← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الرجل من سَفَره، فدخل على امرأته جائعًا قد أصابته مَسْغَبَةٌ شديدة فقال لامرأته: أعندك (١) شيء؟ قالت: نعم أبشر، أتاك رزق الله. فاستحثَّها فقال: ويحك أبتغي إن كان عندك شيء. قالت: نعم هُنية (٢) نرجو رحمة الله. حتى إذا طال عليه الطَّول (٣) قال: ويحك قومي فابتغي إن كان عندك شيء فأتيني به فإني قد بلغت (٤) وجهدت. فقالت: نعم الآن ينضج التنّور فلا تعجل. فلما أن سَكَتَ عنها ساعة وتحينَتْ أيضًا أن يقول لها، قالت مِن عِند نفسها: لو قُمتُ فنظرتُ إلى تنّوري. فقامت فوجدت تنورَها ملآن من جُنُوب الغنم [ورحاها تطحن، فقامت إلى الرحى فنفضتها واستخرجت ما في تنورها من جُنُوب الغنم] (٥). قال أبو هريرة: فوالذي نفس أبي القاسم بيده عن قول محمد- ﷺ لو أخذت ما في رَحْيَيْها ولم تنفضها لطحنتها (٦) إلى يوم القيامة. وقال أحمد (٧): حدّثنا ابن عامر، حدّثنا أبو بكر، عن هشام، عن محمد، عن أبي هريرة قال: دخل رجل على أهله، فلما رأى ما بهم من الحاجة خرج (٨) إلى البرِّيَّة، فلما رأت امرأته (٩) قامت إلى الرَّحى فوضعتها، وإلى التنور فَسَجَرته، ثتم قالت: اللهم ارزقنا. فنظرت فإذا الجَفْنَةُ قد امتلأت. قال: وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئًا. قال: فرجع الزوج قال: أصبتم بعدي شيئًا؟ قالت امرأته: نعم من ربنا، ثم قامت إلى الرَّحى فرفعتها (١٠). فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "أما إنه لو لم ترفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة". قال: شهدت النبي ﷺ وهو يقول: والله لأَن يأتيَ أحدُكم بحزمة حطب (١١) ثمّ يحمله فيبيعه فيستعفف منه خيرٌ له من يأتي رجلًا فيسأله. * * *

стр. 807

قِصّة المَلِكَيْن التائبين قال الإمام أحمد (١): حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا المسعودي، عن سِمَاك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: بينما رجل فيمن كان قبلكم كان في مملكته فَتَفَكَّر (٢)، فعلم أن ذلك منقطع عنه، وأن ما هو (٣) فيه قد شغله عن عبادة ربه، فانْسابَ ذاتَ ليلة من قصره فأصبح (٤) في مملكة غيره، وأتى ساحل البحر، فكان به يضرب اللَّبِنَ بالأجر فيأكل ويتصدَّق بالفضل. ولم يزل كذلك حتى رقي أمرُه إلى مَلكِهم، فأرسل إليه، فأبى أن يأتيه، فركب إليه الملكُ، فلما رآه ولَّى هاربًا، فركض في أثره فلم يدركه، فناداه: يا عبد الله إنه ليس عليك منّي بأس. فقام حتى أدركه فقال له: من أنت، رحمك الله؟ فقال: أنا فلان بن فلان صاحب مملكة كذا وكذا، تَفَكَرْتُ (٥) في أمري فعلمت أن (٦) ما أنا فيه منقطع، وأنه قد شغلني عن عبادة ربي فتركته وجئتُ هاهنا أعبدُ ربّي. فقال له: ما أنت بأحوجَ لما صنعتَ منّي. قال: فنزل عن دابّته، فسيَّبها وتبعه، فكانا جميعًا يعبدان الله فَدَعَوا اللهَ أن يُميتهما جميعًا، فماتا. قال عبد الله: فلو كنتُ بِرُمَيلة (٧) مصر لأريتُكم قبورَهما بالنعتِ الذي نعتَ لنا رسول الله ﷺ . حديث آخر: قال البخاري (٨): حدّثنا أبو الوليد، حدّثنا أبو عَوانة، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال (٩): "إن رجلًا كان قَبْلَكُم رَغَسَة (١٠) الله مالًا، فقال لبنيه لما حُضِر: أيَّ أب كنتُ لكم؟ قالوا: خيرَ أب. قال: فإني لم أعمل خيرًا قَطُّ، فإذا مِتُّ فاحرقوني ثمّ اسحقوني ثمّ ذرُّوني

стр. 808

في يوم عاصف. ففعلوا. فجمعه الله فقال: ما حملك؟ فقال: مخافتك. فتلقاه برحمته". ورواه في مواضع أخر، ومسلم من طرق عن قتادة، به (١). ثمّ رواه البخاري ومسلم من حديث ربْعي بن حِراش، عن حذيفة عن النبي ﷺ بنحوه (٢). [ومن حديث الزهري عن حُميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه] (٣). حديث آخر: قال البخاري (٤): حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عُبَيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ (٥) قال: "كان رجل يُداين الناس فكان (٦) يقول لفتاه: إذا أتيت معسرًا فتجاوز عنه لعلَّ الله أن يتجاوز عنا. قال: فلقي اللهَ فتجاوز عنه". وقد رواه في مواضع أخر (٧)، ومسلم من طريق الزهري، به (٨). حديث آخر: قال البخاري (٩): حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني مالك، عن محمد بن المُنْكَدِر، [وعن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد: ماذا سمعتَ من رسول الله ﷺ في الطاعون؟ قال أسامة: قال رسول الله ﷺ : "الطاعونُ رِجْسٌ أُرسلَ على طائفةٍ من بني إسرائيل وعلى] (١٠) من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرضٍ فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم فيها فلا تخرجوا فِرارًا منه". قال أبو النضر: "لا يُخرِجكم إلا فِرارًا منه".

стр. 809

ورواه مسلم (١) من حديث مالك، ومن طرق أخر، عن عامر بن سعد، به. حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا داود بن أبي الفرات، حدّثنا عبد الله بن بُرَيدة، عن يحيى بن يَعْمَر، عن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون فأخبرني "أنه عذابٌ يبعثه الله على من يشاء من عباده، وأن الله جعله رحمة (٢) للمؤمنين، ليس من أحد يقَعُ الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا يعلم أن لا يصيبه إلا ما كتبَ الله له، إلا كان له مثلُ أجرِ شهيد". تفرّد به البخاري (٣) عن مسلم من هذا الوجه. حديث آخر: قال البخاري (٤): حدّثنا قتيبة، حدّثنا ليثٌ، عن ابن شهاب، عن عُروة، عن عائشة، (أن قريشًا أهمهم شأن (٥) المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلّم فيها رسول الله ﷺ ؟ [فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله- ﷺ ] (٦)، فكلّمه أسامةُ. فقال: "أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟! " ثمّ قام فاختطب، ثمّ قال: "إنما أهلك (٧) الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ. وايمُ اللهِ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". وأخرجه بقية الجماعة من طرق عن الليث بن سعد، به (٨). حديث آخر: وقال البخاري: حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا عبد الملك بن مَيْسرة، سمعت النَّزَّال بن سَبْرَة الهلالي، عن ابن مسعود قال: سمعت رجلًا قرأَ آية (٩) وسمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ خلافَها، فجئت به إلى رسول الله- ﷺ فأخبرته، فعرفت في وجهه الكراهية فقال (١٠): "كلاكما محسن، ولا تختلفوا

стр. 810

فإن من (١) قبلكم اختلفوا فهلكوا". تفرّد به البخاري (٢) دون مسلم. حديث آخر: قال البخاري: حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدّثنا إبراهيم بن سعد (٣) عن صالح، عن ابن شهاب قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن اليهود والنصار (٤) لا يصبغون فخالفوهم". تفرّد (٥) به دون مسلم. وفي سنن أبي داود (٦): "صلّوا في نعالكم خالفوا اليهود". حديث آخر: قال البخاري (٧): حدّثنا علي بن عبد الله، حدّثنا سفيان، عن عمرو، عن طاووس، عن ابن عباس: سمعت عمر يقول: قاتلَ الله فلانًا ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: "لَعَنَ الله اليهودَ، حُرِّمَت عليهم الشحومُ فَجَمَلوها (٨). فباعوها" رواه مسلم من حديث ابن عيينة. ومن حديث عمرو بن دينار (٩) به. ثم قال البخاري: (تابعه أبو جابر وأبو هريرة عن النبي- ﷺ ). ولهذا الحديث طرقٌ كثيرة (١٠). وسيأتي في باب الحِيَل من كتاب الأحكام إن شاء الله، وبه الثقة. حديث آخر: قال البخاري (١١): حدّثنا عِمْران بن مَيْسَرة، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: (ذَكَرُوا النارَ والناقوسَ فَذَكروا اليهود والنصارى، فأُمِر بلالٌ أنْ يَشْفَعَ الأذان وأن يوتر

стр. 811

الإقامة. وأخرجه بقية الجماعة من حديث أبي قلابة عبد الله بن زيد الجَرْمي، به (١). والمقصود من هذا مخالفة أهل الكتاب في جميع شعارهم، فإن رسول الله- ﷺ لما قدم المدينةَ كان المسلمون يتحيَّنون وقت الصلوات بغير دَعوة إليها، لمّ أمرَ من ينادي فيهم وقت الصلاة: (الصلاة جامعة)، ثمّ أرادوا أن يدعوا إليها بشيء يعرفه الناس، فقال قائلون: نضربُ بالناقوس. وقال آخرون: نوري بالنار (٢)، فكرهوا ذلك لمشابهة أهل الكتابين (٣) فأُري عبد الله بن زيد بن عبد ربّه الأنصاري في منامه الأذان، فقصَّها على رسول الله- ﷺ فأمر بلالًا فنادى به (٤)، كما هو مبسوط في موضعه من باب الأذان في كتاب الأحكام. حديث آخر: قال البخاري (٥): حدّثنا بشر بن محمد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا مَعْمَر ويونس عن الزُّهْري، أخبرني عُبَيد الله بن عبد الله، أن عائشة وابن عباس قالا: لما نُزِلَ برسول الله ﷺ طَفِق يطرَحُ خميصةً على (٦) وجهه، فإذا اغتمَّ كشفها عن وجهه فقال: "وهو كذلك، لعنةُ الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ. يُحذِّر ما صنعوا". وهكذا رواه في غير موضع (٧)، ومسلم (٨) من طُرُقٍ عن الزهري، به. حديث آخر: قال البخاري (٩): حدّثنا سعيد بن أبي مريم، حدّثنا أبو غسان، قال: حدثني (١٠) زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "لتتَّبِعُنَّ سَنَن من (١١) قبلكم شِبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراع

стр. 812

حتِى لو سَلكوا جُحْرَ ضَبٍّ لسلكتموه"، فقلنا: يارسول الله اليهودَ والنصارى؟ قال النبي ﷺ : "فمَنْ"؟. وهكذا رواه مسلم من حديث زيد بن أسلم، به (١). والمقصود من هذا الإخبارُ عما يقع من الأقوال والأفعال (٢) المنهي عنها شرعًا مما يشابه أهل الكتاب قبلنا. إن الله ورسوله ينهيان عن مشابهتهم في أقوالهم وأفعالهم حتى ولو كان قصد المؤمن خيرًا (٣)، لكنه تَشبَّه، فَفِعْله (٤) في الظاهر فعلُهم، وكما نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لئلا تشابه المشركين الذين يسجدون للشمس حينئذٍ، وإن كان المؤمن لا يخطر بباله شيء من ذلك بالكُلّية، وهكذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤]. فكان الكفار يقولون للنبي ﷺ في كلامهم معه: راعنا، أي: انظر إلينا ببصرك واسْمَع كلامَنا، ويقصدون بقولهم: راعنا، من الرُّعُونَةِ، فنهى المؤمنين أن يقولوا ذلك وإنْ كان لا يخطر ببال أحد منهم هذا أبدًا (٥). فقد روى الإمام أحمد (٦)، والترمذي (٧)، من حديث عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "بُعِثْتُ بالسيف بين يدي الساعهَ حتى يُعبدَ اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وجعل رزقي تحت ظلّ رُمحي، وجعل الذلّة والصَّغَار على من خالف أمري. ومن تَشَبَّه بقوم فهو منهم". فليس للمسلم أن يتشبه بهم، لا في أعيادهم ولا مواسمهم ولا عباداتهم (٨)، لأن الله تعالى شرَّف هذه الأمة بخاتم الأنبياء الذي شرع له الدين العظيم القويم الشامل الكامل الذي لو كان موسى بن عمران الذي أُنزلت (٩) عليه التوراة، وعيسى بن مريم الذي أنزل عليه الإنجيل حَيّين لم يكن لهما شرع متَّبَع، بل لو كانا موجودين، بل وكل الأنبياء لما ساغ لواحدٍ منهم أن يكون على غير هذه الشريعة المطهَرة المشرَّفة المكرَّمة المعظَّمة، فإذا كان الله تعالى قد مَنَّ علينا بأن جعلنا من أتباع محمد ﷺ فكيف يَليق بنا أن نتشبَّه بقومٍ قد ضلُّوا من قبل وأضلُّوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل، قد

стр. 813

بدَّلوا دينهم وحرَّفوه وأوَّلوه حتى صار كأنه غير ما شُرع لهم أولًا. ثمّ هو بعد ذلك كلّه منسوخ والتمسك (١) بالمنسوخ حرامٌ لا يَقْبَلُ اللهُ منه قليلًا ولا كثيرًا، ولا فرق بينه وبين الذي لم يُشْرَع بالكلية. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. حديث آخر: قال البخاري (٢): حدّثنا قُتَيبة، حدّثنا اللَّيثُ، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: "إنما أجَلُكم في أجل من خَلا (٣) من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس. وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجُل استعملَ عُمَّالًا فقال: مَن يَعملُ لي إلى نصفِ النهار على قيراط قيراطٍ؟ فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراطٍ قيراطٍ. ثمّ قال: مَن يعملُ لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراطٍ؟ فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط. ثمّ قال: مَن يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس (٤) على قيراطين قيراطين. ألا لكم الأجرُ مرَّتين. فغضب اليهودُ والنصارى، فقالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاءً؟ قال الله تعالى: هل ظُلِمتم من حقّكم شيئًا؟ فقالوا: لا. قال: فإنه فَضْلي أوتيه من شئت (٥) ". وهذا الحديث فيه دليل على أن مدّة هذه الأمة قصيرةٌ بالنسبة إلى ما مضى من مدد الأمم قبلها، لقوله: "إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس"، فالماضي لا يعلمه إلا الله، كما أن الآتي لا يعلمه إلا هو، ولكنه قصيرٌ بالنسبة إلى ما سبق، ولا اطّلاع لأحدٍ على تحديد ما بقي إلا الله كما قال الله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧]، وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢:٤٤]. وما يذكره بعض الناس من الحديث المشهور عند العامة من أنه ﵇ لا يؤلف تحت الأرض، فليس له أصل في كتب الحديث، وورد حديث فيه (٦) أن الدنيا جمعة من جمع الآخرة. وفي صحته نظر. والمراد من هذا التشبيهِ بالعمالِ تفاوتُ أجورِهم، وأن ذلك ليس منوطًا بكثرة العمل وفِقَثه، بل بأمور أُخَرَ معتبرةٍ عند الله تعالى، وكم من عمل قليلٍ أجدى ما لا يجديه العمل الكثير، هذه ليلة القدر العمل

стр. 814

فيها أفضل من عبادة ألف شهر سواها. وهؤلاء أصحاب محمد ﷺ أنفقوا في أوقاتٍ لو أنفقه غيرُهم من الذهب مثل أُحُدٍ ما بلغ مُدَّ أَحَدِهم ولا نَصيفهُ (١) من تمر. وهذا رسول الله ﷺ بعثه الله على رأس أربعين سنة (٢) من عمره، وقَبَضَه وهو ابن ثلاثٍ وستين (٣) على المشهور، وقد برز في هذه المدة التي هي ثلاث وعشرون سنةً في العلوم النافعة والأعمال الصالحة على سائر الأنبياء قبله، حتى على نوحٍ الذي لبث في قومه ألف سنةٍ إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى عبادة الله وحدَه لا شريك له، ويعمل بطاعة الله ليلًا ونهارًا، صباحًا ومساءً، صلواتُ الله وسلامُه عليه وعلى سائر الأنبياء أجمعين. فهذه الأمة إنما شُرِّفت وتضاعف ثوابُها ببركة سيادة نبيّها وشرفِه وعَظَمته، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٣٨: ٣٩]. * * * فصل وأخبارُ بني إسرائيل كثيرةٌ جدًا في الكتاب وفي السنة (٤) النبوية، ولو ذهبنا نتقصَّى ذلك لطال الكتابُ، ولكن ذكرنا ما ذكره الإمام أبو عبد الله البخاري في هذا الكتاب (٥)، ففيه مَقنَعٌ وكفايةٌ، وهو تذكرة وأُنموذج لهذا الباب والله أعلم. وأما الأخبار الإسرائيلية فيما يذكره كثيرٌ من المفسرين والمؤرخين، فكثيرةٌ جدًا، ومنها ما هو صحيح موافق لما وقَعَ، وكثيرٌ منها بل أكثرُها مما يذكره القصَّاص مكذوبٌ مفترًى وضعه زنادقتُهم وضُلَّالُهم، وهي ثلاثة أقسام: منها ما هو صحيح، لموافقته ما قصَّه اللهُ في كتابه أو أخبرَ به رسولُ الله ﷺ . ومنها ما هو معلوم البُطلان؛ لمخالفته كتاب الله وسُنة رسوله. ومنها ما يحتمل الصدق والكذب، فهذا الذي

стр. 815

أُمِرنا بالتوقف فيه فلا نصدقه ولا نكذبه كما (١) ثبت في الصحيح: "إذا حدَّثكم أهل الكتاب فلا تُصَدِّقوهم ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم". وتجوز روايته مع هذا الحديث المتقدم "وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (٢). * * *

стр. 816

ذكر (١) تحريف أهل الكتاب وتبديلهم أديانهم أما اليهود فقد أنزل الله عليهم التوراة على يدي موسى بن عمران ﵇، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٤]. وقال تعالى ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعاء: ٩١]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ [الأنبياء: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٧: ١١٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. فكانوا يحكمون بها وهم متمسكون بها بُرهةً من الزمن، ثمّ شرعوا في تحريفها وتبديلها وتغييرها وتأويلها وإبداء ما ليس منها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨]. فأخبر تعالى أنّهم يفسّرونها ويتأوَّلونها ويضعونها على غير مواضعها، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء؛ وهو أنّهم يتصرّفون في معانيها ويحملونها على غير المراد، كما بدَّلوا حُكْم الرجمِ بالجلد والتحميم (٢)، مع بقاء لفظ الرجم فيها، وكما أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ (٣)، مع أنهم مأمورون بإقامة الحد والقطع على الشريف والوضيع. فأما تبديل ألفاظها فقال قائلون: بأنها جميعها بُدِّلت. وقال آخرون: لم تبدل، واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣] وقوله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ … الآية [الأعراف: ١٥٧] وبقوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣].

стр. 817

وبقصة (١) الرجم، فإنهم كما ثبت في "الصحيحَين" (٢) عن ابن عمر، وفي "صحيح" مسلم عن البَراء بن عازب (٣) وجابر بن عبد الله (٤)، وفي "السنن" عن أبي هريرة (٥) وغيره لمَّا تحاكموا إلى رسول الله ﷺ في قصّة اليهودي واليهودية اللذين زنيا فقال لهم: "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ " فقالوا: نفضهم ويُجلدون. فأمرهم رسول الله ﷺ بإحضار التوراة، فلما جاؤوا بها وجعلوا يقرؤونها ويكتمون آيةَ الرجم التي فيها، ووضع عبد الله بن صوريا يده على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له رسول الله ﷺ : "ارفع يَدك يا أعور". فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فأَمَرَ رسولُ الله ﷺ برجمها وقال: "اللهمَّ إني أوَّلُ من أحيا أمرك إذ أماتوه" وعند أبي داود (٦) أنهم لما جاؤوا بها نَزَعَ الوِسادةَ من تحته فوضعها تحتها (٧) وقال: "آمنتُ بكَ وبمَن أنزلَكَ". وذكر بعضُهم أنه قام لها، ولم أقف على إسناده. والله أعلم. فهذا كلّه يُشْكِلُ على ما يقوله كثيرٌ من المتكلّمين وغيرِهم: إن التوراة انقطع تواترها في زمن بُخت نصّر ولم يبقَ من يحفظها إلا العُزَيْر، ثمّ العزيرَ (٨) إن كان نبيًا فهو معصومٌ والتواتر إلى المعصوم يكفي، اللهمّ إلا أن يُقال إنها لم تتواتر إليه. لكِنْ بعده زكريا ويحيى وعيسى وكلّهم كانوا متمسكين بالتوراة، فلو لم تكن صحيحةً معمولًا بها لما اعتمدوا عليها وهم أنبياء معصمومون. ثم قد (٩) قال الله تعالى فيما أنزل على رسوله محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع الأنبياء منكرًا على اليهود في قصدهم الفاسد، إذ عدلوا عمّا يعتقدون صحَّته عندهم، وأنهم مأمورون به حتمًا إلى التحاكم إلى رسول الله ﷺ وهم يعاندون ما جاء به. لكنْ لمَّا كان في زعمهم ما قد يوافقهم على

стр. 818

ما ابتدعوه (١) من الجلد والتحميم المصادم لما أمر الله به حتمًا وقالوا: إنْ حكم لكم بالجلد والتحميم فاقبلوه وتكونون قد اعتذرتم بحكم نبي لكم عند الله يوم القيامة، وإن لم يحكم لكم بهذا بل بالرجم فاحذروا أن تقبلوا منه. فأنكر اللهُ تعالى عليهم في هذا القصد الفاسد الذي إنما حملهم عليه الغرضُ الفاسد وموافقة الهوى لا الدين الحق فقال: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ … الآية [المائدة: ٤٣ - ٤٤]. ولهذا لمّا (٢) حكم بالرجم قال: "اللهم إني أوّل من أحيى أمرك إذْ أماتوه"، وسألهم ما حَمَلَهُم على هذا؟ ولمَ تركوا أمر الله الذي بأيديهم؟ فقالوا: إن الزنى (٣) قد كثر في أشرافنا ولم يمكنَّا أن نقيمه عليهم، وكنا نرجم من زنى من ضعفائنا، فقلنا: تعالوا إلى أمر نصف نفعله مع الشريف والوضيع، فاصطلحنا على الجلد والتحميم، فهذا من جملة تحريفهم وتبديلهم وتغييرهم وتأويلهم الباطل. وهذا إنما فعلوه في المعاني مع بقاء لفظ الرجم في كتابهم كما دلّ عليه الحديث المتفق عليه، فلهذا قال من قال هذا من الناس إنه لم يقع تبديلهم إلا في المعاني، وإن الألفاظ باقيةٌ وهي حجة عليهم، إذ لو أقاموا ما في كتابهم جميعه لقادهم ذلك إلى اتباع الحق ومتابعة الرسول محمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ .. الآية وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ .. الآية [المائدة:٦٦]. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ … الآية [المائدة: ٦٨]. وهذا المذهب، وهو القول بأن التبديل إنما وقع في معانيها لا في ألفاظها، حكاه البخاري عن ابن عباس في آخر كتابه "الصحيح" وقرَّر عليه ولم يردَّه. وحكاه العلامة فخر الدين الرازي في "تفسيره" عن أكثر المتكلمين. (٤) وذهب فقهاء الحنفية إلى أنه لا يجوز للجنب مَسُّ التوراة وهو مُحْدِث. وحكاه الحنَّاطي في "فتاويه" عن بعض أصحاب الشافعي، وهو غريب جدًا. وذهب آخرون من العلماء إلى التوسُّط في هذين القولين، منهم شيخُنا الإمام العلامة أبو العباس بن تَيْمِية ﵀ فقال: أمّا من ذهب إلى أنها

стр. 819

كلّها مبدَّلة من أولها إلى آخرها ولم يبق منها حرفٌ إلا بدَّلوه فهذا بعيدٌ، وكذا من قال لم يبدَّل شيء منها بالكلّية بعيدٌ أيضًا، والحق أنه دخلها تبديلٌ وتغيير، وتصرفوا في بعض ألفاظها بالزيادة والنقص، كما تصرّفوا في معانيها، وهذا معلوم عند التأمل، ولبسطه موضع آخر، والله أعلم، كما في قوله في قصة الذبيح: اذبح ابنك وحيدك، وفي نسخة: بكرك إسحاق، فلفظة إسحاق مُقحَمة مزيدة بلا مرية، لأن الوحيد وهو البكر إسماعيل، لأنه وُلِدَ قبل إسحاق بأربع عشرة (١) سنة، فكيف يكون الوحيد البكر إسحاق. وإنما حَمَلَهم على ذلك حَسَدُ العرب أن يكون إسماعيلُ هو الذبيح (٢)، فأرادوا أن يذهبوا بهذه الفضيلة لهم، فزادوا ذلك في كتاب الله افتراءً على الله وعلى رسوله ﷺ وقد اغتر بهذه الزيادة خلقٌ كثير من السلف والخلف، ووافقوهم على أن الذبيح إسحاق، والصحيحُ الذبيحُ (٣) إسماعيل كما قدَّمنا، والله أعلم. وهكذا في توراة السامرة في العشر الكلمات زيادة الأمر بالتوجه إلى الطور في الصلاة، وليس ذلك في سائر نسخ اليهود والنصارى. وهكذا يوجد الزبور (٤) المأثور عن داود ﵇ مختلفًا كثيرًا، وفيه أشياء مزيدة ملحقة فيه (٥) وليست منه، والله أعلم. قلت: وأما ما بأيديهم من التوراة المعرَّبة فلا يشكُّ عاقلٌ في تبديلها وتحريف كثير من ألفاظها، وتغيير القصص والألفاظ والزيادات والنقص البيّن الواضح، وفيها من الكذب البيِّن والخطأ الفاحش شيءٌ كثيرٌ جدًا، فأما ما يتلونه بلسانهم ويكتبونه بأقلامهم فلا اطّلاع لنا عليه، والمظنونُ بهم أنهم كَذَبةٌ خَوَنة يكثرون الفِرْية على الله ورسله وكتبه. وأما النصارى، فأناجيلهم الأربعة من طريق مرقس ولوقا ومَتّى ويوحنا أشد اختلافًا وأكثر زيادة ونقصًا، وأفحش تفاوتًا من التوراة. وقد خالفوا أحكام التوراة والإنجيل في غير ما شيءً قد شرَّعوه لأنفسهم، فمن ذلك صلاتهم إلى الشرق، وليست منصوصًا عليها ولا مأمورًا بها في شيء من الأناجيل الأربعة. وهكذا تصويرهم كنائسهم، وتركهم الختان، ونقلهم صيامهم إلى زمن الربيع، وزيادته إلى خمسين يومًا، وأكلِهم الخنزير، ووضعهم الأمانة الكبيرة، وإنما هي الخيانة الحقيرة، والرهبانية وهي ترك التزويج لمن أراد التعبُّدَ وتحريمه عليه، وكتبهم القوانين التي وضعتها لهم الأساقفة الثلاثمئة والثمانية عشر، فكل هذه الأشياء ابتدعوها ووضعوها في أيام قسطنطين بن قسطن باني القسطنطينية، وكان زمنه

стр. 820

بعد المسيح بثلاثمئة سنة، وكان أبوه أحدَ ملوك الروم، وتزوَّج أمَّه هيلانة في بعض أسفاره للصيد من بلاد حَرَّان، وكانت نصرانيةً على دين الرهابين المتقدمين، فلما وُلدَ لها منه قسطنطين المذكور تعلّم الفلسفة ومهر (١) فيها وصار فيه ميل بعض الشيء إلى النصرانية التي أُمُّه عليها، فعظَّم القائمين بها بعض الشيء، وهو على اعتقاد الفلاسفة. فلما مات أبوه واستقلَّ هو في المملكة، سار في رعيته سيرةً عادلة، فأحبَّه الناس، وساد فيهم، وغلب على ملك الشام بأسره مع الجزيرة، وعظُم شأنه وكان أول القياصرة. ثمّ اتفق اختلافٌ في زمانه بين النصارى ومنازعةٌ بين (٢) بترك الإسكندرية أكصندروس وبين رجل من علمائهم يقال له: عبد الله بن أريوس، فذهب أكصندروس إلى أن عيسى ابن الله، تعالى الله عن قوله، وذهب ابن أريوس إلى أن عيسى عبد الله ورسوله، واتَّبعه على هذا طائفة من النصارى واتفق الأكثرون الأخسرون على قول بتركهم، ومُنع ابن أريوس من دخول الكنيسة هو وأصحابه، فذهب يستعدي على أكصندروس وأصحابه إلى الملك قسطنطين، فسأله الملك عن مقالته، فَعَرَضَ عليه عبد الله بن أريوس ما يقول في المسيح من أنه عبد الله ورسوله، واحتج على ذلك فمال (٣) إليه وجنح إلى قوله، فقال له قائلون: فينبغي أن تبعث إلى خصمه فتسمع كلامه. فأَمَر الملكُ بإحضاره، وطلب من سائر الأقاليم كلَّ أسقف وكل من عنده علم (٤) في دين النصرانية، وجمع البتاركة الأربعة من القدس وأنطاكية ورومية والإسكندرية، فيقال: إنهم اجتمعوا في مدة سنة وشهرين ما يزيد على ألفي أسقف، فجمعهم في مجلس واحد وهو المجمع الأول من مجامعهم الثلاثة المشهورة وهم مختلفون اختلافًا (٥) متباينًا منتشرًا جدًا. فمنهم الشرذمة على المقالة التي لا يوافقهم أحد من الباقين عليها فهؤلاء خمسون على مقالة. وهؤلاء ثمانون على مقالة أخرى. وهؤلاء عشرة على مقالة أخرى (٦) وأربعون على أخرى ومئة على مقالة، ومئتان على مقالة، وطائفة على مقالة ابن أريوس، وجماعة على مقالة أخرى. فلما تفاقم أمرهم وانتشر اختلافهم (٧) حار فيهم الملك قسطنطين، مع أنه سيء الظن بما عدا دين الصابئين من أسلافه اليونانيين، فعمد إلى أكثر جماعة منهم على مقالة من مقالاتهم فوجدهم ثلاثمئة وثمانية عشر أسقفًا قد اجتمعوا على مقالة أكصندروس، ولم يجد طائفة بلغت عِدّتهم، فقال: هؤلاء أَوْلى بنصرِ قولهم لأنهم أكثر الفِرَق، فاجتمع بهم خصوصًا ووضع سيفه وخاتمه إليهم وقال: إني رأيتكم أكثر الفرق قد اجتمعتم على مقالتكم

стр. 821

هذه فأنا أنصرها وأذهب إليها، فسجدوا له. وطلب منهم أن يضعوا له كتابًا في الأحكام، وأن تكون الصلاة إلى الشرق لأنها مطلع الكواكب النيّرة، وأن يصوروا في كنائسهم صورًا (١) لها جثث، فصالحوه على أن تكون في الحيطان، فلما توافقوا على ذلك أخذ في نصرهم، وإظهار كلمتهم، وإقامة مقالتهم، وإبعاد مَن خالفهم، وتضعيف رأيه وقوله، فظهر أصحابه بجاهِه على مخالفيهم، وانتصروا عليهم، وأمر ببناء الكنائس على دينهم وهم الملكية نِسبةَ إلى دين الملك، فَبُني في أيام قسطنطين بالشام وغيرها في المدائن والقُرى أزيدَ من اثنى (٢) عشر ألف كنيسة، واعتنى الملك ببناء بيت لحم، يعني على مكان مولد المسيح، وبَنَت أُمُّه هَيلانة قُمامةَ بيت المقدس على مكان المصلوب الذي زعمت اليهود والنصارى بجهلهم وقلة علمهم أنه المسيح ﵊، ويقال: إنه قتل من أعداء أولئك وخَدَّ لهم الأخاديد في الأرض، وأجَّج فيها النار وأحرقهم بها كما ذكرناه في سورة (٣) البروج، وعظم دين النصرانية وظهر أمره جدًا بسبب الملك قسطنطين. وقد أفسده عليهم فسادًا لا صلاح (٤) له ولا نجاح معه ولا فلاح عنده. وكثرت أعيادهم بسبب عظمائهم، وكثرت كنائسهم على أسماء عُبَّادهم. وتفاقم كفرهم، وغلظت مصيبتهم، وتخلَّد ضلالهم، وعظم وَبَالُهم، ولم يهد الله قلوبَهم ولا أصلح بَالهم، بل صرف قلوبَهم عن الحق وأحال (٥) عن الاستقامة حالهتم (٦). ثم اجتمعوا بعد ذلك مَجْمَعَيْن في قضية النسطورية واليعقوبية، وكل فرقة من هؤلاء تكفّر الأخرى وتعتقد تخليدَهم في نار جهنم، ولا يرى مجامعتهم في المعابد والكنائس، وكلهم يقول بالأقانيم الثلاثة: أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة. ولكن بينهم اختلاف في الحلول والاتحاد فيما بين اللاهوت والناسوت هل تدرَّعه أو حلَّ فيه أو اتّحد به، واختلافهم في ذلك شديد، وكفرهم بسببه غليظ، وكلهم على الباطل إلا من قال من الأريوسية أصحاب عبد الله بن أريوس إن المسيح عبد الله ورسوله، وابن أمَتِه، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه. كما يقول المسلمون فيه سواء. ولكن لما استقر أمر الأريوسية على هذه المقالة، تسلّط عليهم الفرق الثلاثة بالإبعاد والطرد حتى قلّوا فلا يُعرَف اليوم منهم أحد فيما يعلم. والله أعلم. * * *

стр. 822

كتاب الجامع لأخبار الآنبيَاء المتقدمين قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥]. وقد روى ابن حِبّان في "صحيحه"، وابن مَردويه في " تفسيره"، وغيرهما من طريق إبراهيم بن هشام، عن يحيى بن محمد الغساني الشامي، وقد تكلَّموا فيه، حدثني أبي، عن جَدّي، عن أبي إدريس، عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: "مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا" قلت: يا رسول الله كم الرسل منهم؟ قال: "ثلاثمئة وثلاثة عشر، جم غفير" قلت: يا رسول الله مَن كان أوّلهم؟ قال: "آدم". قلت: يا رسول الله نبي مرسل؟ (١) قال: "نَعم خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، ثم سوّاه قبلًا" ثم قال: يا أبا ذر أربعة سريانيون: آدم وشيث ونوح وخنوخ، وهو إدريس، وهو أول من خط بالقلم. وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر. وأول نبي من بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى، وأول النبيين آدم، وآخرهم نبيك". وقد أورد هذا الحديث أبو الفرج بن الجوزي في "الموضوعات" (٢). وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدّثنا محمد بن عوف، حدّثنا أبو المغيرة، حدّثنا مُعان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قلت: يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: "مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل (٣) من ذلك ثلاثمئة وخمسة عشر جمًا غفيرًا".

стр. 823

وهذا أيضًا من هذا الوجه ضعيف، فيه ثلاثةٌ من الضعفاء: معان (١)، وشيخه، وشيخ شيخة (٢). وقد قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدّثنا أحمد بن إسحاق أبو عبد الله الجوهري البصري، حدّثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عُبيدة الرَّبَذي (٣)، عن يزيد الرَّقَاشي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثَ اللهُ ثمانيةَ آلاف نبي، أربعةُ آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس". موسى وشيخا (٤) ضعيفان أيضًا. وقال أبو يعلى أيضًا: حدّئنا أبو الربيع، حدّثنا محمد بن ثابت العبدي، حدّثنا معبد بن خالد الأنصاري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثمّ كان عيسى، ثمّ كنت أنا". يزيد الرقاشي ضعيفٌ. وقد رواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي، عن محمد بن عثمان بن أبي شَيبة، حدّثنا أحمد بن طارق، حدّثنا مسلم بن خالد، حدّثنا زياد بن سعد، عن محمد بن المنكدر، عن صفوان بن سليم، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "بُعثت على أثر ثمانية آلاف نبي، منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل". وهذا إسناد لا بأس به، لكني لا أعرف حال أحمد بن طارق هذا. والله أعلم. حديثٌ آخر: قال عبد الله بن الإمام أحمد: وجدت في كتاب أبي بخطه: حدّتني عبد المتعالي بن عبد الوهاب، حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي، حدّثنا مجالد، عن أبي الوداك قال: قال أبو سعيد: هل تقر الخوارج بالدجَّال؟ قال: قلت: لا. فقال: قال رسول الله ﷺ : "إني خاتم ألف نبي أو أكثر، وما بعث الله نبيًا يُتبع إلا وحذَّر أمته منه، هاني قد بُيِّن لي فيه ما لم يُبيَّن لأحد منهم، وأنه أعور، وأن ربكم ليس بأعور،

стр. 824

وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخامة في حائط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب درّي. معه من كلّ لسان، ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء، وصورة النار سوداء تدخن" (١). وهذا حديث غريب. وقد روي عن جابر بن عبد الله، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدّثنا عمرو بن علي، حدّثنا يحيى بن سجيد، حدّثنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لخاتم ألف نبي أو أكثر، وإنه ليس منهم نبي إلا وقد أنذر قومه الدجال، وإنه قد تبيَّن لي فيه ما لم يتبيَّن لأحدٍ منهم، وإنه أعور، وان ربكم ليس بأعور" (٢). وهذا إسناد حسنُ (٣)، وهو محمول على ذكر عدد من أنذر قومه الدجال من الأنبياء. لكن في الحديث الآخر "ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الدجال" فالله أعلم. وقال البخاري: حدّثنا محمد بن بشّار، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شُعبة، عن فُرات، قال: سمعت أبا حازمٍ قال: قاعدْتُ أبا هريرة خمسَ سنين فسمعتُه يحدّث عن النبي ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل تَسُوسُهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خُلَفاء فيَكْثُرون". قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: "فُوا ببيعةِ الأوّل فالأول، أعطوهم حقَّهم، فإن الله سائلُهم عما استرعاهم" (٤). وكذا رواه مسلم (٥) عن بُندار، ومن وجهٍ آخر عن فُرات، به، نحوه. وقال البخاري (٦): حدّثنا عمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدّثني الأعمش، حدّثني شَقيق قال: قال عبد الله -هو ابن مسعود- كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضَربه قومُه فأدمَوه وهو يمسحُ الدمَ عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. ورواة (٧) مسلم (٨) من حديث الأعمش، به نحوه.

стр. 825

وقال الإمام أحمد (١): حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم، عن رجل، عن أبي سعيد الخدري قال: وضع رجلٌ يده اليمنى (٢) على النبي ﷺ فقال: والله ما أُطيق أن أضع يدي عليكَ من شدة حُمّاك. فقال النبي ﷺ : "إنا معشرَ الأنبياء يُضاعَفُ لنا البلاءُ كما يُضاعف لنا الأجر، إن كان النبيُّ من الأنبياء ليُبتلَى بالقمل حتى يقتله، وإن كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالفقر حتى يأخذ العبَاءة فيجوّبها، وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء". هكذا رواه الإمام أحمد من طريق زيد بن أسلم عن رجل عن أبي سعيد. وقد رواه ابن ماجه (٣) عن دُحَيم عن ابن أبي فُدَيك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسْلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، فذكره. وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن (٥) عاصم بن أبي النجود، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: "الأنبياء. ثم الصالحون. ثم الأمثل فالأمثل من الناس، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صَلابةٌ، زِيْدَ في بلائه، إن كان في دينه رقَّهَ خُفِّف عليه ولا يزال (٦) البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة". ورواه الترمذي (٧) والنسائي (٨)، وابن ماجه (٩) من حديث عاصم بن أبي النجود (١٠). وقال الترمذي: حسن صحيح. وتقدم (١١) في الحديث: "نحن معشر الأنبياء أولادُ عَلَّات ديننا واحد وأمهاتنا شتى". والمعنى أن شرائعهم وإن اختلفت في الفروع ونَسخَ بعضُها بعضًا حتى انتهى الجميع إلى ما شرع الله لمحمد ﷺ وعليهم أجمعين، إلا أن كل نبي بعثه الله، فإنما دينه الإسلام وهو التوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].

стр. 826

وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف: ٤٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ الآية [النحل: ٣٦]. فأولاد العَلَّات أن يكون الأب واحدًا، والأمهات متفرِّقات، فالأب بمنزلة الدين وهو التوحيد، والأمهات بمنزلة الشرائع في اختلاف أحكامها كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]. وقال: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧]. وقال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]. على أحد القولين في تفسيرها (١). والمقصود أن الشرائع وإن تنوعت في أوقاتها، إلا أنَّ الجميع آمرةٌ بعبادة الله وحدَه لا شريك له، وهو دين الإسلام الذي شرعه الله لجميع الأنبياء، وهو الدين الذي لا يقبل الله غيرَه يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٢]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية [المائدة:٤٤]. مدين الإسلام هو عبادة الله وحدَه لا شريك له، وهو الإخلاص له وحده دون ما سواه، والإحسان أن يكون على الوجه المشروع في ذلك الوقت المأمور به، ولهذا لا يقبلُ اللّهُ من أحد عملًا بعد أن بَعث محمدًا ﷺ إلا (٢) على ما شرعه له كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]. وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعاء: ١٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]. وقال رسول الله ﷺ : "بُعِثْتُ إلى الأحْمرِ والأسود". قيل أراد العرب والعجم. وقيل الإنس والجن (٣). وقال ﷺ : "والذي نفسي بيده لو أصبحَ فيكم موسى ثمّ اتَّبعتُمُوهُ وتركتُموني لضللتم" (٤) والأحاديث في هذا كثيرة جدًا. والمقصود أن "إخوة العلات" أن يكونوا من أبٍ واحد وأمهاتهم شتّى، مأخوذٌ من شُرب العَلَل بعد النَّهَل. وأما إخوة الأخياف فعكس هذا أن تكون أمهم واحدة من آباء شتى. وإخوة الأعيان فهم الأشقاء من أب واحد وأم واحدة. والله أعلم.

стр. 827

وفي الحديث الآخر: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة" (١) وهذا من خصائص الأنبياء أنهم لا يورثون، وما ذاك إلا لأن الدنيا أحقرُ عندهم من أن تكون مخلَّفة عنهم، ولأن توكُّلهم على الله في ذراريهم أعظم (٢) وأشد وآكد من أن يحتاجوا معه إلى أن يتركوا لورثتهم من بعدهم ما لا يستأثرون به عن الناس، بل يكون جميع ما تركوه صدقةً لفقراء الناس ومحاويجهم وذوي خلَّتهم. وسنذكر جميع ما يختص بالأنبياء ﵈ مع خصائص نبينا ﷺ وعليهم أجمعين في أول كتاب النكاح من كتاب الأحكام الكبير حيث ذكره الأئمةُ من المصنِّفين اقتداءً بالإمام أبي عبد الله الشافعي رحمة الله عليه وعليهم أجمعين. وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن ابن (٤) عبد ربِّ الكعبة قال: انتهيت إلى عبد الله بن عمرو وهو جالس في ظلّ الكعبة، فسمعته يقول: بينا نحن مع رسول الله ﷺ في سفر إذ نزل منزلًا فَمِنا من يَضْرب خباءه، ومنّا مَن هو في جَشَرة (٥)، ومنّا من ينتضلُ، إذ نادى مناديه: الصلاة جامعةً، قال: فاجتمعنا. قال: فقام رسول الله ﷺ فخطبنا فقال: "إنه لم يكن نبي قبلي إلّا دلّ أمته على خير ما يعلمه لهم، وحذَّرهم ما يعلمه شرًا لهم، وإن أمتكم هذه جعلت عافيتها في أولها، وإن آخرها سيصيبها بلاءٌ شديد وأمور ينكرونها، تجيء فتن يرقق (٦) بعضها بعضًا، تجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي. ثمّ تنكشف. ثم تجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه. ثم تنكشف. فمن سرَّه منكم أن يُزَحْزَح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه منيَّتُه (٧) وهو مؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقةَ يدِه وثمرةَ قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عُنق الآخر". قال فأدخلت رأسي من بين الناس فقلت: أُنشدك بالله أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: فأشار بيده إلى أذنيه وقال: سمعتْه أذناي ووعاه قلبي. قال: فقلت: هذا ابن عمك -يعني معاوية- يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل وأن نقتل أنفسنا، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] قال: فجمع يديه فوضعهما على جبهته ثمّ نكس هُنيهة، ثمّ رفع رأسه فقال: أطِعْه في طاعة الله، واعصه في معصية الله.

стр. 828

ورواه أحمد أيضًا عن وكيع، عن الأعمش، به. وقال فيه: "أيها الناس إنه لم يكن نبي قبلي إلّا كان حقًا عليه أن يدل أمته على ما يعلمه خيرًا لهم وينذرهم ما يعلمه شرًا لهم" وذكر تمامه بنحو (١). وهكذا رواه مسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، وابن ماجه (٥) من طُرقٍ عن الأعمش، به. ورواه مسْلم أيضًا من حديث الشعبي (٦) عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ بنحو (٧). * * *

стр. 829

ذكر أخبار العرب (١) قيل: إن جميع العرب ينتسبون إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵉ والتحية والإكرام. والصحيح المشهور أن العرب العارِبة قبل إسماعيل، وقد قدّمنا أن العرب العاربة منهم عاد وثمود وطَسَم وجَديس وأميم وجرهم والعماليق وأمم آخرون لا يعلمهم إلا الله، كانوا قبل الخليل ﵊، وفي زمنه أيضًا. فأما العرب المستعربة، وهم عرب الحجاز، فمن ذرّية إسماعيل بن إبراهيم (٢) ﵉. وأما عرب اليمن، وهم حِمْيَر، فالمشهور أنهم من قحطان، واسمه مهزم، قاله ابن ماكولا (٣)، وذكروا أنهم كانوا أربعة إخوة: قحطان، وقاحط، ومقحط، وفالغ (٤). وقحطان بن هود (٥). وقيل: هو هُود. وديل: هود (٦) أخوه. وقيل: من ذريته. وقيل: إن قحطان من سُلالة إسماعيل، حكاه ابن إسحاق (٧) وغيره. فقال بعضهم: هو قحطان بن [الهميسع بن تيمن بن قيذر بن نبت] (٨) بن إسماعيل. وقيل غير ذلك في نسبه إلى إسماعيل. والله أعلم. [وقد ترجم البخاري في "صحيحه" على ذلك فقال: (باب نسبة اليمن إلى إسماعيل ﵇] (٩) حدّثنا مُسَدَّد، حدّثنا يحيى، عن يزيد بن أبي عبيد، حدّثنا سَلَمة ﵁ قال: خَرَج رسول الله ﷺ على قوم من أسلم يتناضَلُون بالسوق (١٠) فقال: "ارموا بني إسماعيل وأنا مع بني فلان" -لأحد الفريقين- فأمسكوا بأيديهم، فقال: "مالكم" (١١) قالوا: وكيف نرمي وأنت مع بني فلان. فقال: "ارموا وأنا معكم كلّكم". انفرد به البخاري (١٢). وفي بعض ألفاظه: "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا، ارموا وأنا مع ابن الأدرع". فأمسك القوم فقال: "ارموا وأنا معكم كلكم".

стр. 830

قال البخاري: وأسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة، يعني وخزاعة فرقة ممن كان تمزق من قبائل سبأ حين أرسل الله عليهم سيل العرم، كما سيأتي بيانه، وكانت الأوس والخزرج منهم، وقد قال لهم ﵊: "ارموا بني إسماعيل" (١) فدلّ على أنهم من سلالته، وتأوله آخرون على أن المراد بذلك جنس العرب، لكنه تأويل بعيد، إذ هو خلاف الظاهر بلا دليل. لكن الجمهور على أن العرب القحطانية من عرب اليمن وغيرهم ليسوا من سلالة إسماعيل، وعندهم أن جميع العرب ينقسمون إلى قسمين: قحطانية وعدنانية، فالقحطانية شعبان: سبأ وحضرموت، والعدنانية شعبان أيضًا: ربيعة ومضر ابنا نزار بن معد بن عدنان، والشعب الخامس وهم قضاعه (٢) مختلف فيهم، فقيل: إنهم عدنانيون. قال ابن عبد البر: وعليه الأكثرون، ويروى هذا عن ابن عباس وابن عُمر وجبير بن مطعم، وهو اختيار الزبير بن بكار، وعمه مصعب الزبيري، وابن هشام. وقد ورد في حديث قضاعة بن معدّ، ولكنه لا يصح. قاله ابن عبد البر وغير (٣). ويقال: إنهم لن يزالوا في جاهليتهم وصدر من الإسلام ينتسبون إلى عدنان، فلما كان في زمن خالد بن يزيد بن (٤) معاوية، وكانوا أخواله، انتسبوا إلى قحطان، فقال في ذلك أعشى بني (٥) ثعلبة في قصيدة له: [من البسيط] أبلغْ قضاعةَ في القِرطاس أنهمُ … لولا خلائفُ آلِ الله ما عُتقوا قالت قضاعةُ: إنا من ذوي يمنٍ … واللهُ يعلم ما برّوا وما صَدقوا قِد ادّعوا والدًا ما نالَ أمَّهمُ … قد يعلمون ولكنْ ذلكَ الفَرَق وقد ذكر أبو عمرو السهيلي (٦) أيضًا من شعر العرب ما فيه إقذاع في تغيير (٧) قضاعة في انتسابهم إلى اليمن، والله أعلم.

стр. 831

والقول الثاني: أنهم من قحطان، وهو قول ابن إسحاق (١)، والكلبى (٢)، وطائفة من أهل النسب. قال ابن إسحاق: وهو قضاعة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقد قال بعض شعرائهم، وهو عمرو بن مرة، صحابي (٣) له حديثان: [من الرجز] يا أيُّها الداعي ادْعُنا وأَبشرِ … وكنْ قُضاعيًا ولا تُنَزِّرِ نحنُ بنو الشيخ الهجانِ الأزهر … قضاعةَ بنِ مالكِ بنِ حِمْيَرِ النسب المعروف غير المنكر (٤) قال بعض أهل النسب: هو قضاعة بن مالك بن عمر بن مرَّة بن زيد بن حمير. وقال ابن لَهِيْعَة، عن معروف بن سويد، عن أبي عشابة محمد بن موسى (٥)، عن عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول الله أما نحن من معد؟ قال: "لا". قلت: فمن نحن؟ قال: "أنتم قضاعة بن مالك بن حِمير". قال أبو عمر بن عبد البر: ولا يختلفون أن جُهينة بن زيد بن أسود بن أسلم بن عمران بن الحاف بن قضاعة قبيلة عقبة بن عامر الجُهني (٦). فعلى هذا قضاعة في اليمن في حمير بن سبأ، وقد جمع بعضهم بين هذين القولين بما ذكره الزبير بن بكار وغيره من أن قضاعة امرأة من جرهم تزوجها مالك بن حِمير فولدت له قضاعة، ثم خلف عليها معد بن عدنان وابنها صغير، وزعم بعضهم أنه كان حملا فنسب إلى زوج أمه كما كانت عادة كثير منهم ينسبون الرجل إلى زوج أمه. والله أعلم. وقال محمد بن سَلَّام البصري النسابة: الرب ثلاثة جراثيم: العدنانية، والقحطانية، وقضاعة. قيل له: فأيهما أكثر، العدنانية أو القحطانية؟ فقال: ما شاءت قضاعة إن تيامنت فالقحطانية أكثر، وإن تعددت (٧) فالعدنانية أكثر، وهذا يدل على أنهم يتلوَّمون في نسبهم، فإن صحّ حديثُ ابن لهيعة

стр. 832

المقدَّم (١) فهو دليل على أنهم من القحطانية والله أعلم. وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] قال علماء النسب: يقال: شعوب، ثمّ قبائل، ثمّ عمائر، ثمّ بطون، ثمّ أفخاذ، ثمّ فصائل، ثمّ عشائر، والعشيرة (٢) أقرب الناس إلى الرجل (٣) وليس بعدها شيء. ولنبدأ أولًا بذكر القحطانية، ثم نذكر بعدهم عرب الحجاز وهم العدنانية وما كان من أمر الجاهلية ليكون ذلك متصلًا بسيرة رسول الله ﷺ إن شاء الله تعالى وله الثقة. وقد قال البخاري: (باب ذكر قحطان) (٤) حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدّثنا سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن أبي الغَيْث (٥)، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تقومُ الساعةُ حتى يخرجَ رجلٌ من قحطان يَسوقُ الناس بعصاه". وكذا رواه مسلم، عن قتيبة، عن الدَّرَاوَرْدِي، عن ثور بن زيد، به (٦). قال السهيلي (٧): وقحطان أول من قيل له: أبيت اللعن، وأول من قيل له: أنعم صباحًا. وقال الأمام أحمد (٨): حدّثنا أبو المغيرة، عن حَريز (٩) حدّثني راشد بن سعد المَقْرَائي (١٠)، عن أبي حَيِّ (١١)، عن ذي مِخْبَرُ (١٢)، أن رسول الله ﷺ قال: "كان هذا الأمر في حمير، فنزعه الله منهم

стр. 833

فجعله في قريش". (وس ي ع ودال ي هـ م). قال عبد الله كان هذا (١) في كتاب أبي [مقطع] (٢) حدّثنا به تكلم به على الاستواء، يعني: "وسيعود إليهم". * * *

стр. 834

قِصّة سَبَأ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ: ١٥ - ١٩]. قال علماء النسب، منهم محمد بن إسحاق (١): اسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان. قالوا: وكان أول من سبى في (٢) العرب فسُمّي سبأ لذلك (٣)، وكان يقال [له: الرائش لأنه كان يُعطي الناس الأموالَ من متاعه. قال السهيلي: ويقال] (٤) إنه أول من تَتَوَّج (٥). وذكر بعضهم أنه كان مسلمًا، وكان له شعر بشَّرَ فيه بقدوم (٦) رسول الله ﷺ ، فمن ذلك قوله (٧): [من الوافر] سَيَملِكُ بعدَنا مُلْكًا عظيمًا … نبيُّ لا يرخِّص في الحرامِ ويملِك بعدَه مِنهم ملوكٌ … يدينون العبادَ بغيرِ ذام ويملِك بعدَهم منا ملوكٌ … يَصِيْر الملكُ فينا باقتسام ويملك بعدَ قحطانٍ نبيٌّ … تقيّ جَبينِه خيرُ الأنام يُسمى أحمدًا يا ليتَ أني … أُعمّر بعدَ مبعثِه بعام فأعضدُه وأحبُوه بنصري … بكلّ مدجّج وبكلّ رام متى يظهرْ فكونوا نَاصِرِيه … ومَنْ يلقاهُ يُبلغْه سلامي

стр. 835

حكاه ابن دحية (١) في كتابه "التنوير في مولد البشير النذير". وقال الإمام أحمد: حدّثنا أبو عبد الرحمن، حدّثنا ابن لَهِيْعة، عن عبد الله بن هُبيرة عن عبد الرحمن (٢) بن وعلة، سمعت عبد الله بن عباس يقول: إن رجلًا سأل النبي ﷺ عن سبأ: ما هو أرجل أم امرأة أم أرض؟ قال: "بل هو رجل ولد (٣) عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة. فأما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير. وأما الشامية فلخم وجذام وعاملة وغسان" (٤). وقد ذكرنا في "التفسير" (٥) أن فروة بن مُسَيك الغطيفي هو السائل عن ذلك، كما استقصينا طرق هذا الحديث وألفاظه هناك. ولله الحمد. والمقصود أن سبأ يجمع هذه القبائل كلّها وقد كان فيهم التبابعة (٦) بأرض اليمن، واحدهم تُبَّع. وكان لملوكهم تيجان يلبَسُونها وقت الحكم، كما كانت الأكاسرة ملوك الفرس يفعلون ذلك، وكانت العرب تسمي كلّ من ملك اليمن مع (٧) الشحر وحضرموت تُبَّعًا، كما يسمون من ملك الشام مع الجزيرة قيصر، ومن ملك الفرس كسرى، ومن ملك مصر كافرًا (٨) فرعون، ومن ملك الحبشة النجاشي، ومن ملك الهند بَطْلَيْمُوس. وقد كان من جملة ملوك حمير بأرض اليمن بلقيس. وقد قدَّمْنا قصتها مع سليمان ﵇، وقد كانوا في غبطة عظيمة وأرزاق دارَّة وثمار وزروع كثيرة، وكانوا مع ذلك على الاستقامة والسداد وطريق الرشاد، فلما بدَّلوا نعمة الله كفرًا أحلُّوا قومهم دار البوار. قال محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: أرسل الله إليهم ثلاثة عشر نبيًّا (٩). وزعم السُّدِّي أنه أرسل إليهم اثني عشر ألف نبي. فالله أعلم. والمقصود أنهم لما عدلوا عن الهدى إلى الضلال، وسجدوا للشمس من دون الله، وكان ذلك في زمان بلقيس وقبلها أيضًا، واستمر ذلك فيهم حتى أرسل الله عليهم سيل العرم كما قال تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٦ - ١١٧].

стр. 836

ذكر غير واحد من علماء السلف والخلف من المفسرين (١) وغيرهم أن سدَّ مأرب كان صنعته أن المياه تجري من بين جبلين، فعمدوا في قديم الزمان فسدّوا ما بينهما ببناء محكم جدًا حتى ارتفع الماء فحكم على أعالي الجبلين، وغرسوا فيهما البساتين والأشجار المثمرة الأنيقة، وزرعوا الزروع الكثيرة. ويقال: كان أول من بناه سبأ بن يعرب، وسلّط إليه سبعين واديًا يفد إليه، وجعل له ثلاثين فرضة يخرج منها الماء، ومات ولم يكمل بناؤه، فكمَّلته حمير بعده، وكان اتِّساعه فرسخًا في فرسخ، وكانوا في غبطة عظيمة وعيش رغيد وأيام طيبة، حتى ذكر قتادة وغيره أن المرأة كانت تمر بالمكتل على رأسها فتمتلئ من الثمار ما (٢) يتساقط فيه من نضجه وكثرته، وذكروا أنه لم يكن في بلادهم شيء من البراغيث ولا الدواب المؤذية لصحّة هوائهم، وطيب فنائهم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥]. وكما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧]. فلما عبدوا غيرَ الله وبطروا نعمته وسألوا بعد تقارب ما بين قراهم وطيب ما بينها من البساتين وأمْن الطرقات سألوا أن يباعد بين أسفارهم، وأن يكون سفرهم في مشاقٍّ وتعب، وطلبوا أن يبدِّلوا بالخير شرًا (٣)، كما سأل بنو إسرائيل بدل المن والسلوى البقول والقِثَّاء والفوم والعدس والبصل، فسلبوا تلك النعمة العظيمة والحسنة العميمة بتخريب البلاد والشتات على وجوه العباد كما قال تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. قال غير واحد (٤): أرسل الله على أصل السدِّ الفار، وهو الجرذ، ويقال الخُلْد، فلما فطِنوا لذلك أرصدوا عندهم السنانير فلم تغن شيئًا إذ قد حُمَّ القدر ولم ينفع الحذر ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١] فلما تحكَّم في أصله الفساد سقط وانهار، فسلك الماء القرار وتقطعت (٥) تلك الجداول والأنهار، وانقطعت تلك الثمار ومادت (٦) تلك الزروع والأشجار، وتبدَّلوا بعدها برديء الأشجار والأثمار كما قال العزيز الجبَّار ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾ [قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هو الأراك، ونمره البرير، وأثل] (٧): وهو الطرفاء (٨). وقيل: يشبهه وهو حطب لا ثمر له: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ

стр. 837

سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ وذلك لأنه لما كان يثمر النَّبق كان قليلًا مع أنه ذو شوك كثير وثمره بالنسبة إليه كما يقال في المثل: لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيُرتقى ولا سمين فينتقى (١). ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ أي: إنما نعاقب هذه العقوبة الشديدة من كفر بنا وكذّب رسلَنا وخالف أمرنا وانثهك محارمنا. وقال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ وذلك أنهم لما هلكت أموالهمِ وخربت بلادهم احتاجوا أن يرتحلوا منها وينتقلوا عنها، فتفرَّقوا في غَور البلاد ونجدها أيدي سبأ شَذر مَذَر، فنزلت طوائف منهم الحجاز؛ ومنهم خزاعة نزلوا ظاهر مكة، وكان من أمرهم ما سنذكره. ومنهم الأوس والخزرج، نزلوا بيثرب وهي (٢) المدينة النبوية (٣)، اليوم، فكانوا أول من سكنها، ثم نزلت عندهم ثلاث قبائل من اليهود: بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير، فحالفوا الأوس والخزرج، وأقاموا عندهم، وكان من أمرهم ما سنذكره. ونزلت طائفة أخرى منهم الشام، وهم الذين تنصَّروا فيما بعد، وهم غسان وعاملة وبهراء ولخم وجذام وتنوخ وتغلب وغيرهم، وسنذكرهم عند ذكر فتوح الشام في زمن الشيخين ﵄. قال محمد بن إسحاق (٤): حدّثني أبو عبيدة قال: قال الأعشى بن قيس بن ثعلبة، وهو ميمون بن قيس (٥). [من المتقارب] وفي ذاكَ للمؤْتَسي أُسْوةٌ … ومأربُ عَفَّى عليها العَرِنمْ (٦) رُخام بَنَتْه لهم حِميرٌ … إذا جاءَ موَّارُه لم يرم (٧) فأَروى الزّروع وأعنَابها … على سَعَةٍ ماؤُهم إذ قَسَم فصاروا أياديَ لا يقدِرون … على شُربِ طفلٍ إذا ما فُطِم (٨)

стр. 838

وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب "السيرة" (١) أن أول من خرج من اليمن قبل سيل العرم عمرو بن عامر اللخمي، ولخم هو ابن عدي بن الحارث بن أزد (٢) بن زيد بن هميسع بن عمرو بن عريب بن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ. ويقال: لخم بن عدي بن عمرو بن سبأ، قاله ابن هشام (٣). قال ابن إسحاق (٤): وكان سبب خروجه من اليمن فيما حدّثني أبو زيد الأنصاري أنه رأى جرذًا يحفر في سدِّ مأرب الذي كان يحبس عنهم (٥) الماء فيصرفونه حيث شاؤوا من أرضهم، فعلم أن لا بقاء (٦) للسدِّ على ذلك، فاعتزم على النُّقلة عن اليمن، وكاد قومه، فأمر أصغر ولده إذا أغلظ له (٧) ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أُمِر (٨) به. فقال عمرو: لا أقيم ببلد لَطَم وجهي فيه أصغرُ ولدي. وعرض ماله (٩). فقال أشرافٌ مِن أشراف اليمن: اغتنموا غضبة عمرو، فاشتروا منه أمواله، وانتقل في ولده وولد ولده. وقالت الأزد: لا نتخلّف عن عمرو بن عامر، فباعوا أموالهم وخرجوا معه فساروا حتى نزلوا بلاد عكٍّ مجتازين يرتادون البلدان (١٠) فحاربتهم عك، فكانت حربهم سجالًا. ففي ذلك يقول (١١) عباس بن مرداس: [من الطويل] وعكّ بن عدنانَ الّذين تلعّبوا … بغسّانَ حتى طُرِّدوا كلَّ مَطْردِ قال: فارتحلوا عنهم، فتفرَّقوا في البلاد (١٢). فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام، ونزل الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مَرّا (١٣)، ونزلت أزد السراة السراة، ونزلت أزد عُمان عُمان، ثم أرسل الله تعالى على السدّ السيل فهدمه، وفي ذلك أنزل الله هذه الآيات.

стр. 839

وقد رُوي عن السُّدِّي قريب من هذا. وعن محمد بن إسحاق في روايته أن عمرو بن عامر كان كاهنًا. وقال غيره: كانت امرأته طريفة بنت الخير الحميرية كاهنة، فأخبرت بقرب هلاك بلادهم وكأنهم رأوا شاهد ذلك في الفأر الذي سلَّط على سدِّهم ففعلوا ما فعلوا والله أعلم. وقد ذكرتُ قصته مطولة عن عكرمة فيما رواه ابن أبي حاتم في "التفسير" (١). فصل وليس جميع سبأ خرجوا من اليمن لما أُصيبوا بسيل العرم، بل أقام أكثرهم بها، وذهب أهل مأرب الذين كان لهم السدُّ فتفرَّقوا في البلاد، وهو مقتضى الحديث المتقدم عن ابن عباس أن جميع قبائل سبأ لم يخرجوا من اليمن، بل إنما تشاءم منها أربعة، وبقي باليمن ستة وهم: مذحج وكندة والأزد (٢) وأنمار والأشعريون -وأنمار هو أبو خثعم وبجيلة- وحمير فهؤلاء ست قبائل من سبأ أقاموا باليمن واستمر فيهم الملك والتبابعة حتى سلبهم (٣): ذلك ملك الحبشة بالجيش الذي بعثه صحبة أميريه أبرهة وأرياط نحوًا من سبعين سنة، ثم استرجعه سيف بن ذي يزن الحميري وكان ذلك قبل مولد رسول الله ﷺ بقليل، كما سنذكره مفصَّلًا قريبًا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان. ثم بعث (٤) رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن عليًّا وخالد بن الوليد، ثم أبا موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل، وكانوا يدعون إلى الله تعالى ويبينون لهم الحجج ثمّ (٥) تغلَّب على اليمن الأسود العنسي، وأخرج نوَّاب رسول الله ﷺ منها، فلما قُتِل الأسود استقرت اليد الإسلامية عليها في أيام أبي بكر الصديق ﵁، كما سنبين ذلك بعد البعثة إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 840

قَصّة رَبيعة بن نصر بن أبي حَارثة بن عمرو بن عَامِر المتقدِّم ذِكره اللخمي، كذا ذكره ابن إسحاق (١). وقال السهيلى (٢). ونسَّابُ اليمن تقول: نصر بن ربيعة، وهو ربيعة (٣) بن نصر بن الحارث بن نمارة بن لخم (٤). وقال الزبير بن بكار: ربيعة بن نصر بن مالك (٥) بن شَعوذ بن مالك بن عُجم بن عمرو بن نمارة بن لخم، ولخم أخو جذام، وسمي لخمًا لأنه لَخَم أخاه (٦) على خدِّه، أي: لطمه، فعضّه الآخر في يده فَجَذمها، فَسُمّي جُذاما (٧). وكان ربيعة أحد ملوك حمير التبابعة، وخبره مع شِق وسَطيح الكاهنين، وإنذارهما بوجود رسول الله ﷺ . أما سَطيح: فاسمه ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن غسان (٨). وأما شق فهو ابن صعب (٩) بن يشكر بن رُهْم بن أَفْرَك بن قسر (١٠) بن عبقر بن أنمار بن نزار، ومنهم من يقول: أنمار بن أراش بن لحيان بن عمرو بن الغوث بن نابت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. ويقال: إن سطيحًا كان لا أعضاء له، وإنما كان مثل السطيحة، ووجهه في صدره وكان إذا غضب انتفخ وجلس. وكان شِق نصفَ إنسان، ويقال: إن خالد بن عبد الله القسري كان من سلالته (١١). وذكر

стр. 841

السهيلي (١) أنهما ولدا في يوم واحد، وكان ذلك يوم ماتت طريفة بنت الخير الحميرية، ويقال: إنها تفلت في فم كلٍّ منهما فورثا (٢) الكهانة عنها، وهي امرأة عمرو بن عامر المتقدِّم ذِكره. والله أعلم. قال محمد بن إسحاق (٣): وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة، فرأى رؤيا هائلة (٤) هالته وفظِع بها (٥)، فلم يدع كاهنًا ولا ساحرًا ولا عائفًا ولا مُنجّمًا من أهل مملكته إلا جمعه إليه، فقال لهم: إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظِعت بها فأخبروني بها وبتأويلها. فقالوا: اقصُصْها علينا نخبرْك بتأويلها. فقال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها لأنه لا يعرف تأويلها إلا مَن عرفها قبل أن أخبره بها. فقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى شِق وسَطيح فإنه ليس أحدٌ أعلم منهما فهما يخبرانه بما سأل عنه. فبعث إليهما، فقدم إليه سَطيح قبل شِق، فقال له: إني قد (٦) رأيت رؤيا هالتني وفظِعت بها، فأخبِرْني بها، فإنك إن أصبتَها أصبتَ تأويلَها. فقال: أَفْعَلُ. رأيت حُمَمة خرجتْ من ظُلُمة (٧). فوقعت بأرض تهَمة. فأكلت منها كلُّ ذاتِ جُمْجُمة. فقال له الملك: ما أخطأتَ منها شيئًا يا سطيح، فما عندك في تأويلها؟ قال: أحلف بما بين الحرَّتين من حَنَش لتهبطنّ أرضَكُم الحَبَش، فليملكنّ ما بين أَبْيَن إلى جُرَش. فقال له الملك: يا (٨) سطيح إن هذا لنا لَغائظٌ موجعٌ، فمتى هو كائن، أفي زماني أم بعده؟ فقال: لا (٩) بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين (١٠)، يمضين من السنين. قال: أفيدوم ذلك من سلطانهم (١١) أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يُقتلون ويخرجون منها هاربين. قال: ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم؟ قال: يلية (١٢) إرم ذي يَزَن، يخرج عليهم من عَدَن، فلا يترك منهم أحدًا باليمن (١٣). قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أم

стр. 842

ينقطع؟ قال: بل ينقطع. قال: ومن يقطعه؟ قال: نبي زكي، يأتيه الوحي، من قبل العلي. قال: وممن هذا النبي؟ قال: رجل من ولد غالب بن فِهْر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر. قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يومٌ (١) يُجمع فيه الأولون والآخرون، يَسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون. قال: أحقٌّ ما تخبرني؟ قال: نعم، والشَّفقِ والغسقِ، والفلق إذا اتّسق، إن ما أنبأتك به لحق. قال ثمّ قدم عليه شِق، فقال (٢) له كقوله لسطيح، وكتمه ما قال سطيحٌ لينظر أيتّفقان أم يختلفان. قال: نحم، رأيتَ حُمَمة، خرجت من ظُلمة، فوقعت بين روضة وأكَمة، فأكلت منها كلَّ ذاتِ نسمة. فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا، وأن قولهما واحدٌ، إلّا أن سَطيحًا قال: وقعت بأرض تهمة، فأكلت منها كل ذات جُمْجُمة. وقال شق: وقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كلّ ذات نسمة. فقال له الملك: ما أخطأت يا شق منها شيئًا، فما عندك في تأويلها؟ فقال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان. لينزلنَّ أرضَكُم السودان، فليغلِبُنَّ على كل طَفْلَةِ البَنان، وليملكن ما بين أَبْيَن إلى نَجران. فقال له الملك: وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجعٌ، فمتى هو كائن، أفي زماني أم بعده؟ قال: لا بل بعده بزمان. ثم يستنقذكم منهم عظيمٌ ذو شأن، ويذيقهم أشد الهوان. قال: ومن هذا العظيم الشأن؟ قال: غلام ليس بدَني ولا مُدَن (٣) يخرج عليهم (٤) من بيت ذي يَزَن. قال: أفيدوم سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل (٥) ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين (٦) أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل. قال: وما يوم الفصل؟ قال: يوم يُجزَى فيه الوُلاة، يدعى فيه من السماء بدعوات، تسمع منها الأحياء والأموات، ويجمع الناس فيه للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات. قال: أحق ما تقول؟ قال: إي وربِّ السماء والأرض، وما بينهما من رفْعٍ وخفض، إن ما أنبأتك به لحقُّ (٧) ما فيه أَمْض. قال ابن إسحاق: فوقع في نفس (٨) ربيعة بن نصر ما قالا، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما

стр. 843

يصلحهم وكتب لهم (١) إلى ملك من ملوك فارس يقال له: سابور بن خُرَّزاذ، فأسكنهم الحِيرة (٢). قال ابن إسحاق: فمن بقية ولد (٣) ربيعة بن نصر النعمانُ بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر. يعني الذي كان نائبًا على الحِيرة لملوك الأكاسرة، وكانت العرب تَفِدُ إليه وتمتدحه. وهذا الذي قاله محمد بن إسحاق من أن النعمان بن المنذر من سلالة ربيعة بن نصر قاله أكثر الناس. وقد روى ابن إسحاق (٤) أن امير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جيء بسيف النعمان بن المنذر سأل جُبير بن مُطْعِم عنه ممن كان، فقال: من أشلاء قُنُص بن معد بن عدنان. قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان. * * *

стр. 844

قصّة تُبَّع أَبي كرب تُبَّان أسعد ملك اليمن مع أهل المدينة (١)، وكيف أراد غزو البيت الحرام، ثمّ شرَّفه وعظَّمه وكساه الحُلل، فكان أوّل من كساه قال ابن إسحاق (٢): فلما هلك ربيعة بن نصر، رجع مُلك اليمن كلُّه إلى حسّان بن تُبَّان أسعد أبي كَرب -وتُبَّان أسعد تبع الآخر -بن كلكيكرب (٣) بن زيد، وزيد تُبَّع الأول بن عمرو ذي الأَذْعار بن أبرهة ذي المنار بن الرائش بن عدي بن صيفي بن سبأ الأصغر بن كعب كَهْف (٤) الظُّلْم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جُشَم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطَن بن عَرِيْب بن زهير بن أنس (٥) بن الهَمَيْسع بن العَرَنجج، والعَرَنجج هو حِمير بن سبأ الأكبر بن يَعْرُب بن يَشْجُب بن قحطان. قال عبد الملك بن هشام: سبأ بن يشجب (٦) بن يعرب بن قحطان (٧). قال ابن إسحاق: وتُبَّان أسعد أبو كَرِب هو الذي قدم المدينة، وساق الحبرين (٨) من اليهود إلى اليمن، وعمر البيت الحرام وكساه، وكان ملكه قبل [مُلْك] (٩) ربيعة بن نصر (١٠)، وكان قد جعل طريقه -حين رجع من غزوة بلاد المشرق- على المدينة (١١)، وكان قد مر بها في بَدْأَته فلم يَهِجْ أهلَها، وخلَّف بين أظهرهم ابنًا له، فقُتِل غِيْلة، فقدِمَها وهو مُجمع لإخرابها واستئصال أهلها وقطع نخلها، فَجَمَعَ له

стр. 845

هذا الحيُّ من الأنصار ورئيسُهم عَمْرو بن طَلحة (١) أخو بني النجّار، ثم أحد بني عمرو بن مبذول، واسم مَبْذول (٢): عامر بن مالك بن النجار، والنجار هو (٣): تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن (٤) عمرو بن عامر. وقال ابن هشام: عمرو بن طَلّة هو عمرو بن معاوية بن عمرو بن عامر بن مالك بن النجار، وطَلَّة أُمُّه، وهي بنت عامر بن زُرَيق (٥) الخزرجية. قال ابن إسحاق (٦): وقد كان رجل من بني عدي بن النجار، يقال له: أحمر، عدا على رجل من أصحاب تُبَّع (٧) وَجَدَه يَجُدُّ عَذْقًا (٨) له فضربه بمنجله فقتله، وقال: إنما التمر لمن أَبَّرَه (٩)، فزاد ذلك تُبعًا حنقًا عليهم، فاقتتلوا. فتزعَم الأنصارُ أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويَقْرُونه (١٠) بالليل، فيعجبه ذلك منهم، ويقول: والله إن قومنا لكرام. وحكى ابن إسحاق عن الأنصار أن تُبَّعًا إنما كان حنقه على اليهود أنهم منعوهم منه. قال السهيلي (١١): ويقال إنه إنما جاء لنصرة الأنصار أبناءِ عمه على اليهود الذين نزلوا عندهم في المدينة على شروط فلم يفوا بها واستطالوا عليهم (١٢). والله أعلم. قال ابن إسحاق: فبينا تُبَّع على ذلك من حربهم (١٣) إذ جاءه حَبْران من أحْبار اليهود من بني قُريظة (١٤)
следующие страницы →