← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

يولد لهما غلام أعور أضرّ شيء، وأقَلُّه نَفْعًا، تنام عيناه، ولا ينام قلبه" ثم نعت أبويه، فقال: "أبوه رجل طويلٌ، مُضْطَرِبُ اللّحم، طويلُ الأنفِ، كأنّ أنْفَه مِنْقارٌ، وأمّه امرأة فِرضاخية (١) عظيمة الثديين" قال: فبلغنا أن مولودًا من اليهود وُلِد بالمدينة، فانطلقتُ أنا والزبيْرُ بنُ العوّام، حتى دخلنا على أبَويْه، فوجدنا فيهما نَعْتَ رسول اللَّه ﷺ وإذا هو مُنجَدِلٌ في الشَّمْسِ في قَطِيفَةٍ، له هَمْهَمة، فسألنا أبَوَيه، فقالا: مكثنا ثلاثين عامًا لا يولد لنا، ثم ولِدَ لنا غُلامٌ أعور، أضَرّ شيء، وأقلُّه نفْعًا، فلما خرجنا مَرَرْنَا به، فقال: ما كُنتما فيه؟ قلنا: وسَمِعْتَ؟ قال: نعم، إنّه تَنامُ عَيْنَاي، ولا يَنامُ قَلْبِي، فإذا هو ابنُ صَيّاد. وأخرجه الترمذيّ من حديث حمّاد بن سلمة، وقال: حسن (٢). قلت: بل هو منكر جدًّا (٣) واللَّه أعلم. وقد كان ابنُ صيّاد من يهود المدينة، وقيل: كان من الأنصار، واسمه عبدُ اللَّه، ويل: صاف، وقد جاء هذا، وهذا، وقد يكون أصل اسمه صاف، ثم تَسَمّى لَمّا أسْلَمَ بَعْبد اللَّه، وكان ابنهُ عُمَارةُ بنُ عبد اللَّه من سادات التابعين، رَوى عنه مالك، وغيره، وقد قدمنا أنّ الصحيح أن الدجّال غيرُ ابن صيّاد، وأنّ ابن صيّاد كان دجّالًا من الدجَاجِلَة، ثم تِيب عَليْه بعد ذلك، فأظهرَ الإسلام، واللَّه أعلمُ بضميره، وسريرته (٤). وأما الدجال الأكبرُ، فهو المذكور في حديث فاطمةَ بنت قيس، الذي روته عن رسول اللَّه ﷺ عن تميم الداريّ، وفيه قصةُ الجَسّاسَةِ، ثم يُؤذَنُ له في الخروج في آخر الزمان، بعد فتح المسلمين مدينة الروم المسمّاة بقسطنطينية، فيكون بُدُوُّ ظهوره من أصْبهانَ، من حارة بها يقالُ لها: اليَهُودِيّة، وَينْصُرهُ مِنْ أهلها سَبْعونَ ألف يَهُودِيّ، عليهم الأسلحة، والسِّيجان، وهي الطيالسة الخُضْرُ، وكذلك ينصره سبعون ألفًا من التتَار، وخَلْقٌ من أهل خُراسَان، ومِن أهل البوادي، فَيظْهَرُ أولًا في صورة مَلِكٍ من الملوك الجبابرة، ثم يَدّعي النبوّة، ثم يدّعي الربُوبيّة، فيتبعه على ذلك الجَهَلةُ من بني آدَم، والطَّغَامُ (٥) من الرّعاع والعوائم، ويخالفه، ويرُد عليه من هداه اللَّه من عباده الصالحين وحزب اللَّه المتّقين، وَيَتدَنَّى، فيأخذ البلاد بلدًا بلدًا، وحِصْنًا حِصْنًا، وإقليمًا إِقليمًا، وكُورة كُورة، ولا يبقى بلدٌ من البُلدان إلا وَطئهُ بِخَيْلِه، ورَجِلِهِ، غير مكّة، والمدينة، ومدّة مُقامِه في الأرض أربعون يَوْمًا، يوم كسنَة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيام الناس هذه، ومُعَدّل ذلك سنة وشهران ونصف، وقد خلق اللَّه على يديه خَوارق كثيرةً، يُضلّ بها مَنْ يَشاءُ من خَلْقِه، وَيثْبُتُ معها المُؤمنُونَ،

стр. 7842

فيزدَادونَ بها إيمانًا مع إيمانهم، وهُدًى إلى هُداهُمْ، ويكونُ نزول عيسى ابن مَرْيم ﵊ مسيح الهُدَى في أيام المسيح الدجّال مَسيح الضَّلالة، على المنَارةِ الشَرقِيّة بدمَشْق، فيَجْتمع عليه المؤمنون، ويلْتَفُّ معه عباد اللَّه المتقون، فيسير بهم قاصدًا نحو الدجّال، وقد توجّه نحو بيت المقدس، فيدركه عند عَقبَةِ أفيق فينهزم منه الدجّال، فَيلحَقُه عند باب مدينة لُدّ فيقتُله بحربته وهو داخل إليْها، ويقول له: إنّ لي فيك ضَرْبَةً لن تفوتني، وإذا واجهه الدجّال انماع كما يَنْماعُ الملحُ في الماء فيقتله بالحربة، بباب لُدّ، فتكون وفاته هنالك، لعنه اللَّه، كما دلّت على ذلك الأحاديث الصحاح من غير وجه، كما تقدم وكما سيأتي. وقد قال الترمذيّ: حدثنا قُتَيْبة بن سعيد، حدثنا الليثُ، عن ابن شهاب: أنّه سمع عبيد اللَّه (١) بن عبد اللَّه بن ثَعْلَبة الأنْصاريّ، يحدِّث عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، من بني عمرو بن عوف يقول: سمعتُ عمِّي مُجمّعَ بن جارية الأنصاري يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يَقْتُل ابنُ مريم الدجّال بباب لُدّ". وقد رواه أحمد، عن أبي النضر، عن الليث عن الزهري به، وعن سفْيان بن عيينة، عن الزُّهريّ به، وعن محمد بن مُصْعَبٍ عن الأوزَاعيّ، عن الزهري به، وعن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، فهو محفوظ من حديثه، وإسنادُه من بعده ثقات، ولهذا قال الترمذي بعد روايته له: وهذا حديث صحيح. قال: وفي الباب عن عمران بن حُصَيْن، ونافع بن عُتْبة، وأبي بَرْزَةَ، وحُذَيْفَة بن أَسِيد، وأبي هُريرة، وكَيْسانَ، وعُثمان بن أبي العاص، وجابر، وأبي أُمَامَة، وابن مسعود، وعبد اللَّه بن عمرو، وسَمُرة بن جُنْدُب، والنوّاس بن سِمْعان، وعمرو بن عَوْف، وحُذَيفة بن اليمان (٢). وروى أبو بكر بنُ أبي شيبة، عن سفيان بن عُيَيْنَةَ، عن الزُّهريّ، عن سالم، عن أبيه، أن عمر سأل يَهُودِيًّا عن الدجّال، فقال: وإلهِ يَهوُدَ لَيقْتُلَنَّه ابْنُ مَرْيَم بِفنَاءِ لُدّ (٣). صفة الدجَّال قبحه اللَّه، ولعنه، وأخزاه، وأخسأه قد تقدم في الأحاديث أنه أعور، وأنَّه أزْهَرُ هِجَانٌ فيْلَمانيّ، وهو كثير الشعر، وفي بعض الأحاديث أنه قصير أفحج (٤) وفي حديث أنه طويل، وجاء أن ما بين أذُنَيْ حِمَارِه أربعون ذراعًا كما تقدم في حديث جابر. ويُروى في حديثٍ آخرَ: سبعونَ باعًا، ولا يصحّ، وفي الأول نظر.

стр. 7843

وقال عَبْدانُ في كتاب "مَعْرفة الصَّحابة": رَوى سُفْيان الثوريّ، عن عبد الملك بن مَيْسَرة، عن حَوْط العَبْدِيّ، عن ابن مسعود، قال: أُذُنُ حِمَار الدجال تُظلُّ سبعين ألفًا. قال شيخنا الحافظ الذهبيّ: حَوْطٌ مجهول، والخبرُ مُنْكَرٌ. وأنّ بين عَيْنيه مكتوب: كافر، يقرؤه كلّ مُؤمن، وأن رأسه من ورائه كأنّه أَصَلَةٌ، أي حَيّةٌ؛ لعله طويل الرأس. وقال حنبل بن إسحاق: حدثنا حجَّاج، حدثنا حمَّاد، عن أيوبَ، عن أبي قِلَابةَ، قال: دخلتُ المسجد، فإذا الناس قد تَكَابُّوا على رجل، فسمعتُه يقول: سَمِعْتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ بعدي الكذّابَ المُضِلَّ، وإنَّ رأسَهُ مِنْ ورائه حُبُكٌ حُبُكٌ". وتقدّم له شاهد من وجه آخر (١). ومصْى حُبُكٌ، أي جَعْدٌ، خَشِنٌ، كقوله ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾ [الذاريات]. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيدُ، حدثنا المسعوديّ. وأبو النضر، حدثنا المسعودي، المعنى، عن عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه، عن أبي هُرَيرَة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خرجتُ إلَيْكُمْ، وقد بُيِّنَتْ لي ليلةُ القدر، ومَسِيحُ الضَّلالةِ، فكان تلاحٍ بين رجلين، بسُدَّةِ المسجد، فأتيتُهما لأَحْجِزَ بَيْنَهُما، فَأُنْسِيتُهما، وسأشْدُو لكم منهما شَدْوًا، أما لَيلَةُ القَدْرِ، فالتمسوها في العَشْر الأواخر وِتْرًا، وأما مسيحُ الضّلَالةِ، فإنه أَعْوَرُ العين، أَجْلَى الجَبْهَةِ، عريض النَّخرِ، فيه دفًا (٢)، كأنه قَطَنُ بنُ عبد العُزَّى" قال: يا رسول اللَّه، هل يَضُرُّني شَبَههُ؟ قال: "لا، أنْتَ امرؤ مسْلِمٌ، وهو امرؤ كَافِرٌ". تفرّد به أحمد، وإسناده حسن (٣). وقال الطبرانيّ: حدثنا أبو شُعَيْب الحرانيّ، حدثنا إسحاق بنُ موسى، [ح] وحدثنا محمد بنُ شُعَيْب الأصبهانيّ، حدثنا سعيد بن عَنْبَسَة، قالا: حدثنا سعيدُ بنُ محمد الثقفيّ، حدثنا حَلّام بنُ صالح، أخبرني سُلَيمان بنُ شهاب العَبسي، قال: نزل عليّ عبد اللَّه بن مَغْنَم، وكان من أصحاب النبي ﷺ ، فحدّثني عن النبيّ ﷺ أنه قال: "الدجّال ليس به خَفاءٌ، إنه يجيءُ مِنْ قِبَل المَشْرق، فيدعُو إلى حَقّ؛ فيُتَّبع، ويَنْتَصِبُ للناس فيُقَاتِلُهُمْ، فَيَظْهَرُ عَلَيهم، فلا يزالُ على ذلك حتى يَقْدَمَ الكوفة، فيُظْهِرُ دينَ اللَّه، ويعمل به، فيُتَّبع، ويحبّ على ذلك، ثم يقول بعد ذلك: إنّي نَبِي، فَيَفْزَعُ مِنْ ذلك كلُّ ذي لُبّ ويُفَارقه، فيمكُثُ بعد ذلك، حتى يقول: أنا اللَّهُ، فتَعْمَشُ عَيْنُه اليُمْنى،

стр. 7844

وتُقْطَع أُذنه، ويُكتَبُ بَيْن عَيْنَيْه: كافر، فلا يَخْفَى على كلِّ مسْلم، فيُفارقُه كلّ أحدٍ من الخَلْق في قَلْبه مِثْقالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ، ويكونُ أصحابُه وجنودُه المجوسَ واليهودَ والنصارى، وهذه الأعاجمَ من المشركين. ثم يدعو برجل فيما يرون، فَيُؤْمر به فَيُقَتلُ، ثمَ يُقَطَع أعضاءه، كلَّ عضُو علَى حِدَةٍ، فيُفَرّق بينها، حتّى يراه الناسُ، ثم يَجْمَعُ بَيْنَها، ثمَ يضربه بعصاهُ، فإذا هو قائمٌ، فيقول: أنا اللَّه، أُحْيي، وأميتُ، وذلك كُله سحْرٌ يسحر بِه أَعْيُنَ الناسِ، لَيْس يَصنع من ذلك شيئًا". قال شيخنا الذهبيّ: ورواه يحيى بنُ موسى خَتٌّ (١)، عن سعيد بن محمد الثقفي (٢) وهو واهٍ. وعن عليّ بن أبي طالب، ﵁، أنّه قال في الدجّال: هو صافي بنُ صائِد، يخرجُ من يَهُوديّة أَصْبهَانَ، على حِمار أبْتَرَ، ما بين أذُنَيْهِ أربعونَ ذِراعًا، وما بين حافره إلى الحافر الآخر أربعُ لَيالٍ، يتناولُ السماءَ بِيدِه، أمامَهُ جَبَلٌ مِنْ دُخانٍ، وخلْفَهُ جَبَلٌ آخَرُ، مكتوب بين عَيْنَيْه: كافر، يقول: أنا رَبُّكم الأعلى، أتْباعهُ أصحابُ الرِّبا، وأَولادُ الزِّنى. رواه أبو عمرو الداني في كتاب "أخبار الدجال"، ولا يصح إسنادُه. خبر عجيب ونبأ غريب قال نُعَيْمُ بنُ حَمّاد في كتاب "الفتن": حدثنا أبو عمر، عن عبد اللَّه بن لَهِيعَةَ، عن عبد الوهاب بن حُسَين، عن محمد بن ثابت، عن أبيه، عن الحارث، عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "بين أُذُنَي الدجّال أربعون ذِرَاعًا وخُطْوَةُ حماره مَسِيرَةُ ثَلَاثةِ أيَّام، يخوض البحر، كما يخوض أحدُكم الساقية، ويقول: أنا ربّ العالمين، وهذه الشمس تجري بإذْنِي، أفتريدونَ أنْ أَحْبِسَها، فَتُحْبَسُ الشمس، حتى يُجْعَلَ اليومُ كالشَّهْرِ، والجُمُعةِ، ويقول: أتريدون أن أسَيِّرها، فيقولون: نَعم، فيجعل اليوم كالساعة. وتأتيه المرأةُ فتقول: يا ربّ، أحْيِ لي ابني، وأحْي لي زوجي، حتّى إنها تُعاين شياطين على صورهم، وبيوتُهم مملوءة شيَاطِينَ. ويأتيه الأعرابُ فتقول: يا ربّنا أحْيِ لنَا إِبلَنَا، وغَنَمنا، فيعطِيهم شياطين أمثالَ إبلِهم، وغَنَمهِم، سواء بالسّن، والسِّمَة، فيقولون: لو لم يكن هذا ربَّنا لم يُحْيِ لنا مَوْتَانَا. ومعه جبل من مَرَقٍ وعُراق (٣) اللَّحم، حارّ لا يَبْرُد، ونهرٌ جارٍ، وجَبلٌ من جِنَانٍ وخُضْرةٍ، وَجَبَلٌ مِن نَارٍ ودُخَانٍ، يقول: هذه جَنّتي، وهذه ناري، وهذا طعامي، وهذا شرابي، واليَسَعُ، عليه الصلاة

стр. 7845

والسلام، معه، يُنْذِرُ النَّاسَ منه، يقول: هذا المسيح الكذّاب فاحذروه، لعنه اللَّه، ويُعطيه اللَّه من السرعة، والخِفّة ما لَا يلحَقُه الدجّال، فإذا قال: أنا ربّ العالمين، قال له الناسُ: كذبتَ، ويقول اليَسَعُ: صدق الناسُ، فيَمُرّ بمكة، فإذا هو بخَلقٍ عظيم، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا ميكائيلُ، بعثني اللَّه أن أمْنَعَهُ مِنْ حَرَمِه. ويَمُرّ بالمدينة، فإذا هو بخَلْقٍ عظيمٍ، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا جبريلُ، بعثني اللَّه لأمْنَعَه مِنْ حَرمِ رَسُولِهِ، فَيمُرّ الدجّال بمَكة، فإذا رأى مِيكَائيلَ ولّى هاربًا، ويصيح، فيخرُج إليه من مكة منافقوها ومن المدينة كذلك. ويأتي النذير إلى الذين فَتَحوا القسطنطينية، ومن تألَّف من المسلمين ببيت المقدس أن الدجال قد خرج وخلَفكم في ذراريكم" قال: "فيتناول الدجّال ذلك الرجل، فيقول: هذا الذي يزعُم أني لا أقدِرُ عليه، فاقْتُلُوه، فيُنْشَرُ، ثمّ يقول: أنا أحْيِيه، قم بإذن اللَّه، ولا يأذن بإحياء نَفْسٍ غيرِها، فيقول: أَلَيْسَ قَدْ أَمتُّكَ، ثم أحْيَيْتُكَ، فيقول: الآن قد ازددتُ فِيكَ يَقِينًا، بَشّرنِي رسولُ اللَّه ﷺ أنّك تَقتلني، ثم أُحْيَا بإذن اللَّه، لا بإذنك، فيُوضَعُ على جِلْدِه صَفائحُ من نُحَاسٍ، فلا يَحيكُ فيه سلاحُهم، فيقول: اطرحوه في ناري، فيحوّل اللَّهُ ذلك الجَبَل على النَّذِيرِ جنانًا، فيَشُكُّ الناسُ فيه، ويُبادر إلى بيت المَقدس، فإذا صعِد على عَقبَةِ أفِيقَ وقع ظُلْمُه على المسلمين، فيوتِّرون قِسيَّهم لقتاله، فأقواهم من يوتِّر وهو بارك أو جالس، من الجوع والضعف، ويسمعون النداء: جاءكم الغَوْثُ، فيقولون: هذا كلامُ رجلٍ شَبْعَان. وتُشْرق الأرضُ بنُور رَبِّها، وَينْزلُ عِيسَى ابنُ مَرْيمَ، ويقول: يا معشر المسلمين، احمَدوا رَبَّكم وسَبِّحُوه، فيفعلون، ويُرِيدُون الفِرَارَ، فيُضَيّق اللَّهُ عليهم الأرض، فإذا أتوا بابَ لُدّ في نصف ساعةٍ، فيوافون عيسى ابنَ مريم، ﵊، فإذا نَظَرَ الدجال إلى عيسى قال: أقم الصلَاة، فيقول الدجّال: يا نَبيّ اللَّه، فد أُقِيمت الصلاة، فيقول عيسى: يا عدوّ اللَّه، زَعمتَ أنّك رَبُّ العَالمين فَلِمَنْ تُصلّي؟ فيضرِبُه بمقْرعةٍ في يده فَيقتُلُه، فلَا يبْقَى أَحدٌ من أنصاره خَلْف شَيءٍ إلّا نادى: يا مؤمن هذا دجّالِيّ فاقْتُلْهُ. . . " إلى أن قال: "فتَمَتَّعُوا أربعين سَنَة لا يموتُ أحَدٌ، ولا يمرَضَ أحدٌ. ويقول الرجلُ لغنمه، ولدوابّه: اذهبُوا فارْعَوْا، وَتمُرّ الماشيةُ بين الزرعين لا تأكلُ منه سُنْبُلَةً والحياتُ والعقاربُ لا تُؤذي أحدًا، والسبعُ على أبواب الدُّور لا يُؤذي أحدًا، ويأخذ الرجلُ المُدَّ مِن القمح فيبذُره بلا حِراث، فيجيء منه سَبعمئة مُدّ، فيَمْكثُونَ في ذلك كذلك حتى يُكْسَرَ سدُّ يَأْجُوجَ وَمأْجُوجَ، فيخرجون وَيُفْسدُون ما على الأرض، فيسْتغِيث الناسُ، فلا يُسْتجابُ لهم. وأهْلُ طورِ سَيناء هُم الذين فَتحَ اللَّهُ عَلَيْهِم القُسْطَنْطِينيةَ، فيَدْعُونَ فَيَبْعَثُ اللَّهُ عليهم دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ ذاتَ قَوائِمَ، فتدْخُل في آذانِهمْ فيُصْبحُون مَوْتى أجمعون، وتُنْتِنُ الأرضُ منهم، فيُؤْذُونَ الناس

стр. 7846

بنَتْنِهمْ، أشَدّ من حَيَاتِهم، فيستغيثون باللَّه تعالى، فَيبْعثُ اللَّهُ رِيحًا يمانية غَبْراء، فتصيرُ على الناس غَمًّا، ودُخانًا، وتقع عليهم الزُّكْمة ويُكشَفُ ما بهم بعدَ ثلاث، وقد قُذفت جِيَفُهُم في البَحْر، ولا يَلْبَثُون إلَّا قَلِيلًا حتى تَطْلع الشمسُ مِنْ مَغْربِها، وجفَّت الأقلام، وطُويَت الصحفُ، ولا يُقْبَلُ من أَحدٍ تَوبةٌ، ويَخِرّ إبليسُ ساجِدًا يُنادي: إلهي، مُرْني أَنْ أسجُد لِمَنْ شِئْتَ، ويجتمع إليه الشياطينُ تقول: يا سَيِّدنا، إلى من تَفْزَعُ؟ فيقول: سألتُ رَبِّي أنْ يُنْظِرني إلى يَوْم البَعْثِ، وقَدْ طَلَعَت الشمسُ من مَغْربها، وهذا الوقتُ المعلومُ، وتصير الشياطينُ ظاهرةً في الأرض، حتى يقول الرجلُ: هذا قَرِيني الذي كان يُغْوِيني، فالحمد للَّه الذي أخزاه، ولا يزالُ إبليس ساجدًا باكيًا، حتى تَخْرُج الدابّة فتَقْتله وهو ساجد، ويتمتع المؤمنون بعد ذلك أربعين سنةً لا يتمَنَّوْنَ شيئًا إلا أُعْطوهُ، وبرز المؤمنون لا يموت مؤمن حتى تتم أربعون سنةً بعد الدابَّة، ثم يعود فيهم الموتُ، ويُسرع فلا يبقى مؤمن، ويقول الكافر: قد كنا مَرْعُوبينَ من المُؤْمنين، فلم يَبْقَ منهم أحد، وليس يُقْبَلُ مِنَّا تَوْبَةٌ، فيَتَهَارَجُونَ في الطُرُقِ كالبهائم، حتى يَنْكِحَ الرجلُ أمَّهُ في وَسط الطريق، يقوم واحدٌ عنها، وينزل عليها آخرُ، وأفضلُهم من يقول: لو تَنَحَّيْتُم عن الطريق كان أحْسَنَ، فيكونون على ذلك، حتى لا يولد أحدٌ من نكاح، ثم يُعْقِمُ اللَّه النساءَ ثلاثين سَنَةً، إلا الزواني والزانيات، فإنهن يحبلن ويلدن من الزنى، ويكونون كلُّهم أولادَ زِنًى، شرارَ الناس، فعليهم تقوم الساعة": كذا رواه الطبرانيّ، عن عبد الرحمن بن حاتم المراديّ، عن نُعَيم بن حَمَّاد. . . فذكره. قال شيخنا الحافظ الذهبي: وهذا الحديث شِبْهُ موضوع، وأبو عمر مجهول، وعبد الوهاب كذلك، وشيخه يقال له: البُنَانِي (١). وقد أنبأني شيخنا الذهبي إجازةً، إنْ لم يكن سَمَاعًا، أخبرنا أبو الحسين اليُونينيّ، أخبرنا البهاء عبد الرحمن حضورًا، أنبأنا عتيق بن صيلا، أنبأنا عبد الواحد بن عُلوان، أنبأنا أبو عمرو بن دوست، حدثنا أحمد بنُ سلمان النجَّاد، حدثنا محمد بن غابى، حدثنا أبو سلمة التَّبُوذَكي، حدثنا حماد بن سَلَمة، حدثنا علي بن زيد، عن الحسن، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الدجّال يتناول السحاب، ويخوض البحر إلى رُكْبَتَيْه، ويسبق الشمس إلى مغربها، وتسير معه الآكامُ طعامًا، وفي جبهته قَرْنٌ مكسور الطَّرَفِ، يخرج منه الحَيّات، وقد صوّر في جسده السلاحُ كلُّه، حتى الرمح والسيف والدرّق" قلت للحسن: يا أبا سعيد ما الدرق؟ قال: الترس. ثم قال شيخنا: هذا من مراسيل الحسن، وهي ضعيفة. وقال ابن مَنْدَه في "كتاب الإيمان": حدثنا محمد بن الحسين المديني، حدثنا أحمد بن مهديّ،

стр. 7847

حدثنا سعيد بن سليمان سَعْدُويه، حدثنا خَلَفُ بن خَلِيفَة، عن أبي مالك الأشجعيّ، عن رِبْعِيّ، عن حُذَيفة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا أعلمُ بما مع الدجَّال منه، معه نهران، أحدهما نار تأجّج، في عين من يراه، والآخر ماءٌ أبيض، فمن أدركه منكم فليُغْمِضْ عينيه، وَلْيَشْرب من الذي يراه نارًا، فإنه ماء بارد، وإياكم والآخر، فإنه فِتْنَة، واعلموا أنه مكتوب بين عَيْنَيه كافر، يقرؤه من كتب، ومن لم يكتب، وأن إحدى عينيه ممسوحة، عليها ظَفَرَةٌ، وأنه يطلع من آخر عُمره على بطن الأُرْدُن على ثَنيّة فيقَ، وكلّ أحد يؤمن باللَّه واليوم الآخر بِبَطْن الأُرْدُنّ، وأنه يقتُلُ من المسلمين ثُلُثًا، ويَهْزِمُ ثلثًا، ويبقى ثلث، فيحجز بينهم الليل، فيقول بعض المؤمنين لبعض: ما تنتظرون أن تَلحقوا بإخوانكم في مرضاة ربّكم؟ من كان عنده فضل طعام فليعُدْ به على أخيه، وصَلُّوا حتى يَنْفَجِر الفجرُ، وعَجِّلُوا صَلاتكم، ثم أقبلوا على عَدوّكم. فلما قاموا يُصَلون، نزل عيسى ابن مريم ﵇، وإمامهُم يُصَلي بهم. فلما انصرف، قال: هكذا فرِّجوا بيني وبين عدوِّ اللَّه" قال: "فيذوب كما يذوبُ المِلْحُ، فيُسلّط اللَّهُ عليهم المسلمين، فيقتلونهم، حتى إنّ الحجرَ، والشجرَ ليُنادي: يا عبد اللَّه، يا مسلم، هذا يهوديّ فاقتله، ويظهر المسلمون، فيَكْسِرُ الصليبَ، ويَقْتُل الخِنْزير، ويضعُ الجزْية. فبينما هم كذلك، إذ أخرج اللَّه يأجُوجَ ومأجُوجَ، فيشرب أولهم البُحَيرة، ويجيء آخرُهم وقد انكشفوا، فما يَدَعُون فيها قَطْرَةً، فيقولون: كان هاهنا أثرُ ماءً مَرّةً، ونبيُّ اللَّه وأصحابه وراءهم، حتى يدخلوا مدينة مِن مدَائنِ فلسطين، يقال لها: باب لُدّ، فيقولون: ظَهَرْنا على من في الأرض، فتعالوا نُقاتل مَن في السماء، فيدعو اللَّهَ نبيُّه ﵇ عند ذلك، فيبعثُ اللَّه عليهم قُرحَةً في حلُوقهم، فلا يبقى منهم بَشَرٌ، وتُؤْذي رِيحُهم المسلمين، فيدعو عيسى عليهم، فيُرسل اللَّه ريحًا عليهم تقذفهم في البحر أجمعين". قال شيخنا الحافظ أبو عبد اللَّه الذهبيُّ: هذا إسناد صالح. قلت: وفيه سياقٌ غريب وأشياءُ مُنكرة، واللَّه أعلم (١). وقال ابن عساكر (٢) في ترجمة شيخٍ من أهل دمشق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "هَذَا الأمر فِي قُرَيْشٍ يَليهِ بَرُّهم بِبَرِّهِمْ، وَفَاجِرُهُمْ بِفَاجِرِهِمْ، حَتَّى يَدْفَعُوهُ إِلَى عِيسى ابنِ مَرْيَمَ" وفي لفظ: "بَرُّهُمْ بِبرِّهِ، وَفَاجِرُهُمْ بِفُجُورِهِ". قال ابنُ عساكر: وهو الأصحُّ.

стр. 7848

ذكر نزول عيسى ابن مريم من السماء الدنيا إلى الأرض في آخر الزمان قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء]. قال ابن جرير في "تفسيره": حدّثنا ابن بشار، حدّثنا عبد الرحمن، حدّثنا سُفيان، عن أبي حَصِين، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبّاس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت عيسى ابن مريم. وهذا إسناد صحيح، وكذا روى العَوفي، عن ابن عبّاس. وقال أبو مالك: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، ذلك عند نزول عيسى ابن مريم، لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب إلّا آمنَ به. وقال الحسن البصريّ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت عيسى، واللَّه إنّه الآن حيّ عند اللَّه، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون. رواه ابن جَرير. وروى ابن أبي حاتم عنه: أن رجُلًا سأل الحسن عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ فقال: قبل موت عيسى، إن اللَّه تعالى رفع إليه عيسى، وهو باعثهُ قبل يوم القيامة، مقامًا: يؤمن به البَرُّ والفاجِرُ. وهكذا قال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد، وهو ثابت في "الصحيحين"، عن أبي هريرة، كما سيأتي موقوفًا، وفي رواية مرفوعًا، واللَّه أعلم. وهذا هو المقصود من السياق: الإخبار بحياته الآن في السماء، وليس الأمر كما يزعمُه أهلُ الكتاب الجهلة أنهم صَلَبوُه، بل رفعه اللَّه إليه، ثم يَنزل من السماء قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديثُ المُتَواترة كما سبق في أحاديث الدجّال، وكما سيأتي أيضًا، وباللَّه المستعان. وقد رُوي عن ابن عباس وغيرِه أن الضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عائد على أهل الكتاب، أي يؤمن بعيسى قبل الموت، وذلك لو صحّ لما كان مخالفًا للأول، ولكن الصحيح في المعنى والإسناد ما ذكرناه، وقد قررناه في كتابنا "التفسير" بما فيه كفاية، وللَّه الحمد والمنة. ذكر الأحاديث الواردة في ذلك قد تقدَّم في حديث النوَّاس بَن سِمعان عند مسلم أنَّ عيسى ينزِلُ على المنارةِ البيضاءَ شرقيّ

стр. 7849

دمشق (١) وفي غيرِ روايةِ مسلمٍ: أنَّه ينزِلُ على المنارةِ البيضاءِ الشرقيَّةِ بدمشقَ. وهذا أشبهُ، فإنَّ في سياق الحديث: "فَيَنْزِلُ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ لِلصُّبْحِ، فَيَقُولُ لَهُ إِمَامُ المُسْلِمِينَ: تَقَدَّم يَا رُوحَ اللَّه. فَيَقُولُ: لَا، إِنَّهَا إِنَّما أُقِيمتْ لَكَ" (٢) ففيه من الدلالة الظاهرة أنَّه ينزِلُ على منارة المعبدِ الأعظمِ الذي يكون فيه إمام المسلمين إذ ذاك، وإمامُ المسلمين يومئذٍ هو المهديُّ فيما قيل، وهو جامعُ دمشقَ الأكبرُ، واللَّهُ أعلمُ. وقد تقدَّم في حديثِ أبي أُمامةَ أنَّه ينزِلُ في غيرِ دمشقَ، وليس ذلك بمحفوظٍ. وكذا الحديثُ الذي ساقَه ابنُ عساكرَ في "تاريخِه" من طريقِ محمدِ بن عائذٍ، ثنا الوليدُ، ثنا مَن سمِع عبدَ الرحمن بن ربيعة، يُحدِّثُ عن عبد الرحمن بن أيُّوبَ بنِ نافع بن كَيْسانَ، عن أبيه، عن جدِّه نافعِ بن كَيْسانَ صاحب رسول اللَّه ﷺ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يَنْزِلُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ عِنْدَ بَابِ دِمَشْقَ -قال نافعٌ: ولا أدري أيَّ بابِهَا يريدُ- عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءَ، لِسِتِّ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ فِي ثَوْبَيْنِ مُمَشَّقَيْنِ، كَأَنَّمَا يَتَحَدَّرُ مِنْ رَأْسِهِ اللُّؤْلُؤُ". ففيه مُبهَمٌ لم يُسَمَّ، وهو منكرٌ؛ إذ هو مخالفٌ لما ثبت في الصحاح من أن نزوله وقتَ السَّحَرِ عند إضاءةِ الفجرِ وقد أُقيمتِ الصلاةُ، واللَّهُ أعلمُ. قال مسلم: حدّثنا عُبَيْدُ اللَّه بن مُعاذ العَنْبريّ، حدثنا أبي، حدّثنا شُعبَةُ عن النعمان بن سالم، سمعتُ يعقوب بن عاصم بن عُرْوَة بن مسعود الثقفي يقول: سمعت عبد اللَّه بن عمرو، وجاء رجلٌ فقال: ما هذا الحديث الذي تُحَدّث به؟ تقول: إنّ الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال: سبحان اللَّه! أو: لا إله إلّا اللَّه، أو كلمةً نحوهما، لقد هَممتُ ألّا أحَدِّثَ أحَدًا شيئًا أبدًا، إنما قلت: إنَّكم سَتَرْوَن بَعْدَ قليل أمرًا عَظِيمًا، يُحرَّقَ البَيْتُ، ويكون، ويكون، ثم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يخرُج الدجّال في أمتي، فيمكثُ أربعين -لا أدري أربعين يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين عامًا- فيَبْعثُ اللَّه تعالى عيسى ابن مَريم كأنّه عُرْوَة بنُ مَسْعُود، فيَطْلبه فيُهْلكُه، ثم يمكث الناسُ سبع سنين، ليس بين اثنين عَداوة، ثم يُرسل اللَّه ريحًا باردة من قِبَل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقالُ ذرّة من خير، أو إيمان، إلا قَبضَتْهُ، حتى لو أنّ أحدكم دخل في كَبِد جَبلٍ لدخلتْه عليه، حتى تَقْبِضَه، قال: سَمِعْتُها من رسول اللَّه ﷺ ، قال: "فيبقى شِرار الناس في خِفّةِ الطير، وأحلام السِّباع لا يعرفون معروفًا، ولا يُنكرونُ منكرًا، فيتمثّل لَهُمُ الشيطانُ فيقول: ألا تَستجيبُون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارٌّ رزْقُهُم، حَسَنٌ عَيشهُم، ثم يُنْفَخُ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا

стр. 7850

أصغَى لِيتًا (١) وَرفَع لِيتًا" قال: "وأول من يسمعه رجلٌ يلوط حَوْض إبله" قال: "فيَصْعَقُ، ويَصعق الناس، ثم يُرسل اللَّه" -أو قال: "يُنزل اللَّه- مَطرًا، كأنّه الطلُّ أو الظِّلّ" نعمان الشاكّ "فتَنْبت منه أجساد الناس، ثم يُنْفَخُ فيه أُخْرَى، فإذا هُمْ قيام ينْظُرون، ثم يقال: يا أيّها الناس، هَلُمّوا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات] ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: مِنْ كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعين" قال: "وذلك يومَ ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ و ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ " (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا سُرَيجٌ، حدَّثنا فُلَيْحٌ، عن الحارث بن فُضَيْل، عن زياد بن سعد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ينزل ابنُ مريم إمامًا عادلًا، وحكَمًا مُقْسِطًا، فَيكْسِرُ الصليبَ، ويقْتُل الخنزيْرَ، ويرجع السِّلْمَ، وتتخذ السيوف مَناجل، وَتذْهَبُ حُمَةُ كلِّ ذات حُمة، وتُنزل السماءُ رزقها، وتُخْرِجُ الأرضُ بركتها، حتّى يَلْعَبَ الصبيُّ بالثُّعْبان ولا يضرُّه، ويُراعي الغَنَمَ الذِّئْبُ فلا يَضُرُّها، ويراعي الأسدُ البَقَر، فلا يَضُرّها". تفرد به أحمد، وإسناده جيّد قويّ صالح (٣). وقال البخاريّ: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده لَيُوشِكَنَّ أن ينزلَ فيكم ابنُ مَرْيم حكَمًا عَدْلًا، فَيكْسِرَ الصليبَ، ويقْتُلَ الخنزير، ويَضَعَ الجزية، ويَفِيضُ المالُ، حتى لا يَقْبله أحَدٌ، حتى تكون السجدة خيرًا من الدنيا وما فيها" ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إنْ شئْتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء]. وكذا رواه مسلم عن حسن الحُلْوانِيّ، وعبد بن حُمَيْد، كلاهما عن يعقوب بن إبراهيم به، وأخرجاه أيضًا من حديث سُفيان بن عُيَيْنَةَ، والليث بن سعد، عن الزُّهريّ به (٤). وروى أبو بكر بن مَرْدَويهِ، عن طريق محمد بن أبي حَفْصةَ، عن الزُّهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُوشك أن يكون فيكم ابنُ مَرْيم حَكَمًا عَدْلًا، يَقْتُلُ الدخال، ويَقْتلُ الخنزير، ويكْسِرُ الصليب، ويَضَعُ الْجِزْيَة، ويَفِيضُ المالُ، وتكون السجدة واحدةً للَّه ربِّ العالمين". قال أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ مَوْتِ عيسى ابن مريم، ثم يُعيدُه أبو هُرَيرة ثلاثَ مَرّات.

стр. 7851

وقال الإمامُ أحمد: حدثنا يزيدُ، حدثنا سُفيان، وهو ابن حسين، عن الزُّهريّ، عن حَنْظَلَة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ينْزل عيسى ابن مَريم، فَيقْتُل الخنزير، ويمحو الصليب، وتُجمعُ له الصلاة، ويُعْطِي المَال حتى لا يُقْبلَ، ويضعُ الخراج، وينزل الرَّوْحاءَ فيحجّ منها، أو يَعتَمِر، أو يَجمَعُهُما" قال: وتلا أبو هريرة: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء]، فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال: يؤمن به قَبْل موت عيسى، فلا أدري؟ هذا كلّه حديثُ النبيّ ﷺ ، أو شيءٌ قاله أبو هريرة (١)؟ وروى أحمد ومسلم من حديث الزُّهريّ، عن حنظلة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَيُهِلَّنَ عيسى ابن مَرْيم، من فَج الرَّوْحَاءَ بالحجِّ والعُمْرة، أو لَيُثَنِّيَنَّهما جميعًا" (٢). وقال البخاريّ: حدثنا ابن بُكَيْر، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري: أن أبا هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف أنتُمْ إذا نزل فيكم ابنُ مَريم وإمامكم منكم؟ " ثم قال البخاريّ: تَابَعُه عُقَيلٌ، والأوزاعي. وقد رواه الإمام أحمدُ عن عبد الرزاق، عن معمر، وعن عثمان بن عمر، عن ابن أبي ذئب، كلاهما عن الزُّهريّ به. وأخرجه مسلم من حديث يونس والأوزاعي وابن أبي ذئب عن الزهري به (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا هَمَّام، أنبأنا قتادة، عن عبد الرحمن، وهو ابن آدم مولى أمّ بُرثن صاحب السِّقَاية، عن أبي هُريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الأنبياء إخْوةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمّهاتُهمْ شَتى، ودينُهُم واحدٌ، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنّه نازل، فإذا رأيتموه، فاعرفوه، رجل مَرْبُوعٌ إلى الحُمْرَة والبَياضِ، عليه ثوبان مُمَصّران (٤)، كأنّ رأسه يَقْطرُ وإنْ لم يُصِبْهُ بَلَل، فَيدُقّ الصليبَ، ويقتلُ الخنْزِيرَ، ويَضعُ الْجِزيَةَ، ويدعو النَّاسَ إلى الإسلام، ويُهلكُ اللَّهُ في زَمانهِ الأمم كلها إلا الإسلام، ويهلك اللَّه في زمانه المسيح الدخال، ثم تَقَع الأَمَنَةُ على الأرض، حتّى ترتع الأسُودُ مع الإبل، والنِّمارُ مع البقر، والذئابُ مع الغَنمَ، وَيلَعَبَ الصِّبيان بالحيَّات لا تضرُّهم، فَيمكُث أربعين سَنَةً، ثم يُتَوفي، ويُصَلِّي عليه المسلمون". وهكذا رواه أبو داود عن هُدْبَة بن خالد، عن هَمَّام بن يَحْيى، عن قتادة به. ورواه بن جرير، ولم يورد عند تفسيرها

стр. 7852

غيرَه، عن بشر بن مُعاذ، عن يزيد عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، بنحوه، وهذا إسناد جَيّد، قويّ (١). وروى البخاريّ عن أبي اليمان، عن شُعَيْبٍ عن الزُّهريّ، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُريرة: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "أنا أَوْلى الناس بابن مَرْيم، والأنبياءُ أولاد عَلّات، ليس بيني وبينه نبي". ثم روى عن محمد بن سِنان، عن فُلَيْح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عَمْرة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخْوَةٌ لِعَلّاتٍ، أمّهاتُهم شَتى، ودينهم واحد". ثم قال: وقال إبراهيم بن طَهمان، عن موسى بن عُقْبةَ، عن صفوان بن سُلَيْم، عن عطاء بن يَسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ (٢). فهذه طُرق متعدّدة كالمتواترَة عن أبي هريرة، ﵁. حديث عن ابن مسعود وقال الإمام أحمد: حدّثنا هُشَيْم، عن العوّام بن حَوشَب، عن جَبَلَة بن سُحيم، عن مُؤثِر بن عَفَازةَ، عن ابن مسعود، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "لقيتُ ليلة أُسرِي بي إبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام" قال: "فتذاكروا أمر الساعة، فردُّوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا عِلْمَ لي بها، فردُّوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي بها، فردّوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أمَّا وَجْبتُها (٣) فلا يعلم بها أحدٌ إلَّا اللَّه، ولكن فيما عَهِدَ إليّ رَبِّي : أنّ الدجَّال خارج، ومعي قضيبان، فإذا رآني ذابَ كما يذوبُ الرّصَاصُ" قال: "فيُهلكه اللَّهُ [إذا رآني] حتى إن الشجر والحجر ليقول: يا مُسلم، إن تَحْتي كافِرًا، فتعالَ فاقْتُلْه" قال: "فيُهْلِكهم اللَّه، ثم يَرْجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرجُ يأجُوجُ ومأْجُوجُ وهم مِنْ كل حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَطَؤُونَ بلادهم لا يأتون على شيء إلا أكلوه، ولا يَمُرُّون على ماءٍ إلّا شَرِبُوه" قال: "ثُمَّ يَرْجِع الناسُ إليّ فيشكونهم، فادعو اللَّهَ عليهم، فيُهلكهم ويميتُهُمْ حتى تَجْوَى (٤) الأرضُ من نَتْنِ ريحهم، ويُنزل اللَّه

стр. 7853

المطر، فتجرُف أجسادَهم حتى يَقَذِفَهم في البحر، ففيما عَهِدَ إليّ ربيّ أن ذلك إذا كان كذلك، فإنّ الساعة كالحامل المُتِمِّ التي لا يدري أهلها متى تفجؤهم بِولَادَتها ليلًا أو نهارًا". ورواه ابن ماجه عن محمد بن بشار، عن يزيد بن هارون، عن العوّام بن حَوْشَب، به نحوَه (١). صفة المسيح عيسى ابن مريم رسول اللَّه ﷺ - ثبت في "الصحيحين" من حديث الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليلَةَ أُسْرِيَ بي لقيتُ موسى" قال: فنعَتَه، "فإذا رجل" حَسِبْتُه قال: "مضطربٌ" أي طويل، "رَجِلُ الرأس، كأنه من رجال شَنُوءة" قال: "ولقيتُ عيسى" فنعتَه النبي ﷺ فقال: "رَبْعَة، أحْمَرُ، كأنما خرج من ديماس" يعني الحمَّام (٢). وللبخاريّ من حديث مُجاهد عن ابن عمر (٣)، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "رأيت عيسى، وموسى، وإبراهيم، فأمّا عيسى فأحْمَرُ جَعْدٌ عَريضُ الصدر، وأما موسى فآدمُ جَسيمٌ سَبْطٌ، كأنه من رجال الزُّطِّ" (٤). ولهما من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ذكر رسول اللَّه ﷺ يومًا بين ظَهْرَانَي الناس المسيِح الدجَّال، فقال: "إنّ اللَّه ليس باعور، ألا إنّ المسيح الدجّال أعورُ العَين اليُمْنَى، كأن عيْنَه عِنبة طافية، وأَراني الليلة عند الكعبة في المنام، وإذا رجلٌ آدم كأحسن ما يُرى من أُدْم الرِّجال، تضرب لِمَّتُهُ بين مَنْكبَيْه، رَجِل الشَّعْرِ، يَقْطُر رَأسه ماءً، واضعًا يَديه على مَنْكبَي رَجُلَيْنِ، وهو يطوف بالبيت. فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا المسيح ابن مريم، ثم رأيت رجلًا وراءه، جعدًا قَطَطًا، أعورَ عين اليمنى، كأشبه مَنْ رأيتُ بابن قطنٍ، واضعًا يَدَيْه على مَنكبَيْ رجلٍ، يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: المسيحُ الدجَّال". تابعه عُبَيْد اللَّه، عن نافع (٥). ثم روى البخاريّ، عن أحمد بت محمد المكى، عن إبراهيم بن سعد، عن الزُّهريّ، عن سالم، عن أبيه، قال: لا واللَّه ما قال رسول اللَّه ﷺ لعيسى: أحمر، ولكن قال: " بَينما أنَا نائمٌ أطوف بالكعبة فإذا رجُل آدَمُ سَبْط الشعر، يُهَادَى بَيْن رَجُلَيْنِ يَنطُفُ رأسُه ماءً، أو يُهرَاقُ رَأسُه ماءً، فقلت: من

стр. 7854

هذا؟ قالوا: ابنُ مَرْيمَ، فذهبتُ ألتَفِتُ، فإذا رجلٌ أحْمَرُ جسيم جَعْدُ الرأس، أعْوَرُ عَيْنه اليُمنَى، كأن عينه عِنَبة طَافية، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا الدجال، وأقرب الناس به شبَهًا ابنُ قَطَنٍ" قال الزُّهريّ: رجلٌ من خُزَاعةَ هَلَكَ في الجاهلية (١). وتقدّم في حديث النَّوّاس بن سِمْعان: "فَينزلُ عند المنارة البَيْضاء، شَرِقيَّ دِمشْقَ، بين مَهْرُودَتين واضعًا كفيه على أجنحة مَلكَيْن، إذا طَاطَأ رأسَهُ قَطَرَ، وإذا رَفَعَه تحدّر منه مثل جُمَان اللؤلؤ. ولا يحلّ لكَافرٍ يجدُ رِيحَ نَفَسِه إلَّا مات، ونَفَسهُ ينتهي حيث ينتهي طَرْفُهُ" (٢). هذا هو الأشهر في موضع نزوله، أنه على المنارة البيضاء الشرقيَّة بدمشق، وقد رأيتُ في بعض الكتب أنه ينزلُ غلى المنارة البيضاء شرقيّ جامع دمشق، فلعل هذا هو المحفوظ، وتكون الرواية: "فينزل على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق" فتصرّفَ الراوي في التعبير، بحسب ما فهم، وليس بدمشق منارة تُعرف بالشرقيّة سوى التي إلى جانب الجامع الأموي بِدمشقَ مِن شَرقيّهِ، وهذا هو الأنسبُ والأليق، لأنه ينْزلُ وقد أقيصت الصلاةُ، فيقول له إمامُ المسلمين: "يا رُوحَ اللَّه تقدّمْ، فيقول: تقدّمْ أنت، فإنها إنما أُقيمت لَكَ" (٣). وفي روايةٍ: "بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ أمَراءُ، تكْرِمَةُ اللَّهِ هذه الأمّة" (٤). وقد جُدّد بناءُ منارةٍ في زماننا في سنة إحدى وأربعين وسبعمئة، من حجارةٍ بيضٍ، [وكان بناؤها] من أموال النصارى الذين حَرَقُوا المنارةَ التي كانت مَكانَها، ولعل هذا يكونُ من دلائل النبوّة الظاهرة، حيث قَيَّضَ اللَّهُ بناءَ هذه المنارة البيضاء من أموال النصارى، لِيَنْزلَ عيسى ابنُ مريَم عليها، فيقتلَ الخنزيرَ، ويَكْسرَ الصليبَ، ولَا يقْبَلُ مِنْهُم جِزيةً، ومن لم يُسْلِمْ قَتَلَهُ، وكذلك يكون حُكْمُه في سائر كفّار أهل الأرض يَوْمئذٍ، فإنه لا يبقى حُكْمٌ في أهل الأرض إلا له، وهذا من باب الإخبار عن المسيح بذلك، فإن اللَّه قد سوَّغ له ذلك وشرعه له، فإنّه إنما يَحْكُم بمقْتَضَى هذهِ الشَّرِيعَة المُطَهَّرةِ. وقد روي في بعض الأحاديث كما تقدّم أنه يَنْزِلُ بِبَيتِ المَقْدِس (٥)، والأحاديث تقتضي أن الدجال يُقتَل بِلُدٍّ قبل أن يدخل بيت المقدس، فتدل على أنه لا يدخله الدجال كمكَّة والمدينة حماية له منه. وفي روايةٍ أن عيسى ينزل بالأُرْدُنّ، وفي رواية: بمُعَسكر المُسلمين، وهذا في بعض روايات مُسلم كما تقدّم، فاللَّه أعلم.

стр. 7855

وتقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة: "وإنه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجلٌ مَربُوعٌ، إلى الحُمْرةِ والبياض، عليه ثوبان مُمَصَّران، كأنّ رأسه يَقْطُر، وإِنْ لم يُصِبْهُ بَلَلٌ، فيدقُّ الصليبَ، ويقْتُلُ الخِنْزيرَ، ويضعُ الجِزْيةَ، ويدْعُو النَّاسَ إلى الإسلام، ويُهلِكُ اللَّهُ تعالى في زمانه المِلَلَ كُلَّها إلّا الإسْلامَ، ويُهْلكُ اللَّهُ في زمانه المسيحَ الدجَّال، ثم تَقَعُ الأَمَنَةُ على الأرض، حتّى تَرتَع الأسودُ مع الإبل، والنِّمار مع البَقَر، والذِّئابُ مع الغَنَم، وَيلعَبُ الصبيانُ بالحَيّاتِ، لَا تضرّهم، فَيمكثُ أربعِينَ سَنَة. ثم يُتوفى، ويُصلِّي عليهِ المُسلِمون". رواه أحمد، وأبو داود (١). وهكذا وقع في هذا الحديث أنه يمْكثُ في الأرض أربعين سنةً. وثبت في "صحيح مسلم" عن عبد اللَّه بن عمرو أنه يمكث في الأرض سَبْعَ سنين (٢). فهذا مع هذا مُشكِلٌ، اللهمّ إلا أن تُحملَ هذه السبْعُ على مُدَّةِ إقامته بعد نزوله، ويكون ذلك محمولًا على مُكْثه فيها قبلَ رَفْعِه، مضافًا إليه، وكان عمره قبل رفعه ثلاثًا وثَلاثينَ سَنَةً على المشهور، وهذه السبع تكملة الأربعين، فيكون هذا مدة مقامه في الأرض قبل رفعه وبعد نزوله، وأما مقامه في السماء فبل نزوله فهو مدة طويلة، واللَّه أعلم. وقد ثبت في الصحيح أن يأجوجَ ومأجوجَ، يخرجون في زمانه ويُهلكهم اللَّه ببَركه دُعائِه في ليْلةٍ واحدةٍ كما تقدّم، وكما سيأتي، وثبت أنه يَحُجّ في مُدّة إقامته في الأرض، بعد نزوله. وقال محمد بن كعب القُرَظيّ: في الكتب المُنزَلةِ أنّ أصحاب الكهف يكونون في حَوارِيِّهِ، وأنهم يَحجّون معه، ذكره القرطبيّ في الملاحم، من آخر كتابه "التذكرة، في أحوال الآخرة"، وتكُون وفاته بالمدينة النبوية، فيُصلَّى عليه هنالك، ويُدفن بالحُجْرة النبوية. وقد ذكر ذلك الحافظُ أبو القاسم ابنُ عساكر. ورواه أبو عيسى الترمذيّ في "جامعه"، عن عبد اللَّه ابن سَلَام، فقال في كتاب المناقب: حدثنا زيد بن أخزم الطائيّ البصريّ، حدّثنا أبو قُتَيْبَة سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حدّثنا أبو مودود المدنيّ، حدّثنا عُثمانُ بن الضحّاك، عن محمد بن يوسف بن عبد اللَّه بن سلام، عن أبيه، عن جدّه، قال: مكتوب في التوراة صفةُ محمد، وعيسى ابن مريم يُدفن معه. قال: فقال أبو مودود: وقد بقي في البيت موضع قبرٍ. ثم قال: هذا حديث حسن غريب، هكذا قال: عثمان بن الضحاك، والمعروف: الضحّاك بن عثمان المدني. انتهى ما ذكره الترمذي ﵀ (٣). وروى الطبراني من حديث عبد اللَّه بن نافع، عن عثمان بن الضحاك، عن محمد بن يوسف بن

стр. 7856

عبد اللَّه بن سلام، عن أبيه، عن جده، قال: يُدفَنُ عيسى ابنُ مريمَ مع رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وعمر فيكون قبره رابعًا (١). وقال أبو داود الطيالسيُّ عن علي بن مَسْعَدة، عن رِيَاحِ بن عَبِيدَة، حدثني يوسف بنُ عبد اللَّه بن سلَامٍ، عن أبيه، قال: يمكثُ الناس بعد الدجَّال يَعمُرون الأسواقَ، ويَغْرِسُونَ النَّخْلَ. ذِكر خروج يأجوج ومأجوج، وذلك في أيام عيسى ابن مريم بعد قتله الدجال فيهلكهم اللَّه أجمعين في ليلةٍ واحدةٍ ببركة دعائه عليهم قال اللَّه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى في قصة ذي القرنين: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾ [الكهف]. وقد ذكرنا في "التفسير"، وفي قصة ذي القرنين، خبر بنائِه للسدّ من حَدِيدٍ ونُحاسٍ بَيْن جبلين، فصار رَدْمًا واحدًا، و ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي يَحْجُزُ به بين هؤلاء القوم المفسدين في الأرض، وبين الناس، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ أي الوقت الذي قَدَّر انْهدامَه فيه ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾، أي مساويًا للأرض، ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ أي هذا لا بدّ من كونه ووقوعه، ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ إذا انهدم، يخرجون على الناس فيموجون فيهم، ويَنْسِلُون، أي يُسرعون المَشْيَ من كُلِّ حَدَبٍ، ثم يكون النفخُ في الصورِ للفَزع قريبًا من ذلك الوقت، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا. . .﴾ الآية [الأنبياء]. وقد ذكرنا في الأحاديث الواردة في خروج الدجّال ونزول المسيح طَرَفًا صالحًا من ذِكرهم، من رواية النوّاس بن سِمْعَان، وغيره. وثبت في "الصحيحين" من حديث زينب بنتِ جَحْش أنّ رسول اللَّه ﷺ نامَ عِنْدَها ثم استيقظَ

стр. 7857

مُحْمَرًّا وَجْههُ، وهو يقول: "لَا إلهَ إلّا اللَّهُ، ويلٌ لِلعَرب مِنْ شَرٍّ قَد اقْتَرَبَ، فُتحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأجُوجَ وَمأْجُوجَ مِثلُ هذِه" وحلَّق بَيْن إصْبَعَيْهِ. وفي رواية: وَعقَد سَبْعِينَ أوْ تِسْعِينَ، قالت: قلت: يا رسول اللَّه، أنَهْلِكُ وفِينَا الصالحُون؟ قال: "نَعَمْ إذَا كَثُر الخَبَثُ" (١). وفي "الصحيحين" أيضًا من حديث وُهَيْب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرةَ: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "فُتحَ اليومَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمأْجُوجَ مِثلُ هَذَا" وَعقَد تسعين (٢). وقال الإمامُ أحمد: حدثنا رَوْحٌ، حدّثنا سَعِيدُ بنُ أبي عَروبَةَ، عن قتَادة، حدّثنا أبو رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إنّ يأجُوجَ وَمأجُوجَ لَيَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْم، حَتَّى إدَّا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ، قال الذي عَلَيْهِمْ: ارْجعُوا، فَسَتَحْفِرونَه غدًا، فيعودون إليه كأشدِّ مَا كانَ، حتّى إذا بلغت مُدَّتُهم، وأراد اللَّهُ أنْ يَبعَثَهُمْ على الناس، حفروا، حتى إذا كادوا يرون شُعاعَ الشمس قال الذي عليهم: اغدُوا فَسَتَحْفِرونَه غدًا إن شاء اللَّه، ويَسْتَثْني، فيعودون إليْه، وهو على هَيْئَتِه حِينَ تركوه، فيَحْفِرُونَه، ويَخْرُجُونَ على الناس، فيَنشُفُون (٣) المِيَاه، ويتَحَصّنُ الناسُ مِنْهُمْ في حُصُونِهم، فيَرْمُونَ بِسهامِهِمْ إلى السماء، فترجعُ وعليها كَهَيْئَةِ الدَّم، فيقولون: قَهَرنَا أهْلَ الأرض، وعَلَوْنَا أَهْلَ السماء، فيَبْعثُ اللَّهُ عليهم نَغَفًا (٤) في أقفائهم، فيقتُلهم بها" قال رسول اللَّه ﷺ : "والّذي نَفْس مُحَمَّدٍ بِيَدِه، إنّ دَوَابَّ الأَرْض لَتَسْمَنُ، وتَشْكَرُ (٥) شَكَرًا مِنْ لحُومُهم ودِمَائِهِمْ". ثم رواه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه: مِنْ غير وجه، عن قتادة به (٦). وقد روى ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن كعب الأحبار قريبًا من هذا. فاللَّه أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أَبي، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عُمَر بن قَتَادَة (٧)، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يُفْتَحُ يَأْجُوجُ ومأجُوجُ فَيَخْرجُونَ على الناس، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ [الأنبياء] فيَغْشَوْنَ الناس، ويَنْحَازُ الناسُ عنهم إلى مَدَائِنهم وحُصُونِهم، ويَضُمُّونَ إلَيْهِمْ مَواشِيَهُمْ،

стр. 7858

فيَشْربُونَ مِياه الأرْضِ، حتّى إن بَعْضَهُم لَيَمُرّ بالنّهْرِ، فيَشْرَبُون مَا فيه، حتى يتركوه يَبَسًا، حتى إنّ مَنْ بَعدَهُمْ لَيَمُرّ بذلك النهر، فيقول: قَدْ كَانَ هاهنا ماءٌ مَرّةً، حتّى إذَا لم يبق من الناس أحد إلّا أحدٌ في حِصْنٍ، أو مَدينةٍ، قال قائلُهم: هؤلاء أهلُ الأرض، قَدْ فَرَغنا مِنْهُم، بقي أهل السماء" قال: "ثُمَّ يَهُزّ أحدُهم حَرْبَتَهُ، ثم يَرْمِي بهَا إلى السَّماءِ، فتَرْجِعُ إلَيْهِ مُخْتَضبَة دَمًا للبَلاءِ والفتنة، فبينما هم على ذلك بعثَ اللَّهُ دُودًا في أعناقهم كنغَفِ الجراد الذي يَخْرُج في أعناقه، فيُصبحون موتَى، لا يُسْمَعُ لَهُم حِسن، فَيَقول المسلمون: ألَا رَجُلٌ يَشْرِي لَنَا نَفْسَهُ فيَنْظُرَ ما فَعَلَ هذا العدوّ؟ " قال: "فيتجرَّد رجل منهم مُحْتَسِبًا نفسه، قد أوطنها على أنه مقتولٌ، فينزل، فيجدهم موتَى بعضهم على بعض، فيُنادي: يا معشر المسلمين: ألا أبْشِرُوا، إن اللَّهَ تعالى قد كفاكم عَدُوَّكم، فيخْرُجُون مِنَ مدائِنهم، وحصُونهم، ويُسَرّحُونَ مَواشِيَهم، فما يكون لها رَعْيٌ إلَّا لحومُهم، فتشكَرُ عنه كأحسنِ ما شكَرتْ عن شيء من النباتِ أصابَتْه قَطّ". وهكذا أخرجه ابن ماجه من حديث يونس بن بُكَيْر عن محمد بن إسحاق به، وهو إسناد جيّد (١). وفي حديث النَّوّاس بن سِمْعان، بعد ذِكر قتلِ عيسى الدجّال عند باب لُدٍّ الشرقيّ، قال: "فبينما هم كذلك، إذ أوحَى اللَّه إلى عيسى ابن مَرْيَم ﵊: إني قَدْ أخْرَجْتُ عِبادًا لي، لَا يَدانِ لأحدٍ بقِتالِهمْ، فحَرِّزْ عِبادِي إلى الطُّورِ، فيَبْعَثُ اللَّهُ يأجُوجَ وَمأجُوجَ وهم كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيَرْغَبُ عيسى وأصْحابُه إلى اللَّه ، فيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِم نَغَفًا في رِقابهم، فيُصْبِحُون فرْسى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، فيَهْبِطُ عِيسَى وأصحابهُ فلا يجدون في الأرض بَيْتًا إلَّا مَلأَهُ زَهَمُهم ونَتْنُهم، فيرغَبُ عِيسَى وأصحابه إلى اللَّه ، فيُرسل اللَّه عليهم طَيْرًا كأعناق البُخْتِ فتَحْمِلُهم فتَطْرحُهم حيثُ شاء اللَّه تعالى" (٢). قال كعبُ الأحبار بمكانٍ يُقالُ له: المَهْبِل عِنْد مَطْلَع الشمس. . . الحديث، إلى آخره، وقد تقدم. كذلك حديث مُؤثرِ بن عَفَازَة عن ابن مسعود، في اجتماع الأنبياء لَيلَة الإسراء، وتذاكُرِهم أمْرَ الساعةِ، فرَدّوا أمرهم إلى عيسى. . . وذكر الحديث كما تقدم، وفي آخره: "فيَرْجِعُ النّاس إلى أوطانهم، فعند ذلك يخرُج يَأْجُوج ومأجوج وهم من كلّ حَدَبٍ يَنْسِلُون فَيَطَؤُون بِلَادهم، لا يَمرُّون على شَيْءٍ، إلَّا أهْلَكُوه، ولا يَمُرونَ على مَاءٍ إلَّا شَرِبُوه" ثم قال: "ثم يَرْجِعُ الناسُ إليّ يشكونَهُمُ، فَأَدْعُوِ اللَّهَ عليهم فيُهلكهم، ويمِيتهُمُ حتى تَجْوَى الأرضُ منْ نتْنِ رِيحِهم، ويُنزل اللَّهُ المَطَر فَتَجْرُفُ أجْسَادَهم، حتى يَقذفهم في البحر، ففيما عهد إليَّ ربي أن ذلك إذا كان

стр. 7859

كذلك، فإنّ الساعةَ كالحامل المُتِمّ لا يَدْرِي أَهْلُهَا مَتى تَفْجَؤُهُمْ بِوِلادتها، ليلًا أو نهارًا؟ " (١). وقال الإمامُ أحمد: حدّثنا محمد بن بشر، حدَّثنا محمد بن عمرو، عن ابن حَرْمَلَةَ، عن خَالتِه، قالت: خطب رسولُ اللَّه ﷺ وهو عَاصِبٌ إصْبَعَهُ مِنْ لَدْغَةِ عَقْرَبِ، فقال: "إنَّكم تقولون: لا عَدُوَّ لَكُم، وإنّكم لَا تَزالُونَ تُقاتِلُونَ عَدُوًّا حَتَّى يَأْتِيَ يَأْجُوجُ ومأجُوجُ، عِراضُ الوُجوه، صِغارُ العُيون، صُهْبُ الشِّعاف (٢)، من كلّ حَدَبِ ينسِلُون، كأن وُجُوهَهُم المَجَانُّ المُطْرَقَةُ" (٣). قلت: يَأجُوجُ ومأجوج، طائفتان من التُرْكِ كبيرتان لا يعلم عددهم إلا اللَّه سبحانه، وهم مِنْ ذُرِّيةِ آدَمَ ﵊، كما ثَبت في الصحيح: "يقول اللَّه يوم القيامة: يا آدمُ، فيقول: لَبّيْكَ وسَعْدَيْكَ، فيُنادي بِصْوتٍ: ابْعثْ بَعْثَ النار من ذريتك، فيقول: مِنْ كم؟ فيقول: من كُلّ ألفٍ تِسْعمئةٍ وتِسْعَةً وتسعين إلى النار، وواحدًا إلى الجَنّة، فيومئِذٍ يَشِيبُ الصغير، وتَضَعُ كلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، فيقال: أبْشِرُوا، فإنّ في يَأجوجَ ومأجُوجَ لكم فداءً"، وفي روايةٍ: "فيقال: إنّ فيكم أُمّتَيْنِ ما كَانتَا في شيءٍ إلَّا كَثَّرتَاهُ: يأجُوج وماجُوج" (٤) وسيأتي هذا الحديث بطرقه وألفاظه. ثم هم من حوَّاء، وقد قال بعضهم: إنهم من آدم لا من حواء، وذلك أنّ آدم احتلم، فاختلط منِيّه بالتراب، فخلق اللَّهُ من ذلك يأجوجَ ومأجوج، وهذا مما لا دليل عليه، ولم يرد عمن يجب قبول قوله في هذا، واللَّه أعلم. وهم من ذرّية نُوح ﵇، من سُلالةِ يافِث بن نوح، وهو أبو التُّرك، وقد كانوا يُفْسِدُون في الأرض، ويُؤْذُونَ أهلها، فأمر اللَّه سبحانه ذا القرنين فحصرهم في مكانهم داخلَ السدِّ، إلى أن يأذنَ اللَّه تعالى في خروجهم على الناس، فيكون من أمرهم ما ذكرنا في الأحاديث. وهم كالناس يشبهونهم، كأبناء جِنْسِهم من الترك الغُتْم (٥) المَغُول، المُخَرْزَمةِ عُيُونُهم، الذُّلْفِ أنُوفُهم، الصُّهْبِ شُعُورهم، على أشكالهم وألوانهم، ومن زعم أنّ منهم الطويل كالنخلة السَّحوق (٦) وأطول، ومنهم القصير كالشيء الحقير، ومنهم من له أُذنان يتَغَطَّى بإحداهما، ويَتَوطَّأ بالأخرى، فقد تكلّف ما لا علم له به، وقال ما لا دليل عليه، وقد ورد في حديثٍ أن أحدهم لا يموت حتى يرى مِن نَسْله ألف إنسان، فاللَّه أعلم بصحّته.

стр. 7860

قال الطبرانيّ: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمد بن العباس الأصفهاني، حدَّثنا أبو مسعود أحمد بن الفُراتِ، حدّثنا أبو داود الطيالسيّ، حدَّثنا المُغيرة بن مُسلم، عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر، عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبيّ ﷺ ، قال: "إنّ يأجوج ومأجوج مِنْ ولَد آدم، ولو أُرْسِلُوا لأَفْسَدُوا على الناس مَعايِشَهم، ولن يمُوتَ منهم رَجُلٌ إلا ترك مِنْ ذُرِّيتهِ ألفًا فصاعِدًا، وإنّ مِنْ ورَائِهم ثلاثَ أُمَم: تاوِيل، وتاريس، ومَنْسك". وهذا حديث غريب، وقد يكون من كلام عبد اللَّه بن عمرو من الزاملتين (١)، واللَّه أعلم. وقال ابن جرير: حدَّثنا محمد بنُ المُثَنَّى، حدَّثنا محمد بن جعفر، حدثنا شُعْبَة، عن عبد اللَّه بن أبي يزيد، قال: رأى ابنُ عبّاسٍ صِبْيانًا يَنْزُو يَعْضُهم على بعض، يلعبون، فقال ابنُ عبَّاس: هكذا تَخْرُجُ يأجوجُ وَمَأْجُوجُ. ذكر تخريب الكعبة شرفها اللَّه تعالى على يدي ذي السُّوَيْقَتَيْن (٢) الأفج الحَبَشيّ، قبّحه اللَّه ورَوَينا عن كعب الأحبار في التفسير عند قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، أنّ أولّ ظهور ذي السُّوَيْقَتينِ في أيَّام عيسى ابن مَرْيمَ ﵊، وذلك بعد هلَاك يأجوج ومأجوج، فيَبْعَثُ اللَّه عيسى ابنَ مَريم طليعة ما بين السبعمئة إلى الثمانمئة، فبينما هم يسيرون إليه، إذ بعث اللَّهُ ريحًا يَمانِيَةً طيِّبة، فتُقْبضُ فيها روح كل مؤمن، ثم يبقى عَجَاجٌ (٣) من الناس، يَتَسافَدُون كمَا تَتسَافدُ البهَائِم (٤)، ثم قال كعب: وتكون الساعةُ قَرِيبةً حِينَئذٍ. قلت: وقد تقدّم في الحديثِ الصحيح: أنّ عِيسَى ﵊ يَحُجّ بعد نزوله إلى الأرض (٥). وقال الإمام أحمد: حدّثنا سليمانُ بن داود الطيالسي، حدثنا عِمْرانُ، عن قتادةَ، عن عبد اللَّه بن

стр. 7861

أبي عُتْبَة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَيُحَجَنَّ هذا البيتُ، وَليُعْتَمَرَنَّ بعد خروج يأجوج ومأجوج". انفرد بإخراجه البخاري، فرواه عن أحمد بن حفص بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن إبراهيم بن طَهْمَانَ، عن حَجّاج هو ابنُ حجاج (١)، عن قتادَةَ بن دِعَامة به، قال: تابعه أبانٌ، وعِمْرانُ، عن قتادَة، وقال عبد الرحمن، عن شعبة، عن قتادةَ: "لا تَقُومُ الساعةُ حتى لا يُحَجَّ البَيْتُ" قال أبو عبد اللَّه: والأول أكثر. انتهى ما ذكره البخاري. وقد رواه البزّار، عن محمد بن المُثَنّى، عن عبد الرحمن بن مَهدي، عن أبان بن يزيد العطّار، عن قتادة، كما ذكره البخاريّ، ورواية عِمْران بن داود القطّان قد أوردها الإمامُ أحمد، كما رَأَيْتَ (٢). وقال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المُثَنَّى، حدَّثنا عبد العزيز، حدَّثنا شعبةُ، عن قتادة؛ سمعتُ عبد اللَّه بن أبي عُتْبةَ يُحَدّث، عن أبي سعيد الخُدْريّ، عن النبيّ ﷺ قال: "لا تقومُ الساعةُ حتى لا يُحَجَّ البَيْتُ". ثم قال: وهذا الحديث لا نَعْلمُه يُرْوى عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ إلَّا بهذا الإسناد. قلت: ولا مُنافَاة في المعنى بين الروايتين، لأنّ الكعبة يَحُجُّها الناسُ ويَعْتَمِرون بها، بعد خروج يأجوج ومأجوج، وهلاكِهم، وطُمأنينة الناس، وكثرة أرزاقهم في زمان المسيح ﵊، ثم يَبْعَثُ اللَّه ريحًا طيِّبة فيقبْضُ بها رُوح كلِّ مُؤمن، ومؤمنة، ويُتَوَفَّى نبي اللَّه عيسَى ابنُ مَرْيمَ ﵊، ويصلّي عليه المسلمونُ، ويُدْفَنُ بالحُجْرةِ النبَوية، مع رسول اللَّه (٣)، ثم يكون خَرَابُ الكَعْبةِ على يدي ذي السُّوَيْقَتَين، بعد هذا، وإن كان ظهورُه في زمان المسيح، كما قال كعبُ الأحبار. صفة تخريبه إيَّاها قبحه اللَّه وشرفها قال الإمامُ أحمد: حدّثنا أحمد بن عبد الملك، وهو الحَرَّاني، حدَّثنا محمد بن سَلَمة، عن محمد ابن إسحاق، عن ابن أبي نَجِيح، عن مُجاهد، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: " يُخَربُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْن منَ الحَبَشَة، ويسْلُبُها حِلْيتَهَا، ويُجَرِّدُها من كُسْوتها، ولَكأنِّي أنظرُ إلَيْه أُصَيْلعَ أُفَيْدع (٤)، يضرب عليها بِمسْحاته، ومِعْوَله". انفرد به أحمد، وهذا إسنادٌ جَيّد قَويّ (٥).

стр. 7862

وقال أبو داود: (باب النهي عن تَهييج الحَبَشَةِ): حدّثنا القاسم بن أحمد، حدّثنا أبو عامر، حدَّثنا زُهَيرُ بن محمد، عن موسى بن جُبَيْر، عن أبي أمامةَ بن سَهْل بن حُنَيْف، عن عبد اللَّه بن عَمْرو، عن النبيّ ﷺ قال: "اتركوا الحَبَشَةَ ما تَركُوكُمْ، فإنّه لا يَسْتَخْرِجُ كنز الكعبة إلا ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبشة" (١). وقال الإمامُ أحمد: حدّثنا يحيى، عن عبيد اللَّه بن الأخْنَس، قال: أخبرني ابنُ أبي مُلَيْكةَ، وهو عبد اللَّه بن عُبَيْد اللَّه بن أبي مُلَيْكَة: أنّ ابن عباس أخبره: أن النبيِّ ﷺ قال: "كأنِّي أنْظُر إليه أسْوَدَ أفْحَجَ، يَنْقُضُها حَجَرًا حَجَرًا، يعني الكَعْبَة". انفرد به البخاري، فرواه عن عمرو بن علي الفلّاس، عن يحيى، وهو ابن سعيد القَطّان به (٢). وقال الحافظ أبو بكر البزّار: حدَّثنا محمد بن المُثَنَّى، حدَّثنا أبو عامر، حدثنا عبدُ العزيز، عن ثَوْر، عن أبي الغَيْث، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قال: "ذُو السُّوَيْقَتَيْن مِنْ الحَبَشَةِ، يُخربُ بيْتَ اللَّه". ورواه مسلم، عن قُتَيبةَ بن سعيد، عن عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدِيّ به (٣). وبهذا الإسناد أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "لا تَقومُ الساعةُ حتى يَخْرُج رَجُلٌ مِنْ قَحْطانَ يَسُوقُ النَّاسَ بعَصَاهُ". ورواه البخاريّ، عن عبد العزيز بن عبد اللَّه، عن سُلَيمان بن بلال، ومُسلمٌ عن قُتَيْبة، عن عبد العزيز الدَّرَاوَرْدِيّ، كلاهما عن ثَوْر بن زَيْد الدِّيلي، عن أبي الغَيْث، سالم مولى ابن مُطِيع، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ ﷺ . . . فذكر مثلَه سواءً بسواءٍ (٤). وقد يكون هذا الرجلُ هو ذا السُّوَيْقَتيْن، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ، فإن هذا من قَحْطانَ، وذاك من الحَبَشة، فاللَّه أعلم. وقال الإمامُ أحمد: حدّثنا أبو بكر الحَنَفيّ، حدّثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عُمَر بن الحَكَم الأنصاريّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يَذْهَبُ الليلُ والنهارُ حتى يملك رَجلٌ مِن المَوالي يقال له: جهجاه"، ورواه مسلم عن محمد بن بَشّار، عن أبي بكر الحنفي به (٥). فيحتمل أن يكون هذا اسم ذي السُّوَيْقَتَيْنِ الحَبَشي، واللَّه أعلم.

стр. 7863

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهِيعَةَ، حدَّثنا أبو الزبير، عن جابر: أن عمر ابن الخطاب أخبره: أنّه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "سيخْرُج أهل مَكَّة ثم لا يُعْبَرُ بها، أو لا يَعْبُر بها إلَّا قليل، ثم تمتَلئ وتُبْنَى، ثم يَخْرجُون منها، فلا يعودون فيها أبدًا". ورواه البزار (١). فصل وأما المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فقد ثبت في الصحيح كما تقدّم: أن الدجَّال لا يدخلها ولا مكة، وأنه يكون على أنقاب المدينة ملائكة يحرسونها منه. وفي "صحيح البخاريّ" من حديث مالك، عن نُعَيْمٍ المُجْمِرِ، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَا يدخُلُها المسيحُ الدجّال، ولا الطاعون" (٢). وقد تقدّم أنه يُخَيِّم بظاهِرها، وأنها تَرْجُفُ بأهلها ثَلاثَ رَجَفَاتٍ، فيخرج إليه كلُّ منافق ومنافقَةٍ، وفاسق وفاسِقَةٍ، ويثبتُ فِيهَا كل مؤمن ومؤمنةٍ، ومسلم ومسلمة، ويُسَمَّى يومُئذٍ يومَ الخَلاصِ، وأكثُر مَنْ يَخْرج إليه النِّساءُ، وهي كما قال رسول اللَّه ﷺ : "إنها طَيْبَةُ، تَنْفي خَبَثَها وَيَنْصَعُ طِيبُها". وقال اللَّه تعالى ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] والمقصود أن المدينةَ تكون عامرةً أيام الدجَّال، ثم تكون كذلك في زمان المسيح عيسى ابن مَرْيم رسول للَّه ﵊، حتى تكون وفاتُه بها، ودفْنُه بها، ثم تَخْرَبُ بعد ذلك، كما قال الإمامُ أحمد: حدّثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لَهِيعَة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أخبرني عمر بن الخطاب ﵁، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لَيسِيرَنَّ الرَّاكِبُ في جَنَباتِ المَدِينَةِ، ثم لَيَقُول: لَقَدْ كَانَ في هذَا حاضرٌ مِنَ المُؤمنينَ كَثيرٌ". قال الإمام أحمد: ولم يَجُزْ به حسن الأشيب جابرًا، انفرد به أحمد (٣). خروج الدابة من الأرض تُكلِّم الناس قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢]، وقد تكلّمنا على ما يتعلّق بهذه الآية الكريمة، في كتابنا "التفسير"، وأوردنا هنالك من الأحاديث المتعلّقة بذلك ما فيه كفاية، ولو كتبت مجموعها هنا كان حسنًا كافيًا.

стр. 7864

قال ابن عباس، والحسن، وقتادةُ: تُكلِّمُهُمْ، أي تخاطِبهُمْ مُخَاطَبةً، ورجّح ابنُ جرير: تخاطبهم فتَقُولُ لَهُمْ: ﴿إن (١) النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]. وحكاه عن عليّ، وعطاءٍ، وفي هذا نظر. وعن ابن عبَّاس: تَكلِمُهم: تجرحهم، يعني تكتبُ على جبين الكافر: (كافر) وعلى جبين المؤمن: (مؤمن) وعنه: تخاطبهم وتجرحهم. وهذا القول ينتظم المذهبَين، وهو قويّ حسن، جامع لهما، واللَّه أعلم. وقد تقدّم الحديثُ الذي رواه أحمد، ومسلم، وأهل السنن، عن أبي سَريحة، حُذَيْفَةَ بن أَسِيد، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقومُ الساعةُ حتَّى تَرَوا عَشْر آيات: طُلوعُ الشَّمْس مِنْ مَغْرِبها، والدُّخَان، والدَّابّة، وخروج يأْجَوجَ ومأْجُوجَ، وخروج الدجّال، وخروج عيسى ابن مريم، وثلاثة خُسُوفٍ خَسْفٌ بالمغرب، وخسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بجزيرة العرب، ونارٌ تَخْرُج من قَعْرِ عَدَن، تَسُوقُ النَّاسَ أو تَحْشُر الناس، تَبيتُ مَعَهُم حَيْث باتوا، وتَقِيلُ مَعهُمْ حيْثُ قالُوا" (٢). ولمسلم من حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "بادِروا بالأعمال ستًّا: طُلوعَ الشَّمْسِ من مَغَرِبها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابّة، أو خاصّة أحدكم، أو أمر العامة" (٣). وله أيضًا من حديث قتادةَ، عن الحسن، عن زياد بن رِياح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "بادروا بالأعمال سِتًا: الدجَّال، والدُّخَان، ودابَّة الأرض، وطلوعَ الشَمس من مغربها، وأمر العامة، وخُوَيْصَّة أحدكم" (٤). وروى ابنُ ماجه، عن حرملة، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، وابن لَهيعَة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سَعْد، عن أنس: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "بادروا بالأعمال سِتًّا: طُلُوعَ الشّمْسِ مِنْ مَغْربها، والدُّخَان، ودابّة الأرض، والدجّال، وخُوَيْضَة أحدكم، وأمْرَ العامّة" (٥). تفرّد به ابن ماجه من هذا الوجه.

стр. 7865

وقال أبو داود الطّيالِسيّ، عن طلحة بن عمرو، وجرير بن حازم، فأما طلحة، فقال: أخبرني عبد اللَّه بن عُبَيْد بن عُمَيْر أن أبا الطُّفَيْلِ حدّثَهُ عن حُذَيْفَةَ بن أسِيد الغِفَارِيّ، أبي سريحة، وأما جرير، فقال: عن عبد اللَّه بن عُبَيْد، عن رجل من آل عبد اللَّه بن مسعود، وحَدِيثُ طَلْحة أتَمُّ وأَحسَنُ. قال: ذكر رسولُ اللَّه ﷺ الدابَّة، فقال: "لها ثَلاثُ خَرَجَاتٍ في الدَّهْرِ، فتَخْرُج خَرْجَةً مَنْ أقْصى البَادية، ولا يَدْخُلُ ذِكرُهَا القَرْيةَ" يعني مَكَّة "ثم تَكْمُنُ زَمانًا طَوِيلًا، ثم تَخْرُج خرجةً أخْرى دون تِلْكَ، فَيعْلو ذِكْرُها في أهل البادية، وَيدْخُلُ ذِكرها القَريَةَ" يعني مَكَّة، قال رسول اللَّه ﷺ : "ثم بينما الناسُ في أعظم المساجد على اللَّه حُرْمةً، وأكرمِها: المسجد الحرام، لم يَرُعْهُمْ إلَّا وَهي ترغو بين الرُّكن والمَقَامِ، تَنْفُضُ عَنْ رَأْسِها التُّرَابَ، فارْفَضَّ الناسُ عَنْهَا شَتّى، ومعًا، وثَبَتَتْ عِصابَةٌ من المُؤْمِنينَ، وعرفوا أنّهم لَنْ يُعْجِزُوا اللَّهَ، فبدأت بِهِمْ، فجلت وجوهَهُمْ حتى جَعَلتها كالكوكب الدُّرِّيِّ، وولَّت في الأرض، لا يُدركها طالب، ولا يَنجُو منها هارب، حتّى إنّ الرجل ليتَعَوَّذُ مِنْها في الصلاة فَتأتِيهِ من خَلْفِهِ، فتقول: يا فُلانُ: آلآن تُصَلِّي؟! فيُقْبِلُ عَلَيْها، فَتسِمُه في وَجْهِهِ، ثم تَنْطَلِقُ، وَيَشْتَرِكُ الناسُ في الأموال، وَيَصْطَحِبُونَ في الأمصار، يُعْرَفُ المُؤْمنُ من الكافر، حتى إنّ المُؤْمِنَ ليَقُولُ: يا كافر، اقْضِنِي حَقّي، وحَتى إنَّ الكافر لَيَقُولُ: يا مؤمن، اقضِنِي حَقّي". هكذا رواه مرفوعًا من هذا الوجه بهذا السياق، وفيه غرابة. ورواه ابن جرير من طريقين، عن حُذَيفةَ بن أسِيد، موقوفًا، ورواه أيضًا عن حُذْيفَةَ بن اليمان مَرْفُوعًا، وفيه أنّ ذلك في زمان عيسى ابن مريم، وهو يطوف بالبَيْت، ولكن في إسناده نظر، فاللَّه أعلم (١). وقال ابن ماجه: حدَّثنا أبو غَسّان محمَّد بن عمرو، حدّثنا أبو تُمَيْلَة، حدّثنا خالد بن عُبَيد، حدثنا عبد اللَّه بن بُرَيْدَةَ، عن أبيه قال: ذهب بي رسولُ اللَّه ﷺ إلى موضع بالبادية قريبٍ من مكة، فإذا أرضٌ يابِسَةٌ حولَها رَمْلٌ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "تخرُج الدابة من هذا الموضع، فإذا فِتْرٌ في شِبْرٍ" قال ابن بُرَيْدَة: فحَجَجْتُ بعد ذلك بِسِنِينَ، فأرانا عصًا له، فإذا هو بعَصَاي هذا كذا وكذا، يعني أنه كلما له يتسع حتى يكون وقت خروجها، واللَّه أعلم (٢). وقال عبد الرزاق: عن مَعْمَر، عن قَتَادة، أنّ ابن عباس قال: هي دابّةٌ ذاتُ زَغَبٍ، لها أرْبَعُ قَوائمَ، ثم تخرجُ من بعض أوْدِيَة تِهَامَة. ورواه سعيد بن منصور، عن عثمان بن مَطَر، عن قتادة، عن ابن عباس بنحوه، وقال ابنُ أبي حاتم: حدثني أبي، حدثنا عبد اللَّه بن رجاء، حدثنا فُضَيْلُ بن

стр. 7866

مَرْزُوق، عن عَطِية، قال: قال عبد اللَّه: تخرجُ الدابّة من صَدْعٍ من الصَّفَا، كجَرْي الفرس، ثلاثةَ أيام، لا يَخْرجُ ثُلُثُها. وعن عبد اللَّه بن عمرَو أنّه قال: تخرجُ الدابّة من تحت صَخْرةٍ بِشِعب أجياد، فتستقبل المَشْرقَ، فتصرخُ صَرْخةً تُنْفِذه، ثم تستقبل الشام فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تستقبل اليمن فتصرُخ صرخَةً تُنْفِذُه، ثم تروح من مكةَ فتُصْبحُ بعُسْفَانَ، قيل له: ثمّ ماذا؟ قال: ثم لا أعلم. وعنه أنّه قال: تخرُج الدابّة ليلة جمع (١). وعن وهب بن منبه أنه حكى عن عُزَيرٍ النبيِّ أنه قال: تخرج الدابة من تحت سَدُومَ، يعني مدينةَ قوم لوط. فهذه أقوال متعارضة، فاللَّه أعلم. وعن أبي الطفَيْلِ أنّه قال: تخرُج الدابّة من الصَّفَا، أو المَرْوَةِ. رواه البَيْهَقِيّ، ثم ساق من حديث يحيى بن مَعِين: حدَّثنا هِشَامُ بنُ يوسف، حدثنا رَبَاحُ بن عُبَيْد اللَّه بن عُمر، عن سُهَيْل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بِئْس الشِّعْبُ شِعْبُ جِيَادٍ" مرّتين، أو ثلاثة، قالوا: ولم ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: "تخرجُ منه الدابّة، فتصرخُ ثلاثَ صَرَخاتٍ، فَيسْمَعُها مَنْ بَيْنَ الخَافِقينِ". ثم روى من حديث فَرْقَدِ بن الحجَّاج: سمعتُ عُقْبَةَ بن أبي الحسناء، سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "تخرُج دابَّةُ الأرض من جِيَادٍ، فيَبْلُغُ صَدْرها الرُّكْنَ، ولمْ يخرُج ذَنَبُها بَعْدُ". قال: "وهي دَابَّةٌ ذات وبَرٍ وقَوائِمَ". وقد روى الأمامُ أحمد، عن يزيد بن هارون، وبَهْزِ بن أَسَدٍ، وعَفّانَ بن مُسْلِم، عن حمّاد بن سَلَمةَ، عن عليّ بن زيد بن جُدْعانَ، عن أوْسِ بن خَالِدٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تخرجُ دابَّة الأرض ومعها عصا موسى، وخاتمُ سُلَيْمان، فَتخْطِمُ أنْفَ الكافِر بالخاتَم، وتجلو وجهَ المؤمن بالعصا، حتى إن أهل الخِوَان الواحد ليجتمعون، فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر". ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شَيْبةَ، عن يونس بن محمد المُؤَدّب، عن حمّاد بن سَلَمةَ، به. ورواه أبو داود الطيالسِيُّ عن حمّاد بن سَلَمة، فذكره مِثْلَه، إلّا أنه قال: "فتَخْطِمُ أنْف الكافر بالعصا، وتجلو وجه المؤمن بالخَاتَم" وهذا أنسَبُ، واللَّه أعلم (٢).

стр. 7867

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، كاتبُ الليث، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي مَرْيَم: أنّه سمع أبا هريرة يقول: إن الدابة فيها من كُل لَوْنٍ، ما بين قرْنيها فرسخ للراكب. وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، أنه قال: إنها دَابَّةٌ لهَا رِيشٌ وزَغَبٌ، وحافر، وما لَهَا ذَنبٌ، ولَها لِحْيَةٌ، وإنها لتَخرُجُ حُضْرَ (١) الفَرسِ الجَوادِ ثلاثًا، وما خرج ثُلُثاها. رواه ابن أبي حَاتِم. وقال ابن جُرَيْج، عن أبي الزُّبَيْر: إنه وصف الدابّة، فقالَ: رأْسُها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعينها عينُ خِنْزِيرٍ، وأذُنُها أُذنُ فِيلٍ، وَقْرْنُها قَرْنُ أَيِّل، وعُنقُها عُنُق نَعامَةٍ، وصدرها صَدْرُ أسَدِ، ولونُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خَاصِرَة هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقوائمُها قَوائمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كلِّ مَفْصِلَين اثنا عشر ذِرَاعًا، يَخْرُجِ مَعَها عَصا موسى، وخاتَمُ سُلَيْمان، ولا يبقى مؤمن إلّا نَكتَت في وجهه بعصا موسى نُكْتةً بَيْضاءَ، فتفْشُو تِلكَ النُّكْتَةُ حتى يبيَضّ لها وَجْهُهُ، ولا يبْقَى كافرٌ إلّا نَكتَتْ في وجهه نُكْتَةً سَوْداءَ بخاتم سُلَيمان، فَتفْشُو تلك النُّكْتَةُ، حتى يَسْوَدّ لها وَجْهُه، حتّى إن الناس يَتَبايَعُونَ في الأسواق بكم ذا يا مؤمن؟ بكم ذا يا كافر؟ حتى إن أهل البيت ليَجْلِسُونَ على مَائِدَتِهم، فيَعْرِفُونَ مُؤْمِنَهُمْ مِنْ كافرِهِم، ثم تقول لهم الدابّة: يا فلان، أبْشِر، أنت من أهل الجنة، ويا فُلانُ، أَنْت من أَهْل النَّار، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل]. وقد ذكرنا فيما تقدّم عن ابن مسعود أنّ الدابّة تَقْتُلُ إبليس الرَّجِيمَ، وذلك فيما رواه نُعَيْمُ بنُ حمّاد في كتاب "الفِتَن والمَلاحم"، تصنيفِه، واللَّه أعلم (٢). وقال مسلم: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَة، حدَّثنا محمَّد بن بِشْر، عن أبي حَيّان، عن أبي زُرْعَة، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: حَفِظْتُ مِنْ رسول اللَّه ﷺ حديثًا لم أَنْسَهُ بعدُ: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن أوَّلَ الآيات خروجًا، طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِها، وخروجُ الدابّة على الناس ضُحًى، فأيتُهما ما كانت قبلَ صاحبتها، فالأُخرى على إثْرِهَا قريبًا" (٣). أي أول الآيات التي ليست مألوفةً، وإن كان الدجّالُ، ونزولُ عيسى ﵊ من السماء، قبلَ ذلك، وكذلك خروجُ يأجوجَ ومأجوجَ، فكلّ ذلك أمور مألوفة، لأنّهم بَشَرٌ، مشَاهَدَتُهُم وأمثالهم مَعْروفَةٌ مَأْلُوفةٌ، فأما خروج الدابّة على شكل غيرِ مألوف، ومخاطبتُها النَّاسَ، ووَسْمُها إيَّاهمْ

стр. 7868

بالإيمان والكفر، فأمر خارج عن مَجاري العاداتِ، وذلك أوّل الآيات الأَرضِيَّةِ، كما أن طلُوعَ الشمس من مَغْرِبها على خِلاف عَادتها المالوفة، أَوَّلُ الآياتِ السَّماوِيَّة، فإنها تطلع على خلاف عادتها المألوفة واللَّه سبحانه أعلم. حديث عن أبي أُمَامةَ قال الإمام أحمدُ: ثنا حُجَيْنُ بن المثنَّى، ثنا عبد العزيز -يعني ابن أبي سلمة- الماجشونُ، عن عمرَ بن عبد الرحمن بن عطية بن دِلافٍ (١) المزنيِّ، لا أعلمُ إلَّا أنَّه حدَّثه عن أبي أمامة يرفعُه إلى النبيِّ ﷺ قال: "تَخْرُجُ الدَّابَّةُ فَتَسِمُ النَّاسَ على خَرَاطِيمِهم، ثم يُغْمَرُون فيكم (٢) حتَّى يَشْتَريَ الرَّجُلُ البَعيرَ فيقال -فيسأل (٣) -: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَه؟ فيقول: مِن أحد المُخَطَّمِينَ" وقال يونسُ يعني ابن محمدٍ: "ثم يُغَمَّرُون فيكم" ولم يَشُكَّ. قال: في رفعه. تفرَّد به أحمد (٤). ذكر طلوع الشمس من مغربها قال اللَّه تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ [الأنعام]. قال الإمامُ أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا ابنُ أبي لَيْلى، عَنْ عطِيّة العَوْفيّ، عن أبي سعيد الخُدْريّ، عن النبي ﷺ : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ قال: "طلوعُ الشَمس مِنْ مَغْرِبها". ورواه الترمذيّ، عن سفيانَ بن وكيع، عن أبيه به، وقال: [حسن] (٥) غريب، وقد رواه بعضهم فلم يَرْفَعْه (٦). وقال البخاريّ عند تفسير هذه الآية: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدّثنا عبدُ الواحد، حدثنا عُمَارَةُ، حدثنا أبو زُرْعةَ، حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مغْرِبها، فإذا رآها الناسُ آمَنَ مَنْ عَليْها، فذاكَ حِينَ لا ينفعُ نَفْسًا إيمانُها لم تكن آمَنتْ مِن قَبْلُ". وقد أخرجه بَقِيّةُ الجَماعةِ، إلّا الترمذيّ، من طرق، عن عُمارَة بن القَعْقَاع بن

стр. 7869

شُبْرُمةَ، عن أبي زُرْعةَ بن عمرو بن جَرير، عن أبي هريرة مرفوعًا مثلَه (١). ثم قال البخاريِّ: حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الرزّاق، حدثنا معمر، عن هَمَّام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ حتّى تطلُع الشمسُ من مغربها، فإذا طلعت، ورآها الناسُ آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفعُ نَفْسًا إيمانُها" ثم قرأ هذه الآية. وكذا رواه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزّاق بن هَمَّامٍ الصنعانيّ، به. وانفرد مسلم بإخراجه من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة (٢). وقال أحمد: حدّثنا وكيعٌ، عن فُضَيْلِ بن غَزْوانَ، عن أبي حازم، سَلْمان، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاثٌ إذا خَرجْنَ لَا ينْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لم تَكُنْ آمنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إيمانها خَيْرًا: طلوعُ الشمس من مغربها، والدُّخَانُ، ودابّةُ الأرْضِ". ورواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شَيبَةَ، وزُهَيْر بنُ حَرْب، عن وكيع به، ورواه مسلم أيضًا، والترمذيّ، وابن جرير من غير وجه، عن فُضَيْل بن غَزْوانَ، به، نحوَه (٣). وقد ورد هذا الحديث من طرق عن أبي هريرة، وعن جماعة من الصحابة أيضًا، فعن أبي سرِيحةَ حُذَيْفةَ بن أَسِيد، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقومُ الساعةُ حتى تَرَوْا عَشْر آياتٍ: طُلوعَ الشمس من مغربها. . . " وذكر الحديث. رواه أحمد، ومسلم، وأهل السُّنَنِ، كما تقدّم غيرَ مَرّةٍ (٤). ولمسلم من حديث العَلاءِ، عن أبيه، عن أبي هريرة، ومن حديث قتادةَ، عن الحسن، عن زياد بن رَبَاح، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ : "بادِرُوا بالأعمال سِتًا. . . " فذكر مِنهُنّ طُلوع الشمس من مغربها. كما تقدّم (٥). وثبت في "الصحيحين" من حديث إبراهيم بن يزيد بن شَرِيك، عن أبيه، عن أبي ذَرّ قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "أتدري أَين تَذْهَبُ هذه الشمسُ إذا غَرَبَتْ؟ قلت: لا أدري، قال: إنّها تَنْتَهِي، فتَسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ، ثم تَسْتأذِنُ فيُوشِكُ أنْ يقَال لَهَا: ارْجِعِي من حَيْثُ جِئْتِ،

стр. 7870

وذلك حين لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لم تَكُنْ آمنَتْ مِنْ قَبلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خيرًا" (١). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أبو حيّان، عن أبي زُرْعَة بن عمرو بن جرير، قال: جلس ثلاثةُ نَفرٍ من المسلمين إلى مَرْوانَ بالمدينة، فسمعوه يقول وهو يُحدّث في الآيات: إن أوَّلها خروجُ الدجال، قال: فانصرف النَّفَرُ إلى عبد اللَّه بن عمرو، فحدّثوه بالذي سمعوه مِنْ مرْوانَ في الآيات، فقال عبد اللَّه: لم يَقُلْ مَرْوانُ شَيْئًا، قد حَفِظْتُ مِنْ رسول اللَّه ﷺ في مثل ذلكَ حديثًا لم أنسه بعدُ: سَمعتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنّ أوَّل الآياتِ طلوعُ الشمس من مغربها، وخروجُ الدابة ضُحًى، فأيَّتهُما ما كانت قبلَ صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبًا، ثم قال عبد اللَّه، وكان يقرأ الكتب: وأظن أُولاهمَا خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وذلك أنها كلما غَرَبَتْ أَتَتْ تَحْتَ العَرْشِ، فسجَدَتْ، واسْتَأْذَنَت في الرُّجوع، فَأُذِن لهَا في الرجوع، حتّى إذا بَدا للَّه أنْ تَطْلُعَ مِنْ مَغْرِبهَا فَعَلَتْ كما كانت تفْعَلُ، أتَتْ تَحْتَ العرْشِ، فسَجَدَت، فاسْتَأَذَنَتْ في الرُّجُوعِ، فلم يُرَدّ عليها شيء، ثم تستأذن في الرجوع فلا يُرَدّ عليها شيء، ثم تستأذن في الرجوع فلا يردّ عليها شيء، حتى إذا ذهب من الليل ما شاء اللَّه أن يذهب، وعرفَتْ أنّه إن أُذن لها في الرجوع لم تُدْرِكِ المَشْرِقَ، قالت: ربِّ، ما أبْعَدَ المَشْرِقَ، من لي بالناس؟ حتى إذَا صار الأُفق كأنه طَوْقٌ، استأذنَتْ في الرُّجوع، فيقال لها: ارجعي من مكانك فاطلُعي، فطلعت على الناس من مغربها، ثم تلا عبد اللَّه هذه الآية ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. وقد رواه مسلم في "صحيحه"، وأبو داود، وابن ماجه، من حديث أبي حَيّان يحيى بن سعيد ابن حَيّان، عن أبي زُرعة، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: حَفِظتُ من رسول اللَّه ﷺ حديثًا لم أَنْسَهُ بَعْدُ:. . . وذكره كما تقدم (٢). وقد ذكرنا أن المراد بالآيات هاهنا، التي ليست مألوفةً، بل هي مُخَالفَةْ للعادَة، فخروج الدابة مخالف للعادة، لأنها تميز المؤمن من الكافر، وتُكلّمُ الناس، وهذا باهر مخالف للعادة، وطلوعُ الشمس من مغربها أمر باهر جدًّا، فالدابة أول الآيات الأرضِية، وطلوع الشمس من مغربها أول الآيات السماوية، وقد ظَنّ عبدُ اللَّه بن عمرو أنّ طلوع الشمس من مغربها مُتَقدِّمٌ على خروج الدابّة، وذلك مُحتمِل ومُناسب، فاللَّه أعلم. وقد ورد في ذلك حديث غريب، رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في "مُعْجَمه"، فقاله: حدّثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرّقيّ، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم [بن] زبريق الحمصي، حدَّثنا

стр. 7871

عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا ابنُ لَهِيعَةً، عن حُيَيِّ بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحُبُليّ، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا طلعت الشمسُ من مَغْربها خَرّ إبليسُ ساجِدًا يُنادي وَيجْهَرُ: إلهي مُرني أنْ أسْجُد لِمَنْ شِئْت" قال: "فتَجْتمِعُ إلَيْه زَبانيتهُ، فيقولون: يا سَيِّدَهُمْ، ما هذا التَضرُّع؟ فيقول: إنما سألتُ رَبي أَنْ يُنظِرني إلى الوَقْتِ المعلوم" قال: "ثم تخرُج دَابَّة الأرض مِنْ صَدْع في الصَّفَا" قال: "فأول خُطْوَةٍ تَضَعُها بأنطَاكِيةَ، فتأتى إبْليسَ فَتْلطِمُه". وهذا حديث غريب جدًّا، وَرفْعُه فيه نَكارة، ولَعَله من الزاملتَين اللتين أصابهما عبدُ اللَّه بن عمرو يوم اليَرْمُوك من كُتُب أهل الكتاب، فكان يُحَدِّث منهما أشياءَ غَرائِبَ (١). وقد تقدّم في خبر ابن مسعود الذي رواه نُعَيْمُ بنُ حماد في "الفتن": أنّ الدابّة تَقْتُل إبليسَ، وهذا من أغرب الأخبار (٢) واللَّه أعلم. وفي حديث طالوت بن عَبَّاد، عن فَضَّال بن جُبَير، عن أبي أُمامَةَ، صدي بن عَجْلَان، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أول الآيات طلوعُ الشمس من مَغْرِبها" (٣). وقال الحافظ أبو بكر بن مَرْدَوَيه في "تفسيره": حَدّثنا محمّد بن عليّ بنِ دُحَيم، حدَّثنا أحمدُ بن حازم بنِ أبي غرَزة، حدثنا ضِرَارُ بنُ صُرد، حدثنا ابن فُضَيْل، عن سُلَيمان بن يزيد، عن عبد اللَّه بن أبي أَوفَى، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "ليأتيَنّ على الناس ليْلَةٌ تَعْدل ثلاث لَيال من لَيالِيكم هذه، فإذا كان ذَلِكَ يَعْرِفُهَا المُتَنَفِّلُون، يَقُومُ أحدهم، فيقرأ حِزْبهُ، ثم ينام، ثم يقوم، فيقرأ حزبه، ثم ينام، فبينما هُمْ كذلك، صاحَ الناسُ بعضُهم في بَعْض، فقالوا: ما هذا؟ فيفزعون إلى المساجد، فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها، حتى إذا صارت في وسط السماء، رجَعَتْ، فطلعت من مَطْلعِها" قال: "فحينئذ لا ينفع نَفْسًا إيمانُها" (٤). ثم ساق ابنُ مَرْدَوَيْه من طريق سُفْيَان الثوريّ، عن منصور، عن رِبْعيّ، عن حُذَيفَةَ، قال: سألتُ رسول اللَّه ﷺ : ما آيةُ طلوع الشمس من مغربها؟ فقال: "تَطُولُ تلك الليلةُ حَتّى تكونَ قَدْرَ لَيلَتَين، فينْتَبِهُ الذينَ كانوا يُصلُّون فيها فيعملون كما كانوا يعملون قبلها، والنجومُ لا تُرَى، قد باتَتْ مَكَانها، ثمَ يرْقُدونَ، ثم يقومون، فيصلون، ثم يرْقدون، ثم يقومون، فَتَكِلُّ عليهم جنوبهم حين يَتَطَاول اللَّيْل، فَيفْزَعُ الناسُ ولا يُصْبِحون، فبينما هم ينتظرون طلوع الشمس من مَشْرِقها، إذ طلعت من مَغْربها، فإذا رآها الناسُ آمنوا، ولا يَنْفَعُهم إيمانُهم".

стр. 7872

وقال الحافظ أبو بكر البَيْهَقِيّ في "البعث والنشور": أنا أبو الحسن محمد بن الحُسَيْن بن داود العلوي، أخبرنا أبو نصر محمد بن حمدويه بن سهل المروزي، حدثنا عبد اللَّه بن محمد الآمُلِيُّ، حدَّثنا محمد بن عمران، حدّثني أبي، حدّثني ابنُ أبي ليلى، عن إسماعيل بن رجاء، عن سعد بن إياس، عن عبد اللَّه بن مسعود: أنّه قال ذات يوم لجلسائه: أرأيْتم قول اللَّه تعالى: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] ماذا يَعني بها؟ قالوا: اللَّه ورسولُه أعلم، قال: إنها إذا غَرَبت سَجَدتْ له، وَسبَّحتْه، وعظمته، ثم كانت تحت العرش، فإذا حضر طلوعها سجدت له، وسبَّحته، وعظَّمته، ثم استأذنته، فيؤذن لها، فإذا كان اليوم الذي تحبس فيه سجدت له وسبَّحته وعظَّمته ثم استأذنته، فيقال لها: اثْبُتي، فإذا حضر طلوعها سجدت له، وسبَّحته وعظَّمته، ثم استأذنته فيقال لها: اثبتي فَتُحْبَس مقدار ليلَتَيْنِ. قال: ويَفْزَعُ المتهجِّدون، وينادي الرجلُ تلك الليلةَ جَارَه: يا فلان، ما شَأْنُنَا الليلةَ؟ لقَدْ نِمتُ حَتَّى شَبِعْتُ وصَلَّيْتُ حَتى أعيَيْتُ، ثم يقال لها: اطلُعي من حيث غَرَبْتِ، فذلك يوم ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] (١). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا الحَكَم بنُ نافع، حدَّثنا إسماعيل بن عيَّاش، عن ضمضم بن زرعة، عن شُريْح بن عُبَيْد، يَرُدُّه إلى مالك بن يُخَامِر، عن ابن السعديّ: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تنقطع الهِجْرَةُ ما دام العدُو يقاتل"، فقال معاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن الهجرة خَصْلَتان: إحداهما أنْ تَهْجُرَ السّيئات، والأخرى أن تُهاجر إلى اللَّه ورسوله، ولا تنْقَطعُ [الهجرة] ما تُقُبِّلَتِ التَّوْبةُ، ولا تزال التوبةُ مَقْبُولة حتى تَطلُع الشمسُ من المَغْرِبِ، فإذا طلعت طُبعَ على كل قلب بمَا فيه، وكُفِيَ الناسُ العَمَلَ" وهذا إسناد جَيد قويّ، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب (٢). وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجه، من طريق عاصم بن أبي النجودِ، عن زِرّ بن حُبَيْشٍ، عن صَفوانَ بن عَسَّال: سَمِعْتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن اللَّه فتح بابًا قِبَل المَغْرب عرْضه سَبْعونَ" -أو قال: "أرْبعون- عامًا للتوبة، لا يُغَلقُ حَتى تَطلُع الشمسُ منه" (٣). فهذه الأحاديثُ المتواترة، مع الآية الكريمة: دليل على أنّ مَنْ أحدث إيمانًا، أو تَوْبة بعد طلُوع الشمس من مَغْربها لا تُقْبَلُ مِنْهُ، وإنما كان كذلك واللَّه أعلم، لأن ذلك من أكبر أشراط الساعة، وعلاماتِها

стр. 7873

الدالّة على اقترابها، ودُنُوِّها، فعُومل ذلك الوقتُ مُعاملَةَ يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥]. وقال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨]. وقد حكى البَيْهَقِيُّ، عن الحاكم أنّه قال: أوّل الآيات ظُهورًا خروجُ الدجّال، ثم نزول عيسى ابن مَرْيَم، ثم فتحُ يَأْجُوجَ ومأجوج، ثم خروجُ الدابّة، ثم طلوعُ الشمس من مغربها، قال: لأنها إذا طلعت من مغربها آمن مَنْ عَليْهَا، فلو كان نزول عيسى ابن مريم ﵊ بعدَها، لم يلق كافرًا. وهذا الذي قاله فيه نظر، لأنّ إيمانَ أهل الأرض يَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُهُمْ، فإنه لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمنَتْ مِنْ قَبْلُ، فمن أحدث إيمانًا، أو تَوْبةً يوْمئِذٍ، لم تُقبل منه، إلا أن يكون مؤْمِنًا، أو تائبًا قبلَ ذلك، وكذلك قوله تعالى في قصة نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا ليُؤمِنن بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] أي قَبْل مَوْتِ عيسى، وبعد نزوله يؤمِنُ جميعُ أهل الكتاب به إيمانًا ضروريًا، بمعنى أنّهم يَتَحَقّقون أنّه عبدُ اللَّه ورسوله، فالنصرانيُّ يَعلَمُ كَذِبَ نَفسِه في دَعْواه فيه الربُوبيةَ والبُنُوّة، واليهوديّ يعلم أنه نَبِيّ رسول من اللَّه، لا وَلَدُ زَنية، كما كان المُجرمون منهم يَزْعمونَ ذلك، عليهم لعائن اللَّه وغضبه المُتَدارِكُ. ذكر الدُّخَان الذي يكون قبل يوم القيامة قال اللَّه تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٠ - ١٦]. وقد تكلّمنا على تفسير هذه الآيات في سورة الدخان بما فيه كفاية ومَقْنَعٌ. وقد نَقَل البخاريّ، عن ابن مسعود، أنّه فسّر ذلك بما كان يَحْصُل لقُرَيْشٍ مِنْ شِدّةِ الجُوع، بسبب القَحْط الذي دعا عليهم به رسولُ اللَّه ﷺ ، فكان أحدُهم يَرَى فيما بينه وبين السماء دُخَانًا من شدّة الجوع. وهذا التفسير غريب جدًّا، ولم يُنْقَلْ مِثلُه عن أَحَدٍ من الصحابة غيرِه (١). وقد حاول بعضُ العلماء المُتأخّرين ردّ ذلك، ومعارضَتَه بما ثَبَت في حديث أبي سَرِيحةَ، حُذَيفةَ بن أَسِيدِ: "لا تقومُ الساعةُ حتّى تَرَوْا عَشْر آياتٍ. . . " فذكر فيهنّ الدخّان. وكذلك في حديث

стр. 7874

أبي هريرة: "بادرُوا بالأعمال سِتًا. . . " فذكر فيهن الدخان. والحديثان في "صحيح مسلم" مرفوعان (١)، والمرفوع مقدّم على كلّ موقوف، وفي ظاهر القرآن ما يدلّ على وجود دُخان من السماء يَغْشى النَّاسَ، وهذا أمر محقّق عامّ، وليس كما رُوِي عن ابن مسعود أنّه خَيال في أعين قُرَيْش من شِدّة الجوع. قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ أي ظاهر بَيِّن واضح جَلِيّ، ليس خيالًا من شِدّة الجوع، ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ أي يُنادي أهلُ ذلك الزمان رَبهم بهذا الدعاء يسألون كشْفَ هذه الشدّة عنهم، فإنّهم قد آمنوا، وأيقنُوا بما وعِدُوا به من الأمور الغَيْبِيَّة الكائِنَة بعد ذلك يوم القيامة، وهذا دليل على أن هذا أمر يكون قبل يوم القيامة، حيث يمكن رفعه، ويُمكن استدراكُ التوبة والإنابة، واللَّه أعلم. وقد روى البخاريّ، عن محمّد بن كَثِير، عن سُفيانَ الثَّوْريّ، عن الأعْمَشِ، ومنصور، عن أبي الضحَى، عن مَسرُوقٍ قال: بينما رجل يُحَدّث في كِنْدةَ قال: يجيء دخان يوم القيامة، فيأخُذُ بأسماع المُنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنَ كهَيْئةِ الزُّكَامِ، فَفزِعْنَا، فأَتينا ابن مسعود، قال: وكان مُتّكئًا، فغَضِبَ فَجَلس، فقال: يا أيُّها الناسُ، من عَلِم شَيْئًا فلْيَقُل، ومن لم يعلم فلْيَقُل: اللَّهُ أعلم، فإن مِنَ العلمِ أن يقول لما لا يعلم: اللَّهُ أعلم. قال اللَّه تعالى لنبيِّه محمّد ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] وإن قُرَيشًا أبطؤوا عن الإسلام، فدعا عليهم رسولُ اللَّه ﷺ فقال: "اللهم أعنِّي عليهم بِسْبعٍ كسَبْعِ يوسف" فأخذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتى هَلَكُوا فيها، وأكَلُوا المَيْتَةَ والعِظام، ويرَى الرجلُ ما بين السماء والأرض كَهْيئَةِ الدُّخَان، فجاءه أبو سُفْيان، فقال: يا محمد، جِئْتَ تأمرُ بصِلةِ الرَّحمِ، وقَوْمُك قد هَلَكُوا، فادعُ اللَّه، فقرأ هذه الآية ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ. . .﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾: أفَيُكْشَفُ عَنْهُم عذابُ الآخرة إذَا جاء؟! ثم عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان] فذاك يوم بدر، ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامَا (٧٧)﴾ [الفرقان] فذاك يومُ بدر، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم] والرُّوم قد مَضَى، فقد مضت الأرْبَعُ. وقد أخرجه البخاري أيضًا، ومُسلم من حديث الأعمش، ومنصور، به، نحوه، وفي روايةٍ: فقد مضى القمر، والدخان، والرُّوم، واللِّزامُ. وقد ساقه البخاري من طرق كثيرةٍ بألفاظٍ مُتعددةٍ (٢). وقول هذا القاصّ: إن هذا الدخانَ يكونُ يومَ القيامة؛ ليس بِجيد، ومن هاهنا تَسلَّط عليه

стр. 7875

ابنُ مسعود بالردّ، بل قبل يوم القيامة يكون وجودُ هذا الدخان، كما يكون وجودُ الآيات، من الدابة والدجّال، ويأجوج ومأجوج، كما دلت عليه الأحاديثُ عن أبي سَرِيحةَ وأبي هريرة، وغيرهما من الصحابة، وكما جاء مُصرَّحًا به فيها، وأما النار التي تكون قبل يوم القيامة، فقد تقدم في الصحيح أنها: "تخرُج من قَعْر عدَن، تسوف الناس إلى المَحْشر، تبيتُ معهم حيثُ باتُوا، وتَقيلُ معهم حيث قالُوا، وتأكلُ مَنْ تَخَلّف منهم" (١). ذكر الصواعق التي تكون عند اقتراب الساعة قال الإمامُ أحمد: حدثنا محمد بن مُصْعَب، حدثنا عُمَارَةُ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيد، الخُدرِي: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "تكثُر الصواعقُ عند اقتراب الساعة حتى يأتِيَ الرجلُ القومَ فيقول من صَعِق قِبَلكُم الغَدَاةَ؟ فيقولون: صُعِقَ فلان، وفلان" (٢). وقال الإمام أحمد: ثنا أبو المغيرة، ثنا أرطاةُ -يعنى ابنَ المنذر-: سمعت ضَمْرةَ بنَ حبيب، سمعت سلمة بن نُفَيْلٍ السَّكُونيَّ قال: كُنَّا جُلُوسًا عندَ رسول اللَّه ﷺ إذْ قال قائلٌ: يا رسول اللَّه، هل أُتِيتَ بطعامٍ مِن السماء؟ قال: "نَعَمْ". قال: وبماذا؟ قال: "بِسَخِينَةٍ (٣) " قال: فهل كان فيها فضلٌ عنك؟ قال: "نَعَمْ". قال: فما فُعِلَ به؟ قال: "رُفِعَ، وهو يُوحى إليَّ أنِّي مَكْفُوتٌ غيرُ لابثٍ فيكم، ولَسْتُم لابِثينَ بَعْدي إلَّا قليلًا، بلْ تَلْبَثُونَ حتَّى تَقُولُوا: متى؟ وسَتَأْتُونَ أَفْنَادًا يُفْني بَعْضُكم بعضًا، وبين يدي الساعةِ مُوتانٌ شَدِيدٌ، وبَعْدَه سَنَواتُ الزَّلَازِلِ" (٤). ذكر وقوع المطر الشديد قبل يوم القيامة قال الحافظ أبو بكر البزّار في "مُسنده": حدثنا إسحاقُ، حدثنا خالدٌ، عن سُهَيْل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ حتى تُمْطِرَ السماءُ مَطَرًا لا تُكِنُّ منه بُيُوتُ المَدَر، ولا تُكِنُّ منه إلَّا بُيوت الشعر" (٥).

стр. 7876

وقال الإمام أحمد: حدثنا مُؤَمَّل، حدثنا حَمَّادٌ، حدثنا عليّ بن زَيْد، عن خالد بن الحُوْيَرث، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الآياتُ، خرَزَاتٌ مَنْظُوماتٌ في سِلْكٍ، فإن يُقطعِ السلكُ يَتْبَعْ بَعْضُها بَعْضًا". انفرد به أحمد (١). باب ذكر أمور لا تقوم الساعة حتى تكون منها ما قد وقع ومنها ما لم يقع بعدُ قد تقدّم من ذلك شيء كثير، ولنذكر أشياء أُخَرَ من ذلك، وإيراد شيء من أشراط الساعة، وما يدل على اقترابها، وباللَّه المستعان. تقدّم ما رواه البخاريّ عن أبي اليمان، عن شُعَيْب، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "لا تقومُ الساعةُ حَتّى يَتَطاولَ الناسُ في البُنْيانِ، ولا تقومُ الساعةُ حتى تقتتِلَ فِئَتانِ عَظِيمتَانِ يكون بينهما مَقْتَلةٌ عظيمةٌ، دعواهما واحدة، ولا تقوم الساعة حتى يُقْبَضَ العِلْمُ، وَتكْثر الزلازلُ، وَيتَقارَبَ الزَّمَانُ، وتكثُرَ الفِتَنُ، ويكثُرَ الهَرْج، ولا تقوم الساعةُ حتى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كذّابُون قَرِيبٌ مِن ثَلاثِين، كلُّهمْ يزْعُم أنّه رسول اللَّه، ولا تقوم الساعة حتى يَمرّ الرجُلُ بقَبْرِ الرَّجُلِ فيقول: ليتني مكَانكَ، ولا تقوم الساعةُ حتّى تطلُع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناسُ آمنوا أجمعون، وذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] ولا تقوم الساعة حتى يكثُر فيكم المالُ، حتَّى يُهِمّ رَبَّ المالِ مَنْ يقْبَلُه منه". ورواه مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة (٢). وتقدّم الحديث عن أبي هريرة، وبُرَيْدةَ، وأبي بَكْرَةَ، ﵃، وغيرهم: "لا تقومِ الساعةُ حَتّى تُقاتلُوا التُّرْكَ عِراضَ الوجُوه، ذُلْفَ الأنُوف، كأن وجُوهَهُمُ المَجانُ المُطْرَقَةُ يَنْتَعِلُون الشّعَرَ. . . " الحديث (٣) وهم بنو قَنْطُوراء، وهي جارية الخليل ﵊. وفي "الصحيحين" من حديث شُعْبة، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ من أشراط الساعة، أن يَقِلّ العِلْمُ، ويظْهَرَ الجَهْلُ والزِّنى، وتُشرَبَ الخَمْرُ، وتقِلَّ الرِّجالُ،

стр. 7877

ويكْثُرَ النِّساءُ، حَتى يكونَ لخَمسِين امرأةً القَيِّمُ الوَاحِدُ" (١). وروى سفيان الثوري، عن سُهَيْل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "لا تذهبُ الأيَّامُ والليالي حتى تعودَ أرضُ العَربِ مُرُوجًا وأنهارًا، أو حتى يحسِر الفُراتُ عَنْ جَبَل مِنْ ذَهَبٍ، فيَقْتَتلُونَ عَلَيهِ، فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مئةٍ تِسعَةٌ وتِسْعون، وَيَنجُو واحد". وأخرجه مسلم من وجه آخر عن سُهْيَل (٢). ورَوى البخاريّ، عن أبي اليمان، عن شُعَيْب، وأخرج مسلم من حديث مَعْمَر، كلاهما عن الزُّهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقوم الساعةُ حتى تضطرب أَلَيَاتُ نِساءِ دَوْسٍ حول ذِي الخَلَصَة طاغِيةِ دَوْس التي كانوا يَعْبُدونَ في الجاهلية" (٣). وفي "صحيح مسلم"، من حديث الأسود بن العَلاء، عن أبي سَلَمة، عن عائشة، قالت: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يذهب الليل والنهار، حتَّى تُعْبَد اللاتُ، والعُزَّى" فقلت: يا رسول اللَّه، إن كنتُ لأَظُنُّ حِين أنزل اللَّه ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة] أن ذَلك تامًّا، فقال: "إنّه سيكون من ذلك ما شاء اللَّه، ثم يَبْعَثُ اللَّه رِيحًا طيبة، فتَوفى كل مَنْ كانَ في قلبه مثْقالُ حبة خردلٍ من إيمان، فيَبقَى مَنْ لَا خَيْرَ فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم" (٤). وفي "جزء الأنصاري"، عن حُمَيْد، عن أنس: أن عبد اللَّه بن سَلَام سأل رسول اللَّه ﷺ : ما أوّلُ أشراطِ الساعة؟ قال: "نارٌ تَحْشُر النَّاسَ من المشرق إلى المَغْرِب. . . " الحديث بتمامه، ورواه البخاريّ من حديث حُمَيْد، عن أنس (٥). وفي حديث أبي زُرْعة، عن أبي هريرة: أنّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يومًا بارزًا للناس، إذ أتاه أعرابيّ، فسأله عن الإيمان. . . الحديث. إلى أن قال: يا رسول اللَّه، فمتى الساعة؟ فقال: "ما المَسْؤولُ عَنْها بأعْلَمَ من السائل، ولكن سأحدّثك عن أَشْرَاطها: إذا وَلَدتِ الأَمَةُ رَبَّتَها فذاك من أشراطها، واذا كان الحفاةُ العراة رؤوسَ الناس فذاك من أشراطها، في خمس لا يَعْلمُهن إلا اللَّه" ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان] ثم انصرف الرحلُ، فقال: "رُدُّوه عَليّ"

стр. 7878

فلم يَرَوا شيئًا، فقال: "هذا جبريلُ جاء ليُعَلِّم النَّاسَ دِينَهم" أخرجاه في "الصحيحين" (١). وعند مسلم عن عمر بن الخطاب نحو هذا بأبسط منه (٢) فقوله ﵇: "أن تلد الأمة رَبَّتها" يعني به أن الإماء يكنَ في آخر الزمان هن المشَارُ إليهن بالحِشْمةِ، تكون الأمة تحت الرجل الكبير دون غيرها مِنَ الحرائر، ولذلك قَرَن ذلك بقوله: "وأَنْ ترى الحُفَاةَ العُراةَ العَالة يتطاولون في البُنْيانِ" يعني بذلك أنّهم يكونون رؤوس الناس، قد كَثُرتْ أموالُهم، وامتدّت وجَاهتُهم، فليس لهم دَأب ولا هِمّة إلّا التطاول في البناء، وهذا كما في الحديث المتقدّم: "لا تقومُ الساعةُ حتى يكون أحظَى الناس بالدُّنيا لُكَعُ ابن لُكَع" (٣). وفي الحديث الآخر: "لا تقوم الساعة حتى يَسُودَ كلَّ قبيلة رُذَالُها" (٤) وفي الحديث الآخر: "إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" (٥) ومَنْ فَسّر هذا بكثرة السراري لكثرةِ الفُتوحات، فقد كان هذا في صدر هذه الأمة كثيرًا جِدًّا، وليس هذا بهذه الصفة من أشراط الساعة المتاخمة لوقتها، واللَّه أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البَيْهَقيّ في كتابه "البعث والنشور": أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ، وأبو زكريا بن أبي إسحاق قالا: حدَّثنا عبد الباقي بن قانع الحافظ، حدثنا عبد الوراث بن إبراهيم العسكريّ، حدثنا سيف بن مِسكين، حدَّثنا المبارك بن فَضالة، عن الحسن، قال: قال عُتَيّ: خرجتُ في طَلب العلم، فقدمتُ الكوفة، فإذا أنا بعبد اللَّه بن مسعود، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، هل للساعة مِن عَلَم تُعرَفُ به؟ فقال: سألتُ رسولَ اللَّه ﷺ عن ذلك، فقال: "إن من أشراط الساعة أن يكون الولدُ غَيْظًا والمطرُ قَيْظًا، وتَفيض الأشرار فَيْضًا، وتغيض الأخيار غيضًا، ويُصَدَّق الكاذبُ، ويكذَّب الصادق، ويُؤتَمن الخَائن، ويُخوّنُ الأمين، ويَسودُ كلَّ قبيلة مُنافقُوها، وكلّ سوق فُخارها، وتُزخْرفُ المحاريبُ، وتَخْرَبُ القُلوبُ، ويكْتفِي الرَّجالُ بالرجال، والنِّساءُ بالنِّساء، ويَخْرَبُ عُمرانُ الدُّنيا، ويَعْمُرُ خَرابُها، وتَظْهَرُ الْفِتنَةُ، وأكلُ الرِّبا، وتَظْهَرُ المَعازف، والكُبور (٦)، وشُرْب الخَمْرِ، وتكثر الشُّرَط، والغَمَّازُونَ والهمَّازون". ثم قال البَيهَقِيّ: هذا إسناد فيه ضعف، إلّا أن أكثر ألفاظه، قد رُويت بأسانيد أُخَر مُتَفَرِّقَة.

стр. 7879

قلت: قد تقدّم في أولّ هذا الكتاب فصلٌ فيه ما يقع من الشرور في آخر الزمان، وفيه شواهد كثيرة لهذا الحديث. وفي "صحيح البخاريّ" من حديث عطاء بن يَسار، عن أبي هريرة: أنّ أعرابيًا سألَ رسولَ اللَّه ﷺ فقال: متى الساعة؟ فقال: "إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظر الساعة" قال: يا رسول اللَّه، كيف إضَاعتُها؟ فقال: "إذا وُسّد الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة" (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شُعْبةُ، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه قال: وأحْسَبه رَفَعه إلى النبيّ ﷺ قال: "بين يَدَي الساعة أيّام الهَرْج، أيام يزولُ فيها العلم، ويَظْهَرُ فيها الجَهْلُ" فقال أبو موسى: الهرج بلسان الحبش القتل (٢). ورَوى الإمام أحمد، عن أبي اليَمانِ، عن شُعَيْب، عن عبد اللَّه بن أبي حُسَيْن، عن شَهْرٍ، عن أبي سعيد: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقوم الساعةُ حتّى يَخْرُج الرجل من أهله، فيخبره نعلُه، أو سَوْطه، أو عصاه، بما أحدث أهْلُه بَعْدَه" (٣)، وروى أيضًا عن يزيد بن هارون، عن القاسم بن الفضل الحُدّانِيّ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده، لا تقومُ الساعةُ حتى يكلِّم السِّباعُ الإنسّ، ويكلم الرَّجُلَ عَذَبةُ سَوْطَه وشِرَاك نَعْلِهِ، ويُخْبِرَه فخذُه بما أحْدَثَ أهْلُه بعدَه" (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا عفّان، حدثنا حمّاد، هو ابن سَلَمَة، عن ثابت، عن أنس، قال: كنا نتحدّثُ: أنه لا تَقومُ الساعةُ حتّى تمطر السماءُ ولا تُنبِتَ الأرض، وحتّى يكُون لِخَمْسِينَ امرأةً القيِّمُ الواحِدُ، وحتى إنّ المرأةَ لتَمُرّ بالبَعلِ فينظرُ إلَيْهَا، فيقول: لَقَدْ كان لِهَذِهِ مَرَّة رجلٌ"، قال أحمد: ذكرَه حمّادٌ مَرّة هكذا، وقد ذكره عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ لا يشكُّ فيه، وقد قال أيضًا: عن أنس عن النبي ﷺ فيما يَحْسبُ. إسنادُه جيّد ولم يُخْرِجُوه من هذا الوجه (٥). وقال الإمامُ أحمد: حدَّثنا هُشَيْم، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قتادة، عن أنس بن مالك يرفع الحديث، قال: "لا تقوم الساعةُ حتى يُرْفَعَ العِلْمُ، ويَظْهَرَ الجَهْلُ، ويَقِل الرِّجالُ، ويَكْثُرَ النِّساء، حتى يَكُونَ قَيمَ خَمْسِينَ امْرَأَةً رَجَلٌ واحد" (٦). تقدّم له شاهد في الصحيح.

стр. 7880

وقال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا مَعْمَر، عن الزُّهريّ، أخبرني أنس بن مالك: أنّ رسول اللَّه ﷺ خرج حين زاغت الشمس، فصلَّى الظهر، فلمَّا سلّم قام على المِنْبر، فذكر الساعة، وذكر أن بَيْن يَدَيْها أمورًا عِظَامًا. . . وذكر تمام الحديث (١). وقال الإمامُ أحمد: حدَّثنا هاشم، وأبو كامل، قالا: حدّثنَا زُهَيْر، حدّثنا سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ حتى يَتَقاربَ الزَّمانُ، فتكونَ السنَةُ كالشهْر، ويكونَ الشهْرُ كالجُمعَةِ، وتكون الجُمُعة كاليوم، ويكونَ اليومُ كالساعة، وتكون الساعة كإحرَاقِ السَّعَفَة". (والسَّعَفَة الخوصة، زعم سهيل). وهذا الإسناد على شَرْط مُسْلِمٍ (٢). وقال أحمد: حدّثنا محمد بن عبد اللَّه، حدّثنا كامل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لن تذهب الدنيا حتى تَصِير لِلُكَعَ بنِ لُكَع". إسناد جيد قوي (٣). وقال أحمد: حدثنا يونس وسُرَيْجٌ قالا: حدثنا فُلَيْح، عن سعيد بن عبيد بن السَّبَّاق، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قَبْلَ الساعة سِنُون خَدَّاعةٌ، يُكَذَّبُ فيهَا الصَّادقُ، ويُصَدّقُ فِيهَا الكَاذِبُ، ويُخَوَّنُ فيها الأمين، ويُؤْتَمَنُ فيها الخَائن، ويَنْطِقُ فيهَا الرُّوَيْبِضَةُ" قال سُرَيج: "ويُنظَر فيها للرُّويبضة" (٤). وهذا إسناد جيّد، ولم يخرجوه من هذا الوجه (٥). وقال أحمد: حدّثنا هَوْذَةُ، حدَّثنا عَوف، عن شَهْر بن حَوْشَبٍ، عن أبي هريرة: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ من أشراط الساعةِ أنْ يُرَى رُعَاةُ الشاء رُؤوُسَ الناس، وأن يُرى الحُفَاةُ العُراةُ الجُوَّعُ يتَبَارَوْنَ في البناء، وأَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، أو رَبَّهَا". وهذا إسناد حسن، ولم يخرجوه من هذا الوجه (٦). وقال أحمد: حدّثنا عمار بن محمد، عن الصَّلت بن قُوَيْد، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تقومُ الساعة حتى لا تَنْطَحَ ذَاتُ قَرْنٍ جَمّاءَ" تفرد به أحمد، ولا بأس بإسناده (٧).
следующие страницы →