← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.

стр. 7141

البَيْضَاوِي (١) صاحب التصانيف (٢) هو القاضي الإمام العلامة ناصر الدين عبد الله بن عمر الشّيرازي، قاضيها وعالمها وعالم أذربيجان وتلك النواحي، مات بتبريز سنة خمس وثمانين وستمئة. ومن مصنفاته "المنهاج في أصول الفقه"، وهو مشهور، وقد شرحه غيرُ واحدٍ (٣)، وله "شرح التنبيه" في أربع مجلدات، وله "الغاية القُصْوى في دراية الفَتْوى"، و "شرح (٤) المنتخب" و "الكافية" في المنطق، وله "الطوالع" و "شرح المحصول" أيضًا، وله غير ذلك من التصانيف المفيدة، وقد أوصى إلى القطب الشيرازي أن يدفن بجانبه (٥) بتبريز، والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة ست وثمانين وستمئة في أول (٦) المحرم ركبت العساكر صحبة نائب الشام حسام الدين لاجين إلى محاصرة (٧) صهيون وحصن برزية، فمانعهم الأمير شمس (٨) الدين سنقر الأشقر، فلم يزالوا به حتى استنزلوه وسلَّمهم البلاد، وسار إلى خدمة السلطان الملك المنصور (٩)، فتلقاه بالإكرام والاحترام، وأعطاه تقدمةً ألفَ فارسٍ، ولم يزل مُعَظَّمًا في الدولة المنصورية إلى آخرها، وانقضت تلك الأحوال. وفي النصف (١٠) من المحرم حكم القاضي جلال الدين الحنفي نيابةً عن أبيه حسام الدين الرازي. وفي الثالث عشر من ربيع الأول قدم القاضي شهاب الدين محمد بن القاضي شمس الدين بن الخليل الخُوَيّي من القاهرة على قضاء قضاة دمشق (١١)، وقُرئ تقليده يوم الجمعة مستهل ربيع الآخر، واستمرّ بنيابة القضاء شرف الدين المقدسي وفي يوم الأحد ثالث شوال (١٢) درَّسَ بالرواحية الشيخ صفي الدين

стр. 7142

الهندي، وحضر عنده القضاة والشيخ تاج الدين الفزاري، وعلم الدين الدويداري (١)، وتولى قضاء قضاة القاهرة تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز، عوضًا عن برهان الدين الخضر (٢) السنجاري، وقد كان وليها شهرًا بعد ابن الخُوَيّي فاجتمع حينئذٍ إلى ابن بنت الأعز (٣) بين القضاء كله بالديار المصرية، وذلك في أوائل صفر منها. وفيها (٤): استدعي سيف الدين السامري (٥) من دمشق إلى الديار المصرية ليشتري منه ربع حزرما (٦) الذي اشتراه من بنت الملك الأشرف موسى، فذكر لهم أنه وقفه (٧)، وكان المتكلم في ذلك علم الدين الشّجاعي، وكان ظالمًا، وكان (٨) قد استنابه الملك المنصور بديار مصر، وجعل يتقرَّبُ إليه بتحصيل الأموال، ففتق لهم ناصر الدين محمد بن عبد الرحمن المقدسي أن السامري اشترى هذا من بنت الأشرف، وهي غير رشيدة، وأثبت سفهها على زين الدين بن مخلوف (٩) الجائر الجاهل، وأبطل البيع (١٠) من أصله، واسترجع على السامري بمغل مدة (١١) عشرين سنة مئتي ألف درهم، وأخذوا منه حصةً من الزنبقية سبعين (١٢) ألفًا وعشرة آلاف مكملة، وتركوه فقيرًا على برد الديا (١٣)، ثم أثبتوا رشدها واشتروا منها تلك الحصص بما أرادوه، ثم أرادوا أن يستدعوا بالدماشقة واحدًا بعد واحد، ويصادرونهم (١٤)، وذلك أنه بلغهم أن من ظلم بالشام لا يفلح، وأن من ظلم بمصر أفلح، وطالت

стр. 7143

مدته، وكانوا (١) يطلبونهم إلى مصر أرض الفراعنة والظلم، فيفعلون (٢) معهم ما أرادوا. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ الإمام العلامة (٣) قطب الدين أبو بكر محمد بن الشيخ الإمام أبي العباس أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الله أحمد بن ميمون القيسي التَّوزري (٤) ثم المصري، ثم المكي (٥) الشافعي المعروف بالقَسْطَلَّاني، شيخ دار الحديث الكاملية بالقاهرة. ولد سنة أربع عشرة وستمئة، ورحل إلى بغداد وغيرها وسمع (٦) الكثير وحصل علومًا، وكان يفتي على مذهب الشافعي، وأقام بمكة مدةً طويلةً ثم صار إلى مصر فولي مشيخة دار الحديث، وكان (٧) حسنَ الأخلاق محببًا إلى الناس، توفي في آخر المحرم (٨) ودفن بالقرافة الكبرى، وله شعر حسن أورد منه ابن الجزري قطعة صالحة. عماد الدين (٩) محمد بن عَبّاس الدُّنَيْسِرِي الطبيب الماهر، والحاذق الشاعر. خدم الأكابر والوزراء وعُمّر ثمانين سنَةً وتوفي في صفر من هذه السنة بدمشق.

стр. 7144

قاضي القضاة (١) برهان الدين الخضر بن الحسن بن علي السِّنْجاري، تولى (٢) الحكم بديار مصر (٣) غير مرة، وولي الوزارة أيضًا، وكان رئيسًا وقورًا مهيبًا، وقد باشر القضاء (٤) بعده تقي الدين بن بنت الأعز. شرف الدين (٥) سليمان بن بُليمان (٦) الشاعر المشهور، له ديوان شعر رائق توفي (٧) في صفر منها. الشيخ الصالح عز الدين (٨) عبد العزيز بن عبد المنعم بن الصَّيْقَل (٩) الحَرَّاني. ولد سنة أربع وتسعين وخمسمئة، وسمع الكثير، ثم استوطن مصر حتى توفي بها في رابع (١٠) عشر رجب، وقد جاوز التسعين، وقد سمع منه الحافظ علَم الدين البرزالي لما رحل إلى مصر في سنة أربع وثمانين (١١). وحُكي عنه أنه شهد جنازة (في) بغداد فتبعهم نَبَّاشٌ، فلما كان الليلُ جاء إلى ذلك القبر ففتح عن الميت، وكان (الميت) شابًا قد أصابته سكتةٌ، فلما فتح القبر نهض ذلك الشاب (الميت جالسًا) فسقط النبّاش ميتًا في القبر، وخرج الشاب من قبره، [ودفن فيه النباش] (١٢).

стр. 7145

وحكي عنه قال: كنتُ مرة بقَلْيوب وبين يدي صُبْرَة (١) قمح، فجاء زنبورٌ فأخذ واحدة ثم ذهب بها، ثم جاء فأخذ أخرى (ثم ذهب بها)، ثم جاء فأخذ أخرى أربع مراتٍ، قال (٢) فاتبعته فإذا هو يضع الحبة في فم عصفور أعمى بين تلك الأشجار التي هناك. قال: وحكى لي الشيخ (٣) عبد الكافي أنه شهد مرة جنازة فإذا عبد (٤) أسود معنا، فلما صلى الناس عليها لم يصل (٥)، فلما حضرنا الدفن نظر إليَّ وقال: أنا عمله، ثم ألقى نفسه في قبر (٦) ذلك الميت، قال فنظرتُ فلم أر شيئًا (٧). الحافظ أبو اليمن (٨) أمين الدين عبد الصمد بن عبد الوهاب بن الحسن بن محمد (بن الحسن) ابن عساكر الدمشقي. ترك الرئاسة والأملاك، وجاور بمكة ثلاثين سنة، مقبلًا على العبادة والزهادة، وقد حصل له قبول من الناس شاميِّهم ومصريِّهم وغيرهم، توفي بالمدينة النبوية (٩) في ثاني رجب منها (١٠). ثم دخلت سنة سبع وثمانين وستمئة فيها: قدم الشّجاعي من مصر إلى الشام بنيَّة المصادرة لأرباب الأموال (من أهل الشام). وفي أواخر ربيع الآخر قدم الشيخ ناصر الدين [بن الشيخ شمس الدين] (١١) عبد الرحمن المَقْدِسي

стр. 7146

من القاهرة، على وكالة بيت المال (ونظر الأوقاف)، ونظر الخاص، ومعه تقاليد وخلع فتردَّد الناس إلى بابه وتكلم في الأمور وآذى الناس (١)، وكانت ولايته بسفارة الأمير علم الدين الشجاعي المُتَكلّم في الديار المصرية، توسل إليه بالشيخ شمس الدين الأيكي (٢) وبابن الوحيد (٣) الكاتب، وكانا عنده لهما صورةٌ، وقد طلب جماعةً من أعيان الدماشقة في أول هذه السنة إلى الديار المصرية فطولبوا بأموالٍ كثيرة، فدافع بعضهم بعضًا، (وهذا مما يخفّف عقوبة من ظلمهم، وإلا فلو صبروا لعوجل الظالم بالعقوبة، ولزال عنهم ما يكرهون سريعًا) ولما قدم ابن المَقْدِسي إلى دمشق كان حكم بتربة أم الصالح، والناس يتردّدون إليه ويخافون شرَّه، وقد استجدّ باشورةً بباب الفراديس ومساطبَ باب الساعات للشهود، وجدَّد باب الجابية الشمالي ورفعه، وكان متواطئًا، وأصلح الجسرَ الذي تحته، وكذلك أصلح جسرَ باب الفراديس تحت السُّوَيْقة التي جددها عليه من الجانبين. وهذا من أحسن ما عمله ابن المَقْدسي، وقد كان مع ذلك كثير (٤) الأذيّة للناس ظلومًا غشومًا، ويفتح على الناس أبوابًا (من الظلم) لا حاجة إليها. وفي عاشر جمادى الأولى قدم من الديار المصرية أيضًا قاضي القضاة حسام الدين الحنفي، والصاحب تقي الدين توبة التكريتي (٥)، وقاضي القضاة جمال الدين محمد بن سليمان الزواوي (٦) المالكي على قضاء المالكية بعد شغوره عن حاكم بدمشق ثلاث سنين ونصف، فأقام شعار المنصب (٧) ودرس ونشر المذهب وكان له سؤدد ورئاسة. وفي ليلة الجمعة رابع شعبان توفي المللك (٨) الصالح علاء الدين (٩) بن الملك المنصور قلاوون بالسنطارية فوجد عليه (أبوه) وجدًا شديدًا، وقد كان عهد إليه بالأمر من بعده وخطب له معه (١٠) على المنابر من مدة سنين، فدفنه في تربته وجعل ولاية العهد (من) بعده إلى ابنه الأشرف خليل [وكتب بذلك

стр. 7147

إلى الآفاق [والمسالح على هذا والأستاذ الأمير سيف الدين سلار الذي ولي نيابة السلطنة في أيام الناصر بن محمد قلاوون، وكان من أمره ما سنذكره] (١) ولما جاءت البريدية في شوال بولاية الأشرف خليل] من بعد أبيه، وخُطب له (٢) على المنابر (من بعد ذكر أبيه) يوم الجمعة، ودُقَّت البشائر وزيِّن (٣) البلد سبعةَ أيام، ولبس الجيش الخلعَ وركبوا (٤)، وأظهر الناس سرورًا (٥) لشهامته، مع ما في قلوبهم على أبيه لأجل ظلم الشجاعي. وفي رمضان باشر حسبةَ دمشق شمس الدين بن السَّلْعُوس (٦) عوضًا عن شرف الدين بن الشيزري (٧). وفيه توجَّهَ الشيخُ بدر الدين بن جماعة (٨) إلى خطابة القدس بعد موت خطيبه قطب الدين، فباشر بعده تدريس القيمرية علاء (٩) الدين أحمد (١٠) بن القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز [أخو قاضي مصر، ثم بعد ثلاث سنين أخذ ابن جماعة قضاء الديار المصرية عوضًا عن ابن بنت الأعز إلى ما سيأتي بيانه]. وفي شهر رمضان كُبس نصرانيٌّ وعنده مسلمةٌ وهما يشربان الخمر في نهار رمضان، فأمر نائب السلطنة (حسام الدين لاجين) بتحريق النصراني فبذل في نفسه أموالًا جزيلة فلم يُقْبل منه، وأحرق بسوق الخيل، وعمل الشهاب محمود في ذلك أبياتًا في قصيدة مليحة، [وأما المرأة فجلدت الحد] (١١). وممن توفي فيها من الأعيان: الخطيب الإمام قطب الدين (١٢) أبو الذكاء (١٣) عبد المنعم بن يحيى بن إبراهيم بن علي بن جعفر بن

стр. 7148

عبد الله بن محمد بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، القرشي، الزهري. خطيب بيت المقدس أربعين (١) سنة، وكان من الصلحاء الكبار محبوبًا (٢) عند الناس، حسنَ الهيئة مهيبًا عزيزَ النفس، يُفتي الناس ويذكر التفسير من حفظه في المحراب بعد صلاة الصبح، وقد سمع الكثير وكان من الأخيار، ولد سنة ثلاث وستمئة، وتوفي ليلة الثلاثاء سابع رمضان عن أربع وثمانين سنة، ﵀. الشيخ الصالح العابد (٣) إبراهيم بن مِعْضَاد بن شَدّاد بن ماجد الجَعْبَري، تقي الدين أبو إسحاق. أصله من قلعة جَعْبَر، ثم أقام بالقاهرة، وكان (٤) يعظ الناس وكان الناس ينتفعون بكلامه كثيرًا. توفي بالقاهرة يوم السبت الرابع والعشرين من المحرم، ودفن في تربته (٥) بالحسينية، وله نظمٌ حسنٌ، وكان من الصلحاء المشهورين ﵀. وفي يوم الأربعاء ثالث ربيع الأول توفي (٦): الشيخ الصالح (٧) ياسين بن عبد الله المغربي (٨) الحَجَّام (٩)، شيخ الشيخ محيي الدين النووي (١٠)، وقد حجَّ عشرين حجةً، وكانت له أحوال وكرامات. الخونده غازية خاتون بنت الملك المنصور قلاوون، زوجة الملك السعيد (١١).

стр. 7149

الحكيم الرئيس (١) علاء الدين علي (٢) بن أبي الحَزْم بن نَفِيس، شرح "القانون" (٣) وصنف "الموجز" وغيره من الفوائد وكان يكتب من حفظه، وكان اشتغاله على ابن الدخوار (٤) وتوفي بمصر في ذي القعدة. الشيخ بدر (٥) الدين [أبو] عبد الله [محمد] (٦) بن الشيخ جمال الدين بن مالك النَّحْوي، شارح "الألفية" (٧) التي عملها أبوه (٨)، وهو من أحسن الشروح وأكثرها فوائد، وكان لطيفًا ظريفًا فاضلًا، توفي في يوم الأحد الثامن من المحرم، ودفن من الغد بباب الصغير. والله أعلم. ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وستمئة فيها: كان فتح مدينة طرابلس: وذلك أن السلطان قلاوون قدم بالجيوش المنصورة المصرية صحبته إلى دمشق، فدخلها في الثالث عشر من صفر، ثم سار بهم وبجيش دمشق وصحبته خلق كثير من المتطوعة، منهم القاضي نجم الدين الحنبلي، قاضي الحنابلة، وخلق من المقادسة وغيرهم، فنازل طرابلس (٩) يوم الجمعة مستهل ربيع الأول، وحاصرها بالمجانيق حصارًا شديدًا، وضيّقوا على أهلها تضييقا (١٠) عظيمًا، ونصب عليها تسعة عشر منجنيقًا، فلما كان يوم الثلاثاء رابع جمادى الآخرة فتِحَت طرابلس في الساعة الرابعة من النهار عنوةً، وشمل القتل والأسر جميع مَنْ فيها، وغرق كثير من أهل الميناء (١١) وسُبيت النساءُ والأطفالُ،

стр. 7150

وأُخذت الذخائرُ والحواصل، وقد كان لها في أيدي الفرنج من سنة ثلاث وخمسمئة إلى هذا التاريخ (١)، وقد كانت قبل ذلك في أيدي (٢) المسلمين من زمان معاوية، فقد (٣) فتحها سفيان بن مُجيب (٤) لمعاوية، فأسكنها معاويةُ اليهودَ، ثم كان عبد الملك بن مروان جدَّدَ عمارتها وحصَّنَها وأسكنها المسلمين، وصارت آمنةً (عامرةً مطمئنة)، وبها ثمارُ الشام ومصر، فإن بها الجوز والموز والثلج والقصب، والمياه جارية فيها تصعد إلى أماكن عاليه (٥)، وقد كانت قبل ذلك ثلاثَ (٦) مدنٍ متقاربة، ثم صارت بلدًا واحدًا، ثم حُوّلت من موضعها كما سيأتي الآن. ولما وصلت البشارة إلى دمشق دقت البشائر وزينت البلاد (٧) وفرح الناس فرحًا شديدًا ولله الحمد والمنة. ثم أمر السلطان الملك المنصور قلاوون أن تهدم البلد (٨) بما فيها من العمائر والدور والأسوار (الحصينة التي كانت عليها)، وأن يبني على ميل منها بلدةً غيرها أمكنَ منها وأحسنَ، ففعل ذلك، فهي هذه (البلدة) التي يُقال لها طرابلس الآن جعلها الله تعالى دار أمان وإيمان. ولما فرغ السلطان من فتح طرابلس، عاد (٩) إلى دمشق مؤيَّدًا منصورًا مسرورًا محبورًا، فدخلها يوم النصف من جمادى الآخرة، ولكنّه فوَّض الأمور والكلام في الأموال (فيها إلى) علم الدين الشّجاعي، فصادر جماعة وجمع أموالًا كثيرة، وحصَّل بسبب ذلك أذى الخلق (١٠)، وبئس (١١) هذا الصنيع (فإنَّ ذلك تعجيلٌ لدمار الظالم وهلاكه، فلم يُغْن عن المنصور ما جمع له الشجاعي من الأموال شيئًا، فإنه لم يعش بعد ذلك إلا اليسير حتى أخذه الله أخذ القرى وهي ظالمة، كما سيأتي). ثم سافر السلطان في ثاني شعبان بجيشه إلى الديار المصرية، فدخلها في أواخر شعبان. وفيها: فُتحت قلاعٌ كثيرةٌ بناحية حلب وكركر (١٢)، وتلك النواحي، وكسرت طائفة من التتر

стр. 7151

هناك، وقتل ملكهم خربندا نائب التتر (١) على مَلَطْية (٢). وفيها: تولَّى الحسبة بدمشق جمال الدين يوسف بن التقيّ توبة التكريتي (٣) ثم أخذها بعد شهور تاج الدين الشيرازي. وفيها: وُضع منبرٌ عند محراب الصحابة بسبب عمارةٍ كانت في المقصورة، فصلَّى برهان الدين الإسكندري (٤) نائب الخطيب بالناس هناك مدة شهر، الجماعات والجمعات، ابتدؤوا (٥) ذلك من يوم الجمعة الثاني والعشرين من ذي الحجة. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخة فاطمة بنت الشيخ إبراهيم الزِّعْبي (٦) زوجة النجم ابن إسرائيل. كانت من بيت الفقر، لها سلطنة وإقدام وترجمة وكلام في طريقة الحريرية وغيرهم (٧)، وحضر جنازتها خلق كثير، ودفنت عند (الشيخ) رسلان. العالم ابن الصاحب (٨) الشيخ (٩) الماجن، هو الشيخ الفاضل (١٠) عَلم الدّين أحمد بن يوسف بن عبد اللّه بن شُكْر، كان من بيت علم ورئاسة، وقد دَرَّسَ في بعض المدارس، وكانت له وجاهةٌ ورئاسة، ثم ترك ذلك كله وأقبل على الحرفشة وصحبة الحرافيش والتشبه بهم في اللباس والطريقة، وأكل الحشيش واستعمله، كان من (١١) الفهم في الخلاعة والمجون والزوائد (الرائقة) الفائقة التي لا يلحق في كثير

стр. 7152

منها، وقد كان له أولاد فضلاء ينهونه عن ذلك فلم يلتفت إليهم، ولم يزل ذلك دأبه حتى توفي ليلة الجمعة الحادي والعشرين من ربيع الأول. ولما وُلّي القضاة (١) الأربعة كان ابن خالته تاج الدين ابن بنت الأعز مستقلًا في القضاء قبل ذلك، فقال له ابن الصاحب المذكور: ما متُّ حتى رأيتك صاحب ربع، فقال له: تسكت وإلا خليتهم يسقونك السم (٢)، فقال له: في قلة دينك تفعل، وفي قلة عقولهم يسمعوا (منك)، وقال يمدح الحشيشة الخسيسة (٣): [من الخفيف] في خمارِ الحشيشِ معنى مرامي … يا أُهيلَ (٤) العقولِ والأفهامِ حرموها عن غير عقلٍ ونقلٍ … وحرامٌ تحريمُ غيرِ الحرامِ وله أيضًا (٥): [مخلع البسيط] يا نفسُ ميلي إلى التَّصابي … فاللهوُ منه الفَتَى يَعيشُ ولا تَملّي من سُكْرِ يَوْمٍ … إنْ أَعْوزَ الخَمْرُ فالحشيشُ وله أيضًا: [من المنسرح] جمعتُ بينَ الحشيشِ والخمرِ … فرحتُ لا أَهْتدي من السُّكْرِ يا مَنْ يُريني لباب مدرستي … يربحُ واللهِ غايةَ الأجرِ وقال يهجو الصاحب بهاء الدين (٦) بن الحِنّا (٧): [من المجتث] اقْعُدْ بها وَتَهنَّا (٨) … لا بُدَّ أن تَتَعَنَّى تكتبْ عليَّ بن بحرٍ (٩) … من أينَ لكْ يابنَ حِنَّا فاستدعاه فضربه ثم أمر به إلى المارستان فمكث فيه سنة ثم أُطْلِق. شمس الدين الأصبهاني (١٠) شارح "المحصول": محمد بن محمود بن محمد بن عباد السلماني العلَّامة.

стр. 7153

قدم دمشق (١) بعد الخمسين وستمئة، وناظر الفقهاء واشتهرت فضائله، وسمع الحديث وشرح "المحصول" للرازي، وصنَّف "القواعد" في أربعة فنون: أصول الفقه، وأصول الدين، والمنطق، والخلاف. وله معرفة جيدة في المنطق والنحو والأدب، وقد رحل إلى مصر فدرس بمشهد الحسين والشافعي وغيرهما، ورحل إليه الطلبة، توفي في العشرين من رجب في القاهرة عن ثنتين وسبعين سنة. الشمس محمد بن العفيف (٢) سليمان بن علي بن عبد الله بن علي التِّلْمِساني، الشاعر المطبق. كانت وفاته في حياة أبيه فتألم له ووجد عليه وجدًا شديدًا، ورثاه بأشعار كثيرة، توفي يوم الأربعاء الرابع عشر من رجب، وصُلّي عليه بالجامع، ودفن بالصوفية. فمن رائق شعره قوله (٣): [من الطويل] وإنَّ ثَناياهُ نُجومٌ لبَدْرِهِ … وَهُنَّ لعقدِ الحُسْنِ فيهِ فَرائدُ وكم يَتَجَافى خَصْرهُ وهو ناحِلٌ … وكمْ يَتَعَلَّى ثَغْرُه وهو باردُ وله يذم الحشيشة: [من البسيط] ما للحَشيشةِ فضلٌ عندَ آكلها … لكنهُ غيرُ مَصْروفٍ إلى رشدهْ صَفْراءُ فِي وجهه خَضْراءُ في فمهِ … حَمْراء في عينهِ سوداءُ في كبده (٤) ومن شعره أيضًا (٥): [من الطويل] بدا وجههُ من فوقِ ذابلِ خَدّهِ … وقد لاحَ من سود الذوائب في جنحِ فقلتُ عجيبٌ كيفَ لم يذهبِ الدُّجا … وَقَدْ طلعتْ شمسُ النهارِ على رُمْحِ وله من جملة أبيات [من مجزوء الكامل] ما أَنْتَ عندي والقَضيـ … ــــيبُ اللَّدنُ في حدٍّ سوى

стр. 7154

هذاكَ حرَّكهُ الهوا … ءُ وأنتَ حرّكتَ (١) الهوى الملك المنصور شهاب الدين (٢) محمود بن الملك الصالح إسماعيل بن العادل. توفي يوم الثلاثاء ثامن عشر شعبان، وصُلّي عليه بالجامع، ودُفن من يومه بتربة جدّه، وكان ناظرها، وقد سمع الحديث الكثير، وكان يحب أهله، وكان فيه لطف وتواضع. الشيخ فخر الدين (٣) أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف بن محمد (٤) البعلبكي الحنبلي. شيخ دار الحديث النورية ومشهد ابن عروة، وشيخ الصدرية، كان يفتي ويفيد الناس مع ديانة وصلاح وزهادة وعبادة، ولد سنة إحدى عشرة وستمئة، وتوفي في رجب منها (٥). ثم دخلت سنة تسع وثمانين وستمئة فيها: كانت وفاة الملك المنصور قلاوون، وكان الخليفة الحاكم العباسي (٦)، ونائب مصر حسام الدين طُرُنْطاي (٧)، ونائب الشام حسام الدين لاجين، وقضاة الشام شهاب الدين بن الخُوَيّي (٨) الشافعي، وحسام الدين الحنفي (٩)، ونجم الدين بن شيخ الجبل (١٠)، وجمال الدين الزواوي (١١) المالكي.

стр. 7155

(وجاء) البريد بطلب (١) شمس الدين سنقر الأشقر (٢) إلى الديار المصرية، فأكرمه السلطان وقواه وشَدَّ يَدَهُ وأمره باستخلاص الأموال، وزاده شد (٣) الجيوش، والكلام على الحصون إلى البيرة وكختا (٤) وغير ذلك، فقويت نفسه وزاد تجبُّره ولكن كان يرجع إلى مروءة وستر وينفع (٥) مَنْ ينتمي إليه، (وذلك مودة في الدنيا في أيام قلائل). وفي جمادى الآخرة جاء البريد بالكشف على ناصر الدين المقدسي (٦) وكيل بيت المال، وناظر الخاص (٧)، فظهرت عليه مخازٍ من أكلِ الأوقاف وغيرها، فرُسِمَ عليه بالعَذْراوية وطُولبَ بتلك الأموال وضُيِّق عليه، وعمل فيه سيف الدين أبو العباس السامرِّي (٨) قصيدة (٩) يَتَشفَّى فيها لما كان أسدى إليه من الظلم والإيذاء مع (١٠) أنه راح إليه وتغمم له وتمازحا هنالك، ثم جاء البريد بطلبه إلى الديار المصرية فخاف النواب (١١) من ذهابه [إليها وفضوله وشره] (١٢)، فأصبح يوم الجمعة [ثالث شعبان] وهو مشنوق بالمدرسة العَذْراوية، فطُلبت القضاةُ والشهود فشاهدوه كذلك، ثم جُهِّز (١٣) وصُلِّي عليه بعد الجمعة ودُفن (١٤) بمقابر الصوفية عند أبيه، وكان مدرسًا بالرواحية وتربة أم الصالح، مع الوكالتين والنظر. وجاء البريد بعمل مجانيق لحصارِ عَكّا فركب الأعسرُ إلى أراضي بعلبك لما هنالك من الأخشاب العظيمة التي لا يوجد مثلُها بدمشق، وهي تصلحُ لذلك، فكثرت الجناياتُ والجباياتُ والسخر، وكلفوا

стр. 7156

الناس تكليفًا كشرًا، وأخذوا أخشاب الناس، وحُملت إلى دمشق (١) بكلفة عظيمة وشدة كثيرة، فإنّا لله وإنا إليه راجعون. وفاة الملك المنصور قلاوون بينما الناس في هذا الهم والمصادرات وأمثال ذلك إذ وردت بريديّة فأُخبروا بوفاة الملك المنصور يوم السبت سادس ذي القعدة من هذه السنة، بالمخيم (٢) ظاهر القاهرة، ثم حمل إلى قلعة الجبل ليلًا وجلس بعده ولده الملك الأشرف خليل بولاية العهد له، وحلف له جميع الأمراء، وخُطب له على المنابر، وركب في أُبَّهة المُلْك، والعساكر (٣) كلُّهم في خدمته مشاة من قلعة الجبل إلى الميدان الأسود الذي هو سوق الخيل، وعلى الأمراء والمقدمين (٤) الخلع، وعلى القضاة والأعيان، ولما جاءت الأخبار بذلك حلفَ له الأمراء بالشام، وقبض (٥) على حسام الدين طُرُنْطاي نائب أبيه وأخذ منه أموالًا جزيلة أنفق منها على العساكر (٦). وفيها: ولي خطابة دمشق زين الدين عمر بن مكي بن المُرَحّل (٧) عوضًا عن جمال الدين بن عبد الكافي (٨) وكان ذلك بمساعدة الأعسر. (وتولى نظر الجامع الرئيس وجيه الدين بن المنجى الحنبلي، عوضًا عن ناصر الدين بن المقدسي، وثمر وقفه وعمره وزاد مئة وخمسين ألفًا). وفيها احترقت دار صاحب حماة، وذلك أنه وقع فيها نار في غيبته فلم يتجاسر أحد يدخلها، فعملت النار فيها يومين (فاحترقت) واحترق كل ما فيها. وفي شوال دَرَّسَ بتربة (٩) أم الصالح بعد ابن المقدسيّ القاضي إمام الدين القونوي.

стр. 7157

وفيها: باشر الشرف حسن (١) بن الشيخ أبي عمر قضاء الحنابلة عوضًا عن ابن عمه نجم الدين بن شيخ الجبل، عن مرسوم الملك المنصور قبل وفاته (٢). وحجَّ بالناس في هذه السنة من الشام الأمير بدر الدين بَكْتُوت الدوباسي (٣)، وحجّ قاضي القضاة شهاب الدين بن الخُوَيّي (٤)، وشمس الدين بن السَّلْعُوس (٥) ومُقَدَّم الرَّكْبِ الأمير عتبة، فتوهم منه أبو نُمَي، وكان بينهما عداوة، فأغلق أبوابَ مكةَ ومنع الناس من دخولها فأَحرق البابَ وقتلَ جماعةً ونهب بعض الأماكن، وجرت خطوبٌ فظيعةٌ، ثم أرسلوا القاضي ابن الخُوَيَّي ليصلح بين الفريقين، ولما استقر عند أبي نُمي رحل الركوب وبقي هو في الحرم وحده وأرسل معه أبو نُمي من ألحقه بهم سالمًا مُعَظَّمًا. وجاء الخبر بموت المنصور إلى الناس وهم بعرفات وهذا شيء عجيب. وجاء كتاب يستحثّ الوزير ابن السَّلْعُوس في المسير إلى الديار المصرية، وبين الأسطر بخط الملك الأشرف: يا شقير يا وجه الخير احضر لتستلم الوزارة. فساق إلى القاهرة فوصلها يوم الثلاثاء عاشر المحرم، فتسلَّم الوزارة كما قال السلطان. وممن توفي فيها من الأعيان: السلطان الملك المنصور قلاوون (٦) بن عبد الله التركي الصالحي الألفي. اشتراه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن (الملك) الكامل محمد بن العادل (أبي بكر بن أيوب)، بألف (٧) دينار، وكان من أكابر الأمراء عنده وبعده، ولما تزوَّج (الملك) السعيد بن الظاهر بابنته غازية خاتون، عظم شأنه جدًّا (عند الظاهر)، وما زال يترفَّع في الدولة حتى صار أتابك سُلامق (بن الظاهر)، ثم رفعه من البين واستقلّ بالملك في [سنة ثمان وسبعين وكسر التتار على حمص سنة ثمانين فأحبّه الناس، وفتح المرقب] سنة أربعٍ وثمانين، وفتح طرابلس سنة ثمانٍ وثمانين، وعزم على فتح عكا وبرز إليها فعاجلته المنية في السادس والعشرين من ذي القعدة، ودُفن بتربته بمدرسته الهائلة التي أنشأها بين القصرين، التي ليس بديار مصر ولا بالشام مثلها، وفيها دار حديث ومارستان، وعليها أوقاف (دارَّة

стр. 7158

كثيرة) عظيمة، مات عن قريب (١) من ستين سنة (٢) وكانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة، وكان حسن الصورة مهيبًا، عليه أُبَّهة السلطنة ومهابة الملك، تام القامة حسن اللحية عالي الهمة شجاعًا وقورًا سامحه الله. الأمير حسام الدين طُرُنْطاي (٣) نائب السلطنة المنصور (ية بمصر) أخذه الأشرف فسجنه في قلعة الجبل، ثم قتله وبقي ثمانية أيام لا يُدْرَى به، ثم لُفَّ في حصير وألقي على مزبلة، وحَزن عليه بعضُ الناس، فكُفِّن كآحادِ الفقراء بعد النعيم الكثير، والدنيا المتسعة، والكلمة النافذة، وقد أخذ (٤) السلطان من حواصله ستمئة ألف دينار وسبعين قنطارًا بالمصري فضة، ومن الجواهر شيئًا كثيرًا، سوى الخيل والبغال والجمال والأمتعة والبسط الجياد، والأسلحة المثمنة، وغير ذلك من الحواصل (٥) والأملاك بمصر والشام، وترك (٦) ولدين أحدهما أعمى، وقد دخل هذا الأَعمى على الأشرف فوضع المنديل على وجهه (٧) وقال: شيء لله، وذكر له أن لهم أيامأ لا يجدون شيئًا يأكلونا (٨)، فرقّ له وأطلق لهم الأملاك يأكلون من ريعها، فسبحان الله المتصرف (٩) في خلقه بما يشاء، (يعز من يشاء ويذل من يشاء). الشيخ الإمام العلامة (١٠) رشيد الدين عمر بن إسماعيل بن مسعود الفارقي الشافعي، مدرس الظاهرية.

стр. 7159

(توفي بها) وقد جاوز التسعين، وُجد مخنوقًا في المحرم، ودُفن بالصوفية، وقد سمع الحديثَ وكان منفردًا (١) في فنون من العلوم كثيرة، منها علم النحو، والأدب، وحل المترجم، والكتابة، والإنشاء، وعلم الفلك، والنجوم، وضرب الرمل، والحساب، وغير ذلك، وله نظم حسن (٢). الخطيب جمال الدين أبو محمد (٣) عبد الكافي بن عبد الملك بن عبد الكافي الربعي. توفي بدار الخطابة وحضر الناس الصلاة عليه يوم السبت سلخ جمادى الأولى، وحمل إلى السفح فدفن إلى جانب الشيخ يوسف الفُقَّاعي (٤). فخر الدين أبو الطاهر (٥) إسماعيل (٦) ابن عزَّ القضاة أبي الحسن علي (بن محمد) بن عبد الواحد بن أبي اليمن (٧)، الشيخ الزاهد المُتَقَلِّل من متاع الدنيا. توفي في العشرين من رمضان، وصلي (٨) عليه في الجامع، ودفن بتربة بني الزكي بقاسيون محبة في محيي الدين بن عربي، فإنه كان يكتب من كلامه كلَّ يوم ورقتين، ومن الحديث ورقتين وكان مع هذا يحسن الظن به، وكان يصلّي مع الأئمة (كلهم) بالجامع، وقد أخبر عنه بعض العلماء أنه رأى بخطه: [متقارب] وفي كُلّ شيء له آيةٌ … تَدلُّ على أنَّه عينُه وقد صحح على "عينه" وإنما الصحيح المروي عمَّن أنشد هذا الشعر (٩). تدلَّ على أنّه واحد (١٠) وله شعر فمنه: [من المنسرح]

стр. 7160

والنهرُ مُذْ جنَّ في الغُصونِ هَويً … فَراحَ (١) في قَلْبِهِ يُمَثلُها فَغارَ منهُ النَّسيمُ عاشِقُها … فَجاءَ عَنْ وَصْلِهِ يُمَيِّلُها وله أيضًا: [من البسيط] لَمَّا تحقَّقَ بالإمكانِ فَوْقَكم (٢) … وَقَدْ بدا حُكْمُهُ في عالمِ الصُّوَرِ فَمَيَّزَ الجَمْعَ عنهُ وهوَ مُتَّحدٌ (٣) … فَلاحَ فَرْقُكُمُ في عالم الصُّوَرِ وله: [مخلع البسيط] لي سادَةٌ لا أَرَى سواهمْ … هُمْ عينُ مَعْنَاي حين (٤) جَوْفي لقد أحاطوا بكلّ جزءً … مني وعزوا عن دَرْكِ طَرْفي هُمْ نَظَرُوا في عُمومِ فَقْري … وطولِ ذُلّي وفَرْطِ ضَعْفي فعاملوني ببحتِ جُودِ … وصَرْفِ برٍّ ومَحْضِ لُطْفِ فلا تَلُمْ إن جَرَرْتُ ذَيْلي … فَخْرًا بِهمْ أو ثَنيْتُ عِطْفي وله أيضًا ولا بأس به (٥): [من الوافر] مواهبُ ذي الجلالِ لديَّ تَتْرَي (٦) … فَقَدْ أَخْرَسْتَني وَنَطَقْنَ شُكْرًا فنُعْمَى إِثْرَ نُعْمَى إِثْرَ نُعْمَى … وبُشْرى بَعْدَ بُشْرَى بَعْدَ بُشْرَ (٧) لها بَدْءٌ وليسَ لها انْتِهَاءٌ … يَعتمُ مزيدها دُنْيا وأُخْرى الحاج طَيْبَرْس بن عبد الله (٨) علاء الدين الوزير، صِهر الملكِ الظاهر. كان من أكابر الأمراء (٩) ذوي الحل والعقد، وكان دينًا كثيرَ الصدقات، له خانٌ بدمشق أوقفه (١٠)،

стр. 7161

وله في فكاك الأسرى وغير ذلك، وأوصى عند موته بثلاثمئة ألف تصرف على (١) الجند بالشام ومصر، فحصل لكل جندي خمسون درهمًا، وكانت وفاته في ذي الحجة، ودفن بتربته بسفح المقطم. ﵀. قاضي القضاة نجم الدين أبو العباس أحمد (٢) بن الشيخ شمس الدين عبد الوحمن بن أبي عمر المقدسي. توفي ثاني عشر رجب (٣) وحضر (٤) جنازته خلق كثير (٥) ونائب السلطنة ودفن بقاسيون وله من العمر أربعون سنة (٦) سواء، وكان فاضلًا بارعًا خطيبًا مدرسًا بأكثر المدارس، (وهو) شيخ الحنابلة وابن شيخهم، وتولى بعده القضاء الشيخ شرف الدين حَسَن (٧) بن عبد الله بن أبي عمر، والله أعلم. ثم دخلت سنة تسعين وستمئة (من الهجرة) (٨) فيها: فتحت عكا وبقية السواحل التي كانت بأيدي الفرنج (من مدد متطاولة)، ولم يبق لهم فيها (٩) حجر واحد ولله الحمد والمنة. استهلت هذه السنة والخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس العباسي (١٠)، وسلطان البلاد الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون (١١)، ونائبه بمصر وأعمالها بدر الدين بيدرا، ووزيره ابن السلعوس الصاحب شمس الدين (١٢)، ونائبه بالشام حسام الدين لاجين السلحدار (١٣) المنصوري، وقضاة الشام هم المذكورون (في التي) قبلها.

стр. 7162

وصاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول. وصاحب مكة نجم الدين أبو نُميّ محمد بن إدريس بن علي بن قتادة الحَسَني (١). وصاحب المدينة عزَّ الدين جَمَّاز بن شيحة الحسيني. وصاحب الروم غياث الدين كِيْخِسر (٢) [وهو ابن ركن الدين قَلج أرسلان السلجوقي] (٣). وصاحب حماة (٤) تقي الدين محمود (٥) بن الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين محمد (٦) وخراسان وتلك النواحي أرغون بن أبغا بن هولاكو (٧) بن تولي بن جنكزخان. وكان أول هذه السنة يوم الخميس وفيه تصدق عن الملك المنصور بأموال كثيرة جدًّا من الذهب والفضة، وأنزل السلطان إلى تربته في ليلة الجمعة فدفن بها تحت القبة، ونزل في قبره بدر الدين بيدرا، وعلم الدين الشجاعي، وفرقت صدقات كثيرة حينئذ، ولما قدم الصاحب شمس الدين بن السَّلعوس من الحجاز خلع عليه للوزارة، وكَتبَ تقليده بها القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر (٨) كاتب الإنشاء بيده، وركب الوزير في أُبهة الوزارة إلى داره، وحكم. ولما كان يوم الجمعة قُبض على شمس الدين سُنْقُر الأَشْقَر وسيف الدين بن جرمك الناصري، وأُفرج عن الأمير زين الدين كَتْبُغا وكان قد قبض عليه (٩) مع طُرُنْطاي (١٠)، ورد عليه إقطاعه، وأُعيد التقي توبة إلى وزارة دمشق مرة أخرى. وفيها أثبت ابن الخُوَيي محضرًا يتضمَّن أن يكون تدريس الناصرية للقاضي الشافعي وانتزعها من زين الدين (١١) الفارقي.

стр. 7163

[ذكر] فتح عكا وبقية السواحل وفيها: جاء البريد (١) إلى دمشق في مُستهلّ ربيع الأول لتجهيز آلات الحصار لعكا (٢)، ونودي في دمشق: الغزاة في سبيل الله إلى عكا، وقد كان أهل عكا (٣) في هذا الحين عدوًا على من عندهم من تجار المسلمين، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأبرزتَ (٤) المجانيق (٥) إلى ناحية الجسورة، وخرجت العامة المطوعة (٦) يجرون في العجل حتى الفقهاء والمدرسية والصلحاء، وتولى سياقتها (٧) الأمير علم الدين الدَّوَيْداري (٨)، وخرجت العساكر بين يدي نائب الشام، وخرج هو في آخرهم، ولحقه صاحب حماة الملك المظفر (٩) وخرج الناس من كلّ صوب، واتّصل بهم عسكر طرابلس، وركب الأشرف من الديار المصرية بعساكره قاصدًا عكا، (فتوافت) الجيوش هنالك، فنازلها (١٠) يوم الخميس رابع ربيع الآخر ونصبت عليها المجانيق من كلّ ناحية يُمكن نصبها عليها، واجتهدوا غاية الاجتهاد في محاصرتها (١١) والتضييق على أهلها، واجتمع الناس بالجوامع (١٢)، لقراءة "صحيح البخاري"، فقرأه الشيخ شرف الدين الفزاري (١٣)، فحضر (١٤) القضاة والفضلاء والأعيان. وفي أثناء محاصرة عكا وقع تخبيط من نائب الشام (١٥) حسام الدين لاجين، فتوهَّم أن السلطانَ يُريد مسكَه، وكان قد أخبره بذلك الأمير الذي يقال له

стр. 7164

أبو خُرْص (١)، فركب هاربًا فردَّه علم الدين الدويداري بالمسألة (٢) وجاء به إلى السلطان فطيَّبَ قلبَه وخلعَ عليه ثم أمسكه بعد ثلاثة (أيام) وبعثه إلى قلعة صفد واحتاط على حواصله، ورسم على أستاذ داره (٣) بدر الدين بكداش (٤)، وجرى ما لا يليق وقوعه هنالك، إذ الوقت وقت عسر وضيق وحصار. وصمم (٥) السلطان على الحصار فرتَّب الكوسات ثلاثمئة حمل، ثم زحف يوم الجمعة سابع عشر جمادي (٦) الأولى ودُقَّت الكوسات جملة واحدة عند طلوع الشمس، وطلع المسلمون على الأسوار مع طلوع الشمس، ونُصبت السناجق (٧) الإسلامية فوق أسوار البلد (٨)، فولَّت الفرنج عند ذلك الأدبار، وركبوا هاربيبن في مراكب التجار، وقُتل منهم عددٌ لا يعلمه إلا الله تعالى، وغنموا من الأمتعة والرقيق والبضائع شيئًا كثيرًا جدًّا، وأمر السلطان بهدمها وتخريبها، بحيث لا ينتفع بها بعد ذلك، فيسر الله فتحها نهار جمعة، كما أخذتها الفرنج من المسلمين في يوم الجمعة، وسلَّمت صور وصيدا قيادتهما إلى الأشرف (٩)، فاستوسق (١٠) الساحل للمسلمين، وتنظف من الكافرين، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. وجاءت البطاقة إلى دمشق بذلك ففرح المسلمون، ودَقَّتِ البشائر في سائر الحصون (١١)، وزُيّنت البلاد ليتنزه فيها الناظرون والمتفرجون، وأرسل السلطان إلى صور (١٢) أميرًا فهدم أسوارها وعَفَّى آثارها. وقد كان لها في أيدي الفرنج من سنة ثماني عشرة وخمسمئة. وأما عكا فقد كان الملك الناصر يوسف بن أيوب أخذها من أيدي الفرنج، ثم إن الفرنج جاؤوا

стр. 7165

فأحاطوا بها بجيوش كثيرة، ثم جاء صلاح الدين (١) ليمانعهم (٢) عنها مدة سبعة وثلاثين شهرًا، ثم آخر ذلك استملكوها وقتلوا مَنْ كان فيها من المسلمين، كما تقدَّم ذلك (٣). ثم إن السلطان الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون سار من عكا قاصدًا دمشق في أُبَّهة الملك وحرمة وافرة، وفي صحبته وزيره ابن السَّلْعُوس (٤) والجيوش المنصورة، وفي هذا اليوم استناب بالشام الأمير علم الدين سَنْجَر الشّجاعي، وسكن بدار السعادة، وزيد في إقطاعه حرستا ولم تقطع لغيره، وإنما كانت لمصالح حواصل القلعة، وجعل له في كل يوم ثلاثمئة على دار الطعام (٥)، وفَوَّضَ إليه أن يُطْلق من الخزانة ما يريد من غير مشاورة ولا مراجعة، وأرسله السلطان إلى صيدا لأنه كان قد بقي بها برج عصى (٦) ففتحه ودَقَّتِ البشائر بسببه، ثم عاد سريعًا إلى السلطان فودَّعَه، وسار السلطان نحو الديار المصرية في أواخر رجب (٧)، وبعثه إلى بيروت ليفتحها فسار إليها ففتحها في أقرب وقت (٨)، [في ثلاثة أيام ودقت البشارة أيضًا، وسلمت عَثْلِيث (٩) وأَنْطَرْطوس وجُبَيْل. ولم يبق بالسواحل ولله الحمد معقلٌ للفرنج إلا بأيدي المسلمين، وأراح الله منهم البلاد والعباد، ودخل السلطان إلى القاهرة (١٠) في تاسع شعبان في أُبَّهة عظيمة جدًّا، وكان يومًا مشهودًا. وأفرج عن بدر الدين بَيْسَري بعد سجن سبع سنين [وردّ عليه إقطاعه]. ورجع علم الدين سنجر الشجاعي نائب دمشق إلى دمشق في سابع عشري الشهر (١١) المذكور، وقد نَظَّفَ السواحلَ من الفرنج بالكلية، ولم يبق لهم بها حجرٌ. وفي رابع رمضان أفرج عن حسام الدين

стр. 7166

لاجين من قلعة صفد ومعه جماعة أمراء، ورد (عليهم) إقطاعاتهم (١)، وأحسن إليهم وأكرمهم. وفي أوائل رمضان طلب القاضي بدر الدين ابن جماعة من القدس الشريف وهو حاكم به، وخطيب فيه، على البريد إلى الديار المصرية فدخلها في رابع (٢) عشره، وأفطر ليلتئذ (٣) عند الوزير السَّلْعوس وأكرمه جدًّا واحترمه، وكانت ليلة الجمعة، فصرح الوزير بعزل تقي الدين ابن بنت الأعز وتولية ابن جماعة (٤) بالديار المصرية قضاء القضاة، وجاء القضاة إلى تهنئته وأصبح الشهود بخدمته (٥)، ومع القضاء خطابة الجامع الأزهر، وتدريس الصالحية، وركب في الخلعة والطرحة ورسم لبقية القضاة أن يستمروا بلبس الطرحات، وذهب فخطب بالجامع الأزهر، وانتقل إلى [المدرسة] الصالحية ودَرَّسَ بها في الجمعة الأخرى وكان درسًا حافلًا (٦)، ولما كان يوم الجمعة رسم (٧) السلطان للحاكم بأمر الله أن يخطب هو بنفسه الناس يومئذ وأن يذكر في خطبته أنه قد ولي السلطنة للأشرف خليل بن المنصور، فلبس خلعة سوداء وخطب الناس بالخطبة (٨) التي كان خطب بها في الدولة الظاهرية، وكانت من إنشاء الشيخ شرف الدين المقدسي في سنة ستين وستمئة، فيكون بين الخطبتين أزيدُ من ثلاثين سنة، وذلك بجامع قلعة الجبل، ثم استمر ابن جماعة يخطب بالقلعة عند السلطان، وكان يستنيب في الجامع الأزهر (٩). وأما ابن بنت الأعزّ فناله من الوزير إخراق (١٠) ومصادرة وإهانة بالغة، ولم يترك له من مناصبه شيئًا، وكان بيده سبعة عشر منصبًا، منها القضاء والخطابة ونظر الأحباس ومشيخة الشيوخ، ونظر الخزانة وتداريس كبار، وصادره بنحو من أربعين ألف، غير مراكبه وأشياء كثيرة، ولم يظهر منه استكانة له ولا خضوع، ثم عاد فرضي عنه وولاه تدريس الشافعي، وعملت ختمة عند قبر المنصور في ليلة الإثنين رابع ذي القعدة وحضرها القضاة والأمراء (١١)، ونزل السلطان ومعه الخليفة إليهم وقت السحر، وخطب الخليفة بعد الختمة خطبة بليغةً، حرَّض الناسَ على غزو بلاد العراق واستنقاذها من أيدي

стр. 7167

التتر (١)، وقد كان الخليفة قبل ذلك محتجبًا فرآه الناس جهرةً وركب في الأسواق بعد ذلك. وعمل أهل دمشق ختمةً عظيمةً بالميدان الأخضر إلى جانب القصر الأبلق (٢)، فقُرئت ختماتٌ كثيرةٌ ثم خطب الناس بعدها الشيخ عز الدين الفاروثي (٣)، ثم ابن البزوري، ثم تكلَّم مَنْ له عادة بالكلام، وجاءت البريدية بالتهيؤ لغزو العراق، ونودي في الناس بذلك، وعُملت سلاسلُ عظامٌ بسبب الجسورة على دجلة بغداد، وحصلت الأجور على المقصود إن لم يقع المقصود، وحصل لبعض الناس أذى بسبب ذلك (٤). وفيها: نادى نائب الشام الشُّجاعي أن لا تلبس امرأة عمامةً كبيرةً، وخرَّبَ الأبنية التي على نهر بانياس والجداول كلها والمسالح (٥) والسقايات التي على الأنهار كلها، وأخرب جسر الزلابية وما عليه من الدكاكين، ونادى أن لا يمشي أحدٌ بعد العشاء الآخرة، ثم أطلق لهم هذه فقط، وأخرب الحمام الذي كان بناه الملكُ السعيدُ ظاهرَ باب النصر، ولم يكن بدمشق أحسن منه، ووسَّع الميدان الأخضر من ناحية الشمال مقدار سدسه، ولم يترك بينه وبين النهر إلا مقدارًا يسيرًا، وعمل هو بنفسه والأمراء بحيطانه (٦). وفيها: حبس [الأمير] جمال الدين آقوش الأفرم المنصوري وأميرًا آخر معه في القلعة. وفيها: حُمل الأمير علم الدين الدويداري إلى الديار المصرية مُقَيَّدًا. وقد نظم الشيخ شهاب الدين محمود (٧) قصيدةً في فتح عكَّا (٨): [من البسيط] الحمدُ للّهِ زالت (٩) دولةُ الصُّلُبِ … وعَزَّ بالتُّركِ دِينُ المُصْطَفى العَرَبي هذا الذي كانت الآمال (١٠) لو طَلَبَتْ … رُؤْياهُ في النَّومِ لاسْتَحْيَتْ من الطَّلَبِ ما بعدَ عكا وقد هُدَّتْ قواعِدُها … في البَحْرِ للشِّرْك (١١) عند البَرِّ من أَربِ

стр. 7168

لم يبقَ من بعدها للكفرِ إد (١) خَرِبَتْ … في البحرِ (٢) والبرِّ ما يُنْجي سوى الهربِ أمّ الحروب (٣) فكم قد أنشأتْ فتنًا … شابَ الوليدُ بها هولًا ولم تَشبِ يا يَوْمَ (٤) عكّا لَقَدْ أَنَسَيْتَ ما سَبَقَتْ … به الفُتوحُ وما قد خُط في الكُتُبِ لم يبلغِ النُّطقُ حدَّ الشكرِ فيكَ فما … عَسَى يقومُ به ذُو الشعرِ والأَدَبِ (٥) أَغْضَبْتَ عُبَّادَ عيسى إذ أبدتهمُ … للهِ أيَّ رضىً في ذلك الغضبِ وأشرفَ المصطفى الهادي (٦) البشيرُ على … ما أسلفَ الأشرفُ السلطانُ من قُرُبِ فقرَّ عَيْنًا لهذا الفتحِ وابتَهَجَتْ … ببشره (٧) الكَعْبةُ الغَرّاءُ في الحجبِ وسارَ في الأرضِ سيرًا قد سمعتُ بهِ (٨) … فالبَرّ في طربٍ، والبحرُ في حَرَبِ وهي طويلة جدًّا، وله ولغيره في فتح عكا (٩) أشعارٌ كثيرةٌ. ولمّا رجعَ البريدُ أخبرَ بأنَّ السلطان (١٠) لما عاد إلى مصر خلع على وزيره ابن السلعوس جميع ملابسه التي كانت عليه، ومركوبه الذي كان تحته، فركبة (١١) ورسم له بثمانيةٍ وسبعين ألفًا من خزانة دمشق، ليشتري له بها قرية قرحتا (١٢) من بيت المال. وفي هذه السنة انتهت عمارة قلعة حلب بعد الخراب (١٣) الذي أصابها من هولاكو وأصحابه عام ثمانٍ وخمسين.

стр. 7169

وفيها: في شواك (١) شرع في عمارة (٢) قلعة دمشق وبناء الدّور (٣) السلطانية والطارمة (٤). والقبة الزرقاء، حسب ما رسم به السلطان الأشرف خليل بن قلاوون لنائبه علم الدين سَنْجَر الشُّجاعي. وفيها: في رمضان أُعيد إلى نيابة القلعة الأميرُ أرجواش وأعطي إقطاعات سنية (٥). وفيها: أُرسل الشيخُ الرجيحي (٦) من ذرية الشيخ يونس مُضَيَّقًا عليه محصورًا إلى القاهرة (٧). وفيها دَرّس عزَّ الدين الفاروثي (٨) [بدار الحديث الظاهرية عوضًا عن فخر الدين بن الكَرَجي (٩) وكان الفاروثي قد قدم مع الحاج من مكة إلى الشايِم هذه السنة. وفي رجب منها درس الفاروثي أيضًا] (١٠) بالمدرسة النجيبية عوضًا عن كمال الدين بن خَلِّكان (١١). وفي ذلك اليوم دَرَّسَ نجم الدين [بن] مكي (١٢) بالرواحية عوضًا عن ناصر الدين بن المقدسي (١٣) وفيه دَرَّس كمال الدين (١٤) (الطبيب) بالمدرسة الدخوارية الطبية. وفي هذا الشهر دَرَّس الشيخ جلال الدين الخبازي (١٥) بالخاتونية البرانية.

стр. 7170

وجمال الدين بن الباجُربقي (١) بالفتحية (٢). وبرهان الدين الإسكندري (٣) بالقوصية التي بالجامع. والشيخ نجم الدين الدمشقي بالشريفية (٤) عند حارة الغرباء. وفيها: أعيدت الناصرية إلى الفارقي (٥). وفيه درس بالأمينية القاضي نجم الدين بن صَصْرَي (٦) بعد ابن الزَّمَلْكاني (٧)، وأخذت منه العادلية الصغير (٨) لكمال الدين بن الزملكاني. وممن توفي فيها من الأعيان: أرغون (٩) بن أبغا ملك التتار (١٠) كان شهمًا شجاعًا سفاكًا للدماء، قتل عمه السلطان أحمد بن هولاكو، فعظم في أعين المغول (١١) فلما كان في هذه السنة مات من شراب شربه فيه سم، فاتهصت المغول اليهود به - وكان وزيره سعد الدولة بن الصفي يهوديًا - فقتلوا من اليهود خلقًا كثيرًا، ونهبوا منهم أموالًا عظيمة جدًّا في جميع مدائن العراق، ثم اختلفوا فيمن يقيمونه بعده، فمالت طائفة إلى كيختو فأجلسوه على سرير المملكة، فبقي مدة، قيل سنة وقيل أقل من ذلك، ثم قتلوه وملَّكوا بعده بَيْدَرا (١٢). وجاء الخبر بوفاة أرغون إلى الملك الأشرف وهو محاصِرٌ عَكا ففرح بذلك كثيرًا، وكانت مدة ملك أرغون ثماني سنين، وقد وصفه بعضُ مؤرّخي العراق بالعدل والسياسة الجيدة (١٣).

стр. 7171

المُسْند (١) المُعَمَّر الرِّحْلَة (٢) فخر الدين بن البُخَاري (٣) وهو أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي المعروف بابن البُخاري. ولد في سلخ سنة [خمس] (٤) أو مستهل سنة ستٍ وتسعين وخمسمئة، وسمع الكثيرَ ورحل مع أهله، وكان رجلًا صالحًا عابدًا زاهدًا ورعًا ناسكًا، تفرّد بروايات كثيرةٍ لطول عمره، وخُرِّجَتْ له مشيخاتٌ وسمع منه الخلقُ الكثيرُ والجَمُّ الغَفير، وكان منصوبًا لذلك حتى كبر وأسنّ وضعف عن الحركة. وله شعر حسن، منه قوله (٥): [من الوافر] (٦) تكررتِ السِّنونُ عليَّ حَتَّى … بليتُ وصرتُ من سَقَطِ المَتاعِ وقَلَّ النَّفْعُ عندي غيرَ أنّي … أُعلّلُ بالرّوايةِ والسَّماعِ فإنْ يكُ خالصًا فله جزاءٌ … وإن يكُ مالقًا (٧) فإلى ضياعِ وله أيضًا (٨): [من الطويل] إليكَ اعتذاري من صَلاتي قاعِدًا … وَعَجْزيَ عن سعيٍ إلى الجُمُعاتِ وتركي صَلاةَ الفرضِ في كلِّ مَسْجِدٍ … تجمَّعَ فيه النّاسُ للصَّلَواتِ فيا ربِّ لا تَمْقُتْ صَلاتي وَنَجّني … من النّارِ واصفحْ لي عن الهَفَواتِ توفى (٩) ضُحى نهار الأربعاء ثاني ربيع الآخر من هذه السنة، عن خمسٍ وتسعين سنة، وحضر جنازتَه خلقٌ كثير، ودُفن عند والده الشيخ شمس الدين أحمد بن عبد الواحد (١٠) بسفح قاسيون.

стр. 7172

الشيخ تاج الدين الفَزَاوِي (١) عبد الرحمن بن إبراهيم (٢) سِبَاع بن ضياء (٣) أبو محمد الفَزَاري، الإمام (٤) العلامة العَلَم، شيخ الشافعية في زمانه. حازَ قَصْبَ السَّبْق دون أقرانه، وهو والد شيخنا العلامة برهان الدين. كان مولد الشيخ تاج الدين في سنة ثلاثين وستمئة (٥)، وتوفي ضُحى الإثنين خامس جمادى الآخرة، بالمدرسة البادرائية وصُلي عليه بعد الظهر بالأموي، تقدم للصلاة (٦) عليه قاضي القضاة شهاب الدين بن الخُوَيّي (٧)، ثم صلّى عليه عند جامع جَرّاح (الشيخ زين الدين الفارقي) (٨)، ودُفن عند والده بباب (٩) الصغير، وكان يومًا شديد الزّحام. وقد كان ممن اجتمع (١٠) فيه فنون كثيرة من العلوم النافعة، والأخلاق اللطيفة (١١)، وفصاحة المنطق، وحسن التصنيف، وعلو الهمة، وفقه النفس، وكتابه "الإقليد" الذي جمعه (١٢) على أبواب التنبيه وصل (١٣) فيه إلى باب الغصب، دليل على فقه نفسه وعلوّ قدره، وقوّة همته ونفوذ نظره، واتّصافه بالاجتهاد الصحيح في غالب ما سطره، وقد انتفع به الناس، وهو شيخ أكابر مشايخنا هو ومحيي الدين (١٤) النووي (١٥)، وله "اختصار الموضوعات" لابن الجوزي، وهو عندي

стр. 7173

بخطِّه (١)، وقد سمع الحديث الكثير وحضر عند (٢) ابن الزَّبِيدي "صحيح البخاري"، وسمع من ابن اللتي (٣) وابن الصلاح واشتغل عليه، وعلى ابن عبد السلام وانتفع بهما (٤)، وخرَّج له الحافظ علَم الدين البرزالي (٥) أحد تلاميذه "مشيخة" في عشرة أجزاء عن مئة شيخ فسمعها عليه الأعيان (٦): وله شعر جيد فمنه قوله: [من البسيط] للّهِ أيّامُ جَمْعِ الشَّمْلِ ما بَرحَت … بها الحوادثُ حتَّى أَصْبَحَتْ سَمَرا ومُبْتَدا الحُزْنِ من تاريخِ مَسْأَلتي … عنكم، فلم أَلْقَ لا عَيْنا (٧) ولا أَثَرَا يا راحلِينَ قَدَرْتُمْ فالنجاة (٨) لكم … ونحنُ للعَجْزِ لا نَسْتَعْجِزُ القَدَرا وقد ولي الدرس بعده بالبادرائية والحلقة والفتيا بالجامع ولده شيخنا برهان الدين، فمشى على طريقة والده وهديه وسمته (٩) ﵀. وفي ثالث شعبان توفي: الطبيبُ الماهرُ عزُّ الدين إبراهيم بن محمد بن طرْخان (١٠) السُّويْدي الأنصاري، ودُفن بالسفح عن تسعين سنة، وروى شيئًا من الحديث، وفاق أهل زمانه في صناعة الطب، وصنَّفَ كتبًا في ذلك، وكان يُرْمى (١١) بقلَّة الدين وتركِ الصّلوات وانحلال في العقيد (١٢)، وإنكار أمورٍ كثيرةٍ مما يتعلق باليوم الآخر،

стр. 7174

والله يحكم فيه وفي أمثاله بأمره العدل الذي لا يجور ولا يظلم. وفي شعره ما يدل على قلّة عقله ودينه وعدم إيمانه، واعتراضه على تحريم الخمر، وأنه قد طال رمضان عليه في تركها وغير ذلك (١). الشيخ الإمام العلامة (٢) علاء الدين أبو الحسن علي بن الإمام العلامة (٣) كمال الدين عبد الواحد بن عبد الكريم بن خلف الأنصاري الزَّمْلَكاني (٤) [مدرس الأمينية. وهو والد شيخنا الإمام العلامة كمال الدين بن أبي المعالي محمد بن علي الزَّمْلَكاني (٥)]، وقد درَّس بعد أبيه المذكور بالأمينية، وكانت وفاة والده هذا ليلة الثلاثاء التاسع والعشرين من ربيع الآخر بالأمينية، ودفن بمقابر الصوفية عند والده. [بدر الدين الناصري] (٦) الأمير الكبير بدر الدين بمكت بن عبيد الله الناصري، ناظر الرباط بالصالحية، عن (وصية) أستاذه، وهو الذي وَلَّى الشيخ شرف الدين (٧) الفزاري مشيخةَ الرباط بعد ابن الشَّرِيشي جمال الدين، وقد دُفن بالتربة الكبيرة داخل (٨) الرباط المذكور. الشيخ الإمام [فخر الدين] (٩) أبو حفص (١٠) عمر بن يحيى بن عمر الكَرَجي (١١) صهر الشيخ تقي الدين بن الصلاح، وأحد تلاميذه، ولد سنة تع وتسعين وخمسمئة، ومات يوم الأربعاء ثاني ربيع الآخر من هذه السنة، ودُفن إلى جانب ابن الصلاح.

стр. 7175

الملك العادل بدر الدين سُلامُش (١) بن الظاهر (٢) الذي كان قد بُويع بالملك بعد أخيه الملك السعيد، وجعل الملك المنصور قلاوون أتابكه، ثم استقلَّ قلاوون بالملك، وأرسلهم إلى الكرك ثم أعادهم إلى القاهرة ثم سفَّرهم الأشرف خليل في أول دولته إلى بلاد الأشكري (٣) من ناحية اصطنبول، فمات سلامش هنالك (٤) وبقي أخوه نجم الدين خضر وأهلوهم بتلك الناحية، وقد كان سلامش من أحسن الناس (٥) شكلًا وأبهاهم منظرًا، وقد افتُتن به خلقٌ كثير، [واللُّوطية الذين يُحبّون المُرْدان] (٦)، وشَبَبَ به الشعراءُ وكان عاقلًا رئيسًا مهيبًا وقورًا، ﵀. العفيف التِّلْمِسانى (٧) أبو الرَّبيع سليمان بن علي عبد الله بن علي بن ياسين العابِدي (٨) الكُوفي (٩) ثم التِّلْمِساني. الشاعر المتقن في علوم (١٠) منها النحو والأدب والفقه والأصول، وله في ذلك مصنفات، وله "شرح مواقف النِّفَّري" (١١) و"شرح أسماء الله الحسنى" (١٢)، وله "ديوان" (١٣) مشهور، ولولده محمد "ديوان" آخر، وقد نسب هذا الرجل إلى عظائم في الأقوال (١٤) والاعتقاد في الحلول والاتحاد والزندقة

стр. 7176

والكفر المحض، وشهرته تغني عن الإطناب في ترجمته، توفي (١) يوم الأربعاء خامس رجب ودفن بالصوفية، ويذكر عنه أنه عمل أربعين خلوة كل خلوة أربعون يومًا (٢) متتابعة فالله أعلم. ثم دخلت سنة إحدي وستمئة فيها: فُتحت قلعة الروم (٣). وسلطان البلاد من دنقلة إلى مصر (٤) إلى أقصى بلاد الشام بكماله وسواحله وبلاد حلب وغير ذلك الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن الملك المنصور (٥) قلاوون. ووزيره شمس الدين بن السلعوس. وقضاته بالشام (٦) ومصرهم المذكورون في التي قبلها (٧). ونائب مصر بدر الدين بَيْدَرا (٨). ونائب الشام علم الدين سَنْجَر الشُّجَاعي، وسلطان التتر (٩) بَيْدُو (١٠) بن أرغون بن أبغا، والعمارة [في الطارمة] (١١)، وفي الدور السلطانية بالقلعة. وفي الرابع والعشرين (١٢) من المحرم وقع حريق عظيم بقلعة الجبل ببعض، الخزائن أتلف شيئًا كثيرًا من الذخائر والنفائس والكتب.

стр. 7177

وفي التاسع والعشرين من ربيع الأول خطب الخليفة الحاكم وحثَّ في خطبته على الجهاد (والنفير)، وصلَّى بهم الجمعة وجهر بالبسملة. وفي ليلة السبت ثالث عشر صفر جيء بهذا الجُرْن (١) الأحمر الذي بباب البرادة من عكا، فوضع في مكانه [هنا والمؤذنون والقراء بين يديه والصبيان يعجبون حتى قرر وسقاه وأُجري إليه الماء، وكان قبله دستًا من نحاس واطئ، هذا كان جرنًا لماء المعمودية تبركًا والله أعلم] (٢). وفي ربيع الأول (٣) كمل بناء الطارمة وما عندها من الدور (٤) والقتة الزّرقاء، وجاءت في غاية الحسن والكمال والارتفاع. وفي يوم الإثنين ثاني جمادى الأولى ذكر الدرس بالظاهرية الشيخ (٥) صفيّ الدين محمد بن عبد الرحيم الأرموي، عوضًا عن علاء الدين بن بنت الأعز. وفي هذا اليوم درس بالدولعية كمال الدين بن الزكي. وفي يوم الإثنين سابع جمادى الآخرة دَرَّس بالنجيبية الشيخ ضياء الدين عبد العزيز الطوسي، بمقتضى نزول الفاروثي (٦) له عنها. والله أعلم بالصواب. فتح قلعة الروم وفي ربيع الأول (٧) منها (٨) توجّه السلطان الأشرف بالعساكر (٩) نحو الشام فقدم دمشق ومعه وزيره ابن

стр. 7178

السلعوس فاستعرض الجيوش وأنفق فيهم أموالًا جزيلة، ثم سار بهم نحو بلاد حلب، ثم إلى قلعة الروم فافتتحها بالسيف قهرًا في يوم السبت حادي عشر رجب، وجاءت البشارة بذلك إلى (١) دمشق، وزُيِّنت البلد سبعة أيام وبارك الله لجيش (٢) المسلمين في سعيهم، وكان يوم السبت إلبًا على أهل يوم الأحد، وكان الفتح بعد حصار عظيم جدًّا، مدة ثلاثين يومًا، وكانت المنجنيقات تزيد على ثلاثين منجنيقًا، واستشهد من الأمراء شرف الدين بن الخطير، وقد قتل من أهل البلد خلق كثير وغنم المسلمون منها شيئًا كثيرًا، ثم عاد السلطان إلى دمشق وترك الشُّجاعي بقلعة الروم (٣) يعمرون ما وَهَى من قلعتها بسبب رمي المنجنيقات عليها وقت الحصار (٤)، وكان دخوله إلى دمشق بكرةَ يوم الثلاثاء تاسع عشر شعبان، فاحتفل الناس لدخوله ودعوا له وأحبوه، وكان يومًا مشهودًا بسط له كما يبسط له إذا قدم من الديار المصرية، وإنما كان ذلك بإشارة ابن السلعوس، (فهو أول من بسط له)، وقد كسر أبوه التتر على حمص ولم (٥) يبسط له، وكذلك الملك الظاهر كسر التتر والروم على البلستين (٦)، وفي غير موطن ولم يبسط له، وهذه بدعة شنعاء قد أحدثها هذا الوزير للملوك، وفيها إسراف وضياع مال وَأَشَر وَبَطَر ورياءٌ وتكليف للناس، وأخذُ أموالٍ ووضعُها في غير مواضعها، والله سبحانه سائله عنها، وقد ذهب وتركها يتوارثها الملوك والناس عنه، وقد حصل للناس بسبب ذلك ظلمٌ عظيم، فليتَقِ العبدُ رَبَّه ولا يُحْدِث في الإسلام بسبب هواه ومراد نفسه ما يكون سببَ مقتِ اللّهِ له، هاعراضه عنه، فإن الدنيا لا تدوم لأحد، ولا يدوم أحد فيها والله سبحانه أعلم. وكان ملك قلعة الروم مع السلطان أسيرًا، وكذلك رؤوس أصحابه، فدخل بهم دمشق وهم يحملون رؤوس أصحابهم على رؤوس الرماح (٧)، وجهَّز السلطان طائفةً من الجيش نحو جبل كسروان والجرد بسبب ممالأتهم للفرنج (٨) قديمًا على المسلمين، وكان مقدم العساكر بَيْدَرا (٩) وفي صحبته سُنْقُر الأَشْقَر، وَقَرَا (١٠) سُنْقُر المَنْصوري الذي كان نائب حلب فعزله عنها السلطان وولي مكانه سيف الدين بَلبَان

стр. 7179

الطَّبَّاخي (١) المنصوري، وجماعة آخرون من الأمرَاء الكبار (٢) فلما أحاطوا بالجبل، ولم يبق إلا دمار أهليه (٣) حملوا في الليل إلى بَيْدرا حملًا كثيرًا ففتر في قضيتهم، ثم انصرف الجيوش عنهم وعادوا إلى السلطان (٤)، فتلقاهم السلطان وترجل السلطان إلى الأمير (٥) بَيْدرا وهو نائبه على مصر، وثم ابن السلعوس نبه السلطان على فعل بَيْدرا فلامه وعنفه، فمرض من ذلك مرضًا شديدًا أشفى به على الموت حتى قيل إنه مات (٦) ثم عُوفي فعمل ختمة عظيمة بجامع دمشق حضرها القضاة والأعيان، وأُشعلَ (٧) الجامع نظير ليلة النصف من شعبان، وكان ذلك ليلة العشر الأول من رمضان، وأطلق السلطان على أهل الحبوس (٨) وترك بقية الضمان عن أرباب الجهات السلطانية، وتصدَّق عنه بشيء كثير، ونزل هو عن ضمانات كثيرة كان قد حاف (٩) فيها على أربابها، وقد امتدح الشهاب محمود (١٠) الملك الأشرف خليل على فتحه قلعة الروم بقصيدة هائلة فاضلة أولها (١١): [من الطويل] لَكَ الرَّايةُ الصَّفْراءُ يقدمُها النصرُ … فمن كَيْقَبَاذ إنْ رآها وكيخسرو إذا خَفَقتْ في الأُفْقِ هدّتْ بنورها (١٢) … هَوَى الشِّركُ واستعلى الهُدى وانْجَلَى الثَّغْرُ وإن نشرت مثل الأصائلِ في وغى (١٣) … جَلَى النَّقْعَ مِنْ لأَلاءِ طَلْعَتِها البَدْرُ وإن يَمَّمَتْ زُرْقَ العِدَى سارَ تحتها … كتائبُ خُضْرٌ دَوْحُها البِيضُ والسُّمر (١٤)

стр. 7180

كَأنَّ مُثَارَ النَّقْعِ ليلٌ وَخَفْقهَا … بُرُوقٌ وأنْتَ البَدْرُ والفَلَكُ الحَتْرُ (١) وفَتْحٌ أَتَى في إِثْرِ فَتْحٍ كَأنَّما … سَماءٌ بَدَتْ تَتْرى كواكبُها الزُّهْرُ فكم وطئت (٢) طَوْعًا وكَرْهًا مَعاقِلًا … مَضَى الدَّهْرُ عَنْها وَهْيَ عَانِسَةٌ بِكرُ (٣) بَذَلْتَ لها عَزْمًا فَلَوْلا مَهَابةٌ … كَسَاهَا الحَيَا جَاءَتْكَ تَسْعَى وَلَا مَهْرُ قَصَدْتَ حِمىً مِنْ قَلْعَةِ الرُّومِ لم يُبَح (٤) … لِغَيْرِكَ إذْ غَرَّتْهمُ المَغْلُ فَاغْتَرُّوا وَوَالَوهمُ سِرًّا ليُخْفُوا أذاهمُ … وفي آخِرِ الأَمْرِ اسْتَوَى السِّرُّ والجَهْرُ صَرَفْتَ إِلَيْهمْ هِمَّة لَوْ صَرَفْتَهَا … إلى البَحْرِ لاسْتَوْلَى عَلَى مَدِّهِ الجَزْرُ وَمَا قَلْعةُ الرُّومِ الَّتي حُزْتَ فَتْحَها … وإِنْ عَظُمَتْ إلّا إلى غَيْرِها جِسْرُ طَلِيعَةُ ما يَأتي مِنَ الفَتْحِ بَعْدَهَا (٥) … كما لَاحَ قَبْلَ الشَّمْسِ في الأُفُقِ الفَجْرُ فَصبَّحْتَها بالجَيْشِ كالرَّوْضِ بَهْجَةً … صَوَارِمُهُ أَنْهَارُهُ والقَنَا الزُّهْرُ وَأَبْعدْتَ بل كالبَحْرِ والبيضُ مَوْجُهُ … وجُرْدُ المَزاكي السُّفنُ والخُوَّذُ الدُّرُّ وأَغْرَبْتَ بَلْ كاللَّيْلِ عوج سُيوفُهُ … أهِلَّتُهُ والنّبْلُ أَنْجُمُهُ الزُّهْرُ وأخطأت (٦) لا بَلْ كالنَّهارِ شُمُوسُهُ … مُحَيّاكَ والآصالُ راياتُكَ الصُّفْرُ لُيُوثٌ من الأَتْراكِ آجامُها القنا … لها كُلَّ يَوْمٍ في ذُرى ظَفَرٍ ظُفْرُ فَلَا الرِّيحُ يَجْري (٧) بَيْنَهمْ لاشْتباكِها … عَليْهم ولا يَنْهَلُّ مِنْ فَوْقِهِمْ قَطْرُ عُيونٌ (٨) إذا الحَرْبُ العوانُ تَعَرَّضَتْ … لخُطَّابها (٩) بالنَّفْسِ لم يَغْلُها مَهْرُ تَرَى المَوْتَ مَعْقُودًا بهُدْبِ نِبالهِمْ … إذا ما رَمَاها القَوْس (١٠) والنَّظَرُ الشَّزْرُ فَفي كُلِّ سَرْج (١١) غُصْنُ بانٍ مُهَفْهَفٌ … وَفي كُلِّ قَوْسٍ مَدَّهُ ساعِدٌ بَدْرُ
следующие страницы →