← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.

стр. 7771

وروى البخاري من حديث الزهري، عن هند بنت الحارث الفِرَاسِيّة، أن أُم سَلَمة زوج النبي ﷺ قالت: استيقظ النبي ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ فزِعًا، يقول: "سُبْحانَ اللَّه، ماذا أُنزل الليلةَ من الخزائن، وماذا أُنزل من الفتن؟ مَنْ يُوقِظُ صَواحِبَ الحُجُراتِ" يُريد أزواجه "لكي يُصَلّين، رُبَّ كاسِيَةٍ في الدنيا عَارِيةٌ في الآخرة" (١). ثم روى البخاري، ومسلم، من حديث الزهري عن عروة، عن أسامة بن زيد، قال: أشرف النبيُّ ﷺ على أُطُمٍ من آطَام (٢) المدينة، فقال: "هل تَرَوْنَ مَا أرَى؟ " قالوا: لا؛ قال: "فإني لأرى الفِتَن تقع خِلَالَ بُيُوتِكم، كوقع القَطْر" (٣). وروى البخاري من حديث الزهري عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "يتقاربُ الزَّمَانُ، وينْقُصُ العِلْم، ويُلْقَى الشح، وتظهر الفِتَن، ويكْثُرُ الهَرْجُ" قالوا: يا رسول اللَّه أيمّا هو؟ قال: "القتل القتل"، ورواه أيضًا عن الزهري، عن حُمَيْد، عن أبي هريرة (٤)، ثم رواه من حديث الأعمش، عن شقيق، عن عبد اللَّه بن مسعود، وأبي موسى (٥). وقال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سُفيانُ، عن الزُّبير بن عدي، قال: أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما يلقَون من الحَجَّاج، فقال: "اصبروا، فإنه لا يأتي على الناس زمانٌ إلّا الذي بعدَه شَرٌّ منه حتى تَلْقَوْا رَبّكم" سمعتهُ من نبيكم ﷺ ، ورواه الترمذيّ، من حديث الثوريّ، وقال: حسن صحيح (٦)، وهذا الحديث يعبّر عنه العوامّ فيما يوردونه بلفظ آخر: "كُلَّ عَامٍ تَرْذُلُون" (٧). وروى البخاري ومسلم من حديث الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ستكون فتن، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من يُشْرف لها، تَسْتَشْرِفْهُ، فمن وجد فيها ملجأً أو مَعاذًا فليَعُذْ به" (٨).

стр. 7772

ولمسلم عن أبي بكرة نحوُه. بأبسط منه (١). وقال البخاريُّ: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سُفْيان، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، حدثنا حُذَيفة قال: حدثنا رسول اللَّه ﷺ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخرَ، حدّثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم عَلِمُوا مِنَ القرآن، ثم علموا من السنة، وحدثنا عن رَفْعها قال: "ينام الرجل النومة فتُقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرُها، مثل أثر الوَكْت (٢) ثم ينام النومة، فتقبض، فيبقى أثرها مثل أثرِ المَجْل (٣)، كجمر دحرجته على رجلك فنَفِط فتراه مُنْتبِرًا (٤) وليس فيه شيء، فيُصبح الناس يتبايعون، ولا يكاد أحد يُؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقله، وما أظرفه، وما أجلده، وما في قلبه مثقالُ حبة خردل من الإيمان، ولقد أتى عليّ زمان، وما أبالي أتكم بايعتُ، لئن كان مسلمًا ردَّه عليّ الإسلام، وإن كان نصرانيًا رده عليّ ساعيه (٥)، وأما اليوم فما كنتُ أبايع إلّا فلانًا، وفلانًا" ورواه مسلم من حديث الأعمش به (٦). وروى البخاري من حديث الزهري عن سالم، عن أبيه، ومن حديث الليث عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ قام إلى جَنْب المنْبر، وهو مُستقبلُ المَشرِق، فقال: "ألا إن الفتنةَ هاهنا، من حيث يطلعُ قرن الشيطان" أو قال: "قَرْنُ الشمس". ورواه مسلم، من حديث الزُّهريّ وغيره، عن سالم عن أبيه به، ومن حديث الليث، عن نافع به، ورواه أحمد، من طريق عبد اللَّه بن دينار، والطبرانى من رواية عطية، كلاهما عن عبد اللَّه بن عمر، به (٧). وقال البخاريُّ: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تقوم الساعة حتى يَمُرّ الرجلُ بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه" (٨). وقال الإمام أحمد: ثنا عفانُ، ثنا حمادُ بن سَلَمَةَ، أنا يونسُ، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "تُوشِكُونَ أَنْ يَمْلأَ اللَّهُ أَيْدِيَكُمْ مِنَ الْعَجَمِ" -وقال عفانُ مرةً: "مِنَ

стр. 7773

الأَعَاجِمِ- يكُونُونَ أُسْدًا لَا يَفِرُّونَ، يَقْتُلُونَ مُقَاتِلَتَكُمْ، وَيَأْكُلُونَ فَيْئَكُمْ" (١). وقال البخاريّ: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهريّ، أخبرني سعيد بن المسيّب أن أبا هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تقوم الساعةُ حتى تَضْطرِبَ ألَيَاتُ نساء دَوْس على ذي الخَلَصة، وذو الخَلَصة طاغِيَةُ دَوْس التي كانوا يعبدون في الجاهلية" (٢). وقال البخاريّ: حدثنا عبد اللَّه بن سعيد الكنديّ، عن عُقبة بن خالد، حدثنا عُبيد اللَّه، عن خُبَيْب بن عبد الرحمن، عن جده حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُوشك الفُراتُ أن يَحْسِر عن كنز من ذهب، فمن حضره فلا يأخذْ منه شيئًا"، قال عقبة: وحدثنا عُبَيد اللَّه، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله، إلّا أنه قال: " يَحْسِرُ عن جَبَل مِنْ ذهب" وكذلك رواه مسلم، من حديث عُقبة بن خالد، من الوجهين، ثم رواه عن قُتَيْبَة، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سُهَيْل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يَحْسِر الفُراتُ عن جَبَلٍ مِنْ ذهب، يَقْتَتِلُ الناس عليه، فيُقتل من كل مئة تسعة وتسعون، يقول كل رجل منهم: لَعَلِّي أكونُ أنَا الذي أنجو" (٣). ثم روى من حديث عبد اللَّه بن الحارث بن نَوْفل، قال: كنت واقفًا مع أبى بن كعب في ظل أجم (٤) حَسّان فقال: لا يزال الناس مُختلفة أعناقُهم، في طلب الدنيا، قلت: أجل، قال: إني سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يُوشِكُ الفُراتُ أنْ يَحْسِرَ عن جَبَل مِنْ ذَهَبٍ، فإِذَا سَمِعَ بِه الناسُ سَارُوا إليْه، فيقولُ مَنْ عِتْدَهُ: لئنْ تَركْنَا الناس يأْخْذُونَ مِنْهُ ليَذْهَبُن به كُلِّه" قال: "فَيَقْتَتلُون عليه فيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مئةٍ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ" (٥). وقال البخاري: حدثنا أبو اليَمان، أخبرنا شُعَيْب، حدثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقومُ السَّاعَةُ حتى تقْتتلَ فِئَتَان عَظِيمتَان، يكونُ بَيْنهمَا مقتلةٌ عظيمَةٌ، دعْوَاهُما واحدةٌ، وحتى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذابُونَ، قرِيب مِنْ ثَلاثين، كلٌّ يزعمُ أنه رسولُ اللَّه، وحتى يُقْبَضَ العلمُ، وتَكثُرَ الزلازلُ، ويَتقَارَبَ الزمَانُ، وتَظْهَرَ الفِتَنُ، ويكْثُرَ الهَرْجُ، وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المالُ، فيفيضَ حتى يُهِمَّ ربَّ المالِ مَنْ يقبلُ صَدَقته، وحتى يَعْرِضَه، فيقولُ الذي يَعْرِضُه علمِه، لا أرَب لي فيه، وحتى يَتَطَاول الناسُ في البُنْيانِ، وحَتّى يَمُرَّ الرجل بقبْرِ الرّجُل،

стр. 7774

فيقول: يا لَيْتَنِي مَكانَه، وحَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغربها، فإذا طلعتْ ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعةُ وقد انصرف الرجلُ بلبن لقحته (١) فلا يَطْعَمُهُ، ولتقُومنَّ الساعةُ وهو يَليطُ حوضه فلا يسْقِي فيه، ولتقُومن السَّاعةُ وقد رفع أُكْلَتَهُ إِلى فيه، فَلَا يَطْعَمُها" (٢). وقال الإمام أحمد: ثنا سُريجُ بن النعمان، ثنا عبد العزيز، يَعْنِي الدَّرَاوَرْديَّ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتى يَخْرُجَ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، كَمَا تَأْكُلُ الْبَقَرُ بِأَلْسِنَتِهَا". تفرَّد به أحمد (٣). وقال مسلم: حدثني حَرْمَلةُ بن يحيى التُّجِيبيّ، حدثنا ابنُ وهب، حدثنا يونُس، عن ابن شِهَاب: أن أبا إدريس الخَوْلَاني، قال: قال حُذيفة بن اليمان: واللَّه إني لأعلم الناسِ بكلّ فِتْنَة كائنَةٍ فيما بَيْنِي وبينَ الساعة، وما بي إلّا أن يكون رسُولُ اللَّه ﷺ أسرّ إليَّ في ذلك شيئًا لم يُحَدّثْه غيري، ولكنّ رسولَ اللَّه ﷺ قال، وهو يُحدّث مَجْلسًا أنا فيه عن الفتن، فقال رسولُ اللَّه ﷺ ، وهو يَعُدّ الفتن: "منهن ثلاث" لا يَكَدْنَ يذَرْنَ شَيْئًا، ومنهن فِتَنٌ كريَاح الصيف، منها صِغَار ومنها كِبَار" قال حُذَيفة: فذهب أولئك الرَّهْطُ كلُّهم غيري (٤). وروى مسلم من حديث زهير، عن سُهَيْل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا مَنَعَت العِرَاق دِرْهَمَها وقَفِيزها، ومنَعَتِ الشامُ مُدْيَها (٥) ودِينَارَها، ومنَعَتْ مصرُ إرْدَبَّها، ودِينَارَها، وعُدْتمْ مِنْ حَيْثُ بَدأتُمْ، وعدتم من حيث بدأتم، [وعدتم من حيث بدأتم] " شهد على ذلك لَحم أبي هُريرَة ودمُه (٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا الجُرَيْريّ، عن أبي نَضْرة، قال: كُنَّا عِندَ جَابِرٍ، فقال: يُوشِكُ أهْلُ العِراقِ ألّا يُجْبى إليهم قفيزٌ، ولا دِرْهَمٌ، قلنا: مِنْ أينَ ذاك؟ قال: من قِبَل العَجَم، يمنعون ذَاكَ، ثم قال: يوشك أهلُ الشام ألّا يُجْبَى إليهم دِينَارٌ ولا مُدْي، قُلنا: مِنْ أيْنَ ذاك، قال: مِنْ قِبَلِ الرُّوم، يمنعون ذَاكَ، ثم سكتَ هُنيهَة ثم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يكون في

стр. 7775

آخر أمّتي خَلِيفَةٌ يحثو المال حَثْيًا لا يَعُدّه عدًّا" قال الجُرَيْرِيّ: فقلت لأبي نضرة، وأبي العلاء: أَتَريَانِ أَنّه عمرُ بن عبد العزيز؟ فقالا: لا. ورواه مسلم من حديث الجُرَيْريّ، بنحوِه (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا أفلح بن سعيد الأنصاريّ، شيخٌ من أهل قُبَاءَ من الأنصار، وحدّثني عبد اللَّه بن رافع، مولى أمّ سَلمة، قالت: سمعتُ أبا هريرة يقول: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنْ طَالَتْ بكُمْ مُدّةٌ أوشَكَ أَنْ تَرى قومًا يَغْدُونَ في سَخَطِ اللَّه، ويروحونَ في لَعْنتِه، في أيديهم مثلُ أذْنَابِ البقر". وأخرجه مسلم عن محمد بن عبد اللَّه بن نُمَير، عن زيد بن الحُبَاب، عن أفلح بن سعيد به (٢). ثم روى عن زهير بن حَرْب، عن جَرِير، عن سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "صِنْفانِ من أهل النار لم أرَهُمَا بعدُ: قومٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كأذْنَابِ البَقَر يَضْرِبُونَ بِها النَّاسَ، ونِساءٌ كاسِيَاتٌ عَارِياتٌ، مائلات، مُمِيلات، رؤوسهنّ كأسنمة البُخْت المائلة، لا يدخلن الجَنّة، ولا يَجِدْنَ رِيحَها، وإنّ رِيحَها ليُوجَدُ مِنْ مَسِيرة كذا، وكذا" (٣). وقال أحمد: حدّثنا زيدُ بن يحيى الدّمشقيّ، حدثنا أبو مُعَيْدٍ، حدثنا مكحول، عن أنس بن مالك، قال: قيل: يا رسول اللَّه! متَى نَدَعُ الائتمارَ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْيَ عَنِ المُنكَر؟ قال: "إذا ظَهَرَ فِيكُمْ مِثْلُ مَا ظَهَر فِي بَنِي إِسْرائيل؛ إذَا كانَتِ الفَاحِشَةُ فِي كِبَارِكُمْ، والعِلْمُ في رُذَالِكم، والملك في صغَارِكم"، ورواه ابن ماجه، عن العباس بن الوليد الدِّمَشْقِيّ، عن زيد بن يحيى بن عُبَيد، عن الهَيْثَم بن حُمَيد، عن أبي مُعَيْد حفص بن غَيْلان، عن مكحول، عن أنس. . . فذكره نحوه (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن حمّاد، حدثنا أبو عوانة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو، أنّه حدّثهم عن النبيّ ﷺ قال: "ضاف رجلٌ رجلًا من بني إسرائيل، وفي داره كَلْبة مُجِحٌّ (٥)، فقالت الكلبة: واللَّه لا أَنْبَحُ ضَيْفَ أهلي" قال: "فَعَوَى جِراؤها في بَطْنِها" قال: "قيل: ما هذا؟ " قال: "فأوحَى اللَّه إلى رَجُلٍ منهم: هَذَا مثَل أمّةٍ تكُونُ مِن بعدكم، يقهرُ سُفَهاؤُهَا حُلماءَها" (٦). وقال أحمد: حَدّثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن الأوزاعيّ، حدثني أبو عمّار،

стр. 7776

حدثني جار لجابر بن عبد اللَّه، قال: قَدِمْتُ من سَفَر، فجاءني جابر يُسَلّم عليّ، فجعلتُ أحدّثه، عن افتراق الناس، وما أحدثوا، فجَعَل جابر يبكي، ثم قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ النَّاسَ دَخَلُوا في دين اللَّه أفواجًا، وسَيْخُرجُونَ مِنْه أفواجًا" (١). وقال أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لَهِيعَةَ، حدثنا أبو يونُس، عن أبي هريرة، وقال حسن: حدّثنا ابن لهِيعَةَ، حدّثنا أبو يونُس، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ويلٌ للعرب من شَرّ قد اقْتَرَب، فِتَنًا كَقِطَع الليل المُظلم، يُصبحُ الرجل مؤْمنًا، ويُمسي كافرًا يبِيعُ قومٌ دينَهُمْ بعَرَضٍ من الدُّنْيَا قَليلٍ، المتمسِّكُ يَوْمئذٍ بدِييه كالقَابض على الجَمْر" أو قال: "على الشوك"، وقال حسن في حديثه: "بخَبط الشوك" (٢). وقال أحمد: حدثنا أبو جعفر المدائنيّ، حدثنا عبد الصمد بن حبيب الأزديّ، عن أبيه حبيب بن عبد اللَّه، عن شُبَيْلِ بن عوف، عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول لثوْبَان: "كيف أنتَ يا ثَوْبَان، إذا تداعتْ عليكمُ الأُمَمُ، كتداعيهِمْ إلى قَصْعَةِ الطعَام، يُصِيبُونَ مِنْه؟ " قال ثوبان: بأبي وأميّ يا رسول اللَّه؟ أمِنْ قلَّةٍ بنَا؟ قال: "لا، بل أَنُتمْ يَوْمئذٍ كثير، ولكنْ يُلقى في قلوبكم الوهَن" قالوا: وما الوهَن يا رسول اللَّه؟ قال: "حُبُّكم الدُّنيا، وكرَاهِيَتكُم القِتالَ" (٣). وقال الإمامُ أحمد: حدثنا عبد الرزَّاق، حدثنا مَعْمَر عن رجل، عن عمرو بن وابصة الأسَديِّ، عن أبيه، قال: إنِّي بالكوفة في داري، إذ سمعتُ على باب الدار: السلامُ عليكم، أألج؟ فقلت: عليكمُ السلامُ، فَلِجْ، فلما دخل، فإذا هو عبد اللَّه بن مسعود، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أيَّةُ ساعة زيارَةٍ هذه؟ وذلك في نحوِ الظَّهِيرة، قال: طال على النهار، فذكرتُ منْ أتَحدَّث إليه، قال: فجَعَلَ يُحدِّثني عن رسول اللَّه ﷺ وأحدّثه، ثم أنشأ يُحدّثني، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "تَكُونُ فِتْنَةٌ النَّائِمُ فيها خيرٌ من المُضْطَجِع، والمُضْطَجِعُ فِيها خَيْرٌ مِنَ القَاعِد، والقاعدُ فِيها خَيْرٌ مِنَ القَائِم، والقائمُ فِيها خَيْرٌ من الماشي، والماشي خَيْرٌ مِنَ الرّاكب، والراكبُ خَيْر من المُجري (٤)، قتلاها كلّها في النار" قال: قلت: يا رسول اللَّه متى ذلك؟ قال: "ذلك أيامَ الهَرْج" قلتُ: ومتَى أيامُ الهَرْج؟ قال: "حين لا يَأْمَنُ الرّجُلُ جَلِيسَهُ" قال: قلت: فما تَأْمُرُنِي إنْ أدْرَكْتُ ذَلك؟ قال: "اكْفُفْ نَفْسَك، ويدكَ، وادْخُل دَارَك" قال: قلت: يا رسول اللَّه! أرأيتَ إن دَخَل عليّ رجل داري؟ قال:

стр. 7777

فادخل بيتك" قال: قلت: أفرأيت إن دَخَل عَلَيَّ بيْتي، قال: "فادْخُلْ مَسْجِدَكَ، واصْنَعْ هَكَذا" وقَبَض بِيَمِينِه عَلَى الكُوع "وقُلْ: ربّيَ اللَّهُ، حَتّى تَمُوتَ على ذلك" (١). وقال أبو داود: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبي، حدثنا شهاب بن خِراش، عن القاسم بن غَزْوان، عن إسحاق بن راشد الجزري، عن سالم، حدثني عمرو بن وابصة، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول، فذكر بعض حديث أبي بَكْرة، قال: "قَتْلَاهَا كلهم في النَّار" قال فيه: قلتُ: متى ذلك يا ابن مسعود؟ قال: تِلْك أيامُ الهَرْج، حيث لا يأمَنُ الرَّجُلُ جَلِيسَه، قلت: فما تأمرُني إنْ أدْرَكَني ذَلِكَ الزّمانُ؟ قال: تكفُّ لِسَانكَ وَيدَك، وتكونُ حِلْسًا من أحْلاسِ بَيْتِكَ. قال يعني وابصة: فلما قُتِل عثمانُ طار قَلْبي مَطَارهُ، فركبت حتى أتيتُ دِمَشْقَ فَلقِيتُ خُرَيْمَ بن فَاتِك الأسَدِيّ، فحلف باللَّه الذي لا إله إلا هُوَ لَسَمِعَهُ مِنْ رسول اللَّه ﷺ ، كما حدّث به ابن مسعود (٢). وقال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شَيْبَة، حدّثنا وَكِيع، عن عثمانَ الشحّام، حدثني مسلم بن أبي بَكْرةَ، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنها ستكون فتنةٌ المضطجع فيها خيرٌ من الجالس، والجالس فيها خيرٌ من القَائِم، والقَائِمُ خَيْرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الساعي" قال: يا رسول اللَّه! ما تأمرني؟ قال: "مَنْ كانت له إبلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإبِلهِ، ومَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بغَنَمِه، ومَنْ كَانَتْ لَه أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بأَرضه" قال: فمنَ لمْ يكُنْ لَهُ شَيءٌ مِنْ ذَلِك؟ قال: "فليَعْمِدْ إلى سَيْفِه فليَضرِبْ بحدّه على حَرّةٍ ثم لينجُ ما اسْتَطَاع النَّجَاء". وقد رواه مسلم من حديث عثمان الشحّام بنحوه (٣). وقال أبو داود: [حدثنا يزيد بن خالد الرملي]، حدثنا المفضل، عن عيّاش، عن بُكَير، عن بُسْر بن سعيد، عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعيّ: أنه سمع سعد بن أبي وقّاص، عن النبيّ ﷺ في هذا الحديث، قال: فقلت: يا رسول اللَّه، أرأيتَ إن دَخَلَ عليّ بَيْتي، وبَسَطَ يَدَهُ لِيَقْتُلَني، فقال رسول اللَّه ﷺ : "كُنْ كابْنِ آدَمَ" وتلا [يزيد]: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ الآية [المائدة: ٢٨]. انفرد به أبو داود، من هذا الوجه (٤). وقال أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث بن سعد، عن عيّاش بن عبَّاس، عن بُكَير بن عبد اللَّه، عن بُسْر بن سعيد، أن سعد بن أبي وقّاص قال عند فتنة عثمان بن عفّانَ: أشهد أنّ

стр. 7778

رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّها سَتكُونُ فتنةٌ، القاعدُ فيها خير من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي خَيْرٌ من السَّاعي" قال: أفرأيتَ إنْ دَخَل عَلَيّ بَيْتي فَبسَطَ يَدَه إليّ ليقْتُلَني؟ قال: "كن كابن آدم". وهكذا رواه الترمذيّ عن قتيبة، عن الليث، عن عياش بن عباس القِتبْانيّ، عن بُكَير بن عبد اللَّه بن الأشج، عن بُسر بن سعيد الحَضرميّ، عن سعد بن أبي وقاص. . . فذكره، وقال: هذا حديث حسن (١)، ورواه بعضهم عن الليث، فزاد في الإسناد رجلًا يعني الحُسَين، وقيل: الحسيل بن عبد الرحمن، ويقال: عبد الرحمن بن الحُسَين، عن سعد، كما رواه أبو داود آنفًا. ثم قال أبو داود: حدثنا مُسَدَّد، حدّثنا عبدُ الوارث بن سعيد، عن محمد بن جُحَادة، عن عبد الرحمن بن ثَروان، عن هُزَيل، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن بين يدَي الساعة فِتَنًا كقِطَع الليل المُظْلِم، يُصْبحُ الرجلُ فيها مؤمنًا ويُمْسِي كافرًا، ويُمْسِي مُؤْمِنًا ويُصْبحُ كافِرًا، القاعِدُ فيها خيرٌ من القائم، والماشي فيها خيرٌ من السَّاعِي، فكَسِّرُوا قِسِيكم وقطعُوا أوْتارَكُم واضْرِبُوا سيُوفَكُمْ بِالحِجَارَة، فإنْ دُخِلَ [يعني] على أحَد مِنْكمْ فلْيَكُنْ كخَيْر ابنَيْ آدمَ" (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا مرحوم، حدثنيِ أبو عمران الجَونِيّ، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذرّ قال: ركب رسول اللَّه ﷺ حمارًا، وأرْدَفني خَلْفَه، فقال: "يا أبا ذرّ أرأيتَ إنْ أصَابَ النَّاسَ جُوعٌ شَديدٌ، حتى لَا تَسْتَطيعَ أنْ تَقُومَ مِنْ فِرَاشكَ إلي مَسْجِدِكَ كَيْفَ تَصْنَع؟ " قال: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "تَعَفّفْ" قال: "يا أبا ذرّ، أرأيْت إنْ أصَابَ النَّاسَ مَوتٌ شَدِيدٌ، يكونُ البيت فِيهِ بالعَبْد" يَعْنِي القَبْرَ "كَيْفَ تَصْنَع؟ " قلت: اللَّهُ ورسولهُ أعْلَمُ، قال: "اصْبِرْ" قال: "يا أَبا ذرّ، أرأيتَ إنْ قَتَلَ النَّاسُ بَعْضُهمْ بَعْضًا" يعني حتى تغرق حِجَارة الزيت من الدماء "كيف تَصْنَع؟ " قال: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "اقْعُدْ في بَيْتِك، وأغلقْ عَلَيْكَ بَابَك" قال: فإنْ لَمْ أُتْرك؟ قال:، فَأْتِ مَنْ أنْتَ مِنْهُمْ فكُنْ فيهِمْ" قلت: فآخُذُ سلَاحِي، قال: "إذًا تُشارِكَهُم في ما هُمْ فِيه، ولكن إنْ خَشيتَ أن يَرْدَعك شُعاعُ السَّيْف، فألقِ طَرَفَ رِدَائك عَلَى وَجْهك كَيْ يَبُوءَ بإثْمِهِ وإثمك". هكَذا رواه الإمام أحمد، وقد رواه أبو داود عن مسدّد، وابن ماجه عن أحمد بن عَبْدة، كلاهما عن حمّاد بن زيد، عن أبي عِمْران الجَوْنيّ، عن المُشَعّث بن طريف، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذرّ بنحوه، ثم قال أبو داود: لم يذكر المشعثَ في هذا الحديث غيرُ حمّاد بن زيد (٣). وقال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن

стр. 7779

زياد، حدثنا عاصم الأحول، عن أبىِ كَبشة قال: سمعت أبا موسى يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن بين أيديكم فِتنًا كقِطع الليل، يُصبحُ الرجل فيها مؤمنًا ويُمْسي كافرًا، ويُمْسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من السَّاعِي" قالوا: فما تأمُرنا؟ قال: "كونوا أحلاس بيوتكم" (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيُّوب، عن أبي قِلَابة، عن أبي أسماء، عن ثَوْبَان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه زوى لي الأرض فرأيتُ مشارقها، ومغاربها، وإن مُلك أمّتي سيبلُغُ ما زُوِيَ لي منها، وإني أُعطيتُ الكنزين، الأحمر، والأبيض، وإني سأَلتُ ربّي لأمتي ألّا يهلِكوا بسَنَةٍ بعامة ولا يُسلطَ عَلَيْهِمْ عدوًّا من سوى أنفسهم، فيَسْتَبِيح بَيْضَتهُم وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيت لأمتك ألّا أُهلكهم بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم مَنْ بَيْنَ أقطارها" أو قال: "مَنْ بأقطارها، حتَّى يَكُونَ بَعْضهُمْ يسبي بعضًا، وإنما أخافُ على أمتي الأئِمة المضلِّين، وإذا وُضع السيف في أمتي لم يُرفَعْ عَنْهُمْ إلى يوم القِيَامَة، ولا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى تلحق قبائلُ مِنْ أمتي بالمشْركِينَ، وحتى تعْبُد قبائلُ مِنْ أمتي الأوثانَ، وإنه سيكونُ في أمتي كَذَّابُونَ ثَلَاثُون، كلُّهُمْ يزعم أنه نبي، وأنا خَاتَمُ النبيين، لا نبيَّ بعدي، ولا تزالُ طَائِفةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهرين على الحق، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُم، حتى يَأْتيَ أمرُ اللَّه ". ورواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من طرق عن أبي قِلابة، عبد اللَّه بن زيد الجرمي، عن أبي أسماء، عمرو بن مَرْثد، عن ثوبان بن بُجْدُد، بنحوه، وقال الترمذيّ: حسن صحيح (٢). وقال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد اللَّه، حدثنا أبو داود الحَفَرِيّ، عن بدر بن عُثمان، عن عامر، عن رجل، عن عبد اللَّه، عن النبي ﷺ قال: "تَكُونُ في هَذِه الأُمة أربَعُ فِتَن، آخرها الفَنَاءُ" (٣). ثمّ قال أبو داود: حدثنا يحيى بنُ عُثمان بن سعيد الحِمْصِي، حدثنا أبو المغيرة، حدثني عبد اللَّه بن سالم، حدثني العلاء بن عُتْبَةَ، عن عمير بن هانئ العنسي، سمعتُ عبد اللَّه بن عمر يقول: كُنَّا قُعودًا عند رسول اللَّه ﷺ فذكر الفتن، فأكثرَ في ذِكْرها، حتى ذكر فِتْنَة الأَحلَاس، فقال

стр. 7780

قائل: يا رسول اللَّه، وما فِتْنَة الأحْلَاس؟ قال: "هي حَرَبٌ، وهَرَبٌ (١) ثم فِتْنَةُ السراء، دخنها مِنْ تحت قدمي رجل من أهل بيتي، يَزْعُمُ أنه مِنَي، وليس مِنِّي، وإنما أوليَائي المُتَّقُون، ثم يَصْطَلِحُ النَّاسُ على رجل كورِك على ضِلَع (٢) ثم فتنة الدُّهَيْمَاءَ، لا تَدَعُ أحَدًا مِنْ هذه الأمة إلا لَطَمَتْهُ، حتى إذا قيل: انْقَضَتْ، عادَتْ، يصبحُ الرَّجُلُ فيهَا مؤمنًا ويُمْسِي كافرًا، حتى يصير الناسُ إلى فُسْطَاطَيْن، فُسْطَاطِ إيمَانٍ لا نفَاق فيه، وفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لا إيمان فيه، فإذَا كَان ذَاكُمْ، فانتظروا الدجال، مِنْ يَوْمِه أوْ مِنْ غده". تفرد به أبو داود، وقد رواه أحمد في "مسنده"، عن أبي المُغيرة، بمثله (٣). وقال أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز، يعني ابن أبي حازم، عن أبيه، عن عُمَارَة بن عمرو، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "كيف بكم وزمان" -أو "أوشك أن يأتيَ زمانٌ- يُغَرْبلُ فيهِ الناسُ غَرْبَلَةً، تَبْقَى حُثالةٌ مِن الناسِ، قدَ مَرِجت عُهُودُهم وأماناتهم، واختلفُوا، فكَانُوا هَكذَا" وشبك بين أصابعه، فقالوا: كيفَ بنا يا رسول اللَّه؟ قال: "تأْخُذُونَ بما تَعْرِفُونَ، وتَدَعُون ما تنكرون، تُقْبلُونَ على أمر خَاضَتِكُمْ وتَذَرونَ أمْرَ عَامّتكم" قال أبو داود: هكذا روي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ من غير وجه. وهكذا رواه ابن ماجه، عن هشام بن عمار، ومحمد بن الصباح، عن عبد العزيز بن أبي حازم به، ورواه أحمد في "مُسنده" عن سعيد بن منصور، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم به، وقد رواه الإمام أحمد، عن حُسَين بن محمد، عن [محمد بن] مُطرَّف، عن أبي حازم، عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده. . . فذكر نحوه، أو مثلَه (٤). ثم قال أبو داود: حدثنا هارونُ بن عبد اللَّه، حدثنا الفَضْلُ بن دُكَيْن، حدثنا يُونس، يعني ابن أبي إسحاق، عن هلال بن خَبَّاب، أبي العلاء، حدثنا عِكْرمة، حدثني عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، قال: بينما نحنُ حول رسول اللَّه إذ ذكر الفتنة، أو ذُكرت عنده، فقال: "إذا رأيتم الناس قد مَرِجت عهودُهم، وخَفَّت أمَانَاتُهُمْ، وكانوا هكذا" وشبّك بَيْن أصابعه، قال: فقمت إليه، فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني اللَّه فداك؟ قال: "الزم بَيْتَكَ، وامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وخُذْ بما تعرفُ، ودعْ ما تُنْكرُ، وعليك بأمْرِ خَاصَّةِ نفسك، ودع عنك أمر العَامة". وهكذا رواه أحمد، عن أبي نُعيم الفضل بن دُكين به، وأخرجه النسائي في "اليوم والليلة"، عن أحمد بن

стр. 7781

بكار، عن مخلد بن يزيد، عن يونُس بن أبي إسحاق. . . فذكر بإسناده نحوه (١). قال أحمد: ثنا عبدُ القدوسِ بن الحجَّاج، ثنا حَريزٌ، يَعْنِي ابن عثمانَ الرَّحَبيَّ، ثنا راشدُ بنُ سعدٍ المَقْرائيُّ، عن أبي حَيٍّ، عن ذي مِخْمَرٍ، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "كانَ هَذَا الأمْرُ في حِمْيَرَ، فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، فَجَعَلَهُ فِي قُريْشٍ، وَسَ يَ عُ و دُ إ لَ يْ هـ مْ". قال عبدُ اللَّه بن أحمد: هكذا في كتابِ أبي مُقَطَّعٌ، وحيث حدَّثنا به تكلَّم به على الاستواء (٢) (٣). وقال أبو داود: حدثنا محمد بن عُبَيد، حدثنا حَماد بنُ زيد، حدثنا اللَّيْثُ عن طاوس، عن رجل، يقال له: زياد، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِنّه ستكونُ فِتْنَةٌ تَسْتَنْطِفُ العَربَ، قتْلَاهَا فِي النَّارِ، اللِّسَانُ فِيهَا أشدُّ مِنْ وَقْعِ السَّيفِ"، وقد رواه أحمد، عن أسود بن عامر، عن حمّاد بن سَلَمة، والترمذيّ، وابن ماجه، من حديثه عن اللّيث، عن طاوس، عن زياد، وهو الأعجم، ويقال له: زياد سيمين كوش (٤). وقد حكى الترمذيّ، عن البخاريّ أنه ليس لزياد هذا حديث سواه، وأن حمّاد بن زيد، رواه عن الليث، فوقفه، وقد استدرك ابنُ عساكر على البخاري هذا الحديث، فإنّ أبا داود رواه من طريق حمّاد بن زيد مرفوعًا، فاللَّه أعلم (٥). وقال أبو داود: حدثنا عبد الملك بن شُعَيْب، حدّثنا ابنُ وهب، حدثني الليث، عن يحيى بن سعيد، قال: قال خالد بن أبي عمران، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن عبد الرحمن بن هُرْمزِ، عن أبى هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ستكون فِتْنَة صَمّاءُ بكماءُ، عَمْياءُ، من أشرفَ لهَا استَشْرَفتْ له، وإشرافُ اللِّسانِ فِيهَا كوقوع السيف" (٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيعٌ، وحدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وَهْب، عن عبد الرحمن بن عبد ربّ الكعبة، عن عبد اللَّه بن عمرو، وكنتُ جالسًا معه في ظِلّ الكعبة، وهو يُحدِّث النَّاسَ، قال: كُنّا مع رسول اللَّه ﷺ في سَفَرٍ، فنَزلنا مَنزلًا، فمِنّا من يضرب خباءه، ومنّا

стр. 7782

مَنْ هُو في جَشَرِه (١)، ومِنا من ينْتَضِلُ، إذ نادى مُنادي رسول اللَّه ﷺ : الصلاةُ جامعةٌ، قال: فانتهيتُ إليه وهو يخطبُ الناس، ويقول: "أيُّها الناسُ، إنّه لَمْ يَكُنْ نبِيٌّ قبْلِي إلّا كَانَ حَقًّا عليْهِ أَنْ يَدُلّ أُمَّتَه على مَا يَعْلَمُه خَيْرًا لهُمْ، ويُنْذِرهُمْ ما يَعْلمُه شَرًّا لَهُمْ، ألا وإنّ عَافيةَ هذه الأمّةِ في أَوّلِهَا، وسَيُصيبُ آخِرهَا بَلاءٌ وفِتَنٌ، يرقِّق بعضها بعضًا، تجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه مُهْلِكَتي، ثم تنكشف، ثم تجيء فيقول: هذه، هذه، ثم تجيء فيقول: هذه، هذه، ثم تنكشف، فمن أحبّ أن يُزَحْزَحَ عن النار ويُدْخَلَ الجَنةَ فلتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤْمنُ باللَّهِ واليَومِ الآخرِ، ويأتي إلى الَّناسِ ما يُحِبّ أَنْ يُؤتى إلَيْه، ومَنْ بايع إمامًا فأَعطْاهُ صَفْقَةَ يَدِه وثَمرةَ قَلْبِهِ فليطِعْهُ إن اسْتَطَاع" وقال مَرّةً: "ما اسْتَطاعَ". قال عبد الرحمن: فلمّا سَمعتُها أدْخَلْتُ رَأسي بَيْن رَجُلَيْنِ، قلت: فإنّ ابنَ عَمِّكَ معاويةَ يأمُرنا أن نأْكلَ أمْوالنَا بَيْنَنا بِالباطِلِ، وأنْ نَقْتُلَ أَنْفسَنا، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ. . . وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٩]. قال: فجمع يديه، فوضعهما على جبهته، ثم نَكَس هُنَيْهةً ثم رفَع رأسَه، فقال: أطِعْهُ في طَاعِةِ اللَّهِ واعْصِهِ في مَعْصِيَةِ اللَّه، قلت له: أنتَ سمعت هذا من رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم، سمعتْهُ أُذُنايَ، ووعاهُ قَلْبي. ورواه مسلم وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث الأعمش، به، وأخرجه مسلم أيضًا، من حديث الشعبي، عن عبد الرحمن بن عبد ربّ الكعبة، عن عبد اللَّه بن عمرو بنحوه (٢). وقال أحمد: حدثنا ابن نُمير، حدّثنا الحسن بن عمرو، عن أبي الزُّبير، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا رأيتم أمّتي تَهَابُ الظالمَ أَنْ تَقُولَ لَهُ: إنّك لَظَالِمٌ، فَقَدْ تُوُدِّعَ منْهُمْ" وقال رسول اللَّه ﷺ : "يكون في أمتي قذف وخسف ومسخ" (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا يحيى بن أيوب، حدثنا أبو قبيل، قال: كنا عند عبد اللَّه بن عمرو، وسُئل: أيُّ المَدينَتين تُفْتَحُ أوّلًا، القُسْطنْطِينيَّة أو رُومية؟ قال: فدعا عبدُ اللَّه بصندوقٍ له حِلَق، قال: فأخْرَج منْهُ كتابًا، قال: فقال عبد اللَّه: بيْنما نحنُ حَوْلَ رَسُول اللَّه ﷺ نكتبُ، إذ سئل رسول اللَّه ﷺ : أيُّ المدِينَتَيْن تفتح أولًا: قسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "مدينةُ هِرقْلَ تُفْتَحُ أوّلًا" يعني القسطنطينينة (٤).

стр. 7783

وقال القرطبيّ في "التذكرة": ورُوِيَ من حديث حُذَيفة بن اليمان، عن النبي ﷺ أنه قال: "ويَبْدأُ الخَرَاب في أطرْافِ الأرْضِ حَتَّى تَخْرَبَ مِصْرُ، ومِصْرُ آمِنَةٌ مِنَ الخَرابِ، حَتّى تَخرَبَ البَصْرَةُ، وخَرَابُ البَصْرَةِ مِنَ الغَرق، وخراب مصْر من جَفاف النيل، وخرابُ مكة منَ الحَبشة، وخرابُ المدينة من الجُوعِ، وخَرابُ اليَمَنِ مِنَ الجرَاد، وخرابُ الأُبُلَّةِ من الحِصَار، وخَرابُ فَارسَ منَ الصَّعَالِيك، وخَرابُ التّرك من الدّيْلَم، وخراب الديلم من الأرمن، وخراب الأرمن من الخزر، وخراب الخزر من الترك، وخراب الترك من الصواعق، وخرابُ السّند من الهنْد، وخَرابُ الهنْدِ مِنَ الصّين، وخَرابُ الصِّينِ مِنَ الرَّمل، وخَرابُ الحَبَشَةِ مِنَ الرَّجْفةِ، وخَرابُ الزَّوراء من السّفيانيِّ، وخَرابُ الرَّوْحاءِ من الخسف، وخَرابُ العِراقِ مِنَ القَحْطِ" ثمّ قال: ذكره أبو الفرَج ابن الجَوْزِيّ، قال: وسمعت أن خراب الأندلس بالرِّيح العَقِيم، واللَّه أعلم. وهذا الحديث لا يعرف في شيء من الكتب المعتمدة، وأَخْلِق به ألّا يكون صحيحًا، بل أَخْلِقْ به أن يكون موضوعًا، أو أن يكون موقوفًا على حذيفة، ولا يصح عنه أيضًا، واللَّه أعلم. فصل في تعداد الآيات والأشراط الواقعة قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا خَلَف، يعني ابن خليفة، عن أبي جناب، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: دخلت على رسول اللَّه ﷺ وهو يتوَضّأُ وضُوءًا مَكيثًا (١)، فرفع رأسه، فنظر إليَّ فقَال: "ستٌّ فيكُمْ أيتها الأمَّةُ: موت نَبِيِّكُمْ" قال: فكأنَّمَا انْتَزَعَ فَلْبِي مِنْ مَكَانه، قال رسول اللَّه ﷺ : "واحدة"، قال: ويفيضُ المَالُ فيكُمْ، حتى إن الرَّجُلَ ليُعْطَى عشرة آلافٍ فيَظَل يَسْخَطُها" قال رسول اللَّه ﷺ : "ثنتين"، قال: وفتنة تدخل بيت كل رجل منكم". قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاث"، قال: "وَمَوْتٌ كقُعَاص (٢) الغَنَم" قال رسول اللَّه: "أرْبَعٌ، وهدنة تكون بينكم، وبين بني الأَصفر، يجمعون لَكُمْ تسعة أشهر كَقدْرِ حَمْل المَرأةِ، ثمّ يكونون أولى بالغَدْرِ منكم" قال رسول اللَّه ﷺ : "خَمْسٌ"، قال: "وفتح مَدينَة"، قال رسول اللَّه ﷺ : "سِتّ"، قلت: يا رسول اللَّه! أي مدينة؟ قال: "قُسْطَنْطِينيّة". وهذا الإسناد فيه نَظَر من جهة رجاله، ولكن له شاهد من وجه آخر صحيح (٣). فقال البخاري: حدثنا الْحُمَيْدي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد اللَّه بن العَلَاء بن زَبْر، قال: سمعتُ بُسْرَ بن عبيد اللَّه، أنه سمع أبا إدريس؛ قال: سمعت عوف بن مالك ﵁، قال: أتيتُ رسول اللَّه ﷺ في غزوة تَبُوكَ، وهو في قُبَّةٍ مِنْ أَدَم فقال: "اعْدُدْ سِتًّا بَيْن يدي السّاعَة:

стр. 7784

مَوْتِي، ثم فتح بيت المقدس، ثمَ مُوتَانٌ يآخذُ فيكم كَقُعَاص الغنم، ثم استفاضةُ المال حتى يُعْطَى الرَّجُلُ مِئة دِينَارٍ فيظَل سَاخِطًا، ثم فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بيْتٌ من العَرَب إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثم هُدْنَةٌ تكونُ بينكم وَبَينَ بَنِي الأَصْفَر فَيَغْدِرونَ، فَيَأْتونَكمْ تَحتَ ثَمَانينَ رَايَةً، تَحْتَ كُلِّ رَايةٍ اثْنَا عَشَر أَلْفًا". ورواه أبو داود وابن ماجه والطبرانيّ من حديث الوليد بن مسلم، ووقع في رواية الطبرانيّ: عن الوليد عن ابن زَبْر عن زيد بن واقد، عن بُسْر بن عُبيْد اللَّه، وقد صرّح البخاريُّ في روايته بسماع ابن زَبْر، مِنْ بسْر بن عبيد اللَّه. فاللَّهُ أَعْلم (١). وعند أبي داود: فقلت: أدخل يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم". قلت: كُلي؟ قال: "نعم". وإنما قلت ذلك من صِغَر القُبَّة (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المُغِيرة، حدثنا صفوان، حدثنا عبد الرحمن بن جُبَيْر بن نُفَيْر، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعيّ قال: أَتَيْتُ النبيّ ﷺ فسلَّمتُ عليه. فقال: "عوف؟ " فقلت: نعم. فقال: "ادخل". قال: قلت: كُلِّي أو بَعْضي؟ قال: "بل كُلُّك". قال: "اعدُدْ يا عوف سِتًّا بين يدي الساعة. أوَّلهُنّ موتي". قال: فاستبكيتُ حتى جَعَل رسول اللَّه ﷺ يُسْكِتُنِي. قال: "قل: إحدى". قلت: إحدى. "والثانية: فتح بيت المقدس، قُل: اثنتين". فقلت "والثالثة: مُوتَان يكون في أمّتِي يأْخُذُهُم مثلَ قُعَاصِ الغَنَم، قل: ثلاثًا". فقلت "والرَّابعَةُ: فِتْنَة تَكونُ في أُمَّتِي". وَعظَّمها. "قل: أربعًا. والخامسة: يَفِيضُ المال فيكُمْ، حتى إن الرَّجُل ليُعْطَى المئةَ دينار، فَيسْخَطُها، قلْ: خَمسًا، والسادسة: هُدْنَة تَكُونُ بينكم، وبين بني الأصفر، فيَسِيرُونَ إلَيْكُمْ على ثمَانِين غايةً" قلت: وما الغاية؟ قال: "الراية، تحتَ كُلِّ غايةٍ اثنا عشَرَ ألْفًا، فُسطاط المُسلمين يَوْمَئذٍ في أرْضٍ يُقَال لَهَا: الغُوطَةُ، في مدينة يقال لها: دِمَشقُ". تفردّ به أحمد من هذا الوجه (٣). وقال أبو داود: حدثنا هشام بن عمّار، حدّثنا يحيى بن حَمْزة، حدّثنا ابن جابر (٤)، حدثني زيدُ بن أرْطَاة، سمعتُ جُبَيْر بن نُفَيْرٍ، يُحدّث عن أبي الدرداء أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن فُسطاطَ المُسلمين يوم المَلْحَمة بالغُوطَةِ، إلى جانب مدينة يقال لها: دمشق، من خَيْر مَدائِن الشام" (٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن النهّاس بن قَهْمٍ، حدّثني شدّاد أبو عمّار، عن مُعاذ بن جَبَل، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "سِت من أشراط الساعة: مَوْتي، وفتحُ بَيْتِ المقدس، وموتٌ

стр. 7785

يأخُذُ في النّاس كقُعَاصِ الغَنَم،. وفتْنةٌ يَدْخُلُ حربها بَيْت كُلِّ مُسْلِمٍ، وأن يُعْطَى الرَّجُلُ أَلف دِينَارٍ فَيَسْخَطُهَا، وأَن تَغْدِرَ الرُّومُ فَيَسِيروُنَ بِثَمانِينَ بندًا، تحت كل بَند اثنا عشر ألفًا" (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، وعَفّان، قالا: حدّثنا همّام، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن زياد بن ربَاح عن أبي هريرة أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "بادرُوا بالأعمال سِتًّا، طُلُوع الشَّمْسِ مِنْ مغرِبهَا، والدّجالَ، والدُّخَانَ، ودابّة الأرض، وخُوَيْصَّة أحدِكُمْ، وأُمَرَاء العَامّة" وكان قَتَادَةُ يقول: إذا قال: "وأمر العامّة"، يعني أمر الساعة. وهكذا رواه مسلم من حديث شُعْبة، وعبد الصمد، كلاهما عن هَمَّام به، ثم رواه أحمد مُنفردًا به، عن أبي داود، عن عمران القطّان، عن قتادة، عن عبد اللَّه بن رَبَاح، عن أبي هريرة، مرفوعًا مثله (٢). وقال أحمد: حدثنا سليمان، حدثنا إسماعيل، أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "بادروا بالأعمالِ سِتًّا: طُلوعَ الشمْس من مَغرِبِها، والدّجّال، والدُّخَان، والدّابّة، وخاصّة أحَدِكم، وأمْرَ العامة". ورواه مسلم من حديث إسماعيل بن جعفر المَدَني به (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا سُفيان بن عُييْنةَ، عن فُرَات، عن أبي الطُّفَيْل، عن حُذَيفة بن أسِيد، قال: اطّلع النبيّ ﷺ علينا، ونحن نتذاكر الساعة، فقال: "ما تَذْكُرون؟ " قالوا: نذكر الساعة، فقال: "إنّها لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَروا عَشر آيات: الدُّخَان، والدَّجّال، والدّابة، وطلوع الشمس من مَغْرِبها، ونُزُولَ عِيسى ابنِ مَرْيم، ويَأجُوجَ وماجوج، وثلاثة خُسُوفٍ: خَسْفٌ بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخَسْفٌ بجَزِيرَةِ العَرَب، وآخِرُ ذلك نارٌ تخرجُ من قِبَل عَدَن، تطردُ الناس إلى مَحْشَرِهم" قال أبو عبد الرحمن، عبد اللَّه بن الإمام أحمد: سقط كلمةٌ. ثمّ رواه أحمد من حديث سُفْيان الثوريّ، وشُعْبَة، كلاهما عن فُرات القَزّاز، عن أبي الطُّفَيلِ، عامر بن واثِلَة، عن حُذَيْفة بن أسِيد، أبي سَريحة الغِفَاريّ. . . فذكره، وقال فيه: "ونارٌ تخرجُ من قَعْرِ عَدَن، تسُوقُ أو تَحْشُر النَّاس، تبيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وتَقِيلُ مَعَهُمْ حيث قَالوا" قال شعبة: وحدثني بهذا الحديث رجل عن أبي الطُّفَيْل عن أبي سَرِيحَة، ولم يرفعهُ إلى النبيّ ﷺ ، فقال أحد هذين الرَّجُلَين: نزولَ عِيسَى ابن مَرْيم، وقال الآخرُ: ريحٌ تُلْقِيهِمْ في البَحْر". وقد رواه مسلم من حديثِ سفيان بن عُيَيْنَةَ، وشُعْبَة، عن فُرات القزاز، عن أبي الطُّفَيلِ، عن حُذَيفة بن أَسِيد به، وفي رواية له عن شعبة، عن عبد العزيز ابن رُفَيع، عن أبي الطُّفيل، عن حُذَيفةَ بن أسِيد موقوفًا،

стр. 7786

ورواه أهل السُّنن الأربعة، من طُرق، عن فرات القزّاز به، وقال الترمذيّ: حسن صحيح (١). وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمةِ عبد اللَّه بن زياد بن سليمان بن سِمْعانَ، أبي عبد الرحمن القرشي المدني من طريقهِ، حدَّثني الزهريُّ (٢)، حدثني عبيدُ اللَّه بن عتبةَ، عن أبي سريحةَ حذيفةَ بن أَسِيدٍ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ عَشْرُ آيَاتٍ كَالنَّظْمِ فِي الْخَيْطِ، إذَا سَقَطَ مِنْهَا وَاحِدَةٌ تَوَالَتْ: خروج الدَّجَّالِ، وَنُزُولُ عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ، وَفَتْحُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَالدَّابَّةُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبهَا، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا. . . " وذكَر الحديثَ. هذا لفظُه. وقال أبو يعلى: ثنا عقبةُ بن مُكْرَمٍ، ثنا يونسُ، ثنا عبدُ الغفارِ بنُ القاسمِ، ثنا إيادُ بنُ لَقِيطٍ، عن قَرَظَةَ بنِ حسَّانَ، سمِعت أبا موسى في يومِ جُمُعةٍ على مِنْبرِ البصرةِ يقول: سُئِل رسولُ اللَّهِ ﷺ عن الساعةِ وأنا شاهدٌ، فقال: "لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ، لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلَّا هُوَ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكُمْ بِمَشَارِيطِهَا، وَمَا يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهَا؛ إنَّ بَيْنَ يَدَيْهَا رَدْمًا مِنَ الْفِتَنِ، وَهَرْجًا". فقيل له: وما الهرجُ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "هُوَ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: الْقَتْلُ. وَأَنْ تَجِفَ قُلُوبُ النَّاسِ، وَيُلْقَى بَيْنَهُمُ التَّنَاكُرُ، فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يَعْرِفُ أَحَدًا، [وَيُرْفَعُ ذَوُو الْحِجَا، وَتَبْقَى رِجْرِجَةٌ] مِنَ النَّاسِ لَا تَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا تُنْكِرُ مُنْكَرًا (٣). ذكر قتال الملحمة مع الروم الذي يكون آخره فتح القسطنطينية وعند ذلك يخرج الدّجال، فينزل المسيح عيسى ابن مريم من السماء إلى الأرض، على المَنَارةِ البَيْضَاء الشرقية، بدِمَشْق، وقتَ صلاة الفَجْر، كما سيأتي بيانُ ذلك كله، بالأحاديث الصحيحة. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن مُصْعَب، هو القَرقسَانِيّ، حدثنا الأوزاعيّ، عن حسان بن عطيّة، عن خالد بن مَعْدان، عن جُبَيْر بن نُفَيرٍ، عن ذي مِخْمَرٍ عن النبي ﷺ قال: "تصالحون الروم صُلْحًا آمنًا، وتَغْزُون أَنتُم وهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرائهم، فتَسْلَمُونَ وَتغْنَمُونَ، ثمّ تنزلونَ بَمرْجٍ ذي تُلُول، فيقوم رجل مِنَ الرّوم، فيرفعُ الصَّلِيبَ، ويقول: ألا غَلبَ الصليبُ، فيقوم إليه رجل من المسلمين، فيقتلهُ، فعند ذلك تغدر الرُّوم، وثكون الملَاحم، فيجمَعُونَ لكم، فيأتونكم في ثمانين غَايَة، مع كلّ غَاية عَشَرةُ آلافٍ".

стр. 7787

ثم رواه أحمد عن رَوح، عن الأوزاعيّ به، وقال فيه: "فعند ذلك تغدر الرُّوم ويجمعون للمَلْحَمةِ"، وهكذا رواه أبو داود وابن ماجه، من حديث الأوزاعي به (١). وقد تقدم في حديث عوف بن مالك في "صحيح البخاريّ": "فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عَشَر ألفًا" (٢) وهكذا في حديث شدّاد أبي عمّار، عن مُعاذٍ: "فيسيرونَ إليكُمْ بثَمانين بَنْدًا، تحت كلّ بَنْدٍ اثنَا عَشَر ألفًا" (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة، عن أُسَير بن جابر، قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هِجِّيرَى (٤) إلّا يَا عَبْد اللَّه بن مسعود، جاءت الساعة، قال: وكان مُتّكئًا فجَلَس، فقال: إنّ الساعة لا تقومُ حتى لا يُقْسَمَ مِيراثٌ، ولا يُفْرَح بِغَنِيمة. قال: ومم ذاك؟ قال: عدوٌّ يَجْمَعُونَ لأهلِ الإسلام، ويجمعُ لهم أهلُ الإسلام، ونحا بيده نحو الشام. قلت: الرومَ تعني؟ قال: نعم، وتكون عند ذاكم القتال رَدّةٌ شديدة، قال: فيشترط المسلمون شُرْطَةً للموت، لا ترجع إلّا غالبةً، فيقتتلون، حتى يَحْجِزَ بينهم الليل، فيفيءُ هؤلاءَ وهؤلاء، كلٌّ غيرُ غالب، وتَفْنَى الشُّرطَةُ، ثم يشترط المسلمون شُرْطة للموت، لا ترجعُ إلّا غالبةً، فيقتتلون حتى يَحْجِزَ بينَهُمُ الليلُ، فيفيءُ هؤلاء، وهؤلاء، كلٌّ غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شُرْطَةً للموت، لا ترجع إلّا غالبةً، فيقتتلون حتى يُمْسُوا، فيفيءُ هؤلاء، وهؤلاء، كلٌّ غيرُ غالب، وتفنى الشّرطة، فإذا كان اليومُ الرابع نَهَدَ إليهم [بقية] أهل الإسلام، فيجعلُ اللَّه الدَّبْرة عليهم، فيقتتلون مَقْتَلَةً، إمّا قال: لا يُرى مثلُها، وإمّا قال: لم يُرَ مِثْلُهَا، حتى إنّ الطائر لَيَمُرُّ بِجَنَباتِهِمْ فَمَا يُخَلِّفُهمْ حَتى يَخِرّ ميتًا، قال: فيتعادُّ بنو الأب، كانوا مئةً، فلَا يجدُونَهُ بقي منهم إلا الرجل الواحدُ، فبأيّ غنيمة يُفْرَحُ؟ أو أيّ ميراث يُقَاسَمُ، فبَيْنما هم كذلك إذ سَمِعُوا بِبَأسٍ هو أكبرُ من ذلك، قال: فَجَاءهم الصَّريخُ، إنّ الدّجالَ قد خَلَفَهُمْ في ذَرَارِيهِمْ، فيَرْفُضُونَ ما في أيديهمْ، ويُقْبلُونَ فيبعثون عَشَرةَ فَوارسَ طَلِيعةً، قال رسول اللَّه ﷺ : "إني لأعلم أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خُيُولِهمْ، هُمْ خير فَوارِسَ على ظَهْر الأرض يومئذٍ". تفرّد بإخراجه مسلم، فرواه عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة وعليّ بن حُجر، كلاهما عن إسماعيل بن عُلَيَّة، ومن حديث حمّاد بن زيد، كلاهما عن أيّوب، ومن

стр. 7788

حديث سُلَيْمان بن المُغِيرة، كلاهما عن حُمَيْد بن هلال العَدويّ، عن أبي قتادة العَدويّ. وقد اختُلِف في اسمه، والأشهرُ ما ذكره ابن مَعين: أنه تَميِمُ بن نُذَيْر، ووثقه، وقال ابن مَنْدَه وغيره: كانت له صُحْبَة، فاللَّه أعلم (١). وتقدّم من رواية جُبَيْر بن نُفَيْر، عن عَوْفِ بن مالك في تَعْدَادِ الأشْراط بين يَدَيِ الساعة، عن النبي ﷺ : "والسادسة هُدْنَةٌ تكونُ بَيْنَكم وبين بَني الأصفر، فيَسِيرون إليكم في ثمانين غايةً، تحتَ كلِّ غاية اثنا عشر ألفًا، وفُسْطاطُ المسلمين يومئذ في أرضٍ يُقال لها: الغُوطَةَ، في مدينةٍ يقال لها: دمشق" رواه أحمد (٢). وروى أبو داود، من حديث جُبَيْر بن نُفَيْر أيضًا، عن أبي الدرداء: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ فُسطاطَ المُسلمين يوم المَلْحَمَةِ بالغُوطَةِ إلى جانب مدينةٍ يقالُ لها: دِمَشْقُ، مِنْ خَيْر مدائن الشام" (٣). وتقدّم حديثُ أبي حَيّة، عن عبد اللَّه بن عمرو، في فتح القسطنطينية (٤) وكذا حديث أبي قبيل في فتح رومية بعدها أيضًا (٥). وقال مسلم بن الحجاج: حدثني زُهَيْر بن حَرْب، حدثنا مُعَلَّى بن منصور، حدثنا سُليمان بن بلال، حدثني سُهَيْل، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق (٦) أو بدابق، فيخرج إليهم جيشٌ من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافُّوا قالت الروم: خلُّوا بيننا وبين الذين سُبُوْا مِنّا نُقَاتِلْهُمْ، فيقول المسلمون: لا واللَّه، لا نُخَلِّي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فينهزمُ ثُلُثٌ، لا يتوب اللَّه عليهم أبدًا، ويُقْتَلُ ثلثُهم، أَفْضَلُ الشهداء عند اللَّه، وَيَفْتَتِحُ الثلث، لا يُفْتَنُونَ أبدًا فَيَفْتَتِحُون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد عَلَّقُوا سُيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خَلَفَكُمْ في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج الدجال، فبينما هم يُعِدُّون للقتال، يُسَوّون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابنُ مريم ﷺ فأمَّهم، فإذا رآه عدوُّ اللَّه ذابَ كما يذوب المِلْح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يَهْلِكَ، ولكن يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، فيريهمْ دَمه في حرْبته" (٧).

стр. 7789

وقال مسلم: حدثنا قُتْيبَةُ بن سعيد، حدثنا عبد العزيز، يعني ابن محمد، عن ثور، وهو ابن زيد الدِّيليّ، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "سمعتم بمدينةٍ جانبٌ منها في البرّ، وجانبٌ منها في البحر؟ " قالوا: نعم، يا رسول اللَّه، قال: "لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاحٍ، ولم يَرمُوا بسَهْم، قالوا: لا إلهَ إلّا اللَّهُ، واللَّه أكبر، فيسقط أحدُ جانبَيْها" قال ثور: لا أعلمه إلّا قال: "الذي في البحر" "ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلّا اللَّه، واللَّه أكبر، فيُفَرَّجُ لهم، فيدخلوها فيَغْنَمُوا، فبينما هم يقتسمون المغانم، إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجَّال قد خرج، فيتركون كلّ شيء ويرجعون" (١). وقال ابن ماجه: حدثنا عليّ بن ميمون الرَّقِّي، حدثنا أبو يعقوب الحُنَيْنِيّ، عن كَثِير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تكون أدنى مسالح (٢) المسلمين بِبَوْلَاء (٣) " ثم قال ﷺ : "يا عليّ، يا عليّ، يا عليّ"، قال: بأبي وأمي، قال: "إنّكم ستقاتلون بني الأصفر، ويقاتلهم الذين مِنْ بعدكم، حتى تَخرجَ إليهم رُوقَة (٤) الإسلام، أهلُ الحجاز الذين لا يخافون في اللَّه لَوْمةَ لائم، فيفتتحون القُسطنطينية بالتسبيح والتكبير، فيُصيبون غنائم لم يُصِيبُوا مثلَها، حتّى يقتسموا بالأَتْرِسَة، ويأتي آتٍ، فيقول: إن المَسِيح قَدْ خَرَج في بِلادِكُمْ، ألا وهي كِذْبة، فالآخذُ نادم والتارك نادم" (٥). وقال مسلم: حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سَمُرة، عن نافع، عن عُتْبَة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "تغزون جزيرة العرب، فيفتحها اللَّه، ثم فارس، فيفتحها اللَّه، ثم تغزون الروم، فيفتحها اللَّه، ثم تغزون الدجّال فيفتحه اللَّه" (٦). وقد روى مسلم من حديث الليث بن سعد: حدثني موسى بن عُلَيّ، عن أبيه، قال: قال المُسْتَورِد القرشي عند عمرو بن العاص: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "تقوم الساعة والروم أكثرُ الناس" فقال له عمرو: أبْصِرْ ما تقول، قال: أقول ما سمعتُ من رسول اللَّه ﷺ ، قال: لئن قلت

стр. 7790

ذلك إن فيهم لَخِصالًا أربعًا، إنهم لأحلم الناس عند فِتنةٍ، وأسرعُهم إفَاقةً بعد مُصِيبة، وأوشكهم كَرَّةً بعد فَرَّةٍ، وخيرهم لمسكين، ويتيم، وضعيف، وخامسة حسنة جميلة، وأمنعُهم من ظُلْم الملوك (١). ثم قال مسلم: حدثني حرملة بن يحيى التُّجيبيّ، حدثنا عبد اللَّه بن وَهْب، حدثني أبو شُرَيح: أن عبد الكريم بن الحارث حدّثه: أن المستورد القُرَشيَّ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "تقوم الساعة والروم أكثرُ الناس" قال: فبلغ ذلك عمرو بن العاص، فقال: ما هذه الأحاديث التي تُذْكر عنك أنك تقولها عن رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال له المستورد: قلت الذي سمعتُ من رسول اللَّه ﷺ . قال: فقال عمرو: لئن قلت ذلك إنّهم لأحلمُ الناس عند فِتْنةٍ، وأصبرُ الناس عند مصيبة، وخير الناس لمسَاكِينهم، وضُعَفائهم (٢). وهذا يدلّ على أن الروم يُسْلِمُونَ في آخر الزمان، ولعلّ فتح القُسطنطينية يكون على يدي طائفةٍ منهم، كما نطق به الحديث المتقدّم أنه يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق، والروم من سُلالة العِيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵊، فهم أولاد عمّ بني إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق، فالروم يكونون في آخر الزمان خيرًا من بني إسرائيل، فإن الدخال يتبعُه سبعون ألفًا من يهود أصْبهان، فهم أنصار الدخال، وهؤلاء -أعني الروم- قد مُدِحُوا في هذا الحديث، فلعلهم يُسلمون على يدي المسيح ابن مريم، واللَّه أعلم. على أنه قد وقع في بعض الروايات: "من بني إسماعيل"، وقوَّى ذلك عياضٌ، وغيره، واللَّه أعلم. وقال إسماعيل بن أبي أُوَيس: حدثنا كَثِيرُ بن عبد اللَّه بن عمرو بن عَوْف، عن أبيه، عن جدِّه: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ستقاتلون بني الأصفر، ويقاتلهم مَنْ بعدكم من المؤمنين أهلُ الحجَاز، حتى يفتح اللَّه عليهم القُسطنطينية ورومية بالتسبيح والتكبير، فَينهدم حِصْنُها فيصيبون مالًا لم يُصيبوا مثله قطّ، حتى إنهم يقتسمون بالأترسة، ثم يصرخ صارخ: يا أهلَ الإسلام، المسيحُ الدجال في بلادكم، وذراريكم، فينفَضّ الناس عن المال، منهم الآخذ، ومنهم التارك، الآخذ نادم، والتارك نادم، فيقولون: من هذا الصارخ؟ ولا يعلمون من هو؟ فيقولون: ابعثوا طليعةً إلى إيلياءَ، فإن يكن المسيحُ قد خرج فسيأتُونَكُمْ بِعلمه، فيأتون، فينظرون، فلا يرون شيئًا، ويرون الناس ساكتين فيقولون: ما صرخ الصارخ إلا لنبأٍ عظيم، فاعْتَزِمُوا، ثمّ ارتضوا، فيعتزمون أن نخرج بأجمعنا إلى إيلياء، فإن يكن الدجّال خرج نُقاتلْهُ بأجمعنا، حتى يحكم اللَّهُ

стр. 7791

بيننا وبينه، وإن تكن الأخرى فإنّها بلادُكم وعشائِرُكم إن رجعتم إليها " (١). وقد روى الحافظ بهاءُ الدين ابن عساكر في كتابه "المستقصَى في فضائل الأقصَى" بسندٍ له، عن الأوزاعيُّ، عن خالد بن مَعْدَانَ، عن كعب الأحبار أنّه قال: إنّ مدينة القسطنطينية شمتت بخراب بَيْت المقدس، يعني زمن بُخْت نصر، فتعزّزت، وتجَبَّرت، وشَمَخَتْ، فسماها اللَّهُ تعالى العاتِيَة المُسْتكبرة، وذلك أنّها قالت مع شماتتها ببَيْت المقدس: إن يكن عرشُ رَبِّي كان على الماء، فقد بُنيتُ أنا على الماء، فغضب اللَّه عليها، ووعدها العذابَ والخراب وقال لها: حلفتُ يا مُستكبرة، لما قد عَتَيْتِ عن أمري وتجبَّرتِ، لأبعثنّ عليكِ عبادًا لي مؤمنين، من مساكن سَبَأ، ثمّ لأُشجِّعَنَّ قلوبهم حتى أدعها كقلوب الأُسْدِ الضارية، ولأجعَلنّ صوتَ أحدهم عند البأس كصوت الأسد حين يخرُج من الغابة، ثم لأُرْعبَنّ قلوبَ أهلك، كرُعْبِ العُصفور، ثم لأنْزِعَنّ عَنكِ حَلْيَكِ، ودِيباجَكِ، وريَاشَكِ، ثم لأَتْرُكَنَّكِ جَلْحَاءَ قرعاء صلْعَاءَ، فإنّه طَال مَا أُشْرِكَ بي فيكِ، وعُبدَ غَيْري، وافْتُرِيَ عليّ، وأَمهَلْتُكِ إلى اليَوْمِ الذي فيه خِزْيُكِ، فلا تستعجلي يا عاتية، فإنّه لنْ يفوتني شيءٌ أريده. وقال الإمام أحمد: ثنا أبو أحمد، ثنا عبدُ الجبارِ بنُ العباس الشِّبامِي، عن أبي قيسي، قال عبد الجبار: أُراه عن هُزَيلٍ، قال: قام حذيفةُ خطيبًا في دارِ عامرِ (٢) بن حنظلةَ فيها اليَمَنيُّ (٣) والمُضَريُّ، فقال: "لَيَأْتِيَنَّ على مُضَرَ يَوْمٌ لَا يَدَعُونَ للَّهِ عَبْدًا يَعْبُدُهُ إلَّا قَتَلُوهُ، أَوْ لَيُضْرَبُنَّ ضَرْبًا لَا يَمْنَعُونَ ذَنَبَ تَلْعَةٍ". فقيل: يا أبا عبدِ اللَّه تقولُ هذا لقومِك -أو: لقومٍ أنت منهم- فقال: لا أقولُ إلا ما سمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جُبَيْرِ بن نُفَيْر، عن مالك بن يُخَامِر، عن معاذ بن جَبَل، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عُمرانُ بَيْتِ المَقدسِ خرابُ يَثْرِبَ، وخرابُ يَثْرِبَ خروج الْمَلحَمَة، وخروجُ الملحمةِ فتحُ القُسْطَنطينيةِ، وفتحُ القسطنطينية خروجُ الدّجّال" قال: ثم ضرب بيده على فخذِ الذي حدّثه أو مَنْكبِه، ثم قال: "إنّ هذا لَحقّ كما أنك هاهُنا" أو "كما أنك قاعد" يعني مُعاذَ بن جبل هكذا رواه أبو داود عن عباس العنبريّ، عن أبي النضر، هاشم بن القاسم به، وهذا إسناد جيّدٌ، وحديثٌ حَسَن، وعليه نُور الصّدق، وجلَالةُ النبوّة (٥).

стр. 7792

وليس المرادُ أن المدينة تخربَ بالكليّة، قبل خروج الدّجال، وإنما ذلك يكون في آخر الزمان، كما سيأتي بيانهُ في الأحاديث الصحيحية، بل يكون عِمَارةُ بَيْت المقدس سببًا في خراب المدينة النبوية، لأن الناس يرحلون منها إلى الشام لأجل الريف والرخص، فإنهُ قد ثبت في الأحاديث الصحيحة: أن الدّجال لا يدخلها، يمنعه من ذلك بما على أنقابها من الملائكة، بايديهم السُّيوفُ المُصْلَتَةُ. وفي "صحيح البخاريّ" من حديث مالك، عن نُعيم المُجْمِر، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "المدينة لا يدخلها الطَّاعون ولا الدّجَّال" (١). وفي "جامع الترمذيّ": أن المسيح ابن مريم ﵊ إذا مات يُدفَنُ في الحُجْرة النبويّة (٢). وقد قال مسلم: حدثني عمرو الناقد، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا زُهَيْرٌ، عن سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تبلغ المساكنُ إهَابَ" أو "يِهَاب" قال زهير: قلت لسُهَيل: فكم ذلك من المدينة؟ قال: كذا وكذا ميلًا (٣). فهذه العمارة إمّا أن تكون قبل عِمارة بيت المقدس، وقد تكون بعد ذلك بدَهْر، ثم تخرَب بالكلّية، كما دلّت على ذلك الأحاديث، التي سَنُوردها. وقد روى القرطبيُّ، من طريق الوليد بن مُسلم، عن ابن لَهِيعَةَ، عن أبي الزُّبير، عن جابر: أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر يقول: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يخرُج أهلُ المدينة منها، ثمّ يعودون إلَيْها فيَعْمُرونَها، حتّى تَمتلئ، ثم يخرجون منْها، ثم لَا يعودُونَ إلَيْها أبدًا" (٤). وفي حديث عن أبي سعيد مرفوعًا مثلهُ: وزاد: "ولَيَدَعُنَها وهي خير ما تكون مونِعة" قيل: فمن يأكُلها؟ قال: "الطَّيرُ، والسِّباع" (٥). وفي "صحيح مسلم"، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "يَتْركُونَ المدينة على خَيْرِ ما كانَتْ، لا يغشاها إلا العَوافي" يريد عَوافِيَ السِّباع والطير "ثم يخرجُ راعيانِ من مُزَيْنَة يُريدان

стр. 7793

المدينةَ يَنْعِقانِ بغنمهما، فيجدانها وحْشًا، حتى إذا بلغا ثَنِيّةَ الوادع خَرّا على وجُوهِهِمَا" (١). وفي حديث حُذَيْفة: سألت رسول اللَّه ﷺ عن أشياء، إلّا أنّي لم أسألْهُ: ما يُخْرِجُ أهلَ المدينة منها (٢)؟ وفي حديث آخر، عن أبي هريرة: "يَخْرُجُونَ منها ونصفُ ثَمرِها زَهْوٌ، ونصفها رُطَبٌ" قيل: ما يُخْرجهم منها يا أبا هريرة؟ قال: أُمَراءُ السُّوءِ (٣). وقال أبو داود: حدثنا ابن نُفَيْل، حدثنا عيسى بن يونس، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الوليد بن سفْيان الغسّانيّ، عن يزيد بن قطيب السَّكُونيّ، عن أبي بحْرِيةَ، عن مُعاذ بن جبل، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المَلحمَةُ الكُبرى، وفتْحُ القْسطَنْطِينيّة، وخروج الدجّال في سبعة أشهر". ورواه الترمذيّ، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ، عن الحكم بن المبارك، عن الوليد بن مسلم به، وقال: حسن [غريب] لا نعرفه إلّا من هذا الوجه، وفي الباب عن الصعب بن جَثّامة، وعبد اللَّه بن بُسْر، وعبد اللَّه بن مسعود، وأبي سعيد الخُدْريّ. ورواه ابن ماجه، عن هشام بن عمّار، عن الوليد بن مسلم، وإسماعيل بن عيّاش، عن أبي بكر بن أبي مَرْيَم به (٤). وقال الإمام أحمد، وأبو داود، واللفظ له: حدثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْح الحِمْصيّ، حدثنا بقيّة، عن بَحيْر بن سعد، عن خالد هو ابن مَعْدَان، عن ابن أبي بلال، عن عبد اللَّه بن بسر: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "بين الملحية وفتح المدينة ستُّ سنين، ويخرجُ الدجّال في السابعة". وهكذا رواه ابن ماجه عن سُوَيد بن سعيد، عن بَقِيّة بن الوليد به (٥)، وهذا مشكل مع الذي قبله، اللهمّ إلّا أن يكون بين أول الملحمة وآخرها ستّ سنين، ويكون بين آخرها وفتح المدينة، وهي القسطنطينية مدّة قريبة، بحيث يكون ذلك مع خروج الدجّال في سبعة أشهر، واللَّه أعلم. وقال الترمذيّ: حدثنا محمود بن غَيْلان، حدثنا أبو داود، عن شُعْبة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك، قال: فتحُ القسطنطينية مع قيام الساعة، قال محمود: هذا حديث غريب. والقسطنطينية هي مدينة الرُّوم تُفتحُ عند خروج الدجّال، والقسطنطينية قد فُتِحَتْ في زمان بعض أصحاب النبيّ ﷺ (٦). هكذا قال: إنّها فُتحت في زمن الصحابة، وفي هذا نظر، فإنّ مُعاويةَ بَعث إليها

стр. 7794

ابنَه يزيدَ في جيش فيهم أبو أيُّوبَ الأنصاريّ، ولكن لم يتفق له فتحها، وحاصرها مَسْلَمةُ بن عبد الملك بن مروان، في زمان دولتهم، ولم تُفتح أيضًا، ولكنْ صالحهم على بناء مسجد بها، كما قدمنا ذلك مبسوطًا، واللَّه تعالى أعلم. ذكر خروج الدجال بعد وقوع الملحمة الرومية وفتح القسطنطينية ولنذكر قبل ذلك مُقدِّمة فيما ورد في ذِكر الكذّابين الدخالِيْن الذين هم كالمقدِّمة بين يَدَيْه، ويكون المسيح الدجّال خاتَمُهمْ قبحه اللَّه وإيّاهُمْ، وجعل نار الجحيم مُنْقَلَبَهُمْ ومَثْواهُمْ. روى مسلم في "صحيحه" من حديث شُعْبة وغيره، عن سِماك، عن جابر بن سَمُرة قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ بَيْنَ يدي الساعة كذّابين" قال جابر: فاحذروهم (١). وقال الإمام أحمد: حدّثنا موسى، حدثنا ابن لَهيعَة، عن أبي الزُّبير، عن جابر أنه قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "بين يدي الساعة كذّابون، منهم صاحب اليمامة، ومنهم صاحب صنعاء العَنْسِي، ومنهم صاحبُ حِمْير، ومنهم الدجّال، وهو أعظمهم فتنةً" قال جابر: وبعض أصحابي يقول: "قريبٌ من ثلاثين كذابًا". تفردّ به أحمد (٢). وثبت في "صحيح البخاريّ"، عن أبي اليمان، عن شُعَيْب، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يُبْعَثَ دخالون، كذّابون، قريب من ثلاثين، كلٌّ يزعمُ أنّه رسول اللَّه. . . " وذكر تمام الحديث بطوله (٣). وفي "صحيح مسلم" من حديث مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يُبْعَثَ دخالون، كذّابون قريب من ثلاثين، كلٌّ يزعمُ أنّه رسول اللَّه". حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَرٌ، عن هَمَّام بن مُنبّه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمثله، غير أنّه قال: "ينبعث" (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شُعبة، سمعت العَلَاء بن عبد الرحمن، يُحدّث، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنّه قال: "لا تقوم الساعة حتى يظهر ثلاثُونَ دَجَّالونَ، كلّهم يزعم أنه رسول اللَّه، ويَفِيضُ المالُ فيكثر، وتظهَرُ الفِتَنُ، ويكثرُ الهَرْجُ" قال: قيل:

стр. 7795

أيُّمَا الهَرْجُ؟ قال: "القتلُ، القتل" ثلاثًا. تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو على شرط مُسلم، وقد رواه أبو داود عن القَعْنَبيّ، عن الدّرَاورْدِيّ، عن العَلَاء به (١). ومن حديث محمد بن عمرو بن عَلْقَمَة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يَخْرُجَ ثلاثون دجّالًا كذَّابًا كلهم يكذبُ على اللَّه ورسوله" (٢). وقال أحمد: حدثنا يحيى، عن عوف، حدثنا خِلَاس، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "بين يدي الساعة قريبٌ من ثلاثين دجّالين، كذابين، كلهم يقول: أنا نبيّ، أنا نبيّ". وهذا إسناد جيّد حسن، تفرّد به أحمد أيضًا (٣). وقال أحمد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا سَلَامَانُ بن عامر، عن أبي عُثْمانَ الأصْبَحِيّ: سمعتُ أَبا هريرة يقول: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "سيكون في أمتي دَجّالونَ كذَّابُون، يأتونكم ببدْع من الحديث بما لم تَسْمَعُوا أنْتُم ولَا آباؤُكُمْ، فإياكُمْ وإيّاهُمْ لا يَفْتِنُونكُمْ" (٤). وقال الحافظ أبو يَعْلَى الموصلي: حدثنا أبو كُرَيْب، حدّثنا محمد بن الحَسَن الأَسْدِيّ، حدّثنا هارون بنُ صالح الهَمْدَانيّ، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي الجُلاس، قال: سمعتُ عليًّا يقول لعبد اللَّه السَّبئي: ويلك، واللَّه ما أفْضَى إليّ بشَيْءٍ كتمتهُ أحدًا من الناس، ولقد سمعتهُ يقول: "إنّ بين يدي الساعة ثلاثينَ كذَّابًا، وإنك لأحدُهم". ورواه أيضًا عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة عن محمد بن الحسن به (٥). وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي قِلابة، عن أبي أسماء، عن ثَوْبانَ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّه سيكونُ في أُمتي ثلاثون كذّابُونَ، كلُّهم يزعمُ أنّه نبي، وأنا خَاتمُ النبيين، لا نبيّ بعدي. . . " الحديث بتمامه (٦). وقال الإمامُ أحمد: حدثنا أبو الوليد، حدثنا عُبيْدُ اللَّه بن إياد بن لَقيط، حدثنا إياد، عن عبد الرحمن بن نُعْم أو نُعَيْم الأعْرجيّ، شَكَّ أبو الوليد، قال: سأل رجل ابن عمر عن المُتْعَة، وأنا عنده، مُتْعَةِ النِّساءِ، فقال: واللَّه ما كُنّا على عهد رسول اللَّه ﷺ زانِينَ، ولا مُسَافِحينَ، ثم قال: واللَّه

стр. 7796

لقد سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "ليكونَنّ قبل يوم القيامة المسيحُ الدجال، وكذَّابُون ثلاثون، أو أكثر". ورواه الطبرانيّ من حديثِ مُوَرِّق العِجْليّ، عن ابن عمر، بنحوه، تفرد به أحمد (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حَمّادٌ، وهو ابن سَلَمة، عن عليّ بن زيد، عن يوسف بن مِهران، عن عبد اللَّه بن عمر: أنه كان عنده رجل من أهل الكوفة، فجعل يحدِّثه عن المختار، فقال ابن عمر: إنْ كان كما تقول فإني سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ بينَ يدي الساعة ثلاثين دجالًا كذابًا". تفرّد به أحمد من هذا الوجه (٢). وقد رواه سعيد بن عامر، عن ابن عمر، ولكن قال: "سبعون". قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا ابن فضيل، عن لَيْث، عن سعيد بن عامر، عن ابن عمر، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "إن في أمتي لنَيِّفًا وسبعين داعيًا، كلّهم دَاعٍ إلى النار، لو أشاء لأنبأتُكُمْ باسمائهم، وقبائِلهم". وهذا إسناد لا بأس به (٣)، وقد روى ابن ماجه به حديثًا في الكَرْع والشُّرْب باليد (٤). وقال أبو يعلى: حدثنا زُهَيْر، حَذثنا جَرِير، عن لَيْث، عن بِشْر، عن أنَس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يكون قبل خروج الدجّال نيّف على سبعين دجالًا". فيه كرابة، والذي في الصحاح أثبت، واللَّه أعلم (٥). وقال أحمد: حدثنا عبد الرزّاق، حدثنا مَعْمَر، عن الزُّهريّ، عن طلحة بن عبد اللَّه بن عوف، عن أبي بَكْرةَ، قال: أكثَر الناسُ في مُسَيْلمةَ قبل أن يقول رسول اللَّه ﷺ فيه شيئًا، فقام رسول اللَّه ﷺ خطيبًا، فقال: "أمّا بعدُ، ففي شأن هذا الرجل الذي قد أكثرتُمْ فيه، وإنه كذاب من ثلاثين كذَّابًا، يخرجون بين يدي الساعة، وإنه ليس بلد إلا يبلغها رُعْبُ المسيح، إلا المدينة، على كل نقب من نقابها ملكان يَذُبّانِ عنها رُعْبَ المسيح". وقد رواه أحمد أيضًا عن حجّاج، عن الليث بن سعد، عن عَقِيل، عن ابن شهاب، عن طلحة بن عبد اللَّه بن عوف، أنّ عياض بن مُسافِع أخبره عن أبي بَكْرةَ. . . فَذَكره، وقال فيه: "إنه كذاب، من ثلاثين كذابًا، يخرجون قبل الدجَّال، وإنّه ليس بلدٌ إلّا سَيَدْخُلها رُعْب المسيح الدجّال، إلّا المدينة،

стр. 7797

على كلّ نَقْب من نِقَابها (١) يومئذ مَلَكَان يَذُبّان عنها رُعْبَ المسيح". تفرّد به أحمد من الوجهين (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو جعفر المدائنيّ، وهو محمد بن جعفر، حدثنا عبّاد بن العوّام، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ أمام الدجّال سنينَ خدّاعة، يُصَدَّقُ فيها الكاذِبُ، ويُكذب فيها الصَّادِقُ، ويُخَوَّنُ فيها الأمين، ويُؤْتَمَنُ فيها الخَائِنُ، ويَتكلَّمُ فيها الرُّوَيبِضةُ" قيل: وما الرويبضةُ؟ قال: "الفُوَيْسِقُ، يتكلم في أمر العامَّة". وهذا إسناد جيّد، قوي، تفرَّد به أحمد، من هذا الوجه (٣). وقال الإمام أحمد: ثنا عليُّ بن عبد اللَّه، قال: ثنا معاذٌ، يعني ابنَ هشام قال: وجَدْتُ في كتابِ أبي بخطِّ يده، ولم أسمَغه مِنه، عن قتادةَ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ النّخَعيِّ، عن هَمَّامٍ، عن حُذَيفةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ -قال: "فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ دَجَّالُونَ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ، مِنْهُمْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وإِنِّي خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، لا نَبِيَّ بَعْدِي" (٤). الكلام على أحاديث الدجال قال مسلم: حدثني حَرْمَلةُ بن يحيى بن عبد اللَّه بن حَرْمَلة بن عِمْران التُّجِيبِي، أخبرني ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن سالم بن عبد اللَّه أخبره: أن عبد اللَّه بن عمر أخبره أن عمر بن الخطاب انطلق مع رسول اللَّه ﷺ في رَهْطٍ قِبَل ابن صيّاد حتى وجده يلعبُ مع الصِّبيانِ عند أُطُمِ بني مَغالة، وقد قارب ابنُ صيَّاد يَوْمَئِذٍ الحُلُم، فلم يَشْعُر حتى ضَرَبَ رسول اللَّه ﷺ ظهْرَهُ بِيَدِهِ، ثم قال رسول اللَّه ﷺ لابن صياد: "أتَشْهدُ أَنِّي رسول اللَّه؟ " فنظر إليه ابن صَيّاد فقال: أشهدُ أنّك رسول الأميِّين، فقال ابنُ صَيّاد لرسول اللَّه ﷺ : أتشهدُ أنِّي رسول اللَّه؟ فرفضه رسول اللَّه ﷺ ، وقال: "آمنتُ باللَّه وبرُسُله" ثم قال له رسول اللَّه ﷺ : "ماذا ترى؟ " قال ابن صياد: يأتيني صادق، وكاذب، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "خُلِّطَ عليك الأمرُ" ثم قال له رسول اللَّه ﷺ : "إني قد خَبَأْتُ لك خبيئًا" فقال ابنُ صيّاد: هو الدُّخُّ (٥)، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "اخْسَأ فلن تَعْدُوَ قدرك" فقال عمر بن الخطاب ﵁: ذَرْني يا رسول اللَّه أضرِبْ عُنُقَهُ، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "إنْ يَكُنْهُ فلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله". وقال سالم بن عبد اللَّه: سمعتُ عبد اللَّه بن عمر يقول:

стр. 7798

انطلق بعد ذلك رسول اللَّه ﷺ وأبَيُّ بنُ كعب الأنصاريّ إلى النخل التي فيها ابنُ صيّاد؛ حتى إذا دخل رسول اللَّه ﷺ النخلَ طَفِقَ يتَّقِي بجُذُوع النَّخْلِ وهو يَخْتِلُ (١) أن يسمع من ابن صيّاد شيئًا قبل أن يراه ابنُ صيّاد، فرآه رسول اللَّه ﷺ وهو مضطجع على فراش في قطيفة له، فيها زمزمة (٢)، فرأت أم ابن صياد رسول اللَّه ﷺ وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صيّاد: يا صاف، وهو اسم ابن صيّاد، هذا محمد، فثار ابنُ صيّاد، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لو تَرَكَتْهُ بَيَّن" (٣). قال سالم: قال عبد اللَّه بن عمر: فقام رسول اللَّه ﷺ في الناس، فأثْنَى على اللَّه تعالى بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: "إني لأنذركموه، ما من نبيّ إلا وقد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكن أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبيّ لقومه: تَعَلَّمُوا أنه أعْوَرُ، وأن اللَّه ﵎ ليس بأعور" وقال ابن شهاب: وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاريّ: أنه أخبره بعضُ أصحاب رسول اللَّه ﷺ أن رسول اللَّه ﷺ قال يوم حذَّر الناس الدجّال: "إنّه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه من كَرِهَ عَمله، أو يقرؤه كلّ مؤمن" وقال: "تَعَلَّمُوا أنه لن يرى أحدٌ منكم رَبه حتى يموت". وأصل الحديث عند البخاريّ من حديث الزُّهريّ، عن سالم، عن أبيه، بنحوه (٤). وروى مسلم أيضًا من حديث عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر: أنّ رسول اللَّه ﷺ ذكر الدجّال بين ظَهراني الناس فقال: "إنّ اللَّه ﵎ ليس بأعور، ألا وإنّ المسيح الدخال أعورُ العين اليُمْنَى، كأنّ عَينه عِنَبَةٌ طافئة" (٥). ولمسلم من حديث شُعْبة، عن قَتَادَة، عن أنس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من نبي إلا وقد أنذر أمّته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه ك ف ر". رواه البخاريّ من حديث شُعْبَة بنَحْوِه (٦). قال مسلم: وحدثني زُهَير بن حرب، حدثنا عَفّان، حدثنا عبد الوارث، عن شُعيب بن الحَبْحَابِ، عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الدجّال مَمْسُوحُ العَيْنِ، مكتوب بين عينيه: كافر" ثم تَهَجّاهَا: ك ف ر "يقرؤه كل مسلم" (٧). وقال أحمد: ثنا يزيدُ بن هارون، ثنا محمد بن إسحاق، عن داودَ بن عامر بن سعدِ بن مالكٍ،

стр. 7799

عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا وَصَفَ الدَّجَّالَ لأُمَّتِهِ، وَلأَصِفَنَّهُ صِفَةً لَمْ يَصِفْهَا أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي؛ إنه أَعْوَرُ، واللَّهُ لَيْسَ بِأَعْوَرَ". لم يُخْرِجوه، وإسناده جيِّدٌ (١). ولمسلم من حديث الأعمش عن شقيق عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الدجَّال أعور العين اليسرى، جُفال الشعر (٢)، معه جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار" (٣). حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لأنا أعلم بما مع الدجّال منه، معه نهران يَجْريان، أحدهما رَأْيَ العَيْنِ ماءٌ أبيضُ، والآخرُ رَأْيَ العَيْنِ نارٌ تاجَّجُ، فإما أدركنَّ أحدٌ، فلْيَأْتِ النهرَ الذي يراه نارًا ولْيُغْمِضْ، ثم لْيُطأطئ رَأْسَهُ فيَشْرب منه، فإنه ماءٌ بارد، وإنّ الدخال مَمْسوح العَيْن، عليها ظَفَرَةٌ (٤) غَلِيظَةٌ، مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن، كاتبٍ وغير كاتبٍ". ثم رواه من حديث شُعْبة، عن عبد الملك بن عُمَيْر، عن ربِعيّ، عن حُذْيفَةَ، عن النبيّ ﷺ بنحوه، قال ابن مسعود: وأنا سمعتُه من رسول اللَّه ﷺ . ورواه البخاريُّ من حديث شُعْبَة بنحوه (٥). وقال الإمام أحمد: ثنا محمدُ بن جعفر، ثنا شعبةُ، عن أبي التَّياحِ، سمِعتُ صخرًا يُحدِّثُ عن سُبَيْعٍ (٦) قال: أرسَلوني من ماه (٧) إلى الكوفةِ أشتري الدوابَّ، فأتينا الكُنَاسةَ، فإذا رجلٌ عليه جَمْعٌ، فأمَّا صاحبي فانطلقَ إلى الدوابِّ، وأمَّا أنا فأتَيتُه، فإذا حذيفةُ، فسمِعتُه يقولُ: كان أصحابُ رسول للَّه ﷺ يسأَلونه عن الخير، وكنت أسأَلُه عن الشرِّ، قلت: يا رسولَ اللَّه، هل بعد هذا الخيرِ من شر؟ قال: "نَعَمْ". قلت: فما العصمةُ مِنه؟ قال: "السَّيْفُ". قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: "ثُمَّ تكُونُ هُدْنَةٌ على دَخَنٍ". قال: قلتُ: ثم ماذا؟ قال: "ثُمَّ تَكُونُ دُعَاةُ الضَّلَالَةِ، فَإِنْ رَأَيْتَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةً في الأَرْضِ فَالْزَمْهُ، وَإِنْ نَهَكَ جِسْمَكَ، وَأَخَذَ مَالَكَ، فإِنْ لَمْ تَرَهُ فَاهْرُبْ فِي الأَرْضِ، ولَوْ أَنْ تَمُوتَ وَأَنْتَ عاضٌّ بِجِذْلِ شَجَرَةٍ". قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: "ثمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ". قال: قلت: فَبِمَ يجيءُ به معَه؟ قال: "بِنَهَرٍ" -أو قال: "ماءٍ ونارٍ- فَمَنْ دَخَلَ نَهَرَهُ حَبِطَ أَجْرُهُ، وَوَجَبَ وِزْرُهُ، وَمَنْ دَخَلَ نَارَهُ وَجَبَ أَجْرُهُ، وَهَبَطَ وِزْرُهُ".

стр. 7800

قال: قلتُ: ثم ماذا؟ قال: "لَوْ أَنْتَجْتَ فَرَسًا لَمْ تُرْكَبْ فُلُوُّهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" (١). وروى البخاري ومسلم، من حديث شيبان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبي كَثِير، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أخبركم عن الدجّال حديثًا ما حَدَّثه نبيّ قومَه؟ إنه أعور، وإنه يجيء معه مثلُ الجَنّة والنار، فالتي يقول: إنها الجنة، هي النار، وإني أنذرْتُكُم به، كما أنْذَرَ به نوح قَوْمه" (٢). وروى مسلم من حديث محمد بن المُنْكَدِر قال: رأيت جابر بن عبد اللَّه يحلف باللَّه أنّ ابن صياد الدجّال، فقلت: أتحلف باللَّه تعالى؟ قال: إني سمعتُ عمر يحلف على ذلك عند النبيّ ﷺ ، فلم ينكره النبي ﷺ (٣). وروى من حديث نافع، أن ابن عمر لقي ابن صيّاد في بعض طرق المدينة، فقال له ابن عمر قولًا أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السِّكّة. وفي رواية أن ابن صيّاد نَخَر كأشدّ نَخِيرِ حِمارٍ يكون، وأن ابن عمر ضربه حتى تكسّرت عصاه، ثم دخل على أخته حفصة، فقالت له: ما أردتَ من ابن صياد؟ أما علمتَ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنمّا يخرج من غضبةٍ يغضبُها" (٤). قال بعض العلماء: ابن صيّاد كان بعضُ الصحابة يظنّه الدجّال الأكبر، وليس به، إنما كان دجّالًا من الدجاجلة صغيرًا، وقد ثبت في "الصحيح" أنه صحب أبا سعيد فيما بين مكة والمدينة، وأن ابن صيادٍ تَبرَّم إليه مما تقول الناس فيه: إنه الدجّال، ثم قال لأبي سعيد: ألم يقل رسول اللَّه ﷺ : "إنه لا يدخل المدينة" وقد وُلدْتُ بها، "وإنه لا يولد له" وقد وُلدَ لي، "وإنه كافر" وأنا قد أسلمت؟ قال: ومع هذا إني لأعلم الناس به، وأين مكانُه؟ ولو عُرِضَ عليّ أن أكون إياه لما كَرهْتُ ذلك (٥). وقال أحمد: حدثنا عبد المتعال بن عبد الوهّاب، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا مجالد، عن أبي الوَدّاك، عن أبي سعيد، قال: ذُكر ابن صياد عند رسول اللَّه ﷺ ، فقال عمر: إنه يَزْعُمُ أنه لا يمر بشيء إلَّا كلَّمه (٦). وقال أحمد: ثنا أبو سعيد مولى بني هاشمٍ، حدَّثني مَهْدِيُّ بنُ عِمْرَانَ المازنِيُّ، سمِعتُ

стр. 7801

أبا الطُّفَيْلِ، وسُئِل هلْ رأَيتَ رسولَ اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم. قيل: هل كلَّمتَه؟ قال: لا، ولكنِّي رأيتُه انطلقَ مكانَ كذَا وكذَا، ومعَه عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ وأُنَاسٌ مِن أصحابِه حتَّى أتَى دارًا قَوْرَاءَ، فقال: "افْتَحُوا هَذَا الْبَابَ". ففتحُوا، ودخَل رسول اللَّه ﷺ ودخَلتُ معَه، فإذا قطيفةٌ في وسطِ البيتِ، فقال: "ارْفَعُوا هَذِهِ الْقَطِيفَةَ". فرفَعوها، فإذا غلامٌ أعوَرُ تحتَ القطيفَةِ، فقال: "قُمْ يا غُلَامُ". فقام الغلامُ. فقال: "يَا غُلامُ، أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ". فقال الغلامُ: أشهَدُ أنِّي رسولُ اللَّه. قال: "أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ". فقال الغلام: أشهَدُ أنِّي رسولُ اللَّهِ. فقال رسول اللَّه ﷺ : "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا" مَرَّتَيْنِ (١). والمقصود أن ابن صياد ليس بالدجّال الذي يخرجُ في آخر الزمان قطعًا، لحديث فاطمة بنت قَيْس الفِهْرية، فإنه فَيْصَلٌ في هذا المقام، واللَّه أعلم. حديث فاطمة بنت قيس في الدجَّال: قال مسلم: حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، وحجاج بن الشاعر، كلاهما عن عبد الصمد، واللفظ لعبد الوارث بن عبد الصمد؛ حدثني أبي عن جدّي؛ عن الحسين بن ذَكْوانَ؛ حدثنا ابن بُرْيدة؛ حدثني عامر بن شَراحِيل السعبيّ، شعب هَمْدان، أنه سأل فاطمة بنت قيس أختَ الضحّاك بن قَيْس؛ وكانت من المُهاجرات الأُول؛ فقال: حدِّثيني حديثًا سمعتِيه من رسول اللَّه ﷺ لا تُسْنِديه إلى أحدٍ غيرِه، فقالت: لئن شِئْتَ لأَفْعلَنّ، فقال لها: أجَلْ، حدّثيني، فقالت: نَكَحْتُ ابنَ المُغِيرة، وهو من خيار شباب قُرَيْش يومئذٍ، فأُصيب في أولّ الجهاد مع رسول اللَّه ﷺ ، فلما تأَيَّمتُ (٢) خطبني عبد الرحمن بن عَوف، في نفر من أصحاب محمد ﷺ ، وخطبني رسولُ اللَّه ﷺ على مَوْلَاهُ أسامة بن زيد، وكنتُ قد حُدِّثْتُ أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ أسامة" فلمّا كلّمني رسول اللَّه ﷺ قلت: أمري بيدك فأنكِحْنِي مَنْ شِئْتَ، فقال: "انتقلي إلى أمّ شَرِيك" وأُمُّ شريك امرأةٌ غَنِيَّةٌ من الأنصار، عظيمة النفقة في سبيل اللَّه، ينزل عليها الضِّيفَانُ، فقلت: سأفعل، فقال: "لا تفعلي، إن أُمّ شَرِيك امرأة كثيرةُ الضِّيفَان، وإني أكرهُ أن يَسْقُط عنكِ خِمارُك أو ينكشِفَ الثوبُ عن سَاقَيك، فيرى القوم منك بعضَ ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابنِ عَمِّكِ عبد اللَّه بن عمرو بن أم مَكْتومٍ" وهو رجل من بني فِهْر، فهرِ قريش وهو من البطن الذي هي منه، فانتقلتُ إليه، فلَمّا انقضت عِدَّتي سمعتُ نِداء المنادي مُنَادي رسول اللَّه ﷺ ، يُنادي: الصلاةُ جامعة، فخرجتُ إلى المسجد، فصلّيتُ مع رسول اللَّه ﷺ ، وكنت في النساء اللاتي يلين ظهور القوم، فلما قضى رسول اللَّه ﷺ صلاته

стр. 7802

جلس على الْمِنبر وهو يَضْحَكُ، فقال: "ليلْزم كلُّ إنسانٍ مُصلاه" ثم قال: "أتدرون لِمَ جمعتكم؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "إني واللَّه ما جمعتُكم لرغبة، ولا لِرَهْبةٍ، ولكن جمعتكم لأنّ تميمًا الدارِيَّ كان رجلًا نصرانيًا، فجاء، فبايَع، وأسلم، وحدَّثني حديثًا وافق الذي كنتُ أحدثكم عن مَسيح الدّجَّال. حدثني أنه ركب في سفينة بَحْريَّة مع ثلاثين رجلًا من لَخْمٍ، وجُذامٍ، فَلعِبتْ بهم المَوْجُ شَهْرًا في البحر، ثم أرفؤوا (١) إلى جزيرة في البحر حين مَغْربِ الشمس، فجلسوا في أقرُب السفينة، فدخلوا الجزيرة، فَلَقِيَتْهُمْ دابة أهلبُ كثير الشعر، لا يدرون ما قُبله من دُبره، من كثرة الشعر، فقالوا: وَيلكِ، ما أنت؟ فقالت: أنا الجسَّاسَة، قالوا: وما الجسَّاسَة؟ قلت: أَيها القوم، انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خَبَرِكم بالأَشْواق، قال: لمّا سَمَّتْ لنا رَجُلًا فَرِقْنَا منها أنْ تكون شَيْطَانَةً، قال: فانطلقنا سِرَاعًا حتى دَخَلْنا الدَّيْرَ، فإذا فيه أعظمُ إنسان رَأَيْناهُ قَطُ خَلْقًا، وأشده وَثاقًا، مجموعةٌ يداهُ إلى عنقِه، ما بين رُكبتيهِ إلى كَعْبَيْهِ بالحديد، قلنا: ويلك، ما أنت؟ قال: قد قَدَرْتُمْ على خبري، فأخبروني، ما أنتم؟ قالوا: نحن أُناس من العَرَب، ركبنا في سفينةٍ بَحْرِيّة، فصادفنا البحرَ حِينَ اغتلم (٢) فلعب بنا الموج شهرًا، ثم أرفأنا (٣) إلى جَزِيرَتِكَ هذه، فجلسنا في أقرُبها، فدخلنا الجزيرة، فلقِيتنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعْرِ، لا ندري ما قُبُلُه من دُبُرِه، من كثرة الشعر، فقلنا: وَيْلكِ، ما أنتِ؟ فقالت: أنا الجسّاسَة، قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمِدُوا إلى هذا الرجل في الدَّيْر، فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليكَ سِرَاعًا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانَة. فقال: أخبروني عن نَخْل بَيْسَان، قلنا: عن أي شأنها تَسْخَبِرُ؟ قال: أسألكم عن نخلها، هل يُثْمِرُ؟ قلنا له: نعم، قال: أما إنَّه يُوشك ألّا يُثْمِرَ، قال: أخبروني عن بُحَيْرة الطَّبَريَّة، قلنا: عن أي شأنها تَسْتَخْبِرُ؟ قال: هل فيها ماءٌ؟ قلنا: هي كثيرة الماء، قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زُغَر (٤) قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماءٌ؟ وهل يَزْرَعُ أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبيّ الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة، ونزل يَثْرِبَ، قال: أقَاتَلهُ العرب؟ قلنا: نعم، قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يَلِيه من العرب، وأطاعوه، قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم، قال: أما إن ذلك خيرٌ لهم أن يطيعوه، وإني

стр. 7803

مخبركم عني: إني أنا المسيح، وإني يوشكُ أنْ يُؤذنَ لي في الخروج، فأخرجَ، فأسير في الأرض، فلا أدعَ قرْيةً إلّا هَبَطْتُها، في أربعين ليلةً، غير مكة، وطَيْبَة، فهما مُحَرّمتان عليّ كِلْتَاهُما، كُلَّما أرَدْتُ أن أدخل واحدةً أو واحدًا منهما استقبلني مَلَك بيده السيفُ صَلْتًا، يصدّني عنها، وإن على كل نَقْبٍ منها ملائكة يَحْرُسُونهَا" قالت: قال رسول اللَّه ﷺ وطعن بِمخْصرَتهِ في المِنْبر: "هذه طَيْبَةُ، هذه طَيْبَةُ، هذه طَيْبَةُ" يعني المدينةَ "ألا هَلْ كنتُ حَدَّثتكُمْ عن ذلك؟ " فقال الناس: نعم، قال: "فإنه أعجبني حديثُ تميم، أنّه وافق الذي كنتُ أحَدّثكم عنه، وعن المدينة، ومكة، ألا إنّه في بحر الشام، أو في بحر اليمن، لا بل من قِبَلِ المشرق ما هو، من قِبَلِ المشرقِ ما هو" وأومأ بيده إلى المشرق. قالت: فَحَفِظْتُ هذا من رسول اللَّه ﷺ . ثم رواه مسلم من حديث سيّار عن الشعبي، عن فاطمة، قالت: فسمعتُ رسول اللَّه ﷺ وهو على المنبر يخطبُ، فقال: "إنّ بني عَمٍّ لتميمٍ الداريّ ركبوا في البحر. . . " وساق الحديث. ومن حديث غَيْلانَ بن جرير، عن الشعبيّ، عنها. . . فذكرتْهُ: أن تميمًا الداريّ ركب في البحر فتاهت به السفينة، فسقط إلى الجزيرة، فخرج إليها يلتمسُ الماءَ، فلَقِي إنسَانًا يَجُرّ شعرَهُ. . . واقتصَّ الحديث، وفيه: فأخرجه رسول اللَّه ﷺ إلى الناس، فحدّثهم، قال: "هذه طَيبةُ، وذاك الدجّال". حدثني أبو بكر بن إسحاق، حدثنا يحيى بنُ بُكير، حدثنا المُغيرة، يعني الحزاميّ، عن أبي الزناد، عن الشعبيّ، عن فاطمة بنت قيس: أن رسول اللَّه ﷺ قعد على المنبر، فقال: "أيّها الناس، حدثني تميم الداريّ: أن أُناسًا من قومه كانوا في البحر، في سفينةٍ لهم، فانكسرت بهم، فركب بعضهم على لَوْح من ألواح السفينة، فخرجوا إلى جزيرة في البحر. . . " وساق الحديث. وقد رواه أبو داود وابن ماجه من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن مجالد، عن الشعبي، عنها، بنحوه. ورواه الترمذيّ من حديث قَتَادةَ، عن الشعبي، عنها، وقال: حسن صحيح غريب من حديث قتادة عن الشعبيّ. ورواه النَّسائي من حديث حَمّاد بن سَلَمة، عن داود بن أبي هِنْد، عن الشعبيّ، عنها، بنحوه. وكذلك رواه الإمام أحمد عن عَفَّان، وعن يونس بن محمد المؤدّب، كلٌّ منهما عن حمّاد بن سَلَمة به (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا مجالد، عن عامر، قال: قدمتُ المدينةَ فأتيتُ فاطمةَ بنتَ قيس، فحدّثتني أن زوجها طَلَّقهَا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فبعثه رسول اللَّه ﷺ في سَرِيّةٍ، فقال لي أخوه: اخرُجِي من الدار، فقلت: إنّ لي نَفَقَة، وسُكْنَى، حتّى يَحِلّ الأجَلُ، قال: لا، قالت: فأتيتُ رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: إن فُلانًا طلقّني وإنّ أخاه أخرجني، ومنعني السكنى

стр. 7804

والنفقة، فأرسَلَ إليه، فقال: "ما لك، ولابنةِ آلِ قَيْس؟ " قال: يا رسول اللَّه إنّ أخي طَلّقها ثلاثًا جميعًا، قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ : "انظري يا ابنة آل قيس، إنما النفقة والسُّكْنَى للمرأة على زوجها، ما كانت له عليها رَجْعَة، فإذا لم يكن له عليها رجعة، فلا نفقة، ولا سُكْنى، اخرجي، فانزلي على فُلانَة" ثم قال: "إنّه يُتحدّث إليها، انزلي على ابن أم مَكْتوم فإنّه أعمَى لا يراك" ثم قال "لا تنكْحِي حتى أكونَ أنا أُنْكحكِ". قالت: فخطبني رجل من قُريش، فأتيتُ رسول اللَّه ﷺ أسْتأْمِرهُ، فقال: "ألا تَنْكِحينَ مَنْ هُوَ أحَبُّ إليّ منه؟ " فقلت: بلى، يا رسول اللَّه، فأنْكِحْنِي مَنْ أحْبَبْتَ، قالت: فأنكحَني مِنْ أسامةَ بنِ زَيْد (١). قال: فلمّا أردتُ أن أخرج، قالت: اجلس حتى أحَدّثك حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ . قالت: خرج رسول اللَّه ﷺ يومًا من الأيام، فصلّى صلاة الهَاجِرةِ، ثم قَعَد، ففزِع الناسُ، فقال: "اجلسوا أيّها الناس، فإنّي لم أقُم مَقَامِي هذا لِفزع، ولكنّ تميمًا الداريَّ أتاني، فاخبرني خبرًا منعني من القَيْلُولةِ من الفَرح، وقُرّةِ العَيْن، فأحببتُ أن أنْشُر عليكم فرح نبيكم، أخبرني أن رهطًا من بني عمِّه ركبوا البحر، فأصابتهم ريحٌ عاصفٌ فألجأتهم الريحُ إلى جزيرة لا يعرفونها، فقعدوا في قُوَيْرب سفينة، حتى خرجوا إلى الجزيرة، فإذا هم بشيء أهْلَبَ كثيرِ الشعر، لا يدرون، أرجلٌ هو أو امرأة؟ فسلّموا عليه، فردّ عليهم¬ السلام، فقالوا: ألا تُخبرنا؟ فقال: ما أنا بمُخبركم، ولا بمُستخبركم، ولكن هذا الدَّير الذي قد رَهِقْتمُوه (٢) فيه مَنْ هو إلى خبركم بالأشواق أن يخبركم، ويستخبركم، قالوا: قلنا: ما أنت؟ قالت: أنا الجَسّاسة، فانطلقوا حتى أتوا الدير، فإذا هم برجل مُوثَقٍ شَدِيدِ الوَثاق، مُظْهِرِ الحُزْن، كثيرِ التّشَكِّي، فسلّموا عليه، فرّد عليهم، فقال: ممن أنتم؟ قالوا: من العرب، قال: ما فعلت العرب؟ أخرَجَ نَبِيُّهُمْ بَعْدُ؟ (٣) قالوا: نعم، قال: فما فعلوا؟ قالوا: خيرًا، آمنوا به، وصدقوه، قال: ذلك خير لهم، قال: فكان له عدوّ فأظهره اللَّه عليهم؟ قال: فالعرب اليوم إلههُمْ واحد، ونَبِيّهُمْ واحد، وكلمتهم واحدة؟ قالوا: نعم، قال: فما فعلت عين زغر؟ قالوا: صالحة، يشرب منها أهلها، تسقيهم ويَسْقُونَ منها زَرْعَهُمْ. قال: فما فعل نخل بين عَمَّانَ وَبيْسان؟ قالوا: صالح، يُطْعِمُ جَنَاهُ كُلَّ عامٍ، قال: فما فعلت بُحَيْرة طَبرِية؟ قالوا: ملأى، قال: فَزَفَر، ثُمّ زفر، ثم زفر، ثم حلف: لو خَرَجْتُ من مكاني هذا ما تركتُ أرضًا من أرض اللَّه إلّا وطِئْتُها، غيرَ طَيْبَةَ، ليس لي عليها سُلْطان، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "إلى هذا انتهى فرحي"

стр. 7805

ثلاثَ مرّات، "إن طَيْبَةَ المَدينة، إنّ اللَّه حرّمَ حَرَمَها على الدجّال أن يدخلهَا" ثم حلف رسول اللَّه ﷺ : "واللَّه الذي لا إله إلّا هو ما لها طريق ضَيّق ولا واسع، في سهل، ولا جَبَل، إلّا عليه ملَك، شاهرٌ بالسيف، إلى يوم القيامة، ما يستطيع الدجّال أن يدخلها على أهلها". قال عامر: فلقيتُ المحرَّر ابن أبي هُرَيرة، فحدّثته بحديث فاطمةَ بنتِ قيس، فقال: أشهد على أبي أنّه حدّثني كما حَدّثَتْكَ فاطمةُ، غيرَ أنّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّه في نحو المَشْرِق" قال: ثم لَقِيتُ القاسمَ بن محمد، فذكرت له حديث فاطمة، فقال: أشهد على عائشةَ أنّها حدّثتني كما حَدَّثَتْكَ فَاطِمَةُ، غير أنها قالت: الحَرَمان عليه حَرَام، مكة، والمدينة. وقد رواه أبو داود وابن ماجه، من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن مُجَالد، عن عامر الشعبيّ، عن فاطمةَ بنتِ قَيْس، بَسَطَهُ ابن ماجه، وأحاله أبو داود على الحديث الذي رواه قبله، ولم يَذْكُر مُتابعةَ أبي هريرة، وعائشة، كما ذكر ذلك الإمامُ أحمد (١). وقال أبو داود: حدثنا النُّفَيْلِيّ، حدثنا عُثمان بن عبد الرحمن، حدثنا ابن أبي ذِئْب، عن الزُّهريّ، عن أبي سَلَمة، عن فاطمة بنت قيس: أن رسول اللَّه ﷺ أخّر العِشاء الآخرة ذات ليلة، ثم خرج فقال: "إنّه حبسني حديثٌ كان يُحَدِّثُنيهُ تَمِيمٌ الداريّ، عن رجل في جزيرة من جزائر البحر، فإذا أنا بامرأةٍ تَجُرّ شعرها، قال: ما أنت؟ قالت: أنا الجَسّاسَةُ، اذهبْ إلى ذلك القصر، فأَتَيْتهُ، فإذا رجل يَجُرّ شعره، مُسَلْسَل في الأغلال ينزو فيما بين السماء والأرض، فقلت: من أنتَ؟ قال: أنا الدجّال؟ خرج نبيّ الأميّين بعد؟ قلت: نعم، قال: أطاعوه أم عَصَوْه؟ قلت: بل أطاعوه، قال: ذاك خير لهم. فهذه متابعة للشعبي عن فاطمة بنت قيس ببعضه، ثم أورد أبو داود حديث عبد اللَّه بن بريدة، عن عامر الشعبيّ، عن فاطمة بنت قيس، بطوله، كنحوٍ مما تقدّم (٢). ثم قال أبو داود: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا ابن فضيل، عن الوليد بن عبد اللَّه بن جُمَيع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ ذات يوم على المنبر: "إنه بينما أُنَاسٌ يسيرون في البحر، فَنفِدَ طعامهم، فرُفِعَتْ لهم جزيرة، فخرجوا يريدون الخُبْزَ، فلقيتْهم الجَسّاسَةُ" قلت لأبي سلَمة: وما الجساسة؟ قال: امرأة تجرّ شعر جلدها ورأسها "وقالت: في هذا القصر. . . " وذكر الحديث، وسأل عن نخل بَيْسان، وعين زغَر، قال: هو المسيح، فقال لي ابنُ أبي سَلَمة: إنّ في هذا الحديث شيئًا ما حفظتهُ، قال: شهد جابر أنّه ابن صيّاد، قلت: فإنه قد مات، قال: وإن مات، قلت: فإنه أسلم، قال: وإن

стр. 7806

أسلم، قلت: فإنه قد دخل المدينة، قال: وإن دخل المدينة. تفرد به أبو داود وهو غريب جدًا (١). وقال الحافظ أبو يَعْلَى: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا أبو عاصم، سعد بن زياد، حدثني نافع مولاي، عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ استوى على المنبر، فقال: "حدثني تميم" فرأى تميمًا في ناحية المسجد، فقال: "يا تميم حدِّثِ الناس ما حَدَّثْتَني" فقال: كنّا في جزيرة، فإذا نحنُ بدابّةٍ لا يُدْرى قُبُلها مِنْ دُبُرِهَا، فقالت: تعجبون من خَلْقي، وفي الدَّيْر من يَشْتَهي كلامكم، فدخلنا الدَّيْر، فإذا نحنُ برجُل مُوثَقٍ في الحديد، من كعبه إلى أذنه، فإذا أحدُ مَنْخِرَيْهِ مسدودٌ، وإحدى عَيْنَيْهِ مَطْمُوسَةٌ، قال: من أنتم؟ فأخبرناه، فقال: ما فَعَلَتْ بُحَيْرَةُ طَبَرِيّة؟ قلنا: كعهدها، قال: فما فعل نَخْلُ بَيْسانَ؟ قلنا: بعهده، قال: لأطَأَنّ الأرضَ بِقَدميّ هاتين، إلّا بَلدةَ إبراهيم، وطابة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "طابة، هي المدينة". وهذا حديث غريب جدًّا. وقد قال أبو حاتم: أبو عاصم هذا ليس بالمتين. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سابق، حدثنا إبراهيم بن طَهْمان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه أنه قال: إن امرأة من اليهود بالمدينة، ولَدَتْ غُلامًا مَمسْوحَةً عينه طالعة ناتئة فأشفق رسول اللَّه ﷺ أن يكون الدجال، فوجده تحت قَطِيفَةٍ يُهَمْهِمُ، فآذَنتهُ أمه، فقالت: يا عبد اللَّه، هذا أبو القاسم قد جاء فأخْرج إلَيْه، فخَرجَ مِن القَطيفة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما لها قاتلها اللَّه؟ لو تركتْه لبَيَّن". ثم قال: "يا ابن صياد ما ترى؟ " قال: أرى حقًّا، وأرى باطلًا، وأرى عَرْشًا على الماء، قال: فَلُبِّسَ عليه (٢)، قال: "أتشهد أني رسولُ اللَّه؟ " فقال هو: أَتَشْهَدُ أني رسولُ اللَّه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "آمنتُ باللَّه، ورُسله" ثم خرج، وتركه، ثم أتاه مَرّةً أخرى فوجده في نَخْلٍ لهم، يُهمهِمُ، فآذنَتْه أمُّه، فقالت: يا عبد اللَّه، هذا أبُو القاسم قد جاء، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما لها قاتلها اللَّه؟ لو تَرَكَتْهُ لبَيَّنَ" قال: فكان رسول اللَّه ﷺ يطمع أن يسمع من كلامه شيئًا، ليعلم أهو هو أم لا؟ قال: "يا ابن صياد، ما ترى؟ " قال: أرى حقًّا، وأرى باطلًا، وأرى عَرْشًا على الماء، قال: "أتشهد أنِّي رسولُ اللَّه؟ " قال هو: أتشهدُ أنِّي رسولُ اللَّه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "آمنتُ باللَّه، ورسله" فلبّس عليه، ثم خرج وتركه. ثم جاء في الثالثة أو الرابعة، ومعه أبو بكر، وعمر بن الخطاب في نَفَرٍ من المهاجرين والأنصار، وأنا معه، قال: فبادر رسول اللَّه ﷺ بَيْن أيدينا، ورجا أن يسمع من كلامه شيئًا، فسَبَقَتْهُ أمّه إلَيْه، فقالت: يا عبد اللَّه، هذا أبو القاسم قد جاء، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما لها قاتلها اللَّه؟ لو تركته لبَيَّن" فقال: "يا ابن صياد ما ترى؟ " قال: أرى حقًّا، وأرى

стр. 7807

باطلًا، وأرى عرشًا على الماء، فقال: أتشهد أني رسول اللَّه؟ " قال: أتشهد أنت أنِّي رسول اللَّه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "آمنت باللَّه، ورسله" فلبّس عليه. فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا ابن صياد إنا قد خَبَأنا لك خبيئًا، فما هو؟ "قال: الدخّ، الدخّ، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "اخْسأْ، اخْسَأْ" فقال عمر بن الخطاب ﵁: ائذَنْ لي فأقتله يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنْ يكنْ هُوَ، فلستَ بصاحبه، إنّما صاحبُه عِيسَى ابنُ مَرْيَم، وإن لا يكنْ هُوَ، فليس لك أن تَقْتُلَ رَجُلًا من أهْلِ العَهْدِ" قال، يعني جابرًا: فلم يزل رسول اللَّه ﷺ مُشْفِقًا أنه الدَّجال. وهذا سياق غريب جدًا (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن سُلَيمان الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: بينما نحن مع رسول اللَّه ﷺ نمشي إذ مرّ بصِبْيانٍ يلعبون، فيهم ابنُ صَيّاد، فقال رسول اللَّه ﷺ : "تربت يداك. أتشهدُ أني رسولُ اللَّه؟ " فقال هو: أتشهد أني رسول اللَّه؟ قال: فقال عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه: دَعْنِي فلأضربْ عنقه، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن يكن الذي تخافُ فلن تَسْتطيعه" (٢). والأحاديث الواردة في ابن صيّاد كثيرة، وفي بعضها التوقف في أمره، هل هو الدجّال أم لا، فاللَّه أعلم؟ ويحتمل أن يكون هذا قبل أن يوحى إلى النبيّ ﷺ في أمر الدجال، وتعيينه، وقد تقدّم حديثُ تميم الداريّ في ذلك، وهو فاصل في هذا المقام، وسنورد من الأحاديث ما يدل على أن الدجال ليس بابن صيّاد، واللَّه أعلم، وأحكم. فقال البخاري: حدثنا يحيى بن بُكَيْر، حدثنا الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن عبد اللَّه بنِ عمر، أن رسول اللَّه ﷺ قال: بينما أنا نائم أطوف بالكعبة فإذا رجل آدمُ سَبْطُ الشعر، ينطفُ أو يُهرَاقُ رأسه ماءً، قلت: من هذا؟ قالوا: ابنُ مريم، ثم ذهبتُ ألتفتُ، فإذا رجل جَسيمٌ أحَمْرُ، جَعْدُ الرأس، أعْوَرُ العَيْن، كان عينه عِنَبةٌ طَافِيَةٌ، قالوا: هذا الدجّال، أقرب الناس به شبهًا ابنُ قَطَن رجل من خُزاعَةَ" (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سابق، حدثنا إبراهيم بن طَهْمَانَ، عن أبي الزبير، عن جابر ابن عبد اللَّه، أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يخرُج الدجّال في خِفَّةٍ (٤) من الدِّين وإدبار من العلم، فله أربعون ليلةً يسيحها في الأرض، اليومُ منها كالسنة، واليوم منها كالشهر، واليوم منها كالجمعة، ثم

стр. 7808

سائر أيامه كأيّامكم هذه، وله حمار يركبه، عَرْضُ ما بين أُذُنَيْه أربعون ذِرَاعًا، فيقول للناس: أنا ربُّكم، وهو أعْوَرُ، وإنّ رَبّكم ليس بأعْور، ومكتوب بين عينيه كافر "ك ف ر" مُهَجَّاة يقرؤه كلُّ مؤمن، من كاتب، وغير كاتب، يَرِدُ كلِّ ماء ومَنْهَلٍ، إلا المدينة، ومكة، حرّمهما اللَّه عليه، وقامت الملائكة بأبوابها، ومعه جبال من خبز، والناس في جَهْد إلا من اتبعه، ومعه نهران، أنا أعلم بهما منه، نهر يقول: الجنة. ونهر يقول: النار، فمن أُدْخِلَ الذي يُسَمّيه الجنّة فهو النار، ومن أُدْخِلَ الذي يُسَمّيه النار فهو الجنة" قال: "وتُبعثُ معه شياطين تُكَلِّم الناس، ومعه فِتْنَةٌ عظيمة، يأمر السماء فتُمْطِرُ، فيما يرى الناس، ويقتل نَفْسًا، ثم يحييها، فيما يرى الناس، لا يسلط على غيرها، ويقول للناس: هل يفعلُ مثلَ هذا إلا الربُّ؛ ؟ " قال: "فيفرُّ المسلمون إلى جبل الدخان بالشام، فيأتيهم، فيحاصرهم، فيشتدّ حصارُهم، ويجهَدُهم جَهْدًا شديدًا، ثم ينزل عيسى ابنُ مريم، فينادي من السّحَرِ، فيقول: يا أيّها الناس، ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذّاب الخبيث؟ فيقولون: هذا رجل جِنّي فينطلقون، فإذا هم بعيسى ابن مريم ﷺ فتقام الصلاة، فيقال له: تقدم، يا رُوحَ اللَّه، فيقول: ليتقدّم إمامُكم فَلْيُصَلِّ بكم، فإذا صلى صلاة الصبح، خرجوا إليه". قال: "فحين يراه الكذّاب يَنْماثُ (١) كما يَنْماثُ المِلْحُ في الماء، فيَمْشي إليه فيَقْتُلهُ، حتى إن الشَّجَرة والحَجَر ينادي: يا رُوحَ اللَّه، هذا يَهُودِيّ، فلا يَتْرُك مِمَّنْ كان يَتْبَعُهُ أحدًا إلّا قَتله". تفرّد به أحمد أيضًا، وقد رواه غيرُ واحد عن إبراهيم بن طَهْمان، وهو ثقة (٢). حديث النوّاس بن سِمعان الكلابيّ في معناه، وأبسط منه: قال مسلم: حدثني أبو خَيْثمة زهيرُ بن حرب، حدّثنا الوليد بن مُسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني يحيى بن جابر الطائيّ، قاضي حِمْص، حدثني عبد الرحمن بن جُبَيْر، عن أبيه جُبَيْر بن نُفَيْر الحَضْرمي أنّه سمع النواس بن سِمْعان الكلابى، "ح" وحدثني محمد بن مِهْرانَ الرازيّ، واللفظ له، حدّثنا الوليد بن مُسلم، حدثنا عبدُ الرحمن بن يزيد بن جابر، عن يحيى بن جابر الطائي، عن عبد الرحمن بن جُبَيْر بن نُفَيْر، عن أبيه جُبَيْر بن نُفَيْر، عن النّواس بن سمعان، قال: ذكر رسول اللَّه ﷺ الدجّال ذات غَدَاةٍ، فخفَّض فيه، ورفَّع، حتى ظَنَنّاهُ في طائفة النخل، فلما رُحْنا إلَيْه، عرفَ ذلك فينا، فقال: "ما شأنكم؟ " قلنا: يا رسول اللَّه، ذكرتَ الدجّال غداةً فَخَفَّضت فيه، ورفَّعْتَ، حتى ظَنَنّاه في طائفة النخل، فقال: "غير الدجّال أخْوَفُنِي عليكم، إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حَجيجه دونكم، وإنْ يخْرُجْ ولَسْتُ فيكم فامرؤٌ حَجِيجُ نَفْسِه، واللَّهُ خليفتي على كلّ مُسلم، إنه شابٌّ قَطَطٌ عَيْنُهُ طَافِئَةٌ كَأَنِّي أُشَبّهُهُ بعَبْد العُزَّى بن قَطَن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة

стр. 7809

الكهف، إنّه خارجٌ خَلَّةً بين الشام والعراق، فعاثَ يَمِينًا وعاثَ شِمَالًا، يا عباد اللَّه فاثْبُتُوا" قلنا: يا رسول اللَّه، وما لُبْثهُ في الأرض؟ قال: "أربعون يومًا، يومٌ كسَنَةٍ، ويومٌ كشَهْرٍ، ويومٌ كجُمعة، وسائر أيامه كأيامكم" قلنا: يا رسول اللَّه فذلك اليومُ الذي كَسَنةٍ أتكفينا فيه صَلَاةُ يوم؟ قال: "لا، اقدُروا له قدرَه" قلنا: يا رسول اللَّه وما إسراعهُ في الأرض؟ قال: "كالغيث اسْتَدْبَرَتْه الرِّيحُ، فيأتي على القوم، فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمرُ السماءَ فتُمطر، والأرضَ فتُنْبِتُ، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذُرًى وأسبغَهُ ضُرُوعًا، وأمدّه خَواصِرَ، ثم يأتي القومَ، فيدعوهم، فيردّون عليه قولَه، فينصرف عنهم، فيُصبحون مُمْحِلين ليس بأيديهم شيءٌ من أموالهم، ويمر بالخَرِبة فيقول لها: أخرِجي كنوزك، فَتَتْبَعُهُ كنوزُها، كيعَاسِيبِ النَّحْل، ثم يدعو رجلًا ممْتلئًا شبابًا، فيَضْرِبه بالسيف، فيقْطَعُهُ جَزْلتَيْن، رَمْيَةَ الغَرَض، ثم يدعوه فيُقبل ويتَهلل وجههُ، ويَضْحَك، فبينما هو كذلك، إذ بَعَث اللَّه المسيحَ ابنَ مريم، فينزل عند المنارة البيضاء، شرقيّ دِمشْق، بين مَهرودتين (١) واضعًا كفيه على أجنحة مَلكَيْنِ، إذا طَأْطأَ رأسَه قَطَر، وإذا رفعه تحَدّر مِنْهُ جُمانٌ كاللؤلؤ، فلا يحلّ لكافر يجد ريح نَفَسِه إلّا مات، ونَفَسُهُ ينتهي حيث ينتهي طَرْفه، فيطلُبه حتى يُدركه بباب لُدّ فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم اللَّه منه، فيمسح عن وجوههم ويُحَدّثهم بدرجاتهم في الجنّة، فبينما هو كذلك إذ أوحى اللَّه إلى عيسى: إنّي قد أخرجت عبادًا لي لا يَدانِ (٢) لأحدٍ بقتالهم، فحرّزْ عبادي إلى الطور، ويبعث اللَّه يأجُوجَ ومأجوج، وهم من كل حدَبٍ يَنْسلون، فيمرّ أوائلهم على بحيرة الطبَرِيّة، فيشرَبُونَ ما فيها، ويَمُرّ آخرُهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماءٌ، ويُحصر نبيّ اللَّه وأصحابُه، حتى يكون رأسُ الثور لأحدهم خيرًا من مئة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي اللَّه عيسى وأصحابه إلى اللَّه، فيرسل اللَّه عليهم النغَف (٣) في رقابهم، فيصبحون فَرْسى (٤) كموْتِ نفس واحدة، ثم يهبط اللَّه عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شِبْر إلّا ملأه زَهْمهُم (٥) ونَتْنهُم، فيرغبُ نبيّ اللَّه عيسى وأصحابه إلى اللَّه، فيرسل اللَّه طيرًا كأعناق البُخْتِ فتحملهم، فتطرحُهم حيثُ شاء اللَّه تعالى، ثم يُرسل اللَّه مطرًا لا يَكُنّ (٦) منه بيت مدر، ولا وبر، فيغسل اللَّه الأرض حتى يتركها كالزَّلقَة (٧)، ثم يقال للأرض: أنْبِتِي ثَمَرَتَكِ وردّي بَرَكَتَكِ، فيومئذٍ

стр. 7810

تأكل العصابة من الرمّانةِ، ويستظلّون بقِحْفِها (١) ويُبارَكُ في الرِّسل (٢) حتى إن اللِّقْحَةَ من الإبل لتكفي الفِئام من الناس، واللِّقْحَةَ من البقر لتكفي القَبِيلَة من الناس، واللِّقْحةَ من الغنم لتكفي الفَخْذ من الناس، فبينما هم كذلك، إذ بعث اللَّه ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقْبَضُ روحُ كلّ مؤمن، وكلّ مسلم، ويبَقْى شِرَارُ الناس، يتَهارَجُونَ فيها، تهارُج الحُمُر (٣)، فعليهم تقوم الساعة". حدثني عليّ بن حُجْر السعدي، حدثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، والوليد بن مُسلم، قال ابن حُجر: دخل حديث أحدهما في حديث الآخر، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، بهذا الإسناد نحو ما ذكرنا، وزاد بعد قوله: "لقد كان بهذه مرة ماءٌ": "ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخَمَر (٤) وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قَتلنا من في الأرض، هلُمّ فلنقتل مَنْ في السماء، فيرمون بنُشّابِهِمْ إلى السماء، فيَرُدّ اللَّه عليهم نُشابَهم مَخْضُوبَة دَمًا". وفي رواية ابن حُجر: "فإني قد أنزلتُ عبادًا لي لا يَدَيْ لأحدٍ بقتالهم" انتهى ما رواه مسلم إسنادًا ومَتْنًا. وقد تفردَ به عن البخاري. ورواه الإمام أحمد بن حنبل في "مُسنده" عن الوليد بن مسلم، بإسناده نحوه، وزاد في سياقه بعد قوله: "فتطرحهم حيثُ شاء اللَّه". قال ابن جابر: فحدثني عطاء بن يزيد السَّكْسَكي، عن كعب أو غيره، قال: فتطرحهم بالمهبل (٥)، قال ابن جابر: وأين المهبل؟ قال: مطلع الشمس. ورواه أبو داود عن صفوان بن عمرو (٦) عن الوليد بن مسلم ببعضه. ورواه الترمذي عن علي بن حُجر، وساقه بطوله، وقال: غريب حسن صحيح، لا نعرفه إلّا من حديث ابن جابر. ورواه النّسائيّ في فضائل القرآن، عن علي بن حُجر، مختصرًا. ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمَّار، عن يحيى بن حمزة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بإسناده، قال: "يستوقد الناس من قسيّ يأجوج ومأجوج، ونُشَّابِهم، وأترستهم سبع سنين"، وذكره قبل ذلك بتمامه، عن هشام بن عمّار، ولم يذكر فيه هذه القصة، ولا ذكر في إسناده، يحيى بن جابر الطائيّ (٧). حديث عن أبي أمامة الباهلي صدي بن عجْلَان في معنى حديث النوّاس بن سِمْعان قال ابن ماجه: حدثنا علي بن محمد (٨)، حدثنا عبد الرحمن المحاربيّ، عن إسماعيل بن رافع
следующие страницы →