← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

الغلات (١)، ووقعت صاعقة بالإسكندرية وأخرى في يومها تحت الجبل الأحمر على صخرة فأحرقتها، فأخذ ذلك الحديد فسبك فخرج منه (٢) أواقي بالرطل المصري. وجاء السلطان (٣) فنزل بعساكره تجاه عكا، فخافت الفرنج منه خوفًا شديدًا وراسلوه في طلب تجديد الهدنة. [فإنه قد كان انتهى أمد ما كان قبلها فأقام بهذه المنزلة إلى أول سنة ثمانين فكانت فيها الهدنة على ما سيأتي بيانه]. وجاء الأمير (٤) عيسى بن مُهَنّا من بلاد العراق إلى خدمة المنصور (٥)، وهو بهذه المنزلة فتلقاه السلطان بجيشه وأكرمه واحترمه وعامله بالصفح والعفو والإحسان. وممن توفي فيها من الأعيان: الأمير الكبير جمال الدين (٦) آقوش الشَّمْسي (٧). أحد أمراء الإسلام، وهو الذي باشر قتلَ كَتْبُغَانُوِين أحد مقدمي التتار، وهو المطاع فيه يوم عين جالوت، وهو الذي مسك أيْدَمُر الظاهري في حلب من السنة الماضية (٨)، وكانت وفاته بها ﵀. الشيخ الصالح داود بن حاتم (٩) بن عمر الحَبّال. كان حنبليٌّ (١٠) المذهب له كرامات وأحوال صالحة ومكاشفات صادقة، وأصل آبائه من حَرّان، وكانت إقامته ببعلبك، وتوفي فيها ﵀ عن ست وتسعين سنة، وقد أثنى عليه الشيخ قطب الدين ابن الشيخ الفقيه اليونيني (١١).

стр. 7107

الأمير الكبير (١) نور الدين عليُّ بن عمر أبو الحسن الطوري (٢). كان من أكابر الأمراء، [وله السَّعْيُ المشكورُ في قتال الفرنج، وله عندهم ذكرٌ عظيمٌ، وموقع كبيرٌ. مات] وقد نيَّفَ على تسعين سنة وكانت وفاته بسبب أنه وقع يوم مصافّ سُنْقُر الأشقر تحت سنابك الخيل فمكث بعد ذلك متمرضًا إلى أن مات بعد شهرين ودفن بسفح قاسيون، ﵀. الجَزَّار الشاعر (٣) يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد (٤) بن علي جمال الدين أبو الحسين الححري، الشاعر الماجن، المعروف بالجَزّار. مدح الملوك والوزراء والأمراء (٥)، وكان ماجنًا ظريفًا حلو المناظرة (٦)، ولد في حدود ستمئة بعدها بسنة أو سنتين، وتوفي يوم الثلاثاء ثاني عشر شوَّال من هذه السنة. ومن شعره (٧): [من الخفيف] أدْرِكُونِي فبي مِنَ البَرْدِ همٌّ … ليسَ يُنْسَى وفي حَشَايَ (٨) التهابُ ألْبَسَتْنِي الأطماع وهمًا فهاجـ … ــسْمِيَ عَارٍ ولي فِرًا وثيابُ كُلَّما ازْرَقَّ لونُ جسمي من البَرْ … دِ تَخَيَّلْتُ أنه (٩) سنجاب وقال وقد تزوج (١٠) أبوه بعجوز (١١) [من السريع] (١٢). تزوجَ الشيخُ أبي شيخةً … ليسَ لها عقلٌ ولا ذهنُ كأنَّها في فرشها رمَّةٌ … وشَعْرُها من حولها قُطْنُ

стр. 7108

و [قائلٍ:] قُلْ لِي ماسِنُّها … فقلتُ ما في فمها سنٌّ (١) لو سفرت (٢) غرّتها في الدُّجى … ما جَسَرَتْ (٣) تُبْصِرها الجِنُّ ثم دخلت سنة ثمانين وستمئة [من الهجرة] (٤) استهلت والخليفة الحاكم وسلطان البلاد الملك المنصور قلاوون (٥). وفي عاشر المحرم انعقدت الهدنة بين أهل عكا والمرقب والسلطان (٦)، وكان نازلًا على الروحاء وقد قبض على جماعة من الأمراء ممن كان معه (٧)، وهرب آخرون إلى قلعة صهيون إلى خدمة سنقر (٨) الأشقر، ودخل المنصور إلى دمشق في التاسع عشر من المحرم فنزل القلعة وقد زُيِّنت له البلد. وفي التاسع والعشرين من المحرم أعاد القضاء إلى عز الدين بن الصائغ (٩) وعزل ابن خلكان (١٠). وفي أول صفر باشر قضاء الحنابلة نجم الدين ابن الشيخ شمس [الدين] بن أبي عمر، وقد كان المنصب شاغرًا منذ عزل والده نفسه عن القضاء، وتولى (١١) قضاء حلب في هذا الشهر تاج الدين يحيى بن محمد بن إسماعيل الكردي، وجلس الملك المنصور في دار (١٢) العدل في هذا الشهر فحكم وأنصف المظلوم من

стр. 7109

الظالم، وقدم عليه صاحب حماة فتلقاه المنصور بنفسه في موكبه، ونزل بداره بباب الفراديس (١). وفي ربيع الأول وقع الصلح بين الملك المنصور قلاوون وبين سنقر الأشقر الملك على الكامل أن يسلم (٢) للسلطان شَيْزَر ويعوّضه عنها بأنطاكية وكفرطاب وشُغْرَ بكَاس وغير ذلك، وعلى أن يقيم على ما بيده ستمئة فارس، وتحالفا على ذلك، ودقت البشائر لذلك، وكذلك تصالح صاحب الكرك الملك المسعود (٣) خضر بن الظاهر على تقديره على ما بيده (٤) ونودي بذلك في البلاد. وفي العشر الأول من هذا الشهر ضمن الخمر والزّنى بدمشق، وجعل عليه ديوان ومشد، فقام في إبطال ذلك جماعة من العلماء والصلحاء والعباد، فأبطل بعد عشرين يومًا، وأريقت الخمور وأقيمت الحدود ولله الحمد والمنة. وعُزل [برهان الدين السنجاري (٥) عن الوزارة بمصر وصودر وأهين] (٦). وفي تاسع عشر ربيع الأول (٧) وصلت الخاتون بنمت (٨) بركة خان زوجة الملك الظاهر، ومعها ولدها السعيد (٩) قد نقلته من قرية المساجد بالقرب من الكرك لتدفنه عند أبيه بالتربة الظاهرية، فرفع بحبال من السور ودفن عند والده الظاهر (١٠)، ونزلت أمه بدار صاحب حمص، وهيئت لها الإقامات، وعُمل عزاءُ ولدها يوم (١١) الحادي والعشرين من ربيع الآخر بالتربة المذكورة، وحضر السلطان المنصور وأرباب الدولة والقراء والوعاظ. وفي أواخر ربيع الآخر عُزل التَّقي بن توبة التكريتي (١٢) من الوزارة بدمشق وباشرها بعده تاج الدين السَّنْهوري (١٣).

стр. 7110

وكتب السلطان المنصور إلى مصر وغيرها من البلاد يستدعي الجيوش لأجل اقتراب مجيء التتار، فدخل أحمد بن حجي (١) ومعه بشرٌ كثيرٌ من الأعراب، وجاء صاحب الكرك الملك المسعود نجدةً للسلطان (٢) يوم السبت الثاني عشر من جمادى الآخرة، وقدم الناس عليه ووفدوا إليه من كل مكان، وجاءته التركمان والأعراب وغيرهم (٣)، وكثرت الأراجيف بدمشق، وكثرت العساكر بها وجفل (٤) الناس من بلاد حلب وتلك النواحي، وتركوا الغلات والأموال خوفًا من أن يدهمهم العدو من التتار، ووصلت التتر (٥) صحبة منكوتمر (٦) بن هولاكو إلى عين تاب (٧)، وسارت (٨) العساكر المنصورة إلى نواحي حلب يتبع بعضها بعضًا، ونازلت التتار بالرحبة في أواخر جمادى الآخرة جماعة من الأعراب (٩)، وكان فيهم ملك التتار أبغا مختفيًا (١٠) ينظر ماذا يفعل أصحابه، وكيف يقاتلون أعداءه، ثم خرج المنصور من دمشق وكان خروجه منها في أواخر (١١) جمادى، وقنت الخطباء والأئمة بالجوامع والمساجد في الصلوات وغيرها (١٢). وجاء مرسوم من السلطان باستسلام (١٣) أهل الذمة من الدواوين والكتبة (١٤)، ومن لا يسلم يصلب، فأسلموا كرهًا، وكانوا يقولون (١٥) آمنا وحكم الحاكم بإسلامنا بعد أن عُرض من امتنع منهم على الصلب بسوق الخيل، وجعلت الحبال في أعناقهم (١٦)، فأجابوا والحالة هذه. ولما انتهى [السلطان] الملك المنصور إلى حمص كتب إلى الملك الكامل سُنْقُر الأشقر يطلبه إليه

стр. 7111

نجدة فجاء إلى خدمته فأكرمه السلطان واحترمه ورتب له الإقامات، وتكاملت الجيوش كلُّها في صحبة الملك المنصور عازمين على لقاء العدو لا محالة مخلصين في ذلك، واجتمع الناس بعد خروج الملك (١) في جامع دمشق ووضعوا المصحف العثماني بين أيديهم (٢)، وجعلوا يبتهلون إلى الله تعالى في نصرة الإسلام وأهله على الأعداء، وخرجوا كذلك والمصحفُ على رؤوسهم إلى المُصَلّى يدعون ويبتهلون ويبكون (٣)، وأقبلت التتار قليلًا قليلًا فلما وصلوا حماة (٤) أحرقوا بستان الملك وقصره وما هنالك من المساكن، والسلطان المنصور مخيمٌ بحمص في عساكر (٥) من الأتراك والتركمان وغيرهم جحفل (٦) كثير جدًّا، وأقبلت التتار في مئة ألف مقاتل أو يزيدون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقعة حمص لما كان يوم الخميس رابع عشر رجب التقى الجمعان وتواجه الخصمان عند طلوع الشمس وعسكر التتر (٧) في مئة ألف فارس، وعسكر المسلمين على النصف من ذلك أو يزيد قليلًا، والجميع فيما بين مشهد خالد بن الوليد إلى الرستن، فاقتتلوا قتالًا عظيمًا لم يُرَ مثله من أعصار متطاولة، فاستظهر التتار أول النهار، وكسروا الميسرة واضطربت الميمنة أيضًا وبالله المستعان. وكسر (٨) جناح القلب الأيسر وثبت السلطان (٩) ثباتًا عظيمًا جدًّا في جماعة قليلة، وقد انهزم كثير من عسكر المسلمين، والتتار في آثارهم حتى وصلوا وراءهم إلى بحيرة حمص ووصلوا حمص (١٠) وهي مغلقة الأبواب، فقتلوا خلقًا من العامة وغيرهم، وأشرف المسلمون على خطة عظيمة من الهلاك (١١)، ثم إن أعيان الأمراء من الشجعان والفرسان تآمروا فيما بينهم مثل سُنْقُر الأشقر وبَيْسَرى (١٢) وطَيْبَرس (١٣)

стр. 7112

الوزيري وبدر الدين (١) [بِيلِيك (٢) أمير سلاح وأيْتَمُش السَّعدي وحسام الدين لاجين وحسام الدين طُرُنْطاي (٣) والدُّويداري (٤) وأمثالهم، لما رأوا ثبات السلطان ردّوا على التتار (٥) وحملوا حملات متعددةً صادقةً، ولم يزالوا يتابعون الحملة بعد الحملة حتى كسرَ الله بحوله وقوته التتر (٦)، وجرح منكوتمر، وجاءهم الأمير (٧) عيسى بن مهنا من ناحية العُرْض (٨) فصدم التتر فاضطربت الجيوش (٩) لصدمته، وتمت الهزيمة ولله الحمد، وقتلوا من التتار (١٠) مقتلة عظيمة جدًّا، ورجعت من التتار (١١)، الذين اتبعوا المنهزمين من المسلمين (١٢)، فوجدوا أصحابهم قد كسروا، والعساكر في آثارهم يقتلون ويأسرون، والسلطان ثابت في مكانه تحت السناجق (١٣)، والكوسات (١٤) تضرب خلفه (١٥) وما معه إلا ألف فارس، فطمعوا فيه فقاتلوه فثبت لهم ثباتًا عظيمًا فانهزموا من بين يديه فلحقهم فقتل أكثرهم، وكان ذلك تمام النصر، وكان انهزام التتار قبل الغروب، وافترقوا فرقتين أخذت فرقة منهم إلى ناحية سلمية والبرية، والأخرى إلى ناحية حلب والفرات، فأرسل السلطان في آثارهم من يتبعهم وجاءت البطاقة بالبشارة (١٦) بما وقع من النصر إلى دمشق يوم الجمعة خامس عشر رجب، فدقت البشائر وزينت البلد (١٧)، وأُوقدت الشموع وفرح الناس. فلما أصبح الناس يوم السبت أقبلت طائفة من المنهزمين منهم بِيليك الناصري

стр. 7113

والجالق (١) وغيرهم، فأخبروا الناس بما شاهدوه من الهزيمة في أول الأمر، ولم يكونوا شاهدوا [ما] بعد ذلك، فبقي الناس في قلق عظيم، وخوف شديد، وتهيأ ناس كثير للهرب (٢)، فبينما الناس في ذلك إذ أقبلت (٣) البريدية فأخبروا الناس بصورة ما وقع في أول الأمر وآخره، فتراجع الناس وفرحوا فرحًا شديدًا (٤)] ولله الحمد والمنة. ثم دخل (٥) السلطان إلى دمشق الثاني والعشرين من رجب، وبين يديه الأسارى بأيديهم الرماح عليها شعف (٦) رؤوس القتلى (٧)، وكان يومًا مشهودًا، ومع السلطان طائفةٌ من أصحاب سنقر الأشقر منهم علم الدين الدُّوَيْداري فنزل السلطان بالقلعة مؤيدًا منصورًا (٨)، وقد كثرت له المحبة والأدعية وكان سنقر الأشقر ودَّع السلطان من حمص ورجع إلى صهيون، وأما التتر فإنهم اتهزموا في أسوأ حال وأتعسه يُتَخَطَّفون من كل جانب، ويُقْتَلون من كل فج، حتى وصلوا إلى الفرات فغرق أكثرهم، ونزل إليهم أهل البيرة فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا وأسروا آخرين (٩)، والجيوش في آثارهم يطردونهم عن البلاد حتى أراح الله منهم الناس. وقد استشهد في هذه الوقعة جماعةٌ من سادات الأمراء منهم الأمير الكبير الحاج عز الدين أزْدَمُر الجَمَدار، وهو الذي جرحَ ملكَ التتار يومئذ منكوتمر، فإنه خاطر بنفسه وأوهم أنه مقفز إليه وقلب رمحه حتى وصل إليه فطعنه فجرحه فقتلوه ﵀، ودفن بالقرب من مشهد خالد (١٠). وخرج السلطانُ من دمشق قاصدًا للديار المصرية يوم الأحد ثاني شعبان والناس يدعون له (١١)، وخرج معه علم الدين الدُّوَيْداري، ثم عاد من غزة وقد ولاه الشَّدَّ (١٢) في الشام والنظر في المصالح، ودخل السلطان إلى مصر في ثاني عشر شعبان (١٣).

стр. 7114

وفي سلخ شعبان ولي قضاء مصر والقاهرة للقاضي وجيه الدين البَهْنَسي الشافعي. وفي يوم الأحد سابع رمضان فُتحت المدرسة الجوهرية بدمشق في حياة منشئها وواقفها الشيخ نجم الدين محمد بن عباس بن أبي المكارم التميمي الجوهري (١)، ودرَّس بها قاضي الحنفية حسام الدين الرازي (٢). وفي بكرة يوم السبت التاسع والعشرين من شعبان وقعت (٣) مأذنة مدرسة أبي عمر بقاسيون على المسجد العتيق فمات شخص واحد، وسلَّم الله تعالى بقية الجماعة. وفي عاشر رمضان وقع بدمشق ثلجٌ عظيم وبَرَدٌ كثير مع هواءٍ شديد، بحيث إنه ارتفع عن الأرض نحوًا من ذراع، وفسدت الخضراوات، وتعطَّلت على الناس معايش كثيرة. وفي شوال وصل صاحب سنجار إلى دمشق مقفرًا من التتار داخلًا في طاعة السلطان (٤) بأهله وماله، فتلقاه نائب البلد وأكرمه وسيره إلى مصر معززًا مكرمًا (٥). وفي شوال عقد مجلس بسبب أهل الذمة من الكتاب الذي كانوا قد أسلموا كرهًا وقد (٦) كتب لهم جماعة من المفتين بانهم كانوا مكرهين فلهم الرجوع إلى دينهم، وأُثبت الإكراه بين يدي القاضي جمال الدين بن أبي (٧) يعقوب المالكي، فعاد أكثرهم إلى دينهم وضُربت عليهم الجزية كما كانوا، سوَّد الله وجوههم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. وقيل: إنهم غُرِّموا مالًا جزيلًا جملة مستكثرة على ذلك (٨)، قبحهم الله. وفي ذي القعدة قبض السلطان على أيْتَمُش السَّعدي وسجنه بقلعة الجبل، وقبض نائبه بدمشق على سيف الدين بَلبَان الهاروني (٩) وسجنه بقلعتها. وفي بكرة الخميس التاسع والعشرين من ذي القعدة، وهو العاشر من آذار، استسقى الناس بالمُصَلَّى بدمشق فسُقُوا بعد عشرة أيام.

стр. 7115

وفي هذه السنة أخرج الملك المنصور (١) جميع آل الملك الظاهر من النساء والولدان والخُدَّام من الديار المصرية إلى الكرك ليكونوا في كنف الملك المسعود خضر بن الظاهر. وممن توفي فيها من الأعيان: أبغا (٢) ملك التتار بن هولاكوخان (٣) بن تولي بن جنكيز: خاز، كان عاليَ الهمّة بعيدَ الغور له رأي وتدبير، وبلغ من العمر خمسين سنةً، ومدةُ ملكهِ ثماني عشرة سنةً، ولم يكن بعد والده في التدبير والحزم مثله، ولم تكن وقعة حمص هذه برأيه ولا عن مشورته، ولكنْ أخوه منكوتمر أحب ذلك فلم يخالفه. ورأيت في بعض تواريخ (٤) البغاددة أن قدوم منكوتمر إلى الشام إنما كان عن مكاتبة سُنْقر الأشقر إليه فالله أعلم. وقد جاء أبغا هذا بنفسه فنزل قريبًا من الفرات ليرى ماذا يكون من الأمر (٥)، فلما جرى عليهم ما جرى ساءه ذلك ومات غمًا وحزنًا. توفي بين العيدين من هذه السنة، وقام بالملك بعده ولده السلطان أحمد. قاضي القضاة (٦) نجم الدين أبو بكر [محمد] (٧) بن قاضي القضاة صدر الدين أحمد بن قاضي القضاة شمس الدين يحيى بن هبة الله بن الحسن بن يحيى بن محمد بن علي الشافعي ابن سني الدولة. ولد سنة ست عشرة وستمئة، وسمع الحديث وبرع في المذهب، وناب عن أبيه فشُكرت سيرتُه، واستقلَّ بالقضاء في الدولة المظفرية فحُمِد أيضًا. وكان الشيخ شهاب الدين ينال منه ومن أبيه. وقال البرزالي: كان شديدًا في الأحكام متحرّيًا، وقد أُلزم بالمقام بمصر فدرَّس بجامع مصر، ثم عاد إلى دمشق فدرس يالأمينية والركنية، وباشر قضاء حلب، وعاد (٨) إلى دمشق، وولاه سَنْجَر قضاء

стр. 7116

دمشق، ثم عُزل بابن خلكان كما تقدم (١)، ثم كانت وفاته يوم الثلاثاء ثامن المحرم (٢)، ودفن من الغد يوم تاسوعاء بتربة جده بقاسيون (٣). وفي عاشر المحرم توفي: قاضي القضاة صدر الدين عمر (٤) ابن القاضي تاج الدين عبد الوهاب بن خلف بن أبي القاسم العَلَامي (٥) ابن بنت الأعز المصري. كان فاضلًا بارعًا عارفًا بالمذهب، متحرّيًا في الأحكام كأبيه، ودفن بالقرافة (٦). الشيخ إبراهيم بن سعيد الشَّاغُوري (٧) المُوَّلَّه المعروف بالجَيْعَانَة. كان مشهورًا بدمشق (٨)، ويذكر له أحوال ومكاشفات على ألسنة العوام ومن لا يعقل، ولم يكن ممن يحافظُ على الصلوات ولا يصوم مع الناس، ومع هذا كان كثيرٌ من العوام وغيرهم يعتقدونه. توفي (٩) يوم الأحد سابع جمادى الأولى (١٠) ودفن بتربة المولَّهين بسفح قاسيون (١١) عند الشيخ يوسف القميني (١٢)، وقد توفي الشيخ يوسف قبله بمدة، وكان الشيخ يوسف يسكن أقمين حمام نور الدين الشهيد بالبزوريين (١٣)، وكان يجلس على النجاسات والقذر، وكان يلبس ثيابًا بدَّاوية تجحف على النجاسات في الأزقة، وكان له قبول من الناس ومحبة وطاعة، وكان العوام يغالون في محبته واعتقاده، وكان لا يُصلي ولا يتقي نجاسة، ومن جاءه زائرًا جلس عند باب الأقمين (١٤) على النجاسة، وكان العوام يذكرون له

стр. 7117

مكاشفات وكرامات، وكل ذلك خرافات من خرافات العوام وأهل الهذيان كما يعتقدون ذلك في غيره من المجانين والمولَّهين. ولما مات الشيخ يوسف القميني خرج خلق في جنازته (١) من العوام وغيرهم، وكانت جنازته حافلة بهم، وحمل على أعناق الرجال إلى سفح قاسيون، وبين يديه غوغاء وغوش كثير وتهليل وأمور لا تجوز من فعل العوام، حتى جاؤوا به إلى تربة المولهين بقاسيون فدفنوه بها، وقد اعتنى بعض العوام بقبره فعمل عليه حجارة منقوشة وعمل على قبره سقفًا مقرنصًا بالدهان وأنواعه، وعمل عليه مقصورة وأبوابًا، وغالى فيه مغالاة زائدة، ومكث هو وجماعة مجاورون عنده مدة في قراءة وتهليل، ويطبخ لهم الطبيخ (٢) فيأكلون ويشربون هناك. والمقصود أن الشيخ إبراهيم الجَيْعانة لما مات الشيخ يوسف الأقميني جاء من الشاغور إلى باب الصغير في جماعة من أتباعه، وهم في صراخ وضجة وغوش (٣) كثير، وهم يقولون: أذن لنا في دخول البلد، أذن لنا في دخول البلد، يكررون ذلك، فقيل له في ذلك فقال: لي عشرون سنة ما دخلت داخل سور (٤) دمشق، لأني كنت كلما أتيت بابًا من أبوابها أجد هذا السبع رابضًا بالباب فلا أستطيع الدخول خوفًا منه، فلما مات أُذِن لنا في الدخول، وهذا كله ترويج على الطَّعام والعوام من الهمج الرعاع، الذي هم أتباع كل ناعق. وقيل إن الشيخ يوسف كان يرسل إلى الجَيْعانة مما يأتيه من الفتوح والله سبحانه أعلم بأحوال العباد (٥)، وإليه المنقلب والمآب، وعليه الحساب. [أزدمر] (٦) السلحداري] وقد ذكرنا أنه استشهد في وقعة حمص جماعة من الأمراء منهم الأمير عز الدين أزْدُمَر السلحداري عن نحو من ستين سنة، وكان من خيار الأمراء وله همة عالية ينبغي أن ينال بها مكانًا عاليًا في الجنة (٧). قاضي القضاء (٨) تقي الدين أبو عبد الله محمد بن الحسين بن رَزين بن موسى (٩) العامري الحموي الشافعي.

стр. 7118

ولد سنة (١) ثلاث وستمئة، وقد سمع الحديث وانتفع بالشيخ تقي الدين بن الصلاح (٢)، وأمَّ بدار الحديث مدة، ودرَّس بالشامية، وولي وكالة بيت المال بدمشق، ثم سار (٣) إلى مصر فدرس بها بعدة مدارس، وولي الحكم بها، وكان مشكورًا، توفي ليلة الأحد ثالث رجب منها، ودفن بالمقطم (٤). وفي يوم السبت الرابع والعشرين من ذي القعدة توفي: الملك الأشرف (٥) مُظَفَّر الدين موسى بن الملك الزاهر (٦) محيي الدين داود المجاهد بن أسد الدين شيركوه بن الناصر (٧) ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شاذي ابن صاحب حمص، ودفن بتربتهم بقاسيون. وفي ذي القعدة توفي: الشيخ جمال الدين الإسْكَنْدري الحاسِبُ بدمشق، وكان له مكتب تحت منارة فيروز (٨)، وقد انتفع به خلقٌ كثيرٌ، وكان شيخ الحساب في وقته ﵀. الشيخ علم الدين أبو الحسن (٩) محمد (١٠) بن الإمام أبي علي الحسين بن عيسى بن عبد الله بن رَشيق (١١) الربعي المالكي المصري، ودفن بالقرافة، وكانت له جنازة حافلة، وقد كان فقيهًا مفتيًا، سمع الحديث وبلغ خمسًا وثمانين سنة. وفي يوم الإثنين الخامس والعشرين من ذي الحجة توفي: الصدر الكبير [شمس الدين] أبو الغنائم المُسَلَّم (١٢) [ابن] محمد بن المُسَلَّم [بن] مكي بن

стр. 7119

خلف بن عَلَّان (١)، القيسي الدمشقي. مولده سنة أربع وتسعين، وكان من الرؤساء الكبار، وأهل البيوتات، وقد ولي نظر الدواوين بدمشق وغير ذلك، ثم ترك ذلك كله وأقبل على العبادة وكتابة الحديث، وكان يكتب سريعًا، يكتب في اليوم الواحد ثلاث كراريس وقد أسمع "مسند الإمام أحمد" (٢) ثلاث مرات، وحدَّث بـ "صحيح مسلم" و "جامع الترمذي" وغير ذلك، وسمع منه البرزالي والمزي وابن تيمية، ودُفن من يومه بسفح قاسيون عن ست وثمانين سنة ﵏ جميعًا. الشيخ صفي الدين (٣) أبو القاسم محمد بن عثمان بن محمد التميمي الحنفي. شيخ الحنفية ببُصرى، ومدرس الأمينية بها مدةً سنين كثيرة، كان بارعًا فاضلًا عالمًا عابدًا مُنْقطعًا عن الناس، وهو والد قاضي القضاة صدر الدين علي (٤)، وقد عمر دهرًا طويلًا، فإنه ولد في سنة ثلاث وثمانين وخمسمئة، وتوفي ليلة نصف شعبان من هذه السنة عن سبع (٥) وتسعين سنة ﵀. ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وستمئة استُهلّت والخليفة الحاكم بأمر الله والسلطان (٦) الملك المنصور قلاوون. وفيها أرسل ملك التتار أحمد إلى الملك المنصور يطلب منه المصالحة وحقن الدماء فيما بينهم، وجاء (٧) في الرسلية الشيخ قطب الدين الشيرازي أحد تلامذة النَّصير (٨) الطوسي، فأجاب المنصور إلى ذلك وكتب (٩) المكاتبات إلى ملك التتر (١٠) بذلك. [وحضر تدريس الأمينية القاضي شمس الدين ابن خلكان في سابع عشر صفر وحضر عنده القاضي عز الدين بن الصائغ وجماعة] (١١).

стр. 7120

وفي مستهلّ صفر قبض السلطان على الأمير الكبير بدر الدين بَيْسَرِي الشَّمْسي (١)، وعلى الأمير علاء الدين السَّعدي الشَّمسي (٢) أيضًا. وفيها: درَّس القاضي بدر الدين بن جماعة (٣) بالقيمرية، والشيخ (٤) شمس الدين بن الصفي الحريري الفرخشاهية (٥)، وعلاء الدين بن الزَّمَلْكاني بالأمينية. وفي يوم الإثنين (٦) الحادي عشر من رمضان وقع حريق باللبادين عظيم، وحضر نائب السلطنة إذ ذاك الأمير حسام الدين لاجين السلحدار وجماعة كثيرة من الأمراء، وكانت ليلة هائلة جدًّا وقى الله شَرَّها، واستدرك بعد ذلك أمرها القاضي محيي الدين بن النحاس (٧) ناظر الجامع، فأصلح الأمر وسد (٨) وأعاد البناء أحسن مما كان ولله الحمد والمنة وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ الصالح بقية السلف (٩) برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم (١٠) الشيخ صفي الدين أبي الفداء إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى بن عَلَوِي بن الدَّرَجي (١١) الحنفي إمام العِزِّيَّة بالكشك (١٢). سمع الكثير (١٣) من جماعة منهم الكِنْدي وابن الحَرَستاني ولكن لم يظهر سماعه منهما إلا بعد وفاته،

стр. 7121

وقد أجاز له أبو جعفر (١) الصَّيْدَلاني وعَفِيفة الفَارْفَانية (٢) وابن اللَّفتواني (٣)، وكان رجلًا صالحًا مُحبًا لإسماع الحديث، كثيرَ البرّ بالطلبة له، وقد قرأ عليه الحافظ جمال الدين المزي "معجم الطبراني الكبير"، وسمعه منه بقراءة الحافظ البرزالي (٤)، وجماعة كثيرون. وكان مولده في سنة تسع وتسعين وخمسمئة (٥) وتوفي يوم الأحد سابع صفر، وهو اليوم الذي قدم فيه الحجاج إلى دمشق من الحجاز، وكان هو معهم فمات بعد استقراره بدمشق. القاضي أمين الدين الأَشْتَري (٦) أبو العباس، أحمد بن شمس، الدين أبي (٧) بكر عبد الله بن محمد بن عبد الجبار (٨) بن طلحة الحلبي المعروف بالأشتري الشافعي، المحدث. سمع الكثير وحصل ووقف أجزاء بدار الحديث الأشرفية [توفي (٩) بالخانقاه الأندلسية (١٠) يوم الخميس الرابع والعشرين من ربيع الأول عن ست وستين سنة] وكان الشيخ محيي الدين النَّووي يُثْني عليه ويُرسل إليه الصبيان ليقرؤوا عليه في بيته لأمانته عنده، وصيانته وديانته. الشيخ برهان الدين أبو الثناء (١١) محمود بن عبد الله بن عبد الرحمن المراغي الشافعي، مدرس الفلكيه (١٢).

стр. 7122

كان (١) فاضلًا بارعًا، عرض عليه القضاء فلم يقبل، توفى (٢) يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الآخر عن ست وسبعين سنة، وسمع الحديث وأسمعه، ودرس بعده بالفلكية القاضي بهاء الدين بن الزكي. القاضي الإمام العلَّامة شيخ القُرّاء زين الدين (٣) أبو محمد عبد السلام (٤) بن علي بن عمر الزَّواوي المالكي. قاضي قضاة المالكية بدمشق، وهو أول من باشر القضاء بها، وعزل (٥) نفسه عنها تورعًا وزهادة، واستمر بلا ولاية ثمان سنين، ثم كانت وفاته ليلة الثلاثاء ثامن رجب منها (٦) عن ثلاث وثمانين سنة، وقد سمع الحديث واشتغل على السخاوي (٧) وابن الحاجب. الشيخ صلاح الدين (٨) محمد بن القاضي شمس الدين علي بن محمود بن علي الشَّهْرزوري، مُدَرِّس القيمرية (٩) وابن مدرسها. توفي في أواخر رجب، وتوفي أخوه شرف الدين (١٠) بعده بشهر، ودرس بالقيمرية بعد الصلاح المذكور القاضي بدر الدين بن جماعة (١١). ابن خلكان قاضي القضاة (١٢) شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خَلِّكان الإربلي الشافعي.

стр. 7123

أحد الأئمة الفضلاء، والسادة العلماء، والصدور الرؤساء، وهو أول من جَدَّد في أيامه قضاء القضاة من سائر (١) المذاهب، فَاسْتَقَلُّوا (٢) بالأحكام بعد [ما كانوا نوابًا له، وقد كان المنصب بينه وبين ابن الصائغ دولًا، يُعزل هذا تارة ويُوَلَّى هذا، ويُعزلُ هذا ويُولَّى هذا، وقد دَرَّسَ ابنُ خلكان في عدة مدارس لم تجتمع (٣) لغيره، ولم يبق معه في آخر وقت سوى الأمينية، وبيد ابنه كمال الدين موسى النجيبية (٤). توفي ابن خلكان بالمدرسة النجيبية المذكورة بإيوانها يوم السبت آخر النهار، في السادس والعشرين من رجب، ودفن من الغد بسفح قاسيون عن ثلاث وسبعين سنة. وقد كان ينظم نظمًا حسنًا رائقًا، وقد كانت محاضرته (٥) في غاية الحسن، وله التاريخ المفيد الذي رسمه (٦) "بوفيات الأعيان" (٧) من أبدع المصنفات، والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وستمئة فيها: قدم الملك المنصور إلى دمشق في يوم الجمعة سابع رجب في أُبَّهة عظيمة، وكان يومًا مشهودًا. وفيها: ولي الخطابة بدمشق الشيخ عبد الكافي (٨) بن عبد الملك بن عبد الكافي عوضًا عن محيي الدين (٩) ابن الحرستاني الذي (١٠) توفي فيها كما سيأتي، وخطب يوم الجمعة الحادي والعشرين من رجب من هذه السنة.

стр. 7124

وفي هذا اليوم قبل الصلاة احتيط على القاضي عز الدين بن الصائغ (١) وسجن (٢) بالقلعة وأثبت ابن الحصيري (٣) نائب الحنفي محضرًا يتضمن أن عنده وديعةً بمقدار ثمانية آلاف دينار، من جهة ابن الإسكاف، وكان الذي أثار ذلك شخص قدم من حلب يقال له تاج الدين بن السنجاري، وولي القضاء بعدها بهاء الدين يوسف بن محيي الدين بن الزكي (٤)، وحكم يوم الأحد ثالث وعشرين رجب ومنع الناس من زيارة بن الصائغ، وسعى (٥) بمحضر آخر أن عنده وديعة بقيمة خمس وعشرين ألف دينار للصالح إسماعيل بن أسد الدين، وقام في ذلك ابن الشاكري (٦) والجمال بن الحموي وآخرون، وتكلموا في قضية ثالثة، ثم عقد له مجلس ناله (٧) فيه شدة شديدة، وتَعَصَّبوا عليه ثم أُعيد إلى اعتقاله، وقام في صفه نائب السلطنة حسام الدين لاجين، وجماعة من الأمراء، فكلموا فيه السلطان فأطلقه وخرج إلى منزله، وجاء الناس إلى تهنئته يوم (٨) الإثنين الثالث والعشرين من شعبان، وانتقل من العادلية إلى داره بدرب النقاشة (٩)، وكان عامة جلوسه في المسجد تجاه داره. وفي رجب باشر حسبة دمشق جمال الدين بن صَصْرى. وفي شعبان دَرَّسَ الخطيب جمال الدين بن عبد الكافي (١٠) بالغزالية (١١) عوضًا عن الخطيب ابن الحرستاني (١٢)، وأخذ منه الدولعية (١٣) لكمال الدين بن النجار (١٤)، الذي كان وكيل بيت

стр. 7125

المال، ثم أخذ شمس الدين الأيكي (١) تدريس الغزالية من ابن عبد الكافي المذكور. وفي آخر شعبان باشر نيابة الحكم عن ابن الزكي شرف الدين أحمد بن نعمة (٢) المقدسي أحد الأئمة (٣) الفضلاء، وسادات العلماء المُصَنِّفين. ولما توفي أخوه شمس الدين محمد في شوال ولي مكانه تدريس الشامية البرانية، وأخذت منه العادلية الصغيرة، فدرَّس فيها القاضي نجم الدين أحمد بن صصْرَى (٤) التغلبي في ذي القعدة (٥)، وأخذت من شرف الدين أيضًا الرواحية فدرس فيها نجم الدين البياني (٦) نائب الحكم ﵏ أجمعين. وممن توفي فيها من الأعيان: الصدر الكبير عماد الدين أبو الفضل (٧) محمد بن القاضي شمس الدين أبي نصر محمد بن هبة الله الشيرازي. صاحب الطريقة المنسوبة في الكتابة، سمع الحديث وكان من رؤساء دمشق وأعيانها توفي في صفر منها. شيخ الجبل (٨) الشيخ العلامة شيخ الإسلام شمس الدين أبو محمد عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي.

стр. 7126

أوَّل من ولي قضاء الحنابلة بدمشق، ثم تركه وتولاه ابنه نجم الدين (١)، وتدريس الأشرفية (٢) بالجبل، وقد سمع الحديث الكثير، وكان من علماء الناس وأكثرهم ديانة وأمانة في عصره، مع هدي وسمت صالح حسن، وخشوع ووقار. توفي ليلة الثلاثاء سلخ ربيع الآخر من هذه السنة عن خمس وثمانين سنة، ودفن بمقبرة والده ﵏. ابن جَعْوان (٣) العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عباس بن جَعْوان الأَنْصاري الدِّمشقي المُحَدّث الفقيه الشافعي البارع في النحو واللغة. سمعت شيخنا تقي الدين (٤) ابن تيمية وشيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي (٥) يقول كل منهما للآخر: هذا الرجل قرأ مسند الإمام أحمد (٦) وهما يسمعان فلم يضبط عليه لحنة متفقًا عليها، وناهيك بهذين ثناءً على هذا وهما هما (٧). الخطيب محيي الدين (٨) يحيى بن الخطيب قاضي القضاة عماد الدين عبد الكريم بن قاضي القضاة جمال الدين بن الحَرَستاني الشافعي خطيب دمشق ومدرس الغزالية، كان فاضلًا بارعًا أفتى ودرس وولي الخطابة والغزالية بعد أبيه، وحضر جنازته نائب السلطنة وخلق كثير، توفي (٩) في جمادى الآخرة عن ثمان وستين سنة، ودفن بقاسيون.

стр. 7127

وفي خامس رجب توفي: الأمير الكبير ملك عرب آل مِرَى (١) أحمد بن حجي بمدينة بُصرى، وصُلِّي عليه بدمشق صلاة الغائب. الشيخ الإمام العالم شهاب الدين (٢) عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة مجد الدين عبد السَّلام (٣) بن عبد الله بن أبي القاسم بن تَيْمِيَّة الحَرّاني، والد شيخنا العلَّامة العلم تَقّي الدين بن تَيْميَّة، مُفْتي الفِرَق، الفارق بين الفِرَق. كان له فضيلة حسنة، ولديه فضائل (٤) كثيرة، وكان له كرسيٌّ بجامع دمشق يتكلَّم عليه عن ظاهر قلبه، وولي مشيخةَ دار الحديث السُّكَّرية (٥) بالقَصّاعين، وبها كان سكنه، ثم درَّس ولده الشيخ تقي الدين بها (٦) بعده في السنة الآتية كما سيأتي، ودفن بمقابر الصُّوفية ﵀. ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وستمئة في يوم الإثنين ثاني (٧) المحرم منها دَرَّس الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين (٨) أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تَيْميَّة الحَرّاني بدار الحديث السكرية التي بالقَصّاعين، وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدين بن الزَّكي الشافعى (٩)، والشيخ تاج الدين الفزاري (١٠) شيخ الشافعية، والشيخ زين الدين بن المرحل (١١)، وزين الدين بن المُنَجّا الحنبلي (١٢)، وكان درسًا هائلًا، وقد كتبه

стр. 7128

الشيخ تاج الدين الفزاري [بخطه لكثرة فوائده، وكثرة ما استحسنه الحاضرون. وقد أطنب الحاضرون في شكره على حداثة سنه وصغره، فإنه كان عمره إذ ذاك عشرين سنة وسنتين. ثم جلس الشيخ تقي الدين المذكور أيضًا] (١) يوم الجمعة عاشر صفر بالجامع الأموي [بعد صلاة الجمعة على منبر قد هُيِّئ له لتفسير القرآن العزيز، فابتدأ من أوله في تفسيره، وكان يجتمع عنده الخلق الكثير والجم الغفير] (٢) من كثرة ما كان يورد من العلوم المتنوعة المحررة مع الديانة والزهادة والعبادة سارت بذكره الركبان في سائر الأقاليم والبلدان، واستمر على ذلك مدة سنين متطاولة. وفيها: قدم السلطان إلى دمشق من مصر (٣) يوم السبت ثاني عشر جمادى الآخرة، فجاء صاحب حماة الملك المنصور إلى خدمته (٤) فتلقاه السلطان في موكبه وأكرمه، فلما كان ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من شعبان وقع مطر عظيم بدمشق، ورعد وبرق، وجاء سيل عظيم (٥) جدًّا حتى كسر أقفال باب الفراديس، وارتفع الماء ارتفاعًا كثيرًا، بحيث أغرق خلقًا كثيرًا، وأخذ جِمال (٦) الجيش المصري وأثقالهم، فخرج السلطان إلى الديار المصرية بعد ثلاثة أيام. وتولى شد (٧) الدواوين الأمير شمس الدين سُنْقُر عوضًا عن الدُّوَيْداري علم الدين سَنْجَر. تمليك أرغون بن أبغا على التتار (٨) وفيها (٩): اختلفت التتار فيما بينهم على ملكهم السلطان أحمد فعزلوه عنهم وقتلوه، وملكوا عليهم السلطان أرغون بن أبغا (١٠)، ونادوا بذلك في جيشهم، وتأطدت أحوالهم (١١)، ومشت أمورهم على ذلك، وبادت دولة السلطان أحمد. وقامت دولة أرغون بن أبغا.

стр. 7129

وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ طالب الرفاعي (١) بقصر حجاج (٢) وله رواية مشهورة به، وكان يزوره بعض المريدين فمات. وفيها مات: القاضي الإمام عز الدين أبو المفاخر (٣) محمد بن شرف الدين عبد القادر بن عفيف الدين عبد الخالق بن خليل الأنصاري الدمشقي [المعروف بابن الصائغ] (٤). ولي القضاء بدمشق مرتين، عُزِل بابن خلكان، ثم عُزل ابنُ خلكان به ثانية، ثم عُزل وسُجن (٥) وولي بعده بهاء الدين بن الزكي، وبقي معزولًا إلى أن توفي ببستانه في تاسع ربيع الأول، وصُلِّي عليه بسوق الخيل (٦)، ودفن بسفح قاسيون، وكان مولده سنة ثمانٍ وعشرين وستمئة. وكان مشكور السيرة، له عقل وتدبير واعتقاد كثير في الصالحين، وقد سمع الحديث وروى، وخرَّج له ابن بلبان (٧) مشيخة قرأها ابن جَعْوان (٨) عليه، ودرس بعده بالعَذْراوية (٩) الشيخ زين الدين عمر بن مكي بن المرحل (١٠)، وكيل بيت المال، ودرس ابنه محيي الدين أحمد بالعمادية وزاوية الكلاسة من جامع دمشق، ثم توفي ابنه أحمد (١١) هذا بعده في يوم الأربعاء ثامن رجب، فدرس بالعمادية والدماغية (١٢) الشيخ زين الدين بن الفارقي (١٣)

стр. 7130

شيخ دار الحديث نيابة عن أولاد القاضي عز الدين بن الصائغ: بدر الدين (١) وعلاء الدين. وفيها توفي: الملك السعيد فتح الدين (٢) عبد الملك بن الملك الصالح أبي الحسن إسماعيل ابن الملك العادل، وهو والد الملك الكامل ناصر الدين محمد، في (ليلة الإثنين) ثالث رمضان، ودُفن من الغد بتربة أم الصالح، وكان من خيار الأمراء محترمًا كبيرًا رئيسًا، روى "الموطأ" عن يحيى بن بكير (٣) عن مكرم بن أبي الصقر، وسمع ابن اللتي (٤) وغيره. القاضي نجم الدين عمر بن نصر بن منصور (٥) البَيْساني (٦) الشافعي. توفي في شوال منها، وكان فاضلًا، ولي قضاء زرع ثم قضاء حلب، ثم ناب في دمشق ودرَّس بالرواحية وباشرها بعده شمس الدين عبد الرحمن بن نوح المقدسي (٧)، يوم عاشر شوال. وفي هذا اليوم توفي بحماة ملكها: الملك المنصور (٨) ناصر الدين محمد بن محمود بن عمر بن شاهنشاه (٩) بن أيوب. ولد سنة ثلاثين وستمئة، وتملك حماة سنة ثنتين وأربعين، وله عشر سنين، فمكث في الملك أزيد من أربعين سنة، وكان له بر وصدقات، وقد أعتق في مرض (١٠) موته خلقًا من الأرقّاء،

стр. 7131

وقام في الملك بعده ولده الملك المظفر بتقليد الملك المنصور (١) له بذلك. القاضي جمال الدين أبو يعقوب يوسف بن عبد الله بن عمر الزَّواوي (٢). قاضي قضاة المالكية، ومدرسهم بعد القاضي زين [الدين] الزَّواوي الذي عزل نفسه، وقد كان ينوب عنه فاستقلّ بعده بالحكم. توفي (٣) في الخامس من ذي القعدة وهو في طريق الحجاز، وكان عالمًا فاضلًا قليل التكليف والتكلف، وقد شغر المنصب بعده ثلاث سنين ودرَّس بعده للمالكية الشيخ جمال الدين الشَّريشي (٤)، وبعده أبو إسحاق اللَّوْري (٥)، وبعده مجد الدين أبو بكر التونسي (٦) ثم لما وصل القاضي جمال الدين بن سليمان (٧) حاكمًا درَّس بالمدارس والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة أربع وثمانين وستمئة في أواخر المحرم قدم الملك المنصور إلى دمشق ومعه الجيوش، وجاء إلى خدمته صاحب حماة الملك المظفر بن المنصور فتلقّاه (٨) بجميع الجيوش، وخلع عليه خلعةَ الملوك، ثم سافر السلطان البشارة (٩) المصرية والشامية فنزل المرقب ففتحه الله عليهم في يوم الجمعة ثامن عشر صفر، وجاءت البشارةُ بذلك إلى دمشق (١٠) فدقَّت البشائر وزُيّنت البلد وفرح المسلمون بذلك (١١)، لأن هذا الحصن كان مضرة على المسلمين، ولم يتفق فتحه لأحد من ملوك الإسلام (١٢) لا للملك صلاح الدين، ولا للملك

стр. 7132

الظاهر ركن الدين بيبرس البُنْدُقْداري، وفتح (١) حوله بُلُنْياول (٢) مَرقِيَّة وهي بلدة صغيرة إلى جانب البحر عند حصن منيع جدًّا لا يصل إليه سهم ولا حجر منجنيق، فأرسل إلى صاحب طرابلس فهدمه تقربًا إلى السلطان الملك المنصور، واستنقذ المنصور خلقًا كثيرًا من أسارى المسلمين، الذين كانوا عند الفرنج، ولله الحمد. ثم عاد المنصور إلى دمشق، ثم سافر بالعساكر المصرية إلى القاهرة (٣). وفي أواخر جماى الآخرة ولد (٤) للمنصور ولده الملك الناصر محمد بن قلاوون. وفيها: عُزِل محيي الدين بن النَّحَّاس (٥) عن نظر الجامع ووليه عز الدين بن محيي الدين بن الزكي. وباشر ابن النحاس الوزارة عوضًا عن التَّقِي تَوْبَة التكريتي (٦)، وطلب التَّقي توبة إلى الديار المصرية واحتيط (٧) على أمواله وأملاكه. وعُزل سيف الدين طوغان (٨) عن ولاية المدينة، وباشرها عز الدين بن أبي الهيجاء (٩). وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ عزّ الدين محمد بن علي بن إبراهيم بن شَدَّاد (١٠)، توفي في صفر، وكان فاضلًا مشهورًا، له كتاب "سيرة الملك الظاهر"، وكان معتنيًا بالتاريخ (١١). ﵀. البُنْدقدار (١٢) أستاذ الملك الظاهر بيبرس، وهو الأمير الكبير علاء الدين أَيْدكين (١٣) البندقداري الصّالحي.

стр. 7133

كان من خيار الأمراء سامحه الله. توفي في ربيع الآخر منها، وقد كان الصالح نجم الدين صادر (١) البُنْدُقدار هذا، وأخذ منه مملوكه بيبرس فأضافه (٢) إليه لشهامته ونهضته، فتقدم عنده على (٣) أستاذه وغيره. الشيخ الصالح العابد الزاهد (٤) شرف الدين أبو عبد الله محمد بن الحسن بن إسماعيل الإخميمي (٥). كانت له جنازةٌ هائلةٌ، ودفن بقاسيون ﵀. ابن عامر المقريء (٦) الذي ينسب إليه الميعاد الكبير، الشيخ الصالح المقرئ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عامر بن أبي بكر الغَسُولي (٧) الحنبلي (٨). سمع الحديث من الشيخ موفق الدين بن قدامة وغيره، وكان يعمل (٩) الميعاد ليلة الأحد، فإذا فرغوا من ذلك دعا بهم ثم وعظهم. توفي يوم الأربعاء حادي عشر جمادى الآخرة ودفن بالقرب من تربة الشيخ عبد الله الأرمني، ﵀. القاضي عماد الدين (١٠) داود بن يحيى بن كامل القرشي البُصروي (١١) الحنفي.

стр. 7134

مدرس العِزّية (١) بالكشك، وناب في الحكم عن مجد الدين بن العديم (٢)، وسمع الحديث وتوفي (٣) ليلة النصف من شعبان، وهو والد الشيخ نجم الدين القَحْفازي (٤)، شيخ الحنفية، وخطيب جامع تنكز (٥). الشيخ حسن الرومي (٦) شيخ سعيد السعداء بالقاهرة. وقد وليها بعده شمس الدين الأيكي (٧). [رشيد الدين الحنفي] (٨) الرشيد سعيد بن علي بن سعيد، الشيخ رشيد الدين الحنفي مدرس الشبلية، وله تصانيف مفيدة كثيرة، ونظم حسن، فمن ذلك قوله (٩): [رمل] قُلْ لمنْ يحذَرُ أن تُدْرِكَهُ … نَكباتُ الدَّهْرِ لا يُغْني الحَذَرْ (١٠) أذْهبَ الحُزْنَ اعْتقادي أَنَّهُ … كلُّ شيءٍ بقَضاءٍ وَقَدَرْ (١١) ومن شعره قوله (١٢) [من الطويل]: إلهي لَكَ الحَمْدُ الذي أَنْتَ أَهْلُهُ … على نِعَم منها الهِدايَة للحَمْدِ صحيحًا خلقتَ الجسمَ منّي مُسَلَّمًا … ولطفكَ بي ما زالَ مُذْ كُنْتُ في المَهْدِ وكنتُ يتيمًا قد أحاطَ بيَ الرّدَى … فآويتَ واستنقذتَ من كلِّ ما يُرْدي وهبت ليَ العقلَ الذي بضيائهِ (١٣) … إلى كلِّ خيرٍ يَهْتدي طالبُ الرشْدِ ووفقتَ للإسلامِ قَلْبي ومَنْطقي … فيا نعمةً قد حلَّ موقعُها (١٤) عندي

стр. 7135

ولو رمتُ جُهْدي أنْ أجازي (١) فضيلةً … فضلتُ بها لم يجزِ أطرافها (٢) جهدي (٣) ألستَ الذي أرجو جنابَك (٤) عندما … يُخَلّفني (٥) الأَهلون وَحْديَ في لَحْدي (٦) فجُد لي بلطفٍ منكَ يهدي سريرتي … وقلبي ويدنيني (٧) إليكَ بلا بعدِ (٨) توفي (٩) يوم السبت ثالث رمضان، وصُلّي عليه العصر بالجامع المظفري (١٠)، ودفن بالسفح (١١). أبو القاسم علي بن بَلَبَان بن عبد الله (١٢) النّاصر المُحَدِّث المُفيد الماهر، توفي يوم (١٣) الخميس مستهلَّ رمضان. الأديب مُجِير الدين (١٤) محمد بن يعقوب بن علي المعروف بابن تميم الحموي الشاعر، صاحب "الديوان" في الشعر، فمن شعره قوله (١٥): عاينتُ وردَ الرَّوْضِ يلطُمُ (١٦) … خَدَّهُ ويَقُولُ قَوْلًا في البَنَفْسَجِ يحنقُ (١٧)

стр. 7136

لا تَقْرَبُوهُ وإنْ تَضَوَّعَ نَشْرُهُ … ما بينَكُمْ فهو العَدُوُّ الأَزْرَقُ الشيخ العارف شرف الدين (١) أبو عبد الله محمد بن الشيخ عثمان بن علي الرومي، ودُفن بتربتهم بسفح قاسيون، ومن عندهم خرج الشيخ جمال الدين محمد الساوجي وخلق. ودخل في زي (٢) الجَوالِقيّة (٣) وصار شيخهم ومقدمهم. ثم دخلت سنة خمس وثمانين وستمئة استهلت والخليفة الحاكم أبو العباس أحمد، والسلطان الملك المنصور (٤) قلاوون، ونائبه بالشام الأمير حسام الدين لاجين السلحدار المنصوري، والأمير بدر الدين الصَّوابي مُحاصِرٌ مدينة الكرك في أواخر السنة الماضية، وقدم عليه من مصر (٥) عسكر صحبة الأمير حسام الدين طُرُنْطاي (٦) فاجتمعوا على حصار الكرك حتى أنزلوا منها صاحبها الملك المسعود خضر (٧) بن الملك الظاهر، في مستهل صفر، وجاءت البشارة بذلك إلى دمشق، فدقت البشائر (٨) ثلاثة أيام، وعاد طُرُنطاي بالملك خضر وأهل بيته (٩) إلى الديار المصرية، كما فعل الملك الظاهر أبوه بالملك المغيث عمر بن العادل، كما تقدم ذلك (١٠). واستناب في الكرك نائبًا عن أمر المنصور، ورَتَّبَ أمورَها وأَجْلَوْا منها خلقًا من الكَرَكِيّين، واستُخْدِموا بقلعة دمشق. ولما اقترب دخول آل الظاهر إلى القاهرة تلقّاهم المنصور فأكرم لقياهم وأحسن (١١) إلى الأخوين نجم الدين خضر، وبدر الدين سُلامش، وجعلهما يركبان مع ابنيه عليٍّ والأشرفِ خليلٍ، وجعل

стр. 7137

عليهما عيونًا يرصدون ما يفعلان (١)، وأنزلا الدور بالقلعة وأجرى عليهم من الرواتب والنفقات ما يكفيهم وزيادة كثيرة، وكتب الأمير بدر الدين بكتوت العلائي وهو مجرد بحمص إلى نائب دمشق لاجين (٢)، أنه قد انعقدت زوبعة في يوم الخميس سابع صفر بأرض حمص ثم ارتفعت في السماء كهيئة العمود والحية العظيمة، وجعلت تختطف الحجارة الكبار، ثم تصعد (٣) بها في الجو كأنها سهامُ النشّاب، وحملت شيئًا كثيرًا من الجِمال بأحمالها، والأثاث والخيام والدواب، ففقد الناس من ذلك شيئًا كثيرًا (٤)، فإنا لله وإنّا إليه راجعون. وفي هذا اليوم وقع مطر عظيم في دمشق (٥) وجاء سيلٌ كثيرٌ ولا سيما في الصالحية (٦). وفيها: أعيد علم الدين الدُّوَيْداري إلى شدّ الدواوين بدمشق، والصاحب تقي الدين توبة (٧) إلى الوزارة بدمشق (٨). وفيها تولى قضاء المالكية بمصر زين الدين بن أبي مخلوف البريدي (٩) عوضًا عن القاضي تقي الدين بن شاس (١٠) الذي توفي بها. وفيها: درس بالغزالية بدر الدين (١١) بن جماعة انتزعها من يد شمس الدين إمام الكلاسة، الذي كان ينوب عن شمس الدين (١٢) الأيكي، والأيكي شيخ سعيد السعداء بمصر (١٣)، باشرها (١٤) شهرًا ثم جاء

стр. 7138

مرسوم بإعادتها إلى الأيكي، وأنه قد استناب عنه جمال الدين الباجُرْبقي (١)، فباشر الباجُرْبقي في ثالث رجب. وممن توفي فيها من الأعيان: [أحمد بن شيبان (٢) بن تَغْلِب الشَّيباني أحد مشايخ الحديث المسندين المعمرين بدمشق، توفي بصفر (٣) عن ثمان] (٤) وثمانين سنة، ودفن بقاسيون. الشيخ الإمام العالم البارع (٥) جمال الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن سُجْمان (٦) البكري الشَّرِيشي المالكي. ولد بشَرِيش (٧) سنة إحدى وستمئة، ورحل إلى العراق فسمع بها (الحديث) من المشايخ كالقطيعي (٨) وابن روزبة (٩) وابن اللَّتِي (١٠) وغيرهم، واشتغل وَحَصَّلَ وساد أهلَ زمانه (١١)، ثم عاد إلى مصر فدرس بالفاضلية، ثم أقام بالقدس شيخ الحرم، ثم جاء إلى دمشق فولي مشيخة الحديث بتربة أم الصالح، ومشيخة الرباط الناصري (بالسفح)، ومشيخة المالكية، وعُرِض عليه القضاء فلم يقبل.

стр. 7139

توفي (١) يوم الإثنين الرابع والعشرين من رجب بالرباط الناصري بقاسيون (٢)، (ودفن بسفح قاسيون تجاه الناصرية، وكانت جنازته حافلة جدًّا). قاضي القضاة (٣) بهاء الدين (٤) أبو الفضل (٥) يوسف ابن قاضي القضاة محيي الدين أبي الفضل يحيى بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز -[زاد الجزري وغيره:] (٦) - بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان، القرشي الدمشقي المعروف بابن الزكي الشافعي. كان فاضلًا مبرزًا (٧)، وهو آخر من ولي (٨) القضاء من بني الزكي إلى يومنا هذا، ولد في سنة أربعين (٩) وسمع الحديث، توفي (١٠) ليلة الإثنين حادي عشر ذي الحجة، ودفن بقاسيون، وتولى بعده ابن الخُوَيِّي شهاب الدين (١١). الشيخ مجد الدين (١٢) يوسف بن محمد بن عبد الله المصري ثم الدمشقي الشافعي الكاتب المعروف بابن المِهْتَار. كان فاضلًا في الحديث والأدب، يكتب كتابةً حسنةً جدًّا، وتولَّى مشيخةَ دار الحديث النورية، وقد سمع الكثير وانتفع الناس به وبكتابته، توفي عاشر ذي الحج (١٣) ودفن بباب الفراديس. الشاعر الأديب (١٤) شِهاب الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن محمد المعروف بابن الخِيَمي.

стр. 7140

كانت له مشاركةٌ في علومٍ كثيرةٍ، ويدٌ طُولَى في النَّظْمِ الرّائِق الفائق جاوز الثمانين وقد تنازع هو ونجم الدين بن إسرائيل (١) في قصيدة بائية (٢) فتحاكما إلى ابن الفارض (٣) فأمرهما بنظم أبيات على وزنها فنظم كل منهما فأحسن، ولكن لابن الخِيمي (٤) يدٌ طُولَى عليه، وكذلك فعل ابن خلكان (٥)، وامتدحه على وزنها (٦) بأبيات حسان، وقد أطال ترجمته الجزري في كتابة (٧). وفيها كانت وفاة (٨): الحاج شرف (٩) بن مِرَى (١٠)، والد الشيخ مُحيي الدين النَّوَوي رحمه الله تعالى. يعقوب بن عبد الحق (١١) أبو (١٢) يوسف المرّيني (١٣) سلطان بلاد المغرب، خرج على الواثق بالله أبي دبوس فسلبه الملك بظاهر مراكش، واستحوذ على بلاد الأندلس والجزيرة الخضراء، في سنة ثمان وستين وستمئة، واستمرت أيامه إلى محرم هذه السنة، وزالت على يديه دولة المُوحّدين بها.

стр. 7141

البَيْضَاوِي (١) صاحب التصانيف (٢) هو القاضي الإمام العلامة ناصر الدين عبد الله بن عمر الشّيرازي، قاضيها وعالمها وعالم أذربيجان وتلك النواحي، مات بتبريز سنة خمس وثمانين وستمئة. ومن مصنفاته "المنهاج في أصول الفقه"، وهو مشهور، وقد شرحه غيرُ واحدٍ (٣)، وله "شرح التنبيه" في أربع مجلدات، وله "الغاية القُصْوى في دراية الفَتْوى"، و "شرح (٤) المنتخب" و "الكافية" في المنطق، وله "الطوالع" و "شرح المحصول" أيضًا، وله غير ذلك من التصانيف المفيدة، وقد أوصى إلى القطب الشيرازي أن يدفن بجانبه (٥) بتبريز، والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة ست وثمانين وستمئة في أول (٦) المحرم ركبت العساكر صحبة نائب الشام حسام الدين لاجين إلى محاصرة (٧) صهيون وحصن برزية، فمانعهم الأمير شمس (٨) الدين سنقر الأشقر، فلم يزالوا به حتى استنزلوه وسلَّمهم البلاد، وسار إلى خدمة السلطان الملك المنصور (٩)، فتلقاه بالإكرام والاحترام، وأعطاه تقدمةً ألفَ فارسٍ، ولم يزل مُعَظَّمًا في الدولة المنصورية إلى آخرها، وانقضت تلك الأحوال. وفي النصف (١٠) من المحرم حكم القاضي جلال الدين الحنفي نيابةً عن أبيه حسام الدين الرازي. وفي الثالث عشر من ربيع الأول قدم القاضي شهاب الدين محمد بن القاضي شمس الدين بن الخليل الخُوَيّي من القاهرة على قضاء قضاة دمشق (١١)، وقُرئ تقليده يوم الجمعة مستهل ربيع الآخر، واستمرّ بنيابة القضاء شرف الدين المقدسي وفي يوم الأحد ثالث شوال (١٢) درَّسَ بالرواحية الشيخ صفي الدين

стр. 7142

الهندي، وحضر عنده القضاة والشيخ تاج الدين الفزاري، وعلم الدين الدويداري (١)، وتولى قضاء قضاة القاهرة تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز، عوضًا عن برهان الدين الخضر (٢) السنجاري، وقد كان وليها شهرًا بعد ابن الخُوَيّي فاجتمع حينئذٍ إلى ابن بنت الأعز (٣) بين القضاء كله بالديار المصرية، وذلك في أوائل صفر منها. وفيها (٤): استدعي سيف الدين السامري (٥) من دمشق إلى الديار المصرية ليشتري منه ربع حزرما (٦) الذي اشتراه من بنت الملك الأشرف موسى، فذكر لهم أنه وقفه (٧)، وكان المتكلم في ذلك علم الدين الشّجاعي، وكان ظالمًا، وكان (٨) قد استنابه الملك المنصور بديار مصر، وجعل يتقرَّبُ إليه بتحصيل الأموال، ففتق لهم ناصر الدين محمد بن عبد الرحمن المقدسي أن السامري اشترى هذا من بنت الأشرف، وهي غير رشيدة، وأثبت سفهها على زين الدين بن مخلوف (٩) الجائر الجاهل، وأبطل البيع (١٠) من أصله، واسترجع على السامري بمغل مدة (١١) عشرين سنة مئتي ألف درهم، وأخذوا منه حصةً من الزنبقية سبعين (١٢) ألفًا وعشرة آلاف مكملة، وتركوه فقيرًا على برد الديا (١٣)، ثم أثبتوا رشدها واشتروا منها تلك الحصص بما أرادوه، ثم أرادوا أن يستدعوا بالدماشقة واحدًا بعد واحد، ويصادرونهم (١٤)، وذلك أنه بلغهم أن من ظلم بالشام لا يفلح، وأن من ظلم بمصر أفلح، وطالت

стр. 7143

مدته، وكانوا (١) يطلبونهم إلى مصر أرض الفراعنة والظلم، فيفعلون (٢) معهم ما أرادوا. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ الإمام العلامة (٣) قطب الدين أبو بكر محمد بن الشيخ الإمام أبي العباس أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الله أحمد بن ميمون القيسي التَّوزري (٤) ثم المصري، ثم المكي (٥) الشافعي المعروف بالقَسْطَلَّاني، شيخ دار الحديث الكاملية بالقاهرة. ولد سنة أربع عشرة وستمئة، ورحل إلى بغداد وغيرها وسمع (٦) الكثير وحصل علومًا، وكان يفتي على مذهب الشافعي، وأقام بمكة مدةً طويلةً ثم صار إلى مصر فولي مشيخة دار الحديث، وكان (٧) حسنَ الأخلاق محببًا إلى الناس، توفي في آخر المحرم (٨) ودفن بالقرافة الكبرى، وله شعر حسن أورد منه ابن الجزري قطعة صالحة. عماد الدين (٩) محمد بن عَبّاس الدُّنَيْسِرِي الطبيب الماهر، والحاذق الشاعر. خدم الأكابر والوزراء وعُمّر ثمانين سنَةً وتوفي في صفر من هذه السنة بدمشق.

стр. 7144

قاضي القضاة (١) برهان الدين الخضر بن الحسن بن علي السِّنْجاري، تولى (٢) الحكم بديار مصر (٣) غير مرة، وولي الوزارة أيضًا، وكان رئيسًا وقورًا مهيبًا، وقد باشر القضاء (٤) بعده تقي الدين بن بنت الأعز. شرف الدين (٥) سليمان بن بُليمان (٦) الشاعر المشهور، له ديوان شعر رائق توفي (٧) في صفر منها. الشيخ الصالح عز الدين (٨) عبد العزيز بن عبد المنعم بن الصَّيْقَل (٩) الحَرَّاني. ولد سنة أربع وتسعين وخمسمئة، وسمع الكثير، ثم استوطن مصر حتى توفي بها في رابع (١٠) عشر رجب، وقد جاوز التسعين، وقد سمع منه الحافظ علَم الدين البرزالي لما رحل إلى مصر في سنة أربع وثمانين (١١). وحُكي عنه أنه شهد جنازة (في) بغداد فتبعهم نَبَّاشٌ، فلما كان الليلُ جاء إلى ذلك القبر ففتح عن الميت، وكان (الميت) شابًا قد أصابته سكتةٌ، فلما فتح القبر نهض ذلك الشاب (الميت جالسًا) فسقط النبّاش ميتًا في القبر، وخرج الشاب من قبره، [ودفن فيه النباش] (١٢).

стр. 7145

وحكي عنه قال: كنتُ مرة بقَلْيوب وبين يدي صُبْرَة (١) قمح، فجاء زنبورٌ فأخذ واحدة ثم ذهب بها، ثم جاء فأخذ أخرى (ثم ذهب بها)، ثم جاء فأخذ أخرى أربع مراتٍ، قال (٢) فاتبعته فإذا هو يضع الحبة في فم عصفور أعمى بين تلك الأشجار التي هناك. قال: وحكى لي الشيخ (٣) عبد الكافي أنه شهد مرة جنازة فإذا عبد (٤) أسود معنا، فلما صلى الناس عليها لم يصل (٥)، فلما حضرنا الدفن نظر إليَّ وقال: أنا عمله، ثم ألقى نفسه في قبر (٦) ذلك الميت، قال فنظرتُ فلم أر شيئًا (٧). الحافظ أبو اليمن (٨) أمين الدين عبد الصمد بن عبد الوهاب بن الحسن بن محمد (بن الحسن) ابن عساكر الدمشقي. ترك الرئاسة والأملاك، وجاور بمكة ثلاثين سنة، مقبلًا على العبادة والزهادة، وقد حصل له قبول من الناس شاميِّهم ومصريِّهم وغيرهم، توفي بالمدينة النبوية (٩) في ثاني رجب منها (١٠). ثم دخلت سنة سبع وثمانين وستمئة فيها: قدم الشّجاعي من مصر إلى الشام بنيَّة المصادرة لأرباب الأموال (من أهل الشام). وفي أواخر ربيع الآخر قدم الشيخ ناصر الدين [بن الشيخ شمس الدين] (١١) عبد الرحمن المَقْدِسي
следующие страницы →