← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وقد زعم السُّدَي في خبره عن الصحابة أن المراد بهذه الصخر (١) الصخرة التي تحت الأرضين السبع، وهكذا حكي عن عطية العَوْفي (٢) وأبي مالك والثوري والمِنْهال بن عمرو وغيرهم، وفي صحة هذا القول من أصله نظر. ثمّ إن في هذا هو المراد نظر آخر، فإن هذه الآية نَكِرة غير معرفة فلو كان المراد بها ما قالوه لقال: فتكن في الصخرة، وإنما المراد فتكن (٣) في صخرة أي صخرة كانت، كما قال الإمام أحمد: حدّثنا حسن بن موسى، حدّثنا ابن لَهِيْعة، حدّثنا دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال (٤): "لو أَنَّ أحدَكُم يَعمَلُ في صَخْرَةٍ صَمَّاءَ ليس لها بابٌ ولا كُوَّةٌ لَخَرَجَ عملُه للناسِ كائِناً ما كان" (٥). ثم قال "يَابُنَىَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ" أي: أَدّها بجميع واجباتها من حدودها وأوقاتها وركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها وما شرع فيها، واجتنب ما نُهي عنه فيها. ثم قال: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أي: بجَهْدك وطاقتك أي إن استطعت باليد فباليد، وإلّا فبلسانك، فإن لم تستطع فبقلبك. ثمّ أمر بالصبر فقال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ وذلك أن الآمرَ بالمعروف والناهي عن المنكر في مظنة أن يُعادَى ويُنال منه، ولكن له العاقبة، ولهذا أمره بالصبر على ذلك، ومعلوم أن عاقبة الصبر الفرج. وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [أي: إن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر وصبرك على الأذية من عزائم الأمور] (٦) التي لا بد منها ولا مَحيد عنها. وقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جُبير والضحَّاك ويزيد بن الأصَمّ وأبو الجوزاء وغير واحد (٧): معناه لا تتكبّر على الناس وتميِّل خدّك حال كلامك لهم وكلامهم لك على وجه التكبّر عليهم والازدراء لهم. قال أهل اللغة (٨): وأصلُ الصَّعَر داءٌ يأخذ الإبل في

стр. 772

أعناقها فتلتوي رؤوسُها فشبّه به الرجل المتكبّر الذي يميل وجهه إذا كلَّم الناس أو كلّموه على وجه التعاظم (١) عليهم. قال أبو طالب في شعره: [من الطويل] وكُنّا قديماً لا نُقِرُّ ظُلَامةً … إذا ما ثَنَوا صُعْرَ الخُدودِ نُقيْمُها وقال عمرو بن حُنَي (٢) التغلَبي: [من الطويل] وكنّا إذا الجّبار صَعَّر خدَّه … أَقمنا لَهُ من مَيْلهِ فتقوّما (٣) وقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ينهاه عن التبختر في المِشية على وجه العظمة والفخر على الناس، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولً﴾ [الإسراء: ٣٧]، يعني لستَ بسرعة مشيك تقطع البلاد في مشيتك هذه، ولست بدقّك الأرضَ برجلك تخرِق الأرض بوطئك عليها، ولست بتشامخك وتعاظُمك وترفُّعك تبلغ الجبال طولًا، فاتّئد على نفسك، فلست تعدو قدرك. وقد ثبت في الحديث "بينما رجلٌ يمشي في بُردَيه يَتَبَخْتَرُ فيهما إذ خَسَفَ اللهُ به الأرضَ، فهو يَتَجَلْجَلُ (٤) فيها إلى يوم القيامة" (٥). وفي الحديث الآخر: "وإياكَ وإسْبال الإزارِ فإنَّها مِن المَخِيلَة والمخيلة لا يحبُّها الله" (٦). كما قال في هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. ولما نهاه عن الاختيال في المشي أمره بالقصد فيه، فإنه لا بدَّ له أن يمشي، فنهاه عن الشر وأمره بالخير، فقال: ﴿وَاَقصِد فِى مَشيِكَ﴾ أي: لا تتباطا مُفرِّطاً ولا تسرع إسراعاً مُفْرِطاً، ولكن بين ذلك قواما، كما قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].

стр. 773

ثمّ قال: ﴿وَاغضُض مِن صَوتِكَ﴾ ويعني إذا تكلّمت فلا تتكلَّف رفع صوتك، فإن أرفع الأصوات وأنكرها صوت الحمير. وقد ثبت في " الصحيحين " (١) الأمر بالاستعاذة عند سماع صوت الحمير بالليل، فإنها رأت شيطاناً، ولهذا نُهي عن رفع الصوت حيث لا حاجة إليه ولا سيما عند العُطاس، فيستحب خفضُ الصوت وتخميرُ الوجه كما ثبت به الحديث من صنيع رسول الله ﷺ (٢). فأما رفع الصوت بالأذان وعند الدعاء إلى الفئة للقتال، وعند الإهلال (٣) ونحو ذلك فذلك مشروع. فهذا مما قصَّه الله تعالى عن لقمان ﵇ (٤) في القرآن من الحِكَم والوصايا النافعة الجامعة للخير المانعة من الشر. وقد وردت آثار كثيرة في أخباره ومواعظه وقد كان له كتاب يؤثر عنه يسمى مجلة (٥) لقمان. ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى. قال الإمام أحمد: حدّثنا علي بن إسحاق (٦) أخبرنا ابن المبارك أخبرنا سفيان، أخبرني نَهْشل بن مجمّع (٧) الضبي، عن قَزَعَة عن ابن عمر قال: أخبرنا رسول الله ﷺ قال: " إنَّ لُقمانَ الحكيمَ كانَ يَقُولُ: إنَّ اللهَ إذا استُودع شيئاً حفظه " (٨). وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا عيسى بن يونس عن الأوْزاعي، عن موسى بن سليمان، عن القاسم بن مُخَيْمرة (٩) أن رسول الله ﷺ قال: " قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني إياك

стр. 774

والتقنُّعَ فإنه مَخْوفة بالليل ومذمّة بالنهار" (١). وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان (٢) حدثنا ضمرة حدثنا السري بن يحيى قال قال لقمان لابنه: يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك. وحدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان أخبرنا ابن المبارك أخبرنا عبد الرحمن المسعودي، عن عون بن عبد اللّه قال: قال لقمان لابنه: يا بني إذا أتيتَ نادي قومٍ فارمهم بسهم الإسلام، يعني السلام، ثم اجلس في ناحيتهم فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر اللّه فأجِل سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم. وحدّثنا أبي، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا ضَمرة، عن حفص بن عمر قال: وضع لقمان جراباً من خَردلٍ إلى جانبه، وجعل يَعظُ ابنَهُ وعظة ويُخرج خَردلةً، حتى نَفِدَ الخردل، فقال: يا بني وعظتك موعظةً لو وُعِظها جبلٌ تفطَرَ. قال: فتفطّر ابنه. وقال أبو القاسم الطبراني: حدّثنا يحيى بن عبد الباقي المصِّيْصي، حدّثنا أحمد بن عبد الرحمن الحزَاني، حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن الطَّرَائفي (٣) حدّثنا أبين بن سفيان (٤) المقدسي، عن خليفة بن سلاّم، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "اتّخذِوا السُّودان فإنَّ ثَلاثَةً منهم من سادات أهل (٥) الجنة: لُقمان الحكيم، والنجاشي، وبلال المؤذن (٦) " قال الطبراني: يعني الحبشي. وهذا حديث غريب بل منكر. وقد ذكر له الإمام أحمد في كتاب " الزهد " ترجمة ذكر فيها فوائد مهمة جمة، فقال (٧): حدّثنا وكيع، حدّثنا سفيان، عن رجل، عن مجاهد ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، قال: الفقه والإصابة في غير نبوه (٨). وكذا روي عن وهب بن منبه.

стр. 775

وحدّثنا وكيع، حدّثنا سفيان. عن أشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبداً حبشياً (١). وحدّثنا أسود (٢)، حدّثنا حماد، عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أن لقمان كان خياطاً. وحدثنا سيَّار (٣)، حدّثنا جعفر، حدّثنا مالك يعني ابن دينار قال: قال لقمان لابنه: يا بني اتخذ طاعة الله تجارة تأتك الأرباح من غير بضاعة. وحدّثنا يزيد (٤)، حدّثنا أبو الأشهب عن محمد بن واسع قال: كان لقمان يقول لابنه: يا بني اتق الله ولا تُري الناس أنك تخشى الله ليكرموك بذلك وقلبك فاجر. وحدّثنا يزيد بن هارون ووكيع قالا (٥): حدّثنا أبو الأشهب، عن خالد الربَّعي قاك: كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً، فقال له سيده: اذبح لي شاة، فذبح له شاة، فقال: ائتني بأطيب مضغتين فيها، فأتاه باللسان والقلب. فقال: أما كان فيها شيء أطيب من هذين؟ قال: لا. قال: فسكت عنه ما سكت، ثم قال له: اذبح لي شاةً، فذبح له شاة، فقال له: ألق أخبثها مضغتين، فرمى باللسان (٦) والقلب، فقال: أمرتك أن تأتيني بأطيبها مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين فألقيت اللسان والقلب!، فقال له: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا (٧). وحدّثنا داود بن رُشَيد، حدّثنا ابن المبارك، حدّثنا معمر، عن أبي عثمان رجلٍ من أهل البصرة يقال له: الجعد أبو عثمان، قال: قال لقمان لابنه: لا ترغب في ودِّ الجاهل فيرى أنك ترضى عمله، ولا تَهاوَن بمقْت الحكيم فيزهده فيلث (٨). وحدّثنا داود بن أسيد، حدّثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شُريح بن عبيد الحضرمي، عن عبد الله بن زيد قال: قال لقمان: ألا إن يد الله على أفواه الحكماء، لا يتكلّم أحدُهم إلا ما هيَّأ الله له (٩).

стр. 776

وحدّثنا عبد الرزاق، سمعت ابن جُريج قال: كنت أقنّع رأسي بالليل، فقال لي عمرو (١): أما علمت أن لقمان قال: القناع بالنهار مذلَّة معذرة، أو قال معجزة بالليل، فلِمَ تقنع رأسك بالليل؟ قال: قلت له: إن لقمان لم يكن عليه دَين (٢). وحدّثني حسن بن الجنيد (٣)، حدّثنا سفيان، قال: قال (٤) لقمان لابنه: يا بُني ما ندمت على السكوت (٥) قط، وإن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب. وحدّثنا عبد الصمد ووكيع قالا: حدّثنا أبو الأشهب (٦)، عن قتادة أن لقمان قال لابنه: يا بُنيَّ اعتزل الشرّ يعتزلك، فإنَّ الشر للشر خُلِق. وحدّثنا أبو معاوية، حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال: مكتوب في الحكمة: يا بُني إياك والرغَب فإن الرغَب كلّ الرغب يبعد القريب من القريب ويزيل الحلم (٧) كما يزيل الطرب. يا بُني إياك وشدّة الغضب، فإن شدّة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم. قال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا نافع بن عمر (٨)، عن ابن أبي مُليكة، عن عبيد بن عمير قال: قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بُني اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت المجلس يذكر فيه الله فاجلس معهم، فإنك إن تكُ عالماً ينفعك علمُك، وإن تك غبيّاً يعلِّموك، وإن يطَّلع اللّه عليهم برحمة تصبك (٩) معهم. يا بني لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر الله فيه (١٠)، فإنك إن تك عالماً لا ينفعك علمُك، وإن تك غَبيّاً يزيدوك غُبِيّاً (١١)، وإن يطَّلع الله إليهم (١٢) بعد ذلك بسخط يصبك معهم. يا بني لا تغبطوا (١٣) امرأً رحب الذراعين يسفك دماء المؤمنين، فإن له عند الله قاتلاً لا يموت.

стр. 777

وحدّثنا أبو معاوية (١)، حدّثنا هشام بن عُروة، عن أبيه قال: مكتوب في الحكمة [بني لتكن كلمتك طيبة، وليكن وجهك بسطاً تكن أحبَّ إلى الناس ممن يعطيهم العطاء. وقال: مكتوب في الحكمة] (٢) أو التوراة: الرفق رأس الحكمة. وقال: مكتوب في التوراة: كما تَرْحَمون تُرحَمون. وقال: مكتوب في الحكمة: كما تزرعون تحصدون. وقال: مكتوب في الحكمة: أحبَّ خليلك وخليل أبيك. وحدّثنا عبد الرزاق عن مَعْمَر عن أيوب عن أبي قِلابة قال: قيل للقمان: أي الناس أَصْبَر؟ قال: صبر لا يتبعه أذى. قيل: فأي الناس أعلم؟ قال: من ازداد من علم الناس إلى علمه. قيل: فأي الناس خيرٌ؟ قال: الغني. قيل: الغنيّ من المال؟ قال: لا ولكن الغنيَّ الذي إذا التُمِس عنده خيرٌ وُجد، وإلا أغنى نفسه عن الناس (٣). وحدّثنا سفيان (٤)، هو ابن عيينة قال: قيل للقمان: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً. وحدّثنا أبو عبد الصمد (٥) عن مالك بن دينار قال: وجدت في بعض الحكمة: يبدد الله عظامَ الذين يتكلّمون بأهواء الناس. ووجدت فيها: لا خير لك في أن تُعلّم ما لم تعلم ولما تعمل (٦) بما قد علمت، فإن مَثَلَ ذلك مَثَلُ رجل احتطب حطباً فحزم حزمةً ثمّ ذهب يحملها فعجز عنها فضم إليها أخرى. وقال عبد الله بن أحمد: حدّثنا الحكم بن أبي زهير، وهو الحكم بن موسى، حدّثنا الفرج بن فضالة، عن أبي سعيد قال: قال لقمان لابنه: يا بني لا يأكل طعامك إلا الأتقياء، وشاور في أمرك العلماء. وهذا مجموع ما ذكره الإمام أحمد في هذا الموضع (٧). وقد قدّمنا من الآثار كثيراً لم يروها، كما أنه ذكر أشياء ليست عندنا. والله أعلم.

стр. 778

وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبي، حدّثنا العباس بن الوليد، حدّثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي، حدّثنا سعيد بن بشير، عن قتادة قال: خَيَّر الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة على النبوة، قال فأتاه جبريل وهو نائم فذرَّ عليه الحكمة، قال: فأصبح ينطق بها. قال سعيد: فسمعت (١) قتادة يقول: قيل للقمان: كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيّرك ربُّك؟ فقال: إنه لو أرسل إليَّ بالنبوة عزمةً لرجوت فيه الفوز منه، ولكنت أرجو أن أقوم بها، ولكن خيَّرني، فخِفْت أن أضعُفَ عن النبوة، فكانت الحكمة أحبَّ إليَّ (٢). وهذا فيه نظر، لأن سعيد بن بشير عن قتادة قد تكلّموا فيه (٣). والذي رواه سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] قال: يعني الفقه في الإسلام (٤)، ولم يكن نبياً ولم يُوحَ إليه (٥). وهكذا نصّ على هذا غير واحد من السّلف، منهم مجاهد وسعيد بن المسيب وابن عباس. والله أعلم.

стр. 779

قصّة أصحاب الأخدود قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١ - ١٠]. قد تكلّمنا على ذلك مستقصى في تفسير هذه السورة (١) ولله الحمد. وقد زعم محمد بن إسحاق أنهم كانوا بعد مبعث المسيح، وخالفه غيره فزعموا أنهم كانوا قبله. وقد ذكر غير واحد أن هذا الصنيع مكرر في العالم مراراً في حق المؤمنين من الجبارين الكافرين، ولكنْ هؤلاء المذكورون في القرآن قد ورد فيهم حديث مرفوع، وأثَر أورده ابن إسحاق، وهما متعارضان وها نحن نوردهما لنوقف عليهما (٢). قال الإمام أحمد (٣): حدّثنا عفان (٤)، حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب أن رسول الله ﷺ قال: "كان مَلِك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحرٌ، فلما كبر الساحِرُ قال للملك: إني قد كَبرتْ سني، وحَضَرَ أجلي، فادفعْ إليَّ غلاماً فلأُعلمه السحرَ، فدفع إليه غلاماً، فكان يعلمه السحرَ، وكان بين الساحر وبين الملك (٥) راهب، فأتى الغلام على الراهب، فسمع من كلامه، فأعجبه نحوه وكلامُه، وكان إذا أتى الساحرَ ضربه وقال: ما حبسك؟ وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا أراد الساحر أن يضربك فقل حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل: حبسني الساحر. قال: فبينما (٦) هو ذات يوم إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة قد حَبَستِ الناسَ فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال: اليومَ أعلم أمرُ الساحر أحبُّ إلى الله أم أمرُ الراهب. قال: فأخذ حَجَراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها ومضى، فأخبر الراهب بذلك، فقال: أي بني أنت أفضلُ مني، وإنك

стр. 780

ستُبْتَلَى فإن ابتُلِيت فلا تدل عليَّ. فكان الغلام يُبرئ الأكمه والأبرصَ وسائر الأدواء ويشفيهم الله على يديه (١) وكان جليسٌ للملك فعمي، فسمع به، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: اشفني ولك ما هاهنا أجْمَع. فقال: ما أنا أشفي أحداً، إنما يشفي الله ، فإن آمنت به دعوت الله فشفاك (٢). فآمن، فدعا الله فشفاه. ثم أتى الملكَ، فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له الملك: يا فلان من ردّ عليك بَصَرَك؟ فقال: ربي. قال: أنا. قال: لا ربي وربُّك الله. قال: ولك ربٌّ غيري؟ قال: نعم، ربي وربك الله. فلم يزل يعذبه حتى دلّ على الغلام، فأتى به فقال: أي بني! بَلَغَ من سحرك أن تُبرئ الأكمه والأبرص، وهذه الأدواء؟! قال ما أشفي أنا أحداً (٣) إنما يشفي الله . قال: أنا. قال: لا. قال: أولك ربٌّ غيري؟ قال: ربي وربك الله. قال: فأخذه أيضاً بالعذاب، ولم يزل به حتى دَلَّ على الراهب، فأتي بالراهب (٤) فقال: ارجع عن دينك. فأبى. فوضع المنشار في مَفْرِق رأسه حتى وقع شِقَّاهُ. وقال للأعمى: ارجع عن دينك. فأبى. فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شِقَّاه. وقال للغلام: ارجع عن دينك. فأبى. فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا. وقال: إذا بلغتم ذروته (٥) فإن رجع عن دينه، وإلا فدهدهوه (٦)، فذهبوا به، فلما علوا الجبل قال: اللهم اكفنيهم بما شئت. فرجف بهم الجبل فدُهدِهوا أجمعون. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله. فبعث به مع نفر في قُرْقُوْر (٧) فقال: إذا لججتم البحر فإن رجع عن دينه، وإلا فغَرِّقوه (٨) في البحر، فلججوا به البحر، فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، فغرقوا أجمعون، وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله. ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرُك به، فإن أنتَ فعلتَ ما اَمرك به قتلتني، وإلا فإنك لا تستطيع قتلي. قال: وما هو؟ قال: تجمعُ الناسَ في صعيد واحدٍ، ثم تصلبني على جذع، وتأخذ سهماً من كنانتي، ثم قل: بسم اللّه ربّ الغلام، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، ففعل ووضع السهم في كبد القوس ثمّ رماه وقال: بسم الله ربّ الغلام، فوقع (٩) السهم في صدغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات، فقال الناس:

стр. 781

آمنا بربّ الغلام آمنا بربّ الغلام. فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر، فقد والله نزل بك، قد آمن الناس كلُّهم، فأمر بأفواه السكك فخدّت (١) فيها الأخاديد، وأضرمت فيها النيران، وقال: من رجع عن دِينه فدعوه، وإلا فأقحموه فيها. وقال: فكانوا يتعادون فيها ويتواقعون، فجاءت امرأة بابن لها تُرضعه، فكأنها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي: اصبري يا أماه فإنك على الحق". كذا رواه الإمام أحمد. ورواه مسلم (٢) والنسائى (٣) من حديث حماد بن سلمة. زاد النسائي وحماد بن زيد كلاهما عن ثابت، به. ورواه الترمذي (٤) من طريق عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن ثابت، بإسناده نحوه، وجَوَّد إيراده كما بسطنا ذلك في "التفسير (٥) ". وقد أورد محمد بن إسحاق هذه القصة على وجه آخر (٦) فقال: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب، وحدثني أيضاً بعضُ أهل نجران، عن أهلها أن أهل نجران كانوا أهل شِرْك يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قراها قريباً من نجران -ونجران هي القرية العظمى التي إليها جِماع أهل تلك البلاد- ساحرٌ يعلّم غلمان أهل نجران السحر، فلما نزلها فيميون (٧)، ولم يسموه لي بالاسم الذي سماه ابن مُنَبِّه، قالوا: رجل نزلها، فابتنى خيمةً بين نجران وبين تلك القرية التي فيها الساحر، وجعل أهلُ نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر [يعلمهم السحر] (٨). فبعث الثامرُ ابنه عبد الله مع غلمان أهل نجران، فكان إذا مَرَّ بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من عبادته وصلاته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى أسلم، فوحَّد الله وعبدَه، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام، حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم، وكان يَعْلَمُهُ، فكتمه إياه وقال له: يا ابن أخي إنك لن تحمله، أخشى ضعفك عنه. والثامر أبو عبد الله (٩) لا يظن إلا أن ابنه (١٠) يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان، فلما رأى عبدُ الله أن صاحبه قد ضنَّ به عنه وتَخوَّف ضعفه فيه، عمد إلى قِداح فجمعها، ثمّ لم يُبقِ لله اسماً يعلمه إلا كَتَبه في قدح،

стр. 782

لكل اسم قدح، حتى إذا أحصاها أوقدَ ناراً ثمّ جعل يقذفها فيها (١) قدَحاً قدحاً، حتى إذا مرَّ بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه، فوثب القدح حتى خرج منها لم تضرّه شيئاً، فأخذه ثم أتى به صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الأعظم الذي قد كتمه، فقال: وما هو؟ قال: كذا وكذا. قال: وكيف (٢) علمته؟ فأخبره بما صنع. قال: أي ابن أخي، قد أصبتَه فأمسِك على نفسك، وما أظن أن تفعل. فجعل عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يَلْقَ أحداً به ضُرٌّ إلّا قال: يا عبد الله أتوحَّد اللهَ وتدخل في ديني وأدعو الله لك فيعافيك مما (٣) أنت فيه من البلاء. فيقول (٤): نعم، فيوحّد الله ويُسلم، ويدعو (٥) الله فيشفى، حتى لم يبق بنجران أحد به ضُر إلّا أتاه فاتَّبعه على أمره. ودعا له فعوفي، حتى رُفع شأنُه إلى ملك نجران، فدعاه فقال: أفسدتَ عليّ أهلَ قريتي وخالفتَ ديني ودينَ آبائي لأُمثِّلنَّ بك. قال: لا تقدر على ذلك. فجعل يُرسل به إلى الجبل الطويل، فيُطرح على رأسه، فيقع إلى الأرض ما به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران بحور لا يُلقى فيها شيء إلّا هَلَك فيُلقى به فيها فيخرج ليس به بأس. فلما غلبه قال له عبد الله بن الثامر إنك (٦) والله لا تقدر على قتلي حتى توحِّد اللهَ فتؤمنَ بما آمنتُ به، فإنك إن فعلتَ سُلِّطتَ عليّ فقتلتنى (٧). قال: فوحَّد اللهَ ذلك الملك، وشهد شهادة عبد الله بن الثامر، ثئم ضربه بعصاً في يده فشجه شجةً غيرَ كبيرة فقتله، وهلك الملك مكانه. واستجمع أهلُ نجران على دين عبد الله بن الثامر، وكان على ماجاء به عيسى ابن مريم من الإنجيل وحُكمه، ثمّ أصابهم ما أصاب أهلَ دينهم من الأحداث (٨). فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران. قال ابن إسحاق: فهذا حديث محمد بن كعب وبعض أهل نجران عن عبد الله بن الثامر. فالله أعلم أي ذلك كان. قال (٩): فسار إليهم ذو نُواس بجنده، فدعاهم إلى اليهودية، وخيَّرهم بين ذلك أو القتل، فاختاروا القتلَ فخدَّ (١٠) الأخدود، وحرق بالنار، وقتل بالسيف، ومثَّل بهم. فقتل منهم قريباً من عشرين ألفاً،

стр. 783

ففي ذي نواس وجُنده أنزل الله على رسوله ﷺ ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ .. الآيات [البروج: ٤ - ٥]. وهذا يقتضي أنَّ هذه القصة غير ما وقع في سياق مُسلم. وقد زعم بعضُهم أن الأخدود وقع في العالم كثيراً كما قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير قال: كان الأخدود في اليمن زمان تُبَّعِ، وفي القسطنطينة زمان قسطنطين حين صرف النصارى قبلتهم عن دين المسيح والتوحيد، فاتخذ (١) أَتُّونا وألقى فيه النصارى الذين كانوا على دين المسيح والتوحيد. وفي العراق في أرض بابل في زمان بخت نصّر حين صَنَع الصنمَ وأمر الناس فسجدوا له، فامتنع دانيال وصاحباه عزريا ومشايل، فأوقد لهم أتّونا وألقى فيها الحطب والنار، ثم ألقاهما فيه فجعلها الله عليهم برداً وسلاماً وأنقذهم منها، وألقى فيها الذين بغوا عليه وهم تسعة رهط (٢)، فأكلتهم النار. وقال أسباط عن السُّدِّي في قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج:٤] قال: كان الأخدود ثلاثة: خد بالشام، وخد بالعراق، وخد باليمن. رواه ابن أبي حاتم. وقد استقصيت ذكر أصحاب الأخدود والكلام على تفسيرها في سورة البروج (٣) ولله الحمد والمنة.

стр. 784

باب (١) بيان الإذن في الرواية والحديث عن أخبار بني إسرائيل قال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الصمد، حدّثنا همّام، حدثنا زيد، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: " حدِّثوا عنّي ولا تَكْذبُوا عَلَيَّ، ومَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمّداً فَلْيتبوّأ مقعدَهُ من النارِ. وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج (٢) " وقال أيضاً: حدّثنا عفان، حدّثنا همام، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: " لا تكتُبوا عني شيئاً غيرَ القرآن، فمن كتبَ عني شيئاً غيرَ القرآن فليمْحُه " وقال: "حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج. حدّثوا عني ولا تكذبوا عليَّ" (٣). قال: " ومن كذب عليَّ". قال همام (٤) أحسبه فال: " متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " (٥). وهكذا رواه مسلم (٦) والنَّسائي (٧) من حديث همام. ورواه أبو عوانة الأسْفَرَاييني، عن أبي داود السجستاني، عن هُدْبة، عن همام، عن زيد بن أسلم به. ثم قال: قال أبو داود: أخطأ فيه همام هو (٨) من قول أبي سعيد. كذا قال. وقد رواه الترمذي (٩) عن سفيان، عن وكيع، عن سفيان بن عُيَينة، عن زيد بن أسلم ببعضه (١٠) مرفوعاً. فالله أعلم. قال الإمام أحمد: حدّثنا الوليد بن مسلم، أخبرنا الأَوزاعي، حدّثنا حسان بن عطية، حدّثني

стр. 785

أبو كبشة السَّلُولي، أن عبد الله بن عمرو بن العاص حدّثه أنه سمع رسول الله ﷺ يعني يقول: " بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومَن كَذَب عليَّ متعمداً (١) فليتبوأ مقعده من النار " (٢). ورواه أحمد أيضاً عن عبد الله بن نمير وعبد الرزاق، كلاهما عن الأوزاعي (٣)، به. وهكذا رواه البخاري (٤) عن أبي عاصم النبيل، عن الأوزاعي، به. وكذا رواه الترمذي عن بُنْدار عن أبي عاصم. ثم رواه عن محمد بن يحيى الذُّهلي، عن محمد بن يوسف الفِرْيابي (٥) عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية (٦) وقال: حسن صحيح (٧). وقال أبو بكر البزَّار: حدّثنا محمد بن المثنى أبو موسى، حدّثنا هشام بن معاوية، حدّثنا أبي، عن قتادة، عن أبي حسان، عن عبد الله بن عمرو قال: كان نبي الله ﷺ يحدثنا عامة ليلة عن بني إسرائيل حتى نصبح، ما نقوم فيها إلا لعظم صلاة (٨) [ورواه أبو داود (٩)، عن محمد بن مثنى. ثمّ قال البزار: حدّثنا محمد بن مثنى، حدثنا عفان، حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن أبي حسان، عن عمران بن حصين، قال: كان رسول الله ﷺ يحدثنا عامة ليلة عن بني إسرائيل لا يقوم إلا لعظم صلاةٍ] (١٠). قال البزار: وهشام أحفظ من أبي هلال، يعني أن الصواب عن عبد الله بن عمرو لا عن عمران بن حصين. والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدّثنا يحيى -هو القطان- عن محمد بن عمرو، حدّثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي (١١) ﷺ "حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج (١٢) " إسناد (١٣) صحيح ولم يخرّجوه.

стр. 786

وقال الحافظ أبو يعلى: حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا وكيع، حدّثنا ربيع بن سعد الجعفي، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " حدثوا عن بني إسرائيل فإنه قد كان فيهم الأعاجيب ". ثم أنشأ يحدث ﷺ قال: " خرجت طائفة من بني إسرائيل حتى أتوا مقبرة من مقابرهم، فقالوا: لو صلَّينا ركعتين ودعونا الله فيخرج لنا رجلاً قد مات نُسائِله يحدّثنا عن الموت، ففعلوا، فبينما هم كذلك إذ أطلع رجل رأسه من قبر (١) من تلك القبور، بين عينيه أثر السجود، فقال: يا هؤلاء! ما أردتم إلي؟ فقد مِتُّ منذ مئة عام فما سكنتْ عني حرارة الموت حتى الآن، فادعوا الله أن يُعيدني كما كنتُ" (٢). وهذا حديث غريب، إذا تقرر جواز الرواية عنهم فهو محمول على ما يمكن أن يكون صحيحاً، فأما ما يعلم أو يظن بطلانه لمخالفته الحق الذي بأيدينا عن المعصوم، فذاك متروك مردود لا يعرَّج عليه، ثم مع هذا كله لا يلزم من جواز روايته أن تعتقد صحته، لما رواه البخاري (٣) قائلاً: حدّثنا محمد بن بشار (٤)، حدّثنا عثمان بن عمر، حدّثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : " لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقولوا آمنّا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ". تفرّد به البخاري من هذا الوجه. وروى الإمام أحمد (٥) من طريق الزُّهري عن [ابن] (٦) أبي نملة الأنصاري عن أبيه أنه كان جالساً عند رسول الله ﷺ ، إذ جاء (٧) رجل من اليهود فقال: يا محمد هل تتكلّم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله ﷺ : " الله أعلم ". فقال اليهودي: أنا أشهد أنها تتكلّم. فقال رسول الله ﷺ : "إذا حَدَّثَكُم أهل الكتاب (٨)

стр. 787

فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقاً لم تكذبوهم، وإن كان باطلاً لم تصدّقوهم ". تفرّد به أحمد. وقال الإمام أحمد (١): حدّثنا سُريج (٢) بن النعمان، حدّثنا هشيم، أخبرنا مجالد، عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب (٣) أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي ﷺ ، قال: فغضب وقال: " أمتهوّكون فيها يا ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء (٤) نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحقٍّ فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده (٥) لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلّا أن يتبعني ". تفرد به أحمد، وإسناده على شرط مسلم. فهذه الأحاديث دليل على أنهم قد بدَّلوا ما بأيديهم من الكتب السماوية وحزفوها وأوّلوها ووضعوها على غير مواضعها، ولا سيما ما يبدونه من المغربات التي لم يحيطوا علماً بها (٦)، وهي بلغتهم، فكيف يعبِّرون عنها بغيرها؟ ولأجل هذه وقع في تعريبهم خطأ كبيرٌ ووهْم كثيرٌ مع مالهم من القصود (٧) الفاسدة والآراء الباردة، وهذا يتحققه من نظر في كتبهم التي بأيديهم وتأمّل ما فيها من سوء التعبير وقبيح التبديل والتغيير، وبالله المستعان وهو نعم المولى ونعم النصير. وهذه التوراة التي يُبْدونها ويُخفُون منها كثيراً فيما ذكروه فيها تحريف (٨) وتبديل وتغيير وسوء تعبير يعلم (٩) من نظر فيها وتأمّل ما قالوه وما (١٠) أبدوه وما أخفوه، وكيف يسوغون عبارة فاسدة البناء والتركيب، باطلة من حيث معناها وألفاظها. وهذا كعب الأحبار من أجود من ينقل عنهم، وقد أسلم في زمن عمر، وكان ينقل شيئاً عن (١١) أهل الكتاب، فكان عمر ﵁ يستحسن بعض ما ينقله لما

стр. 788

يصدقه من الحق وتأليفاً لقلبه، فتوسع كثير من الناس في أخذ ما عنده، وبالغ أيضاً (١) هو في نقل تلك الأشياء التي كثير منها ما لا يساوي مداده، ومنها ما هو باطل لا محالة، ومنها ما هو صحيح لما يشهد له الحق (٢) الذي بأيدينا. وقد قال البخاري (٣): وقال أبو اليمان: حدّثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني حُميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدّث رَهْطاً من قريش بالمدينة. وذَكر كعبَ الأحبار، فقال: " إن كان من أصدق هؤلاء المحدّثين الذين يُحدّثون عن أهل الكتاب، وإن كنا -مع ذلك- لَنَبْلُو عليه الكذب " يعني من غير قصد منه. وروى البخاري (٤) من حديث الزُّهري، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أنه قال: " كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزلَ الله على رسوله أحدَثُ الكتب بالله تقرؤونه محضاً لم يُشب، وقد حدَّثكم أن أهل الكتاب بذلوا كتابَ الله وغيّروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أُنزل عليكم". وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل. والله أعلم.

стр. 789

قصّة جريج أحد عُبّاد بني إسرَائيل قال الإمام أحمد (١): حدّثنا وهب بن جرير، حدّثني أبي، سمعت محمد بن سيرين يحدّث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لم يَتكلّم في المهد إلّا ثلاثة: عيسى ابنُ مريم". قال: " وكان في (٢) بني إسرائيل رجلٌ عابد يُقال له جُريج، فابتنى صومعةً وتعتد فيها. قال: فذكر بنو إسرائيل عبادةَ جريج، فقالت بَغِيٌّ منهم: لئن شئتم لأفتننّه. فقالوا: قد شئنا ذاك. قال: فأتته، فتعرَّضت له، فلم يلتفت إليها. فأمكنت نفسَها من راعٍ كان يُؤوي غنمه إلى أصل صومعة جُريج، فحملت، فولدت غلاماً، فقالوا: ممن؟ قالت: من جريج. فأتوه، فاستنزلوه، فشتموه وضربوه وهدموا صومعته، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: إنك زنيتَ بهذه البغيّ فولدت غلاماً. فقال: وأين هو؟ قالوا: هو هذا. قال: فقام، فصلّى ودعا، ثمّ انصرف إلى الغلام فطعنه بإصبعه، فقال: بالله يا غلام من أبوك؟ فقال: أنا (٣) ابن الراعي. فوثبوا إلى جريج فجعلوا يقبِّلونه، وقالوا: نبني صومعتَك من ذهب. قال: لا حاجة لي في ذلك، ابنوها من طين كما كانت. قال: وبينما امرأة في حجرها ابن لها تُرضعه، إذ مرَّ بها راكبٌ ذو شارة. فقالت: اللهم اجعل ابني مثلَ هذا. قال: فترك ثَدْيَها وأقبل على الراكب فقال: اللهم لا تجعلني مثلَه قال: ثمّ عاد إلى ثديها فمصَّه. قال أبو هريرة: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي صنيعَ الصبيّ ووضع إصبعه في فيه يمصُّها. ثمّ مُرّ (٤) بأَمَة تُضْرَبُ فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثلَها. قال: فترك ثديَها وأقبل على الأَمَة فقال: اللهم اجعلني مثلها. قال: فذاك حين تراجعا الحديث، فقالت: حَلْقى (٥). مرَّ الراكب ذو الشارة، فقلتُ: اللهم اجعل ابني مثلَه، فقلتَ: اللهم لا تجعلني مثلهْ. ومُرَّ (٦) بهذه الأمَةِ فقلتُ: اللهم لا تجعل ابني مثلَها. فقلتَ: اللهم اجعلني مثلها! فقال: يا أُمَّاه إن الراكب ذا (٧) الشارة جبَّارٌ من الجبابرة، وإن هذه الأمَة يقولون: زنت، ولم تزنِ، وسرقت ولم تسرق، وهي تقول: حسبي الله ".

стр. 790

وهكذا (١) رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٢)، وفي المظالم (٣) عن مسلم بن إبراهيم. ومسلم في كتاب الأدب (٤) عن زهير بن حرب عن يزيد بن هارون، كلاهما عن جرير بن حازم، به. طريق أخرى وسياق آخر. قال الإمام أحمد (٥): حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا سليمان بن المغيرة، حدّثنا حُميد بن هلال، عن أبي رافع، عن أبي هريرة عن النبي (٦) ﷺ قال: " كان جُريج يتعبّد في صومعته" (٧) قال: " فأتته أُمُّه فقالت: يا جريج أنا أمك وكلمني ". قال: وكان أبو هريرة يصف كيف كان رسول الله ﷺ وضع يده على حاجبه الأيمن، قال: " وصادفَتْه يُصلّي. قال: يا ربّ أمي وصلاتي، فاختارَ صلاتَه، [فرجعتْ. ثمْ أتته فصادفته يُصلي، فقالت: يا جريج أنا أمك فكلّمني. فقال: يا رب أمي وصلاتي، فاختار صلاتَه. فقالت: اللهم هذا جريج، وإنه ابني وإني كلمته فأبى أن يكلمني] (٨)، اللهم فلا تمته حتى تُريه المومسات. ولو دعت عليه أن يفتتن لافتتن. قال: وكان راع يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة، فوقع عليها الراعي، فولدت غلاماً، فقيل: ممن هذا؟ فقالت: هو من صاحب الدير. فأقبلوا بفؤوسهم ومساحيهم (٩)، وأقبلوا إلى الدير فنادوه، فلم يكلمهم، فأقبلوا يهدمون ديره، فنزل إليهم، فقالوا: سل هذه المرأة. قال: أراه تَبَسَّم، فال: ثمّ مسح رأس الصبي فقال: من أبوك؟ قال: راعي الضأن. قالوا: يا جريج نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة. قال: لا، ولكن أعيدوه كما كان. ففعلوا ". ورواه مسلم (١٠) في الاستئذان عن شيبان بن فروخ عن سليمان بن المغيرة، به. سياق آخر: قال الإمام أحمد (١١): حدّثنا عفان، حدّثنا حماد، أخبرنا (١٢) ثابت، عن أبي رافع،

стр. 791

عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " كان في بني إسرائيل رجل يقال له: جريج، كان يتعبّد في صومعته، فأتته أمه ذات يوم، فنادته فقالت: أي جريج أي بُني أشرِف عليَّ أكلمكَ أنا أمُّك أشرِفْ عليَّ، فقال: أي ربي صلاتي وأمي، فأقبل على صلاته، ثم عادت فنادته مراراً، فقالت: أي جريج أي بُني أشرِف عليَّ. فقال: أي رب صلاتي وأمي فأقبل على صلاته. فقالت: اللهم لا تُمته حتى تريه المومسة. وكانت راعية ترعى غنماً لأهلها، ثم تأوي إلى ظل صومعته، فأصابت فاحشةً فحملت فأُخِذَت. وكان من زنى منهم قُتل. فقالوا: ممن؟ قالت: من جريج صاحب الصومعة، فجاؤوا بالفؤوس والمرور فقالوا؟ أي جريج أي مراءٍ، انزل، فأبى وأقبل على صلاته يصلّي، فأخذوا في هدم صومعته. فلما رأى ذلك نزلَ فجعلوا في عنقه وعنقها حبلاً، فجعلوا (١) يطوفون بهما في الناس، فوضع أصبعه على بطنها فقال: أي غلام من أبوك؟ فقال (٢): أبي فلان راعي الضأن. فقبَّلوه وقالوا: إن شئت بنينا لك صومعتك من ذهب وفضة، قال: أعيدوها كما كانت ". وهذا سياق غريب، وإسناده على شرط مسلم، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه. فهؤلاء ثلاثة تكلّموا في المهد: عيسى ابن مريم ﵇، وقد تقدم الكلامُ على قصته (٣)، وصاحب جُريج ابن البغي من الراعي كما سمعت، واسمه يابوس كما ورد مصرّحاً به في صحيح البخاري (٤)، والثالث ابن المرأة التي كانت ترضعه فتمنَّت له أن يكون كصاحب الشارة الحسنة فتمنى أن يكون كتلك الأمة المتهومة بما هي بريئة منه وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، كما تقدم في رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعاً. وقد رواه الإمام أحمد (٥) عن هَوذة عن عوف الأعرابي عن خِلَاس عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بقصة هذا الغلام الرضيع، وهو إسنادٌ حسن. وقال البخاري (٦): حدّثنا أبو اليمان، حدّثنا شعيب، حدّثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، حدّثه أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ قال: " بينما (٧) امرأة ترضع ابنها إذ مرّ بها راكب وهي ترضعه، فقالت: اللهم لا تُمت ابني حتى يكون مثل هذا. فقال: اللهم لا تجعلني مثله. ثمّ رجع في

стр. 792

الثدي ومرّ بامرأة تُجرّر ويلعب بها، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه (١). فقال: اللهم اجعلني مثلها. فقال: أما الراكب فإنه كافر. وأما المرأة فإنهم يقولون: إنها (٢) تزني، وتقول: حسبي الله، ويقولون: تسرق، وتقول: حسبي الله ". وقد ورد في من تكلّم في المهد أيضاً شاهد يوسف كما تقدّم، وابن ماشطة آل فرعون (٣). والله أعلم.

стр. 793

قصّة برصيصا وهي عكس قضية (١) جُريج فإن جُريجاً عُصم، وذلك (٢) فتن. قال ابن جرير: حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، أخبرنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود فى هذه الآية: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٦ - ١٧]. قال -ابن مسعود- وكانت امرأة ترعى الغنم، وكان لها إخوة أربعة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، قال: فنزل الراهب، ففجر بها، فحملت، فأتاه الشيطان فقال له: اقتلها ثمّ ادفنها، فإنك رجل تُصَدَّقُ ويُسمع قولُك. فقتلها ثمّ دفنها. قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم فلما أحبلها قتلها ثمّ دفنها فى مكان كذا وكذا. فلما أصبحوا قال رجلٌ منهم: والله لقد (٣) رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقُصُّها عليكم أم أترك؟ قالوا: لا بل قُصَّها علينا. قال: فقصها. فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك. فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك. قالوا: فوالله ما هذا إلا لشيء. فانطلقوا فاستَعْدوا ملكَهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه. ثمّ انطلقوا به، فأتاه الشيطان فقال: إني أنا (٤) أوقعتك في هذا، ولن ينجيك منه غيري، فاسجُد لي سجدةً واحدةً وأُنجيكَ مما أوقعتُك فيه. قال: فسجد له، فلما أتوا به ملكهم تبرّأ منه، وأُخِذَ فقُتل (٥). وهكذا روي عن ابن عباس وطاووس ومقاتل بن حَيّان نحو ذلك (٦). وقد رُوي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بسياق آخر، فقال ابن جرير (٧): حدثنا خَلاّد بن أسلم، حدثنا النَّضْرُ بن شُمَيل أخبرنا شُعْبة، عن أبي إسحاق، سمعت عبد الله بن نَهيك، سمعت علياً يقول: إن راهباً تعبَّد ستين سنةً، وإن الشيطان أراده فأعياه، فعمد إلى امرأةٍ فَأَجَنَّها (٨) ولها

стр. 794

إخوة، فقال لإخوتها: عليكم بهذا القس فَيُداويها، قال: فجاؤوا بها إليه، فداواها. وكانت عنده، فبينما هو يوماً عندها إذ أعجبته، فأتاها، فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتُها. فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك إنك أعييتني، أنا صنعتُ هذا بك فأطعني أُنْجِكَ مما صنعتُ بك، اسجُد لي سجدةً، فسجد له فلما سجد له (١) قال إني بريءٌ منك إني أخاف الله رب العالمين. فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 795

قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار فانطبق عليهم فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم ففرّج عنهم قال الإمام البخاري (١): حدّثنا إسماعيل بن خليل، أخبرنا علي بن مُسْهِر، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " بينما ثلاثةُ نَفَر ممّن كانَ قبلَكم يمشونَ، إذ أصابَهم مطرٌ، فأوَوا إلى غارٍ، فانطبقَ عليهم. فقال بعضُهم لبعض: إنه واللهِ يا هؤلاء لا يُنجيكُم إلا الصِّدق، فليدْعُ كلُّ رجلٍ منكم بما يَعلمُ أنَّه صدَقَ فيه. فقال واحدٌ منهم (٢): اللهمّ إنْ كُنتَ تعلمُ أنّه كانَ لي أجيرٌ عَمِل لي على فرَقٍ من (٣) أرُز، فذهب وتركه، وأني عَمدتُ إلى ذلك الفَرَق فزرعته، فصار من أمره أني اشتريتُ منه بَقَراً، وأنه أتاني يطلب (٤) أجره، فقلت: اعمد إلى تلك البقر فسُقْها. فقال لي: إنما لي عندك فَرَق من أرز. فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفَرَق، فساقها. فإن كنتَ تعلمُ أني فعلتُ ذلك من خَشيتك ففرِّج عنا. فانساخَت (٥) عنهم الصخرةُ. فقال الآخر: اللهم إنْ كنتَ تعلم كان لي أبَوان شيخانِ كبيران، وكنت آتيهما كلَّ ليلةٍ بلبن غنم لي فابطأتُ ليلةً، فجئت وقد رقدا وأهلي وعيالي يتضاغَون (٦) من الجوع، وكنتُ لا أسقيهم حتى يشربَ أبواي، فكرهتُ أن أُوقظَهما، وكرهت أن أدعهما فَيَسْتَكِنَّا لشربتهما، فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر، فإن كنتَ تعلم أني فعلتُ ذلك من خَشيتك ففرّج عنّا، فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء. فقال الآخر: اللهمّ إنْ كنتَ تعلمُ أنه كانتْ لي ابنةُ عمٍّ مِنْ أحَبّ الناسِ إليَّ وأنّي راودتُها عن نفسها، فأبَتْ إلّا أن آتِيَها بمئة دينار، فطلبتُها حتى قدرتُ، فأتيتُها بها، فدفعتُها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلما قعدتُ بين رجليها قالت: اتقِ الله ولا تَفضَّ الخاتَمَ إلا بحقّه، فقمت وتركتُ المئة دينار. فإن كنتَ تعلم أني فعلتُ ذلك من خَشيتك ففرّج عنّا. ففرَّج الله عنهم فخرجوا (٧) ".

стр. 796

ورواه (١) مسلم عن سويد بن سعيد، عن علي بن مُسْهِر (٢)، به. وقد رواه الإمام أحمد (٣) منفردًا به عن مروان بن معاوية، عن عُمَر بن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، بنحوه. ورواه الإمام أحمد (٤) من حديث وهْب بن مُنَبِّه، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ بنحو من هذا السياق، وفيه زيادات. ورواه البزّار من طريق أبي إسحاق عن رجل من بَجيلة عن النعمان بن بشير مرفوعًا مثله (٥). ورواه البزّار في مسنده من حديث ابن حبيش (٦) عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ بنحو (٧). * * *

стр. 797

خبر الثلاثة الأعمى والأبرص والأقرع روى البخاري (١) ومسلم (٢) من غير وجه عن هَمَّام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدثني عبد الرحمن بن أبي عَمْرة، أن أبا هريرة حدَّثه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن ثلاثةً في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أراد الله (٣) أن يَبْتَليهم، فَبعث (٤) إليهم مَلَكًا، فأتى الأبرصَ، فقال له: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: لونٌ حسن وجلدٌ حسنٌ، قد قَذِرَني الناسُ. قال: فمسحه فذهب عنه فأُعطي لَونًا حسنًا وجلدًا حسنا. فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل -أو قال: البقر، شك (٥) في ذلك أن الأبرص والأقرع قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر -فأعطي ناقة عشراء، فقال: يُبارَك لكَ فيها. قال: وأتى الأقرَع فقال (٦): أي شي (٧) أحب إليك؟ قال: شَعرٌ حسنٌ ويَذْهَبُ عني هذا (٨)، قد قَذِرَني الناس. فمسحَه فذهب وأُعطيَ شَعرًا حسنًا. قال أي المال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطاه بقرةً حاملًا وقال: يُبارَك لك فيها. قال (٩): وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال يردُّ اللهُ إليَّ بَصري. فأبصِرُ به الناسَ. قال: فمسحه، فرد الله إليه بصره (١٠). قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم. فأعطاه شاةً والدًا فأُنتِج هذان، ووُلِّدَ هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر (١١)، ولهذا وادٍ من الغنم ثم (١٢) إنه أتى الأبرصَ في صورته وهيئته، فقال: رجلٌ مِسكين تقطَّعت بي الحِبال في سَفري فلا بلاغَ اليوم (١٣) إلا بالله ثم بك، أسألك -بالذي أعطاك اللون الحسن والجِلْد الحسن والمال- بعيرًا أتبلّغ

стр. 798

عليه في سفري. فقال له: إن الحقوق كثيرةٌ. فقال له: كأني أعرفُك! ألم تكن أبرصَ يَقْذَرُكَ الناس فقيرًا فأعطاك الله ؟ فقال: لقد ورثتُ لكابرٍ (١) عن كابر. فقال: إن كنتَ كاذبًا فصيّركَ الله إلى ما كنتَ. وأتى الأقرعَ في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، فردّ عليه مثلَ ما ردَّ عليه هذا. فقال: إن كنتَ كاذبًا فصيّرك الله إلى ما كنتَ. وأتى الأعمى في هيئته وصورته، فقال: رجلٌ مسكين وابنُ سبيل، وتقطّعت بي الحِبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثمّ بك، أسألك بالذي ردَّ عليك بصرك شاةً أتبلّغ بها في سفري. فقال: قد كنتُ أعمى فردّ الله إليَّ بَصري، وفقيرًا فقد أغناني (٢) فخذ ما شئت (٣) فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله . فقال: أمْسك مالَكَ فإنما ابتُليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك". هذا لفظ البخاري (٤) في أحاديث بني إسرائيل. * * *

стр. 799

حديث الذي استلف من صَاحبه ألف دينار فأدّاها قال الإمام أحمد: حدّثنا يونس بن محمد، حدّثنا ليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هُرْمُز، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه ذكر "أنَّ رجلًا من بني إسرائيل سأل بعضَ بني إسرائيل أن يُسلفه ألفَ دينارٍ، فقال: ائتني بشهداء أُشهدهم. فال: كفى بالله شهيدًا. قال: ائتني بكفيلٍ. قال: كفى بالله كفيلًا. قال: صدقتَ. فدفعها إليه إلى أجَلٍ مُسمًى، فخرج في البحر، فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يقدمُ عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها وأدخل فيها ألفَ دينار وصحيفة معها إلى صاحبها، ثمّ زَجَّجَ موضعها، ثمّ أتى بها البحر، ثمّ قال: اللهم إنك علمتَ أني استسلفت فلانًا ألفَ دينارٍ، فسألني كفيلًا فقلتُ: كفى بالله كفيلًا فرضي بذلك، وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا فرضي بذلك، وإني قد جَهِدتُ أن أجد مركبًا أبعثُ إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركبًا، وإني استودعتكها، فرمى بها في البحر حتى وَلَجتْ فيه، ثمّ انصرف وهو في ذلك يطلب مركبًا إلى بلده، فخرج الرجلُ الذي كان أسلفه ينظرُ لعلَّ مركبًا يجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما كسرها وجد المال والصحيفةَ، ثمّ قدم الرجل الذي كان تسلَّف منه، فأتاه بألف دينارٍ وقال: والله ما زلتُ جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه. قال: هل كنتَ بعثتَ إليَّ بشيء؟ قال: ألم أُخبرْكَ أني لم أجد مركبًا قبل هذا الذي جئت فيه. قال: فإن الله أدّى عنكَ الذي بعثتَ في الخشبة، فانصرفْ بألفكَ راشدًا". هكذا رواه الإمام أحمد مسندًا (١). وقد علّقه البخاري في غير موضعٍ من "صحيحه" (٢) بصيغة الجزم عن الليث بن سعد، وأسنده في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنا (٣). والعجب من الحافظ أبي بكر البزار كيف رواه في مسنده عن الحسن بن مدرك عن يحيى بن حماد عن أبي عَوانة عن عمر بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي- ﷺ بنحوه. ثم قال: لا يُروى إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. * * *

стр. 800

قصة أخرى شبيهة بهذه (١) في الصِّدق وَالأمانة قال البخاري: حدّثنا إسحاق بن نصر، حدّثنا عبد الرزاق، عن مَعْمر، عن همّام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اشترى رجلٌ من رجلٍ عقارًا له، فوجد الرجلُ الذي اشترى العقار في عقاره جرَّة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خُذْ ذهبَك مني إنما اشتريتُ منكَ الأرض ولم أبْتَع منك (٢) الذهب. فقال الذي له الأرض: إنما بعتُك الأرضَ وما فيها. فتحاكَما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألَكُما ولَد؟ قال أحدهما لي غلام، وقال الآخر: لي جارية. قال أَنْكِحوا الغلام الجارية وأنْفِقوا (٣) على أنفسهما منه، وتصدقا". هكذا روى البخاري (٤) هذا الحديث في أخبار بني إسرائيل. وأخرجه مسلم (٥) عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق، به. وقد رُوي أن هذه القصة وقعت في زمن ذي القرنين. وقد كانَ قبل بني إسرائيل بدهور متطاولة. والله أعلم. قال إسحاق بن بشر (٦) في كتابه "المبتدأ" عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن الحسن: إن ذا القرنين كان يتفقّد أمور (٧) ملوكه وعماله بنفسه، وكان لا يطّلع على أحدٍ منهم خيانة إلا أنكر ذلك عليه، وكان لا يقبل ذلك حتى يطّلع هو بنفسه. قال: فبينما هو يسير متنكرًا في بعض المدائن، فجلس إلى قاضٍ من قضاتهم أيامًا لا يختلف إليه أحد في خصومةٍ، فلما أن طال بذي القرنين ولم يطَّلع على شيء من أمر ذلك القاضي، وهَمَّ بالانصراف، إذا هو برجلين قد اختصما إليه، فادّعى أحدهما فقال: أيها القاضي إني اشتريتُ من هذا دارًا وعمرتها ووجدت فيها كنزًا، وإني دعوته إلى أخذه فأبى عليَّ. فقال له القاضي ما تقول؟ قال: ما دفنتُ ولا علمت (٨) به فليس هو لي ولا أقبضُه منه. قال المدّعي: أيها القاضي مُر من يقبضه فيضعه حيث أحببتَ. فقال القاضي: تَفِرُّ من الشر وتُدخلني فيه، ما أنصفتني،

стр. 801

وما أظن هذا في قضاء الملك. فقال القاضي: هل لكما في (١) أمرٍ أنصف مما دعوتماني إليه؟ قالا: نعم. قال للمدعي: ألكَ ابنٌ؟ قال: نعم. وقال للآخر: ألك ابنة؟ قال: نعم. قال: اذهبا فزوّج ابنتك من ابن هذا وجهزاهما (٢) من هذا المال وادفعا فضل ما بقي إليهما يعيشان به فتكونا قد حمِّلتما (٣) بخيره وشره. فعجب ذو القرنين حين سمع ذلك، ثم قال للقاضي: ما ظننت أن في الأرض أحدًا يفعل مثل هذا، أو قاضٍ يقضي بمثل هذا؟ فقال القاضي وهو لا يعرفه: وهل أحد يفعل غير هذا؟ قال ذو القرنين: نعم. قال القاضي: فهل يُمطَرُون في بلادهم؟! فعجب ذو القرنين من ذلك وقال: بمثل هذا قامت السموات والأرض. * * * قصّة أخرى قال البخاري (٤): حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي الصّدِّيق (٥) الناجي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي- ﷺ قال: "كان في بني إسرائيل رجلٌ قتل (٦) تسعةً وتسعين إنسانًا، ثمّ خرج يسأل، فأتى راهبًا، فسأله، فقال: هل من توبةٍ (٧)؟ قال: لا. فقتله. فجعل يسأل، فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموتُ فناءَ بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه أن تقرَّبي، وأوحى إلى هذه أن تَبَاعدي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوُجد إلى هذه أقرب بشبرٍ، فغُفر له". هكذا رواه هاهنا مختصرًا. وقد رواه مسلم (٨) عن بندار، به. ومن حديث شعبة، ومن وجه آخر عن قتادة، به مطولًا. * * *

стр. 802

حديث آخر: قال البخاري (١): حدّثنا علي بن عبد الله، حدّثنا سفيان، حدّثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: صلَّى بنا [رسول الله ﷺ صلاة الصبح، ثمّ أقبل على الناس بوجهه] (٢) فقال: "بينما رجلٌ يسوق بقرةً إذ ركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنّما خلقنا للحَرث. فقال الناس: سبحان الله بقرةٌ تكَلَّمُ؟! فقال: فإني أومِنُ بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما (٣) ثمَّ. قال وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة، فطلبه (٤) حتى كأنه استنقذها منه، فقال له الذئب: هذا! استنقذتَها منّي، فمن لها يوم السَّبُعْ (٥)، يوم لا راعي لها غيري؟ فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلّم. قال: فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما (٦) ثَمَّ". قال (٧): وحدّثنا علي قال: حدّثنا (٨) سفيان، عن مِسْعَر، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي- ﷺ بمثله. وقد أسنده البخاري في المزارعة عن علي بن المديني (٩). ومسلم (١٠) عن محمد بن عباد كلاهما عن سفيان بن عيينة، وأخرجاه من طريق شعبة، كلاهما عن مِسْعَر به. وقال الترمذي: حسن صحيح (١١).

стр. 803

[وأخرج مسلم الطريق الأول من حديث سفيان بن عيينة وسفيان الثوري كلاهما عن أبي الزناد] (١). حديث آخر: قال البخاري: حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدّثنا إبراهيم بن سعد (٢)، عن أبي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إنه قد (٣) كان فيما مضى قبلَكم من الأمم مُحدَّثون وإنّه وإنْ كان في أمتي هذه منهم فإنه عمرُ بن الخطاب (٤) ". لم يخرجه مسلم من هذا الوجه (٥). وقد روي عن إبراهيم بن سعد عن أبي سلمة عن عائشة (٦) ﵂. حديث آخر: قال البخاري (٧): حدّثنا عبد الله بن مَسْلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرحمن أنه "سمع معاوية بنَ أبي سفيان -عام حجَّ- على المنبر، وتناول (٨) قُصَّة من شعرٍ كانتْ في يدِ حَرَسيّ (٩) فقال: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثلِ هذه ويقول: إنما هَلَكَتْ بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم". وهكذا رواه مسلم (١٠) وأبو داو (١١) من حديث مالك. وكذا رواه معمر ويونس وسفيان بن عيينة عن الزهري بنحوه. وقال الترمذي: حديث صحيح (١٢). وقال البخاري: حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا عمرو بن مُرَّة، قال: سمعت سعيد بن المسيِّب

стр. 804

قال: قدم معاوية بن أبي سُفيان المدينة آخر قَدْمةٍ قَدِمها، فخطبنا، فأخرج من كُمِّه كُبَّةَ شعرٍ وقال: "ما كنت أَرى أحدًا يفعل هذا غير اليهود، إن النبي ﷺ سمّاه الزُّوْرَ، يعني الوصال في الشعر". تابعه غُنْدَر عن شعبة (١). والعجب أن مسلمًا رواه من غير وجه عن غُندر عن شعبة (٢). ومن حديث قتادة عن سعيد بن المسيبى (٣) به (٤). حديث آخر: قال البخاري: حدّثنا سعيد بن تَلِيْدٍ، حدّثنا ابنُ وهب قال (٥) أخبرني جرير بن حازم، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ :"بينما كلبٌ يَطِيفُ برَكِيَّةٍ كادَ يقتله العطشُ، إذ رأته امرأة بغي (٦) من بغايا بني إسرائيل، فنزعت مُوْقَها، فسقته، فَغُفِرَ لها به" (٧). ورواه مسلم عن أبي الطاهر بن السَّرْح عن ابن وهب، به (٨). حديث آخر: قال البخاري (٩): حدّثني عبد الله بن محمد بنُ (١٠) أسماء، حدّثنا جويرية، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "عُذِّبَتِ امرأةٌ في هِرَّةٍ سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، فلا (١١) هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خَشَاش الأرض". وكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد بن أسماء، به (١٢).

стр. 805

حديث آخر: قال الإمام أحمد (١): حدّثنا عثمان بن عمر، حدّثنا المُسْتَمِرُّ بن الريّان، حدّثنا أبو نَضْرة، عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: "كان في بني إسرائيل امرأة قصيرةٌ، فصنعتْ رِجلين من خشب، فكانت تمشي بين امرأتين قصيرتين. واتخذت خاتمًا من ذهب، وحشت تحت فَصِّه أطيب الطيب والمسك (٢)، فكانت إذا مرت بالمجلس حركَّته فَنَفَح رِيحه". رواه مسلم من حديث المستمر وخُليد بن جعفر كلاهما عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعًا قريبًا (٣) منه. وقال الترمذي: حديث حَسَن صحيح (٤). حديث آخر: قال البخاري: حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، عن منصور، سمعت رِبْعي بن حِرَإش يحدّث عن أبي مسعود (٥) قال: قال النبي ﷺ :"إن ممّا أدركَ الناسُ من كلام النبوة الأُولى (٦): إذا لم تستحِ فاصنعْ ما شئتَ". تفرّد به البخاري (٧) دون مسلم. وقد رواه بعضهم عن ربعي (٨) عن حذيفة مرفوعًا وموقوفًا أيضًا (٩). والله أعلم. حديث آخر: قال الإمام أحمد (١٠): حدّثنا هاشم بن القاسم، حدّثنا عبد الحميد -يعني ابن بهرام- حدّثنا شَهْر بن حَوْشَب قال: قال أبو هرير (١١): بينما رجلٌ وامرأةٌ له في السلف الخالي لا يقدران على شيء، فجاء

стр. 806

الرجل من سَفَره، فدخل على امرأته جائعًا قد أصابته مَسْغَبَةٌ شديدة فقال لامرأته: أعندك (١) شيء؟ قالت: نعم أبشر، أتاك رزق الله. فاستحثَّها فقال: ويحك أبتغي إن كان عندك شيء. قالت: نعم هُنية (٢) نرجو رحمة الله. حتى إذا طال عليه الطَّول (٣) قال: ويحك قومي فابتغي إن كان عندك شيء فأتيني به فإني قد بلغت (٤) وجهدت. فقالت: نعم الآن ينضج التنّور فلا تعجل. فلما أن سَكَتَ عنها ساعة وتحينَتْ أيضًا أن يقول لها، قالت مِن عِند نفسها: لو قُمتُ فنظرتُ إلى تنّوري. فقامت فوجدت تنورَها ملآن من جُنُوب الغنم [ورحاها تطحن، فقامت إلى الرحى فنفضتها واستخرجت ما في تنورها من جُنُوب الغنم] (٥). قال أبو هريرة: فوالذي نفس أبي القاسم بيده عن قول محمد- ﷺ لو أخذت ما في رَحْيَيْها ولم تنفضها لطحنتها (٦) إلى يوم القيامة. وقال أحمد (٧): حدّثنا ابن عامر، حدّثنا أبو بكر، عن هشام، عن محمد، عن أبي هريرة قال: دخل رجل على أهله، فلما رأى ما بهم من الحاجة خرج (٨) إلى البرِّيَّة، فلما رأت امرأته (٩) قامت إلى الرَّحى فوضعتها، وإلى التنور فَسَجَرته، ثتم قالت: اللهم ارزقنا. فنظرت فإذا الجَفْنَةُ قد امتلأت. قال: وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئًا. قال: فرجع الزوج قال: أصبتم بعدي شيئًا؟ قالت امرأته: نعم من ربنا، ثم قامت إلى الرَّحى فرفعتها (١٠). فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "أما إنه لو لم ترفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة". قال: شهدت النبي ﷺ وهو يقول: والله لأَن يأتيَ أحدُكم بحزمة حطب (١١) ثمّ يحمله فيبيعه فيستعفف منه خيرٌ له من يأتي رجلًا فيسأله. * * *

стр. 807

قِصّة المَلِكَيْن التائبين قال الإمام أحمد (١): حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا المسعودي، عن سِمَاك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: بينما رجل فيمن كان قبلكم كان في مملكته فَتَفَكَّر (٢)، فعلم أن ذلك منقطع عنه، وأن ما هو (٣) فيه قد شغله عن عبادة ربه، فانْسابَ ذاتَ ليلة من قصره فأصبح (٤) في مملكة غيره، وأتى ساحل البحر، فكان به يضرب اللَّبِنَ بالأجر فيأكل ويتصدَّق بالفضل. ولم يزل كذلك حتى رقي أمرُه إلى مَلكِهم، فأرسل إليه، فأبى أن يأتيه، فركب إليه الملكُ، فلما رآه ولَّى هاربًا، فركض في أثره فلم يدركه، فناداه: يا عبد الله إنه ليس عليك منّي بأس. فقام حتى أدركه فقال له: من أنت، رحمك الله؟ فقال: أنا فلان بن فلان صاحب مملكة كذا وكذا، تَفَكَرْتُ (٥) في أمري فعلمت أن (٦) ما أنا فيه منقطع، وأنه قد شغلني عن عبادة ربي فتركته وجئتُ هاهنا أعبدُ ربّي. فقال له: ما أنت بأحوجَ لما صنعتَ منّي. قال: فنزل عن دابّته، فسيَّبها وتبعه، فكانا جميعًا يعبدان الله فَدَعَوا اللهَ أن يُميتهما جميعًا، فماتا. قال عبد الله: فلو كنتُ بِرُمَيلة (٧) مصر لأريتُكم قبورَهما بالنعتِ الذي نعتَ لنا رسول الله ﷺ . حديث آخر: قال البخاري (٨): حدّثنا أبو الوليد، حدّثنا أبو عَوانة، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال (٩): "إن رجلًا كان قَبْلَكُم رَغَسَة (١٠) الله مالًا، فقال لبنيه لما حُضِر: أيَّ أب كنتُ لكم؟ قالوا: خيرَ أب. قال: فإني لم أعمل خيرًا قَطُّ، فإذا مِتُّ فاحرقوني ثمّ اسحقوني ثمّ ذرُّوني

стр. 808

في يوم عاصف. ففعلوا. فجمعه الله فقال: ما حملك؟ فقال: مخافتك. فتلقاه برحمته". ورواه في مواضع أخر، ومسلم من طرق عن قتادة، به (١). ثمّ رواه البخاري ومسلم من حديث ربْعي بن حِراش، عن حذيفة عن النبي ﷺ بنحوه (٢). [ومن حديث الزهري عن حُميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه] (٣). حديث آخر: قال البخاري (٤): حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عُبَيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ (٥) قال: "كان رجل يُداين الناس فكان (٦) يقول لفتاه: إذا أتيت معسرًا فتجاوز عنه لعلَّ الله أن يتجاوز عنا. قال: فلقي اللهَ فتجاوز عنه". وقد رواه في مواضع أخر (٧)، ومسلم من طريق الزهري، به (٨). حديث آخر: قال البخاري (٩): حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني مالك، عن محمد بن المُنْكَدِر، [وعن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد: ماذا سمعتَ من رسول الله ﷺ في الطاعون؟ قال أسامة: قال رسول الله ﷺ : "الطاعونُ رِجْسٌ أُرسلَ على طائفةٍ من بني إسرائيل وعلى] (١٠) من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرضٍ فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم فيها فلا تخرجوا فِرارًا منه". قال أبو النضر: "لا يُخرِجكم إلا فِرارًا منه".

стр. 809

ورواه مسلم (١) من حديث مالك، ومن طرق أخر، عن عامر بن سعد، به. حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا داود بن أبي الفرات، حدّثنا عبد الله بن بُرَيدة، عن يحيى بن يَعْمَر، عن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون فأخبرني "أنه عذابٌ يبعثه الله على من يشاء من عباده، وأن الله جعله رحمة (٢) للمؤمنين، ليس من أحد يقَعُ الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا يعلم أن لا يصيبه إلا ما كتبَ الله له، إلا كان له مثلُ أجرِ شهيد". تفرّد به البخاري (٣) عن مسلم من هذا الوجه. حديث آخر: قال البخاري (٤): حدّثنا قتيبة، حدّثنا ليثٌ، عن ابن شهاب، عن عُروة، عن عائشة، (أن قريشًا أهمهم شأن (٥) المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلّم فيها رسول الله ﷺ ؟ [فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله- ﷺ ] (٦)، فكلّمه أسامةُ. فقال: "أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟! " ثمّ قام فاختطب، ثمّ قال: "إنما أهلك (٧) الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ. وايمُ اللهِ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". وأخرجه بقية الجماعة من طرق عن الليث بن سعد، به (٨). حديث آخر: وقال البخاري: حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا عبد الملك بن مَيْسرة، سمعت النَّزَّال بن سَبْرَة الهلالي، عن ابن مسعود قال: سمعت رجلًا قرأَ آية (٩) وسمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ خلافَها، فجئت به إلى رسول الله- ﷺ فأخبرته، فعرفت في وجهه الكراهية فقال (١٠): "كلاكما محسن، ولا تختلفوا

стр. 810

فإن من (١) قبلكم اختلفوا فهلكوا". تفرّد به البخاري (٢) دون مسلم. حديث آخر: قال البخاري: حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدّثنا إبراهيم بن سعد (٣) عن صالح، عن ابن شهاب قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن اليهود والنصار (٤) لا يصبغون فخالفوهم". تفرّد (٥) به دون مسلم. وفي سنن أبي داود (٦): "صلّوا في نعالكم خالفوا اليهود". حديث آخر: قال البخاري (٧): حدّثنا علي بن عبد الله، حدّثنا سفيان، عن عمرو، عن طاووس، عن ابن عباس: سمعت عمر يقول: قاتلَ الله فلانًا ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: "لَعَنَ الله اليهودَ، حُرِّمَت عليهم الشحومُ فَجَمَلوها (٨). فباعوها" رواه مسلم من حديث ابن عيينة. ومن حديث عمرو بن دينار (٩) به. ثم قال البخاري: (تابعه أبو جابر وأبو هريرة عن النبي- ﷺ ). ولهذا الحديث طرقٌ كثيرة (١٠). وسيأتي في باب الحِيَل من كتاب الأحكام إن شاء الله، وبه الثقة. حديث آخر: قال البخاري (١١): حدّثنا عِمْران بن مَيْسَرة، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: (ذَكَرُوا النارَ والناقوسَ فَذَكروا اليهود والنصارى، فأُمِر بلالٌ أنْ يَشْفَعَ الأذان وأن يوتر
следующие страницы →