← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

وهو أول من حكم بالديار المصرية من الحنابلة نيابةً عن القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز، ثم ولي شمس الدين ابن الشيخ العماد القضاء مستقلًا فاستناب (١) به، ثم ترك ذلك ورجع إلى الشام يشتغل ويفتي إلى أن توفي وقد نيف على الستين رحمه اللّه تعالى. ثم دخلت سنة ست وسبعين وستمئة فيها: كانت وفاةُ الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، صاحب البلاد المصرية والشامية والحلبية وغير ذلك، وأقام ولده ناصر الدين أبا المعالي محمد بركة خان الملقب [بالملك] السعيد من بعده. ووفاة الشيخ محيي الدين النّووي (٢) إمام الشافعية فيها في اليوم السابع من المحرم منها. ودخل السلطان الملك الظاهر من بلاد الروم وقد كسر التتار على البُلُسْتَين، ورجع مُؤَيَّدًا مَنْصورًا فدخل دمشق وكان يوم دخوله يومًا مشهودًا، فنزل بالقصر الأبلق الذي بناه غربي دمشق بين الميدانين الأخضرين، وتواترت الأخبار إليه (٣) بأن أبغا جاء إلى المعركة ونظر إليها (٤) وتأسف على مَنْ قُتل من المغول وأمر بقتل البَرواناه، وذكروا أنه قد عزم على قصد الشام، فأمر السلطان بجمع (٥) الأمراء وضرب مشورة فاتفق مع الأمراء على ملاقاته حيث كان، وتقدم بضرب الدهليز على القصر، ثم جاء الخبر بأن أبغا قد رجع إلى بلاده فأمر (٦) برد الدهليز وأقام بالقصر الأبلق يجتمع عنده الأعيان والأمراء والدولة في أسَرِّ حالٍ، وأنعمِ بالٍ. وأما أبغا فإنه أمر (٧) بقتل البَرْواناه (٨) - وكان نائبه على بلاد الروم - وكان اسمه معين الدين سليمان بن علي بن محمد بن حسن، وإنما قتله لأنه اتهمه بممالأته للملك الظاهر، وزعم أنه هو الذي حسَّن له دخول بلاد الروم، وكان البَرْواناه شجاعًا حازمًا كريمًا جوادًا، وله ميل إلى الملك الظاهر، وكان قد جاوز الخمسين لما قتل. ثم (٩) لما كان يوم السبت خامس عشر المحرم توفي الملك القاهر (١٠) بهاء الدين عبد الملك بن

стр. 7072

السلطان المعظم عيسى بن العادل أبي بكر بن أيوب، عن أربع وستين سنة، وكان رجلًا جيدًا سليم الصدر كريم الأخلاق، ليّن الكلمة كثيرَ التواضع، يعاني ملابس العرب ومراكبهم، وكان معظمًا في الدولة شجاعًا مقدامًا (١)، وقد روى عن ابن اللتي وأجاز للبرزالي. قال البرزالي: ويقال إنه سُمَّ، وذكر غيره أن السلطان الملك الظاهر سَمَّه في كأس قِمَّزٍ ناوله إياه فشربه وقام السلطان إلى المرتفق ثم عاد وأخذ الساقي الكأس من يد القاهر فملأه وناوله السلطان الظاهر والساقي لا يشعر بشيء مما (٢) جرى، وأنسى اللّه السلطان ذلك الكأس، أو ظن أنه غيره (٣) لأمر يريده اللّه ويقضيه، وكان قد بقي في الكأس بقية كثيرة من ذلك السم، فشرب الظاهر ما في الكأس (٤) ولم يشعر حتى شربه فاشتكى بطنه من ساعته، ووجد الوهج والحر والكرب الشديد من فوره. وأما القاهر فإنه حُمل إلى منزله وهو مغلوب فمات من ليلته. وتمرض [السلطان الملك] الظاهر من ذلك أيامًا حتى كانت وفاته يوم الخميس بعد الظهر في السابع والعشرين من المحرم بالقصر الأبلق، وكان ذلك يومًا عظيمًا على الأمراء، وحضر نائب السلطنة عز الدين أيدمر وكبار الأمراء والدولة، فصلوا عليه وجعلوه في تابوت ورفعوه إلى القلعة من القصر وجعلوه في بيت من بيوت البحرية إلى أن نقل إلى تربته التي بناها ولده له بعد موته، وهي دار العقيقي تجاه العادلية الكبيرة، ليلة الجمعة خامس رجب من هذه السنة، وكتم موته فلم يعلم جمهور الناس به حتى إذا كان العشر الأخير من ربيع الأول وجاءت البيعة لولده السعيد من مصر فحزن الناس عليه حزنًا شديدًا، وترحَّموا عليه ترحمًا كثيرًا، وجُددت البيعةُ أيضًا بدمشق وجاء تقليد النيابة بالشام مجددًا إلى عز الدين أيدمر نائبها (٥). وقد كان الملك الظاهر شهمًا شجاعًا عالي الهمة بعيد الغور مقدامًا جسورًا معتنيًا بأمر السلطنة، يشفق (٦) على الإسلام، متحليًا بالملك (٧)، له قصد صالح في نصرة الإسلام وأهله، وإقامة شعار الملك، واستمرت أيامه (٨) من يوم الأحد سابعَ عشرَ ذي القعدة سنةَ ثمانٍ وخمسين إلى هذا الحين، ففتح في هذه المدة فتوحات كثيرة قيسارية وأرْسُوف ويافا والشَّقيف وأنطاكية وبَغْراس وطبرية والقُصَيْر وحصن الأكراد وحصن عَكّا والقُرَيْن وصافيتا وغير ذلك من الحصون المنيعة التي كانت بأيدي الفرنج، ولم

стр. 7073

يدع (١) مع الإسماعيلية شيئًا من الحصون، وناصف الفرنج على المرقب، وبانياس وبلاد أنطرسوس، وسائر ما بقي بأيديهم من البلاد والحصون، وولى في نصيبه مما ناصفهم عليه النواب والعمال وفتح قيسارية (٢) من بلاد الروم، وأوقع بالروم (٣) والمغول على البلستين بأسًا لم يسمع بمثله من دهور متطاولة، واستعاد من صاحب سيس بلادًا كثيرة (٤)، وجلس خلال ديارهم وحصونهم (٥)، واسترد من أيدي المتغلبين من المسلمين بعلبك وبصرى وصرخد وحمص وعجلون والصلت وتدمر والرحبة وتل باشر وغيرها، والكرك والشوبك، وفتح بلاد النوبة بكمالها من بلاد السودان، وانتزع (٦) بلادًا من التتار كثيرة، منها شَيْزَر والبِيرَة، واتسعت مملكته من الفرات إلى أقصى بلاد النوبة، وعمر شيئًا كثيرًا من الحصون والمعاقل والجسور على الأنهار الكبار، وبنى دار الذهب بقلعة الجبل، وبنى قبة على اثني عشر عمودًا ملونة مذهبة، وصور فيها صور خاصكيته وأشكالهم، وحفر أنهارًا كثيرة (٧) وخلجانات ببلاد مصر، منها نهر السَّرْداس (٨)، وبنى جوامع كثيرة ومساجد عديدة، وجدد بناء مسجد رسول الله ﷺ حين احترق، ووضع الدرابزينات حول الحجرة الشريفة، وعمل فيه منبرًا وسقفه بالذهب، وجدد المارستان بالمدينة، وجدد قبر الخليل ﵇، وزاد في زاويته وما يصرف إلى المقيمين، وبنى على المكان المنسوب إلى قبر موسى ﵇ قبة قبلي أريحا، وجدد بالقدس أشياء حسنة من ذلك قبلة السلسلة، ورمم سقف الصخرة وغيرها، وبنى بالقدس خانًا هائلًا بماملّا، ونقل إليه باب قصر الخلفاء الفاطميين من مصر، وعمل فيه طاحونًا وفرنًا وبستانًا، وجعل للواردين إليه أشياء تصرف إليهم في نفقة وإصلاح أمتعتهم (٩) ﵀. وبنى على قبر أبي عبيدة بالقرب من عَمْتا (١٠) مشهدًا، ووقف عليه أشياء (١١) للواردين إليه، وعمر جسر دامية، وجدد قبر جعفر الطيار بناحية الكرك، ووقف على الزائرين له شيئًا

стр. 7074

كثيرًا، وجدد قلعة صَفَد (١) وجامعها، وجدَّد جامعَ الرملة وغيرها في كثير من البلاد التي كانت الفرنج [قد أخذلّها وخرَّبت جوامعها ومساجدها] (٢)، وبنى بحلب دارًا هائلة، وبدمشق القصر الأبلق والمدرسة الظاهرية وغيرها، [وضرب الدراهم والدنانير الجيدة الخالصة على النصح والمعاملة الجيدة الجارية بين الناس، فرحمه الله] (٣). وله من الآثار الحسنة والأماكن ما لم يبن في زمن الخلفاء وملوك بني أيوب، مع اشتغاله في الجهاد (٤) في سبيل الله واستخدم من الجيوش شيئًا كثيرًا (٥)، ورد إليه نحوًا من ثلاثة آلاف من المغول فأقطعهم وأمَّر كثيرًا منهم. وكان مقتصدًا في ملبسه ومطعمه وكذلك جيشه. وهو الذي أنشأ الدولة العباسية بعد دثورها، وبقي الناس بلا خليفة نحوًا من ثلاثًا (٦) سنين. وهو الذي أقام (٧) من كل مذهب قاضيًا مستقلًا قاضي قضاة. وكان ﵀ متيقظًا شهمًا شجاعًا لا يفتر عن الأعداء ليلًا ولا نهارًا، بل هو مناجز لأعداء الإسلام وأهله، ولم شعثه (٨) واجتماع شمله. ويالجملة أقامه الله في هذا الوقت المتأخر عونًا ونصرًا للإسلام وأهله (٩)، وشجًا في حلوق المارقين من الفرنج والتتار، والمشركين. وأبطل الخمور ونفى الفُسّاق من البلاد، وكان (١٠) لا يرى شيئًا من الفساد والمفاسد إِلَّا سعى في إزالته بجهده وطاقته، وقد ذكرنا في سيرته ما أرشد إلى حسن طويته وسريرته. وقد جمع له كاتبه ابن عبد الظاهر سيرة مطولة (١١)، وكذلك ابن شداد أيضًا.

стр. 7075

وقد ترك من الأولاد عشرة ثلاثة ذكور وسبع (١) إناث، ومات وعمره ما بين الخمسين إلى الستين. وله أوقاف وصلات وصدقات، تَقَبَّل اللّهُ منه الحسنات، وتجاوز له عن السيئات، واللّه سبحانه أعلم. وقام في الملك بعده ولده [الملك] السعيد بمبايعة أبيه له في حال حياته، وكان عمر السعيد يومئذ دون العشرين سنة، وهو من أحسن الأشكال وأتم الرجال. وفي صفر وصلت الهدايا من الفنس (٢) مع رسله إلى الديار المصرية فوجدوا السلطان قد مات، وقد أقيم (٣) الملك السعيد ولده مكانه والدولة لم تتغير، والمعرفة بعده ما تنكرت، ولكن البلاد قد فقدت أسدها بل أسدّها وأشدها، بل الذي بلغ أشدها، وإذا انفتحت ثغرة من سور الإسلام سدها، وكلما انحلت عقدة من عرى العزائم شدها، وكلما رامت فرقة مارقة من طوائف الطغام أن تلج إلى حومة الإسلام صدَّها وردَّها، فسامحه اللّه، وبلَّ بالرحمة ثراه، وجعل الجنة متقلَّبه ومثواه. وكانت العساكر الشامية قد سارت إلى الديار المصرية ومعهم محفَّة يُظهرون أنَّ السلطان بها (٤) مريض، حتى وصلوا إلى القاهرة فجددوا البيعة لسعيد بعدما أظهروا موت الملك السديد (٥) الذي هو إن شاء اللّه شهيد. وفي يوم الجمعة السابع والعشرين من صفر خُطب في جميع الجوامع بالديار المصرية للملك السعيد، وصُلِّي على والده الملك الظاهر واستهلَّتْ عيناه بالدموع (٦). وفي منتصف ربيع الأول ركب الملك السعيد بالعصائب على عادته وبين يديه الجيش بكماله المصري والشامي، حتى وصل إلى الجبل الأحمر وفرح الناس به فرحًا شديدًا، وعمره يومئذ تسع عشرة سنة، وعليه أُبَّهة الملك ورئاسة السلطنة. وفي يوم الإثنين رابع جمادى الأولى فُتحت مدرسة الأمير شمس الدين آقسنقر الفارقاني بالقاهرة، بحارة الوزيرية على مذهب أبي حنيفة (٧) وعمل فيها مشيخة حديث وقارئ. وبعده بيوم عقد عقد ابن

стр. 7076

الخليفة المستمسك باللّه ابن الحاكم بأمر اللّه، على ابنة الخليفة المستنصر ابن الظاهر، وحضر والده والسلطان ووجوه الناس (١). وفي يوم السبت تاسع جمادى الأولى شُرع في بناء الدار التي تعرف بدار العقيقي، تجاه العادلية لتجعل مدرسة وتربة [للسلطان] الملك الظاهر، ولم تكن قبل ذلك إِلَّا دارًا للعقيقي، وهي المجاورة لحمام العقيقي، وأُسس أساس التربة في خامس جمادى الآخرة [وأسست المدرسة أيضًا] (٢). وفي رمضان طلعت سحابةٌ عظيمةٌ بمدينة صفد (٣) لمع منها برقٌ شديدٌ، وسطع منها لسان نار، وسمع منها صوت شديد هائل، ووقع منها على منارة صفد (٤) صاعقة شقتها من أعلاها إلى أسفلها شقًّا يدخل الكف فيه. وممن توفي فيها من الأعيان: البرواناه (٥) في العشر الأول من المحرم. والملك الظاهر (٦) في العشر الأخير منه، وقد تقدم شيء من ترجمتهما (٧). الأمير الكبير بدر الدين بيلبك بن عبد اللّه (٨) الخزندار نائب الديار المصرية للملك الظاهر. كان جوادًا ممدَّحًا، له إلمام ومعرفة بأيام الناس، والتواريخ، وقد وقف درسًا بالجامع الأزهر على

стр. 7077

الشافعية، ويقال إنه سُمَّ فمات، (فلما مات) انتقض بعده حبل الملك السعيد، واضطربت أموره. قاضي المضاة شمس الدين الحنبلي (١) محمد ابن الشيخ العماد أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي. أول من ولي قضاء الحنابلة بالديار المصرية، سمع الحديث حضورًا (٢) على ابن طبرزذ وغيره، ورحل إلى بغداد واشتغل بالفقه، وتفنَّن في علوم كثيرة، وولي مشيخة سعيد السعداء. وكان شيخًا مهيبًا حسن الشيبة كثير التواضع والبر والصدقة، وقد اشترط في قبول الولاية أن لا يكون له عليها جامكية ليقوم في الناس بالحق في حكمه، وقد عزله الظاهر عن القضاء (٣) سنة سبعين واعتقله بسبب الودائع التي كانت عنده، ثم أطلقه بعد سنتين فلزم منزله واستقر بتدريس الصالحية إلى أن توفي في أواخر المحرم، ودفن عند عمه (٤) الحافظ عبد الغني بسفح جبل المُقَطَّم، وقد أجاز للبرزالي. قال الحافظ البرزالي: وفي يوم (٥) السبت ثاني عشر ربيع الأول ورد الخبر بموت ستة أمراء من الديار المصرية: سنْقُر البغدادي، وبسطا (٦) البلدي التتري، وبدر الدين الوزيري، وسُنْقُر الرومي (٧)، وآق سنقر الفارقاني (٨) رحمهم اللّه تعالى. الشيخ خضر الكردي (٩) شيخ الملك الظاهر خضر بن أبي بكر بن موسى الكردي النهراوني العدوي، ويقال إن أصله من قرية المحمدية من جزيرة ابن عمر، كان يُنسب إليه أحوالٌ ومكاشفاتٌ، ولكنَّه لما خالط الناس افتُتن ببعض بنات الأمراء، وكان يقول عن الملك الظاهر وهو أمير إنه سيلي المُلْك، فلهذا كان الملك الظاهر يعتقده ويبالغ في إكرامه بعد أن ولي المملكة، ويعظمه تعظيمًا زائدًا، وينزل عنده (١٠)

стр. 7078

إلى زاويته في الأسبوع مرةً أو مرتين، ويستصحبه معه في كثير من أسفاره، ويلزمه (١) ويحترمه ويستشيره فيشير عليه برأيه ومكاشفاتٍ صحيحيةٍ مطابقةٍ، إما رحمانية أو شيطانية، أو حال استعادة (٢)، لكنه افتتن لما خالط الناس ببعض بنات الأمراء، وكن لا يحتجبن منه، فوقع في الفتنة. وهذا في الغالب واقع في مخالطة الناس فلا يسلم المخالط لهم من الفتنة، ولا سيّما مخالطة النساء مع ترك الاحتجاب (٣)، فلا يسلم العبدُ ألبتة منهم. فلما وقع فيما (٤) وقع فيه حوقق عند السلطان وبَيْسَري وقلاوون والفارس أقطاي الأتابك، فاعترف، فهم بقتله فقال له: إنما بيني وبينك أيام قلائل، فأمر بسجنه فسُجن سنين عديدة من سنة إحدى وسبعين إلى سنة ست وسبعين، وقد هدم بالقدس كنيسة (٥) وذبح قسيسها وعملها زاوية، وقد قدمنا ترجمته قبل ذلك فيما تقدم، ثم لم يزل مسجونًا حتى مات في يوم الخميس سادس المحرم من هذه السنة، فأخرج من القلعة وسلم إلى قرابته فدُفن في تربةٍ أنشأها في زاويته. مات وهو في عشر الستين، وقد كان يكاشف السلطان في أشياء، وإليه تنسب قبة الشيخ خضر التي على الجبل غربي الربوة، وله زاوية بالقدس الشريف. الشيخ محيي الدين النَّووي (٦)، يحيى بن شَرَف بن [مري] (٧) بن حسن بن حسين بن جمعة بن حِزام الحِزامي (٨) العالم، محيي الدين أبو زكريا النَّوَوي (٩) ثم الدمشقي الشافعي العلامة شيخ المذهب، وكبير الفقهاء في زمانه. ولد بنوَى سنة إحدى وثلاثين وستمئة، ونَوى قرية من قرى حوران، وقد قدم دمشق سنة تسع

стр. 7079

وأربعين، وقد حفظ القرآن فشرع في قراءة "التنبيه"، فيقال إنه قرأه في أربعة أشهر ونصف، وقرأ ربع العبادات من المُهذَّب في بقية السنة، ثم لزم المشايخ تصحيحًا وشرحًا، فكان (١) يقرأ في كل يوم اثنا عشر درسًا على المشايخ، ثم اعتنى بالتصنيف فجمع شيئًا كثيرًا، منها ما أكمله ومنها ما لم يكمله، فمما كمل "شرح مسلم" و"الروضة" (٢) و"المنهاج" (٣) و"الرياض" (٤) و"الأذكار" (٥) و"التبيان" (٦) و"تحرير التنبيه وتصحيحه" (٧)، و"تهذيب الأسماء واللغات" (٨)، و"طبقات الفقهاء" (٩) وغير ذلك. ومما لم يتممه ولو كمل لم يكن له نظير في بابه: "شرح المهذب" الذي سماه المجموع، وصل فيه إلى كتاب الربا، فأبدع فيه وأجاد وأفاد، وأحسن الانتقاد، وحرر الفقه فيه في المذهب وغيره، وحرَّر الحديث على ما ينبغي، والغريب واللغة (١٠) وأشياء مهمة لا توجد إِلَّا فيه، وقد جعله نخبة على ما عن له (١١) ولا أعرف في كتب الفقه أحسن منه، على أنه محتاج إلى أشياء كثيرة تزاد فيه وتضاف إليه. وقد كان من الزهادة والعبادة والورع والتحري والانجماح (١٢) عن الناس على جانب كبير، لا يقدر عليه أحد من الفقهاء غيره، وكان يصوم الدهر (١٣) ولا يجمع بين إدامين، وكان غالب قوته مما يحمله إليه

стр. 7080

أبوه من نوى، وقد باشر تدريس الإقبالية نيابة عن ابن خلكان، وكذلك ناب في الفلكية والركنية، وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية، وكان لا يضيع شيئًا من أوقاته، وحجَّ في مدة إقامته بدمشق، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر للملوك وغيرهم. توفي في ليلة أربع وعشرين من رجب من هذه السنة بنوى، ودفن هناك ﵀ وعفا عنا وعنه. علي بن علي بن أسفنديار (١) نجم الدين. الواعظ بجامع دمشق أيام السبوت في الأشهر الثلاثة، وكان شيخ الخانقاه المجاهدية وبها توفي في هذه السنة، وكان فاضلًا بارعًا، وكان جده يكتب الإنشاء للخليفة الناصر، وأصلهم من بوشنج. ومن شعر نجم الدين هذا قوله (٢): [من الطويل] إذا زارَ بالجثمانِ غيري فإنني … أزورُ معَ الساعاتِ ربعَكَ بالقَلْبِ وما كلُّ ناءً عن ديارٍ بنازحٍ … ولا كلُّ دانٍ في الحقيقةِ ذو قُرْبِ ثم دخلت سنة سبع وسبعين وستمئة كان أولها يوم الأربعاء وكان الخليفة الحاكم بأمر اللّه العباسي، وسلطان البلاد شامًا ومصرًا وحلبًا (٣) الملك السعيد. وفي أوائل المحرم اشتهر بدمشق ولاية ابن خلكان (٤) قضاء دمشق عودًا على بدءً في أواخر ذي الحجة، بعد عزل سبع سنين، فامتنع القاضي عز الدين بن الصائغ من الحكم في سادس المحرم وخرج الناس لتلقي ابن خلكان، فمنهم من وصل إلى الرملة وكان دخوله في يوم الخميس الثالث والعشرين من المحرم، فخرج نائب السلطنة عز الدين أيدمر بجميع الأمراء والمواكب لتلقيه، وفرح الناس بذلك، ومدحه الشعراء، وأنشد الفقيه شمس الدين محمد بن جعوان (٥): [من البسيط] (٦)

стр. 7081

لما تَولَّى قضاء الشام حاكمهُ … قاضي القضاة أبو العباسِ ذو الكرم (١) من بعدِ سبعٍ شدادٍ قال خادمهُ … ذا العام فيه يُغاثُ الناسُ بالنّعمِ وقال سعد الدين (٢) بن مروان الفارقي (٣): [من الوافر] أذَقْتَ الشامَ سَبْعَ سنين جَدْبًا … غداةَ هَجَرْتَهُ هَجْرًا جميلا فلمَّا زُرْتَهُ من أرضِ مصرٍ … مَدَدْتَ عليهِ من كَفَّيْكَ نيلا وقال آخر (٤): [من مخلع البسيط] رأيتُ أهْلَ الشَّامِ طُرًّا … ما فيهمُ قَطُ غَيْرُ راضِ نالَهُم الخَيْرَ بَعْدَ شَرٍّ … فالوقتُ بَسْطٌ بلا انقباضِ وعُوِّضُوا فَرْحَةً بحُزنٍ … قد أنصفَ الدهرُ في التَّقاضي وسَرَّهُم بعدَ طُولِ غَمٍّ … قدوم قاضي وعزل قاضي وكلُّهم شاكر وشاكٍ … لحالِ مُسْتَقبل وماض قال اليونيني (٥): وفي يوم الأربعاء ثالث عشر صفر ذكر (٦) الدرس بالظاهري (٧) وحضر نائب السلطنة أيدمر الظاهرية (وكان درسًا حافلًا) حضره القضاة، وكان مدرس الشافعية - الشيخ رشيد الدين عمر (٨) بن إسماعيل (٩) الفارقي، ومدرس الحنفية الشيخ صدر الدين سليمان الحنفي (١٠)، ولم يكن بناء المدرسة كمل (١١). وفي جمادى الأولى باشر قضاءَ الحنفية صدرُ الدين سليمان المذكور عوضًا عن مجد الدين بن العديم (١٢)،

стр. 7082

بحكم وفاته، ثم توفي صدرُ الدين سليمانُ المذكور في رمضان وتولَّى بعده القضاء حسامُ الدين أبو الفضائل الحسن بن أنو شروان الرازي الحنفي (١)، الذي كان قاضيًا بملطية قبل ذلك (٢). وفي العشر الأول من ذي القعدة فتحت المدرسة النجيبية وحضر تدريسها ابن خلكان (٣) بنفسه، ثم نزل عنها لولده كمال الدين موسى، وفتحت الخانقاه النجيبية، وقد كانتا وأوقافهما تحت الحيطة إلى الآن. وفي يوم الثلاثاء خامس ذي الحجة دخل السلطان السعيد إلى دمشق وقد زُينت له (٤) وعملت له قباب ظاهرة وخرج أهل البلد لتلقيه وفرحوا به فرحًا عظيمًا لمحبتهم والده، وصلى عيد النحر بالميدان (٥)، وعمل العيد بالقلعة المنصورة. واستوزر بدمشق الصاحب فتح الدين عبد اللّه بن القيسراني، وبالديار المصرية بعد موت بهاء الدين بن الحِنا الصاحب برهان الدين الخضر بن الحسن النيجاري. وفي العشر الأخير من ذي الحجة جهَّز السلطان العساكر إلى بلاد سيس صحبة الأمير سيف الدين قلاوون الصالحي، وأقام (٦) السلطان بدمشق في طائفة يسيرة من الأمراء والخاصكية والخواصّ، وجعل يكثر التردد إلى الزنبقية (٧). وفي يوم الثلاثاء السادس والعشرين من ذي الحجة جلس السلطان (٨) بدار العدل داخل باب النصر، وأسقط ما كان جَدَّدَه والده على بساتين أهل دمشق، فتضاعفت له منهم الأدعية وأحبوه لذلك حبًا شديدًا (٩)، فإنه كان قد أجحف بكثير من أصحاب (١٠) الأملاك، وودَّ كثير منهم لو تخلص من ملكه جملة بسبب ما عليه. وفيها: طُلب من أهل دمشق (١١) خمسون (١٢) ألف دينار ضربت أجرة على أملاكهم مدى شهرين، وجبيت منهم على القهر والعسف (١٣).

стр. 7083

وممن توفي فيها من الأعيان: آقوش (١) بن عبد اللّه الأمير الكبير جمال الدين النَّجيبي، أبو سعيد الصالحي. أعتقه الملك نجم الدين أيوب بن الكامل، وجعله من أكابر الأمراء، وولاه أستاذ داريته، وكان يثق به (٢) ويعتمد عليه، وكان مولده في سنة تسعٍ أو عشرٍ وستمئة، وولاه الملك الظاهر أيضًا أستاذ داريته، ثم استنابه بالشام تسع سنين، فاتّخذ فيها المدرسة النَّجيبية ووقف علها أوقافًا دارَّة واسعةً، لكن لم يقرر (٣) للمستحقين قدرًا يناسب ما وقفه عليه، ثم عزله السلطان واستدعاه لمصر (٤) فأقام بها مدة بطَّالًا، ثم مرض بالفالج أربع سنين، وقد عاده في بعضها الملك الظاهر، ولم يزل به حتى كانت وفاته ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر بالقاهرة بداره بدرب الملوخية، ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة بتربته التي أنشأها بالقرافة الصغرى، وقد كان بنى لنفسه تربة بالنجيبية (٥)، وفتح لها شُبَّاكَيْن إلى الطريق، فلم يُقَدَّر دفنه بها. وكان كثيرَ الصدقةِ محبًا للعلماءَ مُحْسنًا إليهم، حسن الاعتقاد، شافعي المذهب، متغاليًا في السنة ومحبّةِ الصحابة وبغض الروافض، ومن جملة أوقافه الحسان البستان والأراضي التي (٦) أوقفها على الجسورة التي قبلي جامع كريم الدين اليوم، وعلى ذلك أوقاف كثيرة، وجعل النظر في أوقافه لابن خلكان (٧). أيدكين بن عبد اللّه (٨) الأمير الكبير علاء الدين الشهابي، واقف الخانقاه الشهابية، داخل باب الفرج. كان (٩) من كبار الأمراء بدمشق، وقد ولاه (١٠) الظاهر [النيابة] بحلب مدة، وكان من خيار الأمراء

стр. 7084

وشجعانهم، وله حسن ظن بالفقراء والإحسان إليهم، ودفن بتربة الشيخ عمار الرومي بسفح قاسيون، في خامس عشر ربيع الأول، وهو في عشر الخمسين، وخانقاه داخل باب الفرج، وكان لها شُبّاك إلى الطريق. والشهابي نسبة إلى الطواشي شهاب الدين رشيد الكبير الصالحي. قاضي القضاة (١) صدر الدين سليمان بن أبي العِزّ (٢) وهيب (٣) أبو الربيع الحنفي. شيخُ الحنفية في زمانه، وعالمهم شرقًا وغربًا، أقام بدمشق مدة يفتي ويدرّس، ثم انتقل إلى الديار المصرية يدرّس بالصالحية، ثم عاد إلى دمشق فدرّس بالظاهرية، وولي القضاء بعد مجد الدين بن العديم ثلاثة أشهر، ثم كانت وفاته ليلة الجمعة سادس شعبان، ودفن في الغد (٤) بعد الصلاة بداره بسفح قاسيون، وله ثلاثٌ وثمانون سنة، ومن لطيف شعره في مملوك تزوج جاريةً للملك المعظم (٥): [من البسيط] يا صاحبَيّ قِفا لي وانْظُرا (٦) عَجَبًا … أتى بهِ الدَّهرُ فينا من عَجائبهِ البَدْرُ أصبح فوقَ الشَّمْسِ مَنْزلةٌ (٧) … وما العُلُوُّ عليها مِنْ مَرَاتبهِ أضْحى يُماثِلُها حُسْنًا وشاركها (٨) … كُفْوًا وسارَ إليها في مَواكبهِ فأشْكَلَ الفَرْقُ لولا وَشْيُ نَمْنَمَةٍ (٩) … بصدغهِ واخضرارٍ فوق شاربهِ

стр. 7085

طه (١) بن إبراهيم بن أبي بكر كمال الدين الهمداني (٢) الإربلي الشافعي. كان أديبًا فاضلًا شاعرًا، له قدرة في تصنيف دوبيت (٣)، وقد أقام بالقاهرة حتى توفي (٤) [بها] في جمادى الأولى من هذه السنة، وقد اجتمع مرة بالملك الصالح أيوب، فجعل يتكلّم في علم النجوم (٥) فأنشده على البديهة (هذين البيتين) (٦): [من البسيط] دَعِ النجومَ لِطُرْقِيٍّ يعيشُ بها … وبالعزيمة فانهضْ أيُّها المَلكُ (٧) إنَّ النبيَّ وأصحابَ النَّبِيِّ نَهَوْا … عنِ النُّجومِ وقد أبصرتَ (٨) ما ملكوا وكتب إلى صاحب له اسمه شمس الدين يستزيره بعد رمد أصابه فبرأ منه (٩): [من الطويل] يقولُ ليَ الكحّالُ عينُكَ قد هدتْ … فلا تَشْغَلَنْ قَلْبًا وطِبْ نفسا وَلي مُدَّةٌ يا شمسُ لم أركم بها … وآية برءِ العينِ أن تبصرَ الشمسا (١٠) عبد الرحمن بن عبد اللّه (١١) بن محمد بن الحسن بن عبد اللّه بن الحسن بن عثمان (١٢) جمال الدين ابن الشيخ نجم الدين البادَرَائي (١٣) البغدادي ثم الدمشقي. درَّس بمدرسة أبيه من بعده حتى (١٤) حين وفاته يوم الأبعاء سادس رجب، ودُفن بسفح قاسيون، وكان رئيسًا حسنَ الأخلاق جاوز خمسين سنة، ﵀.

стр. 7086

قاضي الفضاة مجد الدين (١) عبد الرحمن بن كمال الدين (٢) عمر بن أحمد بن العَديم، الحلبي، ثم الدمشقي الحنفي (٣). ولي قضاء الحنفية بعد ابن عطاء (٤) بدمشق، وكان رئيسًا ابنَ رئيس، له إحسان وكرم (٥) أخلاق، وقد ولي الخطابةَ بجامع القاهرة الكبير، وهو أول حنفيّ وليه، توفي (٦). بجوسقه بدمشق في ربيع الآخر (٧) من هذه السنة، ودفن بالتربة التي أنشأها عند زاوية الحريري على الشرف القبلي غربي الزيتون. الوزير ابن الحِنّا (٨) علي بن محمد بن سليم (٩) بن عبد الله الصاحب بهاء الدين أبو الحسن بن الحِنّا الوزير المصري. وزير الملك الظاهر وولد (١٠) السعيد إلى أن توفي في سلخ ذي القعدة، وهو جد جد، وكان ذا رأي وعزم وتدبير ذا تمكُّن في الدول الظاهرية، لا تمضي الأمور إِلَّا عن رأيه وأمره، وله مكارم على الأمراء وغيرهم، وقد امتدحه الشعراء، وكان ابنه تاج الدين وزير الصحة، وقد صودر في الدولة السعيدية. الشيخ مجد الدين (١١) ابن الظَّهير اللغوي (١٢) محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن أبي شاكر مجد الدين أبو عبد اللّه الإربلي الحنفي المعروف بابن الظهير.

стр. 7087

ولد بإربل سنة ثنتين وستمئة، ثم أقام بدمشق ودرس بالقايمازية (١) وأقام بها حتى توفي بها ليلة الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر، ودفن بمقابر الصوفية، وكان بارعًا في النحو واللغة، وكانت له يد طولى (٢) في النظم وله ديوان مشهور، وشعر رائق، فمن شعره قوله (٣): [من الخفيف] كُلُّ حيٍّ إلى المماتِ مآبُهْ … ومَدَى عُمْرِهِ سَريعٌ ذَهابُهْ ثم من قبره سيُحْشَرُ فردًا … واقفًا وحده يُوفَّى حسابه (٤) معه سائقٌ له وشهيدٌ … وعلى الحرص - ويحه - انكبابُه (٥) يُخْربُ الدارَ وهي دارُ بقاءٍ … ثمَّ يَبْني ما عن قريب خرابه (٦) عَجَبًا وهو في التُّرابِ غَريقٌ … كيفَ يلْهيهِ طِيبُه ومَلابُه (٧) كلَّ يومٍ يَزيدُ نَقْصًا وإن عُمِّـ … ــتْ أوصالُه أوصابه (٨) والورى في مراحل (٩) الدَّهْرِ رَكْبٌ … دائمُ السَّيْرِ لا يُرَجى إيابُهْ فتزوَّدْ إنَّ التُّقى خَيْرُ زادٍ … ونصيبُ اللبيبِ منه لُبابه (١٠) وأخُو العَقْلِ مَنْ يَقْضي بصدقٍ … شيْبُهُ في صَلاحهِ وشَبَابُه (١١) وأخو الجَهْلِ يَسْتَلِذُّ هَوى النَّفْـ … ــسِ فيغدو شهدًا لديهِ مصابه (١٢)

стр. 7088

وهي طويلة جدًّا قريبة (١) من مئة وخمسين بيتًا، وقد أورد الشيخ قطب الدين (٢) شيئًا كثيرًا من شعره الحسن الفائق الرائق. ابن إسرائيل الحَريري (٣) محمد بن سَوَّار بن إسرائيل بن الخضر بن إسرائيل بن الحسن بن علي بن محمد بن الحسين نجم الدين أبو المعالي الشَّيْباني الدمشقي. ولد في [ضحى] يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الأول سنة ثلاث وستمئة، وصحب الشيخ علي بن أبي الحسن بن منصور البُسْري (٤) الحريري، في سنة ثماني عشرة، وكان قد لبس الخرقة قبله من الشيخ شهاب الدين السَّهروردي (٥)، وزعم أنه أجلسه في ثلاث خلوات. وكان ابن إسرائيل يزعم أن أهله قدموا الشام مع خالد بن الوليد فاستوطنوا دمشق، وكان أديبًا فاضلًا في صناعة الشعر، بارعًا في النظم، ولكن في كلامه ونظمه ما يشير به إلى نوع من الحلول والاتحاد على طريقة ابن عربي (٦) وابن الفارضي (٧) وشيخه الحريري، واللّه أعلم بحاله وحقيقة أمره. توفي بدمشق ليلة الأحد الرابع عشر من ربيع الآخر هذه السنة، عن أربع وسبعين سنة، ودفن بتربة الشيخ رسلان معه داخل القبة، وكان الشيخ رسلان شيخ الشيخ علي المغربل (٨) الذي تخرّج على يديه الشيخ علي الحريري شيخ ابن إسرائيل، فمن شعره قوله (٩): [من الطويل] لَقَدْ عادَني من لاعجِ الشَّوْقِ عائِدُ … فهَلْ عَهدُ ذاتِ الخالِ بالسَّفحِ عائدُ؟ وهل نارُها بالأجرعِ الفَرْدِ تَعتلي … لِمُنْفَرِدٍ شابَ الدُّجى وهُوَ شاهِدُ؟ نَديميَّ من سُعْدَى أديرا حَديثها … فذِكري هَواها والمُدامَةُ واحدُ مُنعَّمةُ الأطرافِ رَقَتْ مَحاسنًا … كمَا جَلَّ في حُبِّي لها ما أُكابدُ (١٠)

стр. 7089

فللبَدْرِ ما لاثَتْ (١) عليه خِمارَها … وللشَّمْسِ ما جالَتْ (٢) عليه القَلَائِدُ وله (٣): [من الرمل] أيُّها المُعْتاضُ بالنَّوْمِ السَّهَرْ … ذاهِلًا يَسْبَحُ في بَحْرِ الفِكَرْ سَلِّم الأمرَ إلى مالِكِه … واصْطَبِرْ فالصَّبْرُ عُقْباهُ الظَّفَرْ لا تَكُونَنْ آيِسًا من فَرَجٍ … إنَّما الأيامُ تأتي بالعِبَر (٤) كَدَرٌ يَحْدُثُ في وَقتِ الصَّفا … وَصَفًا يَحْدُثُ في وَقْتِ الكَدَرْ وإذا ما سَاءُ (٥) دَهْرٌ مرَّةً … سَرَّ أهْلِيه وَمَهْما سَاءَ سَر فَارْضَ عَنْ رَبِّكَ في أقدارِهِ … إنَّما أنْتَ أسيرٌ للقَدَرْ وله قصيدة في مدح النَّبِيّ ﷺ طويلة حسنة سمعها الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني (٦) وأصحابه على الشيخ أحمد الأعفف عنه. وأورد له الشيخ قطب الدين اليونيني (٧) أشعارًا كثيرة. فمنها قصيدته الدالية المطولة التي أولها: [من الطويل] وَفَى (٨) لِيَ مَنْ أهْواهُ جَهْرًا بمَوعدي (٩) … وأرْغَم عُذَّالِي عليهِ وَحُسَّدي وزارَ على شَطِّ (١٠) المَزَارِ مُطَوَّلًا (١١) … على مُغْرَمٍ بالوصلِ لم يَتَعَوَّدِ فَيَا حُسْنَ ما أهْدى لعيني جمالهُ … ويا بَرْدَ ما أهْدى إلى قَلْبي الصَّدي ويا صِدْقَ أحْلامي ببُشْرى وصالهِ … ويا نَيْلَ آمالي ويا نُجْحَ مقْصدي

стр. 7090

تَجلَّى (١) وُجودي إذْ تَجَلَّى لباطني … بجدٍّ سَعيدٍ أو بِسَعدٍ (٢) مُجَدّدِ لقد حقَّ لي عِشْقُ الوجودِ وأهلهِ … وقد عَلِقَتْ كَفّايَ جَمْعًا بموجدي (٣) ثم [تغزل فأطال إلى أن قال] (٤): فلما (٥) تجلَّى لي على كلِّ شاهدٍ … وسَامَرَني (٦) بالرَّمْزِ في كُلّ مَشْهَدِ تَجَنَّبْتُ تَقْييدَ الجمالِ تَرَفُّعًا … وطالَعْتُ أسْرارَ الجمالِ المُبَدَّدِ وصارَ سَماعي مُطْلَقًا مَنهُ بَدْؤهُ … وحاشا لمثلي مِنْ سَماعٍ مُقَيَّدِ ففي كُلِّ مَشْهودٍ لقَلْبِي شاهدٌ … وفي كُلِّ مَسْموعٍ له لحنُ معبدِ وصل في مشاهد الجمال ثم قال: أراهُ بأوصافِ الجَمالِ جَميعها … بغيرِ اعتقادٍ للحُلولِ المُبَعِّدِ ففي كُلِّ هَيْفاءَ المَعَاطِفِ غَادة … وفي كُلّ مَصْقولِ السَّوالِفِ أغْيَدِ وفي كُلّ بَدْرٍ لاحَ في لَيْلِ شعرهِ … على كُلِّ غُصْن مائِسِ العِطْفِ أمْلَدِ وعِنْدَ اعْتناقي كُلَّ قَدّ مُهَفْهَفٍ … ورَشفي رضابًا كالرَّحيقِ المُبرَّدِ وفي الدُّرِّ والياقوتِ والطِّيبِ والحلا … على كُلّ ساجي (٧) الطَّرفِ لَدْنِ المُقَلَّدِ وفي حُلَلِ الأثوابِ راقَتْ لناظِري … بِزبْرجها من مُذْهَب ومَورَّدِ (٨) وفي الراحِ والرَّيْحانِ والسَّمع والغِنا … وفي سَجْعٍ تَرْجيعِ الحَمامِ المُغَرِّدِ وفي الدوحِ والأنهارِ والزهرِ والندى (٩) … وفي كلِّ بُسْتانٍ وقَصْرٍ مُشَيَّدِ

стр. 7091

وفي الرَّوْضةِ الفَيْحاءِ تَحْتَ سَمائِها (١) … يُضاحِكُ (٢) نُورَ الشَّمْسِ نُوّارُها النَّدي وفي صَفْوِ رَقراقِ الغَديرِ إذا حكى … وقد جَعَّدَتْه (٣) الرِّيحُ صَفْحَةَ مِبْرَدِ وفي اللَّهْوِ والأفْراحِ والغَفْلَةِ التي … تُمَكِّنُ أهلَ الفرقِ من كُلِّ مَقْصَدِ وعِنْدَ انْتِشاءِ (٤) الشَّرْبِ في كُلِّ مَجْلسٍ … بهيجٍ بأنواعِ الثمارِ المُنَضَّدِ (٥) وعِنْدَ اجتماعِ (الناسِ) في كُلِّ جمْعَةٍ … وعيدٍ وإظْهَارِ الرِّياشِ المُجَدَّدِ وفي لَمَعانِ المَشْرفياتِ بالوَغى … وفي مثلِ أعْطافِ القَنَا (٦) المُتأوّدِ وفي الأعْوَجِيَّاتِ العِتاقِ إذا انْبَرَتْ … تسابق وَفْد الرّيحِ في كلِّ مطردِ المظاهر العلوية (٧) وفي الشَّمْس تَحْكي وهي في بُرْجِ نُورها (٨) … لَدَى الأُفُقِ الشَّرْقي مرآةَ عَسْجَدِ وفي البَدْرِ بَدْر الأُفْقِ لَيْلَةَ تِمِّهِ … جَلَتْهُ لسَماءٌ مِثْلَ صَرْحٍ مُمَرَّدِ وفي أنجمٍ زَانَت دُجاها كأنَّها … نِثارُ لالٍ في بساطِ زَبرجَدِ وفي الغَيْثِ روَّى الأرض بعدَ هُمودِها … قبالَ (٩) نداهُ مُتْهِمٌ بَعْدَ مُنْجِدِ وفي البَرْقِ يَبْدُوْ (١٠) مَوهِنًا في سَحابهِ … كباسمِ ثَغْرٍ أو حُسامٍ مُجَرَّدِ (١١) المظاهر المعنوية (١٢) ثم قال:

стр. 7092

وفي حُسْنِ تَنْمِيقِ الخطابِ وسرعةِ الـ … ــجَوابِ وفي الخَطِّ الأنيقِ المُجَوَّدِ (١) وفي رِقَّةِ الأشْعارِ راقَتْ لسامعٍ … بدائِعُها من مُقْصرٍ ومُقَصَّدِ وفي عودِ عيدِ الوصلِ من بَعْدِ جَفْوةٍ … وفي أمْنِ أحْشاءَ الطَّريدِ المُشَرَّدِ وفي رَحْمةِ المَعْشُوقِ شَكْوى مُحِبِّهِ … وفي رقَّةِ الألفاظِ عِنْدَ التوَدُّدِ وفي أريحيَّات الكريم إلى الندى … وفي عاطفات العفو من كلِّ سيِّد وحَالَةِ بَسْطِ العارفينَ وأُنْسِهِمْ … وتَحْرِيكِهم عِنْدَ السَّماعِ المُقَيَّدِ وفي لُطْفِ آياتِ الكتابِ (التي) بها … تَنَسّم (٢) روحَ الوَعْدِ بَعْدَ التَّوَعُّدِ ثم قال: المظاهر الجلالية كذلكَ أوصافُ الجَلالِ مَظَاهرٌ … أُشاهِدُهُ فيها بغيرِ تَرَدُّدِ ففي سطوةِ القاضي الجليلِ وسَمْتِه … وفي سَطْوةِ الملكِ الشَّديدِ التَّمَرُّدِ (٣) وفي حِدَّةِ (٤) الغَضْبانِ حَالةَ طَيْشِهِ … وفي نَخْوَةِ القَرْمِ المهيبِ المُسَوَّدِ وفي صَوْلةِ (٥) الصَّهْباءَ جازَ (٦) مديرها … وفي بُؤْسِ (٧) أخلاقِ النَّديمِ المُعَربدِ وفي الحرِّ والبَرْدِ اللَّذَيْنِ تقسَّما الـ … ـزَّمانَ وفي إيلامِ كلم محسدِ (٨) وفي سرِّ تَسْليطِ النُّفوسِ بشرِّها (٩) … عَلَيَّ وتَحْسينِ التَّعَدّي لمُعْتَدي وفي عيثر الغَاراتِ يستغرق الفضا … وتكحيلِ (١٠) (عينِ الشمسِ) منهُ بإثمدِ

стр. 7093

وعندَ اصطدامِ الخَيْلِ في كل موقفٍ (١) … تَعَثَّرَ (٢) فيهِ بالوَشِيجِ المُنَضَّدِ وفي شِدَّةِ اللَّيْثِ الصَّؤولِ (٣) وبأْسِهِ … وشدَّةِ عَيْشٍ بالسَّقَامِ مُنَكَّا (٤) وفي جَفْوةِ المَحْبوبِ بَعْدَ وِصالهِ … وفي غدر (٥) من بعدِ وعدٍ (٦) مؤكَّدِ وفي رَوْعَةِ البَيْنِ المُشِتِّ (٧) وموقفِ الـ … ــوداعِ لحرَّانِ (٨) الجوانحِ مُكْمِدِ وفي فرقةِ الأُلَّافِ بَعْد اجْتماعهم … وفي كلِّ تَشْتيتٍ وشَمْلٍ مُبَدَّدِ وفي كلِّ دارٍ أقْفَرَتْ بَعْدَ أُنْسِها … وفي طَلَلِ بالٍ ودارٍ مُشْهدِ (٩) وفي هَوْلِ أمْواجِ البِحارِ وَوَحْشَةِ الـ … ـقفارِ وسيلٍ بالمزاييبِ (١٠) مُزْبِدِ وعندَ قيامي بالفرائضِ كلِّها … وحالةِ تَسْليم لسرِّ التعبُّدِ وعندَ خُشوعي في الصَّلاةِ لعزَّةِ الـ … ــمُناجى وفي الإطراقِ (١١) عندَ التَّهجُّدِ وحالةِ إهْلالِ الحَجيجِ بحجِّهمْ … وإعْمالهمْ للعيسِ (١٢) في كلِّ فَدْفَدِ (١٣) وفي عُسْرِ تَخْليصِ الحَلالِ وفترة الـ … ـملالِ لقَلْبِ النَّاسِكِ المُتَعَبِّدِ المظاهر الكمالية وفي ذِكْرِ آياتِ (١٤) العَذابِ وظلمةِ الـ … ــحجابِ وقَبْضِ النَّاسكِ المُتَزَهِّدِ ويَبْدُوْ (١٥) بأوْصافِ الكَمالِ فَلَا أرى … برُؤْيَتِه شَيئًا قَبيحًا ولا رَدي

стр. 7094

فكُلُّ مُسيءٍ لي إليَّ كَمُحْسِنٍ … وكلُّ مُضِلّ (لي) إليَّ كَمُرْشِدِ (١) فلا (٢) فرقَ عندي بَيْن أُنْسٍ ووحشةٍ … ونورٍ وإظلامٍ ومُدْنٍ ومُبْعدِ وسيّانَ إفْطاري وصَوْمي وفَتْرتي … وجهدي ونومي وادِّعاء تَهَجُّدِي (٣) أُرَى تارةً في حانةِ الخَمْرِ خالعًا … عِذاري وطَوْرًا في حنيَّةِ مسجدِ (٤) تَجَلَّى لسرّي بالحقيقةِ مشربٌ … فوقتي مَمْزوج بكَشْفٍ مُسَرمَدِ تَعَمَّرتِ الأوطانُ (بي) وتحققت … مظاهرُها عندي بعيني ومَشْهَدِي وقلبي على الأشياءِ أجمع قلبٍ … وسرِّي (٥) مقسوم على كلِّ مورد فهيكل أوثانٍ وديرٌ لراهبٍ … وبيتٌ لنيرانٍ وقبلةُ معبدي (٦) ومَسْرَحُ غِزْلَانٍ (٧) وحانة (٨) قَهْوةٍ … ورَوْضَةُ أزْهارٍ ومَطْلَعُ أسْعدِ وأسْرارُ عِرْفانٍ ومِفْتاحُ حِكمةٍ (٩) … وأنفْاسُ وجدانٍ وفَيْضُ (١٠) تَبَلُّدِ وجشٌ لِضِرغامٍ وخِدْرٌ (١١) لِكاعِب … وظُلْمَةُ حَيْرانٍ (١٢) ونُورٌ لمُهْتَدِي تَقَابَلتِ الأضْدادُ عِنْدي جَميعُها … كمحنةِ (١٣) مَجْهودٍ ومنْحَةِ مُجْتدي وأحْكَمْتُ تَقْريرَ المَراتبِ صُورةً … ومَعْنىً ومن عَيْنِ التَّفَرُّدِ مَوْرِدي فما مَوْطِنٌ إلّا ولي فيهِ مَوْقف (١٤) … على قَدَيم قامَتْ بِحَقِّ التَّفَرُّدِ

стр. 7095

فَلَا غَرْوَ إنْ فُتُّ الأنامَ بها وقد … عَلِقْتُ (١) بحبلٍ من حِبالِ محمَّد عَلَيْه صَلاةُ اللّهِ تُشْفَعُ دائمًا … بروحِ تحياتِ السَّلامِ المُرَدَّدِ ابن العود الرافضي (٢) أبو القاسم (بن) (٣) الحُسَين بن العود نجيب الدين الأسَدي الحِلّي. شيخُ الشِّيعة وإمامهُم وعالمهم في أنفسهم، كانت له فضيلةٌ ومشاركةٌ في علوم كثيرة، وكان حسن المحاضرةِ والمعاشرة، لطيفَ النادرة، وكان كثيرَ التَّعبُّدِ بالليل، وله شعرٌ جيد. ولد سنة إحدى وثمانين وخمسمئة، وتوفي في رمضان من هذه السنة عن ست وتسعين سنة، واللّه أعلم بأحوال عباده وسرائرهم ونياتهم. ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وستمئة كان أولها يوم الأحد والخليفة والسلطان هما المذكوران في التي قبلها. وقد اتفق في هذه السنة أمور عجيبة، وذلك أنه وقع الخُلْفُ بين الممالكِ كلِّها: اختلفت التتار فيما بينهم واقتتلوا فقُتل منهم خلقٌ كثير. واختلفت الفرنجُ في (٤) السواحل، وصالَ بعضُهم على بعض، وقَتَلَ بعضُهم بعضًا، وكذلك الفرنجُ الذين في داخل البحور وجزائرها، فاختلفوا واقتتلوا. وقتلت (٥) قبائل الأعراب بعضها في بعض قتالًا شديدًا. وكذلك وقعَ الخُلْف بين العشير من الحوارنة (٦) وقامت الحرب بينهم على ساق. وكذلك (٧) وقع الخُلْفُ بين الأمراء الظاهرية بسبب أن السلطان الملك السعيد بن الظاهر لمّا بعثَ الجيش إلى سيس أقام بعده بدمشق وأخذ في اللهو واللعب والانبساط مع الخاصكية، وتمكنوا من

стр. 7096

الأمور، وبَعُدَ عنه الأمراءُ الكبارُ، فغضبت طائفةٌ منهم ونابذوه وفارقوه وأقاموا بطريق العساكر (١) الذين توجهوا إلى سيس وغيرهم، فرجعتِ العساكرُ إليهم فلما اجتمعوا شعثوا قلوبهم على الملك السعيد، ووحشوا خواطر الجيش عليه، وقالوا: الملك لا ينبغي له أن يلعب ويلهو (٢)، وإنما همّةُ الملوك في العدل ومصالح الآخرة والذبّ عن حوزتهم، كما كان أبوه. وصدقوا فيما قالوا، فإنَّ لعبَ الملوك والأمراء وغيرهم دليل على زوال النعم وخراب المُلْك، وفساد الرعية. ثم راسله الجيش في إبعاد الخاصكية عنه ودنوِّ ذوي الأحلام والنهى إليه كما كان أبوه، فلم يفعل (٣)، وذلك أنه كان لا يمكنه ذلك لقوة شوكة الخاصكية وكثرتهم، فركب الجيش وساروا قاصدين مرج الصفر، ولم [يمكنهم العبور (٤) على دمشق بل أخذوا من شرقها، فلما اجتمعوا كلهم بمرج الصفر] (٥) أرسل السلطان أمه إليهم فتلقوها وقبّلوا الأرض بين يديها، فأخذت تتألفهم (٦) وتصلح الأمور، فأجابوها واشترطوا شروطًا على ولدها السلطان، فلما رجعت إليه لم يلتزم بها ولم تمكنه الخاصكية من ذلك، فسارت العساكر إلى الديار المصرية، فساق السلطان خلفهم ليتلافى الأمور قبل تفاقمها (٧) وانفراطها، فلم يلحقهم وسبقوه إلى القاهرة، وقد كان أرسل أولاده وأهله (٨) وثقله إلى الكرك فحصنهم فيها، وركب في طائفة من الجيش الذين بقوا (٩) معه والخاصكية إلى الديار (١٠) المصرية، فلما اقترب منها صدوه عنها وقاتلوه فقتل من الفريقين نفر يسير، فأخذه بعض الأمراء فشق به الصفوف وأدخله في قلعة الجبل ليسكن الأمر (١١)، فما زادهم ذلك إِلَّا نفورًا، فحاصروا حيئنذ القلعة وقطعوا عنها الماءَ، وجرت خطوبٌ طويلةٌ وأحوالٌ صعبةٌ. ثم اتفق الحالُ بعد ذلك مع الأمير سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي - وهو المشار إليه حينئذ -

стр. 7097

أن (١) يترك الملكُ السعيدُ المُلْكَ ويتعوض بالكرك والشوبك، ويكون في صحبته أخوه نجم الدين خضر، وتكون المملكة إلى أخيه (٢) الصغير بدر الدين سلامش، ويكون الأمير سيف الدين قلاوون أتابكه. خلع الملك السعيد وتولية أخيه الملك العادل سَلامُش لما اتفق الحال على ما ذكرنا نزل السلطان الملك السعيد من القلعة إلى دار العدل في سابع عشر الشهر (٣)، وهو ربيع الآخر، وحضر القضاة والدولة من أولي الحل والعقد، فخلع السعيد نفسه من السلطنة وأشهدهم على نفسه بذلك، وبايعوا أخاه بدر الدين سلامش ولقب بالملك العادل، وعمره يومئذ سبع سنين، وجعلوا أتابكه الأمير سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي، وخطبَ له الخطباءُ ورُسمت السكة باسمهما، وجعل لأخيه (٤) الكرك، ولأخيه خضر الشوبك، وكتبت (٥) بذلك مكاتيب، ووضح القضاة والمفتون خطوطهم بذلك (٦)، وجاءت البريدية إلى الشام بالتحليف لهم على ما حلف عليه المصريون. ومُسك الأمير أيدمر (٧) نائب الشام الظاهري واعتُقل بالقلعة عند نائبها، و (كان نائبها) إذ ذاك علم الدين سنجر الدواداري، وأحيط على أموال نائب الشام (٨) وحواصله، وجاء على نيابة الشام الأمير شمس الدين سنقر الأشقر في أُئهة عظيمة، وتحكُم مكين، فنزل بدار السادة وعظمه الناس وعاملوه معاملة الملوك، وعزل السلطان قضاة مصر الثلاثة الشافعي والحنفي والمالكي، وولَّوا القضاء صدر الدين عمر بن القاضي تاج الدين (٩) بن بنت الأعزّ عوضًا عن الشافعي، وهو تقي الدين بن رزين (١٠) وكأنهم إنما عزلوه لأنه توقف (١١) في خلع الملك السعيد والله أعلم.

стр. 7098

[ذكر] بيعة الملك (١) المنصور قلاوون الصالحي لما كان يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من رجب اجتمع الأمراء بقلعة الجبل من مصر وخلعوا الملك العادل (٢) سَلامُش ابن الظاهر، وأخرجوه من التبن (٣)، وإنّما كانوا قد بايعوه صورةً ليسكن الشر عند خلع الملك السعيد، ثم اتفقوا على بيعة الملك المنصور قلاوون (٤) الصالحي، ولقَّبوه الملكَ المنصور، وجاءت البيعةُ إلى دمشق فوافقَ الأمراءُ وحلفوا، وذكر أن الأمير شمس الدين سنقر الأشقر لم يحلف مع الناس ولم يرضَ بما وقع، وكأنه داخله حسدٌ من المنصور، لأنه كان يرى أنه أعظم منه عند الظاهر. وخُطب للمنصور على المنابر [في الديار] (٥) المصرية والشامية، وضربت السكة باسمه، وجرت الأمور [في البلاد] بمقتضى رأيه (٦) فعزل وولَّى ونفذت مراسيمه في سائر البلاد بذلك، فعزل عن الوزارة برهان الدين السنجاري (٧) وولَّى مكانه فخر الدين بن لقمان (٨) كاتب السِّر، وصاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية. وفي يوم الخميس الحادي عشر من ذي القعدة من هذه السنة توفي الملك السعيد ابن الملك الظاهر بالكرك، وسيأتي ذكر ترجمته إن شاء الله لّعالى. وفيها حمل الأمير أيْدَمر الذي كان نائب الشام في محفَّة لمرضٍ لحقه إلى الديار المصرية، فدخلها في أواخر ذي القعدة، واعتقل بقلعة مصر (٩). [ذكر] سلطنة سُنْقُر الأشْقَر بدمشق لما كان يوم الجمعة الرابع والعشرين من ذي القعدة ركب الأمير شمس الدين سُنْقُر الأشْقَر من (١٠) دار

стр. 7099

السعادة بعد صلاة العصر (١) وبين يديه جماعة من الأمراء والجند مشاة (٢)، وقصد باب القلعة الذي يلي المدينة، فهجم منه ودخل القلعة واستدعى الأمراء فبايعوه (٣) على السلطنة، ولُقب بالملك الكامل، وأقام بالقلعة (٤)، ونادت المنادية بدمشق بذلك، فلما أصبح يوم السبت استدعى بالقضاة والعلماء والأعيان ورؤساء البلد إلى مسجد أبي الدرداء (٥) بالقلعة، وحلَّفهم وحلَف له بقية الأمراء والعسكر، وأرسل العساكر إلى غزة لحفظ الأطراف وأخذ الغلات، وأرسل الملك المنصور إلى الشوبك فتسلمها نوابه ولم يمانعهم نجم الدين خَضِر. وفيه (٦): جددت خمسة (٧) أضلاع في قبة النسر من الناحية (٨) الغربية. وفيها: عزل فتح الدين بن القيسراني (٩) من الوزارة بدمشق ووليها تقي الدين توبة التكريتي (١٠). وممن توفي فيها من الأعيان: عز الدين بن غانم الواعظ (١١) عبد السلام بن أحمد بن غاشم بن علي بن إبراهيم بن عساكر بن حسين عز الدين أبو محمد (١٢) الأنصاري المقدسي. الواعظ المطبق المفلق الشاعر الفصيح، الذي نسج على منوال ابن الجوزي وأمثاله، وقد أورد له قطب الدين (١٣) أشياء حسنة كثيرة مليحة، وكان له قبول عند الناس، تكلَّم مرة تجاه الكعبة المعظمة،

стр. 7100

وكان في الحضرة الشيخ تاج الدين (١) الفزاري (٢) والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وابن العجيل من اليمن وغيرهم من العلماء والعباد (٣)، فأجاد وأفاد وخطب فأبلغ وأحسن. نقل هذا المجلس الشيخ شرف الدين الفزاري (٤)، وأنه كان في سنة خمس وسبعين (٥). الملك السعيد (٦) بن الملك الظَّاهر: ناصر الدين محمد بركة (٧) خان أبو المعالي ابن السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البُنْدُقْداري. بايع له أبوه الأمراء في حياته، فلما توفي أبوه بويع له بالملك، وله تسع عشرة سنة، ومشت (٨) له الأمور في أول الأمر على السعادة، ثم إنه غلبت عليه الخاصكية (٩) فجعل يلعبُ معهم في الميدان الأخضر فيما قيل أول هوى، فربما جاءت النوبة عليه فينزل لهم، فأنكرت الأمراء الكبار ذلك (١٠) وأنفوا أن يكون ملكُهم يلعب مع الغلمان، ويجعل نفسه كأحدهم، فراسلوه في ذلك ليرجع عمّا هو عليه فلم يقبل، فخلعوه كما ذكرنا، وولَّوا السلطانَ الملكَ المنصورَ قلاوون في أواخر رجب كما تقدم. ثم كانت وفاته في هذه السنة بالكرك في يوم الجمعة الحادي عشر من ذي القعدة، يقال إنه سُمَّ، فاللّه أعلم، وقد دفن أولًا عند قبر جعفر وأصحابه الذين فتلوا بمؤتة، ثم نقل إلى دمشق فدفن في تربة أبيه سنة ثمانين وستمئة،

стр. 7101

وتملك الكرك بعده أخوه نجم الدين خَضِر (١) وتلقَّبَ بالملك المسعود، فانتزعها المنصور من يده كما سياتي إن شاء اللّه تعالى. ثم دخلت سنة تسع وسبعين وستمئة كان أولها يوم الخميس ثالث أيَّار، والخليفة الحاكم بأمر اللّه [العباسي وملك مصر الملك المنصور [سيف الدين قلاوون الصالحي، وبعض بلاد الشام أيضًا. وأما دمشق وأعمالها فقد ملكها سنقر الأشقر (٢). وصاحب الكرك الملك المسعود (٣) بن الظاهر. وصاحب حماة الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين محمود، والعراق وبلاد الجزيرة وخراسان والموصل وإرْبل وأذْربيجان وبلاد بكر وخلاط وما والاها وغير ذلك من البلاد بأيدي التتار، وكذلك بلاد الروم في أيديهم أيضًا، ولكن فيها غياث الدين بن ركن الدين، ولا حكم له سوى الاسم. وصاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر. وصاحب مكة (٤) الشريف نجم الدين أبي نُمَيّ الحسني (٥). وصاحب المدينة عز الدين جَمّاز بن شِيحَة الحُسيني (٦). ففي مستهلّ السنة المذكورة ركب السلطان الملك الكامل سُنْقُر الأشقر من القلعة إلى الميدان (٧) وبين

стр. 7102

يديه الأمراء ومقدمة الحلقة [يحملون] الغاشية (١)، وعليهم الخلع، والقضاة والأعيان ركاب معه، فسير في الميدان ساعة ثم رجع إلى القلعة (٢)، وجاء إلى خدمته الأمير شرف الدين عيسى بن مُهنا (٣) ملك العرب، فقبَّل الأرضَ بين يديه، وجلس إلى جانبه وهو على السِّماط، وقام له الكامل، وكذلك جاء إلى خدمته ملك الأعراب بالحجاز، وأمر الكامل سُنْقُر أن تضاف البلاد الحلبية إلى ولاية القاضي شمس الدين بن خلكان (٤)، وولاه تدريس الأمينية (٥) وانتزعها من ابن سني الدولة (٦). ولما بلغ الملك المنصور بالديار المصرية ما كان من أمر سُنْقر الأشقر بالشام أرسل إليه جيشًا كثيفًا فهزموا عسكر سُنْقُر الأشقر الذي كان قد أرسله إلى غزة، وساقوهم بين أيديهم حتى وصل جيش (٧) المصريين إلى قريب دمشق، فأمر الملك الكامل (٨) أن يضرب دهليزه بالجسورة، وذلك في يوم الأربعاء ثاني عشر صفر، ونهض بنفسه وبمن معه فنزل هنالك واستخدم خلقًا كثيرًا وأنفق أموالًا جزيلة، وانضاف إليه عرب الأمير شرف الدين عيسى بن مُهَنّا، وشهاب الدين أحمد بن حجّي (٩)، وجاءته نجدة حلب ونجدة حماة ورجال كثيرة من رجال بعلبك، فلما كان يوم الأحد السادس عشر من صفر أقبل الجيش المصري صحبة الأمير علم الدين سنجر الحلبي، (فلما) تراءى الجمعان وتقابل الفريقان تقاتلوا إلى الرابعة في النهار، فقتل نفر كثير، وثبت الملك الكامل سنقر الأشقر ثباتًا جيدًا، ولكن خامر عليه الجيش (١٠) فمنهم من صار إلى المصري ومنهم من انهزم في كل وجه (١١)، وتفرق عنه أصحابه فلم يسعه إِلَّا الانهزام على طريق المرج في طائفة يسيرة، في صحبة (١٢) عيسى بن مهنا، فسار بهم إلى برية الرحبة

стр. 7103

فأنزلهم في بيوت من شعر، وأقام بهم وبدوابهم مدة مقامهم عنده، ثم [بعث الأمراء الذين انهزموا عنه فأخذوا لهم أمانًا من الأمير سنجر، وقد نزل في ظاهر دمشق وهي مغلوقة] (١)، فراسل نائب القلعة ولم يزل به حتى فتح باب الفرج من آخر النهار، وفتحت القلعة من داخل البلد فتسلمها المنصور وأفرج عن الأمير ركن الدين بيبرس العجمي المعروف بالجالق (٢)، والأمير لاجين حسام الدين (٣) المنصوري وغيرهم من الأمراء الذين كان قد اعتقلهم الأمير سُنْقُر الأشْقَر، وأرسل سنجر البريدية (٤)، إلى الملك المنصور يعلمونه بصورة الحال، وأرسل سنجر (٥) بثلاثة آلاف في طلب سنقر الأشقر. وفي هذا اليوم جاء ابن (٦) خلكان ليسلّم على الأمير سنجر الحلبي فاعتقله في علو الخانقاه النجيبية (٧)، وعزله في يوم الخميس العشرين من صفر، ورسم للقاضي نجم الدين بن سَني الدولة (٨) بالقضاء فباشره، ثم جاءت البريديَّة معهم كتاب من الملك المنصور قلاوون (٩) بالعتب على طوائف الناس، والعفو عنهم (١٠) كلهم، فتضاعفت له الأدعية (١١)، وجاء تقليدُ النيابة بالشام للأمير حسام الدين لاجين السلحدار (١٢) المنصوري، فدخل معه علم الدين سنجر الحلبي فرتبه في دار (١٣) السعادة، وأمر سنجر القاضي ابن خلكان أن يتحول من المدرسة العادلية الكبيرة ليسكنها نجم الدين بن سَني الدولة، وألحَّ عليه في ذلك، فاستدعى جِمالًا لينقل أهلَه وثقلَه عليها إلى الصالحية فجاء البريد بكتاب من السلطان فيه تقرير ابن خلكان على القضاء والعفو عنه وشكره والثناء عليه، وذكر خدمته المتقدمة، و (معه) خلعة

стр. 7104

سنيةٌ له، فلبسها وصلى بها الجمعة وسلم على الأمراء فأكرموه (١) وعظموه، وفرح الناس به وبما وقع من الصفح عنهم. وأما سُنْقُر الأشقر فإنه لما خرجت العساكر في طلبه فارق الأمير عيسى بن مهنا (٢) وسار إلى السواحل فاستحوذ منها على حصون كثيرة، منها صِهْيُون، وقد كان بها أولاده وحواصله، وحصن بَلَاطُنُس (٣) وبُرْزَية وعَكا وجَبَلة واللَّاذقية، والشُّغْر (٤) بَكَاس (٥) وشَيْزر، واستناب فيها الأمير عز الدين ازْدَمُر (٦) الحاج. فأرسل السلطان المنصور لحصار شيزر طائفة من الجيش، فبينما هم كذلك إذ أقبلت التتار (٧) لما سمعوا بتفريق كلمة المسلمين (٨)، فانجفل الناس من بين أيديهم (٩) من سائر البلاد إلى الشام، ومن الشام إلى مصر، فوصلت التتار إلى حلب فقتلوا خلقًا (كثيرًا)، ونهبوا شيئًا (١٠) كبيرًا، وظنوا أن جيش سنقر الأشقر يكون معهم على المنصور، فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، وذلك أن المنصور كتب إلى سنقر أنَّ التتار قد أقبلوا إلى المسلمين، والمصلحة أن (١١) نتفق عليهم لئلا يهلك المسلمون بيننا وبينهم، وإذا ملكوا البلاد لم يدعوا منا أحدًا. فكتب إليه سنقر بالسمع والطاعة وبرز من حصنه فخيم بجيشه ليكون على أهبة متى طلب أجاب، ونزلت نوابه من حصونهم (١٢) وبقوا مستعدين لقتال التتار، وخرج الملك المنصور من مصر في أواخر (١٣) جمادى الآخرة ومعه العساكر.

стр. 7105

وفي يوم الجمعة الثالث (١) من جمادى الآخرة قُرئ على منبر جامع دمشق كتاب من السلطان أنه قد عهد إلى ولده علي (٢)، ولُقّب بالملك الصالح، فلما فرغ من قراءة الكتاب جاءت البريديَّةُ فأخبروا برجوع التتار من حلب إلى بلادهم، وذلك لما بلغهم من اتفاق كلمة المسلمين، ففرح المسلمون بذلك (٣) وللّه الحمد، وعاد المنصور إلى مصر وكان قد وصل إلى غزة (٤)، أراد بذلك تخفيف الوطأة عن الشام فوصل إلى مصر في نصف شعبان. وفي جمادى الآخرة أعيد برهان الدين السنجاري (٥) إلى وزارة مصر (٦) ورجع فخر الدين بن لقمان (٧) إلى كتابة الإنشاء. وفي أواخر رمضان أعيد إلى القضاء ابن رزين (٨) وعزل ابن بنت الأعز (٩)، وأعيد القاضي نفيس الدين بن شكر المالكي، ومعين الدين الحنفي، وتولى قضاء الحنابلة عز الدين المقدسي. وفي ذي الحجة جاء تقليد ابن خلكان بإضافة المعاملة الحلبية إليه يستنيب فيها من شاء (١٠) من نوابه. وفي مستهل ذي الحجة خرج الملك المنصور من بلاد مصر بالعساكر (١١) قاصدًا الشام، واستناب على مصر ولده الملك الصالح عليا (١٢) بن المنصور إلى حين رجوعه (١٣). قال الشيخ قطب الدين (١٤): وفي يوم عرفة وقع بمصر (١٥) بَرَدٌ كبار أتلف شيئًا كثيرًا من

стр. 7106

الغلات (١)، ووقعت صاعقة بالإسكندرية وأخرى في يومها تحت الجبل الأحمر على صخرة فأحرقتها، فأخذ ذلك الحديد فسبك فخرج منه (٢) أواقي بالرطل المصري. وجاء السلطان (٣) فنزل بعساكره تجاه عكا، فخافت الفرنج منه خوفًا شديدًا وراسلوه في طلب تجديد الهدنة. [فإنه قد كان انتهى أمد ما كان قبلها فأقام بهذه المنزلة إلى أول سنة ثمانين فكانت فيها الهدنة على ما سيأتي بيانه]. وجاء الأمير (٤) عيسى بن مُهَنّا من بلاد العراق إلى خدمة المنصور (٥)، وهو بهذه المنزلة فتلقاه السلطان بجيشه وأكرمه واحترمه وعامله بالصفح والعفو والإحسان. وممن توفي فيها من الأعيان: الأمير الكبير جمال الدين (٦) آقوش الشَّمْسي (٧). أحد أمراء الإسلام، وهو الذي باشر قتلَ كَتْبُغَانُوِين أحد مقدمي التتار، وهو المطاع فيه يوم عين جالوت، وهو الذي مسك أيْدَمُر الظاهري في حلب من السنة الماضية (٨)، وكانت وفاته بها ﵀. الشيخ الصالح داود بن حاتم (٩) بن عمر الحَبّال. كان حنبليٌّ (١٠) المذهب له كرامات وأحوال صالحة ومكاشفات صادقة، وأصل آبائه من حَرّان، وكانت إقامته ببعلبك، وتوفي فيها ﵀ عن ست وتسعين سنة، وقد أثنى عليه الشيخ قطب الدين ابن الشيخ الفقيه اليونيني (١١).

стр. 7107

الأمير الكبير (١) نور الدين عليُّ بن عمر أبو الحسن الطوري (٢). كان من أكابر الأمراء، [وله السَّعْيُ المشكورُ في قتال الفرنج، وله عندهم ذكرٌ عظيمٌ، وموقع كبيرٌ. مات] وقد نيَّفَ على تسعين سنة وكانت وفاته بسبب أنه وقع يوم مصافّ سُنْقُر الأشقر تحت سنابك الخيل فمكث بعد ذلك متمرضًا إلى أن مات بعد شهرين ودفن بسفح قاسيون، ﵀. الجَزَّار الشاعر (٣) يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد (٤) بن علي جمال الدين أبو الحسين الححري، الشاعر الماجن، المعروف بالجَزّار. مدح الملوك والوزراء والأمراء (٥)، وكان ماجنًا ظريفًا حلو المناظرة (٦)، ولد في حدود ستمئة بعدها بسنة أو سنتين، وتوفي يوم الثلاثاء ثاني عشر شوَّال من هذه السنة. ومن شعره (٧): [من الخفيف] أدْرِكُونِي فبي مِنَ البَرْدِ همٌّ … ليسَ يُنْسَى وفي حَشَايَ (٨) التهابُ ألْبَسَتْنِي الأطماع وهمًا فهاجـ … ــسْمِيَ عَارٍ ولي فِرًا وثيابُ كُلَّما ازْرَقَّ لونُ جسمي من البَرْ … دِ تَخَيَّلْتُ أنه (٩) سنجاب وقال وقد تزوج (١٠) أبوه بعجوز (١١) [من السريع] (١٢). تزوجَ الشيخُ أبي شيخةً … ليسَ لها عقلٌ ولا ذهنُ كأنَّها في فرشها رمَّةٌ … وشَعْرُها من حولها قُطْنُ

стр. 7108

و [قائلٍ:] قُلْ لِي ماسِنُّها … فقلتُ ما في فمها سنٌّ (١) لو سفرت (٢) غرّتها في الدُّجى … ما جَسَرَتْ (٣) تُبْصِرها الجِنُّ ثم دخلت سنة ثمانين وستمئة [من الهجرة] (٤) استهلت والخليفة الحاكم وسلطان البلاد الملك المنصور قلاوون (٥). وفي عاشر المحرم انعقدت الهدنة بين أهل عكا والمرقب والسلطان (٦)، وكان نازلًا على الروحاء وقد قبض على جماعة من الأمراء ممن كان معه (٧)، وهرب آخرون إلى قلعة صهيون إلى خدمة سنقر (٨) الأشقر، ودخل المنصور إلى دمشق في التاسع عشر من المحرم فنزل القلعة وقد زُيِّنت له البلد. وفي التاسع والعشرين من المحرم أعاد القضاء إلى عز الدين بن الصائغ (٩) وعزل ابن خلكان (١٠). وفي أول صفر باشر قضاء الحنابلة نجم الدين ابن الشيخ شمس [الدين] بن أبي عمر، وقد كان المنصب شاغرًا منذ عزل والده نفسه عن القضاء، وتولى (١١) قضاء حلب في هذا الشهر تاج الدين يحيى بن محمد بن إسماعيل الكردي، وجلس الملك المنصور في دار (١٢) العدل في هذا الشهر فحكم وأنصف المظلوم من

стр. 7109

الظالم، وقدم عليه صاحب حماة فتلقاه المنصور بنفسه في موكبه، ونزل بداره بباب الفراديس (١). وفي ربيع الأول وقع الصلح بين الملك المنصور قلاوون وبين سنقر الأشقر الملك على الكامل أن يسلم (٢) للسلطان شَيْزَر ويعوّضه عنها بأنطاكية وكفرطاب وشُغْرَ بكَاس وغير ذلك، وعلى أن يقيم على ما بيده ستمئة فارس، وتحالفا على ذلك، ودقت البشائر لذلك، وكذلك تصالح صاحب الكرك الملك المسعود (٣) خضر بن الظاهر على تقديره على ما بيده (٤) ونودي بذلك في البلاد. وفي العشر الأول من هذا الشهر ضمن الخمر والزّنى بدمشق، وجعل عليه ديوان ومشد، فقام في إبطال ذلك جماعة من العلماء والصلحاء والعباد، فأبطل بعد عشرين يومًا، وأريقت الخمور وأقيمت الحدود ولله الحمد والمنة. وعُزل [برهان الدين السنجاري (٥) عن الوزارة بمصر وصودر وأهين] (٦). وفي تاسع عشر ربيع الأول (٧) وصلت الخاتون بنمت (٨) بركة خان زوجة الملك الظاهر، ومعها ولدها السعيد (٩) قد نقلته من قرية المساجد بالقرب من الكرك لتدفنه عند أبيه بالتربة الظاهرية، فرفع بحبال من السور ودفن عند والده الظاهر (١٠)، ونزلت أمه بدار صاحب حمص، وهيئت لها الإقامات، وعُمل عزاءُ ولدها يوم (١١) الحادي والعشرين من ربيع الآخر بالتربة المذكورة، وحضر السلطان المنصور وأرباب الدولة والقراء والوعاظ. وفي أواخر ربيع الآخر عُزل التَّقي بن توبة التكريتي (١٢) من الوزارة بدمشق وباشرها بعده تاج الدين السَّنْهوري (١٣).

стр. 7110

وكتب السلطان المنصور إلى مصر وغيرها من البلاد يستدعي الجيوش لأجل اقتراب مجيء التتار، فدخل أحمد بن حجي (١) ومعه بشرٌ كثيرٌ من الأعراب، وجاء صاحب الكرك الملك المسعود نجدةً للسلطان (٢) يوم السبت الثاني عشر من جمادى الآخرة، وقدم الناس عليه ووفدوا إليه من كل مكان، وجاءته التركمان والأعراب وغيرهم (٣)، وكثرت الأراجيف بدمشق، وكثرت العساكر بها وجفل (٤) الناس من بلاد حلب وتلك النواحي، وتركوا الغلات والأموال خوفًا من أن يدهمهم العدو من التتار، ووصلت التتر (٥) صحبة منكوتمر (٦) بن هولاكو إلى عين تاب (٧)، وسارت (٨) العساكر المنصورة إلى نواحي حلب يتبع بعضها بعضًا، ونازلت التتار بالرحبة في أواخر جمادى الآخرة جماعة من الأعراب (٩)، وكان فيهم ملك التتار أبغا مختفيًا (١٠) ينظر ماذا يفعل أصحابه، وكيف يقاتلون أعداءه، ثم خرج المنصور من دمشق وكان خروجه منها في أواخر (١١) جمادى، وقنت الخطباء والأئمة بالجوامع والمساجد في الصلوات وغيرها (١٢). وجاء مرسوم من السلطان باستسلام (١٣) أهل الذمة من الدواوين والكتبة (١٤)، ومن لا يسلم يصلب، فأسلموا كرهًا، وكانوا يقولون (١٥) آمنا وحكم الحاكم بإسلامنا بعد أن عُرض من امتنع منهم على الصلب بسوق الخيل، وجعلت الحبال في أعناقهم (١٦)، فأجابوا والحالة هذه. ولما انتهى [السلطان] الملك المنصور إلى حمص كتب إلى الملك الكامل سُنْقُر الأشقر يطلبه إليه
следующие страницы →