← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.

стр. 7736

اليَمَانِ (١) وقد رُوِيَ من طريق ابن مسعود (٢) وابن عمر (٣) وأبي الدرداء (٤)، ﵃. وقد بسطنا القول في هذا في فضائل الشيخين، والمقصود أنه وقع الأمر كذلك، وَلِيَ أبو بكر الصديق بعد رسول اللَّه ﷺ الخلافةَ، ثُمّ وَليَها بعدَه عمرُ بن الخطاب، كما أخبر ﷺ سواء بسواءٍ. وروى مالك، والليث عن الزُّهريّ، عن ابنٍ لكعب بن مالك، عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا افتَتَحْتُم مصر فاستوْصوا بالقبط"، وفي رواية: "فاستوصوا بأهلها خَيْرًا، فإنّ لهم ذِمّة وَرَحِمًا" (٥) وقد افتتحها عمرو بن العاص في سنة عشرين، أيّامَ عمر بن الخطاب ﵁ وفي "صحيح مسلم" عن أبي ذرّ، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فيها القيراطُ، فاستوصوا بأهْلِها خَيْرًا، فإنّ لهم ذِمَّة ورَحِمًا" (٦). وقد مُصِّر في أيام عمرَ بنِ الخطابِ المِصْرانِ؛ البَصْرَةُ والكوفةُ. فروَى أبو داودَ: حدثنا عبدُ اللَّه بنُ الصَّبَّاحِ، ثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الصمد، ثنا موسى الحَنَاطُ -لا أعلمُ إلّا ذكَره- عن موسى بنِ أنسٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ [قال: "يا أنسُ]، إنَّ النَّاسَ يُمَصِّرُونَ أَمْصَارًا، وَإِنَّ مِصْرًا مِنْهَا يُقَالُ لَهُ: الْبَصْرَةُ -أو الْبُصَيْرَةُ- فَإنْ أَنْتَ مَرَرْتَ بِهَا أوْ دَخَلْتَهَا فَإيَّاكَ وَسبَاخَهَا [وكَلّاءَها (٧)] وسُوقَهَا وَأَبْوَابَ أُمَرَائِهَا، وعَلَيْكَ بِضَوَاحِيهَا؛ فإنَّه يكونُ بِهَا خَسْفٌ وَقَذْفٌ ومَسْخٌ وَرَجْفٌ، وَقَوْمٌ يُمْسَخُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ" (٨). خبرُ الأُبُلَّةِ (٩): قال أبو داودَ: حدثنا ابنُ المُثَنَّى، ثنا إبراهيمُ بنُ صالحِ بنِ دِرْهَمٍ، سَمِعتُ أبي يقولُ: انطلقنا حاجِّين، فإذا رجلٌ، فقال لنا: مِن أينَ جِئْتُم؟ فقلنا: من بلدِ كذا وكذا. فقال: إنَّ بجنبِكم قرية يقالُ لها: الأُبُلَّةُ؟ فقلنا: نعم. فقال: مَن يضمنُ أن يصلِّيَ لي في مسجدِ العَشَّارِ ركعتين أو أربعًا، ويقولُ: هذه لأبي هريرةَ؟ فإني سمعت رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مِنْ مَسْجِدِ العَشَّارِ شُهَدَاءَ لَا يَقُومُ مَعَ شُهَدَاءِ بَدْرٍ غَيْرُهُمْ" (١٠).

стр. 7737

وقال ﷺ فيما ثبت عنه في "الصحيحين": "إذَا هَلَك قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وإذَا هَلَك كِسْرى فلَا كِسْرى بعْدَهُ، والَّذي نَفْسِي بِيَدهِ لتُنْفِقُنَّ كنوزهما في سَبِيل اللَّه" (١) وقد وقع ذلك كما أخبر به سواءً بسواءٍ، في زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان انزاحت يدُ قيصر ذلك الوقت -واسم قيصر هرَقْل- عن بلاد الشام، والجزيرة، وثَبَت مُلكُه مقصورًا على بلاد الروم فقط، والعرب إنما كانوا يُسَمُّونَ قيصرَ لِمَنْ ملك بلاد الروم، مع الشام والجزيرة، وفي هذا الحديث بشارة عظيمة لأهل الشام، وهو أن يدَ ملك الروم لا تعودُ إليها أبد الآبدين، ودهرَ الداهرين، إلى يوم الدين، وسنُورد هذا الحديث قريبًا بإسناده، ومتنه إن شاء اللَّه تعالى. وأما كسرى فإنه سُلِبَ عامَّةَ مُلكه في زمن عمر بن الخطاب، ثم استُؤْصِل ما بقي في يده في زمن عثمان بن عفان، ثم قُتل في سنة ثنتين وثلاثين، وللَّه الحمدُ والمنَّة، وقد بسطنا ذلك مُطولًا فيما سلف، وقد دعا عليه رسول اللَّه ﷺ حين بلغه أنه مَزَّق كتابَ رسول اللَّه ﷺ بأن يُمَرق ملكهُ كلَّ مُمَزَّق، فوقع الأمر كذلك (٢). وثبت في "الصحيحين" من حديث الأعمش، وجامع بن أبي راشد، عن شقيق بن سلمة، عن حُذَيْفة، قال: كنا جُلُوسًا عند عمر بن الخطاب، فقال: أَيُّكُم يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الفِتْنَة؟ قلت: أنا، قال: هَاتِ: إنَّكَ لَجَرِيء، فقلت: ذَكَر فِتْنة الرجل في أهله، وماله، وجاره، وولده، يُكفِّرها الصلاة، والصدقة، والأمرُ بالمعروف، والنهي عن المنكر، فقال: ليس هذا أعني، إنما أعني التي تَموجُ مَوج البحر، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن بينَك وبَيْنَها بابًا مُغلقًا، فقال: وَيْحكَ! أيُفْتَحُ البابُ أمْ يُكْسَر؟ قلت: بل يكسر، قال: إذًا لا يغلَقُ أبدًا، قلت: أجَلْ، فقلنا لحُذَيفة: أكان عمر يعلم مَن البابُ؟ قال: نعم، إني حَدَّثتهُ حديثًا ليس بالأغاليط، قال: فهِبْنا أن نسأل حذيفة: مَن الباب؟ فقلنا لمسروق: سله، فسأله، فقال: هو عمر (٣)، وهكذا وقع الأمر سواءً بعد مقتل عمر في سنة ثلاث وعشرين، وقعت الفتنُ بين الناس بعد مقتله، وكان ذلك سبب انتشارها بينهم. وأخبر ﷺ عن عثمان بن عفان أنه من أهل الجنة، على بلوى تُصيبهُ (٤)، فوقع الأمر كذلك، حُصِر في الدار كما بُسطَ ذلك في موضعه، وقتل صابرًا مُحتسبًا شهيدًا ﵁ وقد ذكرنا عند مقتله ما ورد من الأحاديث بالإنذار بذلك، والإعلام به قبل كَوْنِه؛ فوقع طِبْقَ ذلك سواء بسواء. وذكرنا ما ورد من الأحاديث في يوم الجَمَل وصِفِّين ما ورد من الأحاديث المُؤذِنة بكَوْن ذلك، وما وقع فيها من الفتنة والاختبار، وباللَّه المستعان.

стр. 7738

وكذلك الإخبار بمقتل عَمّار (١). وأما ذِكر الخوارج الذين قتلهم عليُّ بن أبي طالب ﵁، وصفتِهم، ونعتِ ذي الثُّديَّة منهم (٢) فالأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جدًّا، وقد حررنا ذلك فيما سلف، وللَّه الحمد والمنّة. وذكرنا عند مقتل على الحديثَ الوارد في ذلك بطرقه، وألفاظه. وتقدّم الحديث الذي رواه أحمدُ، وأبو داود، والنسائي، والترمذيّ، وحسّنه، من طريق سعيد بن جُمْهَان؛ عن سَفِينَة: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "الخلافة بعدي ثَلاثونَ سنة، ثم تكون مُلْكًا" (٣)، وقد اشتملت هذه الثلاثون سنة على خلافة أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان الشهيد، وعلي بن أبي طالب الشهيد أيضًا، وكان ختامها وتمامها بِسِتَّةِ أشهر التي وَلِيهَا الحسنُ بن علي بعد أبيه، وعند تمام الثلاثين نزل عن الإمرة لمعاوية بن أبي سفيان سنة أربعين، وأصْفَقت البيعة لمعاوية بن أبي سفيان، وسُمي ذلك عامَ الجماعة، وقد بسطنا ذلك فيما تقدم (٤). وروى البخاري عن أبي بكرة ﵁ أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول والحسنُ بنُ عليّ إلى جانبه على المنبر: "إن ابني هذا سيِّدٌ وسيُصلح اللَّهُ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (٥) وهكذا وقع سواء. وثبت في "الصحيحين" عن أم حَرَام بنت مِلْحَانَ، ذكره ﷺ غَزْو أُمَّته في البحر مرَّتَين، وكون أم حَرَام مع الأولين، وقد كان ذلك في سنة سبع وعشرين، مع معاوية حين استأذن عثمانَ في غزو قبرص، فأذِنَ له فركب مع المسلمين في المركب حتى وصلها، وفتحها قَسْرًا، وتُوفِّيت أمّ حَرَام في هذه الغزوة في البحر، وكانت أم حرام مع زوجها عبادة بن الصامت (٦) وكان مع معاوية في هذه الغزوة زوجته فَاختَةُ بنت قَرظَة، وأما الثانية فكانت في سنة ثنتين وخمسين في أيام مُلك معاوية، بعث ابنه يزيدَ بن معاوية، ومعه الجنود إلى غزو القسطنطينية، ومعه في الجيش جماعةٌ من سادات الصحابة، منهم أبو أيُّوب الأنصاريّ، خالد بن زيد ﵁ فمات هنالك، وأوصى إلى يَزيد بن معاوية أن يدفنه تحت سنابك الخيل، وأن يُوغل به إلى أقصى ما يُمكن أن ينتهى به إلى نحو جهة العدُوّ، ففعل ذلك، وتفرّد البخاري بما رواه من طريق ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان، عن عُمير بن

стр. 7739

الأسود العَنْسِي، عن أمّ حَرَام: أنّها سمعت رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "أوَّلُ جَيشٍ من أُمَّتي يغزون البحر قد أوجبوا"، قالت أمّ حرام: فقلت: يا رسول اللَّه! أنا فيهم؟ قال: "أنتِ فيهم"، ثم قال النبي ﷺ : "أولُّ جيش من أمّتي يَغْزُون مَدِينَةَ قَيصْرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ"، قلت: أَنا فيهم يا رسول اللَّه؟ قال: "لا" (١). ذكر قتال الهند قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا البراء، عن الحسن، عن أبي هريرة، حدثني خليلي الصادق رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "يكون في هذه الأمة بَعْثٌ إلى السِّنْد والهند" فإن أنا أدركتهُ فاستُشْهِدتُ فذاك، وإن أنا. . . فذكر كلمة، رجعتُ، فأنا أبو هريرة المحرّر قد أعتقني من النار (٢). ورواه أحمد أيضًا عن هُشَيم عن سيّار، عن جبر بن عَبِيدَة، عن أبي هريرة، قال: وعدنا رسول اللَّه ﷺ غزوة الهند، فإن استُشْهِدتُ كنتُ من خير الشهداء، وإن رجعت فأنا أبو هريرة المحرّر (٣)، ورواه النّسائيّ من حديث هُشيم وزيد بن أبي أُنَيسَة عن سَيار، عن جبر -ويقال جبير- عن أبي هريرة. . . فذكر (٤). وقد غزا المسلمون الهند في سنة أربع وأربعين، في إمارة معاوية بن أبي سفيان ﵁ فجرت هناك أمور، قد ذكرناها مبسوطة فيما تقدم، وقد غزاها الملك الكبير السعيد المحمود، محمود بن سُبُكْتِكين، صاحب بلاد غَزْنَةَ، وما والاهَا، في حدود أربعمئة، ففعل هنالك أفعالًا مشهورة، وأمورًا مشكورة، كسرَ الصنمَ الأعظم، المسمَّى بسومنات، وأخذ قلائده وجواهره وذهبه وشُنُوفَه (٥)، وأخذ من الأموال ما لا يحصى، ورجع إلى بلاده سالمًا غانمًا، وقد كان نُوّاب بني أمية يقاتلون الأتراك، في أقصى بلاد السند، والصين، وقهروا ملكهم القان الأعظم، ومرقوا عساكره، واستحوذوا على أمواله وحواصله، وقد وردت الأحاديث بذِكر صفتهم، ونعتهم، ولنذكر شيئًا من ذلك على سبيل الإيجاز: قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشَّعَر، وحتى تقاتلوا التُّركَ، صغارَ الأعين، حُمر الوجوه، ذُلْف الأنوف (٦) كأنّ وجوههم المَجَانُّ (٧) المُطْرَقَة، وتجدون من خير الناس أشدّهم كراهية لهذا الأمر، حتى يَدْخل فيه، والناس معادن، خيارهم في الجاهليّة

стр. 7740

خيارُهم في الإسلام، وليأتيَنّ على أحدكم زمان لأن يراني أحبُّ إليه من أن يكون له مثل أهله وماله". تفردّ به البخاري (١)، ثم قال: حدثنا يحيى، ثنا عبد الرزاق عن مَعْمَر، عن هَمّام بن مُنَبّه، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَا تقُومُ السَّاعَةُ حَتَى تُقاتِلُوا خوزًا وكِرْمان، من الأعاجم، حُمْر الوجُوه، فُطسَ الأنوف، صغار الأعين، كأنَّ وُجُوهَهُم المَجَانُّ المُطْرقَة، نِعَالُهُمُ الشَّعَر" (٢). ورواه أحمد عن عبد الرزاق (٣). وقال أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، يَبْلُغ به النبيَّ ﷺ ، قال: "لا تقومُ الساعةُ حَتَّى تُقاتِلوا قومًا كأنَّ وُجُوهَهُم المَجَانُ المُطْرقَة، نِعَالهم الشَّعَر". وأخرجه الجماعة سوى النسائي، من حديث سُفْيان بن عُيَيْنةَ به (٤)، ورواه البخاريُّ عن عليّ بن المدِينيّ، عن سُفيان بن عُيَيْنةَ به، ورواه مسلم أيضًا، من حديث إسماعيل بن أبي خالد، كلاهما عن قَيْس بن أبي حازم، عن أبي هريرة. . . فذكر نحوَه (٥)، قال سفيان بن عُيَينةَ: وهم أهل البارَز، كذا قال سفيان، ولعلّه البازَر، وهو سوق الفُسوق الذي لهم. حديث عمرو بن تغلب: وقال أحمد: حدثنا عفّان، حدثنا جَرِير بنُ حازم، سمعتُ الحسنَ، حدثنا عمرو بن تغلب، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ من أَشْرَاطِ الساعةِ أن تُقاتِلُوا قومًا نعالهم الشعر" -أو "ينتعلون الشعر- وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا عِراضَ الوُجوه، كان وجوهَهمُ المَجَانُّ المُطْرقَة". ورواه البخاريّ من حديث جَرير بن حازم (٦). وقد رُوِي من حديثِ بُرَيْدَةَ بنِ الحُصَيْبِ الأَسْلَميِّ. قال أحمد: ثنا أبو نُعَيْمٍ، ثنا بشير بن المُهاجر، حدَّثني عبدُ اللَّه بن بُرَيْدَةَ، عن أبيه قال: كنت جالسًا عند النبيِّ ﷺ فسمِعْتُه يقول: "إنَّ أُمَّتِي يَسُوقُهَا قَوْمٌ صِغَارُ الأَعْيُنِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الحَجَفُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، حَتَّى يُلْحِقُوهُمْ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ؛ أَمَّا السِّيَاقَةُ الأُولَى فَيَنْجُو مَنْ هَرَبَ مِنْهُم (٧)، وأَمَّا الثانِيَةُ فَيَنْجُو بَعْضٌ وَيَهْلِكُ بَعْضٌ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فيُصْطَلَمُون كُلُّهُمْ مَن بقِيَ مِنْهُمْ". قالوا: يا رسول اللَّهِ، مَن هم؟ قال: "التُّرْكُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَرْبطُنَّ خُيُولَهُمْ بِسَوَارِي مَسْجِدِ المُسْلِمِينَ". قال: فكان بُرَيْدَةُ لا يُفارِقُه بَعِيران أو ثلاثةٌ، ومَتاعٌ بعدَ ذلك للهربِ؛ لمَا

стр. 7741

سمِع من رسول اللَّه ﷺ مِن البلاءِ في التُّركِ. ورواه أبو داودَ في كتابِ المَلاحمِ مِن "سننِه" عن جعفرِ بنِ مُسافرٍ، عن خَلَّادِ بنِ يَحْيَى، عن (١) بَشِيرِ بن المُهاجِرِ به. ورواه أبو يَعْلَى عنه، به، وفيه: "قَوْمٌ صِغَارُ الْعُيُونِ، عِرَاضُ الْوُجُوهِ، كَأنَّ وُجوهَهمُ الحَجَفُ، يُلْحِقُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ بِمَنَابِتِ الشِّيحِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ أَمَّا الْمَرَّةُ الأُولَى فَيَنْجُو منهم مَنْ هَرَبَ، وَأَمَّا الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ فَيَنْجُو بَعْضٌ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ، فَيَهْلِكُونَ جَمِيعًا، كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَقَدْ رَبَطُوا خُيُولَهُمْ بِسَوَارِي الْمَسْجِدِ". قيل: مَن هم يا رسول اللَّه؟ قال: "هُمُ التُّرْكُ" (٢). حَدِيث أبي بَكْرَةَ الثَّقفيِّ في ذلك: قال الإمامُ أحمد: ثنا أبو النَّضْرِ هاشمُ بنُ القاسمِ، ثنا الحَشْرَجُ (٣) بنُ نُباتةَ القَيْسيُّ الكوفيُّ، ثنا سعيدُ بنُ جُمْهانَ (٤)، ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي بَكْرةَ، حدثني أبي في هذا المسجدِ مسجدِ البصرةِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لتَنْزِلَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتي أَرْضًا يُقَالُ لَهَا: الْبَصْرَةُ. فَيَكْثُرُ بِهَا عَدَدُهُمْ وَنَخْلُهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ بَنُو قَنْطُورَاءَ، عِراضُ الْوُجُوهِ، صِغَارُ الْعُيُونِ، حَتَّى يَنْزِلُوا على جِسْرٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: دِجْلَةُ. فَيَفْتَرِقُ المُسْلِمُونَ ثَلَاثَ فِرَقٍ؛ فَأَمَّا فِرْقَةٌ فَتَأْخُذُ بِأَذْنَابِ الإبِلِ فَتَلْحَقُ بِالْبَادِيَةِ، فَهَلَكَتْ، وَأَمَّا فِرْقَةٌ فَتَأْخُذُ على أَنْفُسِهَا، فَكَفَرَتْ، فَهَذِهِ وَتِلْكَ سَوَاءٌ، وَأَمَّا فِرْقَةٌ فَيَجْعَلُونَ عِيَالَهُمْ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ وَيُقَاتِلُونَ، فَقَتْلَاهُمْ شُهَدَاءُ، وَيَفْتَحُ اللَّهُ على بَقِيَّتِهِمْ". ورواه أبو داودَ في المَلاحمِ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ فارسٍ، عن عبدِ الصَّمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن سعيد بن جُمْهانَ (٥)، ثنا مُسْلمُ بنُ أبي بَكْرةَ، عن أبيه، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يَنْزِلُ أناسٌ مِنْ أُمَّتِي بِغَائِطٍ (٦) يُسَمُّونَهُ البَصْرَةَ عند نهر يقال له: دِجْلةُ. يكون عليه لهم جسر، يكثر أهلها، وتكون من أمصار المُهَاجِرِينَ" -وفي لفظٍ: "المُسْلِمِينَ- فَإذَا كَانَ فِي آخِرِ الزَّمَان، جَاءَ بَنُو قَنْطُورَاءَ عِرَاضُ الوُجُوهِ، صِغَارُ الأَعْيُنِ، حتى يَنْزِلُوا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ، فيَتَفَرَّقُ المُهَاجِرُونَ ثَلَاثَ فِرَقٍ؛ فِرْقَةً تَأْخُذُ بِأَذْنَابِ الْبَقَرِ وَالْبَرِّيَّةِ وَهَلَكُوا، وفرقَةً يَأْخُذُونَ لأَنْفُسِهِمْ وَكَفَرُوا، وَفِرْقَةً يَجْعَلُونَ ذَرَارِيَّهُمْ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ، ويُقَاتِلُونَهُمْ، وَهُمُ الشُّهَدَاءُ" (٧). وتقَدَّم حديثُ أنسٍ في ذكرِ البصرةِ، التي مُصِّرَت في زمانِ عمرَ بن الخطابِ (٨).

стр. 7742

وروَى مسلمٌ وأبو داودَ والنَّسائيُّ، عن قتيبة، عن يعقوبَ الإِسْكنْدرانيِّ، عن سُهيل بنِ أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ المُسْلِمُونَ التُّرْكَ، قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجانُّ المُطْرَقَةُ، يَلْبَسُونَ الشَّعَرَ". وهذا لفظُ أبي داودَ (١). وقد رُوِي مِن حديث أبي سعيد، فقال أحمد: ثنا عمّارُ (٢) بنُ محمدٍ ابن أختِ سُفْيانَ الثَّوريِّ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدريِّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا صِغَارَ الأَعْيُنِ، عِرَاضَ الوُجُوهِ، كَأَنَّ أَعْيُنَهُمْ حَدَقُ الْجَرادِ، وَكَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ المُطْرَقَةُ، يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ، وَيَتَّخِذونَ الدَّرَقَ (٣) حَتَّى يَرْبِطُوا خُيُولَهُمْ بِالنَّخْلِ". تَفَرَّد به أحمدُ (٤). حديث معاويةَ بنِ أبي سفيانَ في قِتالِ التركِ: قال أبو يَعْلَى: ثنا محمدُ بنُ يحيى (٥) البَصْريُّ، ثنا محمدُ بنُ يعقوبَ، ثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ، حدثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ الغَمْرِ (٦) مولى سموك، ثنا أبي، عن جَدِّي، سمِعْتُ مُعاويةَ بنَ حُدَيْجٍ يقولُ: كنتُ عندَ مُعاويةَ بن أبي سفيانَ، إذ جاءه كتابُ عاملِه يُخبر أنه أوقع بالتركِ وهزمهم، وبكثرة مَن قُتِل منهم، وكثرةِ ما غنم منهم، فغضب معاويةُ مِن ذلك، ثم أمرَ أن يُكْتب إليه: قد فَهِمْتُ ما ذَكَرْتَ مما قتلتَ وغنِمت (٧) فلا أعْلَمَن أنك عُدْت لشيءٍ من ذلك، ولا تُقاتلهم حتى يأْتِيَك أمْري. فقلتُ له: ولِمَ أميرَ المؤمنين؟ فقال: سمِعتُ رسول اللَّه ﷺ يقولُ: "إِنَّ التُّرْكَ تُحَارِبُ الْعَرَبَ حَتَّى تُلْحِقَهَا بِمَنَابِتِ الشِّيحِ والقَيْصُومِ" فأَكرهُ قتالهم لذلك (٨). طريق أخرى عن معاويةَ: قال الطَّبرانيُّ: ثنا يحيى بنُ أيوبَ العَلَّافُ، حدَّثنا أبو صالحٍ الحَرَّانيُّ، ثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن كعب بن عَلْقمةَ التَّنوخيِّ، ثنا حسان (٩) بنُ كُرَيْبٍ الحِمْيَريُّ، سمِعْتُ ابنَ ذي الكَلاعِ (١٠) يقولُ:

стр. 7743

سمِعْتُ معاويةَ بنَ أبي سفيانَ يقولُ: سمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "اتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ" (١). وروى الطَّبَرانيُّ، عن إبراهيم بن أبي حاتم، عن نُعَيْم بن حمادٍ في كتاب "المَلاحِم"، ثنا يحيى ابنُ سعيد العَطَّارُ وأبو المُغيرةِ، عن إسماعيلَ بن عَيَّاشٍ، عن عبدِ اللَّه بنِ دِينارٍ، عن كعبِ الأحبارِ قال: يَنْزِلُ التُّركُ آمِدَ، ويشرب مِن نهرِ الدِّجْلةِ والفُراتِ سبعون ألفًا، ويَسْعَوْن في الجزيرةِ وأهل الإسلام، في الحِيرة، لا يَسْتطِيعون لهم شيئًا، فيَبْعَثُ اللَّهُ عليهم ثلجًا بغيرِ كَيْلٍ فيه صِرٌّ مِن ريحٍ شديدةٍ وجَليدٍ، فإذا هم خامِدون. وفي رواية عن كعب: فيبعث اللَّه عليهم الطاعون، فلا يفلت منهم إلا رجل واحد. والمقصود أن التُّرك قاتلهم الصحابة، فهزموهم، وغَنِموهمْ وسَبَوا نساءَهم وأبناءهم، وظاهرُ هذه الأحاديث يقتضي أن قتالهم يكون من أشراط الساعة، وأشراطها لا تكون إلا بين يَديها قريبًا منها، فقد يكون هذا واقعًا مرة أخرى عظيمة بين المسلمين وبين الترك، حتى يكون آخر ذلك خروجَ يأْجُوجَ ومأجُوجَ، كما سيأتي ذِكرُ أمرهم، د ان كان أشراطُ الساعة أعمَّ من أن يكون بين يَدَيها قريبًا منها، أو يكون مما يقع في الجُملة، حتى ولو تقدّم قبلها بدهر طويل، إلّا أنه مما يقع بعد زمن النبي ﷺ وهذا هو الذي يظهرُ بعد تأملّ الأحاديث الواردة في هذا الباب، كما ترى ذلك قريبًا إن شاء اللَّه تعالى. وقد ذكرنا ما ورد في مقتل الحُسَيْن بن عليّ بكَرْبلاءَ، في أيام يزيد بن معاوية، كما سَلَف، وما ورد من الأحاديث في ذكر خلفاء بني أمَيّة أُغَيْلمة بني عبد المطلب. قال أحمد: حدثنا روح، حدثنا أبو أمَيّة عمرو بن يحيى بن سعيد بن العاص، أخبرني جَدِّي سعيد بن عمرو بن سعيد، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "هَلَكَةُ أُمّتي عَلَى يَدْي غِلْمةٍ" فقال مروان، وهو معنا في الحَلْقة قبل أن يَلِيَ شيئًا: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عليهم غِلْمَةً، قال: أما واللَّه لو أَشَاء أن أقول بَنِي فلان، وبني فلان لفعلتُ، قال: فكنت أخرجُ مع أبي وجدّي إلى بني مروان بعد ما ملكوا، فإذا هُم يبايعونَ الصِّبْيانَ، ومنهم من يُبايَع له وهو في خِرْقَةٍ، قال لنا: هل عَسَى أَصْحَابُكُمْ هؤلاء أنْ يَكُونوا الذين سمعتُ أبا هريرة يذكر أن هذه الملوك يُشبه بعضها بعضًا. ورواه البخاريّ بنحوه عن أبي هريرة (٢). والأحاديثُ في هذا كثيرة جدًّا، وقد حررّناها في دلائل النبوة. وتقدم الحديث في ذِكر الكذَّاب والمبير من ثقيف (٣)، فالكذَّاب هو المختار بن أبي عُبَيْد الذي ظهر بالكوفة، أيام عبد اللَّه بن الزُّبير، وكان رافضيًا خبيثًا، بل كان يُنْسَبُ إلى الزندقة، وادعى أنه يُوحى إليه، وقد قتله مصعب بن الزُّبير، وأما المُبير، فهو الحجاج بن يوسف الثقفيّ، الذي قَتَلَ عبد اللَّه بن الزُّبير، وكان ناصبيًا، جَبَّارًا عنيدًا، عكس الأول في الرفض كما تقدم.

стр. 7744

وتقدم حديث الرايات السُّود (١) التي جاء بها بنو العباس، حين استلموا الملك من أيدي بني أمية، وذلك في سنة ثنتين وثلاثين ومئة، أخذوا الخلافة من مروان بن محمد بن مَرْوان بن الحكم بن أبي العاص، ويعرف بمروان الحمار، ومروان الجعْدي، لاشتغاله على الجعد بن درهم المعتزليّ، وكان آخر خلفاء بني أمية، وصارت الخلافة للسفاح بعده، المُصرّح بذكره في حديثٍ رواه أحمد بن حنبل في "مُسنده" (٢) وهو أبو العباس عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن العبَّاس بن عبد المطلب، أول خلفاء بني العباس كما تقدّم ذلك. وقال أبو داود الطيالسيّ: حدثنا جرير بن حازم، عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي ثعلبة الخُشَنِيّ، عن أبي عُبَيْدة بن الجراح ومُعاذ بن جبل، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ اللَّه بَدَأ هَذَا الأمرَ نبوةً، ورحمةً، وكَائنًا خِلافة ورحمةً، وكائنًا مُلكًا عَضُوضًا، وكائنًا عِزةً وجبْريةً وفَسادًا في الأمة، يستحلُّونَ الفروج، والخمور، والحرير، ويُنْصَرون على ذلك ويُرزقون أبدًا، حتى يلْقَوا اللَّه " (٣). وروى البَيْهَقيّ من حديث عبد اللَّه بن الحارث بن محمد بن حاطب الجمحي، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يَكونُ بَعْدَ الأنْبياء خُلَفاءُ يعملون بكتاب اللَّه، ويعدلون في عباد اللَّه، ثم يكون من بعد الخلفاء ملوكٌ، يأخذونَ بالثَّأْرِ، وَيقْتُلوُنَ الرِّجَال، وَيصْطَفُونَ الأمْوالَ، فَمُغيِّرٌ بيده، ومُغيرٌ بِلسَانه، ومُغيرٌ بقَلْبه، ليس وَرَاء ذلكَ من الإيمان شيْءٌ" (٤). وثبت في "صحيح البخاريّ" من حديث شعبة عن فُرات القزَّاز، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "كانَتْ بَنُو إسرائيلَ تَسُوسهُم الأنْبِياءُ، كلّما هَلَك نبيٌّ خلَفه نبيٌّ، وإنه لا نبيّ بَعْدِي، وإنه سَيَكونُ خلفاءُ، فيْكثُرُون" قالوا: فما تأمرنا يا رسول اللَّه؟ قال: "فُوا بِبيْعَة الأوّل، فالأوّل، وأعْطُوهُمْ حَقَّهم، فإن اللَّهَ سائلهُم عَمّا اسْتَرعاهم" (٥) وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي رافع، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما كانَ نَبِيٌّ إلّا كان له حَواريُّونَ يَهْدُونَ بَهدْيهِ وَيَسْتنُونَ بسُنَّته، ثم يكونُ من بَعْدِهم خُلُوف يقولون ما لا يَفْعَلُون، ويعملُون ما يُنْكِرُون" (٦). وثبت في "الصحيحين" من رواية عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سَمُرة، عن النبي ﷺ : "يكونُ اثنا عَشَر خليفةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيش" (٧). ورواه أبو داود، من طريق أخرى، عن جابر بن سَمُرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ

стр. 7745

يقول: "لَا يَزالُ هَذَا الدِّينُ قائمًا حتَّى يكونَ اثنا عشر خليفة" (١)، وفي رواية: "لَا تزَالُ هَذِه الأمّةُ مُسْتَقيمًا أمرُها، ظاهرَةً على عدوّها، حتى يَمْضِي منهُم اثنا عَشَر خليفةً كلُّهُمْ مِنْ قُريش" قالوا: ثُمَّ يكُون ماذَا؟ قال: "يكونُ الهَرْجُ" (٢). فهؤلاء الخلفاء المبشّر بِهم في هذا الحديث ليسُوا بالاثني عَشَر الذينَ يَزْعُم فِيهِم الرَّوافضُ ما يَزْعُمُونَ، من الكذب والبهتان، وأنهم معصومون، لأن أكثرَ أولئك لم يلِ أحدٌ منهم شيئًا من أعمال هذه الأمة في خلافةٍ، بل، ولا في قطرٍ ولا بَلَدٍ من البلدان، وإنما وَلِيَ منهم عليٌّ وابنه الحسن، ﵄، وليس المرادُ من هؤلاء الاثني عشر الذين تتابعت ولايتهم سَرْدًا إلى أثناء دولة بني أميّة، لأن حديث سَفِينَة: "الخلافةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنةً" (٣) يمنع من هذا المسلك، وإن كان البيهقيّ قد رجَّحَهُ، وقد بحثنا معه في كتاب دلائل النبوة من كتابنا هذا بما أغنى عن إعادته، وللَّه الحمد، ولكن هؤلاء الأئمة الاثني عشر وجد منهم الأئمة الأربعة، أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ، وابنه الحسن بن علي، أيضًا، ومنهم عمر بن عبد العزيز، كما هو عند كثير من الأئمة، وجمهور الأمّة، وللَّه الحمد، وكذلك وجد منهم طائفة من بني العباس، وسيوجد بقيّتهم فيما يُستقبل من الزمان، حتى يكون منهم المهديّ المبشَّر به في الأحاديث الواردة فيه، كما سيأتي بيانها وباللَّه المستعان، وعليه التُّكلان، وقد نص على هذا الذي قلناه غيرُ واحدٍ، كما قررنا ذلك. حديثُ عبادةَ فيما يتعلَّق بما بعدَ المئةِ سنةٍ: قال أحمدُ: ثنا الحكمُ بن نافع، ثنا إسماعيلُ بنُ عياش، عن يزيدَ بنِ سعيد، عن أبي عطاء يزيدَ ابنِ عطاء السَّكْسَكِيِّ، عن مُعاذِ بن سعد السَّكسكي (٤)، عن جُنادةَ بن أبي أميَّةَ، أنَّه سمع عبادةَ بنَ الصامتِ يذكرُ أنَّ رجلًا أتى النبيُّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، ما مدةُ أمتِكَ في الرخاءِ؟ فلم يردَّ عليه شيئًا، حتى سأله ثلاثَ مِرارٍ، كلَّ ذلك لا يُجيبُه، ثم انصرف الرجلُ، ثم إنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أينَ السَّائلُ"؟ فَرَدُّوه عليه، فقال: "سألْتَني عَنْ شَيْءٍ [مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي]؛ مُدَّةُ أُمَّتِي مِنَ الرَّخَاءِ مئة سَنَةٍ". قالها مرتين أو ثلاثًا، فقال الرجل: يا رسول اللَّه، فهل لذلك من أمارةٍ أو علامةٍ أو آيةٍ؟ فقال: "نَعَم، الخَسْفُ، وَالرَّجْفُ، وَإرْسَالُ الشَّيَاطِينِ المُجْلِبَةِ عَلَى النَّاسِ" (٥). وفي "مسند أبي يعلى"، والبزارِ من حديثِ مُصعبِ بنِ مُصعبٍ، ولا أعرِفُه إلّا عن الزهريِّ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تُرْفَعُ زِينَةُ الدُّنْيَا

стр. 7746

سَنَةَ خَمسِ وعِشْرينَ وَمِئَةٍ". هذا حديثٌ غريبٌ جدًّا (١). حديث فيما بعد المئتين من الهجرة قال ابن ماجه: حدثنا الحسن بن عليّ الخلال، حدثنا عون بن عُمارة، حدثني عبد اللَّه بن المُثَنَّى ابن ثُمَامة بن عبد اللَّه بن أنَس بن مالك، عن أبيه، عن جدِّه، عن أنس، عن أبي قتادة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الآيات بعد المئتين". ثم أورده ابن ماجه، من وجهين آخرين عن أنس عن النبي ﷺ بنحوه، ولا يصح (٢)، ولو صحّ فمحمول على ما وقع من الفتنة بسبب القول بخلْق القرآن، والمحنة للإمام أحمد بن حنبل، وأصحابه، من أئمة الحديث، كما بسطنا ذلك هنالك. وروى روَّاد بن الجرّاح، وهو مُنْكَر الرواية، عن سفيان الثوريّ، عن منصور، عن رِبْعِيّ، عن حُذَيفَة، مرفوعًا: "خيرُكم بَعدَ المئتين خَفِيفُ الحَاذِ" قالوا: وما خَفِيفُ الحَادِ (٣) يا رسول اللَّه، قال: "مَنْ لَا أَهْلَ لَهُ، ولا مالَ ولا ولد". وهذا منكر (٤). وثبت في "الصحيحين" من حديث شُعْبَة عن أبي جمرة، عن زهدم بن مُضَرِّب، عن عمران بن حُصَيْن قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خيرُ أمتّي قَرْني، ثم الذين يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذينَ يلُونَهُمْ" قال عمران: فلا أدري ذكَرَ بعد قرنه قرنَيْن، أو ثلاثةً "ثمّ إنّ بَعْدَكم قومًا يَشْهَدُون، ولا يُسْتَشْهَدونَ، ويَخُونُون ولا يُؤتمنون، وينذرُون، ولا يُوفُونَ، ويظهر فيهم السِّمَنُ". وهذا لفظ البخاري (٥). ذكر سنة خمسمئة قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المُغيرة، حدثني صَفْوان، عن شُرَيح بن عُبَيْد، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ أنه قال: "إني لأرْجُو ألّا تَعْجِز أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّها أَنْ يُؤَخِّرَهَا نِصْفَ يَوْمٍ" قِيلَ لِسَعْد: وكَمْ نِصْفُ يَوْم؟ قال: خَمْسُمئة سنة. وقد تفرّد به أبو داود (٦). وأخرج الإمام أحمد بن حنبل عن أبي ثعلبة الخُشَنيِّ من قوله مثلَ ذلك (٧)، وهذا التحديد بهذه المدة لا ينفي ما يزيدُ عليها إن صحّ رفع الحديث، واللَّه أعلم.

стр. 7747

فأما ما يُوردُه كثير من العامّة أن النبي ﷺ قال: "لا يؤلَّف تحت الأرض". فهو من قولهم وكلامهم، وليس له أصل، ولا ذِكْر في كتب الحديث المعتمدة، ولا سمعناه في شيء من المبسوطات، والأجزاء المختصرات، ولا ثَبتَ في حديث عن رسول اللَّه ﷺ أنه حَدَّ الساعة بِمُدَّة محصورة، وإنما ذكر شيئًا من أشراطها وأماراتها وعلاماتها على ما سنذكره إن شاء اللَّه. ذكر الخبر الوارد في خروج نار من أرض الحجاز أضاءت لها أعناق الإِبل بُبصْرَى من أرض الشام وذلك في سنة أربع وخمسين وستمئة قال البخاري: حدّثنا أبو اليمان، حدثنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهريّ، قال: قال سعيد بن المُسيب، أخبرني أبو هُرَيْرَة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقوم السَّاعَةُ حتّى تَخْرُجَ نارٌ مِنْ أرض الحِجَاز تُضيءُ أَعناقَ الإِبل بِبصرى". ورواه مسلم من حديث الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب به (١). وقد رواه أبو نُعَيْمٍ الأصْبَهانيُّ، ومن خطِّه نقلْتُ، مِن طريقِ أبي عاصمٍ النَّبيلِ، عن عبدِ الحميدِ بنِ جعفرٍ، عن عيسى بن عليٍّ الأنصاريِّ، عن رافعِ بن بشير السَّلَمِيِّ (٢)، عن أبيه، قال رسولُ اللَّه ﷺ : "تَخْرُجُ نَارٌ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى، تَسِيرُ سَيْرَ مطية الإِبِلِ، تَسِيرُ النَّهَارَ وَتُقِيمُ اللَّيْلَ، تَغْدُو وَتَرُوحُ، فَيُقَالُ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ غَدَتِ النَّارُ فَاغْدُوا. أَوْ: قَالَتِ النَّارُ، أَيُّهَا النَّاسُ فَقِيلُوا. غَدَتِ النَّارُ، أَيُّهَا النَّاسُ فَرُوحُوا. مَنْ أَدْرَكَتْهُ أَكَلَتْهُ". هكذا رواه أبو نُعَيْمٍ، وهو في "مسند أحمدَ" مِن روايةِ رافعِ بن بشرٍ السَّلمِيِّ (٣)، عن أبيه، عن رسول اللَّه ﷺ بدونِ هذه الزيادة إلى: "تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى". وهو الصوابُ؛ فإن هذه النارَ التي ذكَر أبو نُعَيْمٍ هي النارُ التي تَسُوقُ النَّاسَ إلى أرضِ المَحْشَرِ، كما سيأتي بيانُ ذلك قريبًا (٤). وقال الإمامُ أحمدُ: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، ثنا أبي، سمِعْتُ الأعمشَ يُحَدِّثُ عن عمرو بن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ، عن حَبيبِ بنِ حِمَارٍ (٥)، عن أبي ذرٍّ قال: أَقْبَلْنا مع رسولِ اللَّه ﷺ ، فنَزَلْنا ذا الحُلَيْفَةِ فتعَجَّلَتْ رِجالٌ مِنَّا إلى المدينة، وبات رسول اللَّه، فلما أصْبَح سأل عنهم، فقيل: تَعَجَّلوا

стр. 7748

إلى المدينةِ. فقال: "تَعَجَّلُوا إلى المَدِينَةِ وَالنِّسَاءِ، أَمَا إنَّهُمْ سَيَدَعُونَهَا أَحْسَنَ مَا كَانَتْ". ثم قال: "لَيْتَ شِعْرِي، مَتَى تَخْرُجُ نَارٌ مِنَ الْيَمَنِ مِنْ جَبَلِ الوَرَاقِ تُضِيءُ لَهَا أَعْنَاقُ [الإبل] بُرُوكًا ببُصرَى كَضَوْءِ النَّهَارِ". وهذا الاسنادُ لا بأسَ به (١)، وكأنه مما اشْتَبه على بعضِ الرُّواةِ، فإن النار التي تَخْرُجُ مِن قَعْر عَدَنَ مِن اليمن، هي التي تَسُوقُ النَّاسَ الموجودين في آخرِ الزمانِ إلى المَحْشَرِ، وأما النارُ التي تُضيءُ لها أعناقُ الإبلِ، فتلك تَخْرُجُ مِن أرضِ المدينةِ النبويةِ، كما تقَدَّم بيانُ ذلك. وقد ذكر الشيخ شهابُ الدين أبو شامة، وكان شيخَ المحدِّثين في زمانه، وأستاذَ المؤرخين في أوانه، أن في سنة أربع وخمسين وستمئة في يوم الجمعة خاص جُمادَى الآخرة منها ظهرت نار بأرض المدينة النبوّية، في بعض تلك الأوْدية طول أربعة فراسخ، وعرض أربعة أميال، تُسِيل الصخر، حتى يبقى مثل الآنُك (٢) ثم يصِيرُ مثلَ الفحم الأسود، وأن ضوءها كان الناسُ يسيرون عليه بالليل إلى تَيمْاءَ (٣)، وأنها استمرّت شهرًا، وقد ضبط ذلك أهلُ المدينة، وعملوا فيها أشعارًا، وقد ذكرناها فيما تقدّم، وأخبرني قاضي القضاة، صدر الدين عليّ بن أبي القاسم الحنفي، قاضيهم بدمشق، عن والده الشيخ صفيّ الدين مدرّس الحنفية بِبُصْرَى، أنه أخبره غيرُ واحد من الأعراب صَبِيحةَ تلك الليلة، ممّن كان بحَاضِرَة بلد بُصْرى: أنهم شاهدُوا أعْنَاقَ الإِبل في ضَوْء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز، وقد تقدم بسط ذلك سنة أربع وخمسين وستمئة بما فيه كفاية عن إعادته هنا. ذكر إخباره ﷺ بالغيوب المستقبلة، بعد زماننا هذا قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا أبو عاصم، حدثنا عزْرة بن ثابت، حدثنا عِلباء بن أحمر الْيَشْكُريّ، حدثنا أبو زيد الأنصاريّ، قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ صلاة الصبح، ثم صَعِد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهرُ، ثم نزل فصلى الظهر، ثم صعِد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصرُ، ثم نزل فصلى العصر، ثم صعِد المنبر فخطبنا حتى غابت الشمس، فحدثنا بما كان، وما هو كائن، فأعلمُنا أحفظنا. وقد رواه مسلم مُنفردًا به في كتاب الفتن من "صحيحه"، عن يعقوب بن إبراهيم الدّوْرَقِيّ، وحجاج بن الشاعر، عن أبي عاصم الضحاك بن مَخْلَد النبيل، عن عزرة، عن عِلبْاء، عن أبي زيد، وهو عمرو بن أخطب بن رفاعة الأنصاريّ، به (٤). وقال البخاريّ في كتاب بدء الخلق من "صحيحه": رُوي عن عيسى بن موسى غُنْجار، عن

стр. 7749

رَقَبةَ، عن قَيْس بن مُسلم، عن طارق بن شهاب، قال: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: قام فينا رسول اللَّه ﷺ مَقامًا، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهلُ الجنة منازلَهم، وأهلُ النار منازلَهم، حفظ ذلك مَنْ حَفِظَهُ، ونَسيَهُ من نسيه. هكذا ذكره البخاريّ مُعلَّقًا بصيغة التمريض عن [عيسى] غُنْجار، عن رَقبة [وهو ابن مصقلة. قال أبو مسعود الدمشقي في "الأطراف": وإنما رواه عيسى غنجار عن أبي حمزة عن رَقَبَة] (١) فاللَّه أعلم. وقال أبو داود في أول كتاب الفتن من "سُنَنِه": حدثنا عثمانُ بن أبي شَيْبَة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حُذَيْفَة قال: قام فينا رسول اللَّه ﷺ قائمًا، فما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك، إلى قيام الساعة، إلّا حدّثه، حفظه مَنْ حَفِظَهُ، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيءُ فأذكره، كما يذكرُ الرجل وَجْهَ الرَّجُل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه. وهكذا رواه البخاريّ من حديث سُفيان الثوريّ، ومسلم من حديث جرير، كلاهما عن الأعمش به (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا مَعْمَر، عن عليّ بن زيد، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ صلاةَ العصر ذاتَ يوم بنهارٍ، ثم قام، فخطبنا إلى أن غابت الشمس، فلم يدَع شيئًا مما يكون إلى يوم القيامة إلّا حدّثَناهُ، حفظ ذلكَ من حَفِظَهُ، ونسي ذلك من نَسِيهُ، فكان مما قال: "يا أيُّها الناسُ، إن الدُّنيا خَضِرَةٌ حُلْوَة، وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فيها فناظرٌ كَيفَ تَعْمَلُونَ، فاتقوا الدُّنْيَا، واتقوا النِّساء". وذكر تمامَها إلى أن قال وقد دنت الشمسُ أن تغرُب: "وإن ما بقيَ من الدُّنيا فيما مضَى منها مثلُ ما تقِي من يَومِكُمْ هذَا فِيمَا مَضى منه". وعلي بن زيد بن جُدْعَان التيميّ، له غرائب، ومنكرات، ولكن لهذا الحديث شواهدُ من وجوه أُخرَ. وفي "صحيح مسلم"، من طريق أبي نَضْرة عن أبي سعيد بعضه (٣). وفيه الدلالة على ما هو المقطوع به، أن ما بقي من الدُّنيا بالنسبة إلى ما مضى منها شيء يسير جدًّا، ومع هذا لا يَعلَمُ مقدار ما بقي على التعيين والتحديد إلّا اللَّهُ تعالى، كما لا يَعلَمُ مقدار ما مضى منها إلّا اللَّهُ ، والذي في كتب الإسرائيليين، وأهل الكتاب، من تحديد ما سلف بألوف ومئين من السنين قد نَصّ غيرُ واحدٍ من العلماء على تخطئتهم فيه، وتغليطهم، وهم جديرون بذلك،

стр. 7750

حقيقون به، وقد ورد في حديث: "الدُّنْيَا جُمُعَةٌ من جُمَع الآخِرَة" ولا يَصحُّ إسناده (١)، وكذا كل حديث ورد فيه تحديدٌ بوقتِ يوم القيامة على التعيين لا يثبت إسنادُه، وقال اللَّه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات]، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف] والآيات في هذا، والأحاديث كثيرة، وقال اللَّه تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر] [وثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره، عن سهل بن سعد قال: سمعت النبي ﷺ يقول:] " بُعِثْتُ أَنا وَالسَّاعةُ كَهَاتَيْنِ" (٢) وفي رواية: "إنْ كادَتْ لتَسْبِقُنِي" (٣) وهذا يَدُلّ على اقْتِرَابها بالنسبة إلى ما مضى من الدنيا، وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨]. وفي "الصحيح" أن رجلًا من الأعراب سأل رسول اللَّه ﷺ عن الساعة، فقال: "إنّها كائنة، فما أعدَدْتَ لها؟ " فقال الرجل: واللَّه يا رسول اللَّه لَمْ أُعِدَّ لهَا كَثِيرَ صَلَاةٍ، وَلَا عَملٍ، ولكني أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فقال: "أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ" فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث (٤). وفي بعض الأحاديث: أنه ﷺ سُئِل عن السَّاعَةِ، فنظَرَ إلى غُلَامٍ فقال: "لَن يُدْرِكَ هَذَا الْهَرَمُ، حتَّى تَأْتِيَكُمْ ساعتُكُمْ" (٥) والمراد انْخِرامُ قَرْنِهِمْ، ودُخولهم في عالم الآخرة، فإنّ كُلَّ من مات، فقد دخل في حكم الآخرة، وبعضُ الناس يقول: من مات فقد قامت قيامته (٦)، وهذا الكلامُ بهذا المعنى صحيح، وقد يقول هذا بعضُ الملَاحِدَة، ويُشيرُون به إلى شيء من الزندقة والباطل، فأما الساعة العظمى وهو اجتماع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فهذا مما استأثَر اللَّه تعالى بعلم وقته، كما ثبت في الصحيح: "خمسٌ لا يَعْلَمُهُن إلَّا اللَّهُ"، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] (٧).

стр. 7751

ولما جاء جبريل ﵇ في صورة أعرابيّ، فسأل عن الإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان، أجابه ﷺ عن ذلك، فلمّا سأله عن الساعة، قال له: "ما المسؤولُ عنْها بأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ"، قال: فأخْبِرْنِي عَنْ أَشْرَاطِهَا، فأخْبَرهُ عن ذلك، كما سيأتي إيرادهُ بسنده، ومَتْنهِ (١) مع أمثاله، وأشكاله، من الأحاديث. باب ذكر الفتن جملة ثم نفصل ذكرها بعد ذلك إن شاء اللَّه تعالى قال البخاري: حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا الوليد، حدثني ابن جابر، حدثني بُسْرُ بن عُبَيْد اللَّه الحَضْرميّ، حدثني أبو إدريس الخَوْلَانيُّ، أنّه سمعِ حُذَيْفَةَ بنَ اليَمانِ يقول: كان الناسُ يسألون رسول اللَّه ﷺ عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشرّ مخافةَ أن يُدْرِكني، فقلت: يا رسول اللَّه، إنّا كُنا في جَاهِليّة وشَرّ، فجاءنا اللَّهُ بهذا الخير، فهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ مِنْ شَرّ؟ قال: "نَعَمْ": قلت: وهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشرّ مِنْ خَيْر؟ قال: " نعم، وفيه دَخَنٌ (٢) "، قلت: وما دَخَنُه؟ قال: "قوم يَهْدُون بغير هديي تعرِفُ منهُمْ وتُنْكِرُ"، قلت: فهلْ بعد ذلك الخير من شَرّ؟ قال: "نعم، دُعَاةٌ على أبوابِ جهنم، من أجابهُمْ إليها قَذَفُوهُ فيها"، قلت: يا رسول اللَّه، صِفْهُم لنا، قال: "هُمْ من جلدتنا، ويتكلَّمُونَ بألسنتِنَا"، قلت: فما تأْمُرني إن أدْرَكَنِي ذلك؟ قال: "تَلزمُ جماعةَ المسلمين وإمامَهُمْ"، قلت: فإن لم يكن لهم إمام، ولا جماعةٌ، قال: "فاعْتَزِل تلك الفِرَق كُلَّهَا، ولو أن تَعَضَّ بأصْلِ شجرةٍ، حتى يُدْركك الموتُ وأنتَ على ذلك". ثم رواه البخاريّ أيضًا، ومسلم، عن محمد بن المثنَّى، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، به نحوه. وقد رُوي هذا الحديث من طُرُق كثيرةٍ، عن حُذيفَة، فرواه أحمدُ، وأبو داود، والنسائيّ، من طريق نصر بن عاصم، عن خالد بن خالد اليَشْكُرِيّ الكوفيّ، عنه مبسوطًا، وفيه تفسير لما فيه من مُشْكِل، ورواه النسائي وابن ماجه، من رواية عبد الرحمن بن قُرْط عنه. وفي "صحيح البخاري"، من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قَيْس بن أبي حازم، عن حُذَيْفَة، قال: تعلَّمَ أصحابي الخيرَ، وتَعَلَّمْتُ الشَّرَّ (٣). وثبت في "الصحيح" من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحْوص، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الإسلام بدأ غَرِيبًا، وسيعُودُ غَرِيبًا كما بدأ، فطُوبَى

стр. 7752

لِلْغُربَاءِ" قيل: وَمَن الغُرَباء؟ قال: "النُّزَّاعُ من القبائل" (١) ورواه ابنُ ماجه عن أنس، وأبي هريرة (٢). وقال أحمد: ثنا هارونُ بن معروف، أنبأنا عبدُ اللَّه بن وهبٍ، أخبرني أبو صخر، أنَّ أبا حازم حدَّثه، عن ابنٍ لسعدِ بن أبي وقاص: سمِعت أبي يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ الإِيمَانَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأ، فَطُوبَى يَوْمَئِذٍ لِلْغُرَبَاءِ؛ إذَا فَسَدَ النَّاسُ، وَالَّذِي نَفْسُ أبي الْقَاسِم بيَدِهِ لَيَأْرِزَنَّ الإِيمَانُ مِنْ هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا" (٣). وقال أحمد: ثنا حسن بن محمدِ بن موسى، ثنا ابن لهيعةَ، ثنا جميلٌ الأسْلَمِيُّ، عن سهل بن سعد الساعديِّ، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكْنِي زَمَانٌ" -أو قال: "لَا تُدْرِكُوا زَمَانًا- لَا يُتَّبَعُ فِيه الْعَلِيمُ، وَلَا يُسْتَحْيَا فِيهِ مِنَ الْحَلِيمِ، قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الأَعَاجِمِ، وَأَلْسِنَتُهُمْ أَلْسِنَةُ العَرَبِ". تفرَّد [به] أحمد (٤). باب افترق الأمم وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بِشر، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تفرَّقت اليَهُودُ عَلَى إحْدَى وَسَبْعِينَ فرقة، وتفرَّقَت أمَّتِي على ثلاثٍ وَسَبْعِينَ فرقة". ورواه أبو داود، عن وهب بن بَقِيَّة، عن خالد، عن محمد بن عمرو، به (٥). وقال ابن ماجه: حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، حدثنا عبَّاد بن يوسف، حدثنا صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عوف بن مالك، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "افترقت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفسي بيده لتَفْتَرِقَنَّ أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار" قيل: يا رسول اللَّه من هم؟ قال: "الجماعة". تفرد به، وإسنادُه لا بأس به (٦).

стр. 7753

وقال ابن ماجه أيضًا: حدثنا هشام هو ابن عَمّار، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو عمرو، حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلّا واحدة، وهي الجماعة". وهذا إسناد قويّ على شرط الصحيح، تفرد به ابنُ ماجه أيضًا (١). وقد روى أبو داود، من حديث الأوزاعيّ عن قتادة، عن أنس، وأبي سعيد، قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "سيكون في أمتي اختلافٌ وفُرْقة، وقوم يُحسِنون القيل، ويُسِيؤون الفعل. . . " الحديث (٢). وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، ومحمد بن يحيى بن فارس، قالا: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوانُ، هو ابن عمرو، حدثنا أزهر هو ابن عبد اللَّه الحَرازيّ، قال أحمدُ: عن أبي عامر الهوزنيّ، عن معاوية بن أبي سفيان، أنه قام، فقال: ألا إنّ رسول اللَّه ﷺ قام فينا، فقال: "ألا إنّ مَنْ كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملّة، وإنّ هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة". تفرّد به أبو داود، وإسناده حسن (٣). وفي "مُستدرك الحاكم" أن الصحابة لما سألوه عن الفرقة الناجية: من هم؟ قال: "ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (٤). وقال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن إسحاق، ثنا ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن سهل بن سعد الأنصاري عن رسول اللَّه ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم مِثلًا بمثل". تفرد به أحمد من هذا الوجه (٥). وقد تقدم في حديث حُذَيْفة أنَّ المَخْلَصَ من الفِتَنِ عندَ وقُوعِها اتِّباعُ الجَماعةِ ولُزومُ الإِمامِ بالطاعةِ إذا كانوا على حق واتِّباعِ الشرعِ، وإذا فسَدوا فلا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ، فإنَّما الطاعةُ في المعروفِ. قال أبو بكرٍ الصديق: أطيعوني ما أطعتُ اللَّهَ ، فإذا خالفتُ فلا طاعةَ لي عليكم. وقد قال ابنُ ماجه: حدَّثنا العَبّاسُ بنُ عُثمان الدِّمَشقيُّ، حدَّثنا الوليدُ بن مسليم، حدَّثنا مُعانُ بن رِفاعةَ السَّلَاميُّ، حدَّثنا أبو خَلَفٍ الأعْمى، أنه سمِع أنس بن مالك يقول: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقولُ: "إنَّ أُمَّتِي لا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالةٍ، فَإذَا رَأيْتُم الاخْتِلَافَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ". ولكن هذا

стр. 7754

حديثٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ مُعانَ بن رفاعة السَّلَاميِّ قد ضعَّفه غيرُ واحدٍ من الأئمة (١). وفي بعضِ الرِّواياتِ: "عَلَيْكُمْ بالسَّوَادِ الأَعْظَمِ؛ الْحَق وأَهْلِه" (٢). وقد كان الإمامُ أحمدُ يقولُ: السوادُ الأعظم: محمدُ بن أسلم الطوسيُّ. وقد كان أهل الحقِّ في الصدرِ الأولِ هم أكثرَ الأُمةِ؛ فكان لا يوجدُ فيهم مبتدعٌ لا في الأقوالِ ولا الأفعال، وفي الأعصارِ المتأخِّرةِ قد يجتمعُ الجمُّ الغفيرُ على بدعةٍ، وقد يخلو الحقُّ في بعْضِ الأزمانِ المتأخرةِ عن عِصَابةٍ يقومون به، كما قال في حديثِ حُذيفةَ: فإنْ لم يكنْ لهم إمامٌ ولا جَمَاعةٌ؟ قال له: "فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ" (٣). وكما تقدَّم الحديثُ الصحيحُ: "بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ" (٤). وسيأتي في الحديثِ: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللَّهُ، اللَّهُ" (٥). والمقصودُ أنَّه إذا ظَهَرتِ الفتنُ، فإنَّه يَسُوغُ اعتزالُ النَّاس حينئذٍ، كما ثبَت عن النبيِّ ﷺ : "إذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَليْكَ بخُوَيْصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ أَمْرَ الْعَوامِّ" (٦). وفي رواية: "إذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، فَعَلَيْكَ بخَاصَّةِ نَفْسِكَ، فَإنَّ مِنْ بَعْدِكُمْ زَمَانَ الصَّبْرِ، صَبْرٌ فِيهِنَّ كَقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ" (٧). وقد اعتزَل جماعةٌ مِن السلفِ النَّاسَ والجُمعةَ والجماعةَ، وهم أئمةٌ كبارٌ؛ كأبي ذرٍّ، وسعدِ بنِ أبي وقاصٍ، وسعيدِ بن زيْدٍ، وسلمةَ بنِ الأكوعِ في جماعةٍ من الصحابة (٨)، حتى اعتزلوا مسجدَ النبيِّ ﷺ الذي الصلاة فيه بألف صلاة، واعتزل مالك الجمعة والجماعة في مسجد النبي ﷺ مع معرفته الحديثَ في فضلِ الصلاةِ فيه، فكانَ لا يشهدُ جمعة ولا جماعةً، وكان إذا ليمَ في ذلك يقولُ: ما كلُّ ما يُعْلَمُ يُقَالُ. وقصتهُ معروفةٌ (٩)، وكذلك اعتزل سفيانُ الثوريُّ وخلقٌ من التابعينَ وتابعيهم؛ لِما شاهَدوه من الظلمِ والشرور والفتن خوفًا على إيمانهم أَنْ يُسْلبَ منهم،

стр. 7755

وقد ذكَر الخطَّابيُّ في كتابِ "العُزلةِ" وكذلك ابنُ أبي الدنيا قبلَه من هذا جانبًا كبيرًا. وقال البخاريُّ: حدَّثنا عبد اللَّه بن يوسف، أخبرنا مَالِكٌ، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه (١) بن أبي صَعْصَعةَ، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ قال: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجِبَالِ ومواقعَ الْقَطْرِ؛ يَفرُّ بِدِ. ينهِ مِنَ الْفِتَنِ". لم يخرجْه مسلمٌ، وقد روَاه أبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَه، من طريقِ ابن أبي صَعْصَعةَ به (٢). ويجوزُ حينئذٍ سؤالُ الموتِ وطلبُه من اللَّهِ عندَ ظهورِ الفتنِ والظلمِ وإن كان قد نُهِي عنه لغيرِ ذلك، كما صحَّ به الحديثُ (٣). وقال الإمامُ أحمد: حدَّثنا حسنٌ، حدَّثنا ابن لَهِيعةَ، حدَّثنا أبو يونس، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ ، أنَّه قال: "لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ وَلَا يَدْعُو بهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَثِقَ بِعَمَلِهِ، فَإِنَهُ إذا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤمِنَ عُمُرُهُ إلَّا خَيْرًا" (٤). والدليلُ على جوازِ سؤالِ الموتِ عندَ حلول الفتنِ: الحديثُ الذي رواه أحمد في "مسندِه" عن مُعَاذِ بنِ جَبلٍ، وهو حديثُ المَنَام الطويلُ، وفيه: "اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ بِقَوْمٍ فِتْنَة فتَوَفَّنِي إِليْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَل يُقَرِّبُنِي إِلى حُبِّكَ" (٥). وهذه الأحاديثُ المتقدمة دالَّةٌ على أنَّه يأتي على النَّاسِ زَمَان شَدِيدٌ لا يكُونُ فيه للمسلمين جَماعَةٌ قَائِمةٌ بالحق، إمَّا في جميعِ الأرضِ، أو في بعضِهَا. وقد ثبَت في "الصحيح" عن عبدِ اللَّه بن عمرو، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ العُلَماءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" (٦). وفي الحديثِ الآخر: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّه وَهُمْ كَذَلِكَ" (٧). وفي "صحيح البخاريِّ": "وَهُمْ بِالشَّامِ" (٨). قال عبد اللَّه بنُ المباركِ وغيرُ واحدٍ من الأئمَّةِ: وهم أهل الحديثِ.

стр. 7756

وقال أبو داودَ: حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ المَهْرِيُّ، حدَّثنا ابنُ وهبٍ، حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي أيوبَ، عن شَراحيلَ بنِ يزيدَ المَعَافِريِّ، عن أبي عَلْقمةَ، عن أبي هريرةَ، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّهَ تعالى يَبْعَثُ لِهَد الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِئَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا أَمْرَ دِينهَا". تفرَّد به أبو داودَ. ثم قال: عبد الرَّحمنِ بنُ شُرَيحِ لم يَجُزْ به شَراحِيلَ. يعني أنَّه موْقُوفٌ عليه (١). وقد ادَّعى كلُّ قومٍ في إمامِهِم أنَّه المُرَادُ بهذا الحديثِ، والظَّاهِرُ، واللَّهُ أعلمُ، أنَّه يَعُمُّ حمَلَة العِلْمِ العاملين به من كلِّ طائفةٍ، ممن عملُه مأخوذٌ عن الشارعِ، أو ممن هو موافقٌ للحق من كُلِّ طَائِفةٍ وكُلِّ صنْفِ من أصْنافِ العُلَماءِ؛ من مفشرين، ومُحَدِّثين، وقُرَّاءَ، وفُقَهاءَ، ونُحَاةٍ، ولُغَويِّين، إلى غيرِ ذلك مِن أصنافِ العلومِ النافعةِ، واللَّهُ أعلمُ. قال سفيانُ بنُ عيينةَ: مَن فسَد من علمائِنا كان فيه شَبهٌ من اليهودِ، ومَن فسَد مِن عُبَّادِنا، كان فيه شبةٌ من النَّصارَى. وقولُه في حديثِ عبدِ اللَّه بنِ عمرو: "إنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُه مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ بِقَبْضِ العُلَماءِ": ظاهرٌ في أن العلمَ لا يُنْتَزَعُ من صُدورِ العلماءَ بعدَ أنْ وهبَهُمُ اللَّهُ إيَّاه. وقد ورد في الحديثِ الآخر الذي رواه ابنُ ماجَه عن بُندَارٍ، ومحمَّدِ بنِ المُثنَّى، عن غُنْدَرٍ، عن شُعْبَةَ: سمعتُ قتادةَ يُحدِّثُ عن أنسِ بن مالكٍ قال: ألَا أحدِّثُكم حديثًا سمعتُه من رسول اللَّه ﷺ لا يحدِّثُكم به أَحدٌ بعدِي، سمِعتُه يقول: "إن من أشراط الساعة أن يُرفَع العلم، ويَظْهَر الجهل، ويَفْشُوَ الزنى، ويُشْرَب الخمر، ويذهب الرجال، ويبقى النساء، حتى يكون لخمسين امرأة قيِّم واحد". وأخرجاه في "الصحيحين" من حديث غُنْدر به (٢). وقال ابن ماجه: حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن نُمَيْر، حدثنا أبي ووكيع، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يكون بين يدي السَّاعة أيامٌ، يرفع فيها العلم، وينزل فيها الجهل، ويكبّر فيها الهَرْج، والهرج القتل". وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به (٣). وقال ابن ماجه: حدثني علي بن محمد، حدثنا أبو معاوية، عن أبي مالك الأشجعي، عن رِبْعِيّ ابن حِرَاش، عن حُذَيْفة بن اليمانِ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يَدْرُس الإسلامُ كما يَدْرُس وشْيُ الثوب، حتى لا يُدرى ما صيامٌ ولا صلاة ولا صدقة ولا نُسُك، ويُسْرَى على الكتاب في ليلة، فلا يبقى

стр. 7757

في الأرض منه آية، وتبقى طوائفُ من الناس: الشيخُ الكبير، والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا اللَّه، فنحن نقولها" فقال له صلة: ما تغني عنهم "لا إله إلا اللَّه" وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة، فأعرض عنه حُذَيْفة، ثم ردّها عليه ثلاثًا، كلُّ ذلك يُعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة، تُنجيهم من النار، ثلاثًا (١) وهذا دالٌّ على أن العلمَ قد يُرفع من صدور الناس في آخر الزمان، حتى إن القرآن يُسرى عليه فيرفع من المصاحف، والصدور، ويبقي الناس بلا علم ولا قرآن، وإنما الشيخ الكبير والعجوز المسنّة، يخبران أنهم أدركوا الناس وهم يقولون: لا إله إلا اللَّه، فهم يقولونها أيضًا على وجه التقرُّب بها إلى اللَّه، فهي نافعة لهم، وإن لم يكن عندهم من العمل الصالح، والعلم النافع غيرُها، وقوله: تنجيهم من النار، يحتمل أن يكون المراد أنها تدفع عنهم دخول النار بالكلية، ويكون فرضُهم في ذلك الزمان القول المجرد عن العمل لعدم تكليفهم بالأعمال التي لم يخاطَبوا بها، واللَّه أعلم، ويحتمل أن يكون المعنى أنها تُنجيهم من النار بعد دخُولهم إليها، وأن "لا إله إلا اللَّه" تكون سبب نجاتهم من العذاب الدائم المستمر، وعلى هذا يحتمل أن يكونوا من المرادين بقوله تعالى في الحديث: "وعزتي وجلالي لأُخْرجنّ من النار من قال يومًا من الدهر: لا إله إلا اللَّه"، كما سيأتي بيانه في أحاديث الشفاعة (٢)، ويحتمل أن يكون أولئك قومًا آخرين، واللَّه أعلم. والمقصود: أن العلم يُرفع في آخر الزمان، ويكثُر الجهل في رواية، وفي رواية: "وينزلُ الجهلُ" أي: يُلْهَمُ أهلُ ذلك الزمان الجهل، وذلك من قهر اللَّه عليهم، وخذلانه إياهم، نعوذ باللَّه من ذلك، ثم لا يزالون كذلك في تزايد من الجهالة، والضلالة، إلى منتهى الآجال، كما جاء في الحديث الآخر: "لا تقومُ الساعة على أحد يقول: اللَّه، اللَّه" (٣) و"لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" (٤). وفي الطَّبرانيِّ من حديثِ مُطَّرِحِ بن يزيدَ، عن علي بنِ يزيدَ، عن القاسم، عن أبي أُمامةَ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّ لِهَذَا الدِّينِ إِقْبَالًا وَإِدبَارًا، وَإِنَّ مِنْ إِقْبَالِهِ أَنْ تَفْقَهَ الْقَبِيلَةُ بأَسْرِهَا، حَتَّى لَا يَبْقَى فِيهَا إِلَّا الْفَاسِقُ أَوِ الْفَاسِقَانِ، فَهُمَا ذَلِيلَانِ فِيهَا مُضْطَهَدَانِ، إِنْ تَكَلَّمَا قُهِرَا وَذُلَّا وَاضْطُهِدَا، وَإِنَّ مِنْ إِدْبَارِ هَذَا الدِّينِ أَنْ تَجْفُوَ الْقَبِيلَةُ بِأَسْرِهَا، فَلَا يَبْقَى فِيها إِلَّا الْفَقِيهُ أَوِ الْفَقِيهَانِ، فَهُمَا ذَلِيلانِ

стр. 7758

مُضْطَهَدَانِ، إِنْ تَكَلَّمَا قُهِرَا وَاضْطُهِدَا، وَيَلْعَنُ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلَهَا، أَلَا وَعَلَيْهِم حَلَّتِ اللَّعْنَةُ، حَتَّى يشربوا الْخَمْرَ عَلَانِيَةً، وَحَتَّى تَمُرَّ الْمَرْأَةُ بِالْقَوْمِ، فَيَقُومَ إِلَيْهَا بَعْضُهُمْ، فَيَرْفَعَ بِذيْلِهَا كَمَا يُرْفَعُ بِذَنَبِ النَّعْجَةِ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: أَلَا وَارَيْتَهَا وَرَاءَ حَائِطٍ. فَهُوَ يَوْمَئِذٍ فِيهِمْ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِيكُمْ، وَمَنْ أَمَرَ يَوْمَئِذٍ بِمَعْرُوفٍ، وَنَهَى عَنْ مُنْكَرٍ، فَلَهُ أجْرُ خَمْسِينَ مِمَّنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي وَأَطَاعَنِي وَبَايَعَنِي" (١). ذكر شرور تحدث في هذه الأمة في آخر الزمان وإن كان قد وجد بعضها في زماننا أيضًا قال أبو عبد اللَّه ابن ماجه ﵀ في كتاب الفتن من "سننه": حدَّثنا محمود بن خالد الدمشقي، حدَّثنا سليمان بن عبد الرحمن، أبو أيُّوب، عن ابن أبي مالك، عن أبيه، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد اللَّه بن عمر، قال: أقبل علينا رسول اللَّه ﷺ فقال: "يا معشر المهاجرين، خمسُ خصال إذا ابتُليتُمْ بهن، وأعوذ باللَّه أن تدركوهُنّ: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يُعلِنُوا بهَا إِلَّا فَشَا فيهم الطاعون، والأوجاعُ التي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِم الَّذِينَ مَضَوْا، ولم يَنْقصُوا المكيال والميزان إِلَّا أُخِذُوا بالسنين، وشدة الْمَؤُونة، وجَوْر السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلَّا مُنعوا القَطْر من السماء، ولولا البهائمُ لم يُمْطَروا، ولم يَنْقُضُوا عهد اللَّه، وعهدَ رسوله، إلَّا سَلَّطَ اللَّه عليهم عَدُوًّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أَئِمَّتُهُمْ بكتاب اللَّه، ويتخيروا مما أنزل اللَّه إلَّا جعل اللَّه بأسهم بينهم". تفرّد به ابنُ ماجه، وفيه غرابه (٢). وقال الترمذيّ: حدثنا صالح بن عبد اللَّه، حدثنا الفرَج بن فضَالة أبو فضالة الشامي، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن عمرو بن علي، عن عليّ بن أبي طالب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا فعلت أمتي خمس عشرة خَصلة حلَّ فيها البلاء" قيل: وما هي يا رسول اللَّه؟ قال: "إذا كان المَغْنَم دُوَلًا، والأمانة مَغْنَمًا، والزكاة مَغْرَمًا، وأطاع الرجلُ زَوْجَتَهُ، وعَقَّ أُمَّهُ، وبرِّ صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصواتُ في المساجد، وكان زعيمُ القوم أرذَلهم، وأُكْرِمَ الرجلُ مخافة شَرِّه، وشُرِبت الخَمْر، ولُبس الحرير، واتخِذت القينات، والمعازف، ولَعَن آخِرُ هذه الأمة أوَّلَهَا، فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء، أو خَسْفًا ومَسْخًا". ثمَّ قال الترمذيّ: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث علي إلّا من هذا الوجه، ولا نعلم أحدًا روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ غير الفرَج بن

стр. 7759

فضالة، وفد تكلم فيه بعضُ أهل العلم من قِبَلِ حِفْظِهِ، وقد رَوَى عنه وكيعٌ، وغيرُ واحد من الأَئمّة (١). وقال الحافظ أبو بكر البزّار: حدثنا محمد بن الحسين القيسي، حدثنا يُونُس بن أرقم، حدثنا إبراهيمُ بن عبد اللَّه بن حسن بن حسن، عن زيد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن جَدِّه، عن عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ صلاة الصبح، فلما صلى صلاته ناداه رجل: متى الساعة؟ فزبره رسول اللَّه ﷺ وانتهره، وقال: "اسكت"، حتى إذا أسفر رفع طرْفه إلى السماء، فقال: "تبارك رافعُها، ومُدبّرها" ثم رَمَى ببصره إلى الأرض، فقال: "تبارك داحِيها، وخالقُها" ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "أين السائلُ عن الساعة؟ " فجثا الرجل على رُكبتيه، فقال: أنا بأبي وأمي سألتك، فقال: "ذلك عند حَيْف (٢) الأئمّة، وتصديق بالنجوم، وتكذيب بالقَدر، وحتى تُتَّخَذَ الأمانةُ مَغْنمًا، والصَّدَقَةُ مَغْرَمًا، والفاحِشَةُ زيادة، فعند ذلك يَهْلِكُ قومُك". ثم قال البزّار: لا نعرفُه إلا من هذا الوجه، ويونُس بن أرقم كان صادقًا، روى عنه الناس، وفيه شِيعيّة شديدة (٣). ثم قال الترمذيّ: حدثنا عليّ بن حجر، حدثنا محمد بن يزيد، عن المستلم بن سعيد، عن رميح الجُذاميّ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا اتُّخِذَ الفيْء دُولًا، والأمانةُ مَغْنَمًا، والزكاةُ مَغْرَمًا، وتُعُلِّم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته، وعقَّ أُمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه، وظهرت الأصواتُ في المساجد، وساد القبيلةَ فاسقُهم، وكان زعيمُ القوم أرذَلهم، وأُكْرِمَ الرجلُ مخافةَ شَرِّهِ، وظهرت القَيْنَاتُ (٤)، والمعازف، وشُربت الخمور، ولعن آخرُ هذه الأمة أوَّلهَا، فليرتقبُوا عند ذلك ريحًا حمراء، وخَسْفًا، ومَسْخًا، وقذفأ، وآياتٍ تَتَابع، كنظام (٥) بالٍ قُطع سِلكُه فتتابع". وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٦). حدّثنا عبّاد بن يعقوب الكوفيّ، حدثنا عبد اللَّه بن عبد القُدُّوس، عن الأعمش، عن هلال بن يِسَافٍ، عن عمران بن حُصَيْن: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "في هذه الأمة خَسْفٌ، ومَسْخٌ، وفَذْفٌ" فقال رجل من المسلمين: ومتى ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: "إذا ظهرت القِيَانُ، والمعازف، وشُرِبت الخمور". ثم قالا: هذا حديث غريب، ورُوي هذا الحديث عن

стр. 7760

الأعمش، عن عبد الرحمن بن سابِط، عن النبي ﷺ مرسلًا (١). وقال التِّرمذي: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الكِنديّ، حدثنا زيد بن الحُباب، أخبرني موسى بن عُبَيْدَة، أخبرني عبد اللَّه بن دِينار، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا مَشَتْ أمّتي المُطَيْطَاء (٢)، وخدمها أبناءُ الملوك، أبناءُ فارس، والروم، سُلِّطَ شرارُها على خِيَارِها". وهذا حديث غريب، وقد رواه أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد اللَّه بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمر، فذكره، ولا نعرف له أصلًا. وقد رواه مالك، عن يحيى بن سعيد، مُرْسَلًا (٣). ثم روى من حديث صالح المُرّي، عن سعيد الجُرَيريّ، عن أبي عثمان النهديّ، عن أبي هُرَيْرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِذَا كَانَ أُمَرَاؤكُمْ خِيَاركم، وأغنياؤكم سمحاءَكُم، وأموركُم شُورَى بَيْنَكُم، فظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بُخَلاءَكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها". ثم قال: غريب، لا نعرفه إلَّا من حديث صالح المُري، وله غرائب، لا يُتابَع علَيْها، وهو رجل صالح (٤). وروى الحافظ أبو بكرٍ الإسماعيليُّ من طريقِ مباركِ بن حسانَ، عن عمر بن [قيس المكي عن] عاصم بن عُبيد اللَّه بن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كَيْفَ أَنْتُمْ إذَا طَغَى نِسَاؤُكُمْ، وفَسَقَ شبابُكم (٥)؟ " قالوا: يا رسول اللَّه، وإنَّ ذلك لَكَائنٌ؟! قال: "وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ؛ لَا تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ". قالوا: وإن ذلك لكائنٌ؟! قال: "وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ؛ تَرَوْنَ المَعْرُوفَ مُنْكَرًا، وَالمُنْكَرَ مَعْروفًا". قالوا: وإن ذلك لكائنٌ؟! قال: "وَأَشَدُّ مِنْهُ؟ تَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ". قالوا: وإن ذلك لكائنٌ؟ قال: "وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ". ثم قال رسول للَّه ﷺ : "بِئْسَ أُولَئِكَ القَوْمُ، وَبِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ يَقْتُلُونَ الَّذينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ، وَبِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ يَسْتَحِلُّونَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالشَّهَوَاتِ بالشُّبُهَاتِ، وَبئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ يَمْشِي المُؤْمِنُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِالتَّقِيَّةِ وَالْكِتْمانِ" (٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا خَلَف بن الوليد، حدثنا عَبَّاد بن عَبَّاد، عن مجالد بن سعيد، عن أبي الودّاك، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لتَضْرِبَنَّ مُضَرُ عبادَ اللَّه حتى لا يُعبَد للَّه

стр. 7761

اسم، ولَيَضْرِبَنَّهُمُ المؤمنون حتى لا يَمْنعُوا ذَنَب تَلْعَةٍ (١) ". تفرّد به أحمد من هذا الوجه (٢). وقال أحمد: حدَّثنا عبدُ الصمد، حدثنا حَمَّادٌ، يعني ابن سلمة، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابة، عن أنَسٍ، عن النبي ﷺ قال: "لا تقومُ الساعةُ حتَّى يَتَبَاهَى الناسُ في المَسَاجِدِ". ورواه أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، من حديث حَمَّاد بن سَلَمَة، عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن عبد اللَّه بن زيد الجَرْميّ، زاد أبو داود: وعن قتادة، كلاهما عن أنس، عن النبي ﷺ به (٣). وسيأتي في ذِكر أشراط الساعة حديثُ ابن مسعود، وفيه: "وَتُزَخْرَفُ المحَارِيبُ، وتَخْرَبُ القُلُوب". وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيدُ بن هارون، حدثنا شَرِيك بن عبد اللَّه، عن عثمان بن عُمَيْر، عن زَاذَان أبي عمر، عن عُلَيم، قال: كُنّا جُلوسًا على سطح، مَعَنا رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، قال يزيد: لا أعْلَمُهُ إلا عَبْسًا الغِفَاريّ، والناس يخرجون في الطاعون، فقال عَبْس: يا طاعون، خذني، يقولها ثلاثًا، فقال له عُلَيم: لم تقول هذا؟ ألم يَقُلْ رسول اللَّه ﷺ : "لا يَتَمَنَّى أحدكم المَوْتَ، فإنَّهُ عِنْدَ انْقِطاعِ عَملِه، وَلَا يُرَدُّ فَيَستَعْتِب (٤) "؟، فقال: إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "بَادِرُوا بالمَوتِ ستًّا: إمْرَةَ السُّفَهاءِ، وكثْرَةَ الشُّرَط، وبَيْعَ الحُكْم، واستِخْفَافًا بالدم، وقطيعةَ الرحم، ونَشَوًا يتخذون القرآن مزامير يقدِّمُونَه لِيُغَنِّيهم، وإن كان أقَل مِنْهُمْ فقهًا". تفرَّد به أحمد (٥). وفي رواية أبي مُعَلَّى (٦) عن الحكم بن عمرو مثلُه أو نحوُه، كما ذكَرْنا في الزياداتِ على "مسندِ أحمدَ" (٧)، واللَّهَ سبحانَه أحمدُ، وقد قال الطَّبَرانيُّ: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ التُّسْتَرِيُّ، حدَّثنا عبدُ اللَّه بن معاويةَ الجُمَحِيُّ، حدَّثنا جَميلٌ (٨) بنُ عُبيدٍ الطائيُّ، حدَّثنا أبو مُعَلَّى (٦)، قال: قال الحكمُ الغِفاريُّ: يا طاعونُ، خُذْني إليك. فقال له رجلٌ مِن القوم: لمَ تقولُ هذا، وقد سمعتَ رسول اللَّه ﷺ يَقولُ: "لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ"؟ فقال: قد سمعتُ ما سمعتُم، ولكني أُبادرُ ستًّا: بَيْعَ الحُكْمِ، وكثرةَ

стр. 7762

الشُّرَطِ، وإمارةَ الصِّبيانِ، وسفكَ الدماء، وقطيعةَ الرَّحِمِ، ونَشَوًا يكونون في آخرِ الزمانِ يَتَّخِذون القُرآنَ مَزامِيرَ (١). وروى الطبراني من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلمَ، عن أبي حازم، عن سهل بن سعدٍ، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَمَسْخٌ". قيل: ومتى ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: "إِذَا ظَهَرَتِ الْمَعَازِفُ وَالْقَيْنَاتُ، وَاسْتُحِلَّتِ الْخَمْرُ". له شاهدٌ في "صحيح البخاري" من حديث أبي مالك أو أبي عامرٍ، كما جزمَ به البخاريُّ (٢). وقال الإمامُ أحمدُ: ثنا يحيى بن أبي بُكَير، ثنا عُبَيد اللَّه بن إيادِ بن لَقِيطٍ، سمعتُ أبي يَذكُرُ عن حُذيفةَ، قال: سُئِل رسولُ اللَّه ﷺ عن الساعةِ، فقال: "عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلَّا هُوَ، وَلكِنْ أُخْبِرُكُمْ بِمَشَارِيطِهَا، وَمَا يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهَا، إِنَّ بينَ يَدَيْهَا فِتَنًا وَهَرْجًا". قالوا: يا رسول اللَّه، الفتنةُ قد عرَفْناها، فالهَرْجُ ما هو؟ قال: "هُوَ بلِسَانِ الْحَبَشَةِ الْقَتْلُ". قال: "وَيُلْقَى بَيْنَ النَّاسِ التَّنَاكُرُ، فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يَعْرِفُ أَحَدًا". تفَرَّد به أحمد (٣). وقال أحمدُ أيضًا: ثنا أبو المُغيرةِ، ثنا صَفْوانُ، حدَّثني السَّفْرُ بنُ نُسَيْرٍ الأزْديُّ وغيرُه، عن حذيفةَ بنِ اليَمانِ، أنه قال: يا رسول اللَّه، إنا كنا في شم، فذهبَ اللَّهُ بذلك الشرِّ، وجاء بخيرٍ على يديك، فهل بعدَ الخيرِ مِن شرٍّ؟ قال: "نَعَمْ". قلتُ: ما هو؟ قال: "فِتَنٌ كَقِطَع اللَّيْلِ الْمُظْلِم يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، تَأْتِيكُمْ مُشْتَبِهَةً (٤) كَوُجُوهِ الْبَقَرِ لَا تَدْرُونَ أَيًّا مِنْ أَيٍّ" (٥). وقال أحمدُ: ثنا سليمانُ، ثنا إسماعيلُ، حدَّثني عمرو، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمنِ الأَشْهَليِّ، عن حذيفةَ، [أن النبيَّ ﷺ ] قال: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتُلُوا إِمَامَكُمْ، وَتَجْتَلِدُوا بأَسْيَافِكُمْ، وَيَرُبَّ (٦) دُنْيَاكُمْ شِرَارُكُمْ" (٧).

стр. 7763

وبه: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بالدُّنْيَا لُكَعُ ابْنُ لُكَعَ" (١). وقال الطَّبَرانيُّ: ثنا الحسينُ بنُ إسحاقَ التُّسْتَريُّ، ثنا عمرو بن هشام أبو أميةَ (٢) الحَرَّانيُّ، ثنا عثمان (٣) بن عبد الرحمن، عن صدَقةَ، عن زيدِ بنِ واقدٍ، عن العَلاءِ بنِ الحارثِ، عن حِزامِ بنِ حَكيم بنِ حِزَامٍ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ قال: "إِنَّكُمْ قَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَانٍ كَثِيرٍ فُقَهَاؤُهُ، قلِيلٍ خُطَبَاؤُهُ، كَثِيرٍ مُعْطُوهُ، قَلِيلٍ سَائِلُوهُ (٤)، الْعَمَلُ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْعِلْمِ، وَسَيَأْتِي زَمَانٌ قليلٌ فُقَهَاؤُهُ، كَثِيرٌ خُطَبَاؤُهُ، كَثِيرٌ سُؤالُهُ، قَلِيلٌ مُعْطُوهُ، والْعِلْمُ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ" (٥). وقال أحمد: ثنا حمادُ بن أسامةَ، أخْبَرَني مِسْعَرٌ، عن عبدِ الملكِ بن ميسرة، عن هِلالِ بن يِسافٍ، عن عبدِ اللَّه بن ظالمٍ، عن سعيدِ بن زيدٍ قال: ذكَر رسولُ اللَّه ﷺ فتنًا كقطعِ الليلِ المظلم، أُراه قال: "فَيَذْهَبُ النَّاسُ فيها أَسْرَعَ ذَهَابٍ". قال: فقيل: يا رسول اللَّه كُلُّهم هَالِكٌ أَوْ بَعْضُهُمْ؟ قال: "حَسْبُهُم" -أو: "بِحَسْبِهِم- الْقَتْلُ". تفرَّد به (٦). وقال أحمد أيضًا: ثنا عبد الرحمن، ثنا حمادُ بن سَلَمةَ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن أبي عثمانَ، عن خالدِ بن عُرْفُطةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا خَالِدُ، إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَحْدَاثٌ وَفِتَنٌ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ عَبْدَ (٧) اللَّهِ الْمَقْتُولَ لَا الْقَاتِلَ فَافْعَلْ" (٨). وروَى الطَّبَرانيُّ مِن حديثِ ثابتِ بنِ عَجْلانَ، حدَّثني أبو كثيرٍ المُحاربيُّ، سمعتُ خَرَشَةَ المُحاربيَّ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "سَتَكُونُ فِتَنٌ، النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْيَقْظَانِ، والْجَالِسُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، [وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ] المَاشِي، وَالْمَاشِي فيها خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، أَلا من أَتَتْ عَلَيْهِ فَلْيَمْشِ بِسَيْفِهِ إِلَى الصَّفَا فَلْيَضْرِبه حَتَّى يَنْكَسِرَ، ثُمَّ لْيَضْطَجِعْ حَتَّى تَنْجَلِيَ عَمَّا انْجَلَتْ. . . " وذكَر الحديثَ (٩).

стр. 7764

فصل في ذكر المهدي الذي يكون في آخر الزمان وهو أحد الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وليس هو بالمنتظر الذي تزعُمه الرافضة، وتَرْتَجِي ظُهوره من سرداب سامرَّا، فإن ذلك ما لا حقيقة له، ولا عمن، ولا أثر، ويزعمون أنه محمد بن الحسن العسكريّ، وأنه دخل السرداب وعمره خمسُ سنين، وأما ما سنذكره، فقد نطقت به الأحاديثُ المرويّة عن رسول اللَّه ﷺ : أنه يكون في آخر الزمان، وأظن ظهوره يكون قبل نزول عيسى ابن مريم، فإن هذا يملأ الأرض عدلًا، كما ملئت جورًا وظلمًا، وهكذا نزول عيسى ابن مريم، كما دلَّت على ذلك الأحاديث. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا حجَّاج، وأبو نُعَيْم، قالا: حدثنا فِطْر، عن الفاسم بن أبي بَزَّة، عن أبي الطُّفَيْل، قال حجّاج: سمعت عليًّا يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو لم يَبْقَ من الدنيا إلا يومٌ لبَعَثَ اللَّهُ رجَلًا منّا يملؤها عَدْلًا، كما مُلئت جَوْرًا" قال أبو نُعَيم: رجلًا مني، وقال مرّة: يذكره عن حَبيب، عن أبي الطُّفَيل، عن عليّ، عن النبي ﷺ ، ورواه أبو داود، عن عثمان بن أبي شَيْبة، عن أبي نُعَيْم الفَضْل بن دُكَيْن (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا فضل بن دُكَيْن، حدثنا ياسين العِجْليّ، عن إبراهيم بن محمد ابن الحنَفِيّة، عن أبيه، عن عليّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المهديّ منا أَهْلَ البَيْتِ يُصْلِحُه اللَّهُ في لَيْلةٍ". ورواه ابن ماجه عن عثمان بن أبي شَيْبَة، عن أبي داود الحَفَرِي، عن ياسين العِجْليّ، وليس هو ياسينَ بنَ معاذ الزيات، الزّياتُ ضعيف، وياسين العِجْليّ هذا أوثقُ منه (٢)، وقال أبو داود: حُدِّثت، عن هارون بن المغيرة، حدثنا عمرو بن أبي قَيْس، عن شُعَيْب بن خالد، عن أبي إسحاق، قال: قال عليّ، ونَظَر إلى ابنه الحسن، فقال: إن ابني هذا سيّد، كمَا سَمّاهُ رسول اللَّه ﷺ ، وسيخرُج من صُلبه رجلٌ يُسَمَّى باسم نبيكم ﷺ ، يُشْبِهُهُ فى الخُلُق، ولا يُشبهه في الخَلْق، ثم ذكر قصة يملأ الأرض عَدْلًا (٣). وقد عقد أبو داود السجستانيّ ﵀: كتاب المهدي مُفردًا في "سُنَنِه"، فأورد في صدره حديث جابر بن سَمُرة، عن رسول اللَّه ﷺ : "لا يزالُ هذا الدينُ قَائِمًا حَتَّى يَكُونَ عَلَيْكُم اثْنَا عَشَر خَلِيفَةً كُلُّهُمْ تَجْتَمع عَلَيه الأُمَّة" وفي رواية: "لَا يَزَالُ هذا الدِّينُ عزيزًا إلى اثنَيْ عَشَر خَلِيفةً" قال: فكبّر الناسُ، وضَجُّوا، ثم قال كلمةً خَفِيّة، قلت لأبي: ما قال؟ قال: "كُلُّهم من قريش"، وفي

стр. 7765

رواية قال: فلمّا رجع إلى بيته أَتَتْهُ قريش، فقالوا: ثُمَّ يكونُ ماذا؟ قال: "ثم يكون الهَرْجُ" (١). ثم رَوى أبو داود من حديث سُفيان الثوريّ، وأبي بكر بن عيّاش، وزائدة، وفِطْر، ومحمد بن عُبَيْد، كلهم عن عاصم بن أبي النَّجُود، وهو ابن بَهْدَلةَ، عن زِرّ بن حُبَيْش، عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "لو لم يَبْقَ من الدُّنيَا إِلّا يومٌ"، قال زائدة: "لطوَّل اللَّه ذلك اليوم" ثم اتفقوا: "حتى يبعث فيه رجلًا مِنّي، أو من أهل بيتي، يُواطِئ (٢) اسمُه اسمِي، واسم أبيه اسم أبي" زاد في حديث فِطر: "يملأ الأرضَ قِسْطًا وعَدْلًا، كما مُلِئتْ ظُلْمًا وَجورًا"، وقال في حديث سفيان: "لا تذهبُ أو لا تَنْقَضي الدُّنْيَا حَتَّى يَمْلِكَ العَربَ رَجُلٌ مِنْ أهْل بَيتْي، يُواطئ اسمُه اسمي". وهكذا رواه أحمد، عن عمر بن عُبَيْد، وعن سُفيانَ بن عُيَيْنَة، ومن حديث سُفْيانَ الثوريُّ، كلُّهُمْ عن عاصم به، ورواه الترمذيّ من حديث السفيانيْن به، وقال: حسن صحيح، قال الترمذيّ: وفي الباب عن عليّ، وأبي سعيد، وأمّ سَلَمة، وأبي هريرة. ثم قال الترمذيّ: حدثنا عبد الجبّار بن العلاء العطار، حدثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنة، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد اللَّه، عن النبي ﷺ قال: "يَلي رجلٌ مِن أَهْلِ بَيْتِي يُواطِئ اسمُه اسمِي"، قال عاصم: وأخبرنا أبو صالح عن أبي هريرة، قال: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِن الدُّنيَا إلا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذلكَ اليَوْمَ حَتَّى يلِيَ. ثم قال: هذا حديث حسن صحيح (٣). وقال أبو داود: حدثنا سَهْل بن تمّام بن بزِيْع، حدّثنا عِمران القطّان، عن قتادة، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المهديّ منِّي، أجلى الجَبْهَةِ، أقْنى الأنف، يَملأُ الأَرْضَ قِسْطًا، وعَدْلًا، كما مُلئت ظلْمًا وجَوْرًا، يملِكُ سَبْع سِنينَ" (٤). وقال أبو داود: حدثنا أحمدُ بن إبراهيم، حدثنا عبد اللَّه بن جعفر الرَّقِّي، حدثنا أبو المليح الحسن بن عمر، عن زياد بن بيان، عن علي بن نُفَيل، عن سعيدبن المسيب، عن أمّ سَلَمة، قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "المهديُّ مِنْ عِتْرَتي، مِنْ ولد فاطِمَة"، قال عبد اللَّه بن جعفر: سمعتُ أبا المَلِيح، يُثْنِي على عليِّ بن نُفَيْل، ويذكر عنه صَلَاحًا. ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شَيْبةَ، عن أحمد بن عبد الملك، عن أبي المَلِيح الرّقِّي، عن زياد بن بيان، به (٥). فأمّا الحديثُ الذي رواه ابنُ عساكرَ في ترجمة محمدِ بنِ عبد اللَّهِ بنِ محمدِ بن علي بن عبد اللَّه بن

стр. 7766

عبّاس، وهو المهديُّ بن المنصور، من طريق الدارقطنيِّ: ثنا إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى الهاشميُّ، ثنا محمد بن الوليدِ القرشيُّ، ثنا أسباطُ بن محمد الضَّبِّيُّ، وصِلةُ بن سليمانَ الواسطيُّ، عن سليمان التيميِّ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّب، عن عثمان بن عفَّانَ، سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقولُ: "الْمَهْدِيُّ مِنْ وَلَدِ الْعَبّاسِ عَمَّي". فإنَّه حديثٌ غريب، كما قال الدارقطنيُّ، تفرَّد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم، قال: ولم يُكْتَبْ إلَّا عن شيخِنا أبي إسحاقَ. وقال أبو داود: حدثنا محمدُ بن المُثَنى، حدثنا معاذُ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن صاحب له، عن أمّ سلَمة زوج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: "يكون اختلافٌ عِنْدَ مَوْتِ خليفةٍ، فيخرُج رجل من أهْل المدينة هاربًا إلى مَكَّة، فيأتيه ناس من أهل مَكة، فيُخْرِجُونَه وهو كارِهٌ، فيُبَايِعُونَه بَيْنَ الرُّكن والمَقامِ، ويُبَعثُ إليه بعث مِن الشامِ فيُخْسَفُ بِهمْ بالبَيْدَاءِ، بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدالُ الشام، وعصائب أهل العراق، فيبايعونه، ثم ينشأ رجل من قريش، أخواله كَلْب، فيبعث إليهم بعثًا، فيظهرون عليهم، وذلك بَعْثُ كَلْب، والخيْبَةُ لمن لم يشهد غَنِيمةَ كَلْب، فيقسم المال، ويعمل في الناس بسُنّة نبيهم ﷺ ، ويُلْقي الإسلامُ بِجِرانِه (١) إلى الأرض، فيلبثُ سبعَ سنين، ثم يُتوفَّى، ويصلّي عليه المسلمون" (٢). وقال أبو داود: قال هارون يعني ابنَ المُغيرة: حدّثنا عمرو بن أبي قيس، عن مُطَرِّف بن طريف، عن أبي الحسن، عن هلال بن عمرو: سمعت عليًا يقول: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يخرجُ رجل من وراء النَّهْر، يقال له: الحارث، حرَّاث، على مقدّمته رجل، يقال له: منصور، يُوطئ أو يُمكِّنُ لآلِ محمد، كما مَكّنت قريش لرسول اللَّه ﷺ ، وجَبَتْ على كلِّ مُؤمن نُصْرتُه" أو قال: "إجابتهُ" (٣). وقال ابن ماجه: حدثنا حَرْمَلَةُ بن يحيى المِصريّ، وإبراهيم بن سعيد الجوهريّ؛ قالا: حدثنا أبو صالح عبد الغفار بن داود الحرَّاني، حدثنا ابن لَهِيعة عن أبي زُرعة؛ عمرو بن جابر الحَضْرَمِيّ، عن عبد اللَّه بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيْديّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يخرج ناسٌ من المشرق، فيوطِّئون للمَهْدِيّ"، يعني سلطانَه (٤). وقال ابن ماجه: حدثنا عثمان بن أبي شَيْبة، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا على بن صالح، عن يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن عَلْقَمة، عن عبد اللَّه، قال: بَيْنَما نَحْنُ عِنْدَ رسول اللَّه ﷺ إذ

стр. 7767

أقْبلَ فِتْيَةٌ من بني هاشم، فلما رآهم رسولُ اللَّه ﷺ اغْرَوْرقتْ عَيْنَاهُ، وَتغَيّر لَوْنهُ، قال: فقلت: ما نَزالُ نَرَى في وجهك شيئًا تَكْرهُه، فقال: "إنَّا أَهلُ بيتِ اختار اللَّهُ لنا الآخِرَة على الدنيا، وإنّ أهْلَ بيتي سَيَلْقَوْنَ بعدي بَلاءً وتشريدًا، وتَطْريدًا، حتى يأتيَ قوم من قبَل المشرق معهم رايات سُود فيَسألون الخَيْر فلا يُعْطَونَه، فيقاتِلوُن فيُنْصَرون، فيُعْطَوْنَ ما سألوا، فلا يقبلونه، حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قِسطًا كما ملؤوها جَوْرًا، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حَبْوًا على الثلج" (١). ففي هذا الحديث، إشارة إلى مُلْك بني العباس، كما تقدم التنبيه على ذلك عند ذكر ابتداء دولتهم في سنة ثنتين وثلاثين ومئة، وفيه دلالة على أن المهدي يكون بعد دولة بني العباس، وأنه يكون من أهل البيت من ذُرّية فاطمة بنتِ رسولِ اللَّه ﷺ ثم مِنْ ولد الحسن، لا الحُسَيْن كما تقدّم النص على ذلك في الحديث المرويّ، عن عليّ بن أبي طالب واللَّه أعلم. وقال ابن ماجه: حدثنا محمد بن يحيى، وأحمد بن يوسف، قالا: حدثنا عبد الرزّاق، عن سفيان الثوريّ، عن خالد الحَذَّاء، عن أبي قِلَابة، عن أبي أسماء الرحَبيّ، عن ثَوْبَان، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يقتتل عند كنْزِكُمْ ثَلَاثةٌ كُلُّهم ابن خليفة، ثم لا يصيرُ إلى واحدٍ مِنْهُمْ، ثم تَطْلعُ الرَّاياتُ السُّودُ من قِبَل المَشرِق، فيقتلونكم قَتلًا لم يُقْتَلْه قوْم" ثم ذَكرَ شيئًا لا أحْفظُه فقال: "فإذا رَأَيتمُوه، فبَايِعُوهُ، ولَوْ حَبْوًا على الثَّلْج، فإنّه خَلِيفةُ اللَّه المهديّ". تفرّد به ابنُ ماجه، وإسناده قويّ صحيح (٢). والظاهر أن المراد بالكنز المذكور كنزُ الكعبة، يَقْتتلُون عندَه ليأخذه ثلاثة من أولاد الخلفاء، حتى إذا كان في آخر الزمان، فيخرج المهديّ، ويكون ظهوره من بلاد المشرق، وقيل: من مكة، لا من سِرداب سامرَّا، كما تَزْعُمهُ جَهَلَةُ الرافِضَة من أنّه محبوس فيه الآن، وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان، فإنّ هذا نوع من الهَذَيانِ، وقِسْطٌ كبير من الخِذْلان، وهوَس شديد من الشيطان، إذ لا دليل على ذلك ولا بُرهان، لا من كتاب ولا سُنّة ولا معقول صحيح ولا بيان. وقال الترمذيّ: حدثنا قُتَيْيَة، حدّثنا رِشْدِينُ بن سعد، عن يونس عن ابن شهاب الزُّهريّ، عن قَبيصَةَ بن ذُؤَيْب، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تخرُج من خُراسانَ راياتٌ سودٌ، فلا يَردُّها شَيْءٌ حَتى تُنْصَب بإيليَاء". هذا حديث غريبٌ (٣). وهذه الرايات السُّود ليست هي التي أقبل بها أبو مُسْلِمٍ الخُراسَانيّ، فاستَلَبَ بها دولة بني أميّة، في سنة ثِنْتَيْن وثَلَاثِين ومئة، بل هي راياتٌ سود

стр. 7768

أُخْرى، تأتي صُحْبَةَ المهديّ، وهو محمد بن عبد اللَّه العَلَوِيُّ الفاطمِيّ، الحَسَنِيّ، واللَّه أعلم، يُصلحه اللَّه في ليلة واحدة، أي يَتُوب عليه، ويُوَفقّه، ويُلهمه رُشْدَه، بعد أن لم يكن كذلكَ، ويؤيده بناسٍ من أهل المَشْرِق، ينصرونه، ويُقيمون سُلطانه ويُشيدون أركانه، وتكون راياتهم سُودًا أيضًا، وهو زيٌّ عليه الوقار، لأنّ رايةَ رسول اللَّه ﷺ كانت سوداء، يُقال لها: العُقَاب، وقد ركزها (١) خالدُ بن الوليد على الثنيّة التي هي شرقيّ دِمشْق، حين أقبل من العِراق، فعُرفَتْ بها الثنيّة، فهي إلى الآن يقال لها ثَنِيّة العُقاب، وقد كانت عِقابًا على الكفار، من نَصارى الشام والرُّوم والعرب والفرس، وأطَّدت حُسْن العاقبة لعباد اللَّه المؤمنين، من المهاجرين والأنصار، ولمن كان معهم، وبعدهم، إلى يوم الدين، وللَّه الحمد. وكذلك دخل رسولُ اللَّه ﷺ يوم الفتح إلى مكة، وعلى رأسه المِغْفرُ، وكان أسود، وجاءَ في حديث أنه كان مُعْتَقًا بِعِمامةٍ سوداء، فوق البيضة، صلوات اللَّه وسلامه عليه، والمقصود أن المهديّ الموعود بوجوده في آخر الزمان يكونُ أصلُ ظهوره وخروجِه من ناحية المَشْرِق، ثم يأتي مكة فَيُبايَع له عند البيت الحرام، كما دلّ على ذلك بعضُ الأحاديث، وقد أفردتُ في ذِكر المهديّ جُزءًا على حِدَة، وللَّه الحمد. وقال ابن ماجه أيضًا: حدثنا نصرُ بن علي الجَهْضَمِيّ، حدثنا محمد بن مَرْوانَ العُقَيْلِيّ، حدثنا عُمارةُ بن أبي حَفْصة، عن زيد العَمِّيّ، عن أبي الصدِّيق الناجي، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يكون في أمتي المهديّ إن قُصِرَ فسَبْع، وإلا فَتِسْعٌ، تنعم فيه أمتي نَعمةً لم ينعموا مثلها قط، تؤتي الأرض أُكُلهَا، ولا تدَّخِرُ منهم شيئًا، والمالُ يومئذ كُدُوس (٢)، يقوم الرجل فيقول: يا مهديّ، أعطني، فيقول: خذ" (٣). وقال الترمذيّ: حدثنا محمد بن بَشّار، حدثنا محمد بن جَعفر، حدثنا شُعبة، سمعتُ زيدًا العَمِّيّ، سمعت أبا الصدّيق الناجي يحدث عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، قال: خَشِينا أن يكون بعدَ نَبِيّنا حدَثٌ، فسألنا نبيَّ اللَّه ﷺ فقال: "إنّ في أمتي المهديّ، يخرجُ يعيش خمسًا أو سبعًا، أو تِسْعًا" زيدٌ الشاكُّ، قال: قلنا: وما ذاك، قال: سنين، قال: "فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهديّ أعطني، أعطني" قال: "فيَحْثِي له في ثَوْبه ما استطاع أن يحمله". هذا حديث حسن، وقد رُوي من غير وجه، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، وأبو الصدّيق الناجي اسمُه بكر بن عمرو، ويقال: بكر بن قَيْس (٤) وهذا دليل على أن أكثر مُدّته تسعُ سنين، وأقلَّها خمس أو سبع، ولعلّه هو الخليفة الذي يحثو

стр. 7769

المالَ حَثْيًا، ولا يَعُدُّه عَدًّا، واللَّه أعلم، وفي زمانه تكون الثّمار كثيرةً، والزروع غَزِيرةً، والمالُ وافر، والسلطان قاهر، والدينُ قائم ظاهر، والعدوّ ملوم مخذول داخر، والبلاد آمنة، والأمر والنهي قائم، والرزق دارٌّ دائم، والخيرُ في أيامه دائم راغم. وقال الإمام أحمد: حدثنا خَلَفُ بن الوليد، حدثنا عَبَّاد بن عبّاد، حدثنا مُجالد بن سعيد، عن أبي الودّاك، عن أبي سعيد، قال: قلت: واللَّه ما يأتي علينا أميرٌ إلَّا وهو شَرٌّ من الماضي، ولا عامٌ إلَّا وهو شرّ من الماضي، قال: لولا شيء سمعتهُ من رسول اللَّه ﷺ لقلت مثل ما يقول، ولكن سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن من أمرائكم أميرًا يَحْثو المَالَ حَثْوًا، ولا يَعُدّه عَدًّا، يأتيه الرجلُ يسألُه، فيقول: خذ، فيَبْسُط ثَوْبَه، فيَحْثُو فيه" وبَسَط رسولُ اللَّه ﷺ مِلْحَفَةً غَلِيظَةً، كانت عليه، يَحْكِي صُنع الرجُل، ثُمّ جمع إليه أكنافها، قال: "فيأخذه، ثم ينطلق". تفرّد به أحمد، من هذا الوجه (١). وقال ابن ماجه: حدثنا هَدِيّة بن عبد الوهاب، حدثنا سعدُ بن عبد الحميد بن جعفر، عن عليّ بن زياد اليمَامِيّ، عن عِكْرمة بنِ عمّار، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلْحة، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "نحن وَلَدُ عَبْدِ المُطَّلِب سادةُ أهل الجنّة، أنا، وحمزة، وعليّ، وجعفرٌ، والحسنُ، والحسينُ، والمهديُّ"، قال شيخنا أبو الحجاج المِزِّيّ: كذا وقع في "سنن ابن ماجه"، وفي إسناده عليّ بن زياد اليماميّ، والصواب عبد اللَّه بن زياد السُّحَيْمِي، قلت: وكذا أَورده البخاريّ في "التاريخ"، وابن أبي حاتم في "الجَرْح والتعديل"، وهو رجل مجهول، وهذا الحديث مُنكر (٢). وفي الطبرانيِّ مِن حديث حسين بن عليٍّ، عن الأوزاعيِّ، عن قيس بن جابر الصَّدَفيِّ، عن أبيه، [عن جدِّه] مرفوعًا: "سَيَكُونُ بَعْدِي خُلَفَاءُ، ثُمَّ مُلُوكٌ، ثُمَّ أُمَرَاءُ، ثُمَّ جَبَابِرَةٌ، ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَمْلأُ الأَرْضَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا، ثُمَّ يُؤَمَّرُ الْقَحْطَانِيُّ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بَيَده مَا هُوَ بِدُونِهِ" (٣). فأمّا الحديثُ الذي رواه ابن ماجه في "سننه"، حيث قال ﵀: حدثنا يونُس بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن إدريس الشافعيّ، حدثني محمد بن خالد الجَنديّ، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يزداد الأمرُ إلّا شِدّة، ولا الدنيا إلا إِدبارًا، ولا الناسُ إلّا شُحًّا، ولا تقوم الساعة إلا على شِرَار الناس، ولا المهديّ إلا عيسى ابن مريم" فإنه حديث مشهور

стр. 7770

بمحمد بن خالد الجنديّ الصَّنْعاني المؤذّن، شيخ الشافعي، وروى عنه غيرُ واحد أيضًا، وليس هو بمجهول، كما زعمه الحاكم، بل قد رُوي عن ابن مَعِين أنه وَثقه، ولكن من الرُّواة من حَدّث به عَنْه، عن أبان بن أبي عَيّاش، عن الحسن البَصري، مُرسلًا، وذكر شيخنا في التهذيب، عن بعضهم: أنه رأى الشافعيَّ في المنام وهو يقول: كذب عليَّ يونُس بنُ عبد الأعلى الصدفي، ليس هذا من حديثي. قلت: يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفِيّ، من الثقات، لا يُطْعَنُ فيه بمجرد منَامٍ، وهذا الحديث فيما يظهر في بادي الرأي، مُخالفٌ للأحاديث التي أوردناها في إثبات مهديٍّ غير عيسى ابن مريم، إما قبل نزوله كما هو الأظهر واللَّه أعلم، وإما بعد نزوله، وعند التأمل يكون هذا الحديث لا ينافيها، بل يكون المراد من ذلك أن المهدي حقَّ المهديِّ هو عيسى ابنُ مريم، ولا ينفي ذلك أن يكون غيرهُ مَهْديًّا أيضًا، واللَّه أعلم (١). ذكر أنواع من الفتن وقعت وستكثر وتتفاقم في آخر الزمان قال البخاري: حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا ابنُ عُيَيْنَة، أنه سمع الزهري، عن عُروة، عن زينب بنت أم سَلَمة، عن أم حَبِيبَة، عن زينب بنتِ جَحْش، أنها قالت: استيقظ رسول اللَّه ﷺ من النوم مُحْمَرًّا وَجْهُهُ، يقول: "لا إله إلا اللَّه، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فُتحَ اليوم من رَدْم يأجوجَ ومأجُوجَ مثلُ هذه" وعقد سفيان تسعين أو مئةً، قيل: أنَهْلِكُ وفينَا الصالحُونَ، قال: "نعم، إذا كَثُر الخَبَثُ". وهكذا رواه مسلم عن عمرو الناقد، عن سفيان بن عُيَيْنَة به، قال: وعقد سُفيانُ بيده عَشَرة، وكذلك رواه عن حَرْمَلة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري؛ وقال: وحلّق بإصْبَعَيْه الإبهام والتي تليها، ثم رواه عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة، وسعيد بن عمرو، وزُهَير بن حرب، وابن أبي عمر، عن سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن زينب بنت جحش، عن حَبِيبَةَ، عن أم حَبِيبَة، عن زينب، فاجتمع فيه تابعيّان وربيبتان، وزوجتان، أربع صحابيات، ﵅ (٢). وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وُهَيْب، حدثنا ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "فُتحَ اليومَ مِنْ رَدْمِ يأجُوج ومأجوج مثلُ هذه" وعقد وُهَيْبٌ تِسْعِين. وهكذا رواه مسلم من حديث وُهَيْب مثله (٣).

стр. 7771

وروى البخاري من حديث الزهري، عن هند بنت الحارث الفِرَاسِيّة، أن أُم سَلَمة زوج النبي ﷺ قالت: استيقظ النبي ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ فزِعًا، يقول: "سُبْحانَ اللَّه، ماذا أُنزل الليلةَ من الخزائن، وماذا أُنزل من الفتن؟ مَنْ يُوقِظُ صَواحِبَ الحُجُراتِ" يُريد أزواجه "لكي يُصَلّين، رُبَّ كاسِيَةٍ في الدنيا عَارِيةٌ في الآخرة" (١). ثم روى البخاري، ومسلم، من حديث الزهري عن عروة، عن أسامة بن زيد، قال: أشرف النبيُّ ﷺ على أُطُمٍ من آطَام (٢) المدينة، فقال: "هل تَرَوْنَ مَا أرَى؟ " قالوا: لا؛ قال: "فإني لأرى الفِتَن تقع خِلَالَ بُيُوتِكم، كوقع القَطْر" (٣). وروى البخاري من حديث الزهري عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "يتقاربُ الزَّمَانُ، وينْقُصُ العِلْم، ويُلْقَى الشح، وتظهر الفِتَن، ويكْثُرُ الهَرْجُ" قالوا: يا رسول اللَّه أيمّا هو؟ قال: "القتل القتل"، ورواه أيضًا عن الزهري، عن حُمَيْد، عن أبي هريرة (٤)، ثم رواه من حديث الأعمش، عن شقيق، عن عبد اللَّه بن مسعود، وأبي موسى (٥). وقال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سُفيانُ، عن الزُّبير بن عدي، قال: أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما يلقَون من الحَجَّاج، فقال: "اصبروا، فإنه لا يأتي على الناس زمانٌ إلّا الذي بعدَه شَرٌّ منه حتى تَلْقَوْا رَبّكم" سمعتهُ من نبيكم ﷺ ، ورواه الترمذيّ، من حديث الثوريّ، وقال: حسن صحيح (٦)، وهذا الحديث يعبّر عنه العوامّ فيما يوردونه بلفظ آخر: "كُلَّ عَامٍ تَرْذُلُون" (٧). وروى البخاري ومسلم من حديث الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ستكون فتن، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من يُشْرف لها، تَسْتَشْرِفْهُ، فمن وجد فيها ملجأً أو مَعاذًا فليَعُذْ به" (٨).

стр. 7772

ولمسلم عن أبي بكرة نحوُه. بأبسط منه (١). وقال البخاريُّ: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سُفْيان، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، حدثنا حُذَيفة قال: حدثنا رسول اللَّه ﷺ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخرَ، حدّثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم عَلِمُوا مِنَ القرآن، ثم علموا من السنة، وحدثنا عن رَفْعها قال: "ينام الرجل النومة فتُقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرُها، مثل أثر الوَكْت (٢) ثم ينام النومة، فتقبض، فيبقى أثرها مثل أثرِ المَجْل (٣)، كجمر دحرجته على رجلك فنَفِط فتراه مُنْتبِرًا (٤) وليس فيه شيء، فيُصبح الناس يتبايعون، ولا يكاد أحد يُؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقله، وما أظرفه، وما أجلده، وما في قلبه مثقالُ حبة خردل من الإيمان، ولقد أتى عليّ زمان، وما أبالي أتكم بايعتُ، لئن كان مسلمًا ردَّه عليّ الإسلام، وإن كان نصرانيًا رده عليّ ساعيه (٥)، وأما اليوم فما كنتُ أبايع إلّا فلانًا، وفلانًا" ورواه مسلم من حديث الأعمش به (٦). وروى البخاري من حديث الزهري عن سالم، عن أبيه، ومن حديث الليث عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ قام إلى جَنْب المنْبر، وهو مُستقبلُ المَشرِق، فقال: "ألا إن الفتنةَ هاهنا، من حيث يطلعُ قرن الشيطان" أو قال: "قَرْنُ الشمس". ورواه مسلم، من حديث الزُّهريّ وغيره، عن سالم عن أبيه به، ومن حديث الليث، عن نافع به، ورواه أحمد، من طريق عبد اللَّه بن دينار، والطبرانى من رواية عطية، كلاهما عن عبد اللَّه بن عمر، به (٧). وقال البخاريُّ: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تقوم الساعة حتى يَمُرّ الرجلُ بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه" (٨). وقال الإمام أحمد: ثنا عفانُ، ثنا حمادُ بن سَلَمَةَ، أنا يونسُ، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "تُوشِكُونَ أَنْ يَمْلأَ اللَّهُ أَيْدِيَكُمْ مِنَ الْعَجَمِ" -وقال عفانُ مرةً: "مِنَ

стр. 7773

الأَعَاجِمِ- يكُونُونَ أُسْدًا لَا يَفِرُّونَ، يَقْتُلُونَ مُقَاتِلَتَكُمْ، وَيَأْكُلُونَ فَيْئَكُمْ" (١). وقال البخاريّ: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهريّ، أخبرني سعيد بن المسيّب أن أبا هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تقوم الساعةُ حتى تَضْطرِبَ ألَيَاتُ نساء دَوْس على ذي الخَلَصة، وذو الخَلَصة طاغِيَةُ دَوْس التي كانوا يعبدون في الجاهلية" (٢). وقال البخاريّ: حدثنا عبد اللَّه بن سعيد الكنديّ، عن عُقبة بن خالد، حدثنا عُبيد اللَّه، عن خُبَيْب بن عبد الرحمن، عن جده حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُوشك الفُراتُ أن يَحْسِر عن كنز من ذهب، فمن حضره فلا يأخذْ منه شيئًا"، قال عقبة: وحدثنا عُبَيد اللَّه، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله، إلّا أنه قال: " يَحْسِرُ عن جَبَل مِنْ ذهب" وكذلك رواه مسلم، من حديث عُقبة بن خالد، من الوجهين، ثم رواه عن قُتَيْبَة، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سُهَيْل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يَحْسِر الفُراتُ عن جَبَلٍ مِنْ ذهب، يَقْتَتِلُ الناس عليه، فيُقتل من كل مئة تسعة وتسعون، يقول كل رجل منهم: لَعَلِّي أكونُ أنَا الذي أنجو" (٣). ثم روى من حديث عبد اللَّه بن الحارث بن نَوْفل، قال: كنت واقفًا مع أبى بن كعب في ظل أجم (٤) حَسّان فقال: لا يزال الناس مُختلفة أعناقُهم، في طلب الدنيا، قلت: أجل، قال: إني سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يُوشِكُ الفُراتُ أنْ يَحْسِرَ عن جَبَل مِنْ ذَهَبٍ، فإِذَا سَمِعَ بِه الناسُ سَارُوا إليْه، فيقولُ مَنْ عِتْدَهُ: لئنْ تَركْنَا الناس يأْخْذُونَ مِنْهُ ليَذْهَبُن به كُلِّه" قال: "فَيَقْتَتلُون عليه فيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مئةٍ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ" (٥). وقال البخاري: حدثنا أبو اليَمان، أخبرنا شُعَيْب، حدثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقومُ السَّاعَةُ حتى تقْتتلَ فِئَتَان عَظِيمتَان، يكونُ بَيْنهمَا مقتلةٌ عظيمَةٌ، دعْوَاهُما واحدةٌ، وحتى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذابُونَ، قرِيب مِنْ ثَلاثين، كلٌّ يزعمُ أنه رسولُ اللَّه، وحتى يُقْبَضَ العلمُ، وتَكثُرَ الزلازلُ، ويَتقَارَبَ الزمَانُ، وتَظْهَرَ الفِتَنُ، ويكْثُرَ الهَرْجُ، وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المالُ، فيفيضَ حتى يُهِمَّ ربَّ المالِ مَنْ يقبلُ صَدَقته، وحتى يَعْرِضَه، فيقولُ الذي يَعْرِضُه علمِه، لا أرَب لي فيه، وحتى يَتَطَاول الناسُ في البُنْيانِ، وحَتّى يَمُرَّ الرجل بقبْرِ الرّجُل،

стр. 7774

فيقول: يا لَيْتَنِي مَكانَه، وحَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغربها، فإذا طلعتْ ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعةُ وقد انصرف الرجلُ بلبن لقحته (١) فلا يَطْعَمُهُ، ولتقُومنَّ الساعةُ وهو يَليطُ حوضه فلا يسْقِي فيه، ولتقُومن السَّاعةُ وقد رفع أُكْلَتَهُ إِلى فيه، فَلَا يَطْعَمُها" (٢). وقال الإمام أحمد: ثنا سُريجُ بن النعمان، ثنا عبد العزيز، يَعْنِي الدَّرَاوَرْديَّ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتى يَخْرُجَ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، كَمَا تَأْكُلُ الْبَقَرُ بِأَلْسِنَتِهَا". تفرَّد به أحمد (٣). وقال مسلم: حدثني حَرْمَلةُ بن يحيى التُّجِيبيّ، حدثنا ابنُ وهب، حدثنا يونُس، عن ابن شِهَاب: أن أبا إدريس الخَوْلَاني، قال: قال حُذيفة بن اليمان: واللَّه إني لأعلم الناسِ بكلّ فِتْنَة كائنَةٍ فيما بَيْنِي وبينَ الساعة، وما بي إلّا أن يكون رسُولُ اللَّه ﷺ أسرّ إليَّ في ذلك شيئًا لم يُحَدّثْه غيري، ولكنّ رسولَ اللَّه ﷺ قال، وهو يُحدّث مَجْلسًا أنا فيه عن الفتن، فقال رسولُ اللَّه ﷺ ، وهو يَعُدّ الفتن: "منهن ثلاث" لا يَكَدْنَ يذَرْنَ شَيْئًا، ومنهن فِتَنٌ كريَاح الصيف، منها صِغَار ومنها كِبَار" قال حُذَيفة: فذهب أولئك الرَّهْطُ كلُّهم غيري (٤). وروى مسلم من حديث زهير، عن سُهَيْل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا مَنَعَت العِرَاق دِرْهَمَها وقَفِيزها، ومنَعَتِ الشامُ مُدْيَها (٥) ودِينَارَها، ومنَعَتْ مصرُ إرْدَبَّها، ودِينَارَها، وعُدْتمْ مِنْ حَيْثُ بَدأتُمْ، وعدتم من حيث بدأتم، [وعدتم من حيث بدأتم] " شهد على ذلك لَحم أبي هُريرَة ودمُه (٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا الجُرَيْريّ، عن أبي نَضْرة، قال: كُنَّا عِندَ جَابِرٍ، فقال: يُوشِكُ أهْلُ العِراقِ ألّا يُجْبى إليهم قفيزٌ، ولا دِرْهَمٌ، قلنا: مِنْ أينَ ذاك؟ قال: من قِبَل العَجَم، يمنعون ذَاكَ، ثم قال: يوشك أهلُ الشام ألّا يُجْبَى إليهم دِينَارٌ ولا مُدْي، قُلنا: مِنْ أيْنَ ذاك، قال: مِنْ قِبَلِ الرُّوم، يمنعون ذَاكَ، ثم سكتَ هُنيهَة ثم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يكون في

стр. 7775

آخر أمّتي خَلِيفَةٌ يحثو المال حَثْيًا لا يَعُدّه عدًّا" قال الجُرَيْرِيّ: فقلت لأبي نضرة، وأبي العلاء: أَتَريَانِ أَنّه عمرُ بن عبد العزيز؟ فقالا: لا. ورواه مسلم من حديث الجُرَيْريّ، بنحوِه (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا أفلح بن سعيد الأنصاريّ، شيخٌ من أهل قُبَاءَ من الأنصار، وحدّثني عبد اللَّه بن رافع، مولى أمّ سَلمة، قالت: سمعتُ أبا هريرة يقول: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنْ طَالَتْ بكُمْ مُدّةٌ أوشَكَ أَنْ تَرى قومًا يَغْدُونَ في سَخَطِ اللَّه، ويروحونَ في لَعْنتِه، في أيديهم مثلُ أذْنَابِ البقر". وأخرجه مسلم عن محمد بن عبد اللَّه بن نُمَير، عن زيد بن الحُبَاب، عن أفلح بن سعيد به (٢). ثم روى عن زهير بن حَرْب، عن جَرِير، عن سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "صِنْفانِ من أهل النار لم أرَهُمَا بعدُ: قومٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كأذْنَابِ البَقَر يَضْرِبُونَ بِها النَّاسَ، ونِساءٌ كاسِيَاتٌ عَارِياتٌ، مائلات، مُمِيلات، رؤوسهنّ كأسنمة البُخْت المائلة، لا يدخلن الجَنّة، ولا يَجِدْنَ رِيحَها، وإنّ رِيحَها ليُوجَدُ مِنْ مَسِيرة كذا، وكذا" (٣). وقال أحمد: حدّثنا زيدُ بن يحيى الدّمشقيّ، حدثنا أبو مُعَيْدٍ، حدثنا مكحول، عن أنس بن مالك، قال: قيل: يا رسول اللَّه! متَى نَدَعُ الائتمارَ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْيَ عَنِ المُنكَر؟ قال: "إذا ظَهَرَ فِيكُمْ مِثْلُ مَا ظَهَر فِي بَنِي إِسْرائيل؛ إذَا كانَتِ الفَاحِشَةُ فِي كِبَارِكُمْ، والعِلْمُ في رُذَالِكم، والملك في صغَارِكم"، ورواه ابن ماجه، عن العباس بن الوليد الدِّمَشْقِيّ، عن زيد بن يحيى بن عُبَيد، عن الهَيْثَم بن حُمَيد، عن أبي مُعَيْد حفص بن غَيْلان، عن مكحول، عن أنس. . . فذكره نحوه (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن حمّاد، حدثنا أبو عوانة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو، أنّه حدّثهم عن النبيّ ﷺ قال: "ضاف رجلٌ رجلًا من بني إسرائيل، وفي داره كَلْبة مُجِحٌّ (٥)، فقالت الكلبة: واللَّه لا أَنْبَحُ ضَيْفَ أهلي" قال: "فَعَوَى جِراؤها في بَطْنِها" قال: "قيل: ما هذا؟ " قال: "فأوحَى اللَّه إلى رَجُلٍ منهم: هَذَا مثَل أمّةٍ تكُونُ مِن بعدكم، يقهرُ سُفَهاؤُهَا حُلماءَها" (٦). وقال أحمد: حَدّثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن الأوزاعيّ، حدثني أبو عمّار،
следующие страницы →