب قاضيًا مستقلًا قاضي قضاة. وكان ﵀ متيقظًا شهمًا شجاعًا لا يفتر عن الأعداء ليلًا ولا نهارًا، بل هو مناجز لأعداء الإسلام وأهله، ولم شعثه (٨) واجتماع شمله. ويالجملة أقامه الله في هذا الوقت المتأخر عونًا ونصرًا للإسلام وأهله (٩)، وشجًا في حلوق المارقين من الفرنج والتتار، والمشركين. وأبطل الخمور ونفى الفُسّاق من البلاد، وكان (١٠) لا يرى شيئًا من الفساد والمفاسد إِلَّا سعى في إزالته بجهده وطاقته، وقد ذكرنا في سيرته ما أرشد إلى حسن طويته وسريرته. وقد جمع له كاتبه ابن عبد الظاهر سيرة مطولة (١١)، وكذلك ابن شداد أيضًا.

стр. 7075

وقد ترك من الأولاد عشرة ثلاثة ذكور وسبع (١) إناث، ومات وعمره ما بين الخمسين إلى الستين. وله أوقاف وصلات وصدقات، تَقَبَّل اللّهُ منه الحسنات، وتجاوز له عن السيئات، واللّه سبحانه أعلم. وقام في الملك بعده ولده [الملك] السعيد بمبايعة أبيه له في حال حياته، وكان عمر السعيد يومئذ دون العشرين سنة، وهو من أحسن الأشكال وأتم الرجال. وفي صفر وصلت الهدايا من الفنس (٢) مع رسله إلى الديار المصرية فوجدوا السلطان قد مات، وقد أقيم (٣) الملك السعيد ولده مكانه والدولة لم تتغير، والمعرفة بعده ما تنكرت، ولكن البلاد قد فقدت أسدها بل أسدّها وأشدها، بل الذي بلغ أشدها، وإذا انفتحت ثغرة من سور الإسلام سدها، وكلما انحلت عقدة من عرى العزائم شدها، وكلما رامت فرقة مارقة من طوائف الطغام أن تلج إلى حومة الإسلام صدَّها وردَّها، فسامحه اللّه، وبلَّ بالرحمة ثراه، وجعل الجنة متقلَّبه ومثواه. وكانت العساكر الشامية قد سارت إلى الديار المصرية ومعهم محفَّة يُظهرون أنَّ السلطان بها (٤) مريض، حتى وصلوا إلى القاهرة فجددوا البيعة لسعيد بعدما أظهروا موت الملك السديد (٥) الذي هو إن شاء اللّه شهيد. وفي يوم الجمعة السابع والعشرين من صفر خُطب في جميع الجوامع بالديار المصرية للملك السعيد، وصُلِّي على والده الملك الظاهر واستهلَّتْ عيناه بالدموع (٦). وفي منتصف ربيع الأول ركب الملك السعيد بالعصائب على عادته وبين يديه الجيش بكماله المصري والشامي، حتى وصل إلى الجبل الأحمر وفرح الناس به فرحًا شديدًا، وعمره يومئذ تسع عشرة سنة، وعليه أُبَّهة الملك ورئاسة السلطنة. وفي يوم الإثنين رابع جمادى الأولى فُتحت مدرسة الأمير شمس الدين آقسنقر الفارقاني بالقاهرة، بحارة الوزيرية على مذهب أبي حنيفة (٧) وعمل فيها مشيخة حديث وقارئ. وبعده بيوم عقد عقد ابن
следующие страницы →